ليست واحدة حتى نقول: فيه تعارض، بل كلُّ يوم يصلِّي الرسول ﷺ خمس مرَّات، وإذا أمكن الجَمْعُ وَجَبَ الرُّجوعُ إليه قبل أن نقول بالنَّسخ، أو بالترجيح.
ثُمَّ يَجْلِسُ فِي تَشَهُّدِهِ الأخِير مُتَوَرِّكاً ............
قوله: «ثم يجلس في تشهده الأخير متورِّكاً»، أي: إذا أتى بما بقي إما ركعة إن كانت الصَّلاةُ ثلاثية، وإما ركعتين إن كانت رباعية جَلَسَ في التشهُّدِ الأخير متورِّكاً.
وكيفية التورُّك: أن يُخرِجَ الرِّجلَ اليُسرى مِن الجانب الأيمن مفروشة، ويجلس على مَقعدته على الأرض، وتكون الرِّجل اليُمنى منصوبة (١). وهذه إحدى صفات التورُّكِ.
الصفة الثانية: أن يَفرُشَ القدمين جميعاً، ويخرجهما مِن الجانب الأيمن (٢).
الصفة الثالثة: أن يَفرُشَ اليُمنى، ويُدخل اليُسرى بين فخذ وساق الرِّجل اليُمنى (٣).
كلُّ هذه وردت عن النبيِّ ﷺ في صفة التورُّك، وعلى هذا فنقول: ينبغي أن يَفعلَ الإنسانُ هذا مرَّة، وهذا مرَّة، بناءً على القاعدة التي قعَّدها أهلُ العلم وهي: أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة؛ ينبغي أن يفعلَها على جميع الوجوه الواردة، لأن هذا أبلغ في الاتَّباعِ مما إذا اقتصر على شيء واحد (٤).
стр. 1052
وعُلِمَ مِن قوله: «في تشهُّدِه الأخير» أنه لا تورُّك إلا في التشهُّدِ الأخير من صلاةٍ ذات تشهُّدين، والمراد التشهُّدُ الأخير الذي يعقبه السَّلام، وقولنا: «الذي يعقبه السَّلام» احترازٌ مِن التشهُّدِ الأخير الذي لا يعقبه سلام، كما لو سُبِقَ المأمومُ بركعة، وجَلَسَ مع إمامه في تشهُّدِه الأخير؛ فإنه لا يتورَّك لأن تشهُّدَه هذا لا يعقبه سلام.
ولكن ههنا مسألة؛ وهي أنه يجب على الإنسان الذي يفعل هذه العبادات المتنوِّعة أن يكون على يقين منها، فإن شكَّ رَجَعَ إلى ما يتيقَّنُه، فمثلاً: حديث ابن عباس في التشهُّدِ (١)، وحديث ابن مسعود (٢)، بينهما بعض الاختلاف فأحياناً ينسى الإنسان ما جاء في حديث ابن عباس، وحينئذ يقتصر على الذي يعلم، كما قلنا في القراءات الواردة في قراءة القرآن الكريم، إذا كُنتَ حافظاً لها مجيداً متقناً لها فالأفضل أن تقرأ بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة؛ ما لم يكن بحضرة العَوَام، وأما إذا كنت غير مجيد لها فإنك تقتصر على ما تعلم؛ لئلا تخلِّط في القرآن، وهكذا العبادات.
وَالْمَرْأَةُ مِثْلُهُ ............
قوله: «والمرأة مثله» أي: مثل الرَّجل؛ لعدم الدليل على التفريق بين الرَّجُل والمرأة، والأصل في النِّساء أنهن كالرِّجال في الأحكام، كما أن الأصل في الرِّجَال أنهم كالنِّساء في الأحكام.
ولهذا مَنْ قَذَفَ رجلاً ترتَّب عليه حَدُّ القَذْفِ، كما لو قَذَفَ امرأة مع أن آية القذف في النساء قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً
стр. 1053
أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤ ـ ٥] وقال النبيُّ ﷺ في المُوبِقَات: «وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافلاتِ المؤمناتِ» (١).
فالأصلُ اشتراكُ المكلَّفين مِن الرِّجَال والنِّساء في الأحكام؛ إلا ما قام الدَّليلُ عليه. مثل: الولاية العامة كالإمارة، والقضاء، وما أشبهه، فهي خاصَّة بالرِّجال، لكن قد تتولَّى المرأةُ إمارةً محدودة، كما لو سافرت مع نساء وصارت أميرتهنَّ في السَّفر، وكمديرة المدرسة، وما أشبه ذلك.
لَكِنْ تَضُمُّ نَفْسَهَا، وتسدل رجليها في جانب يمينها .............
قوله: «لكن تَضُمُّ نفسها» أي: أن المرأة تضمُّ نفسها في الحال التي يُشرع للرَّجل التَّجافي، كما في حال الرُّكوعِ والسُّجود يشرع للرَّجُل مجافاة العضدين عن الجنبين، وفي حال السجود مجافاة العضدين عن الجنبين، والفخذين عن الساقين.
والمرأة لا تجافي، بل تضمُّ نفسَها، فإذا سَجَدَتْ تجعل بطنَها على فخذيها، وفخذيها على ساقيها، وإذا ركعتْ تضمُّ يديها.
والدَّليل على ذلك: القواعد العامة في الشريعة، فإن المرأة ينبغي لها السَّتر، وضمُّها نفسها أستر لها مما لو جافت.
هكذا قيل في تعليل المسألة!.
والجواب على هذا من وجوه:
стр. 1054
أولاً: أن هذه عِلَّة لا يمكن أن تقاوم عمومَ النُّصوص الدَّالة على أن المرأة كالرَّجُل في الأحكام، لا سيما وقد قال النبيُّ ﷺ : «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (١) فإن هذا الخطاب عامٌّ لجميع الرِّجال والنساء.
ثانياً: ينتقض فيما لو صَلَّت وحدَها، والغالبُ والمشروعُ للمرأة أن تُصلِّي وحدها في بيتها بدون حضرة الرِّجال، وحينئذٍ لا حاجة إلى الانضمام ما دام لا يشهدها رِجَال.
ثالثاً: أنهم يقولون: إنها ترفع يديها، في مواضع الرَّفْعِ، ورَفْعُ (٢) اليدين أقربُ إلى التكشُّف مِن المجافاة، ومع ذلك يقولون: يُسَنُّ لها رَفْعُ اليدين؛ لأن الأصل تساوي الرِّجَال والنِّساء في الأحكام.
فالقول الرَّاجح: أن المرأة تصنعُ كما يصنعُ الرَّجُلُ في كلِّ شيء، فترفَعُ يديها وتجافي، وتمدُّ الظَّهرَ في حال الرُّكوعِ، وترفعُ بطنَها عن الفخذين، والفخذين عن الساقين في حال السُّجود.
قوله: «وتسدل رجليها في جانب يمينها» يعني: أنها تخالف الرَّجل في كيفيَّة الجلوس، فلا تفترش، ولا تتورَّك، ولكن تسدلُ الرِّجْلين بجانب اليمين في الجلوس بين السَّجدتين، وفي التشهُّدين. وهذا أيضاً ليس عليه دليل، بل الدليل يدلُّ على أنها تفعل كما يفعل الرَّجل تفترش في الجلوس بين السَّجدتين، وفي التشهُّدِ الأول، وفي التشهُّدِ الأخير في صلاة ليس فيها إلا تشهُّدٌ واحدٌ، وتتورَّك في التشهُّدِ الأخير في الثلاثية والرباعية.
стр. 1055
وعلى هذا؛ تكون المرأةُ مساوية للرَّجُل في كيفية الصَّلاة.
انتهى المؤلِّفُ ﵀ من الكلام على صفة الصَّلاة، ولكن لم يذكر ﵀ ماذا يقول بعد السَّلام مِن الصَّلاة؛ لأن الكتاب مختصر، ولكن ينبغي أن نعرفَ ماذا يقول الإنسان بعد السَّلام من الصَّلاة.
فيقول إذا سَلَّم: «أستغفرُ الله» ثلاث مرَّات (١) أي: أطلبُ مِن الله المغفرةَ، وإنما شُرع للإنسان سؤال المغفرة بعد أداء هذه العبادة العظيمة؛ لأنها جديرة بالاعتناء والاهتمام.
وكثيرٌ من الناس يُفرِّط فيها، إما بالمشروعات الظَّاهرة، أو بالمشروعات الباطنة. ففي المشروعات الباطنة يفرِّط تفريطاً كثيراً فيستولي الوسواسُ على صلاته أو أكثرها، وما أكثر الذين يُصلُّون بظواهرهم لا ببواطنهم، وفي المشروعات الظَّاهرة أيضاً لا يخلو الإنسان من تقصير أو تجاوز، ربما يُقصِّرُ في وَضْعِ اليدين، أو في استواء الظَّهر مع الرَّأس في الرُّكوع، أو في التَّجافي، أو في غير ذلك، وربَّما يكون منه تجاوز بالحركات، كما يشاهد مِن بعض المصلِّين.
وهذا كلُّه مِن الشيطان يُذكِّرُ الإنسان بالشيء، وإذا انتهى من الصَّلاة أنساه إيَّاه، حتى تأتي الصلاة الثانية ثم يذكره، ولهذا يُذكرُ أن رجلاً جاء إلى أبي حنيفة وقال: إنه نسيَ كذا وكذا، فقال له:
стр. 1056
اذهبْ فَصَلِّ، فذهب الرَّجُل وصَلَّى؛ فتذكَّر؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بأن الشيطان يقول للإنسان في حال صلاته: «اذكرْ كذا» (١).
فأبو حنيفة ﵀ استنبط مِن هذا الحديث: أن الصَّلاةَ سببٌ للتذكُّر.
والمهمُّ أن الاستغفار بعد السَّلام له مناسبةٌ عظيمة، وهي جَبْرُ التقصير والخلل في الصَّلاة، فنسأل الله المغفرةَ، ولهذا استُحبَّ للإنسان أن يختِمَ عملَه بالاستغفار، وأن يختِمَ عُمُرَه بالاستغفار، أما العُمُرُ فقد قال الله تعالى لرسوله ﵊: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا *﴾ [النصر] قال ابن عباس ﵄: هذا نعيُ رسول الله ﷺ ، وقال عُمرُ: ما أعلم منها إلا ما تقول (٢). وقال النبيُّ ﷺ : «خَبَّرَني رَبِّي أنِّي سأرى علامةً في أُمَّتي، فإذا رأيتُها أكثرتُ مِن قول: سبحان الله وبحمدِه، أستغفُر الله وأتوب إليه، فقد رأيتُها، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *﴾ فَتْح مكة، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا *﴾» (٣) فجاء نَصْرُ الله والفتحُ، ورأى العلامةَ، ولهذا كان يُكثر ﵊ بعد ذلك أن
стр. 1057
يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللَّهمَّ؛ ربّنا وبحمدك، اللَّهُمَّ اغفِرْ لي» (١).
ثم يقول بعد الاستغفار: «اللَّهُمَّ أنت السَّلامَ ومنك السَّلامُ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٢)، والمناسبة في هذا ظاهرة، كأنك تقول: اللَّهُمَّ أنت السَّلام، فسلِّمْ لي صلاتي مِن الرَّدِّ والنَّقْصِ، لأن الصَّلاةَ قد تُقبل وقد لا تُقبل، قد تُلَفُّ ويُضرب بها وَجْهُ صاحبها والعياذ بالله، وقد تُقبل، وما أربح الذين يَقبل الله صلاتهم!
ثم يقول ما وَرَدَ من الذِّكرْ.
والتَّرتيب بعد الاستغفار، وقوله: «اللَّهمَّ أنت السَّلامُ، ومنك السَّلامُ» لا أعلم فيه سُنَّة، فإذا قَدَّم شيئاً على شيء فلا حَرَجَ.
والمهمُّ أن يحرِصَ الإنسانُ على ما وَرَدَ عن النبيِّ ﵊ في هذا الباب، ومنه التسبيح والتحميد والتكبير وقد وَرَدَ على عدَّة أوجه:
الوجه الأول أن يقول: «سبحان الله» ثلاثاً وثلاثين، و «الحمد لله» ثلاثاً وثلاثين، و «الله أكبر» ثلاثاً وثلاثين، ويختمُ بـ «لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كُلِّ شيء قدير» فتكون مِئَة (٣).
الوجه الثاني أن يقول: «سبحان الله» ثلاثاً وثلاثين،
стр. 1058
و «الحمد لله» ثلاثاً وثلاثين، و «الله أكبر» أربعاً وثلاثين، فيكون الجميع مِئَة (١).
الوجه الثالث أن يقول: «سبحان الله» عشراً، و «الحمد لله» عشراً، و «الله أكبر» عشراً، فيكون الجميع ثلاثين (٢).
الوجه الرابع أن يقول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» خمساً وعشرين مرَّة، فيكون الجميع مِئَة (٣).
وهذا الاختلاف مِن اختلاف التنوُّع، وقد مَرَّ علينا أنه ينبغي للإنسان في العبادات الواردة على وجوه متنوِّعة أن يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، وذكرنا فوائد ذلك (٤) وينبغي أيضاً أن يَقرأ آيةَ الكرسيِّ؛ لأنه رُويَ فيها أحاديث عن النبي ﷺ (٥) لكن إن صَحَّت
стр. 1059
فقد وقعت محلَّها، وإن لم تكن صحيحة فهي زيادة حِرْزٍ للإنسان، لأن قراءة «آية الكرسي» يحفظُ الإنسانَ من الشياطين، وكذلك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *﴾ (١) ومن أراد بَسْطَ هذا فليرجعْ إلى الكتب المؤلَّفة في ذلك، مثل كتاب «الأذكار» للنووي، وكتاب «الوابل الصَّيِّب» لابن القيم، وهو كتاب مفيد؛ لأنه ﵀ ذَكَرَ فيه فوائد الذِّكر، وذَكَرَ فيه فوق مِئَة فائدة من فوائد الذِّكر ..
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ فِي الصَّلاةِ التِفَاتُهُ، .........
قوله: «ويكره في الصلاة التفاتُهُ» «التفات» نائب فاعل، يعني: يُكره للمصلِّي أن يلتفت؛ لأن النبي ﷺ سُئل عن الالتفات في الصَّلاة فقال: «هو اختلاسٌ يختلسُهُ الشيطانُ مِن صلاة العبد» (٢) أي: سرقة ونهب، يختلسه الشيطان مِن صلاة العبد، وقال لأنس بن مالك: «يا بُنيَّ، إيَّاك والالتفات في الصَّلاة، فإنه
стр. 1060
هَلَكَة، فإنْ كان لا بُدَّ ففي التطوّع لا في الفريضة» (١) ولأن الالتفات حركة لا مبرر لها، والأصل كراهة الحركات في الصَّلاة، ولأن في الالتفات إعراضاً عن الله ، فإذا قام الإنسان يُصلي فإنَّ اللهَ تعالى قِبَلَ وجهه، ولهذا حُرِّمَ على المُصلِّي أن يتنخَّعَ قِبَلَ وجهه؛ لأنه مِن سوءِ الأدب مع الله.
ولكن إذا كان الالتفات لحاجة فلا بأس، فمن الحاجة ما جرى للنبيِّ ﷺ يوم حُنين حيث أرسلَ عيناً تترقَّبُ العدوَ، فكان النبيُّ ﷺ يُصلِّي ويلتفت نحو الشِّعْبِ الذي يأتي منه هذا العين (٢) ـ والعين هو الجاسوس ـ ولأن النبيَّ ﷺ أمَرَ الإنسان إذا أصابه الوسواسُ في صلاته أن يَتْفُلَ عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم (٣)، وهذا التفاتٌ لحاجة.
ومِن ذلك: لو كانت المرأة عندها صبيُّها؛ وتخشى عليه؛ فصارت تلتفت إليه؛ فإن هذا مِن الحاجة ولا بأس به، لأنه عمل يسير يحتاج إليه الإنسان، ثم اعْلَمْ أن الالتفات نوعان:
١ ـ التفات حسِّي بالبدن، وهو التفات الرأس.
٢ ـ التفات معنوي بالقلب، وهو الوساوس والهواجيس التي تَرِدُ على القلب.
стр. 1061
فالالتفات بالبدن سبق حكمُه، أما الالتفات المعنوي القلبي فهذا هو العِلَّة التي لا يخلو أحدٌ منها، وما أصعب معالجتها! وما أقل السالم منها! وهو منقص للصلاة، ويا ليته التفات جزئي! ولكنه التفات من أول الصلاة إلى آخرها، وينطبق عليه أنه اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد، بدليل أن الرسول ﷺ لما شَكَى إليه الرَّجُلُ هذه الحال قال له: «ذاك شيطان يُقال له: خِنْزَبٌ، فإن أحسست به فاتفل عن يسارِك ثلاث مَرَّات، وتعوَّذ بالله منه» (١).
وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ...........
قوله: «ورفع بصره إلى السماء» أي: يُكره رَفْعُ بصرِه إلى السماء وهو يُصلِّي، سواءٌ في حال القراءة أو في حال الرُّكوعِ، أو في حال الرَّفْعِ من الرُّكوع، أو في أي حال من الأحوال؛ بدليل وتعليل:
أما الدليل، فلأن النبيَّ ﷺ قال: «لينتهينَّ أقوامٌ عن رَفْعِ أبصارِهم إلى السَّماءِ في الصَّلاة؛ أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم» (٢) أي: إما أن ينتهوا، وإما أن يعاقبوا بهذه العقوبة وهي: أن تُخطف أبصارهم فلا ترجع إليهم، واشتدَّ قوله ﷺ في ذلك، والحقيقة أن الدَّليل أقوى من المدلول؛ لأن الدليل يقتضي أن يكون رَفْعُ البصرِ إلى السَّماءِ محرَّماً، فإن الرَّسول ﷺ حَذَّر منه، واشتدَّ قوله فيه، ثم ذَكَرَ عقوبة محتملة، وهي أن تُخطف أبصارهم، ولا ترجع إليهم. ومن المعلوم أن التحذير عن الشيء بِذِكْرِ عقوبة يدلُّ على أنه حرام، كما قلنا في قوله ﷺ : «أَمَا يَخشى الذي يرفعُ رأسَه
стр. 1062
قبل الإمام أن يحوِّل اللهُ رأسَه رأسَ حِمارٍ، أو يجعل صورتَه صورةَ حِمار» (١)، إن هذا دليل على تحريم مسابقة الإمام، وقلنا في قوله ﵊: «لتسوُّن صفوفكم أو ليخالفَّن اللهُ بين قلوبكم» (٢)، إنَّ فيه دليلاً على القول الرَّاجح، وهو وجوب تسوية الصفِّ.
وهذا الحديث في رَفْع البصرِ إلى السَّماءِ لا يقصر دلالة عن دلالة قوله ﷺ : «أَمَا يَخشى الذي يرفعُ رأسَه قبل الإِمام أن يحوِّل اللهُ رأسَه رأسَ حِمار، أو يجعل صورتَه صورةَ حِمار»، بل قد يكون أشدَّ وأبلغَ أن يرجع بصرُ الإنسان إلى عمى قبل أن يرتدَّ إليه.
وأما التعليل: فلأن فيه سوء أدب مع الله تعالى؛ لأن المصلِّي بين يدي الله، فينبغي أن يتأدَّبَ معه، وأن لا يرفعَ رأسَه، بل يكون خاضعاً، ولهذا قال عَمرو بن العاص ﵁: إنه كان قبل أن يُسْلِمَ يكره النبيَّ ﷺ كراهةً شديدةً، حتى كان يحبُّ أن يتمكَّن منه فيقتله، فلما أسلَمَ قال: ما كنت أطيق أن أملأ عينيَّ منه؛ إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقتُ (٣).
ولهذا كان القول الرَّاجح في رَفْعِ البصرِ إلى السَّماءِ في الصَّلاة أنه حرام (٤)؛ وليس بمكروه فقط، ولكن إذا قلنا بأنه حرام؛ ثم رَفَعَ بصرَه إلى السَّماءِ؛ فهل تبطل صلاتُه؟
стр. 1063
الجواب: اختلفَ في ذلك أهلُ العِلم (١)، فقال بعضُهم: إنها تبطل الصلاة، وعلَّلوا ذلك بتعليلين:
التعليل الأول: أنه فِعْلٌ منهيٌّ عنه في العبادة، والإنسان إذا فَعَلَ فِعْلاً منهيًّا عنه في العبادة أبطلها؛ كالكلام في الصَّلاة، والأكل والشُّرب في الصَّوم؛ لأنه ينافيها.
التعليل الثاني: أن فيه انحرافاً عن القِبْلة؛ لأنه إذا رَفَعَ رأسَه صار مستقبلاً القِبْلة بجسده لا بوجهه.
ولكن الذي يظهر لي أن المسألة لا تَصِلُ إلى حَدِّ البطلان.
أما التعليل: بأنه انحرافٌ عن القِبْلة فإنه منقوضٌ بالالتفات، فإن الملتفت إلى اليمين أو اليسار قد انحرفَ عن القِبْلة، ومع ذلك لا تبطل صلاتُه.
وأما التعليل: بأنه فِعْلٌ منهيٌّ عنه في العبادة فأبطلها، كما أن الصَّلاة تبطل بالكلام؛ والصوم بالأكل والشُّرب؛ فهذا مثله، فهذا لا شَكَّ أنه تعليل قويٌّ؛ لكن النَّفْسَ لا تطمئنُّ إلى أَمْرِ المُصلِّي بالإعادة إذا رَفَعَ رأسَه إلى السَّماءِ، إنما نقول: إنَّ صلاتك على خَطَرٍ، وأما الإثم فإنك آثم، وبناءً على ذلك يجب على طالب العِلم إذا رأى الذين يرفعون أبصارهم في الصَّلاة أن يعلمهم أن هذا حرام، وأنا أرى كثيراً من الناس إذا رفَعَ رأسَه من الرُّكوع خاصَّة رَفَعَ وجهَه إلى السَّماءِ! فليَحْذَرْ ذلك.
وَتَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ، ..............
قوله: «وتغميض عينيه» أي: أنه يُكره تغميض عينيه، أي:
стр. 1064
تطبيقهما، وعُلِّلَ ذلك: بأنه فِعْلُ اليهود في صلاتهم، ونحن منهيُّون عن التَّشبُّهِ بالكُفَّار من اليهود وغيرهم، لا سيما في الشَّعائر الدينية؛ لأن دياناتهم ديانات منسوخة نَسَخَهَا الله تعالى بِشَرْعِ مُحمَّد ﷺ ، فلا يجوز أن نتشبَّه بهم في العبادات ولا غيرها.
ولكن يذكر كثيرٌ من الناس أنه إذا أغمض عينيه كان أخشع له. وهذا من الشيطان، يُخَشِّعُهُ إذا أغمض عينيه من أجل أن يفعل هذا المكروه، ولو عالجَ نفسَه وأبقى عينيه مفتوحة وحاول الخشوع لكان أحسن.
لكن لو فُرِضَ أن بين يديك شيئاً لا تستطيع أن تفتح عينيك أمامه؛ لأنه يشغلك، فحينئذٍ لا حَرَجَ أن تُغمض بقَدْرِ الحاجة، وأما بدون حاجة فإنه مكروه كما قال المؤلِّف، ولا تغترَّ بما يُلقيه الشيطان في قلبك من أنك إذا أغمضتَ صار أخشعَ لك.
وَإِقْعَاؤُهْ، ...........
قوله: «وإقعاؤه» أي: يُكره للمصلِّي إقعاؤه في الجلوس؛ لأن النبيَّ ﷺ نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب (١)، ولأنَّ الإنسانَ لا يستقرُّ في حال الإقعاء؛ لأنه يتعب.
والإقعاء له صُوَر:
الأولى: أن يَفْرُشَ قدميه، أي: يجعل ظُهُورَهما نحو الأرض، ثم يجلس على عقبيه، وهذا مكروه لما يلي:
أولاً: لأنه يشبه من بعض الوجوه إقعاء الكلب.
стр. 1065
ثانياً: أنه مُتْعِبٌ، فلا يستقرُّ الإنسانُ في حال جلوسه على هذا الوجه.
الصورة الثانية: أن ينصبَ قدميه ويجلسَ على عقبيه، وهذا لا شَكَّ أنه إقعاء، كما ثَبَتَ ذلك في «صحيح مسلم» مِن حديث عبد الله بن عباس ﵄، بعضُ أهل العلم (١) قال: إن هذه الصورة من الإقعاء من السُّنَّة، لأن ابن عباس ﵄ قال: «إنها سنة نبيِّك» (٢)، ولكن أكثرُ أهلِ العِلم على خلاف ذلك (٤٣٢) وأن هذا ليس من السُّنَّة، ويُشبه ـ والله أعلم ـ أن يكون قول ابن عباس ﵄ تحدُّثاً عن سُنَّة سابقة نُسخت بالأحاديث الكثيرة المستفيضة بأن النبيَّ ﷺ كان يفرُشُ رِجْلَه اليُسرى وينصب اليُمنى (٣).
الثالثة: ـ وهي أقربُها مطابقة لإقعاء الكلب ـ أن ينصب فخذيه وساقيه ويجلسَ على أليتيه، ولا سيما إن اعتمد بيديه على الأرض، وهذا هو المعروف من الإقعاء في اللغة العربية.
الصورة الرابعة: أن ينصبَ قدميه ويجلسَ على الأرض بينهما.
بقي صفات أخرى للجلوس لا تُكره لكنها خلاف السُّنَّة، كالتربُّع مثلاً؛ فليست مشروعةً ولا مكروهةً، ولكنها مشروعة في حال القيام إذا صَلَّى الإنسان جالساً في موضع القيام، والرُّكوع
стр. 1066
يتربَّع، وفي موضع السُّجود والجلوس يفترش إلا في حال التورُّك (١).
وافْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِداً، ...........
قوله: «وافتراش ذراعيه ساجداً» أي: يُكره أن يفترش ذراعيه حال السُّجود، وإنما قال: «ساجداً» لأن هذا هو الواقع؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: «اعتدلوا في السُّجود؛ ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (٢) لأن الإنسان لا ينبغي أن يتشبَّه بالحيوان، فإن الله لم يَذكرْ تشبيه الإنسان بالحيوان إلا في مقام الذَّمِّ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وقال النبيُّ ﷺ في الذي يتكلَّم والإمامُ يخطب: «كمثل الحِمَار يحمِلُ أسفاراً» (٣).
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] وقال النبيُّ ﷺ : «العائدُ في هِبَتِهِ كالكلب يَعودُ في قَيئِهِ، ليس لنا مَثَلُ السَّوْء» (٤).
إذاً؛ فالإنسان لا يُشبَّه بالحيوان إلا في حال الذَّمِّ، وبناءً على ذلك نقول: إذا كان التَّشبُّه بالحيوان في غير الصَّلاة مذموماً؛ ففي الصلاة من باب أَولى.
стр. 1067
فيجافي ذراعيه، ويرفعهما عن الأرض، إلا أن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا طال السُّجودُ وشَقَّ عليه؛ فله أن يعتمد بمرفقيه على ركبتيه (١)؛ لأن هذا مما فيه تيسير على المكلَّف، والشارعُ يريد منَّا اليُسر، ومن ثم شُرعت جلسة الاستراحة لمن يتثاقل أن ينهض بدون جلوس.
وَعَبْثُهُ، ..........
قوله: «وعبثه» أي: يُكره عبث المصلِّي، وهو تشاغله بما لا تدعو الحاجة إليه، وذلك لأن العبث فيه مفاسد:
المفسدة الأولى: انشغال القلب، فإنَّ حركةَ البَدَنِ تكون بحركة القلب، ولا يمكن أن تكون حركةُ البَدَن بغير حركة القلب، فإذا تحرَّك البَدَنُ لزم من ذلك أن يكون القلب متحرِّكاً، وفي هذا انشغال عن الصَّلاة، وقد قال النبيُّ ﵊ حينما نَظَرَ إلى الخميصة نظرةً واحدةً: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْم، وأْتُوني بأنبجانيَّة أبي جَهْم، فإنَّها ألهتني آنفاً عن صلاتي» (٢) فيؤخذ من هذا الحديث: تجنُّب كل ما يُلهي عن الصَّلاة.
المفسدة الثانية: أنَّه على اسمه عبثٌ ولغو، وهو ينافي الجديَّة المطلوبة مِن الإنسان في حال الصَّلاة.
المفسدة الثالثة: أنه حركة بالجوارح، دخيلة على الصَّلاة، لأنَّ الصَّلاةَ لها حركات معيَّنة مِن قيام وقعود ورُكوع وسُجود.
وأما ما ذَكَرَه صاحب «الرَّوض» (٣) ﵀ بقوله: لأنه
стр. 1068
﵊ رأى رَجُلاً يعبث في صلاته فقال: «لو خَشَعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه» (١) فهذا الحديث ضعيف، ولا يُحتجُّ به.
ورُويَ عن سعيد بن المسيِّب (٢)، ولكن المفاسد التي ذكرناها واضحة تُغْني عنه.
وَتَخَصُّرُهُ، .........
قوله: «وتخصُّره» أي: وَضْعُ يده على خاصرته، والخاصرة هي: المستدق من البطن الذي فوق الورك، أي: وسط الإنسان، فإنه يُكره؛ لأن النبيَّ ﷺ نَهى أن يُصلِّي الرَّجلُ (٣) متخصراً أي: واضعاً يديه على خاصرته. وقد جاء تعليل ذلك في حديث عائشة بأنه فِعْلُ اليهود (٤)، فكان اليهود يفعلون هذا في صلاتهم، ولأنَّه في الغالب يأتي في حال انقباض الإنسان، وكأنه يُفكِّرُ في شيء.
وَتَرَوُّحُهُ، ...........
قوله: «وتروحه» أي: أن يروِّحَ على نفسه بالمروحة، مأخوذة من الرِّيح، والمروحة تُصنع من خوص النَّخل، تُخصف ويوضع لها عود، ثم يتروَّح بها الإنسان، يحرِّكُها يميناً وشمالاً، فيأتيه الهواء، وهذا مكروه؛ لأنه نوع من العبث والحركة، ومُشْغِلٌ للإنسان عن صلاته، لكن إنْ دعت الحاجةُ إلى ذلك بأن كان قد أصابه غَمٌّ وحَرٌّ شديد ورَوَّحَ عن نفسِه بالمروحة، من أجل أن تخفَّ عليه وطأة الغَمِّ والحرِّ في الصَّلاةِ فإن ذلك لا
стр. 1069
بأس به؛ لأن القاعدة عند الفقهاء: أنَّ المكروه يُباح للحاجة.
وأما التروُّح الذي هو المراوحة بين القدمين بحيث يعتمد على رِجْل أحياناً، وعلى رِجْل أُخْرى أحياناً؛ فهذا لا بأس به، ولا سيما إذا طال وقوف الإنسان، ولكن بدون أن يقدِّمَ إحدى الرِّجلين على الثانية، بل تكون الرِّجْلان متساويتين، وبدون كثرة.
وَفَرْقَعَةُ أَصَابِعهِ، وَتَشْبِيكُهَا، ...........
قوله: «وفرقعة أصابعه» أي: ويُكره فرقعة أصابعه، أي: غمزها حتى تفرقع ويكون لها صوت، لأن ذلك مِن العبث، وفيه أيضاً تشويش على مَنْ كان حوله إذا كان يُصلِّي في جماعة.
قوله: «وتشبيكها» أي: يُكره التشبيك بين الأصابع؛ وهو إدخال بعضها في بعض في حال صلاتِه؛ لحديث وَرَدَ فيمَن قَصَدَ المسجدَ أن لا يُشَبِّكَنَّ بين أصابعه (١)، فإذا كان قاصدَ المسجد للصَّلاة منهيًّا عن التشبيك بين الأصابع، فمن كان في نَفْسِ الصَّلاةِ، فهو أَولى بالنَّهي، ويُذكر أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رَجُلاً قد شَبَّكَ بين أصابعه ففرَّج النبيُّ ﷺ بينهما (٢)، وأما بعد الصلاة فلا يُكره شيء من ذلك، لا الفرقعة، ولا التشبيك، لأن التشبيك ثَبَثَ عن النبيِّ ﷺ أنه فَعَلَه، وذلك في حديث ذي اليدين؛ حين صَلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابه إحدى صلاتي العشيِّ، فَسَلَّمَ من ركعتين، ثم
стр. 1070
قام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتَّكأ عليها، وشَبَّكَ بين أصابعه (١).
وأما الفرقعة فإن خشيَ أن تشوش على مَن حوله إذا كان في المسجد فلا يفعل.
وَأَنْ يَكُونَ حَاقِناً أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَشْتَهِيهِ، ..........
قوله: «وأن يكون حاقناً» أي: يُكره أن يُصلِّي وهو حاقن، والحاقن هو المحتاج إلى البول، لأن النبيَّ ﷺ نهى عن الصَّلاةِ في حضرة طعام، ولا وهو يُدافعه الأخبثان (٢).
والحكمة من ذلك: أن في هذا ضرراً بدنيًّا عليه، فإن في حبس البول المستعدِّ للخروج ضرراً على المثانة، وعلى العصب التي تمسك البول، لأنه ربما مع تَضخُّمِ المثانة بما انحقن فيها مِن الماء تسترخي الأعصاب، لأنها أعصاب دقيقة، وربما تنكمش انكماشاً زائداً، وينكمش بعضُها على بعض، ويعجز الإنسان عن إخراج البول، كما يجري ذلك أحياناً.
وفيه أيضاً ضررٌ يتعلَّقُ بالصَّلاة؛ لأن الإنسان الذي يُدافع البول لا يمكن أن يُحضر قلبه لما هو فيه من الصَّلاة؛ لأنه منشغل بمدافعة هذا الخَبَث، وإذا كان حاقباً فهو مثله، والحاقب: هو الذي حَبَسَ الغائط، فيُكره أن يُصلِّي وهو حابس للغائط يدافعه، والعِلَّة فيه ما قلنا في عِلَّة الحاقن، وكذلك إذا كان محتبس الرِّيح فإنه يُكره أن يُصلِّي وهو يدافعها.
стр. 1071
مسألة: إذا قال قائل: رَجُلٌ على وُضُوء، وهو يدافع البول أو الرِّيح، لكن لو قضى حاجته لم يكن عنده ماء يتوضَّأ به، فهل نقول: اقْضِ حاجتك وتيمَّم للصَّلاة، أو نقول: صَلِّ وأنت مدافع للأخبثين؟
فالجواب: نقول: اقْضِ حاجتك وتيمَّم، ولا تُصَلِّ وأنت تُدافع الأخبثين، وذلك لأن الصلاة بالتيمُّم لا تُكره بالإجماع، والصَّلاةُ مع مدافعة الأخبثين منهيٌّ عنها مكروهة، ومِن العلماء مَن حَرَّمها وقال: إن الصَّلاةَ لا تصحُّ مع مدافعة الأخبثين (١)، لقول الرسول ﷺ : «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يُدافعه الأخبثان» (٢).
مسألة: لو قال قائل: إنه حاقن، ويخشى إنْ قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة، فهل يُصلِّي حاقناً ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
فالجواب: يقضي حاجته ويتوضَّأ ولو فاتته الجماعة، لأن هذا عُذر، وإذا طرأ عليه في أثناء الصَّلاة فله أن يُفارق الإمام.
مسألة: إذا قال قائل: إنَّ الوقت قد ضاقَ، وهو الآن يُدافع أحد الأخبثين فإن قضى حاجته وتوضَّأ خرج الوقتُ، وإن صَلَّى قبل خروج الوقت صَلَّى وهو يدافع الأخبثين، فهل يُصلِّي وهو يدافع الأخبثين، أو يقضي حاجته ويُصلِّي؛ ولو بعد الوقت؟
فالجواب: إنْ كانت الصَّلاةُ تُجمع مع ما بعدَها فليقضِ
стр. 1072
حاجته وينوي الجمع؛ لأن الجمع في هذه الحال جائز، وإن لم تكن تُجمع مع ما بعدَها كما لو كان ذلك في صلاة الفجر، أو في صلاة العصر، أو في صلاة العشاء، فللعلماء في هذه المسألة قولان (١):
القول الأول: أنه يُصلِّي ولو مع مُدافعة الأخبثين حفاظاً على الوقت، وهذا رأي الجُمهور.
القول الثاني: يقضي حاجته ويُصلِّي ولو خرج الوقت.
وهذا القول أقرب إلى قواعد الشريعة؛ لأن هذا بلا شَكٍّ من اليُسر، والإنسان إذا كان يُدافع الأخبثين يَخشى على نفسِه الضَّرر مع انشغاله عن الصَّلاة.
وهذا في المدافعة القريبة.
أما المدافعة الشديدة التي لا يدري ما يقول فيها، ويكاد يتقطَّع من شدة الحصر، أو يخشى أن يغلبه الحَدَث فيخرج منه بلا اختيار، فهذا لا شَكَّ أنه يقضي حاجته ثم يُصلِّي، وينبغي ألا يكون في هذا خلاف.
قوله: «أو بحضرة طعام يشتهيه» أي: يكره أن يُصلِّي بحضرة طعام تتوقُ نفسُه إليه فاشترط المؤلِّف شرطين وهما:
١ ـ أن يكون الطَّعام حاضراً.
٢ ـ أن تكون نفسه تَتُوقُ إليه.
وينبغي أن يُزاد شرطٌ ثالث وهو: أن يكون قادراً على تناوله حِسًّا وشرعاً.
стр. 1073
فإنْ لم يحضر الطَّعام ولكنه جائع، فلا يؤخِّر الصَّلاة؛ لأننا لو قلنا بهذا؛ لزم أن لا يُصلِّي الفقير أبداً؛ لأن الفقير قد يكون دائماً في جوع، ونفسه تتوقُ إلى الطعام.
ولو كان الطَّعام حاضراً ولكنه شبعان لا يهتمُّ به فليصلِّ، ولا كراهة في حَقِّهِ.
وكذلك لو حضر الطَّعامُ، لكنه ممنوع منه شرعاً أو حِسًّا.
فالشرعي: كالصَّائم إذا حَضَرَ طعامُ الفطور عند صلاة العصر، والرَّجُل جائعٌ جدًّا، فلا نقول: لا تُصَلِّ العصر حتى تأكله بعد غروب الشمس. لأنه ممنوع من تناوله شرعاً، فلا فائدة في الانتظار.
وكذلك لو أُحضر إليه طعامٌ للغير تتوق نفسُه إليه، فإنه لا يُكره أن يُصلِّي حينئذٍ؛ لأنه ممنوع منه شرعاً.
والمانعُ الحسِّي: كما لو قُدِّمَ له طعام حارٌّ لا يستطيع أن يتناوله فهل يُصلِّي، أو يصبر حتى يبرد؛ ثم يأكل؛ ثم يُصلِّي؟
الجواب: يُصلِّي، ولا تُكره صلاتُه؛ لأن انتظاره لا فائدة منه.
كذلك لو أُحضر إليه طعام هو مِلْكه، لكن عنده ظالم يمنعه من أكله، فهنا لا يُكره له أن يُصلِّي؛ لأنه لا يستفيد مِن عدم الصَّلاةِ؛ لمنعه مِن طعامه حسًّا.
وخلاصة المسألة: أنها تحتاج إلى ثلاثة قيود:
١ ـ حضور الطَّعام.
стр. 1074
٢ ـ توقان النفس إليه.
٣ ـ القُدْرة على تناوله شرعاً وحِسًّا.
ودليل ذلك قول النبيِّ ﷺ : «لا صلاةَ بحضرة طعامٍ، ولا وهو يُدافعه الأخبثان» (١).
وكلام المؤلِّف يدلُّ على أن الصَّلاة في هذه الحال مكروهة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لا صلاة … »، وهل هذا النفي نفي كمال، أو نفي صحة؟
الجواب: جمهور أهل العِلم على أنه نفيُ كمال، وأنه يُكره أن يُصلِّي في هذه الحال، ولو صَلَّى فصلاتُه صحيحة (٢).
وقال بعض العلماء: بل النفيُ نفيٌ للصِّحَّة (٣)، فلو صَلَّى وهو يُدافع الأخبثين بحيث لا يدري ما يقول فصلاتُه غيرُ صحيحة، لأن الأصل في نفي الشَّرع أن يكون لنفي الصِّحَّة، وعلى هذا تكون صلاتُه في هذه الحال محرَّمة؛ لأن كلَّ عبادة باطلة فتلبُّسه بها حرام؛ لأنه يشبه أن يكون مستهزئاً؛ حيث تَلَبَّسَ بعبادة يعلم أنها محرَّمة.
وكلٌّ مِن القولين قويٌّ جدًّا.
وَتِكْرَارُ الْفَاتِحَةِ، .........
قوله: «وتكرار الفاتحة» أي: ويُكره تكرار الفاتحة مرَّتين، أو أكثر.
وتعليل ذلك: أنه لم يُنقل عن النبيِّ ﷺ . والمُكرِّرُ للفاتحة
стр. 1075
على وجه التعبُّد بالتكرار لا شَكَّ أنه قد أتى مكروهاً؛ لأنه لو كان هذا مِن الخير لفَعَلَهُ النبيُّ ﷺ ، لكن إذا كرَّر الفاتحةَ لا على سبيل التعبُّد، بل لفوات وصف مستحبّ؟ فالظَّاهرُ الجواز، مثل: أن يكرِّرها لأنه نسيَ فقرأها سِرًّا في حال يُشرع فيها الجهرُ، كما يقعُ لبعض الأئمة ينسى فيقرأ الفاتحةَ سِرًّا، فهنا نقول: لا بأس أن يُعيدها من الأول استدراكاً لما فات من مشروعية الجهر، وكذلك لو قرأها في غير استحضار، وأراد أن يكرِّرها ليحضر قلبه في القراءة التالية؛ فإن هذا تكرار لشيء مقصود شرعاً، وهو حضور القلب، لكن إن خشيَ أن ينفتح عليه باب الوسواس فلا يفعل، لأن البعض إذا انفتحَ له هذا البابُ انفتح له باب الوسواس الكثير، وصار إذا قرأها وقد غَفَلَ في آية واحدة منها رَدَّها، وإذا رَدَّها وغَفَلَ رَدَّها ثانية، وثالثة، ورابعة، حتى ربما إذا شدَّد على نفسه شَدَّد الله عليه، وربَّما غَفَلَ في أول مرَّة عن آية، ثم في الثانية يغفُلُ عن آيتين، أو ثلاث.
لَا جَمْعُ سُوَرٍ فِي فَرْضٍ كَنَفْلٍ.
قوله: «لا جمعُ سور في فرض كنفل» أي: لا يُكره جَمْعُ السُّور في الفرض. كما لا يُكره في النَّفل، يعني: أن يقرأ سورتين فأكثر بعد الفاتحة.
والدليل: حديث حُذيفة بن اليمان ﵁ أنه صَلَّى مع النبيِّ ﷺ ذات ليلةٍ فقرأ النبيُّ ﷺ سورة «البقرة» و «النساء»، و «آل عمران» (١) وهذا جمعٌ بين السُّور في النَّفل، وما جاز في النَّفل جاز في الفرض إلا بدليل، وما جاز في الفرض وَجَبَ في النَّفْل إلا بدليل، لأن الأصل تساويهما في الحُكم.
стр. 1076
والدليل على هذا الأصل: أن الصَّحابة لما حَكَوا صلاةَ النبيِّ ﷺ على راحلته في السَّفر وأنه يُوتر عليها قالوا: «غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبة» (١)، فلولا أن الفرض يُحذى به حذو النَّفل ما كان للاستثناء فائدة، فلما قالوا: «غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبة» علمنا أنهم فهموا أن ما ثَبَتَ في النَّفل؛ ثَبَتَ في الفرض، وإلا لما احتيجَ إلى الاستثناء، وعلى هذا فنقول: إنه لا بأس أن يجمع الإنسانُ في الفَرْضِ بين سورتين فأكثر.
مسألة: هل تفريق السُّورة في الركعتين جائز أم لا؟
الجواب: جائز؛ إلا إذا كان لما بقي تعلُّق بما مضى، فهنا ينبغي ألا يفعل، مثل لو قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَمَدُ *﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ١ ـ ٣] فهنا لا ينبغي أن يقفَ على هذا الموقف؛ لانقطاع الكلام بعضه عن بعض. أما إذا لم يكن محذور في الوقف فلا بأس.
ودليل ذلك: أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب بالأعراف فَرَّقها في الرَّكعتين (٢) وهذا يدلُّ على جواز تفريق السُّورة في الرَّكعتين، لكن ينبغي ملاحظة ما يُشرع مِن التطويل والتوسُّط والتقصير، كما هو معروف في أول صفة الصَّلاة (٣).
مسألة: هل يقرأ من أثناء السُّورة أم لا؟
стр. 1077
الجواب: يجوز أن يقرأ آية أو آيتين أو أكثر مِن أثناء السُّورة. هذا؛ وإن كان الأفضل عدمه حتى إن ابنَ القيم ذَكَرَ في «زاد المعاد» (١): أنه لم يُحفظ عن النبيِّ ﷺ أنه قرأ مِن أثناء السُّورة. ولكن يُقال: إنه قد ثَبَتَ عنه أنه كان يقرأ في سُنَّةِ الفجر في الرَّكعةِ الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ … ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وفي الثانية ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ … ﴾ (٢) [آل عمران: ٦٤].
والأصلُ أن ما ثَبَتَ في النَّفل ثَبَتَ في الفرض إلا بدليل، فالصَّحيح أنه يجوز أن يقرأ الإنسانُ الآية أو الآيتين أو أكثر من أثناء السُّورة، ولا بأس في ذلك في الفرض والنَّفل.
وَلَهُ رَدُّ المَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَدُّ الآي، وَالْفَتْحُ عَلَى إمَامِهِ وَلُبْسُ الثَّوْبِ، وَلَفُّ العِمَامَةِ، وَقَتْلِ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وقَمْلٍ ............
قوله: «وله ردٌّ المارِّ بين يديه». «له»: الضمير يعود على المُصلِّي، واللام هنا للإباحة كما هي القاعدة في أصول الفقه: أن العلماء إذا عَبَّروا باللام فهي للإباحة، كما أنَّهم إذا عَبَّروا بـ «على» فهي للوجوب، فإذا قالوا:
عليه أن يفعل … أي: واجب.
له أن يفعل .. أي: جائز.
فقول المؤلِّف: «له رَدُّ المارِّ بين يديه» يقتضي أن هذا مُباح.
وقوله: «ردُّ المَارِّ» يشمَلُ الآدمي وغير الآدمي، ومَنْ تبطل الصَّلاةُ بمروره، ومَنْ لا تبطل الصَّلاةُ بمروره.
وعلى هذا فإذا أراد أحدٌ أن يَمُرَّ بين يدي المُصلِّي؛ قلنا
стр. 1078
للمُصلِّي: أنت بالخيار؛ إنْ شئت فردَّه، وإنْ شئت فلا تردَّه، وإن رددته فليس لك أجر، وإنْ لم تردَّه فليس عليك وِزْر؛ لأن هذا شأن المباح، حتى لو أرادت امرأة أن تمُرَّ بين يديك ـ على كلام المؤلِّف ـ فأنت بالخيار؛ إنْ شئت فردَّها، وإن شئت فلا تردَّها. ولكن ما يقتضيه كلام المؤلِّف ﵀ خِلاف المذهب.
فالمذهب: أن الرَّدَّ سُنَّة (١)، أي: يُسَنُّ للمُصلِّي، ويُطلب منه شرعاً أن يردَّ المارَّ بين يديه.
ودليل ذلك: أمرُ النبيِّ ﷺ بهذا؛ حيث قال: «إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيء يستره مِن الناس، فأرادَ أحدٌ أن يجتاز بين يديه؛ فَلْيَدْفَعْهُ، فإن أبى فَلْيُقَاتِلْهُ فإنَّما هُو شيطان» (٢) فأمر بِدَفْعِهِ، وأقلُّ أحوال الأمر الاستحباب.
وقال أيضاً: «إذا كان أحدُكم يصلِّي، فلا يدعْ أحداً يمرُّ بين يديه، فإن أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّ معه القَرِينَ» (٣).
وعن الإمام أحمد ﵀ رواية ثالثة: أنَّ رَدَّ المارِّ واجب (٤)، فإن لم يفعل فهو آثم، ولا فَرْقَ بين ما يقطع الصَّلاة مروره، أو لا يقطع.
واستدلُّوا لهذا بقوله ﷺ : «فليدفعه» والأصلُ في الأمر
стр. 1079
الوجوب. ويقوِّي الوجوب: أن النبيَّ ﷺ قال: «فإن أبى فَلْيُقَاتِلْهُ» وأصل مقاتلة المسلم حرام، لقول النبيِّ ﷺ : «سبابُ المسلم فُسُوق، وقتاله كُفْرٌ» (١).
لكن من المعلوم أن المراد بالمقاتلة في رَدِّ المَارِّ الدَّفْع بشدة، لا أن تقتله بسلاح معك، أي: ليس قَتْلاً، ولكن مقاتلة، ومقاتلة كل شيء بحسبه، وحتى المقاتلة التي لا تؤدِّي إلى قتل هي حرام بالنسبة للمسلم مع أخيه إلا إذا وُجِدَ ما يسوِّغها.
قالوا: ولا يؤمر بما أصله الحرام إلا لتحصيل واجب، فلا يُؤمر بالقتال إلا إذا كان الدَّفْعُ واجباً؛ لأنه لا يبيح المُحَرَّم إلا الشيء الواجب. وقالوا أيضاً: في هذا فائدة وهي تعزير المعتدي؛ لأن المَارَّ بين يديك معتدٍ عليك، ولهذا قال الرسول ﵊: «فإنَّما هو شيطان» وفي لفظ: «فإن معه القَرِينَ» (٢) أي: أنَّ الشيطان يأمره، ورَدْعُ المعتدي أمْرٌ واجب.
وقالوا أيضاً: إنَّ فيه إحياء قلوب الغافلين؛ لأن كثيراً مِن النَّاسِ يمشي في المسجد وعيناه في السَّماءِ، ولا يبالي أكان الذي بين يديه مصلِّين أو غير مصلِّين، فإذا رَدَدتَهُ نبَّهتَه فيكون بذلك تنبيهاً للغافلين. وهذه الرواية عن أحمد كما ترى دليلُها الأثريُّ والنظريُّ قويان.
стр. 1080
ويحتمل أن يُقال: يُفرَّق بين المارِّ الذي يقطعُ الصَّلاةَ مروره، والمَارِّ الذي لا يقطع الصَّلاةَ مروره، فالذي يقطع الصَّلاةَ مروره يجب رَدُّه، والذي لا يقطع الصَّلاةَ مروره لا يجب رَدُّه؛ لأن غاية ما يحصُل منه أن تنقص الصَّلاةُ ولا تبطل، بخلاف الذي يقطع الصَّلاةَ مروره؛ فإنه سوف يبطل صلاتك ويفسدها عليك، ولا سيما إذا كانت فرضاً، فإن تمكينك مِن شخص يقطع صلاة الفَرْض عليك يعني أنك قطعت فرضك، والأصل في قَطْعِ الفرض التحريم.
وهذا قول وسطٌ بين قول مَن يقول بالوجوب مطلقاً، ومن يقول بالاستحباب مطلقاً، وهو قول قويٌّ.
مثال ذلك: إذا مَرَّت امرأة؛ فإنه يجب عليك أن تردَّها، وإذا مَرَّ كلبٌ أسود يجب أن تردَّه، وإذا مَرَّ حِمار يجب أن تردَّه، بخلاف ما إذا مَرَّ رَجُلٌ، أو بَهيمة غير حِمار، أو كلب غير أسود، أو أُنثى دون البلوغ، فإنه لا يجب عليك رَدُّه، ولكن يُسَنُّ ذلك.
ويحتمل أن يُفرَّق بين الفرض والنَّفل، فإذا كانت الصَّلاة فريضة ومَرَّ مَنْ يقطعها وجب رَدُّه، لأن الفريضة إذا شَرَعَ فيها حَرُمَ أن يقطعَها إلا لضرورة، وإلا لم يجب رَدُّه، بل يُسَنُّ. ولهذا كثيراً ما يأتي في كلام شيخ الإسلام ﵀ مثل هذا التَّفصيل بين القولين، ويقول: وهو بعضُ قول من يقول بالوجوب، أو ما أشبه ذلك، مثل قوله في الوِتر: إنَّ الوتر واجب على مَن كان له وِرْدٌ في الليل. قال: وهو بعض قول من يوجبه مطلقاً، لأن الوتر فيه ثلاثة أقوال للعلماء: سنة مطلقاً ـ وهو الصحيح، وواجب مطلقاً،
стр. 1081
وتفصيل؛ وهو اختيار شيخ الإسلام (١). والشاهد أنه يقول: وهو بعضُ قول من يوجبه مطلقاً. فإذا قلنا: يجب مَنْعُ المار إذا كان ممن يقطع الصَّلاةَ، صار بعض قول مَن يوجبه مطلقاً، فإن قال قائل: كيف نعتذر عن كلام المؤلِّف حيث إن ظاهره الإباحة مع ورود السُّنَّة بالأمر به؟
فالجواب: أنه يمكن أن يُحمل على أن الإباحة هنا في مقابلة توهُّمِ المَنْعِ، أو في مقابلة الكراهة، لأن رَدَّ المار عَمَلٌ وحركة مِن غير جنس الصَّلاة، والأصل فيها إما الكراهة؛ وإما المنع، فتكون الإباحة هنا يُراد بها نفي الكراهة، أو نفي المنع، فلا ينافي أن يكون الحكم مستحبًّا، يعني: يمكن أن يُقال هذا، لكن يمنعه أن هذه المسألة فيها قول بالإباحة مستقلٌّ معروف.
وقوله: «بين يديه». أي: بين يدي المصلِّي.
وقد اختُلف في المراد بما بين يديه (٢)، فقيل: إنه بمقدار ثلاثة أذرع مِن قدمي المصلِّي. وقيل: بمقدار رَمية حَجَر، يعني بالرَّمي المتوسط لا بالقويِّ جدًّا ولا بالضعيف. وقيل: ما للمصلِّي أن يتقدَّم إليه بدون بطلان صلاتِه. وقيل: إن مَرْجِعَ ذلك إلى العُرف، فما كان يعدُّ بين يديه، فهو بين يديه، وما كان لا يُعدُّ عُرفاً بين يديه، فليس بين يديه.
وقيل: ما بين رجليه وموضع سجوده. وهذا أقرب الأقوال، وذلك لأن المصلِّي لا يستحقُّ أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحقُّ أن يمنعَ النَّاس مما لا يحتاجه.
стр. 1082
أما إذا كان له سُترة فلا يجوز المرور بينه وبينها، لكن ينبغي أن يقرُبَ منها، بحيث يكون سجودُه إلى جنبها؛ لئلا يتحجَّر أكثر مما يحتاج، وقد كان بين مصلَّى النبيِّ ﷺ وبين الجدار الذي صَلَّى إليه قَدْرَ ممرِّ شاة.
وظاهرُ كلام المؤلِّف: أنه لا فَرْقَ بين أن يكون المَارُّ محتاجاً للمرور أو غير محتاج، فالمحتاج للمرور مثل: أن يكون باب المسجد على يمين المُصلِّي أو على يساره، وهو يريد أن يَعْبُرَ إلى باب المسجد، فهذا محتاجٌ للمرور، وذلك لعموم الأمر: « … فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه … » (١)، ولم يفصِّل النبيُّ ﷺ بين أن يكون المارُّ محتاجاً أو غير محتاج.
والغالب أن الإنسان لا يمرُّ بين يدي المصلِّي إلا وهو محتاج إلى المرور، فكيف نُخرِج ما كان هو الغالب مِن دلالة الحديث إلى ما ليس بغالب.
فالصحيح: أنه لا فَرْقَ بين أن يكون محتاجاً أو غير محتاج، فليس له الحقُّ أن يمرَّ بين يدي المصلِّي، وقد قال النبيُّ ﵊: «لو يعلمُ المارُّ بين يديِ المصلِّي ماذا عليه؛ لكان أن يقفَ أربعينَ خيراً له من أن يَمُرَّ بين يديه» (٢) أي: أربعين خريفاً؛ كما في رواية البزَّار: «لكان أنْ يقومَ أربعين خريفاً … » (٣).
стр. 1083
وظاهرُ كلام المؤلِّف أيضاً: أنه لا فَرْقَ بين مَكَّة وغيرها، وهذا هو الصَّحيح، ولا حُجَّة لمن استثنى مَكَّة (١) بما يُروى عن النبيِّ ﵊: «أنه كان يُصلِّي والنَّاسُ يمرُّون بين يديه، وليس بينهما سُترة» (٢) وهذا الحديث فيه راوٍ مجهول، وجهالة الرَّاوي طعنٌ في الحديث. وعلى تقدير صحَّتِه فهو محمولٌ على أنَّ رسول الله ﷺ كان يُصلِّي في حاشية المطاف، والطائفون هم أحقُّ النَّاسِ بالمطاف؛ لأنه لا مكان لهم إلا هذا، أما المصلِّي فيستطيع أن يُصلِّي في أيِّ مكان آخر، لكن الطائف ليس له مكان إلا ما حول الكعبة، فهو أحقُّ به. هذا إن صحَّ الحديث، ولهذا بوَّبَ البخاريُّ ﵀ في «صحيحه» باب: السُّتْرة بمَكَّة وغيرها (٣). يعني: أن مكَّة وغيرها سواء.
فإن قال قائل: إذا غلبه المَارُّ ومَرَّ فما الحكم؟
فالجواب: الإثم على المَارِّ، أما أنت إذا كنت قد قمت بما أمرك به النبيُّ ﵊، ولم تتمكَّن مِن دَفْعِ هذا المَارِّ فإنَّ صلاتك لا تنقص، ولكن هل تبطل بمرور المرأة؟
стр. 1084
الظَّاهر: أنها تبطل، وأنه يلزم استئنافها، وفي نفسي مِن هذا شيء، لأن المُصلِّي إذا فَعَلَ ما أُمِرَ به، وجاء الأمرُ بغير اختياره ولم يحصُل ذلك عن تفريط منه أو تهاون، فكيف نبطِلُ عبادته بفعل غيره؟ لأن الآثم هنا هو المَارُّ.
أما إذا كان هذا بتهاون منه، وعدم مبالاة كما يفعل بعضُ الناس، فهذا لا شَكَّ أن صلاته تبطل.
قوله: «وعَدُّ الآي» أي: وله عَدُّ الآي، أي: المُصلِّي. والآي: جَمْعُ آية، وعَدُّ الآيات قد يكون له حاجة، وقد لا يكون له حاجة، فمن الحاجة لعدِّ الآي إذا كان الإنسان لا يعرف الفاتحة؛ وأراد أن يقرأ بعدد آياتها مِن القرآن، فهو حينئذٍ يحتاج إلى العَدِّ، وإلاَّ فالغالب أنه لا يحتاج إلى عَدِّ الآي، لكن إذا احتاج فله ذلك، ولكن لا يعدُّها باللفظ؛ لأنه لو عَدَّها باللفظ لكان كلاماً، والكلام مبطلٌ للصَّلاة، لكن يعدُّها بأصابعه، أو يعدُّها بقلبه، ولا تبطل الصَّلاةُ بعمل القلب، ولا تبطل بعمل الجوارح؛ إلا إذا كَثُر وتوالى لغير ضرورة.
وله عَدُّ التسبيح، وهذا قد يحتاج إليه الإنسان، خصوصاً الإمام؛ لأن الإمام حَدَّدَ الفقهاء ﵏ التسبيحَ له بعشر تسبيحات، قالوا: أكثر التسبيح للإمام عشر، وأدنى الكمال ثلاث (١).
وله عَدُّ الركعات، وهذه قد تكون أحوج مما سَبَقَ، لأن
стр. 1085
كثيراً من الناس ينسى ويعدُّها بالأصابع، فهنا مشكل؛ لأنه إذا رَكَعَ لا بُدَّ أن يفرِّجَ أصابعه، وإذا سَجَدَ لا بُدَّ أن تكون أصابعه مبسوطة، وعلى هذا فيعدُّها بأحجار أو نَوى، فيجعل في جيبه أربع نَوى فإذا صَلَّى الرَّكعة الأُولى رَمى بواحدة، وهكذا حتى تنتهي، فهذا لا بأس به؛ لأن في هذا حاجة، وخاصة لكثير النسيان.
قوله: «والفتح على إمامه»، أي: وللمصلِّي الفتحُ على إمامه، أي: تنبيهه إذا أخطأ.
وقوله: «على إمامه» يعني: لا على غيره فلا تفتح على إنسان يقرأ حولك إذا أخطأ، ووجه ذلك:
١ ـ أنه لا ارتباط بينك وبينه؛ بخلاف الإمام.
٢ ـ أنه يوجب انشغال الإنسان بالاستماع إلى غير مَنْ يُسَنُّ الاستماع إليه، فيوجب أن تتابعه، وأنت غير مأمور بهذا.
والاقتصار على الإباحة؛ التي هي ظاهر كلام المؤلِّف؛ فيه نظر، وذلك أن الفتح على الإمام ينقسم إلى قسمين:
١ ـ فتح واجب.
٢ ـ فتح مستحب.
فأما الفتحُ الواجب، فهو الفتح عليه فيما يُبطل الصَّلاة تعمُّده، فلو زاد ركعةً كان الفتح عليه واجباً، لأن تعمُّد زيادة الرَّكعة مبطلٌ للصَّلاة، ولو لَحَنَ لَحْناً يُحيل المعنى في الفاتحة لوجب الفتحُ عليه؛ لأن اللَّحْنَ المحيل للمعنى في الفاتحة مبطلٌ للصَّلاةِ، مثل لو قال الإمام: (أهدنا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم * صِرَاطَ
стр. 1086
اللَّذِيْنَ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ) فيجب الفتح فيقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولو قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لوجب الفتح عليه؛ لأنه أسقط آية، وإذا أسقط آية من الفاتحة بطلت صلاتُه، فصار الفتح على الإمام فيما يبطل الصلاة تعمُّده واجباً.
وأما الفتح المستحبُّ فهو فيما يفوت كمالاً، فلو نسيَ الإمامُ أن يقرأ سورة مع الفاتحة، فالتنبيه هنا سُنَّة. وكذلك لو أسرَّ فيما يجهر فيه أو جهر فيما يُسر فيه.
ودليل هذا الحكم: قولُ النبيِّ ﷺ : «إنما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني» (١) فأمر بتذكيره.
وصَلَّى النبيُّ ﷺ صلاةً؛ فقرأ فيها؛ فَلُبِسَ عليه، فلما انصرفَ، قال لأُبيٍّ: «أَصلَّيتَ معنا؟» قال: نعم، قال: «فما منعكَ؟» (٢). أي: ما منعك أن تفتحَ عَليَّ، وهذا يدلُّ على أن الفتح على الإِمام أمرٌ مطلوب.
قوله: «ولبس الثَّوبِ» أي: أن المصلِّي له لُبْسُ الثوب، وكلام المؤلِّف هنا يحتاج إلى تفصيل:
فإن كان يترتَّب على لُبْسِهِ صحَّة الصَّلاة فلُبْسُهُ حينئذٍ واجب، مثل أن يكون عُرياناً ليس معه ثياب؛ لأن العُريان يصلِّي على
стр. 1087
حسب حاله، وفي أثناء الصلاة جِيء إليه بثوب، فَلُبْسُ الثوب هنا واجب.
ولا نقول: أبطلْ صلاتك، والبسْ الثوبَ؛ لأن ما سَبَقَ من الصَّلاةِ مأذون فيه شرعاً لا يمكن إبطاله، بل يبني عليه، ولهذا لما أخبرَ جبريلُ النبيَّ ﷺ بأن في نعليه قَذَراً خلعهما واستمرَّ (١)، وكذلك هنا نقول: لُبْسُ هذا الثوب واجب؛ لأنه لا يتمُّ الواجب إلاَّ به وهو ستر العورة.
أما إذا كان لا يتوقَّفُ على لُبْسِهِ صحَّة الصلاة، فالمؤلِّف يقول: «له ذلك»، ولكن هل يفعل هذا؟ أو نقول: لا تفعله إلاَّ لحاجة؟
الجواب: نقول: لا تفعله إلاَّ لحاجة، ومِن الحاجة أن يَبْرُدَ الإنسانُ في صلاتِه بعد أن شرع فيها، والثوب حوله؛ فله أن يأخذه ويلبسه؛ لأن هذه حاجة، بل قد يكون مشروعاً له أن يَلْبَسَهُ إذا كان لُبْسُ الثوب يؤدِّي إلى الاطمئنان في صلاته والراحة فيها.
قوله: «ولَفُّ العِمَامة» أي: له لَفُّ العِمَامة لو انحلَّت ولا حَرَجَ عليه، ولكن هل هذا على سبيل الإباحة؟
الجواب: إنْ كان انحلالها يشغله فلفُّها حينئذٍ مشروع، لأن في ذلك إزالة لما يشغله، وإنْ كان لا يشغله فالأمر مباح وليس بمشروع.
стр. 1088
ودليل ذلك: حديث وائل بن حُجْر «أن النبيَّ ﷺ صَلَّى فَرَفَعَ يديه عند تكبيرة الإِحرام، ثم التحفَ بثوبه، ثم وَضَعَ يده اليُمنى على اليُسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رَفَعَهما، ثم كبَّر فركع» (١) وهذا الحديث في «صحيح مسلم»، وفيه دليل على أنه لا بأس للمصلِّي إذا كان عليه مشلح مثلاً وأراد أن يكفَّ بعضه على بعض، ولا يدخل هذا في قوله: «لا أكفُّ شعراً ولا ثوباً» (٢) لأن كلَّ شيء بحسبه، ومن هنا يتبيَّن أن كَفَّ الغُترة في حال الصَّلاةِ إلى الخلف لا بأس به، لأنه من اللبس المعتاد، فما كففتها كفًّا أخرجها عن ما يعتاده الناس فيها، وكذلك لو لفَّها على رقبته فإنه لا بأس به أيضاً؛ ولو كَفّ أحد طرفي غترته حول رقبته، وسدلَ الأخرى، فإنه لا بأس به أيضاً؛ لأن كلَّ هذه من الألبسة المعتادة، فلا تُعَدُّ كفاً خارجاً عن العادة، ولهذا التحفَ النبيُّ ﷺ بردائه كما سبق، والالتحاف كفُّ بعضه على بعض.
قوله: «وقتل حية وعقرب» أي: له قَتْلُ حَيَّة، واللام هنا للإباحة، ولكن الإباحة هنا لبيان رَفْعِ الحرج، فلا ينافي أن يكون ذلك مستحبًّا ومشروعاً، فللمصلِّي أن يقتل الحيَّةَ، بل يُسَنُّ له ذلك؛ لأن النبيَّ ﷺ أَمَرَ به فقال: «اقتلوا الأسْودَين في الصَّلاةِ: الحيَّةَ والعقربَ» (٣).
стр. 1089
وفي «صحيح مسلم» أن رجلاً سأل ابنَ عمر: ما يقتل الرجُلُ من الدَّوابِّ وهو مُحرم؟ قال: حدثتني إحدى نسوة النبيِّ ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلبِ العقورِ، والفأرةِ، والعقربِ، والحُديَّا، والغُرابِ، والحيَّةِ، قال: وفي الصلاة أيضاً (١).
وعلى هذا؛ فيُسنُّ أن يقتل الحيَّةَ، فإن هاجمته وَجَبَ أن يقتلها دفاعاً عن نفسه، وله أيضاً قَتْل العقرب وهي أكثر لسعاً مِن لَدْغِ الحيَّة. فالحيَّة أحياناً لا تلدغ، فأحياناً تمرُّ على قدم الإنسان ولا تلدغه. لكن العقرب إذا أحسَّت بالجلد البشري لسعته.
قوله: «وقمل» أي: وله قتل قَمْلٍ في الصلاة. القملة: حشرة صغيرة تتولَّد داخل الثياب والشعر وتقرص الجلد وتمتصُّ الدَّم، وتشغل الإنسان، فله أن يقتلها، فإن أشغلته كان قتلها مستحبًّا، لكن إذا قتلها وتلوَّثت يدُه بالدَّم فهل يكون نجساً؟
الجواب: ليس بنجس؛ لأنه مما لا نَفْسَ له سائلة، كالدَّم الذي يكون في الذُّباب فلا يضرُّ، ولا ينجس.
مسألة: إذا قال قائل: هل له أن يتحكَّك إذا أصابته حِكَّة؟
فالجواب: له ذلك؛ لأنه إذا لم يفعل انشغل انشغالاً عظيماً، فله أن يَحُكَّ، وإذا انتقلت الحِكَّة مِن الأذن إلى الأخرى إلى الرقبة، فهل له أن يتنقَّل معها؟
стр. 1090
الجواب: له ذلك، وإن أمكن الصبر على هذه الحِكَّة فليصبرْ، لكن لو انشغل قلبُه بذلك فليحكَّها، لإزالة ما يمنعه مِن الخشوع ومن المعلوم أن الحكّة إذا حكّها الإنسان بردت وسكنت عليه.
فَإِنْ أَطَالَ الفِعْلَ عُرْفاً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا تَفْرِيقٍ بَطُلَتْ وَلَوْ سَهْوا ........
قوله: «فإن أطال الفعل عرفاً» «عُرفاً»: منصوبة بنزع الخافض، أي: إطالة في العرف.
والعرف: بمعنى العادة، وهو ما اعتاده النَّاسُ وألفوه.
قوله: «من غير ضرورة»: أي: من غير أن يكون مضطراً إلى الإطالة، مثل أن يهاجمه سَبُعٌ فإن لم يعالجه ويدافعه أكله، أو حيَّة إن لم يدافعها لدغته، أو عقرب كذلك، فهذا الفعل ضرورة فلا تبطل به الصلاة.
قوله: «ولا تفريق»: يعني: ليس مفرَّقاً؛ بأن يكون متوالياً في ركعة واحدة مثلاً، بخلاف ما لو تحرَّك حركة في الأُولى، وحركة في الثانية، وحركة في الثالثة، وحركة في الرابعة، فمجموعها كثير، وكلُّ واحدة على انفرادها قليل، فهنا لا تبطل الصَّلاة، لكن إذا كان متوالياً وكَثُرَ فإنه يبطل الصلاة.
فشروط بُطلان الصلاة بالحركة ثلاثة:
١ ـ أن تكون طويلة عُرفاً.
٢ ـ ألا تكون لضرورة.
٣ ـ أن تكون متوالية، أي: بغير تفريق.
فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة في الفعل صار مبطلاً للصَّلاة، لأنه حركة في غير جِنْسِ الصَّلاة، وهي منافية لها كالكلام، لأن الذي ينافي الصَّلاة يبطلها.