← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

اللَّذِيْنَ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ) فيجب الفتح فيقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولو قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لوجب الفتح عليه؛ لأنه أسقط آية، وإذا أسقط آية من الفاتحة بطلت صلاتُه، فصار الفتح على الإمام فيما يبطل الصلاة تعمُّده واجباً. وأما الفتح المستحبُّ فهو فيما يفوت كمالاً، فلو نسيَ الإمامُ أن يقرأ سورة مع الفاتحة، فالتنبيه هنا سُنَّة. وكذلك لو أسرَّ فيما يجهر فيه أو جهر فيما يُسر فيه. ودليل هذا الحكم: قولُ النبيِّ ﷺ : «إنما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني» (١) فأمر بتذكيره. وصَلَّى النبيُّ ﷺ صلاةً؛ فقرأ فيها؛ فَلُبِسَ عليه، فلما انصرفَ، قال لأُبيٍّ: «أَصلَّيتَ معنا؟» قال: نعم، قال: «فما منعكَ؟» (٢). أي: ما منعك أن تفتحَ عَليَّ، وهذا يدلُّ على أن الفتح على الإِمام أمرٌ مطلوب. قوله: «ولبس الثَّوبِ» أي: أن المصلِّي له لُبْسُ الثوب، وكلام المؤلِّف هنا يحتاج إلى تفصيل: فإن كان يترتَّب على لُبْسِهِ صحَّة الصَّلاة فلُبْسُهُ حينئذٍ واجب، مثل أن يكون عُرياناً ليس معه ثياب؛ لأن العُريان يصلِّي على

стр. 1087

حسب حاله، وفي أثناء الصلاة جِيء إليه بثوب، فَلُبْسُ الثوب هنا واجب. ولا نقول: أبطلْ صلاتك، والبسْ الثوبَ؛ لأن ما سَبَقَ من الصَّلاةِ مأذون فيه شرعاً لا يمكن إبطاله، بل يبني عليه، ولهذا لما أخبرَ جبريلُ النبيَّ ﷺ بأن في نعليه قَذَراً خلعهما واستمرَّ (١)، وكذلك هنا نقول: لُبْسُ هذا الثوب واجب؛ لأنه لا يتمُّ الواجب إلاَّ به وهو ستر العورة. أما إذا كان لا يتوقَّفُ على لُبْسِهِ صحَّة الصلاة، فالمؤلِّف يقول: «له ذلك»، ولكن هل يفعل هذا؟ أو نقول: لا تفعله إلاَّ لحاجة؟ الجواب: نقول: لا تفعله إلاَّ لحاجة، ومِن الحاجة أن يَبْرُدَ الإنسانُ في صلاتِه بعد أن شرع فيها، والثوب حوله؛ فله أن يأخذه ويلبسه؛ لأن هذه حاجة، بل قد يكون مشروعاً له أن يَلْبَسَهُ إذا كان لُبْسُ الثوب يؤدِّي إلى الاطمئنان في صلاته والراحة فيها. قوله: «ولَفُّ العِمَامة» أي: له لَفُّ العِمَامة لو انحلَّت ولا حَرَجَ عليه، ولكن هل هذا على سبيل الإباحة؟ الجواب: إنْ كان انحلالها يشغله فلفُّها حينئذٍ مشروع، لأن في ذلك إزالة لما يشغله، وإنْ كان لا يشغله فالأمر مباح وليس بمشروع.

стр. 1088

ودليل ذلك: حديث وائل بن حُجْر «أن النبيَّ ﷺ صَلَّى فَرَفَعَ يديه عند تكبيرة الإِحرام، ثم التحفَ بثوبه، ثم وَضَعَ يده اليُمنى على اليُسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رَفَعَهما، ثم كبَّر فركع» (١) وهذا الحديث في «صحيح مسلم»، وفيه دليل على أنه لا بأس للمصلِّي إذا كان عليه مشلح مثلاً وأراد أن يكفَّ بعضه على بعض، ولا يدخل هذا في قوله: «لا أكفُّ شعراً ولا ثوباً» (٢) لأن كلَّ شيء بحسبه، ومن هنا يتبيَّن أن كَفَّ الغُترة في حال الصَّلاةِ إلى الخلف لا بأس به، لأنه من اللبس المعتاد، فما كففتها كفًّا أخرجها عن ما يعتاده الناس فيها، وكذلك لو لفَّها على رقبته فإنه لا بأس به أيضاً؛ ولو كَفّ أحد طرفي غترته حول رقبته، وسدلَ الأخرى، فإنه لا بأس به أيضاً؛ لأن كلَّ هذه من الألبسة المعتادة، فلا تُعَدُّ كفاً خارجاً عن العادة، ولهذا التحفَ النبيُّ ﷺ بردائه كما سبق، والالتحاف كفُّ بعضه على بعض. قوله: «وقتل حية وعقرب» أي: له قَتْلُ حَيَّة، واللام هنا للإباحة، ولكن الإباحة هنا لبيان رَفْعِ الحرج، فلا ينافي أن يكون ذلك مستحبًّا ومشروعاً، فللمصلِّي أن يقتل الحيَّةَ، بل يُسَنُّ له ذلك؛ لأن النبيَّ ﷺ أَمَرَ به فقال: «اقتلوا الأسْودَين في الصَّلاةِ: الحيَّةَ والعقربَ» (٣).

стр. 1089

وفي «صحيح مسلم» أن رجلاً سأل ابنَ عمر: ما يقتل الرجُلُ من الدَّوابِّ وهو مُحرم؟ قال: حدثتني إحدى نسوة النبيِّ ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلبِ العقورِ، والفأرةِ، والعقربِ، والحُديَّا، والغُرابِ، والحيَّةِ، قال: وفي الصلاة أيضاً (١). وعلى هذا؛ فيُسنُّ أن يقتل الحيَّةَ، فإن هاجمته وَجَبَ أن يقتلها دفاعاً عن نفسه، وله أيضاً قَتْل العقرب وهي أكثر لسعاً مِن لَدْغِ الحيَّة. فالحيَّة أحياناً لا تلدغ، فأحياناً تمرُّ على قدم الإنسان ولا تلدغه. لكن العقرب إذا أحسَّت بالجلد البشري لسعته. قوله: «وقمل» أي: وله قتل قَمْلٍ في الصلاة. القملة: حشرة صغيرة تتولَّد داخل الثياب والشعر وتقرص الجلد وتمتصُّ الدَّم، وتشغل الإنسان، فله أن يقتلها، فإن أشغلته كان قتلها مستحبًّا، لكن إذا قتلها وتلوَّثت يدُه بالدَّم فهل يكون نجساً؟ الجواب: ليس بنجس؛ لأنه مما لا نَفْسَ له سائلة، كالدَّم الذي يكون في الذُّباب فلا يضرُّ، ولا ينجس. مسألة: إذا قال قائل: هل له أن يتحكَّك إذا أصابته حِكَّة؟ فالجواب: له ذلك؛ لأنه إذا لم يفعل انشغل انشغالاً عظيماً، فله أن يَحُكَّ، وإذا انتقلت الحِكَّة مِن الأذن إلى الأخرى إلى الرقبة، فهل له أن يتنقَّل معها؟

стр. 1090

الجواب: له ذلك، وإن أمكن الصبر على هذه الحِكَّة فليصبرْ، لكن لو انشغل قلبُه بذلك فليحكَّها، لإزالة ما يمنعه مِن الخشوع ومن المعلوم أن الحكّة إذا حكّها الإنسان بردت وسكنت عليه. فَإِنْ أَطَالَ الفِعْلَ عُرْفاً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا تَفْرِيقٍ بَطُلَتْ وَلَوْ سَهْوا ........ قوله: «فإن أطال الفعل عرفاً» «عُرفاً»: منصوبة بنزع الخافض، أي: إطالة في العرف. والعرف: بمعنى العادة، وهو ما اعتاده النَّاسُ وألفوه. قوله: «من غير ضرورة»: أي: من غير أن يكون مضطراً إلى الإطالة، مثل أن يهاجمه سَبُعٌ فإن لم يعالجه ويدافعه أكله، أو حيَّة إن لم يدافعها لدغته، أو عقرب كذلك، فهذا الفعل ضرورة فلا تبطل به الصلاة. قوله: «ولا تفريق»: يعني: ليس مفرَّقاً؛ بأن يكون متوالياً في ركعة واحدة مثلاً، بخلاف ما لو تحرَّك حركة في الأُولى، وحركة في الثانية، وحركة في الثالثة، وحركة في الرابعة، فمجموعها كثير، وكلُّ واحدة على انفرادها قليل، فهنا لا تبطل الصَّلاة، لكن إذا كان متوالياً وكَثُرَ فإنه يبطل الصلاة. فشروط بُطلان الصلاة بالحركة ثلاثة: ١ ـ أن تكون طويلة عُرفاً. ٢ ـ ألا تكون لضرورة. ٣ ـ أن تكون متوالية، أي: بغير تفريق. فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة في الفعل صار مبطلاً للصَّلاة، لأنه حركة في غير جِنْسِ الصَّلاة، وهي منافية لها كالكلام، لأن الذي ينافي الصَّلاة يبطلها.

стр. 1091

وعُلم من كلام المؤلِّف: أنه لو كانت الحركة قصيرة، فإن الصَّلاةَ لا تبطل، ولكن ما الميزان لقصر الحركة، أو طولها؟ الجواب: أفاد المؤلِّف: أن الميزان العُرف. والحقيقة: أن العُرف فيه شيء من الغموض، ولا يكاد ينضبط؛ لأن الأعراف تختلف باختلاف البُلدان، وباختلاف الأفهام، وقد يرى بعضُ الناس هذا كثيراً، وقد يراه آخرون قليلاً، ولكن أقربُ شيء أن يقال: إننا إذا رأينا هذا الشخص يتحرَّك ويغلب على ظَنِّنا أنه ليس في صلاة لكثرة حركته، فينبغي أن يكون هذا هو الميزان، أن تكون الحركة بحيث مَن رأى فاعلها ظَنَّ أنه ليس في صلاة؛ لأن هذا هو الذي يُنافي الصلاة. أما الشيء الذي لا ينافيها، وإنما هو حركة يسيرة، فلا تبطل الصلاة به. وقَدَّرَ بعض العلماء الحركة الكثيرة بثلاث حركات (١)، ولكن هذا التقدير ليس بصحيح؛ لأن الرسول ﷺ فَتَحَ البابَ لعائشة، وكان البابُ في القِبْلة، فتقدَّم ورَجَعَ (٢). وفي صلاة الكسوف تقدَّم ورَجَعَ وتأخَّر (٣)، وحين صُنع له المِنبرُ؛ صار يصلِّي عليه، فيصعد عند القيام والرُّكوع، وينزل للأرض عند السجود (٤).

стр. 1092

وعن أبي قتادة، أن رسول الله ﷺ كان يُصلِّي وهو حامل أُمَامَة بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ الله ﷺ ، فإذا قام حملها، وإذا سَجَدَ وضعها (١). وكلُّ هذه أفعال أكثر من ثلاث حركات. وقوله: «من غير ضرورة» عُلم أنه إذا كَثُرت الأفعال للضَّرورة لم تبطل الصلاة، ولا بأس به. ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ *﴾ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٨ ـ ٢٣٩] رجالاً: أي: راجلين، يعني: صَلُّوا وأنتم تمشون. أو رُكباناً: أي: على الرَّواحل. ومعلوم أن الماشي يتحرَّك كثيراً، فلو فُرض أنه لما شَرَع في صلاته أحسَّ بأن سَبْعاً وراءه يريده، وليس معه ما يُدافع به فهرب وهو يُصلِّي فصلاتُه صحيحة؛ لأنه في ضرورة، ولا حرج عليه إذا انصرف إلى غير القبلة. وقوله: «ولا تفريق» أي: أنه يُشترط في الفعل الكثير أن يكون متوالياً عُرفاً، فإن فرَّق لم تبطل الصَّلاة، فلو تحرَّك ثلاث مرَّات في الركعة الأولى، وثلاثاً في الثانية، وثلاثاً في الثالثة، وثلاثاً في الرابعة، لو جمعت لكانت كثيرة، ولما تفرَّقت كانت يسيرة باعتبار كلِّ رَكعة وحدها، فهذا لا يبطل الصلاة أيضاً. قوله: «ولو سهواً» أي: أن الصلاة تبطل بهذا الفعل، ولو

стр. 1093

كان الفعل سهواً، فلو فرضنا أن شخصاً نسيَ أنه في صلاة؛ فصار يتحرَّك: يكتب، ويعدُّ الدراهم، ويتسوَّك، ويفعل أفعالاً كثيرة. فإن الصَّلاةَ تبطل؛ لأن هذه الأفعال مغيِّرة لهيئة الصلاة، فاستوى فيها حال الذِّكْر وحال السهو. و «لو» هنا إشارة خلاف؛ لأن بعضَ أهل العلم (١) يقول: إذا وَقَعَ هذا الفعل مِن الإنسان سهواً فإن صلاته لا تبطل، بناءً على القاعدة العامة المعروفة وهي: «أنَّ فِعْلَ المحظور على وجه السَّهو لا يلحق فيه إثم ولا إفساد»، لكن الذين قالوا: إنه يؤثِّر؛ قالوا: إن هذا يُغيِّر هيئة الصلاة، ويخرجها عن كونها صلاة، وليس مجرد فِعْلٍ لا يؤثِّرُ، وهذا مما أستخيرُ الله فيه؛ أيهما أرجح. والحركة التي ليست مِن جِنْسِ الصَّلاة تنقسم إلى خمسة أقسام: ١ ـ واجبة. ٢ ـ مندوبة. ٣ ـ مباحة. ٤ ـ مكروهة. ٥ ـ محرَّمة. والذي يبطل الصلاة منها هو المُحرَّم. فالحركة الواجبة: هي التي يتوقَّف عليها صحَّةُ الصَّلاة، هذا هو الضَّابطُ لها، وصورها كثيرة منها: لو أن رَجُلاً ابتدأ الصَّلاةَ

стр. 1094

إلى غير القِبْلة بعد أن اجتهد، ثم جاءه شخصٌ وقال له: القِبْلة على يمينك، فهنا الحركة واجبة، فيجب أن يتحرَّك إلى جهة اليمين، ولهذا لمَّا جاء رَجُلٌ إلى أهل قُباء وهم يصلُّون إلى بيت المقدس، وأخبرهم بأن القِبْلة حُوِّلت إلى الكعبة، تَحوَّلوا في نفس الصلاة وبَنَوا على صلاتهم (١). ولو ذَكَرَ أن في غُترته نجاسة وهو يُصلِّي وَجَبَ عليه خَلْعُها؛ لإزالة النجاسة، ويمضي في صلاته. وإنْ كانت في ثوبه، وأمكن نزعه بدون كشف العورة؛ نَزَعَهُ ومضى في صلاته، وإن كان لا يمكنه نَزْعه إلا بكشف العورة؛ قَطَعَ صلاته، وغسل ثوبه، أو أبدله بغيره، ثم استأنف الصلاة. ولو ذَكَرَ أنَّه على غير وُضوء؛ فالصَّلاة لم تنعقد؛ فيجب أن يذهب ويتوضأ، ويستأنفها مِن جديد. ولو صَلَّى إلى يسار الإمام ـ وهو واحد ـ فانتقاله إلى اليمين واجب على قول مَن يرى أن الصلاة لا تصحُّ عن يسار الإمام (٢) مع خلوِ يمينه، والمسألة خلافية، وستأتي إن شاء الله (٣). والحركة المندوبة «المستحبَّة»: هي التي يتوقَّف عليها كمال الصلاة. ولها صور عديدة منها:

стр. 1095

لو أنه لم يستر أحد عاتقيه؛ فهنا الحركة لستر أحد العاتقين مستحبَّة، لأن الصحيح أنه ليس بواجب. ولو تبيَّن له أنه متقدم على جيرانه في الصفِّ فتأخُّره سُنَّة. ولو تقلَّص الصفُّ حتى صار بينه وبين جاره فرجة، فالحركة هنا سُنَّة. ولو صَفَّ إلى جنبيه رجلان، فتقدُّم الإمام هنا سُنَّة. والحركة المباحة: هي الحركة اليسيرة للحاجة، أو الكثيرة للضرورة. مثال الحركة اليسيرة: رَجُلٌ يُصلِّي في الظِّلِّ فأحسَّ ببرودة فتقدَّم، أو تأخَّر، أو تيامن، أو تياسر مِن أجل الشمس، فهذه مباحة، وقد نقول: إنها سُنَّة، فإن قال: إنِّي إذا كنت في الشمس تَمَّ خشوعي، وإذا كنت في الظلال تعبت مِن البرد؛ فهنا الحركة سُنَّة، لكن إذا كان لمجرد الدفء فقط فهي من المباحة. والحركة المكروهة: هي اليسيرة لغير حاجة، ولا يتوقَّف عليها كمال الصَّلاة، كما يوجد في كثير من الناس الآن؛ كالنظر إلى الساعة، وأخذِ القلم، وزَرِّ الأزرار، ومسحِ المرآة (١)، وغير ذلك. والحركة المحرَّمة: هي الكثيرة المتوالية لغير ضرورة. وَيُبَاحُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ، وَأَوْسَاطِهَا. قوله: «ويباح قراءة أواخر السُّور، وأوساطها» أي: أنه ليس بممنوع، وقد يكون سُنَّة، أما في النَّفْلِ فقد ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه

стр. 1096

كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ … ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وفي الثانية: ﴿ … ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] (١). يقرأ بهما أحياناً، ويقرأ أحياناً بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *﴾ … ﴾ في الأُولى و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *﴾ … ﴾ في الثانية (٢). أمَّا في الفريضة، فلم يُنقل عن النبيِّ ﷺ أنه قرأ مِن أوساط السُّور، لكن قرأ من أوائلها، وأواخرها، كما فَرَّقَ سورة «الأعراف» في ركعتين (٣). وكما فَرَّقَ سورة «المؤمنون» في ركعتين لمَّا أصابته سَعْلة (٤). وأمَّا أن يقرأ مِن وَسَطِ السُّورة فهذا لم يَرِدْ عن النبيِّ ﷺ في الفَرْضِ، ولهذا كرهه بعضُ أهل العلم بالنسبة للفرائض (٥)، ولكن الصحيح: أنه مباح. وعلى هذا فنقول: يجوز أن يقرأ أواخر السُّور، وأواسطها، وأوائلها في الفرض والنَّفْلِ. والدليل على ذلك: أولاً: عموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].

стр. 1097

وقول النبيِّ ﷺ : «اقرأ ما تيسر معك من القرآن» (١). ثانياً: أن النبيَّ ﷺ قرأ في النَّفْلِ من أواسط السُّور (٢)، وما ثَبَتَ في النَّفْلِ ثَبَتَ في الفرض؛ إلا بدليل. ولكن القول بالإباحة لا يساوي أن يقرأ الإنسان سورة كاملة في كلِّ ركعة؛ لأن هذا هو الأصل. ولهذا قال الرَّسولُ ﵊ لمعاذ: «فلولا صليت بهم بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا *﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *﴾» (٣) مما يدل على أن الأكمل والأفضل أن يقرأ بسورة كاملة، والأفضل شيء والمباح شيء آخر. وَإِذَا نَابَهُ شَيْءٌ سَبَّحَ رَجُلٌ، وَصَفَّقَتْ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الأُخْرَى. قوله: «وإذا نابه»: الضمير يعود على المُصلِّي لقرينة السياق. ومعنى «نابه»: أي: عرض له. قوله: «شيء»: نكرة في سياق الشرط فتعمُّ أيَّ شيء يكون، سواء كان هذا الشيء مما يتعلَّق بالصلاة، أم مما يتعلَّق بأمرٍ خارج، كما لو استأذن عليه أحدٌ، أو ما أشبه ذلك. فالذي يتعلَّق بالصلاة مثل: لو أخطأ إمامه فقام إلى خامسة في الرباعية، أو رابعة في الثلاثية، أو ثالثة في الثنائية فهنا نابه شيء متعلِّق بالصلاة. ومثال المتعلِّق بغير الصلاة: لو استأذن عليه شخص، بأن

стр. 1098

قَرَعَ عليه الباب وهو يُصلِّي، فإنه يُسبِّحُ الرَّجُلُ وتُصفِّقُ المرأةُ. قوله: «سبّح رجل» أي: قال: «سبحان الله»، فإنْ انتبه المُنبَّه بمرَّة واحدة، لم يعده مرَّة أخرى، لأنه ذِكْر مشروع لسبب فيزول بزوال السبب، وإنْ لم ينتبه بأول مرَّة كرَّره؛ فيسبِّحُ ثانية وثالثة حتى ينتبه المُنبَّه. قوله: «رجل» المراد به هنا الذَّكر، ولا يُشترط البلوغ حتى وإن كان مراهقاً فإنه يُسبِّح. قوله: «وصَفَّقت امرأة» أي: بيديها، والتفريق في الحكم بين الرجال والنساء ظاهر، لأن المرأة لا ينبغي لها أن تظهر صوتها عند الرجال؛ لا سيَّما وهم في صلاة، فلو سَبَّحت المرأة فربما يقع في قلب الإنسان فتنة؛ لا سيَّما إذا كان صوت المرأة جميلاً، وقد أخبر النبيُّ ﷺ : «أنَّ الشيطان يجري مِن ابن آدم مجرى الدَّم» (١)، وأنه: «ما تَرَكَ بعدَه فتنة أضرَّ على الرِّجَال من النساء» (٢). وقوله: «وصَفَّقت امرأة». ظاهر كلامه العموم، سواء كانت امرأة مع نساء لا رِجَال معهن، أم مع رِجَال فإنها لا تُسبِّح وإنما تُصفّق.

стр. 1099

وقال بعض العلماء: إذا لم يكن معها رِجَال فإنَّها تُسبِّح كالرِّجَال؛ وذلك لأن التسبيح ذِكْرٌ مشروع جنسه في الصَّلاة، بخلاف التصفيق؛ فإنه فِعْلٌ غير مشروع جنسه في الصلاة، ولجأت إليه المرأة فيما إذا كانت مع رِجَال؛ لأن ذلك أصون لها وأبعد عن الفتنة. ودليل هذه المسألة قول النبيِّ ﷺ : «من رَابَهُ شيءٌ في صلاته فَلْيُسبِّحْ، فإنه إذا سَبَّحَ التُفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء» (١) وفي لفظ مسلم: «إنما التصفيح للنساء» (٢). وإذا نظرنا إلى عموم الحديث قلنا: إن ظاهره لا فَرْقَ بين أن يكون مع المرأة رجال أو لا. وإذا تأملنا قلنا: بل ظاهر الحديث أنّ هذا فيما إذا كانت المرأة مع الرِّجَال؛ لأنه قال: «فَلْيُسَبِّحِ الرِّجال وليُصَفِّحِ النساء» (٣)، فالمسألة مسألة اجتماع رِجَال ونساء، فوظيفة الرِّجَال التسبيح، ووظيفة النساء التصفيق، والمسألة محتملة، فمَن نَظَرَ إلى ظاهر العموم قال: تُصفِّق، ومن نَظَرَ إلى ظاهر السياق قال: هذا فيما إذا كان معها رِجَال؛ ولا سيَّما إذا أُخذ بالتعليل الذي ذكرنا أن التسبيح ذِكْر مشروع جِنْسه في الصَّلاةِ بخلاف التَّصفيق. فإن قيل: لماذا خُصَّ التنبيه بالتسبيح دون غيره من الذِّكْرِ؟

стр. 1100

فالجواب: أن التسبيح يكون فيما إذا حَدَثَ للإمام نقصٌ صادرٌ عن نسيان أو خطأ، فناسب أن يكون التنبيه بالتسبيح؛ الذي هو تنزيه الله عن كلِّ نقص. قوله: «ببطن كفِّها على ظهر الأخرى» أي: تضرب بطن كفِّها على ظهر الأخرى. وقال بعض العلماء: بظهر كفِّها على بطن الأُخرى. وقال بعض العلماء (١): ببطن كفِّها على بطن الأُخرى، كما هو المعروف عند النساء الآن. وعلى كُلٍّ؛ فالأمر واسع، سواء كان التَّصفيقُ بالظَّهر على البطن، أم بالبطن على الظَّهر، أم بالبطن على البطن. المهمُّ ألا تسبِّحَ بحضرة الرِّجَال … مسألة: لو فُرض أن المأموم سَبَّح، ولكن الإمام لم ينتبه، وسَبَّح ثانية، ولم ينتبه، وربما سَبَّح به فقام؛ وسَبَّح به فجلس؛ فماذا يصنع؟ الجواب: قال بعض العلماء: يخبره بالخَلَلِ الذي في صلاته بالنُّطْقِ، فيقول: اركعْ … اجلسْ … قُمْ … ، ثم اختلف القائلون بأنه يقول هذا، هل تبطل الصَّلاةُ بذلك أم لا (٢)؟ فقال بعضهم: لا تبطل؛ لأن هذا كلام لمصلحة الصَّلاة، وليس كلام آدميين، يعني لم يقصد به التَّخاطب مع الآدميين، بل قَصَدَ به إصلاح الصَّلاة.

стр. 1101

واستدلُّوا لذلك: بأن النبيَّ ﷺ لمَّا قال له ذو اليدين: «بلى قد نسيتَ … قال: أكما يقول ذو اليدين؟» (١) وهذا كلامٌ يُخاطب به الآدميين؛ لكنه كلام لمصلحة الصَّلاة. القول الثاني: أن الصَّلاةَ تبطل إذا تكلَّم؛ لعموم قول النبيِّ ﷺ : «إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ مِن كلامِ النَّاسِ» (٢)، ولأن النبيَّ ﷺ أمرنا بالتَّسبيحِ (٣) ولو كان الخطابُ لمصلحة الصَّلاةِ لا يضرُّ لكان يأمر به؛ لأنه أقربُ إلى الفهم وحصول المقصود من التسبيح، فلما عَدَلَ عنه عُلِمَ أن ذلك ليس بجائز؛ لأن المصلحةَ تقتضيه لولا أنه ممتنع، ولا شَكَّ أن هذا الدليل قويٌّ، وأنَّ الصَّلاةَ تبطلُ إذا نبَّه بالكلام، ولكن نحتاج إلى الجواب عما استدلَّ به القائلون بأن الصَّلاةَ لا تبطل؛ لأن الكلام لمصلحة الصَّلاةِ. والجواب عن ذلك: أن النبيَّ ﷺ حين تكلَّم لم يكن يعلم أنه في صلاة، بل كان يظنُّ أنَّ الصَّلاةَ تمَّت، ولهذا قال: «لم أنسَ ولم تُقصرْ» ولما قالوا: صدق ذو اليدين، أو قالوا: نعم، لم يتكلَّم بعدُ، بل تقدَّم وصَلَّى ما تَرَكَ. وفَرْقٌ بين شخص يعلَمُ أنه في صلاة، ولكن يتكلَّم لمصلحة الصَّلاةِ، وشخص لم يتيقَّن أنه في صلاة، بل كان ظنُّه أنه ليس في صلاة، وأنَّ صلاتَه تمَّت، وحينئذٍ فلا يتمُّ الاستدلال بهذا الحديث.

стр. 1102

ولكن يبقى النَّظرُ؛ لو قال قائل: إذا لم نقل بأنّه يُنبَّه بالكلام فسيكون ألعوبة، يُقال: سُبحان الله فيجلس، سبحان الله فيقوم، سبحان الله فيجلس، سبحان الله فيقوم، فلا بُدَّ مِن كلام؟ فربَّما يُقال في هذه الحال: إذا دعت الضَّرورة يتكلَّم المُنبِّه، ثم يستأنف الصَّلاة، فنقول: تكلَّم لمصلحة الصلاة، فإنك إذا تكلَّمتَ الآن أصلحت صلاة الجماعة كلَّها وفسدت صلاتُك، واستأنف، فيكون لمصلحة الجميع، ومصلحة الجميع مقدَّمة على مصلحة الفرد، حتى لو بقيتَ مع الإمام سوف تبطل صلاتك، أو يؤدي الأمر إلى أن تفارق إمامك. مسألة: هل يمكن أن يُنبَّه بغير ذلك، أي: بغير التسبيح؟ الجواب: نعم؛ يجوز أن يُنبَّه بالنَّحْنَحَةِ؛ لأنَّ عليَّ بن أبي طالب كان له مدخلان مِن رسول الله ﷺ ، واحدٌ بالليل والثاني بالنهار، فإذا دخل عليه وهو يُصلِّي تَنَحْنَحَ له (١). فإذاً؛ هذا طريق آخر للتنبيه. وأيضاً: يجوز أن يُنبَّه بالجهر بالقراءة، والجهر بالقراءة جائز، فإذا استأذن عليك أحدٌ أو ناداك وأنت تُصلِّي؛ فرفعت صوتك بما تقول فهذا فيه تنبيه، لكن أفضل شيء هو التسبيح؛ لأن النبيَّ ﷺ أَمَرَ به.

стр. 1103

مسألة: هل للمُصلِّي أن يُنبِّه غير إمامه إذا أخطأ في شيء، كما لو كان الذي بجانبك يكثِرُ الحركة ويشغلك. الجواب: نعم؛ لك أن تُنبِّهَه، لأن هذا مِن إصلاح صلاته وصلاتك، بل حتى لو فُرض أنه لإصلاح صلاة أخيه فلا بأس. والدليل على هذا: سبب الحديث، وهو قوله ﵊: «إذا نابَكم شيء» فإنَّ سببه أنَّ معاويةَ بن الحكم ﵁ جاء والنبيُّ ﷺ يُصلِّي فصَلَّى، فعطس رَجلٌ مِن القوم فقال: الحمد لله. فقال له معاوية: يرحمك الله، فرمَاهُ النَّاسُ بأبصارهم ـ أي: جعلوا ينظرون إليه منكرين قوله ـ فقال: واثُكلَ أُمَّيَاه .. فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه، فسكتَ فلما سَلَّم النبيُّ ﷺ دعاه، وقال له: «إن هذه الصَّلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ مِن كلام النَّاسِ، إنَّما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (١). وقال للصَّحابة: «إذا نَابَكم شيءٌ في صلاتكم فليسبِّح الرِّجال ولتُصفق النساء» (٢). وهذه المسألة تتعلَّق بصلاة غيرهم، ولكنها في الواقع تتعلَّق بصلاتهم من وجه آخر، وهو أنه قد يكون في ذلك تشويش عليهم، فلهذا لم ينههم النبيُّ ﵊ عن إنكارهم لِمَا صَنَعَ معاوية. وَيَبْصُقُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ يَسَارِهِ، وَفِي المَسْجِدِ فِي ثَوْبِهِ. قوله: «ويبصق في الصلاة عن يساره» يبصق: تجوز بالزاي

стр. 1104

«يبزق» وتجوز بالسين «يبسق»؛ لأنه هذه الأحرف الثلاثة تتناوب في كثير من الكلمات، وذلك لتقارب مخارجها. وقوله: «يبصق في الصلاة عن يساره» أي: إذا احتاج المُصلِّي للبصاق، فإنه يبصق عن يساره، ولا يبصق عن يمينه ولا أمام وجهه. أما كونه لا يبصق قِبَلَ وجهِهِ، فلأن الله قِبَلَ وجهِهِ، ما من إنسان يستقبل بيتَ الله ليُصلِّي إلا استقبله الله بوجهه، في أيِّ مكان؛ لأن الله تعالى بكلِّ شيء محيط، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البقرة]، وليس من الأدب أن تبصُق بين يديك، والله تعالى قِبَلَ وجهك. ولو أنك فعلت هذا أمام عامَّة النَّاس لعُدَّ هذا سوء أدب، فكيف بين ملك الملوك جَبَّار السماوات والأرض؟! ولهذا لما رأى النبيُّ ﷺ رَجُلاً يؤمُّ قوماً، فبصقَ في القِبْلة؛ ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فَرَغَ: «لا يُصلِّي لكم»، فأراد بعدَ ذلك أن يصلِّي لهم، فمنعوه؛ وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكرَ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «نعم، إنك آذيت اللَّهَ ورسولَه» (١). أما عن اليمين فقد علَّلَ النبيُّ ﷺ ذلك «بأن عن يمينه

стр. 1105

مَلَكاً» (١) فلا تبصق عن اليمين؛ لأن عن يمينك مَلَكاً، ولا أمام وجهك؛ لأن الله قِبَلَ وجهِكَ (٢). إذاً؛ بقي اليسار، فتبصق عن اليسار؛ لأمر النبيِّ ﷺ بذلك (٣). فإن قال قائل في هذا الحديث إشكالان: الإشكال الأول: كون الله قِبَلَ وَجْهِ المُصلِّي، كيف يكون ذلك، ونحن نؤمن، ونعلم بأن الله تعالى فوق عرشه؟ الجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أنه يجب على الإنسان التَّسليم، وعدم الإتيان بـ «لِمَ» أو «كيف» في صفات الله أبداً، قل: آمنت وصَدَّقت، آمنت بأن الله على عرشه فوق سماواته، وبأنه قِبَلَ وجه المصلِّي، وليس عندي سوى ذلك، هكذا جاءنا عن رسول الله ﷺ ، وهذه الطريق تزيل إشكالات كثيرة، وتَسْلَم بها من تقديرات يقدِّرها الشيطان، أو جنوده في ذهنك. الوجه الثاني: أنَّ النصوص جمعت بينهما، وهذه ربَّما تكون متفرِّعة مِن التي قبلها، والنصوص لا تجمع بين متناقضين؛ لأن الجَمْعَ بين المتناقضين محال، ومدلول النصوص ليس بمحال. الوجه الثالث: أنَّ الله لا يُقاس بخلقه، فهبْ أنَّ

стр. 1106

هذا الأمر ممتنعٌ بالنسبة للمخلوق ـ أي: ممتنع أن يكون المخلوق على المنارة، وأنت في الأرض، وهو قِبَلَ وجهِكَ ـ لكن ليس ممتنعاً بالنسبة للخالق؛ لأن الله ليس كمثله شيء حتى يُقاس بخلقه. الوجه الرابع: أنه لا مُنافاة بين العلوِّ وقِبَلَ الوجه، حتى في المخلوق، ألم ترَ إلى الشمس عند غروبها أو شروقها؟ تكون قِبَلَ وَجْهِ مستقبلها وهي في السماء، فإذا كان هذا غير ممتنع في حَقِّ المخلوق فما بالك في حَقِّ الخالق؟ وأهمُّ هذه الأجوبة عندي، وأعظمها، وأشدُّها قدراً: الجواب الأول؛ أن نقِفَ في باب الصفات موقف المُسَلِّم لا المعترض، فنؤمن بأن الله فوق كُلِّ شيء، وبأنه قِبَلَ وَجْهِ المُصلِّي، ولا نقول: «كيف»، ولا «لِمَ»، وهذا يريح المُسلم من كُلِّ ما يورده الشيطان وجنوده على القلب مِن الإشكالات. يقول لك: هذا كيف يمكن؟ إذاً؛ يلزم أن تقول بالحلول، أن الله في الأرض، ثم يورد عليك هذا الإشكال، فتقول: أنا أؤمن بأنَّ الله فوقَ كلِّ شيء، وأنه قِبَلَ وَجْهِ المُصلِّي كما جاءت به النُّصوص، ولا أتعدى هذا. وأما الإشكال الثاني في الحديث: وهو أن البُصاق عن اليمين: عَلَّله النبيُّ ﷺ : «بأنَّ على يمينه مَلَكاً» وهذا التَّعليل يُشكل عليه؛ أن على يساره مَلَكاً أيضاً، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] فهذا مَلَكٌ وهذا مَلَكٌ، فما الجواب عن هذا؟ الجواب عن هذا: أن نقول: هناك طريقة ثانية أرشد إليها

стр. 1107

الرسول ﵊. قال النبيُّ ﵊: «أو يفعل هكذا»: وأخذ طرفَ رِدائه، فبزقَ فيه، وردَّ بعضَه على بعض (١) وفي هذه الحال لا يكون بصق عن يمينه، ولا عن شماله، ولا قِبَلَ وجهه. وطريقة ثالثة: وهي أن يبصق تحت قدمِه؛ لقول النبيِّ ﷺ : «ولكن عن يساره، أو تحت قدمه اليُسرى» (٢) لكن هذه الطريقة لا تَتَأتَّى في المسجد؛ لقول النبيِّ ﷺ : «البُصاق في المسجد خطيئة» (٣)، وكذلك البَصْق على اليسار لا يَتَأتَّى في المسجد؛ إلا أن يكون على طَرَفِ المسجد، بحيث إذا بصقَ عن يساره وقع البُصاق خارج المسجد. ولكن إذا أتينا بالصِّفةِ الأُولى، وهي أن يتفل عن يساره، فهذا أمر لا بُدَّ منه؛ لأنه إما أن يتفل عن يساره، أو يمينه، أو قِبَلَ وَجْهِهِ، ولا يمكن مِن ورائه إلا إذا انحرف عن القِبْلة، وهذا شيء لا يمكن. فنقول: إن الْمَلَكَ الذي عن اليمين مرتبته أعلى من المَلَكِ الذي عن اليسار، حتى إنّه جاء في بعض الآثار أنَّ الله أعطاه سُلطة على المَلَكِ الذي عن اليسار، بحيث لا يكتب مَلَكُ اليسار

стр. 1108

ما عَمِلَهُ العبدُ من السيئات إلا بعد إذن الْمَلَكِ الذي عن يمينه، فيقول الْمَلَكُ: انتظرْ لعله يتوب، فلا تكتب عليه (١). فإنْ صَحَّ هذا الأثر فهو واضح، وإنْ لم يصحَّ فلا شكَّ أنَّ مَن كان عن اليمين أعلى مرتبةً ممن كان عن اليسار. وكلُّهم ملائكة كِرام كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَامًا كَاتِبِينَ *﴾ [الانفطار]. قوله: «وفي المسجد في ثوبه» أي: تتعيَّن الطريقة الثانية إذا كان الإنسانُ في المسجد، وهي أن يبصقَ في ثوبه، فلا يبصق في المسجد، لأن النبيَّ ﷺ قال: «البُصَاق في المسجد خطيئة» لكن هذه الخطيئة إذا فَعَلَها كفارتُها دفنُها، وعلى هذا فنقول: لا تبصق في المسجد عن يسارك، ولكن ابصقْ في ثوبك. ولا يبصق تحت قدمِه في المسجد، وهي الطريقة الثَّالثة؛ لأن البُصاق في المسجد خطيئة؛ لكونه يلوِّث المسجد. وفي الحديث دليل على استعمال المروءة والأدب، حيث وصف النبيُّ ﷺ البُصاق في الثوب بأن «يحكَّ بعضه ببعض» من أجل إذهاب صورة البُصاق، لأن وجود صورة البُصاق في الثوب تتقزَّز النفس منه، ويؤدي ذلك إلى كراهة الرَّجُل. فأنت لو رأيت شخصاً ـ مثلاً ـ المخاطُ والأذى والقذُر في ثوبه فستكره ذلك الرَّجل لا الثوب، فلهذا ينبغي للإنسان أن يزيل عن ثيابه الأذى والوسخ، ومن ثم كان الرسول ﷺ يأمر عائشة

стр. 1109

فتتَّزر فيباشرها وهي حائض (١). لئلا يرى المحلَّ المتلوِّث بالدَّم، فإذا رآه تقزَّزت نفسه، واشمأزت، وربَّما يؤدِّي ذلك إلى كراهتها، وهذه نقطة ينبغي للإِنسان أن ينتبه لها، ومن ثم قال العلماء: ينبغي للإنسان أن ينظر في المرآة (٢). ولا أدري هل نحن ننظر في المرآة أم لا؟ … مِن الناس مَن يُفْرِط في النَّظر إلى المرآة ويبالغ ويغلو، كلَّما أراد أن يخرج نَظَرَ في المرآة، وأسرف في هذا، وهذا ليس بطيب؛ لأنه إسراف. ومِن الناس مَن يُفرِّط فتمضي المدَّة ما نَظَرَ في المرآة أبداً، والاعتدال خير، لا تفرط، ولا سيما إذا وُجِدَ سببٌ تخشى أن يكون شيء قد تلوَّث منك، إما الثوب، أو طرف الوجه، أو ما أشبه ذلك، كما لو أصيب الإنسان برُعاف قد تكون قطرات مِن الدَّم في أعلى ثوبه لا يراها فيحتاج إلى النَّظرِ في المرآة. وَتُسَنُّ صَلَاتُهُ إلَى سُتْرَةٍ قَائِمَةٍ كَمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، ...................... قوله: «وتسن صلاته إلى سُترة» أي: يُسَنُّ أن يُصلِّي إلى سُترة وسيأتي وصفها. وإذا عَبَّرَ الفقهاءُ ﵏ بكلمة «تُسَنُّ» فالمعنى: أنَّ مَن فَعَلَها فله أجر، ومَن تَرَكَها فليس عليه إثم. هذا حكم السُّنَّة عند الفقهاء. ودليل هذه السُّنيَّة: أمْرُ النبيِّ ﷺ وفِعْلُه.

стр. 1110

أما أمْرُه فإن النبيَّ ﷺ قال: «إذا صَلَّى أحدُكم فَلْيَسْتَتِرْ، ولو بسهم» (١). وأما فِعْلُه فقد كان النبيُّ ﵊ تُرْكَزُ له العَنَزة في أسفاره فيُصلِّي إليها (٢). والحكمة مِن السُّترة: أولاً: تَمْنَعُ نقصان صلاة المرء، أو بطلانها إذا مَرَّ أحدٌ مِن ورائها. ثانياً: أنَّها تحجُب نَظَرَ المصلِّي، ولا سيما إذا كانت شاخصة، أي: لها جِرْمٌ فإنها تُعين المصلِّي على حضور قلبه، وحَجْبِ بَصَرِه. ثالثاً: أن فيها امتثالاً لأمر النبيِّ ﷺ واتباعاً لهديه، وكلُّ ما كان امتثالاً لأمر الله ورسوله، أو اتباعاً لهدي الرسول ﵊ فإنَّه خير. وقوله: «تُسَنُّ صلاتُه إلى سُتْرَة» ظاهره: أنَّه سواء كان في سَفَرٍ أم في حَضَرٍ، وسواء خشي مارًّا أم لم يخشَ مارًّا، لعموم الأدلة في ذلك. وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم يخشَ مارًّا فلا تُسَنُّ

стр. 1111

السُّتْرة (١). ولكن الصحيح أن سُنيَّتها عامة، سواء خشي المارَّ أم لا. وعُلم من كلامه: أنَّها ليست بواجبة، وأنَّ الإنسان لو صَلَّى إلى غير سُترة فإنه لا يأثم، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم (٢)؛ لأنها من مكمِّلات الصَّلاة، ولا تتوقَّفُ عليها صحَّة الصَّلاة، وليست داخل الصَّلاة ولا مِن ماهيَّتها حتى نقول: إنَّ فقدَها مفسدٌ، ولكنها شيء يُراد به كمال الصَّلاة، فلم تكن واجبة، وهذه هي القرينة التي أخرجت الأمر بها من الوجوب إلى الندب. واستدلَّ الجمهور بما يلي: ١ ـ حديث أبي سعيد الخدري: «إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيءٍ يستُره من النَّاسِ؛ فأراد أحدٌ أن يجتازَ بين يديه؛ فَلْيَدْفَعْهُ» (٣) فإن قوله: «إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيء يستره» يدلُّ على أن المُصلِّي قد يُصلِّي إلى شيء يستره وقد لا يُصلِّي، لأن مثل هذه الصيغة لا تدلُّ على أن كلَّ الناس يصلون إلى سُتْرة، بل تدلُّ على أن بعضاً يُصلِّي إلى سُتْرة والبعض الآخر لا يُصلِّي إليها. ٢ ـ حديث ابن عباس: «أنَّه أتى في مِنَى والنبيُّ ﷺ يصلِّي فيها بأصحابه إلى غير جدار» (٤).

стр. 1112

٣ ـ حديث ابن عباس «صَلَّى النبيُّ ﷺ في فضاء ليس بين يديه شيء» (١) وكلمة «شيء» عامة تشمل كلَّ شيء، وهذا الحديث فيه مقال قريب، لكن يؤيِّده حديث أبي سعيد، وحديث ابن عباس السابقان. ٤ ـ أن الأصل براءة الذِّمَّة. القول الثاني: أن السُّتْرة واجبة (٢)؛ للأمر بها. وأجابوا عن حديث ابن عباس: «يُصلِّي في فضاء إلى غير شيء» بأنه ضعيف (٣)، وعن حديثه: «يُصلِّي إلى غير جدار» بأن نفي الجدار لا يستلزم نفي غيره، وحديث أبي سعيد يدلُّ على أن الإنسان قد يُصلِّي إلى سُترة وإلى غير سترة، لكن دلَّت الأدلَّة على الأمر بأنه يُصلِّي إلى سُترة. وأدلَّة القائلين بأن السُّتْرة سُنَّة وهم الجمهور (٤) أقوى، وهو الأرجح، ولو لم يكن فيها إلاَّ أن الأصل براءة الذِّمَّة فلا تُشغل الذِّمَّة بواجب، ولا يحكم بالعقاب إلا بدليل واضح لكفى. وأجاب الجمهور عن قول ابن عباس: «إلى غير جدار» أن ابن عباس أرادَ أن يستدلَّ به على أن الحِمار لا يقطع الصَّلاةُ، فقال: «إلى غير جدار» أي: إلى غير شيء يستره.

стр. 1113

أما المَأموم فلا يُسَنُّ له اتِّخاذ السُّترة؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يصلّون مع النبي ﷺ ولم يتخذ أحدٌ منهم سترة. ولكن هل يجوز المرور بين أيديهم؟ فيه قولان لأهل العلم (١): القول الأول: أنه لا يجوز أن يمرَّ بين أيديهم. واستدلُّوا: بعموم الأدلة: «لو يعلم المار بين يدي المصلِّي ماذا عليه؛ لكان أن يقفَ أربعين خيراً له من أن يمرَّ بين يديه» (٢) قالوا: وهذا عام. وعللوا: أن الإشغال الذي يكون للإمام والمنفرد بالمرور بين أيديهما حاصل بالمرور بين يدي المأموم، وربَّما يكثر المارة فيشعر المأموم بأنه منفصل عن إمامه، لأن الناس يمرُّون حتى يكونوا كالجدار بين يديه، ولا سيما في المساجد الكبيرة كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، وعلى هذا فلا يجوز لأحد المرور بين يدي المأمومين. القول الثاني: أنه لا بأس بالمرور بين أيدي المأمومين (٣). واستدلُّوا: بفعل ابن عباس ﵄، حينما جاء والنبيُّ ﵊ يُصلِّي بالناس بمِنَى، وهو راكبٌ على حِمار أتان ـ أي: أنثى ـ فدخل في الصفِّ وأرسل الأتان ترتع،

стр. 1114

وقد مرَّت بين يدي بعض الصف، قال: ولم يُنكر ذلك عليَّ أحد (١)، لا النبيُّ ﷺ ، ولا أحد من الصَّحابة، وهذا الإقرار يخصص عموم حديث: «لو يعلم المار بين يدي المصلِّي ماذا عليه». فالصَّحيح: أن الإنسان لا يأثم، ولكن إذا وَجَدَ مندوحة عن المرور بين يدي المأمومين فهو أفضل، لأن الإِشغال بلا شَكٍّ حاصل، وتوقِّي إشغال المصلِّين أمرٌ مطلوب؛ لأن ذلك مِن كمال صلاتهم، وكما تحب أنت ألاّ يشغلك أحدٌ عن صلاتك فينبغي أن تحبَ ألا تشغلَ أحداً عن صلاته؛ لقول النبيِّ ﷺ : «لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه» (٢). قوله: «قائمة» يعني: منصوبة. قوله: «كمُؤْخِرَة الرَّحْلِ» تشبيه لها كما جاء في الحديث عن النبيِّ ﵊ (٣). و «مُؤْخِرَة الرَّحْل»: هي: خشبة توضع فوق الرَّحل إذا رَكِبَ الراكبُ استند عليها، وهي حوالي ثلثي ذراع، أو ثلاثة أرباع ذراع، ورَحْلُ البعير هو: ما يشدُّ على ظهره للركوب عليه. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَاخِصاً فَإِلَى خَطٍّ ............... قوله: «فإن لم يجد شاخصاً» أي: شيئاً قائماً يكون له شخص.

стр. 1115

قوله: «فإلى خطٍّ» أي: فيُصلِّي إلى خطٍّ، والخطُّ له أثرٌ بالأرض، لأنَّ الأرض فيما سَبَقَ مفروشة بالرَّمْلِ أو بالحصباء، وإذا خطَّ الإنسانُ صار له أثرٌ بيِّنٌ، لكن أرض المساجد الآن مفروشة بالقماش، فهل نقول: إن الخط الذي هو خطُّ التلوين يجزئ عن الخطِّ الذي له أثرٌ؟ قال بعض أهل العلم: يجزئ كلُّ ما اعتقده سُتْرة (١)، وظاهره: حتى الخط الملوَّن، لكن في النفس مِن هذا شيء. فالظاهر: أن هذه الخطوط الملونة لا تكفي، لكن لو فُرض أن فيه خيطاً بارزاً في طرف الحصير، أو في طرف الفراش لصحَّ أن يكون سُتْرة، لأنه بارز. والدليل على ذلك أن النبيَّ ﷺ قال: « … فمَنْ لم يجدْ فَلْيَخطَّ خطًّا» (٢). وهذا الحديث قال عنه الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام»: «ولم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن» (٣) لأن ابن الصلاح ﵀ قال: إنه مضطرب، والمضطربُ من أقسام الحديث الضعيف. والحسن حُجَّة؛ لأنه يوجب غلبةَ الظَّنِّ حسب التعريف المعروف، وهو: ما رواه عدل خفيف الضبط بسند متَّصلٍ، وسَلِمَ من الشذوذ والعِلَّة القادحة. وعلى هذا؛ فيكون الحديث حُجَّة، فإذا لم تجد شاخصاً

стр. 1116

فخُطَّ خطًّا. ولكن كيف أخطُّ؟ هل أخطُّ خطًّا مقوَّساً كالهلال أو ممتدًّا كالعصا (١)؟ الجواب: يكفي أيُّ خط، ولهذا قال المؤلِّفُ: «فإلى خطٍّ» ولم يقيِّد، وكذلك في الحديث: «فليخطَّ خطًّا» وهذا الخطُّ يكون علامةً على المصلِّي ومفيداً له. وَتَبْطُلُ بِمُرُورِ كَلْبٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ فَقَطْ .............. قوله: «وتبطل» الضَّمير يعود على الصَّلاة، وهو شاملٌ للفريضة والنافلة، والبطلان أحياناً يُطلق على ما لم ينعقد، وأحياناً يطلق على ما انعقدَ ثم فَسَدَ، والثاني هو الأكثر، أي: أنَّ العلماء يطلقون البطلان على ما انعقدَ ثم فَسَدَ، وربَّما يطلقونه على ما لم ينعقد، كما لو قيل: لو تَرَكَ تكبيرةَ الإحرام بطلت صلاتُه، فهذا بطلان ما لم ينعقد، وكما لو قيل: يبطل البيع إذا كان الثمن مجهولاً، هذا بطلان ما لم ينعقد، وقول المؤلِّف هنا: «تبطل بمرور … » مِن بطلان ما انعقد. وقوله: «بمرور كلب»: أي: عبور الكلب من يمين المصلِّي إلى يساره، أو من يساره إلى يمينه، وأما صعود الكلب بين يدي المصلِّي فلا يبطلها، ولو فرضنا أنَّ كلباً أمامَك فإن صلاتك لا تبطل. وقوله: «بمرور كلب» الكلب: حيوان معروف. قوله: «أسود» أي: دون الأحمر، والأبيض، والأزرق. أو أيّ لون غير الأسود.

стр. 1117

قوله: «بهيم» أي: خالص لا يخالط سواده لون آخر، ومنه ما جاء في حديث عائشة ﵂: «تحشرون يوم القيامة حُفاةً عُراةً غرلاً» (١) وزاد في حديث عبد الله بن أُنيس: «بُهماً» (٢) يعني: ليس معكم شيء، فبَهيم يعني: لم يخالط سواده لون آخر؛ إلا أن بعض أهل العلم قال: إذا كان فوق عينيه نقطتان بيضاوان لم يخرج عن كونه بهيماً (٣). قوله: «فقط»: أي: لا غير، وهذه الكلمة ـ أعني «فقط» ـ قال النحويون في إعرابها: «الفاء» زائدة لتحسين اللفظ، و «قط» اسم بمعنى حسب، وهي مبنية على السكون، وبُنيت لأنها أشبهت الحرف بالوضع، لأنها على حرفين. قال ابن مالك في أسباب بناء الاسم: كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا. ولماذا فقَّط المسألة؟ فقَّطَها لأمرين: أولاً: ليخرج الكلب الأحمر والأبيض وما أشبه ذلك، وقد سُئل النبيُّ ﷺ كما في حديث أبي ذر ـ: ما بالُ الكلبِ الأسود، من الكلبِ الأحمر، من الكلبِ الأصفر؟ قال: «الكلبُ الأسودُ شيطان» (٤).

стр. 1118

والصحيح: أنه شيطان كلاب، لا شيطان جِنٍّ، والشيطان ليس خاصًّا بالجن قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] فالشيطان كما يكون في الجِنِّ يكون في الإِنس، ويكون في الحيوان، فمعنى شيطان في الحديث، أي: شيطان الكلاب، لأنه أخبثها ولذلك يُقتل على كُلِّ حال، ولا يحلُّ صيده بخلاف غيره. ثانياً: ليخرج المرأة والحمار. وهذا هو المشهور من المذهب؛ أن الصَّلاة لا تبطل إلا بمرور الكلب الأسود البهيم فقط، فلا تبطل بمرور غيره (١). والخلاصة: أن بطلان الصَّلاةِ بذلك له أربع شروط: ١ ـ المرور. ٢ ـ أن يكون المارُّ كلباً. ٣ ـ أن يكون أسود. ٤ ـ أن يكون بهيماً. فإن اختلَّ شرطٌ واحدٌ فلا بُطلان. وأما المرأة والحمار؛ فلا تبطل الصَّلاةُ بمرورهما على ما أفاده كلام المؤلِّف، وهو المذهب (٢). والدَّليل على أنَّ الكلب الأسود يُبطل الصَّلاةَ، حديث أبي ذرٍّ، أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا قامَ أحدُكم يُصلِّي، فإنه يَسْتُرُهُ إذا كان بين يديه مثلُ آخِرَةِ

стр. 1119

الرَّحْلِ، فإذا لم يكن بين يديه مثلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فإنه يقطعُ صلاتَهُ: الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ» (١) وفي بعض هذه الأحاديث الإطلاق كحديث عبد الله بن مُغَفَّل (٢)، وحديث أبي هريرة (٣). وقوله: «يقطع» أي: يبطل؛ لأن قَطْعَ الشيء فَصْلُ بعضِه عن بعض، تقول: قطعتُ السلك، أي: فصلت بعضَه عن بعض، فإذا مرَّ مَن يقطع الصَّلاة لم يمكن أن يبني آخرها على أوَّلها، فهذا هو الدليل. وهذا الدليل يقتضي أن الذي يقطعُ الصَّلاة ثلاثة، وليس الكلب الأسود البهيم فقط. لكنهم قالوا: إن هذا مخصَّصٌ بأدلة تخرجُ الحِمَار، وتخرجُ المرأةَ. أما الحِمار فخصَّصوه، بحديث ابن عباس حين جاء والنبيُّ ﷺ يصلِّي بالناس بمِنى، فمرَّ بين يدي بعض الصَّفِّ وهو راكبٌ على حِمار أتان، وأرسل الحِمارَ ترتع، ولم يُنكر عليه أحدٌ (٤). قالوا: فهذا ناسخ لحديث عبد الله بن مغفَّل وأبي هريرة، لأنه في آخر حياة النبيِّ ﷺ ، وفي هذا نَظَرٌ من وجهين: أولاً: أن النسخ هنا غير تامِّ الشُّروط؛ لأنه لم يكن هذا الفِعل في آخر لحظة مِن حياته ﷺ ، إذ مِن الجائز أن يكون حديث أبي هريرة، وعبد الله بن مغفَّل، وأبي ذرٍّ بعد حجَّة الوداع، ومِن شروط النسخ أن نعلم تأخُّر الناسخ.

стр. 1120

ثانياً: أن ابن عباس ﵄ لم يقل: إنه مَرَّ بين يدي الرسول ﷺ ، بل بين يدي بعض الصَّفِّ، ونحن نقول بموجب ذلك، أي: أن المأموم لا يقطع صلاتَه شيء؛ لا الكلب ولا غيره؛ لأن سُترة الإِمام سُترة له. وأما المرأة؛ فقالوا: عندنا دليلان على أن المرأة لا تقطع الصَّلاةَ. الدليل الأول: حديث عائشة ﵂ لما قيل لها: إن المرأة تقطعُ الصَّلاةَ ـ فغضبت وقالت: «قد شَبَّهْتُمُونا بالحمير والكلاب! لقد كنت أنام بين يدي النبيِّ ﷺ معترضة وهو يُصلِّي بالليل» (١). فلو كانت تقطع صلاته ما استمرَّ في صلاته. والجواب: أنَّ هذا الحديث ليس فيه دليل؛ لأن هذا ليس بمرور، والنبيُّ ﵊ يقول: «فلا يدع أحداً يمر» (٢)، وفَرْقٌ بين المرور والاضطجاع، ونحن نوافقكم على أن المرأة لو اضطجعت بين يدي المصلِّي لم تقطع صلاته. الدليل الثاني: أن النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي في بيت أُمِّ سَلَمة، فجاء عبدُ الله بن أبي سلمة أو عُمرُ بن أبي سلمة؛ يريد أن يتجاوز بين يدي الرسول ﵊ فَمَنَعَهُ، فجاءت زينبُ بنت أبي سَلَمة وهي طفلة صغيرة، فَمَنَعَها فلم تمتنع وعَبَرَت،

стр. 1121

فلما سَلَّمَ النبيُّ ﷺ قال: «هُنَّ أغلب» (١) ولم يستأنف الصلاة. ويُجاب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن هذا الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حُجَّة. والثاني: أن البنت صغيرة، والرسول ﷺ قال: «المرأة» (٢). والمرأة هي الكبيرة البالغة، ونحن نوافقكم على أن الصغيرة لا تقطع الصَّلاةَ. وعلى هذا فيكون القول الرَّاجحُ في هذه المسألة: أن الصَّلاة تبطل بمرور المرأة والحِمار والكلب الأسود، لثبوت ذلك عن النبيِّ ﷺ ولا مقاوم لهذا الحديث يعارضه حتى نقول: إنه منسوخٌ أو مخصَّصٌ، بل تبطل الصَّلاة، ويجب أن يستأنفها، ولا يجوز أن يستمرَّ؛ حتى لو كانت الصلاة نَفْلاً؛ لأنه لو استمرَّ لاستمرَّ في عبادة فاسدة، والاستمرار في العبادات الفاسدة محرَّم، ونوع مِن الاستهزاء بالله . إذ كيف يتقرَّب إلى الله بما لا يرضاه. ومِن قواعد أهل العلم: «كلُّ عقد فاسد، وكلُّ شرط فاسد، وكلُّ عبادة فاسدة، فإنه يحرم المضيُّ فيها». ولهذا لما شَرَطَ أهلُ بريرة الولاء لهم قام النبيُّ ﷺ فخطب الناس وقال منكراً عليهم:

стр. 1122

«ما بالُ أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله» (١). وَلَهُ التَّعَوُّذُ عِنْدَ آيَةِ وَعِيدٍ، وَالسُّؤَالُ عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ. قوله: «وله التعوُّذ» أي: للمصلِّي أن يتعوَّذ بالله. والتعوُّذ هو الاعتصام بالله تعالى من كلِّ مكروه. قوله: «عند آية وعيد» أي: إذا مَرَّ بآية وَعيد، فله أن يقول: أعوذ بالله من ذلك، وظاهر كلام المؤلِّف أنه لا فَرْقَ بين الإِمام والمأموم والمنفرد. أما المنفرد والإِمام فمُسَلَّم أن لهما أن يتعوَّذا عند آية الوعيد، ويسألا عند آية الرحمة. وأما المأموم فغير مُسلَّم على الإِطلاق، بل في ذلك تفصيل وهو: إن أدَّى ذلك إلى عدم الإنصات للإِمام فإنه يُنهى عنه، وإن لم يؤدِّ إلى عدم الإِنصات فإن له ذلك. مثال الأول: لو كانت آيةُ الوعيد في أثناء قراءة الإِمام، فإن المأموم إذا تعوَّذ في هذه الحال والإِمام لم يسكت انشغل بتعوُّذه عن الإِنصات للإِمام، وقد نهى النبيُّ ﷺ المأمومَ أن يقرأ والإِمامُ يقرأ؛ إلاَّ بأمِّ القرآن (٢). ولهذا لو دخلتَ في صلاة جهرية والإِمامُ يقرأ فلا تستفتح، بل كبِّرْ، واستعذْ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ الفاتحة، فصار ظاهر كلام المؤلِّف فيه تفصيل بالنسبة للمأموم. وقوله: «عند آية وعيد» أي: كلُّ ما يدلُّ على الوعيد، سواء

стр. 1123

كان بذِكْرِ النَّارِ، أم بذِكْرِ شيء مِن أنواع العذاب فيها، أم بذِكْرِ أحوال المجرمين، وما أشبه ذلك. قوله: «والسؤال عند آية رحمة» أي: وللمصلِّي أن يسأل الرحمة إذا مَرَّ بآية رحمة. مثاله: مرَّ ذكر الجنة يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أسألك الجنة، وله أن يسأله من فَضْله، ولو مرَّ ثناء على الأنبياء أو الأولياء أو ما أشبه ذلك فله أن يقول: أسأل الله من فضله، أو أسأل الله أن يلحقني بهم، أو ما أشبه ذلك. قوله: «ولو في فرض» هذا إشارة خلاف: هل له ذلك في الفرض، أو ليس له ذلك (١)؟ والصحيح: ما قاله المؤلِّف أنَّ له ذلك: لأن هذا لا يعدو أن يكون دعاء، والصَّلاةُ لا بأس بالدُّعاء فيها فله أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة، ولو كان في الفرض. والدليل: حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه صَلَّى مع النبي ﷺ ذات ليلة فقرأ النبيُّ ﷺ بالبقرة، والنساء، وآل عمران، لا يمرُّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تعوَّذ (٢). وهذا فِعْلُ الرَّسول ﵊، والأصل أنه أسوة لنا، وأن ما فَعَلَه فلنا أن نتأسَّى به، إلا ما دَلَّ عليه الدليل، فإذا قال قائل: هذا في النَّفْلِ فما دليلكم على جوازه في الفرض؟. فالجواب: أن ما ثَبَتَ في النَّفْل ثَبَتَ في الفرض إلا بدليل، وهنا لا دليل على الفَرْقِ بين الفرض وبين النفل.

стр. 1124

والراجح في حكم هذه المسألة أن نقول: أما في النفل ـ ولا سيما في صلاة الليل ـ فإنه يُسَنُّ له أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة؛ اقتداءً برسول الله ﷺ ، ولأن ذلك أحضرُ للقلب وأبلغُ في التدبر، وصلاة الليل يُسَنُّ فيها التطويل، وكثرة القراءة والركوع والسُّجود، وما أشبه ذلك. وأما في صلاة الفرض فليس بسُنَّة وإنْ كان جائزاً. فإن قال قائل: ما دليلك على هذا التفريق، وأنت تقول: إنَّ ما ثبت في النَّفْلِ ثَبَتَ في الفرض، فليكن سُنَّة في الفرض كما هو في النفل. فالجواب: الدليل على هذا أن الرسول ﷺ كان يصلي في كلِّ يوم وليلة ثلاث صلوات، كلَّها جهر فيها بالقراءة، ويقرأ آيات فيها وعيد وآيات فيها رحمة، ولم ينقل الصَّحابةُ الذين نقلوا صفة صلاة الرسول ﷺ أنه كان يفعل ذلك في الفَرْض، ولو كان سُنَّة لفَعَلَهُ ولو فَعَلَهُ لنُقل، فلمَّا لم ينقل علمنا أنه لم يفعله، ولما لم يفعله علمنا أنه ليس بسُنَّة، والصَّحابةُ ﵃ حريصون على تتبُّع حركات النبيِّ ﷺ وسكناته حتى إنهم كانوا يستدلُّون على قراءته في السرِّية باضطراب لحيته (١)، ولمَّا سكت بين التكبير والقراءة سأله أبو هريرة ماذا يقول (٢)؟ ولو كان يسكت عند آية الوعيد مِن أجل أن يتعوَّذ، أو آية الرحمة من أجل أن يسأل لنقلوا ذلك بلا شَكٍّ.

стр. 1125

فإذا قال قائل: إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا تمنعونه في صلاة الفرض كما مَنَعَهُ بعضُ أهل العلم؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (١)؟ فالجواب على هذه أن نقول: تَرْكُ النَّبيِّ ﷺ له لا يدلُّ على تحريمه؛ لأنه أعطانا ﵊ قاعدة: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء مِن كلام الناس، إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٢). والدعاء ليس من كلام الناس، فلا يبطل الصَّلاة، فيكون الأصل فيه الجواز، لكننا لا نندب الإِنسان أن يفعل ذلك في صلاة الفريضة لما تقدم تقريره. مسألة: لو قرأ القارئ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى *﴾ [القيامة]؟ فهذه ليست آية وعيد ولا آية رحمة فله أن يقول: بلى، أو «سبحانك فبلى»، لأنه وَرَدَ في حديث عن النبيِّ ﵊ (٣)، ونصَّ الإِمام أحمد عليه، قال الإِمام أحمد: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى *﴾ [القيامة] في الصلاة وغير الصلاة، قال: سبحانك فبلى، في فَرْضٍ ونَفْلٍ. وإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ *﴾ [التين] فيقول: «سبحانك فبلى» (٤).
следующие страницы →