ثم يفتن وبالعكس، فتسأل الله ألاَّ يفتنك بعدهم بشبهات تعرض لك، أو بإرادات سيئة، وهي فتنة الشهوات، والإنسان ما دامت روحه في جسده، فهو معرض للفتنة.
يُذكر أن الإمام أحمد ﵀، وهو في سياق الموت يغمى عليه ويُسمع يقول: بعد، بعد، فلما أفاق قيل له: يا أبا عبد الله ما بعد، بعد، قال: رأيت الشيطان أمامي يعض على يديه، يقول: فُتَّنِي يا أحمد، أي: عجزت أن أدركك وأغويك، فأقول: بعد بعد. أي: ما دامت الروح في الجسد، فالإنسان على خطر، ويدل لهذا قول النبي ﷺ : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيصدق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» (١).
ولهذا أوصي نفسي وإياكم أن نسأل الله دائماً الثبات على الإيمان وأن تخافوا؛ لأن تحت أرجلكم مزالق، فإذا لم يثبتكم الله وقعتم في الهلاك، واسمعوا قول الله لرسوله ﷺ أثبت الخلق وأقواهم إيماناً: ﴿ولَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً *﴾، أي: تميل ميلاً قليلاً، ولو فعلت ذلك ﴿لأََذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤ ـ ٧٥].
فإذا كان هذا للرسول ﷺ فما بالنا نحن؛ ضعفاء الإيمان، واليقين، وتعترينا الشبهات، والشهوات؛ فنحن على خطر عظيم. فعلينا أن نسأل الله تعالى الثبات على الحق، وألاَّ يزيغ قلوبنا.
стр. 2032
وهذا هو دعاء أولي الألباب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *﴾ [آل عمران].
قوله: «واغفر لنا ولهم» الغفر: هو ستر الذنب مع العفو، والتجاوز عنه، يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأنه مشتق من المغفر، وهو ما يوضع على الرأس أثناء القتال؛ لأجل وقاية السهام، فهو ساتر وواقٍ.
وَتُسَنُّ تَعْزِيَةُ المُصَابِ بِالْمَيِّتِ، .........
قوله: «وتسن تعزية المصاب بالميت»، السنة: ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه.
والتعزية: هي: التقوية، بمعنى: تقوية المصاب على تحمل المصيبة، وذلك بأن تورد له من الأدعية، والنصوص الواردة في فضيلة الصبر ما يجعله يتسلى وينسى المصيبة، لا أن تأتي إليه لتثير أحزانه مثل: أن تأتي لتعزيه بابنه، فتقول ـ مثلاً ـ: هذا ولد شاب صالح، فكيف يأخذه الموت، وما أشبه ذلك من الكلام.
ولما خرجوا بعقيل بن علي بن عقيل أحد الفقهاء الحنابلة، وكان هذا الولد طالب علم، وخرج الناس قام رجل وصاح بأعلى صوته: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨]. فزجره ابن عقيل ﵀ وقال: يا هذا، القرآن نزل لتسكين الأحزان، لا لتهييج الأحزان، وكلامك هذا يهيج الأحزان.
стр. 2033
وأحسن لفظ قيل في التعزية: ما اختاره رسول الله ﷺ عندما جاءه رسول من إحدى بناته يقول: إن عندها طفلاً يُحْتَضَر فقال رسول الله ﷺ لها: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب» (١).
قال: «إن لله ما أخذ وله وما أعطى»، أي: ولدك الذي أصبت به ليس لك بل لله، أبوك الذي أصبت به هو لله ليس لك.
وقال: «وكل شيء عنده بأجل مسمى»، أي: معين. قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، والمكتوب لا بد أن يقع، ولا يمكن أن يتغير عما كان عليه إطلاقاً، أي: لا تندم فتقول: ليتني ما فعلت كذا، وكذا وكذا.
قال: «مرها فلتصبر»، أي: على هذه المصيبة.
والصبر مثل اسمه مر مذاقته
لكن عواقبه أحلى من العسل فالصبر شديد لكن عواقبه حميدة.
قال: «ولتحتسب»، أي: تحتسب الأجر على الله ؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
قوله: «تعزية المصاب»: ولم يقل: تعزية القريب؛ من أجل الطرد والعكس، فكل مصاب ولو بعيداً فإنه يعزى وكل من لم يصب ولو قريباً فإنه لا يعزى، من أصيب فعزِّه، ومن لم يصب فلا تعزه.
стр. 2034
مثال ذلك: إذا قدرنا أن هناك ولداً شريراً قد آذى أباه وأهله، ثم مات، وإذا وَجْهُ أبيه تبرق أساريره، ويقول: الحمد لله الذي أراحنا منه، فهذا لا يعزى، مع أن الناس يجعلون العلة في التعزية القرابة، وهذا غلط. فالعلة هي: المصيبة.
ولهذا قال العلماء: إذا أصيب الإنسان ونسي مصيبته لطول الزمن، فإننا لا نعزيه؛ لأننا إذا عزيناه بعد طول الزمن، فهذا يعني أننا جددنا عليه المصيبة والحزن.
وَيَجُوزُ البُكَاءُ عَلَى المَيِّتِ، ..........
قوله: «ويجوز البكاء على الميت»، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ بكى على ابنه ابراهيم وقال: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (١)، «وبكى عند قبر إحدى بناته وهي تدفن». وهذا في البكاء الذي تمليه الطبيعة، ولا يتكلفه الإنسان، فأما البكاء المتكلف فأخشى أن يكون من النياحة التي يحمل عليها قول النبي ﵊: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» (٢).
«يعذب»: أي: في القبر، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، إذ كيف يعذب الإنسان على عمل غيره وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧]؛ ولأن تعذيب الإنسان بعمل غيره ظلم له؛ فإنه عقوبة لغير الظالم بفعل الظالم، وهذا ينافي عدل الله وحكمته ؟!
стр. 2035
فقال بعض العلماء: إن هذا في حق من أوصى به، أي: قال لأهله: إذا مت فابكوني.
وقيل: هذا في حق من كانت عادتهم، أي في قوم عادتهم البكاء، ولم ينه أهله عنه، فيكون كأنه أقرهم على ما اعتاده الناس من هذا الأمر.
وقيل: إن هذا في الكافر يعذب ببكاء أهله عليه.
وقيل: إن التعذيب هنا ليس تعذيب عقوبة، ولكنه تعذيب ملل وشبهه، ولا يلزم من التعذيب الذي من هذا النوع أن يكون عقوبة، ويشهد لذلك قول النبي ﷺ : «السفر قطعة من العذاب» (١)، مع أن المسافر لا يعاقب، لكنه يهتم للشيء ويتألم به، فهكذا الميت يُعلم ببكاء أهله عليه فيتألم ويتعذب رحمة بهم، وكونهم يبكون عليه، وليس هذا من باب العقوبة.
وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة.
ولكن البكاء الذي تمليه الطبيعة، ويحصل للإنسان بدون اختيار، فإن مثل هذا لا يؤلم أحداً؛ لأنه مما جرت به العادة، حتى الإنسان لا يتألم إذا رأى المصاب يبكي هذا البكاء المعتاد، وإنما يتألم ويرحم إذا بكى بكاء متكلفاً أو زائداً على العادة.
مسألة: هل يجوز للمصاب أن يحد على الميت بأن يترك تجارته أو ثياب الزينة، أو الخروج للنزهة، أو ما أشبه ذلك؟
стр. 2036
الجواب: أن هذا جائز في حدود ثلاثة أيام فأقل إلا الزوجة، فإنه يجب عليها أن تحد مدة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملاً، وإلا إلى وضع الحمل إن كانت حاملاً؛ ودليل هذا قوله ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» (١).
وإنما جاز هذا الإحداد لغير الزوجة لإعطاء النفوس بعض الشيء مما يهوِّن عليها المصيبة؛ لأن الإنسان إذا أصيب ثم كُبت بأن قيل له: اخرج وكن على ما كنت عليه، فإنه ربما تبقى المصيبة في قلبه، ولهذا يقال: إن من جملة الأدب والتربية بالنسبة للصبيان أنه إذا أراد أن يبكي أن يترك يبكي مدة قصيرة من أجل أن يرتاح؛ لأنه يخرج ما في قلبه، لكن لو أسكتّه صار عنده كبت وانقباض نفسي.
مسألة: هل يجوز أن يحد في أمر يلحقه أو عائلته به ضرر، مثل: أن يكون رجلاً متجراً، لو عطل التجارة لتضررت كفايته؟
الجواب: لا، هذا ليس مباحاً، بل هو إما مكروه، وإما محرم.
وَيَحْرُمُ النَّدْبُ، وَالنِّيَاحَةُ، وَشَقُّ الثَّوْبِ، وَلَطْمُ الخَدِّ، وَنَحْوُهُ.
قوله: «ويحرم الندب»، الندب: هو تعداد محاسن الميت بحرف الندبة وهو «وا» فيقول: واسيداه، وامن يأتي لنا بالطعام والشراب، وامن يخرج بنا إلى النزهة، وامن يفعل كذا وكذا.
стр. 2037
وسمي ندباً؛ كأن هذا المصاب ندبه ليحضر بحرف موضوع للندبة.
كما قال ابن مالك في الألفية (١): وَوَا لِمَنْ نُدِبَ.
قوله: «والنياحة» وهي: أن يبكي، ويندب برنة تشبه نوح الحمام؛ لأن هذا يشعر بأن هذا المصاب متسخط من قضاء الله وقدره.
فلهذا ورد الوعيد الشديد على من فعل ذلك حيث قال النبي ﷺ : «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (٢).
وإنما خص النائحة؛ لأن النياحة غالباً في النساء لضعفهن، وإلا فالرجال مثلهن إذا ناحوا على الميت.
قوله: «وشق الثوب»، فيحرم شق الثوب، كما يجري من بعض المصابين، فيشقون ثيابهم إما من أسفل، وإما من فوق؛ إشارة إلى أنه عجز عن تحمل الصبر على هذه المصيبة.
قوله: «ولطم الخد»، أي يحرم لطم الخد، وهو أن يلطم المصاب خد نفسه؛ لأن بعض المصابين من شدة إصابته يأخذ بلطم نفسه، فيضرب الخد الأيمن، ثم الأيسر، ثم الأيمن، ثم الأيسر، وهكذا.
وكذلك أيضاً لو لطم غير الخد، بأن لطم الرأس، أو ضرب برأسه الجدار، وما أشبه ذلك فكل هذا من المحرم.
стр. 2038
قوله: «ونحوه» مثل: نتف الشعر، فيأخذ بشعر رأسه وينتفه؛ لأن هذا كله يدل على تسخطه من المصيبة، وقد تبرأ النبي ﷺ من أمثال هؤلاء فقال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (١).
ومثل أن يقول: يا ويلاه، يا ثبوراه، وما أشبهه؛ لأنه ينبئ عن التسخط.
وليعلم أن الناس إزاء المصيبة على درجات:
الأولى: الشاكر.
الثانية: الراضي.
الثالثة: الصابر.
الرابعة: الجازع.
أمَّا الجازع: فقد فعل محرماً، وتسخط من قضاء رب العالمين الذي بيده ملكوت السموات والأرض، له الملك يفعل ما يشاء.
وأمّا الصابر: فقد قام بالواجب، والصابر: هو الذي يتحمل المصيبة، أي يرى أنها مرة وشاقة، وصعبة، ويكره وقوعها، ولكنه يتحمل، ويحبس نفسه عن الشيء المحرم، وهذا واجب.
وأمّا الراضي: فهو الذي لا يهتم بهذه المصيبة، ويرى أنها من عند الله فيرضى رضاً تاماً، ولا يكون في قلبه تحسر،
стр. 2039
أو ندم عليها؛ لأنه رضي رضاً تاماً، وحاله أعلى من حال الصابر.
ولهذا كان الرضا مستحباً، وليس بواجب.
والشاكر: هو أن يشكر الله على هذه المصيبة.
ولكن كيف يشكر الله على هذه المصيبة وهي مصيبة؟
والجواب: من وجهين:
الوجه الأول: أن ينظر إلى من أصيب بما هو أعظم، فيشكر الله على أنه لم يصب مثله، وعلى هذا جاء الحديث: «لا تنظروا إلى من هو فوقكم، وانظروا إلى من هو أسفل منكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (١).
الوجه الثاني: أن يعلم أنه يحصل له بهذه المصيبة تكفير السيئات، ورفعة الدرجات إذا صبر، فما في الآخرة خير مما في الدنيا، فيشكر الله، وأيضاً أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، فيرجو أن يكون بها صالحاً، فيشكر الله على هذه النعمة.
ويُذكر أن رابعة العدوية أصيبت في أصبعها، ولم تحرك شيئاً فقيل لها في ذلك؟
فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.
стр. 2040
والشكر على المصيبة مستحب؛ لأنه فوق الرضا؛ لأن الشكر رضا وزيادة.
انتهى بحمد الله تعالى المجلد الخامس
ويليه بمشيئة الله المجلد السادس
وأوله «كتاب الزكاة»
стр. 2041
الشرح الممتع
على
زاد المستقنع
لفضيلة الشيخ العلامة
محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
المجلد السادس
دار ابن الجوزي
طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ
стр. 2042
كِتَابُ الزَّكَاةِ
قوله: «كتاب الزكاة».
العلماء ﵏ يترجمون:
بالكتاب: في الأجناس.
وبالباب: في الأنواع.
وبالفصل: في المسائل.
ومعلوم أن الزكاة جنس غير الصلاة، ففي الصلاة يقال: باب الاستسقاء، وباب الكسوف، وباب التطوع، وهكذا، وهذه أنواع.
وفي الفصول يذكر الوتر مثلاً في باب صلاة التطوع، وإذا انتهى منه، قال: فصل وتسن الرواتب .. وهكذا.
فالفصول للمسائل، والأبواب للأنواع، والكتب للأجناس.
هذا هو الأصل، وقد يختلف الحال.
وقوله: «كتاب الزكاة» ترجم له بكتاب؛ لأنه جنس مستقل.
والزكاة أهم أركان الإسلام بعد الصلاة، والله يقرنها كثيراً بالصلاة في كتابه، وقد ثبت عن الإمام أحمد ﵀ في إحدى الروايات عنه «أن تاركها بخلاً يكفر كتارك الصلاة كسلاً».
ولكن الصحيح أن تاركها لا يكفر، والذين كفروا مانعها بخلاً قالوا: إن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
стр. 2043
وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] فرتب ثبوت الأخوة على هذه الأوصاف الثلاثة: إن تابوا من الشرك، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ولا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا إذا خرج الإنسان من الدين، أما إذا فعل الكبائر فهو أخ لنا، فالقاتل عمداً قال الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨].
فقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: المقتول، والضمير يعود على القاتل، فجعل الله المقتول أخاً للقاتل.
وقال الله ـ تعالى ـ في المقتتلين من المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
مع أن قتل المؤمن وقتاله من كبائر الذنوب، فلا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا بكفر، فدل على كفر تارك الزكاة.
ولا شك أن هذا القول له وجه جيد في الاستدلال بهذه الآية، لكن دل حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم على أن الزكاة ليس حكمها حكم الصلاة.
حيث ذكر النبي ﷺ مانع زكاة الذهب والفضة، وذكر عقوبته، ثم قال: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار» (١)، ولو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة.
فإذا قال قائل: إذا خصصتم آية التوبة بالنسبة لتارك الزكاة،
стр. 2044
فلماذا لا تقولون ذلك في تارك الصلاة؟؛ لأن الحكم واحد ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
فالجواب: أن تارك الصلاة وردت فيه نصوص تدل على كفره؛ فمن أجل ذلك حكمنا بكفره، والنصوص الواردة في كفر تارك الصلاة نصوص قائمة، وليس لها معارض مقاوم، وكل ما قيل: إنه معارض، فإنه لا يعارض أدلة كفره، لا ثبوتاً، ولا استدلالاً.
فوائد الزكاة الفردية والاجتماعية وحِكَمُها ما يلي:
الأولى: إتمام إسلام العبد وإكماله؛ لأنها أحد أركان الإسلام، فإذا قام بها الإنسان تم إسلامه وكمل، وهذا لا شك أنه غاية عظيمة لكل مسلم، فكل مسلم مؤمن يسعى لإكمال دينه.
الثانية: أنها دليل على صدق إيمان المزكي، وذلك أن المال محبوب للنفوس، والمحبوب لا يبذل إلا ابتغاء محبوب مثله أو أكثر، بل ابتغاء محبوب أكثر منه، ولهذا سميت صدقة؛ لأنها تدل على صدق طلب صاحبها لرضا الله .
الثالثة: أنها تزكي أخلاق المزكي، فتنتشله من زمرة البخلاء، وتدخله في زمرة الكرماء؛ لأنه إذا عود نفسه على البذل، سواء بذل علم، أو بذل مال، أو بذل جاه، صار ذلك البذل سجية له وطبيعة حتى إنه يتكدر، إذا لم يكن ذلك اليوم قد بذل ما اعتاده، كصاحب الصيد الذي اعتاد الصيد، تجده إذا كان ذلك اليوم متأخراً عن الصيد يضيق صدره، وكذلك الذي عود نفسه على الكرم، يضيق صدره إذا فات يوم من الأيام لم يبذل فيه ماله أو جاهه أو منفعته.
стр. 2045
الرابعة: أنها تشرح الصدر، فالإنسان إذا بذل الشيء، ولا سيما المال، يجد في نفسه انشراحاً، وهذا شيء مجرب، ولكن بشرط أن يكون بذله بسخاء وطيب نفس، لا أن يكون بذله وقلبه تابع له.
وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد (١) أن البذل والكرم من أسباب انشراح الصدر، لكن لا يستفيد منه إلا الذي يعطي بسخاء وطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرجه من يده، أما من أخرج المال من يده، لكنه في قرارة قلبه، فلن ينتفع بهذا البذل.
الخامسة: أنها تلحق الإنسان بالمؤمن الكامل «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٢) فكما أنك تحب أن يبذل لك المال الذي تسد به حاجتك، فأنت تحب أن تعطيه أخاك، فتكون بذلك كامل الإيمان.
السادسة: أنها من أسباب دخول الجنة، فإن الجنة «لمن أطاب الكلام، وأفشى السلام، وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام» (٣)، وكلنا يسعى إلى دخول الجنة.
стр. 2046
السابعة: أنها تجعل المجتمع الإسلامي كأنه أسرة واحدة، يضفي فيه القادر على العاجز، والغني على المعسر، فيصبح الإنسان يشعر بأن له إخواناً يجب عليه أن يحسن إليهم كما أحسن الله إليه، قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، فتصبح الأمة الإسلامية وكأنها عائلة واحدة، وهذا ما يعرف عند المتأخرين بالتكافل الاجتماعي، والزكاة هي خير ما يكون لذلك؛ لأن الإنسان يؤدي بها فريضة، وينفع إخوانه.
الثامنة: أنها تطفئ حرارة ثورة الفقراء؛ لأن الفقير قد يغيظه أن يجد هذا الرجل يركب ما شاء من المراكب، ويسكن ما يشاء من القصور، ويأكل ما يشتهي من الطعام، وهو لا يركب إلا رجليه، ولا ينام إلا على الأسبال وما أشبه ذلك، لا شك أنه يجد في نفسه شيئاً.
فإذا جاد الأغنياء على الفقراء كسروا ثورتهم وهدؤوا غضبهم، وقالوا: لنا إخوان يعرفوننا في الشدة، فيألفون الأغنياء ويحبونهم.
التاسعة: أنها تمنع الجرائم المالية مثل السرقات والنهب والسطو، وما أشبه ذلك؛ لأن الفقراء يأتيهم ما يسد شيئاً من حاجتهم، ويعذرون الأغنياء بكونهم يعطونهم من مالهم، يعطون ربع العشر في الذهب والفضة والعروض، والعشر أو نصفه في الحبوب والثمار، وفي المواشي يعطونهم نسبة كبيرة، فيرون أنهم محسنون إليهم فلا يعتدون عليهم.
стр. 2047
العاشرة: النجاة من حر يوم القيامة فقد قال النبي ﷺ : «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة» (١) وقال في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٢).
الحادية عشرة: أنها تلجئ الإنسان إلى معرفة حدود الله وشرائعه؛ لأنه لن يؤدي زكاته إلا بعد أن يعرف أحكامها وأموالها وأنصباءها ومستحقها، وغير ذلك مما تدعو الحاجة إليه.
الثانية عشرة: أنها تزكي المال، يعني تنمي المال حساً ومعنى، فإذا تصدق الإنسان من ماله فإن ذلك يقيه الآفات، وربما يفتح الله له زيادة رزق بسبب هذه الصدقة، ولهذا جاء في الحديث: «ما نقصت صدقة من مال» (٣)، وهذا شيء مشاهد أن الإنسان البخيل ربما يسلط على ماله ما يقضي عليه أو على أكثره باحتراق، أو خسائر كثيرة، أو أمراض تلجئه إلى العلاجات التي تستنزف منه أموالاً كثيرة.
الثالثة عشرة: أنها سبب لنزول الخيرات، وفي الحديث:
стр. 2048
«ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء» (١).
الرابعة عشرة: «أن الصدقة تطفئ غضب الرب» كما ثبت ذلك عن الرسول ﷺ (٢).
الخامسة عشرة: أنها تدفع ميتة السوء (٣).
السادسة عشرة: أنها تتعالج مع البلاء الذي ينزل من السماء فتمنع وصوله إلى الأرض (٤).
السابعة عشرة: أنها تكفر الخطايا، قال الرسول ﷺ :
стр. 2049
«الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (١).
مسألة: اختلف العلماء ﵏ متى فرضت الزكاة؟
فقال بعض العلماء: إنها فرضت في مكة، واستدلوا بآيات الزكاة التي نزلت في مكة مثل: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] ومثل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *﴾ [المعارج] ومثل: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ *﴾ [الروم]، وكقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وقال بعضهم: ـ وهو أصح الأقوال ـ إن فرضها في مكة، وأما تقدير أنصبائها، وتقدير الأموال الزكوية، وتبيان أهلها فهذا في المدينة، وعليه فيكون ابتداء فرضها في مكة من باب تهيئة النفوس، وإعدادها لتتقبل هذا الأمر، حيث إن الإنسان يخرج من ماله الذي يحبه حباً جماً، يخرج منه في أمور لا تعود عليه ظاهراً بالنفع في الدنيا، فلما تهيأت النفوس لقبول ما يفرض عليها من ذلك، فرضه الله ـ تعالى ـ فرضاً مبيناً مفصلاً، وذلك في المدينة.
تعريف الزكاة:
لغة: النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد.
стр. 2050
وشرعاً: التعبد لله ـ تعالى ـ بإخراج جزء واجب شرعاً في مال معين لطائفة أوجهة مخصوصة.
وحكمها: الوجوب.
ومنزلتها من الدين أنها أحد أركان الإسلام، وأهم أركان الإسلام بعد الصلاة، ومن جحد وجوبها ممن عاش بين المسملين فإنه كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله ﷺ ، وإجماع المسلمين، سواء أخرجها أم لم يخرجها، ومن أقر بوجوبها، وتهاون في إخراجها، وبخل بها فأصح قولي العلماء: أنه فاسق، وليس بكافر.
ولا تجب في كل مال إنما تجب في المال النامي حقيقية أو تقديراً.
فالنمو حقيقة كماشية بهيمة الأنعام، والزروع والثمار، وعروض التجارة.
والنامي تقديراً كالذهب والفضة إذا لم يشتغل فيهما بالتجارة، فإنهما وإن كانا راكدين، فهما في تقدير النامي؛ لأنه متى شاء اتجر بهما.
والأموال الزكوية خمسة أصناف:
١ ـ الذهب.
٢ ـ والفضة.
٣ ـ وعروض التجارة.
٤ ـ وبهيمة الأنعام.
٥ ـ والخارج من الأرض.
стр. 2051
وهناك أشياء مختلف فيها: كالعسل، هل فيه زكاة أو لا؟ وكالركاز هل الواجب فيه زكاة أو لا؟ وسيأتي البحث فيها إن شاء الله.
ولا تجب إلا بشروط؛ فمن حكمة الله وإتقانه في فرضه وشرائعه، أنه جعل لها شروطاً؛ أي: أوصافاً معينة لا تجب إلا بوجودها؛ لتكون الشرائع منضبطة، لا فوضى فيها.
إذ لو لم يكن هناك شروط لكان كل شخص يقدر أن هذا واجب، وهذا غير واجب فإذا أتقنت الفرائض بالشروط وحددت لم يكن هناك اختلاف، وصار الناس على علم وبصيرة، فمتى وجدت الشروط في شيء ثبت، ومتى انتفت انتفى.
ثم إن هناك موانع أيضاً تمنع وجوب الزكاة مع وجود الشروط، وجميع الأشياء لا تتم إلا بشروطها وانتفاء موانعها، وسيأتي بيانها إن شاء الله.
تَجِبُ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: حُرِّيَّةٌ، وإِسْلَامٌ، وَمُلْكُ نِصَابٍ، واسْتِقْرَارُهُ، وَمُضِيُّ الحَوْلِ …
قوله: «تجب بشروط خمسة: حرية، وإسلام، وملك نصاب، واستقراره، ومضي الحول».
شروط وجوب الزكاة هي:
١ ـ الحرية: وضدها الرق، فلا تجب الزكاة على رقيق، أي: على عبد؛ لأنه لا يملك، فالمال الذي بيده لسيده.
ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : «مَنْ باع عبداً له مال فماله
стр. 2052
للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع» (١).
فقال: «ماله» أي الذي بيده «للذي باعه» أي: لا له، فيكون بمنزلة الفقير الذي ليس عنده مال، والفقير لا تجب عليه بالاتفاق.
وأما قوله ﷺ : «له مال» فاللام في (له) للاختصاص، كما تقول للدابة سَرْج فلا يعارض ما قررناه.
٢ ـ الإسلام وضده الكفر فلا تجب على كافر، سواء أكان مرتداً أم أصلياً؛ لأن الزكاة طهرة، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] والكافر نجس، فلو أنفق ملء الأرض ذهباً لم يطهر حتى يتوب من كفره.
وأما قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فالمراد بها هنا: زكاة النفس عند أكثر العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *﴾ [الشمس: ٩]. فيكون معنى الآية على هذا: أي لا يؤتون أنفسهم زكاتها بل يهينونها ويغفلون عنها.
وإذا قلنا: إن الكافر لا تجب عليه الزكاة، فلا يعني ذلك أنه لا يحاسب عليها، بل يحاسب عليها يوم القيامة، لكنها لا تجب عليه، بمعنى أننا لا نلزمه بها حتى يسلم.
ودليل ذلك قول النبي ﷺ حين بعث معاذاً إلى اليمن بعد أن ذكر التوحيد، والصلاة: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم» (٢).
стр. 2053
والدليل: من القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ *﴾ [التوبة: ٥٤].
فإذا كانت لا تقبل فلا فائدة في إلزامهم بها، ولكنهم يحاسبون عليها يوم القيامة، ويعذبون عليها.
ودليل ذلك قوله تعالى عن المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *﴾ [المدثر] فلولا أنهم عوقبوا على ترك الصلاة، وترك إطعام المسكين لما ذكروا ذلك سبباً في دخولهم النار.
٣ ـ ملك نصاب: النصاب هو القدر الذي رتب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه، وهو يختلف، فلا بد أن يملك نصاباً، فلو لم يملك شيئاً كالفقير فلا شيء عليه، ولو ملك ما هو دون النصاب فلا شيء عليه.
ودليل اشتراط ملك النصاب قوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة» (١)، وقال في الغنم: «إذا بلغت أربعين شاةً شاةٌ» (٢) وغير ذلك من الأدلة، ولأن ما دون النصاب لا يحتمل المواساة.
٤ ـ استقراره: أي: استقرار الملك.
стр. 2054
ومعنى كونه مستقراً: أي أن ملكه تام، فليس المال عرضة للسقوط، فإن كان عرضة للسقوط، فلا زكاة فيه.
ومثلوا لذلك: بالأجرة (أجرة البيت) قبل تمام المدة فإنها ليست مستقرة؛ لأنه من الجائز أن ينهدم البيت، وتنفسخ الإجارة.
ومثل ذلك أيضاً حصة المضارَب ـ بالفتح، وهو العامل ـ من الربح فلا زكاة فيها؛ لأن الربح وقاية لرأس المال، مثاله: أعطيت شخصاً مائة ألف ليتجر بها فربحت عشرة آلاف؛ للمالك النصف وللمضارب النصف خمسة آلاف، فلا زكاة في حصة المضارب لأنها عرضة للتلف، إذ هي وقاية لرأس المال، إذ لو خسر المال لا شيء له، وحصة المالك من الربح، فيها الزكاة لأنها تابعة لأصل مستقر، فمال رب المال فيه الزكاة وكذا نصيبه من الربح؛ لأن نصيبه تابع لأصل مستقر.
ومثلوا لذلك أيضاً بدين الكتابة أي: إذا باع السيد عبده نفسه بدراهم، وبقيت عند العبد سنة فإنه لا زكاة فيها؛ لأن العبد يملك تعجيز نفسه، فيقول: لا أستطيع أن أوفي، وإذا كان لا يستطيع أن يوفي، فإنه يسقط عنه المال الذي اشترى نفسه به، فيكون الدين حينئذ غير مستقر.
مسألة: إذا حَصَلْتَ على المال الذي كان غير مستقر، فهل تجب فيه الزكاة لما مضى؟
الجواب: لا، ولكن تستأنف به حولاً؛ لأنه لم يكن مستقراً قبل ذلك.
٥ ـ مضي الحول: أي: تمام الحول؛ لأن النبي ﷺ قال:
стр. 2055
«لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (١) أخرجه ابن ماجه؛ ولأننا إن لم نقدر زمناً فهل يقال: تجب في كل يوم، أو كل شهر، أو كل أسبوع، أو كل عشرة أعوام، فلا بد من تقدير، ولأننا لو أوجبنا الزكاة كل شهر، لكان ضرراً على أهل الأموال، ولو أوجبناها كل سنتين لأضررنا بأهل الزكاة.
والحول مقدارٌ يكون به الربح المطرد غالباً، ويكون فيه خروج الثمار، ويكون فيه النماء في المواشي غالباً، فلهذا قدر بالحول، والحول هنا باعتبار السنة القمرية لقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ … ﴾ [البقرة: ١٨٩].
واستثنى المؤلف أشياء لا يشترط لها تمام الحول وهي:
فِي غَيْرِ الْمُعَشَّرِ، إِلاَّ نَتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، .......
قوله: «في غير المعشر» وهذا هو الأول، يريدالخارج من الأرض من الحبوب والثمار، وسمي معشراًلوجوب العشر أو نصفه فيه، فلا يشترط لها الحول، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فأمر الله تعالى عباده أن يعطوا زكاة الحبوب والثمار عند اجتنائها حيث يتوفر الشيء في أيديهم، ويسهل عليهم إخراجه قبل وصوله إلى المخازن، ولهذا يزرع الإنسان الأرض ويكتمل الزرع في أربعة أو ستة شهور وتجب فيه الزكاة.
стр. 2056
قوله: «إلاَّ نتاج السائمة» هذا مستثنى من قوله: (ومضي الحول) أي: إلا ما تنتجه السائمة أي: أولادها، هذا هو الثاني، فلا يشترط له تمام الحول، ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان يبعث السعاة إلى أهل المواشي، فيأخذون الزكاة مما يجدون مع أن المواشي فيها الصغار والكبار، ولا يستفصل متى ولدت؟ بل يحسبونها ويخرجونها حسب رؤوسها، فمثلاً: رجل عنده أربعون شاة تجب فيها الزكاة، فولدت كل واحدة ثلاثة، إلا واحدة ولدت أربعة، فأصبحت مائة وواحداً وعشرين ففيها شاتان مع أن النماء لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل.
قوله: «وربح التجارة» وهذا الثالث، ولا يشترط له تمام الحول؛ لأن المسلمين يخرجون زكاتها دون أن يحذفوا ربح التجارة، ولأن الربح فرع، والفرع يتبع الأصل، مثاله: لو قدرنا شخصاً اشترى أرضاً بمائة ألف وقبل تمام السنة صارت تساوي مائتين فيزكي عن مائتين، مع أن الربح لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل.
هذا ما ذكره المؤلف، ويضاف إليه ما يأتي:
الرابع: الركاز وهو ما يوجد من دفن الجاهلية، فهذا فيه الخمس بمجرد وجوده، لقول النبي ﷺ : «وفي الركاز الخمس» (١) ولم يقل: بعد الحول؛ ولأن وجوده يشبه الحصول على الثمار
стр. 2057
التي تجب الزكاة فيها من حين الحصول عليها عند الحصاد، وهو زكاة على المشهور من المذهب، وقيل: إنه فيء، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
الخامس: المعدن، لأنه أشبه بالثمار من غيرها، فلو أن إنساناً عثر على معدن ذهب أو فضة واستخرج منه نصاباً فيجب أداء زكاته فوراً قبل تمام الحول (١).
السادس: العسل على القول بوجوب الزكاة فيه.
السابع: الأجرة على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فتخرج الزكاة عنده بمجرد قبضها؛ لأنها كالثمرة.
وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَاباً، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أصْلِهِمَا إِنْ كَانَ نِصَاباً، وَإِلاَّ فَمِن كَمَالِهِ ....
قوله: «ولو لم يبلغ نصاباً، فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصاباً، وإلا فمن كماله» فإذا كان عنده (٣٥) شاة فليس فيها زكاة؛ لأن أقل النصاب (٤٠) وفي أثناء الحول نتجت كل واحدة منها سخلة، فنحسب الحول من تمام النصاب؛ ولهذا قال: «وإلا فمن كماله».
مثال آخر: لو كان عنده نصف نصاب ثم بعد مضي ستة أشهر كَمُلَ نصاباً، ثم بعد ثلاثة أشهر ربح نصاباً آخر، فالحول يبتدئ من حين كمل نصاباً، والربح يتبع الأصل.
مثال آخر: لو أن رجلاً اتجر بـ (١٠٠.٠٠٠) ريال، وفي أثناء
стр. 2058
الحول ربحت (٥٠.٠٠٠) ريال فنزكي الخمسين إذا تم حول المائة.
مثال آخر: رجل عنده (١٠٠.٠٠٠) ريال، وفي أثناء الحول ورث من قريب له (٥٠.٠٠٠) ريال فنزكي الخمسين إذا تم حولها، ولا تضم إلى (١٠٠.٠٠٠) في الحول.
فإذا قال قائل: فما الفرق بين المثالين؟
فالجواب: أن الربح فرع عن رأس المال فتبعه في الحول، كما في المثال الأول، وأما الإرث فهو ابتداء ملك، فاعتبر حوله بنفسه، كما في المثال الثاني.
فالمستفاد بغير الربح كالرجل يرث مالاً، أو يوهب له، أو المرأة تملك الصداق، وما أشبه ذلك، فهذا لا يضم إلى ما عنده من المال في الحول؛ لأنه مستقل وليس فرعاً له، ولكنه يضم في تكميل النصاب.
مثال ذلك: إذا كان شخص عنده من الدراهم أقل من النصاب، وفي أثناء الحول مات له قريب، فورث منه خمسين ألفاً فيبتدئ الحول من وقت ملك الخمسين ألفاً؛ في الخمسين، وفي الدراهم السابقة، ولا يبتدئ الحول في الدراهم السابقة من حين ملكها، وفي الخمسين من حين ملكها؛ لأن الدراهم الأولى أقل من النصاب فليس فيها زكاة، لكن لما تم النصاب بإرث الخمسين ضممنا الأولى إلى الثانية، وصار الحول واحداً من حين تمام النصاب بملك الخمسين.
وبعض الناس تشكل عليه فيظن أنه إذا أتممنا النصاب بنينا
стр. 2059
على حول ما دون النصاب وليس كذلك، وإنما يبدأ الحول من كمال النصاب في الجميع.
مثال آخر: ملك في شهر محرم نصاباً، ثم ملك بالإرث في شهر جمادى الثانية أقل من النصاب مائة درهم ففيها زكاة ـ وإن كان أقل من النصاب ـ لأن عنده مالاً يبلغ النصاب، لكن حول المائة درهم يكون في جمادى الثانية، وليس في محرم؛ لأنها تضم إلى ما عنده في النصاب، لا في الحول.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يشترط البلوغ ولا العقل.
وعلى هذا فتجب الزكاة في مال الصبي وفي مال المجنون، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم.
وسبب الخلاف أن بعض العلماء جعلها من العبادات المحضة فقال: إن الصغير والمجنون ليسا من أهل العبادة كالصلاة، فإذا كانت الصلاة لا تجب على المجنون والصغير، فالزكاة من باب أولى.
وبعض العلماء جعل الزكاة من حق المال، أي: أنها واجبة في المال لأهل الزكاة، فقال: إنه لا يشترط البلوغ والعقل؛ لأن هذا حكم رتب على وجود شرط وهو بلوغ النصاب، فإذا وجد وجبت الزكاة، ولا يشترط في ذلك التكليف فتجب في مال الصبي ومال المجنون.
وهذا القول أصح، ودليل ذلك ما يلي:
١ ـ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. فالمدار على المال لا على المتموِّل.
стр. 2060
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ هذا في حق المكلفين؛ لأن التطهير والتزكية يكون من الذنوب؟
فيقال: هذا بناء على الأغلب؛ فالزكاة تجب غالباً في أموال المكلفين فيحتاجون إلى تطهير، على أن الصبي ـ ولا سيما المميز ـ يحتاج لتطهير، لما قد يحصل منه إخلال بالآداب، فإن أخذ الزكاة منه مطهر له ومنمٍّ لإيمانه وأخلاقه الفاضلة.
٢ ـ قول النبي ﷺ حين بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» (١) فجعل محل الزكاة المال.
٣ ـ ولأن الزكاة حق الآدمي، فاستوى في وجوب أدائه المكلف وغير المكلف، كما لو أتلف الصغير مال إنسان فإننا نلزمه بضمانه مع أنه غير مكلف.
وهذا القول هو مذهب الإمام أحمد ﵀ وخالف أبو حنيفة ﵀ في هذا.
فإذا قال قائل: إذا أوجبنا الزكاة في مال الصبي والمجنون فهذا يؤدي إلى نقصه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤].
فالجواب: هذا النقص هو في الحقيقة كمال وزيادة؛ لأن الزكاة تطهر وتنمي المال فهي وإن نقصته حساً، لكنها كمال وزيادة معنى، فالزكاة من قربانه بالتي هي أحسن.
стр. 2061
ثم إنه منقوض بوجوب النفقة عليهما فلو كان للمجنون ـ مثلاً ـ أولاد وزوجة وأب لوجبت النفقة لهم في ماله مع أنها تنقصه.
فإن قال قائل: إذا قلتم: إن الزكاة من الأحسن فالصدقة أيضاً من الأحسن، فهل تجيزون أن يتصدق بمال اليتيم والمجنون؟
فالجواب: لا؛ لأن الصدقة محض تبرع لا تنشغل الذمة بتركها، والزكاة فريضة تنشغل الذمة بتركها.
ولهذا لو غلت مواد الإنفاق، وصار ثوب الكتان قيمته (١٠٠) ريال والثوب من الخيش قيمته (١٠) ريالات.
فنشتري له ثياب كتان؛ لأن هذا هو المعتاد، فإذا كان كذلك فنقول: الزكاة من باب أولى أن نخرجها من مال اليتيم؛ لأنها أبلغ من أن يخرج من ماله لثوب يلبسه.
وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ مِنْ صَدَاقٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَلِيءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَدَّى زَكَاتَهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى، .........
قوله: «ومن كان له دين» الدين: ما ثبت في الذمة من قرض، وثمن مبيع، وأجرة، وغير ذلك.
قوله: «أو حق» أي: الحق المالي فخرج بذلك الحق غير المالي، وقوله: «أو حق» لم أقف عليها عند غيره، والذي يظهر لي أن الحق إن كان ثابتاً فهو دين، وإن كان غير ثابت فلا زكاة فيه أصلاً، ولهذا عبارة الإقناع والمنتهى ليس فيها كلمة حق.
قوله: «من صداق» الصداق للزوجة، وهو ما يبذله الزوج للمرأة في عقد النكاح وإنما نص عليه؛ لأن الصداق قد يسقط بعضه، فإنه إذا طلقها الزوج قبل الدخول سقط النصف، وقد يسقط كله إذا كانت الفرقة من قبلها قبل الدخول.
стр. 2062
قوله: «وغيره»: أي: غير الصداق كعوض الخُلع الثابت للزوج وأرش جناية، وضمان متلف، وكذا لو كان المال ضائعاً أو مسروقاً ثم عثرت عليه بعد سنين، فالمذهب يجب عليك إخراج زكاته.
تنبيه: تجب الزكاة في العارية والوديعة؛ لأنها على ملك صاحبها فهي كسائر ماله.
قوله: «على مليء أو غيره» المليء: الغني، أو غيره: الفقير.
وسواء كان على باذل أو مماطل، وسواء كان مؤجلاً أو حالاً.
قوله: «أدى زكاته إذا قبضه لما مضى» أي: يجب عليه أن يزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين، وهذا هو المذهب.
مثال ذلك: شخص له (١٠٠) درهم على أربعة أشخاص على كل واحد (٢٥) درهماً، وبقيت عندهم سنوات، ولما قبضها إذا زكاتها أكثر منها.
نقول: أدِّ زكاتها ولو كانت أكثر منها، إذا كان عندك مال يكمل النصاب، أما إذا لم يكن لديك مال سواها، فهي في أول سنة تنقص عن النصاب، ولا يجب فيها شيء.
مثال آخر: رجل باع أرضاً على شخص بـ (١٠٠.٠٠٠) ريال والمشتري فقير، وبقيت عنده عشر سنوات ثم قبضها.
فيؤديها لعشر سنوات؛ لقوله: «لما مضى».
واستفدنا من قوله: «أَدَّى» أن هذه الزكاة أداء، وليست
стр. 2063
قضاء فـ (١٠٠.٠٠٠) زكاتها في كل سنة (٢٥٠٠)، فيصير مجموع زكاتها لعشر سنين (٢٥.٠٠٠)، فصارت زكاتها الربع كاملاً، وزكاة الدراهم ربع العشر؛ لأنه يؤديها لكل ما مضى.
مثال ثالث: رجل أجر شخصاً بيته لمدة سنة بـ (١٠٠٠) درهم وانتهت المدة، وماطل المستأجر حتى بقيت عنده عشر سنوات.
فزكاة الألف كل سنة (٢٥)، في عشر سنوات (٢٥٠) أي الربع.
مثال رابع: امرأة تزوجها رجل على صداق قدره (٢٠.٠٠٠) ريال ولم يسلم الصداق، وبقيت الزوجة عنده عشر سنوات ثم أعطاها صداقها.
فتكون زكاته في عشر سنوات (٥٠٠٠) ريال أي الربع.
وكل هذا على ما مشى عليه المؤلف ﵀.
وقوله: «أدى زكاته إذا قبضه» أي: لا يلزمه أن يؤدي زكاته قبل قبضه، فهو مرخص له في عدم أداء الزكاة حتى يقبضه.
فإن قال قائل: أليست الزكاة على الفور فلماذا لا تلزمه الزكاة إذا تم الحول، ولو كان في ذمة غيره؟
الجواب: أن فيه احتمالاً أن يتلف مال من عليه الدين، أو يعسر، أو يجحد نسياناً أو ظلماً، فلما كان هذا الاحتمال قائماً رخص له أن يؤخر إخراج الزكاة حتى يقبضه.
فإن أدى الزكاة قبل قبضه ليستريح فله ذلك؛ لأن تأخيرها من باب الرخصة والتسهيل، بل قال أهل العلم: إن ذلك أفضل.
стр. 2064
هذا هو القول الأول في المسألة.
القول الثاني: إن كان الدين على معسر أو مماطل فلا زكاة فيه، ولو بقي عشرين سنة، وكذلك لو لم يبقَ إلا شهر واحد على تمام الحول ثم أخرج المال ديناً لمعسر فلا زكاة فيه، وإن كان على موسر باذل ففيه الزكاة كل سنة.
القول الثالث: لا زكاة في الدين مطلقاً، سواء كان على غني أو غير غني؛ لأن الدين في ذمة الغير ليس في يدك حتى يكون في جملة مالك؛ فلا زكاة في الدين حتى يقبضه.
القول الرابع: أنه إذا كان يؤمل وجوده فتجب فيه الزكاة، كالدين على الفقير، فيحتمل أن يجده، وإن كان لا يؤمل وجوده كالضائع، والمنسي، والضال فلا زكاة عليه.
والصحيح أنه تجب الزكاة فيه كل سنة، إذا كان على غني باذل؛ لأنه في حكم الموجود عندك؛ ولكن يؤديها إذا قبض الدين، وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله، والأول رخصة والثاني فضيلة، وأسرع في إبراء الذمة.
أما إذا كان على مماطل أو معسر فلا زكاة عليه ولو بقي عشر سنوات؛ لأنه عاجز عنه، ولكن إذا قبضه يزكيه مرة واحدة في سنة القبض فقط، ولا يلزمه زكاة ما مضى.
وهذا القول قد ذكره الشيخ العنقري في حاشيته عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده (١) ﵏ وهو مذهب
стр. 2065
الإمام مالك ﵀، وهذا هو الراجح لما يلي:
أولاً: أنه يشبه الثمرة التي يجب إخراج زكاتها عند الحصول عليها، والأجرة التي اختار شيخ الإسلام وجوب الزكاة فيها حين القبض، ولو لم يتم عليها حول (١).
ثانياً: أن من شرط وجوب الزكاة: القدرة على الأداء، فمتى قدر على الأداء زكى.
ثالثاً: أنه قد يكون مضى على المال أشهر من السنة قبل أن يخرجه ديناً.
رابعاً: أن إسقاط الزكاة عنه لما مضى، ووجوب إخراجها لسنة القبض فقط، فيه تيسير على المالك؛ إذ كيف توجب عليه الزكاة مع وجوب إنظار المعسر، وفيه أيضاً تيسير على المعسر؛ وذلك بإنظاره.
ومثل ذلك، المال المدفون المنسي، فلو أن شخصاً دفن ماله خوفاً من السرقة ثم نسيه، فيزكيه سنة عثوره عليه فقط.
وكذلك المال المسروق إذا بقي عند السارق عدة سنوات، ثم قدر عليه صاحبه، فيزكيه لسنة واحدة، كالدين على المعسر.
مسألة مهمة كَثُر السؤال عنها وذلك حين كسدت الأراضي:
مثاله: اشترى إنسانٌ أرضاً وقت الغلاء ثم كسدت، ولم يجد من يشتريها لا بقليل ولا بكثير، فهل عليه زكاة في مدة الكساد أو لا؟
стр. 2066
الجواب: يرى بعض العلماء: أنه لا شيء عليه في هذه الحال؛ لأن هذا يشبه الدين على المعسر في عدم التصرف فيه، حتى يتمكن من بيعها، فإذا باعها حينئذ قلنا له: زك لسنة البيع فقط.
وهذا في الحقيقة فيه تيسير على الأمة، وفيه موافقة للقواعد؛ لأن هذا الرجل يقول: أنا لا أنتظر الزيادة أنا أنتظر من يقول: بع علي.
والأرض نفسها ليست مالاً زكوياً في ذاتها حتى نقول: تجب عليك الزكاة في عينه.
أما الدراهم المبقاة في البنك، أو في الصندوق من أجل أن يشتري بها داراً للسكنى أو يجعلها صداقاً، فهي لا تزيد لكن لا شك أن فيها زكاة.
والفرق بينها وبين الأرض الكاسدة: أن الزكاة واجبة في عين الدراهم، وأما الزكاة في العروض فهي في قيمتها، وقيمتها حين الكساد غير مقدور عليها، فهي بمنزلة الدين على معسر.
قوله: «ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب» أي: إذا كان عند الإنسان نصاب من الذهب، أو من الفضة، أو من الحبوب، أو الثمار، أو من المواشي ولكن عليه دينٌ ينقص النصاب فلا زكاة فيما عنده.
مثال ذلك: رجل بيده مائة ألف، وعليه تسعة وتسعون ألفاً وتسعمائة، فالفاضل عنده الآن مائة، والمائة دون النصاب فليس فيها زكاة.
стр. 2067
هذا هو المشهور من المذهب، وهو القول الأول، وقد استدلوا بالأثر، والنظر.
أما الأثر: فما روي عن عثمان ﵁ أنه كان يخطب فيقول: (أيها الناس إن هذا شهر زكاة أموالكم فمن كان عليه دين فليقضه، ثم ليزك) (١)، وعثمان ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم.
وأما النظر: فلأن الزكاة إنما تجب مواساة؛ ليواسي الغني الفقير، ومن عليه دين فهو فقير يحتاج من يعطيه ليوفي دينه.
ولأننا لو أوجبنا الزكاة عليه، لأخذت الزكاة على هذا المال مرتين، مرةً من المدين، ومرة من الدائن.
ولا فرق بين الدين المؤجل والدين الحال، فكله سواء أي: إذا كان عليه دين لا يحل موعده إلا بعد عشر سنوات، وبيده مال ينقصه الدين عن النصاب فلا زكاة عليه.
مثاله: رجل عليه عشرة آلاف درهم تحل بعد عشر سنوات، وبيده الآن عشر آلاف درهم فنقول: لا زكاة عليه.
القول الثاني: أنه لا أثر للدين في منع الزكاة، وأن من كان عنده نصاب فليزكه، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، أو يستغرق النصاب، أو يزيد على النصاب.
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ ـ العمومات الدالة على وجوب الزكاة في كل ما بلغ النصاب.
стр. 2068
مثل: قول النبي ﷺ «فيما سقت السماء العشر» (١) وحديث أنس بن مالك في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر «وفي الرقة في كل مائتي درهم ربع العشر ـ الرقة هي الفضة ـ وكذلك ذكر في سائمة بهيمة الأنعام في كل خمس من الإبل شاة، وفي كل أربعين شاة شاة» (٢).
٢ ـ أن النبي ﷺ كان يبعث العمال الذين يقبضون الزكاة من أصحاب المواشي، ومن أصحاب الثمار (٣)، ولا يأمرهم بالاستفصال هل عليهم دين أم لا؟ مع أن الغالب أن أهل الثمار عليهم ديون في عهد الرسول ﷺ ؛ لأن من عادتهم أنهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فيكون على صاحب البستان دين سلف، ومع ذلك كان النبي ﷺ يخرص عليهم ثمارهم، ويزكونها.
٣ ـ أن الزكاة تجب في المال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وبعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن، وقال: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد
стр. 2069
على فقرائهم» (١) والدين يجب في الذمة لا في المال؛ ولذلك لو تلف المال الذي بيدك كله لم يسقط عنه شيء من الدين، فلو استقرض مالاً واشترى به سلعاً للبيع والشراء والاتجار، ثم هلك المال لم يسقط الدين؛ لأنه يتعلق بالذمة، والزكاة تجب في عين المال، فالجهة منفكة وحينئذ لا يحصل تصادم أو تعارض.
وأما أثر عثمان ﵁ فإننا نسلم أنه إذا كان على الإنسان دين حال، وقام بالواجب وهو أداؤه فليس عليه زكاة؛ لأنه سيؤدي من ماله، وسَبْقُ الدين يقتضي أن يقدم في الوفاء على الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب إلا إذا تم الحول، والدين سابق، فكان لسبقه أحق بالتقديم من الزكاة.
ونحن نقول لمن اتقى الله، وأوفى ما عليه: لا زكاة عليك إلا فيما بقي، أما إذا لم يوف ما عليه، وماطل لينتفع بالمال، فإنه لا يدخل فيما جاء عن عثمان، فعليه زكاته.
وأما الدليل النظري: وهو أن الزكاة وجبت مواساة، فنقول:
أولاً: نمانع في هذا الشيء، فأهم شيء في الزكاة ما ذكره الله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فهي عبادة يطهر بها الإنسان من الذنوب، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتزكو بها النفوس، ويشعر الإنسان إذا بذلها، بانشراح صدر واطمئنان قلب، فليس المقصود من الزكاة هو المواساة فقط.
стр. 2070
ثم على فرض أن من أهدافها المواساة فإن هذا لا يقتضي تخصيص العمومات؛ لأن تخصيص العمومات معناه إبطال جانب منها، وهو الذي أخرجناه بالتخصيص، وإبطال جانب من مدلول النص ليس بالأمر الهين الذي تقوى عليه علة مستنبطة قد تكون عليلة، وقد تكون سليمة، وقد تكون حية، وقد تكون ميتة.
لكن لو نص الشارع على هذا، لكان للإنسان مجال أن يقول: إن المدين ليس أهلاً لأن يواسي بل يحتاج إلى من يواسيه.
وأما حاجة المدين فعلى الرحب والسعة، فهو أحد الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة؛ لقضاء حاجتهم، فهو من الغارمين فنقول: نحن نقضي دينك من الزكاة، وأنت تتعبد لله بأداء الزكاة.
وأما قولهم: إن إيجاب الزكاة يقتضي إيجاب الزكاة في المال مرتين.
فالجواب: أن المدين قد لا يكون في يده نفس المال الذي أخذه من الدائن؛ فقد يستدين دراهم، ويكون عنده مواشٍ، أو بالعكس، وهذا كثير، ثم على فرض أن يكون هو نفس المال، فيقال: الجهة منفكة؛ لأن المال الذي بيد المدين ماله يتصرف فيه كيف يشاء، فملكهُ له ملك تامٌ، والدين الذي للدائن في ذمة المدين لا دخل له في هذا المال الذي بيد المدين.
فإن قال قائل: كيف يمكن أن يكون الإنسان مزكياً، وله أن يأخذ الزكاة؟