← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الجواب: يرى بعض العلماء: أنه لا شيء عليه في هذه الحال؛ لأن هذا يشبه الدين على المعسر في عدم التصرف فيه، حتى يتمكن من بيعها، فإذا باعها حينئذ قلنا له: زك لسنة البيع فقط. وهذا في الحقيقة فيه تيسير على الأمة، وفيه موافقة للقواعد؛ لأن هذا الرجل يقول: أنا لا أنتظر الزيادة أنا أنتظر من يقول: بع علي. والأرض نفسها ليست مالاً زكوياً في ذاتها حتى نقول: تجب عليك الزكاة في عينه. أما الدراهم المبقاة في البنك، أو في الصندوق من أجل أن يشتري بها داراً للسكنى أو يجعلها صداقاً، فهي لا تزيد لكن لا شك أن فيها زكاة. والفرق بينها وبين الأرض الكاسدة: أن الزكاة واجبة في عين الدراهم، وأما الزكاة في العروض فهي في قيمتها، وقيمتها حين الكساد غير مقدور عليها، فهي بمنزلة الدين على معسر. قوله: «ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب» أي: إذا كان عند الإنسان نصاب من الذهب، أو من الفضة، أو من الحبوب، أو الثمار، أو من المواشي ولكن عليه دينٌ ينقص النصاب فلا زكاة فيما عنده. مثال ذلك: رجل بيده مائة ألف، وعليه تسعة وتسعون ألفاً وتسعمائة، فالفاضل عنده الآن مائة، والمائة دون النصاب فليس فيها زكاة.

стр. 2067

هذا هو المشهور من المذهب، وهو القول الأول، وقد استدلوا بالأثر، والنظر. أما الأثر: فما روي عن عثمان ﵁ أنه كان يخطب فيقول: (أيها الناس إن هذا شهر زكاة أموالكم فمن كان عليه دين فليقضه، ثم ليزك) (١)، وعثمان ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم. وأما النظر: فلأن الزكاة إنما تجب مواساة؛ ليواسي الغني الفقير، ومن عليه دين فهو فقير يحتاج من يعطيه ليوفي دينه. ولأننا لو أوجبنا الزكاة عليه، لأخذت الزكاة على هذا المال مرتين، مرةً من المدين، ومرة من الدائن. ولا فرق بين الدين المؤجل والدين الحال، فكله سواء أي: إذا كان عليه دين لا يحل موعده إلا بعد عشر سنوات، وبيده مال ينقصه الدين عن النصاب فلا زكاة عليه. مثاله: رجل عليه عشرة آلاف درهم تحل بعد عشر سنوات، وبيده الآن عشر آلاف درهم فنقول: لا زكاة عليه. القول الثاني: أنه لا أثر للدين في منع الزكاة، وأن من كان عنده نصاب فليزكه، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، أو يستغرق النصاب، أو يزيد على النصاب. واستدل هؤلاء بما يلي: ١ ـ العمومات الدالة على وجوب الزكاة في كل ما بلغ النصاب.

стр. 2068

مثل: قول النبي ﷺ «فيما سقت السماء العشر» (١) وحديث أنس بن مالك في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر «وفي الرقة في كل مائتي درهم ربع العشر ـ الرقة هي الفضة ـ وكذلك ذكر في سائمة بهيمة الأنعام في كل خمس من الإبل شاة، وفي كل أربعين شاة شاة» (٢). ٢ ـ أن النبي ﷺ كان يبعث العمال الذين يقبضون الزكاة من أصحاب المواشي، ومن أصحاب الثمار (٣)، ولا يأمرهم بالاستفصال هل عليهم دين أم لا؟ مع أن الغالب أن أهل الثمار عليهم ديون في عهد الرسول ﷺ ؛ لأن من عادتهم أنهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فيكون على صاحب البستان دين سلف، ومع ذلك كان النبي ﷺ يخرص عليهم ثمارهم، ويزكونها. ٣ ـ أن الزكاة تجب في المال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وبعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن، وقال: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد

стр. 2069

على فقرائهم» (١) والدين يجب في الذمة لا في المال؛ ولذلك لو تلف المال الذي بيدك كله لم يسقط عنه شيء من الدين، فلو استقرض مالاً واشترى به سلعاً للبيع والشراء والاتجار، ثم هلك المال لم يسقط الدين؛ لأنه يتعلق بالذمة، والزكاة تجب في عين المال، فالجهة منفكة وحينئذ لا يحصل تصادم أو تعارض. وأما أثر عثمان ﵁ فإننا نسلم أنه إذا كان على الإنسان دين حال، وقام بالواجب وهو أداؤه فليس عليه زكاة؛ لأنه سيؤدي من ماله، وسَبْقُ الدين يقتضي أن يقدم في الوفاء على الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب إلا إذا تم الحول، والدين سابق، فكان لسبقه أحق بالتقديم من الزكاة. ونحن نقول لمن اتقى الله، وأوفى ما عليه: لا زكاة عليك إلا فيما بقي، أما إذا لم يوف ما عليه، وماطل لينتفع بالمال، فإنه لا يدخل فيما جاء عن عثمان، فعليه زكاته. وأما الدليل النظري: وهو أن الزكاة وجبت مواساة، فنقول: أولاً: نمانع في هذا الشيء، فأهم شيء في الزكاة ما ذكره الله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فهي عبادة يطهر بها الإنسان من الذنوب، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتزكو بها النفوس، ويشعر الإنسان إذا بذلها، بانشراح صدر واطمئنان قلب، فليس المقصود من الزكاة هو المواساة فقط.

стр. 2070

ثم على فرض أن من أهدافها المواساة فإن هذا لا يقتضي تخصيص العمومات؛ لأن تخصيص العمومات معناه إبطال جانب منها، وهو الذي أخرجناه بالتخصيص، وإبطال جانب من مدلول النص ليس بالأمر الهين الذي تقوى عليه علة مستنبطة قد تكون عليلة، وقد تكون سليمة، وقد تكون حية، وقد تكون ميتة. لكن لو نص الشارع على هذا، لكان للإنسان مجال أن يقول: إن المدين ليس أهلاً لأن يواسي بل يحتاج إلى من يواسيه. وأما حاجة المدين فعلى الرحب والسعة، فهو أحد الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة؛ لقضاء حاجتهم، فهو من الغارمين فنقول: نحن نقضي دينك من الزكاة، وأنت تتعبد لله بأداء الزكاة. وأما قولهم: إن إيجاب الزكاة يقتضي إيجاب الزكاة في المال مرتين. فالجواب: أن المدين قد لا يكون في يده نفس المال الذي أخذه من الدائن؛ فقد يستدين دراهم، ويكون عنده مواشٍ، أو بالعكس، وهذا كثير، ثم على فرض أن يكون هو نفس المال، فيقال: الجهة منفكة؛ لأن المال الذي بيد المدين ماله يتصرف فيه كيف يشاء، فملكهُ له ملك تامٌ، والدين الذي للدائن في ذمة المدين لا دخل له في هذا المال الذي بيد المدين. فإن قال قائل: كيف يمكن أن يكون الإنسان مزكياً، وله أن يأخذ الزكاة؟

стр. 2071

فنقول: ليس فيه غرابة؛ لو كان عند الإنسان نصاب أو نصابان لا يكفيانه للمؤنة، لكنهما يبقيان عنده إلى الحول فهنا نقول: نعطيه للمؤنة ونأمره بالزكاة، ولا تناقض. القول الثالث: أن الأموال الظاهرة تجب فيها الزكاة، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، والأموال الباطنة لا تجب فيها الزكاة إذا كان عليه دين ينقص النصاب. والأموال الظاهرة هي: الحبوب، والثمار، والمواشي. والأموال الباطنة هي: الذهب والفضة، والعروض؛ لأن الزكاة تجب في قيمتها وهي باطنة. واستدلوا بما يلي: أولاً: العمومات «في كل أربعين شاة شاة» (١). ثانياً: أن الرسول ﷺ كان يبعث العمال لقبض الزكاة من الأموال الظاهرة دون أن يأمرهم بالاستفصال مع أن الغالب على أهل الثمار أن تكون عليهم ديون. ثالثاً: أن الأموال الظاهرة تتعلق بها أطماع الفقراء؛ لأنهم يشاهدونها، فإذا لم يؤد زكاتها بحجة أن عليه ديناً والدين من الأمور الباطنة؛ فإن الناس إذا رأوا أنه لم يؤد الزكاة عن هذه الأموال الظاهرة سيسيئون به الظن، وكما أن في عدم إخراج الزكاة في هذه الحال إيغاراً لصدور الفقراء. ولكن هذا القول وإن كان يبدو في بادئ الرأي أنه قوي

стр. 2072

لكنه عند التأمل ضعيف؛ لأن استدلالهم بالعمومات يشمل الأموال الباطنة، ولأن كون الرسول ﷺ يبعث العمال ولا يستفصلون يدل على أن الزكاة تتعلق بالمال، ولا علاقة للذمة فيها، وهذا لا فرق فيه بين المال الظاهر والمال الباطن؛ ولأن الدَّيْن أمر باطن تستوي فيه الأموال الظاهرة والأموال الباطنة. وإذا قلنا: إنها مواساة فلا فرق بين هذا وهذا؛ ولأن ما ذكروا أنه أموال باطنة فيه نظر، فالتاجر عند الناس تاجر ومعروف، فقد يكون عنده مثلاً معارض سيارات ومخازن أدوات، وأنواع عظيمة من الأقمشة، ودكاكين كثيرة من المجوهرات، أيهما أظهر هذا، أو غنيمات في نقرة بين رمال عند بدوي لا يُعْرف في السوق؟! الجواب: الأول. فالخفاء والظهور أمر نسبي، فقد يكون الظاهر باطناً، ويكون الباطن ظاهراً. والذي أرجحه: أن الزكاة واجبة مطلقاً، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، إلا ديناً وجب قبل حلول الزكاة فيجب أداؤه ثم يزكي ما بقي بعده، وبذلك تبرأ الذمة، ونحن إذا قلنا بهذا القول نحث المدينين على الوفاء. فإذا قلنا لمن عليه مائة ألف ديناً، ولديه مائة وخمسون ألفاً، والدين حال: أدِّ الدين، وإلا أوجبنا عليك الزكاة بمائة الألف، فهنا يقول: أؤدي الدين، لأن الدين لن أؤديه مرتين. وهذا الذي اخترناه هو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز.

стр. 2073

والتفريق بين الأموال الظاهرة والباطنة اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀. وهذا الذي رجحناه أبرأ للذمة، وأحوط، والحمد لله «ما نقصت صدقة من مال» كما يقوله المعصوم ﵊ (١). وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَاب .......... وقوله: «ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب» ظاهر كلامه ﵀ أنه لا فرق بين أن يكون الدين من جنس ما عنده، أو من غير جنسه، فإذا كان عليه دين من الذهب، وعنده فضة فلا زكاة فيها، وكذا لو كان عنده دين من الفضة، وعنده مواشٍ فلا زكاة فيها. وَلَوْ كَانَ المَالُ ظَاهِراً، ......... قوله: «ولو كان المال ظاهراً» «لو» هذه إشارة خلاف، وعادة الفقهاء ﵏ إذا جاؤوا بـ «لو» فالغالب أن الخلاف قوي، وإذا جاؤوا بـ «حتى» فالغالب أن الخلاف ضعيف، وإذا جاؤوا بالنفي فقالوا مثلاً: ولا يشترط كذا وكذا، فهذا إشارة إلى أن فيه خلافاً قد يكون ضعيفاً، وقد يكون قوياً، لكنهم لا يأتون بمثل هذا العبارة «ولا يشترط» إلا وفيه خلاف بالاشتراط؛ لأنه لو لم يكن خلاف فلا حاجة إلى نفيه؛ لأن عدم ذكره يعني نفيه، فإذا وجدت في كلام بعد ذكر الشروط والواجبات: «ولا يشترط كذا»، أو «لا يجب كذا» فاعلم أن في المسألة خلافاً، وقد تقدم بيان القول الذي أشار إليه المؤلف، والمال الظاهر هو الذي يحفظ في الصناديق والبيوت، مثل: الماشية والثمار والحبوب.

стр. 2074

وَكَفَّارَةٌ كَدَيْنٍ .......... قوله: «وكفارة كدين» يعني لو وجب على الإنسان كفارة تنقص النصاب، فلا زكاة عليه فيما عنده؛ لأن الكفارة كالدين، بل هي دين، لكن الدائن فيها هو الله . مثال ذلك: رجل عنده ثلاثمائة صاع من الحبوب، لكن عليه إطعام ستين مسكيناً فيلزمه ثلاثون صاعاً، إذا قلنا: كل صاع لاثنين، وعليه فليس عليه زكاة في الثلاثمائة صاع؛ لأن عليه كفارة تنقص النصاب. فإن قال قائل: ما الدليل على أن الكفارة وهي حق لله كدين الآدمي؟ قلنا: الدليل «أن امرأة سألت النبي ﷺ أن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت فقال لها: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (١) فجعل حق الله كحق الآدمي ديناً يقضى. ووجه نص المؤلف ﵀ على هذه المسألة، مع أنها داخلة في التي قبلها، أن فيها خلافاً حتى على القول بأن الدين يمنع وجوب الزكاة إذا أنقص النصاب، فمن أهل العلم من يفرق بين الكفارة والدين في منع وجوب الزكاة إذا أنقصت النصاب؛ لأن الكفارة حق لله ـ تعالى ـ متعلق بالذمة، والزكاة حق لله ـ تعالى ـ متعلق بالمال والذمة، وما كان متعلقاً بالمال والذمة أولى بالمراعاة، ولكن المذهب أنهما سواء.

стр. 2075

وَإن مَلَكَ نِصَاباً صِغَاراً انْعَقَدَ حَولُهُ حِينَ مَلَكَهُ وَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الحَوْلِ أوْ بَاعَهُ أوْ أبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ لَا فِرَاراً مِن الزَّكَاةِ انْقَطَعَ الحولُ، وإِنْ أَبْدَلَهُ بِجِنْسِهِ بَنَى عَلى الحَوْلِ. قوله: «وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله حين ملكه» أي: في المواشي، إن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله من حين ملكه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «في كل أربعين شاة شاة» لكن إن كانت هذه الصغار تتغذى باللبن فقط فلا زكاة فيها؛ لأنها غير سائمة الآن، ومن شروط وجوب الزكاة في الماشية أن تكون سائمة، وهذه الصغار لا ترعى، وإنما تسقى اللبن. وإنما نص المؤلف ﵀ على هذه المسألة؛ لأن من أهل العلم من يشترط لانعقاد الحول فيما إذا ملك نصاباً صغاراً من حين ملكه أن يبلغ سناً يجزئ في الزكاة، لكن الصواب ما قاله المؤلف من أجل العموم. قوله: «وإن نقص النصاب في بعض الحول .... انقطع الحول». أي: فلا زكاة لنقص النصاب. مثال ذلك: رجل عنده (٢٠٠) درهم، وفي أثناء الحول اشترى منها بخمسة دراهم فلا زكاة في الباقي؛ لأنه نقص النصاب قبل تمام الحول. قوله: «أو باعه» أي: باع النصاب، فإذا باع النصاب في أثناء الحول انقطع فلا زكاة، ويستثنى من ذلك عروض التجارة كما سيأتي. مثاله: رجل عنده (٤٠) شاة سائمة، وقبل تمام الحول باع شاة بدراهم وهو ليس متجراً، لكن رأى أنها أتعبته في الأكل والشرب والمرعى فباعها، فينقطع الحول، فيبدأ بالدراهم حولاً جديداً حتى لو باعها قبل تمام الحول بيوم أو يومين.

стр. 2076

قوله: «أو أبدله بغير جنسه لا فراراً من الزكاة انقطع الحول» الحقيقة أن الإبدال بيع، لكن ما دام أن المؤلف ﵀ قال: «باعه أو أبدله» فيجب أن نجعل البيع بالنقد، والإبدال بغير النقد؛ وذلك لأن الأصل في العطف التغاير، وهذا يقتضي أن يكون المراد بالإبدال غير البيع. فنقول: إذا باع (٤٠) شاة بدراهم فهذا بيع. وإذا أبدل (٤٠) شاة بثلاثين بقرة فهذا إبدال، وإلا فالبيع بدل كما قالوا في تعريف البيع: «هو مبادلة مال، ولو في الذمة بمثل أحدهما … ». وقوله: «أو أبدله بغير جنسه» أي: إذا أبدله بغير جنسه حقيقة أو حكماً، ومثال إبدال جنس النصاب حقيقة: إذا أبدل نصاب سائمة الغنم بسائمة البقر، فإنه ينقضي الحول؛ لأن الجنس هنا يختلف حقيقة ويمكن أن يقال: يختلف حكماً أيضاً؛ لأن الواجب في البقر يختلف عن الغنم. ومثال إبدال جنس النصاب حكماً: إذا أبدل نصاب سائمة الغنم بنصاب عروض التجارة من الغنم، فإن الحول ينقطع لأن الحكم يختلف، فهو كما لو أبدله بغير جنسه. مسألة: إذا أبدل ذهباً بفضة، أي: كان عنده (٢٠) ديناراً وفي أثناء الحول باعها بـ (٢٠٠) درهم. فظاهر كلام المؤلف: أن الحول ينقطع؛ لأن الذهب غير الفضة بنص الحديث. قال النبي ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة … فإذا

стр. 2077

اختلفت هذا الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» (١). وعلى هذا فيكون كلام المؤلف عاماً، حتى في إبدال الذهب بالفضة. والمذهب: أن إبدال الذهب بالفضة لا يقطع الحول؛ لأنها في حكم الجنس الواحد، بدليل أن أحدهما يكمل بالآخر في النصاب. والصحيح: أن أحدهما لا يكمل بالآخر في النصاب، وأن الحول ينقطع؛ لأنها من جنسين، وأيضاً عروض التجارة تجب في قيمتها فلا ينقطع الحول إذا أبدل عروض التجارة بذهب أو فضة، وكذلك إذا أبدل ذهباً أو فضة بعروض تجارة؛ لأن العروض تجب الزكاة في قيمتها لا في عينها، فكأنه أبدل دراهم بدراهم فالذهب والفضة والعروض تعتبر شيئاً واحداً، وكذا إذا أبدل ذهباً بفضة إذا قصد بهما التجارة، فيكونان كالجنس الواحد. وقوله: «لا فراراً من الزكاة» لا نافية للجنس، وقوله «فراراً» مفعول لأجله، والمعنى أنه إن كان بيع النصاب وتبديله بغير جنسه؛ لأجل الفرار من الزكاة فإنه لا ينقطع الحول؛ لأنه فعل ذلك تحيلاً على إسقاط الواجب والتحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيل على الحرام لا يبيحه؛ لقول النبي ﷺ : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى

стр. 2078

الحيل» (١)، لأن العبرة في الأفعال بالمقاصد، قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢)، وهذه هي قاعدة الحيل. ومثال هذه المسألة: لو أن إنساناً عنده نصاب من الغنم السائمة فلما قارب الحول على التمام أبدلها بمثلها عروضاً؛ لئلا تلزمه الزكاة في السائمة فهنا لا ينقطع الحول؛ لأنه فعل ذلك فراراً من الزكاة. مسألة: لو أن إنساناً عنده دراهم كثيرة، وأراد أن يشتري بها عقاراً يؤجره لئلا تجب عليه زكاتها، فهل تسقط عنه الزكاة بذلك؟ ظاهر كلام الفقهاء أن الزكاة تسقط عنه، ولكن لا بد أن نقول: إن كلامهم في هذا الباب يدل على أنها لا تسقط بهذا التبديل، فيقوّم هذه العقارات كل سنة، ويؤدي زكاتها، وإن كان الأصل أنه ليس فيها زكاة، لكن الفار يعاقب بنقيض قصده. قوله: «وإن أبدله بجنسه بنى على الحول» أي: لو أبدل النصاب بجنسه، فإنه لا ينقطع الحول، مثال ذلك: أن تبيع المرأة ذهبها الحلي بذهب، فإن الحول لا ينقطع؛ لأنها أبدلته بجنسه. ومثاله أيضاً: إنسانٌ عنده مائة شاة أسترالية أبدلها بمائة شاة نجدية، فإن الحول لا ينقطع؛ لأن الجنس واحد والحكم واحد.

стр. 2079

أما إذا اتفقا في الجنس واختلفا في الحكم، فإنه ينقطع الحول، مثال ذلك: إذا أبدل ماشية سائمة بماشية عروض تجارة فإنه ينقطع الحول؛ لأن المال في الحقيقة اختلف فالنصاب الأخير، وهو عروض التجارة لا يراد به عين المال، بل يراد به قيمته، ولذلك ينبغي أن يضاف إلى قول المؤلف: «وإن أبدله بجنسه» قيد، وهو «واتفقا في الحكم» «بنى على الحول» بأن كانا عروضاً أو سائمة أو ما أشبه ذلك. وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ المَالِ، وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالذِّمةِ ........ قوله: «وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلق بالذمة» اختلف العلماء ﵏ هل الزكاة واجبة في الذمة، أو واجبة في عين المال؟ فقال بعض العلماء: إنها واجبة في الذمة، ولا علاقة لها بالمال إطلاقاً. بدليل أن المال لو تلف بعد وجوب الزكاة لوجب على المرء أن يؤدي الزكاة. وقال بعض العلماء: بل تجب الزكاة في عين المال، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ولقول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه لليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» (١) فالزكاة واجبة في عين المال. وكلا القولين يرد عليه إشكال؛ لأننا إذا قلنا: إنها تجب في عين المال صار تعلقها بعين المال كتعلق الرهن بالعين المرهونة،

стр. 2080

فلا يجوز لصاحب المال إذا وجبت عليه الزكاة أن يتصرف فيه، وهذا خلاف الواقع، حيث إن من وجبت عليه الزكاة له أن يتصرف في ماله، ولو بعد وجوب الزكاة فيه لكن يضمن الزكاة. وإذا قلنا: بأنها واجبة في الذمة، فإن الزكاة تكون واجبة حتى لو تلف المال بعد وجوبها من غير تعد ولا تفريط وهذا فيه نظر أيضاً. فالقول الذي مشى عليه المؤلف قول جامع بين المعنيين، وهو أنها تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فالإنسان في ذمته مطالب بها، وهي واجبة في المال ولولا المال لم تجب الزكاة، فهي واجبة في عين المال. إلا أنه يستثنى من ذلك مسألة واحدة، وهي العروض، فإن الزكاة لا تجب في عينها، ولكن تجب في قيمتها، ولهذا لو أخرج زكاة العروض منها لم تجزئه، بل يجب أن يخرجها من القيمة. فصاحب الدكان إذا تم الحول، وقال: عندي سكر، وشاي، وثياب، سأخرج زكاة السكر من السكر، والشاي من الشاي، والثياب من الثياب؛ فإننا نقول له: يجب أن تخرج من القيمة، فَقَدِّر الأموال التي عندك، وأخرج ربع عشر قيمتها؛ لأن ذلك أنفع للفقراء؛ ولأن مالك لم يثبت من أول السنة إلى آخرها على هذا فربما تُغَيِّرُ السكر ـ مثلاً ـ بأرز، أو بر، أو بغير ذلك، بخلاف السائمة فإنها تبقى من أول الحول إلى آخره، وتخرج من عينها. فالصحيح أنه لا يصح إخراج زكاة العروض إلا من القيمة.

стр. 2081

وعلى القول بأن الزكاة تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فإنه يجوز لمن وجبت عليه الزكاة أن يبيع المال، ولكن يضمن الزكاة، ويجوز أن يهبه ولكن يضمن الزكاة؛ لأن هذا التعلق بالمال ليس تعلقاً كاملاً من كل وجه حتى نقول: إن المال الواجب فيه الزكاة كالموهوب، بل لها تعلق بالذمة. مسألة: ينبني على الخلاف في تعلق الزكاة بالمال أو بالذمة عدة مسائل ذكرها ابن رجب في القواعد، أوضحها لو كان عند إنسان نصاب واحد حال عليه أكثر من حول، فعلى القول بأنها تجب في الذمة يجب عليه لكل سنة زكاة، وعلى القول بأنها تجب في عين المال، لم يجب عليه إلا زكاة سنة واحدة ـ السنة الأولى ـ لأنه بإخراج الزكاة سينقص النصاب، فإذا كان عند الإنسان أربعون شاة سائمة ومضى عليها الحول ففيها شاة، وبها ينقص النصاب؛ لأن الزكاة واجبة في عين المال، أما إن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة، فإنها تجب في كل سنة شاة. وقد ذكر ابن رجب فوائد أخرى تنبني على هذا الخلاف من أرادها فليراجعها (١). وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأدَاءِ، وَلَا بَقَاءُ المَالِ، ........... قوله: «ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء» أي: لا يشترط لوجوب الزكاة أن يتمكن من أدائها؛ ولهذا تجب في الدين مع أنه لا يمكن أن تؤدى منه، وهو في ذمة المدين، وفي المال الضائع

стр. 2082

إذا وجده، وفي المال المجحود إذا أقر به المنكر، وهكذا، فلا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء، بل تجب وإن كان لا يتمكن من أدائها، ولكن لا يجب الإخراج حتى يتمكن من الأداء. قوله: «ولا بقاء المال» أي: لا يعتبر في وجوبها بقاء المال، فلو تلف المال بعد تمام الحول، ووجوب الزكاة فيه، فعليه الزكاة سواء فرط أو لم يفرط؛ لأنها وجبت، وصارت ديناً في ذمته. وعليه لو أن صاحب الزكاة عنده عروض تجارة تم الحول عليها، وزكاتها تبلغ (١٠.٠٠٠) ريال ثم احترق الدكان، ولم يبق منه درهم واحد، فعلى كلام المؤلف يضمن؛ لأنه لا يعتبر في وجوبها بقاء المال. والصحيح في هذه المسألة أنه إن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان؛ لأن الزكاة بعد وجوبها أمانة عنده، والأمين إذا لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه. ولو أن فقيراً وضع عند شخص دراهم له، ثم تلفت عند المودع بلا تعد ولا تفريط فلا يلزمه أن يضمن للفقير ماله، فالزكاة من باب أولى، مع أن الفقير لا يملك الزكاة إلا من جهة المزكي، فكيف يضمن وهو لم يتعد ولم يفرط؟ فإن تعدى بأن وضع المال في مكان يُقَدَّرُ فيه الهلاك، ضمن ما تلف من المال بعد وجوب الزكاة. وكذلك لو فرط فأخر إخراجها بلا مسوغ شرعي، وتلف المال فإنه يضمن الزكاة. أما إذا لم يتعد ولم يفرط وكان مستعداً للإخراج وقت

стр. 2083

الإخراج، ولكن جاءه أمر أهلك ماله فكيف نضمنه؟! فالصواب أنه لا يشترط لوجوبها بقاء المال، إلا أن يتعدى، أو يفرط (١). والزَّكَاةُ كالدَّينِ فِي التَّرِكةِ .......... قوله: «والزكاة كالدين في التركة» أي: إذا مات الرجل وعليه زكاة، فإن الزكاة حكمها حكم الدين، في أنها تقدم على الوصية وعلى الورثة؛ فلا يستحق صاحب الوصية شيئاً إلا بعد أداء الزكاة، وكذلك لا يستحق الوارث شيئاً إلا بعد أداء الزكاة، فإذا قدرنا أن رجلاً لزمه (١٠.٠٠٠) زكاة، ثم تلف ماله إلا عشرة آلاف، ومات ولم يخلف سواها فتصرف للزكاة، ولا شيء للورثة. ودليل ذلك: قوله ﷺ : «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (٢). والزكاة مقدمة على الوصية، وعلى الإرث. وهذا فيما إذا كان الرجل لم يتعمد تأخير الزكاة، فإننا نخرجها من تركته، وتجزئ عنه، وتبرأ بها ذمته كرجل يزكي كل سنة، وتم الحول في آخر سنواته في الدنيا ثم مات، فهنا نخرجها وتبرأ بها ذمته. أما إذا تعمد ترك إخراج الزكاة، ومنعها بخلاً ثم مات، فالمذهب (٣) أنها تخرج وتبرأ منها ذمته.

стр. 2084

وقال ابن القيم ﵀: إنها لا تبرأ منها ذمته ولو أخرجوها من تركته؛ لأنه مصِرٌّ على عدم الإخراج فكيف ينفعه عمل غيره؟ وقال: إن نصوص الكتاب والسنة وقواعد الشرع تدل على هذا (١). وما قال ﵀ صحيح في أنه لا يجزئ ذلك عنه، ولا تبرأ بها ذمته. ولكن كوننا نسقطها عن المال هذا محل نظر؛ فإن غلبنا جانب العبادة، قلنا: بعدم إخراجها من المال؛ لأنها لا تنفع صاحبها، وإن غلبنا جانب الحق؛ أي: حق أهل الزكاة، قلنا: بإخراجها؛ لنؤدي حقهم، وإن كانت عند الله لا تنفع صاحبها. والأحوط أننا نخرجها من تركته؛ لتعلق حق أهل الزكاة بها، فلا تسقط بظلم من عليه الحق، وسبق حقهم على حق الورثة، ولكن لا تنفعه عند الله؛ لأنه رجل مصر على عدم إخراجها. مسألة: لو مات شخص وعليه دين وزكاة فأيهما يقدم؟ مثاله: رجل خلف (١٠٠) ريال، وعليه زكاة (١٠٠) ريال، ودين (١٠٠) ريال فهل يقدم حق الآدمي، أو تقدم الزكاة؟ في المسألة ثلاثة أقوال: قال بعض العلماء: يقدم دين الآدمي؛ لأنه مبني على المشاحة؛ ولأن الآدمي محتاج إلى دفع حقه إليه في الدنيا، أما

стр. 2085

حق الله فالله غني عنه، وحقه مبني على المسامحة. وقال بعض العلماء: يقدم حق الله لقول النبي ﷺ : «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء». وقال بعض العلماء: إنهما يتحاصان؛ لأن كلاً منهما واجب في ذمة الميت، فيتساويان فإن كان عليه (١٠٠) ديناً و (١٠٠) زكاة، وخلف (١٠٠) فللزكاة (٥٠) وللدين (٥٠). ويجاب عن الحديث أن الرسول ﷺ لم يحكم بين دينين أحدهما للآدمي، والثاني لله، وإنما أراد القياس؛ لأنه سأل: «أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيتَهُ؟» قالت: نعم، قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (١). فكأنه قال: إذا كان يقضى دين الآدمي، فدين الله من باب أولى وهذا هو المذهب، وهو الراجح.

стр. 2086

بابُ زَكَاة بَهِيمَةِ الأنْعَامِ بدأ بها المؤلف اقتداء بحديث أنس بن مالك ﵁ في الكتاب الذي كتبه أبو بكر ﵁، وبين فيه الصدقات، فقد قدم بهيمة الأنعام. قوله: «بهيمة الأنعام» هي: الإبل، والبقر، والغنم، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]. وسميت بهيمة؛ لأنها لا تتكلم، وهي مأخوذة من الإبهام، وهو الإخفاء وعدم الإيضاح، ولكنها تتكلم فيما بينها كلاماً معروفاً، ولهذا تحن الإبل إلى أولادها فتأتي الأولاد، وتنهرها فتنتهر، وكذلك بقية الحيوان، قال موسى ﵇ لما سأله فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٩]ـ قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: أعطاه خلقه اللائق به، ثم هداه لمصالحه، ولهذا يهتدي كل ما خلقه الله لمصالحه فيأكل ما يليق به ويشرب ما يليق به، فكل شيء بحسبه. وبهيمة الأنعام ثلاثة أصناف: الإبل، والبقر، والغنم. والإبل سواء كانت عراباً، أو بخاتي، وهي التي لها سنامان، وهي معروفة في القارة الآسيوية. وأما البقر أيضاً فتشمل البقر المعتادة، والجواميس. والغنم تشمل الماعز والضأن، ولا يدخل فيها الظباء؛ لأن الظباء ليست من أصل الغنم، فلا تدخل في زكاة السائمة.

стр. 2087

والدليل على وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام: حديث أنس بن مالك ﵁ في الكتاب الذي كتبه أبو بكر ﵁ وفيه: «هذه فريضة الصدقة التي فرضها النبي ﷺ على المسلمين .. » الحديث (١) وذكر الغنم، والإبل، وأما البقر فجاء ذكرها في حديث آخر (٢). واعلم أن بهيمة الأنعام تتخذ على أقسام: القسم الأول: أن تكون عروض تجارة، فهذه تزكى زكاة العروض. فقد تجب الزكاة في شاة واحدة، أو في بعير واحد، أو في بقرة واحدة؛ لأن المعتبر في عروض التجارة القيمة، فإذا كان هذا هو المعتبر فما بلغ نصاباً بالقيمة ففيه الزكاة، سواء كانت سائمة أو معلوفة، مؤجرة كانت، أو مركوبة للانتفاع. القسم الثاني: السائمة، المعدة للدر والنسل، وهي التي ترعى، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. اتخذها صاحبها لدرها، أي: لحليبها، وسَمْنِها، والنسل، ولا يمنع كونها معدة لذلك أن يبيع ما زاد على حاجته من أولادها، لأن هؤلاء الأولاد كثمر النخل. القسم الثالث: المعلوفة المتخذة للدر والنسل، وهي التي يشتري لها صاحبها العلف، أو يحصده، أو يحشه لها، فهذه ليس فيها زكاة إطلاقاً، ولو بلغت ما بلغت؛ لأنها ليست من عروض التجارة، ولا من السوائم.

стр. 2088

القسم الرابع: العوامل، وهي: الإبل التي عند شخص يؤجرها للحمل فهذه ليس فيها زكاة، وهذا القسم كان موجوداً قبل أن تنتشر السيارات، فتجد الرجل عنده مائة بعير أو مائتان يؤجرها فينقل بها البضائع من بلد إلى بلد، وإنما الزكاة فيما يحصل من أجرتها إذا تم عليها الحول. فصارت الأقسام أربعة، وكل قسم منها بينه الشارع بياناً واضحاً شافياً. وأعم هذه الأقسام: عروض التجارة؛ لأنها تجب فيها الزكاة على كل حال. تَجِبُ فِي إِبلٍ، وَبَقَرٍ، وَغَنَمٍ إِذَا كَانت سَائِمَةً الحَوْلَ، أوْ أَكْثَرَهُ ......... قوله: «تجب في إبل وبقر وغنم» «تجب» الفاعل الزكاة، أي: تجب الزكاة في هذه الأصناف الثلاثة: الأول الإبل، والثاني البقر، والثالث الغنم. قوله: «إذا كانت سائمة الحول أو أكثره» «سائمة» أي: التي ترعى المباح، والمباح هنا ليس ضد المحرم، وإنما الذي نبت بفعل الله ليس بفعلنا، أما ما نزرعه نحن ونرعاه، فهذا لا يجعلها سائمة، كما لو كان عند الإنسان أمكنة واسعة يزرعها ثم جعل سائمته ترعى هذه الأمكنة الواسعة، فهذه لا تعد سائمة. قوله: «الحول أو أكثره» الحول ظرف زمان لسائمة، والمعنى أنها ترعى المباح الحول أو أكثره أما كونها سائمة إذا رعت الحول فظاهر، وأما كونها سائمة برعيها أكثر الحول؛ فلأن الأقل يأخذ حكم الأكثر، فالاعتبار بالأكثر.

стр. 2089

فإذا كان عند الإنسان إبل ترعى خمسة أشهر، ويعلفها سبعة أشهر فلا زكاة فيها، وإذا كانت ترعى ستة أشهر ويعلفها ستة أشهر، فلا زكاة فيها، وإذا كانت ترعى كل الحول ففيها الزكاة، وإذا كانت ترعى سبعة أشهر ويعلفها خمسة ففيها الزكاة. والدليل على اشتراط السوم، حديث أنس بن مالك في الكتاب الذي كتبه أبو بكر في الصدقات «وفي الغنم في سائمتها في كل أربعين شاة شاة» (١) قال: «في الغنم» ثم قال: «في سائمتها» وهذا عطف بيان، وعطف البيان كالصفة في تقييد الموصوف، فكأنه قال: وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة. وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «وفي كل إبل سائمة» (٢)، وهذا الحديث وإن كان مختلفاً فيه، لكن يدل على اشتراط السوم في الإبل، وكذلك فإن الإبل والبقر تقاسان على الغنم. ويشترط كذلك أن تكون معدة للدر والنسل؛ ليخرج بذلك المعدة للتجارة.

стр. 2090

تنبيه: قول بعض الفقهاء: هل السوم شرط، أو عدمه مانع؟ قيل: إنه لا فرق بين العبارتين، فالخلاف لفظي. وقيل: إنه خلاف حقيقي، ويترتب عليه: أننا إذا شككنا في السوم، أو عدمه، وقلنا: إن السوم شرط؛ لم تجب الزكاة؛ لأن الأصل عدم وجود الشرط، وإذا قلنا: إن عدمه مانع، فإنه تجب الزكاة هنا؛ لأننا لم نتحقق المانع؛ لأن الأصل عدم المانع. فَيَجِبُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِن الإِْبِلِ بِنْتُ مُخَاضٍ، وَفِيمَا دُونَهَا فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، ....... قوله: «فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وفيما دونها في كل خمس شاة» هنا بين المؤلف مقدار الزكاة الواجبة، أي يجب في كل خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، أي: بكرة صغيرة لها سنة، وسميت بنت مخاض؛ لأن الغالب أن أمها قد حملت فهي ماخض، والماخض الحامل، وفيما دون خمس وعشرين في كل خمس شاة، ففي الخمس الأولى شاة، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي الخمس والعشرين بنت مخاض. ولو أخرج خمس شياه عن خمس وعشرين لم تجزئ، ولو أخرج بنت مخاض في عشرين ـ فيها خلاف. فقال بعض العلماء: لا يجزئ فيما دون خمس وعشرين بعير، ولو كبيراً؛ لحديث أبي بكر ﵁ الذي كتبه قال: «وفيما دونها الغنم في كل خمس شاة» (١) أي فيما دون خمس وعشرين، في كل خمس شاة.

стр. 2091

وقال بعض العلماء: إذا كانت تجزئ بنت المخاض في خمس وعشرين، فإجزاؤها فيما دون ذلك من باب أولى، والشريعة لا تفرق بين متماثلين، والشارع أسقط الإبل فيما دون خمس وعشرين رفقاً بالمالك، وليس ذلك للتعييب. وهذا هو الصحيح؛ لأن كل أحد يعلم أن الشريعة الكاملة المبنية على الدلالة النقلية والعقلية لا يمكن أن تقول: من عنده خمس وعشرون من الإبل، وأخرج بنت مخاض أجزأته، ومن عنده عشرون من الإبل وأخرج بنت مخاض لم تجزئه!! وكذلك تجزئ بنت لبون، أو أكبر من ذلك. وَفِي سِت وَثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي ست وأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَفِي إِحْدَى وَستِّينَ جَذَعَةٌ، وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ، ..... قوله: «وفي ست وثلاثين بنت لبون» بنت اللبون: هي ما تم لها سنتان، وسميت بذلك؛ لأن الغالب أن أمها قد ولدت فأصبحت ذات لبن. والوقص هو: ما بين الفرضين، ليس فيه شيء، فبين خمس وعشرين وست وثلاثين «عشر» ليس فيها شيء، وذلك رفقاً بالمالك. وأما الذهب والفضة فلو زادت قيراطاً زادت الزكاة. والحبوب والثمار لو زادت، زادت الزكاة بخلاف المواشي؛ لأنها تحتاج إلى مؤونة كثيرة من رعي وحلب وسقي، وغير ذلك، فجعل الشارع هذه الأوقاص لا زكاة فيها. قوله: «وفي ست وأربعين حقة» الحقة هي: الأنثى من الإبل التي تم لها ثلاث سنوات، وسميت حقة؛ لأنها تتحمل الجمل،

стр. 2092

ولهذا جاء في حديث أبي بكر ﵁ «حقة طروقة الجمل» (١) أي: تتحمل أن يطرقها الجمل فتحمل. والوقص بينن ست وثلاثين وست وأربعين: «تسع». قوله: «وفي إحدى وستين جذعة» والجذعة: ما تم لها أربع سنوات. والوقص ما بين ست وأربعين وإحدى وستين: «أربع عشرة» ليس فيه شيء. فالأول أكثر من الثاني والثالث أكثر منهما. قوله: «وفي ست وسبعين بنتا لبون» أعلى سن يجب في الزكاة الجذعة، وكل هذا السن لا يجزئ في الأضحية؛ لأنه لا يجزئ في الأضحية إلا الثني وهو ما تم له خمس سنوات، والجذعة فما دونها لا تجزئ في الأضحية، ولكن في الزكاة تجزئ. والوقص: «أربع عشرة».

стр. 2093

فست وسبعون فيها بنتالبون، لكل واحدة سنتان، ولو أخرج بنت لبون وابن لبون لم يجزئ؛ لأن الأنثى أغلى من الذكر وأنفع للناس منه. قوله: «وفي إحدى وتسعين حقتان». والوقص: «أربع عشرة». فإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةً فَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ ........ قوله: «فإذا زادت على مائة وعشرين واحدةً فثلاث بنات لبون». إذاً من إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين وقص قدره «تسع وعشرون»، فإذا زادت على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة. قوله: «ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة». فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، وبعدها تستقر الفريضة، كلما زادت عشراً تتغير الفريضة، فمثلاً: مائة وثلاثون فيها حقة وبنتا لبون. مائة وأربعون فيها حقتان وبنت لبون. مائة وخمسون فيها ثلاث حقاق. مائة وستون فيها أربع بنات لبون. مائة وسبعون فيها حقة وثلاث بنات لبون. مائة وثمانون فيها حقتان وبنتا لبون. مائة وتسعون فيها ثلاث حقاق وبنت لبون. مائتان تتساوى الفريضتان خمس بنات لبون أو أربع حقاق. مائتان وعشر فيها أربع بنات لبون، وحقة. وعلى هذا فقس، كلما زادت عشراً يتغير الفرض. قال في الروض: «ومن وجبت عليه بنت لبون مثلاً وعدمها، أو كانت معيبة فله أن يعدل إلى بنت مخاض، ويدفع جبراناً، أو إلى حقة ويأخذه».

стр. 2094

أي: من وجبت عليه بنت لبون وليست عنده، وعنده بنت مخاض أنزل منها فإنه يدفع بنت المخاض، ويدفع معها جبراناً، وإذا لم يكن عنده بنت لبون وعنده حقة، فإنه يدفع الحقة ويأخذ الجبران فهو بالخيار. ويأخذه من المُصَدِّق الذي يبعثه ولي الأمر بقبض الزكاة. وإذا لم يكن عنده إلا جذعة فلا يستحق جبراناً أكثر مما يستحقه إذا دفع الحقة. والجبران: شاتان، أو عشرون درهماً، كل شاة بعشرة دراهم، هذا في عهد الرسول ﷺ . فهل العشرون تقويم أو تعيين؟ الظاهر: ـ والله أعلم ـ أنها تقويم. وبناء على ذلك فلو كانت قيمة الشاتين مائتي درهم، وأراد أن يعدل عنهما فلا يكفي أن يعطيه عشرين درهماً. وليس في غير الإبل جبران، فالجبران في الإبل خاصة؛ لأن السنة وردت به فقط (١).

стр. 2095

فَصْلٌ وَيَجِبُ فِي ثَلَاثِينَ مِن البَقَرِ تَبِيعٌ أوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي أرْبعينَ مُسِنَّةٌ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ، وَفي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَيُجْزِئ الذَّكَرُ هُنَا، وابنُ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَإِذَا كَان النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُوراً. قوله: «فصل» أي: في زكاة البقر. نقول في زكاة البقر: كما قلنا في زكاة الإبل، أي: أن الأقسام السابقة الأربعة تشمل الإبل، والبقر، والغنم. والبقر سميت بقراً؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة أي: تشقها. قوله: «ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة» أي: تبيع ذكر، أو تبيعة أنثى لكل واحد منهما سنة، وفيما دون الثلاثين لا شيء. والفرق بين الإبل والبقر في باب الزكاة فرق عظيم، فالإبل يبدأ النصاب من خمس، والبقر من ثلاثين، مع أنهما في باب الأضاحي سواء، لكن الشرع فوق العقل، والواجب اتباع ما جاء به الشرع. قوله: «وفي أربعين مسنة» (١) المسنة: أنثى لها سنتان.

стр. 2096

وما بين الثلاثين والأربعين، وقص: «تسع» ليس فيها شيء. قوله: «ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة». ففي خمسين مسنة. وفي ستين تبيعان أو تبيعتان. من أربعين إلى ستين وقص. وفي سبعين تبيع ومسنة. وفي ثمانين مسنتان. وفي تسعين ثلاث تبيعات. وفي مائة تبيعان ومسنة. وفي مائة وعشرين أربع تبيعات، أو ثلاث مسنات، كالمائتين في الإبل. مسألة: إذا تساوى الفرضان فلمن الخيار للمعطي أو للآخذ؟ الجواب: للمعطي قالوا: لأنه هو الغارم. قوله: «ويجزئ الذكر هنا» أي: في زكاة البقر ففي ثلاثين من البقر يجزئ تبيع. قوله: «وابن لبون مكان بنت مخاض، وإذا كان النصاب كله ذكوراً». فالذكر يجزئ في ثلاثة مواضع وهي: ١ ـ التبيع في ثلاثين من البقر. ٢ ـ ابن اللبون مكان بنت المخاض، إذا لم يكن عنده بنت مخاض.

стр. 2097

٣ ـ إذا كان النصاب كله ذكوراً، فإنه يجزئ أن يخرج منها ذكراً، كما لو كان عنده خمس وعشرون من الإبل كلها ذكور، فعليه ابن مخاض؛ لأن الإنسان لا يكلف شيئاً ليس في ماله؛ ولأن الزكاة وجبت مواساة، فالذكر له ذكر، والأنثى لها أنثى. وهذا أقرب إلى المعنى والقياس؛ إذ لا يلزم الإنسان إلا بمثل ماله. وقال بعض العلماء: إذا كان النصاب ذكوراً، فيجب ما عينه الشارع، فلو كان عنده خمس وعشرون من الإبل كلها ذكور وجب عليه بنت مخاض، فإن لم يجد فابن لبون ذكر، وإن كان عنده ستة وثلاثون جملاً ففيها بنت لبون، ولا يجزئ ابن لبون. وهذا القول أقرب إلى ظاهر السنة، لأن السنة عينت فقال النبي ﷺ : « … بنت مخاض أنثى فإن لم تكن فابن لبون ذكر … بنت لبون … حقة … جذعة … » (١) فَنَصَّ الشارعُ على الذكورة والأنوثة، فيجب اتباع الشرع. وهذا القول أحوط، فلا نعدل عما جاء به الشرع لمجرد القياس، والأقيس ما مشى عليه المؤلف. وقولنا: إن ما مشى عليه المؤلف أقيس، مع أنه لا يتعارض النص والقياس؛ لأن السنة ليست صريحة في الدلالة هنا.

стр. 2098

فَصْلٌ وَيَجِبُ فِي أَرْبَعينَ مِن الغَنَمِ شَاةٌ، وَفِي مِائةٍ وإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَان، وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلاثُ شِياهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائةٍ شَاةٌ والخُلْطَةُ تُصَيِّرُ المَالَيْنِ كَالوَاحِدِ. قوله: فصل «ويجب في أربعين من الغنم شاة» «شاة» فاعل «يجب» ففي أربعين من الغنم شاة، فإذا أخرجها ودار عليها الحول ولم تزد، بل بقيت تسعاً وثلاثين شاة، فليس فيها شيء؛ لأنها نقصت عن النصاب، وأقل نصاب الغنم أربعون شاة، والواجب فيها شاة واحدة. قوله: «وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان» الوقص: ثمانون. ففي أربعين شاة، شاة واحدة. وفي مائة وعشرين: شاة واحدة. ثمانون شاة لا شيء فيها ـ سبحان الله ـ وهذا من تيسير الشرع، فالحمد لله. قوله: «وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه» فالوقص: ثمانون. إذاً الوقص في الفرض الثاني كالوقص في الفرض الأول. قوله: «ثم في كل مائة شاة» أي: إذا زادت على مائتين وواحدة ففي كل مائة شاة، فتستقر الفريضة على ذلك. ففي ثلاثمائة: ثلاث شياه. وفي ثلاثمائة وتسع وتسعين: ثلاث شياه. لأنها لم تتم المائة الرابعة، وإذا لم يَلْحق الفرضَ الثاني يُلحَقْ بالفرض الأول، والوقص من مائتين وواحدة، إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين: مائة وثمان وتسعون.

стр. 2099

وهذا أكثر وقص يوجد في الغنم. ففي ثلاثمائة: ثلاث شياه. وفي أربعمائة: أربع شياه. وفي خمسمائة: خمس شياه. وفي الألف عشر شياه، وهكذا (١). قوله: «والخُلطة تصير المالين كالواحد» الخلطة: بضم الخاء أي: الاختلاط يصير المالين كالواحد. وظاهر كلام المؤلف: العموم وليس كذلك، وإنما مراده الخلطة في بهيمة الأنعام فقط، هذا هو المشهور من المذهب، وهو القول الأول في المسألة. وذهب بعض أهل العلم: إلى أن الخلطة في الأموال الظاهرة تصير المالين كالمال الواحد عموماً واستدلوا لذلك، بأن الرسول ﷺ كان يبعث السعاة لأخذ الزكاة من أهل الثمار، ولا يسألون؛ مع أن الاشتراك وارد فيها. فعلى هذا القول الخلطة في بهيمة الأنعام تجعل المالين كالواحد. مثاله: عندي غنم، وأنت عندك غنم، والثالث عنده غنم، والرابع عنده غنم، وخلطناها جميعاً، فتصير الأموال كالمال الواحد.

стр. 2100

فإذا كان عندي عشرون شاة، وعندك عشرون شاة، فعلينا شاة زكاة. ولو كان عندي عشرون وحدها، وعندك عشرون وحدها ولم تختلط فلا زكاة؛ لعدم الخلطة، فقد تجب الزكاة فيما لم يجب، وقد تسقط الزكاة فيما وجب، وسيأتي تفصيل هذا. قال العلماء: والخلطة تنقسم إلى قسمين: ١ ـ خلطة أعيان. ٢ ـ خلطة أوصاف. أولاً: خلطة الأعيان: وهي أن يكون المال مشتركاً بين اثنين في الملك. مثال ذلك: رجل مات عن ابنين وخلف ثمانين شاة فالثمانون مشتركة بين الاثنين شركة أعيان، فعين الغنم هذه لأحد الابنين نصفها، وللثاني نصفها. وشركة الأعيان تكون بالإرث، وتكون بالشراء، وغير ذلك. ثانياً: خلطة أوصاف: وهي أن يتميز مال كل واحد عن الآخر، ولكنها تشترك في أمور نذكرها إن شاء الله. مثاله: أن يكون لكل منا ماله الخاص، فأنت لك عشرون من الغنم، وأنا لي عشرون من الغنم ثم نخلطها، فلو ماتت العشرون التي لي فلا ضمان عليك؛ لأنها نصيبي. وفي خلطة الأعيان لو مات نصفها فهي علينا جميعاً؛ لأنه ملك مشترك. وخلطة الأوصاف تشترك في أمور:

стр. 2101

١ ـ الفحل: أي: يكون لهذه الغنم فحل واحد مشترك. والفحل بالنسبة للمعز يسمى تيساً، وفي الضأن خروفاً، وفي الإبل جملاً، وفي البقر ثوراً. ٢ ـ المسرح: أي: يسرحن جميعاً ويرجعن جميعاً. فلا يسرح أحد غنمه يوم الأحد، والثاني يوم الاثنين. ٣ ـ المرعى: أي: يكون المرعى لها جميعاً فليس غنم هذا في شعبة الوادي الشرقية، والثاني في الشعبة الغربية. ٤ ـ المحلب: أي: مكان الحلب يكون واحداً، فلا تحلب غنمك هناك، وغنمي هنا. ٥ ـ المُرَاح ـ وهو: مكان المبيت، أي: يكون المراح جميعاً فلا تكون غنمي لها مراح وحدها، وغنمك لها مراح وحدها. وقد جمعت هذه الأوصاف في قول الناظم: إن اتفاق فحلٍ مسرحٍ ومرعى ومحلبٍ المراح خلط قطعا فإذا اشتركت في هذه الأشياء الخمسة، فهي خلطة أوصاف، تجعل المالين كالمال الواحد. وهذه الأوصاف الخمسة أخذت من عادة العرب؛ وأنها إذا اشتركت في هذه الأوصاف صارت كأنها لرجل واحد. ويشترط في الخلطة أن تكون كل الحول أو أكثره، كالسوم. واعلم أن الخلطة أعم من الشركة فيختلطان ولا يكونان شريكين. إذا قال قائل: أما النوع الأول من الخلطة فلا إشكال فيه؛ لأنه مال مشترك بين شخصين.

стр. 2102

لكن الثاني: كيف يجعل المالين كالمال الواحد مع أن مالي يخصني، ومالك يخصك؟ فالجواب: دل على ذلك حديث أبي بكر ﵁ وفيه: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» (١). والخلطة تؤثر في إيجاب الزكاة، وفي سقوطها؛ ولهذا قال: «لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة». مثال قوله ﷺ : «لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» أن يكون عندي أربعون شاة، والعامل سيأتي غداً، فأجعل عشرين منها في مكان، وعشرين في مكان آخر، فإذا جاء العامل وجد هذه الغنم عشرين، والغنم الأخرى عشرين فلا يأخذ عليها زكاة؛ لأنها لم تبلغ النصاب. ومثال قوله ﷺ : «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة». أنا أملك أربعين، وأنت تملك أربعين، والثالث يملك أربعين فالجميع مائة وعشرون، فلو اعتبرنا كل واحد وحده لوجب ثلاث شياه، لكن إذا جمعنا الغنم كلها وعددها مائة وعشرون، فلا يكون فيها إلا شاة واحدة كما سلف. إذاً جمعنا بين متفرق، لئلا يجب على هذا المجموع ثلاث شياه، بل شاة واحدة. مسائل: الأولى: الخلطة لا تؤثر في غير بهيمة الأنعام. مثاله: لو كان لدينا مزرعة ونحن عشرة، لكل واحد منا

стр. 2103

عُشرها، وهي خمسة أنصبة فقط فلا زكاة فيها؛ لأن كل واحد منا ليس له إلا نصف نصاب. مثال آخر: رجلان اشتركا في تجارة، وكان مالهما نصاباً، فليس عليهما زكاة؛ لأن نصيب كل واحد منهما لا يبلغ النصاب، فلا زكاة عليهما مع أنهما يتاجران في الدكان؛ لأنه لا خلطة إلا في بهيمة الأنعام وفي غير بهيمة الأنعام لا تؤثر الخلطة. الثانية: لو كان لرجل عشرون من الشياه في الرياض وعشرون في القصيم، فالجمهور تجب عليه الزكاة لأن المالك واحد، والمذهب لا زكاة عليه لقوله ﷺ : «لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» (١)، فدل على أنه إذا تفرق ماله لا للحيلة فلا زكاة عليه، والأحوط رأي الجمهور، ويحمل الحديث على خلطة الأوصاف. الثالثة: لو اختلط مسلم ومن ليس من أهل الزكاة كالكافر خلطة أوصاف، فالزكاة على المسلم في نصيبه إذا بلغ نصاباً؛ لأن مخالطة من ليس من أهل الزكاة كالمعدوم. الرابعة: لو اختلط اثنان في «ماشية» وأحدهما يريد بنصيبه التجارة، والآخر يريد الدر والنسل، فهذه خلطة غير مؤثرة؛ لاختلاف زكاة كل منهما؛ فأحدهما زكاته بالقيمة، والآخر زكاته من عين المال. الخامسة: إذا اختلط اثنان وكان لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث فالزكاة بينهما على حسب ملكهما؛ على أحدهما الثلثان وعلى الآخر الثلث.

стр. 2104

بَابُ زَكَاةِ الحُبُوبِ وَالثِّمَار الأصل في وجوب زكاة الحبوب والثمار، قول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. و «من» هنا للتبعيض باعتبار الجنس، وباعتبار الفرد، أي: لا كل المخرج، ولا كل ما يخرج. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقوله ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر» (١). وقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٢). فهذه النصوص تدل على وجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض، لكن لا كل شيءٍ، ولا كل نوع؛ بل هو مخصوص نوعاً، ومقدرٌ كماً.

стр. 2105

تَجِبُ في الحُبوبِ كُلِّهَا، ولَوْ لَمْ تَكنْ قُوتاً، وفِي كلِّ ثمرٍ يكال ويدَّخر، كتمرٍ وزبيبٍ .......... فما هو الضابط في هذا؟ اختلف العلماء ﵏ في هذا اختلافاً غير قليل. فالمشهور من مذهب الإمام أحمد ما ذكره المؤلف بقوله: «تجب في الحبوب كلها، ولو لم تكن قوتاً، وفي كل ثمر يكال ويدخر» الحبوب: ما يخرج من الزروع، والبقول، وما أشبه ذلك، مثل: البر، والشعير، والأرز، والذرة، والدخن وغيرها. وقوله: «ولو لم تكن قوتاً» إشارة خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: ما ليس بقوت فلا تجب فيه الزكاة، مثل: حب الرشاد والكسبرة، والحبة السوداء، وما أشبهها، فهذه غير قوت، ولكنها حب يخرج من الزروع. وقوله: «وفي كل ثمر يكال ويدخر» الثمر: ما يخرج من الأشجار، فكل ثمر يكال ويدخر تجب فيه الزكاة، والثمر الذي لا يكال ولا يدخر لا تجب فيه الزكاة، ولو كان يؤكل مثل: الفواكه، والخضروات، ليس فيها زكاة؛ لأنها لا تكال ولا تدخر. وقوله: «كتمر وزبيب» التمر يكال ويدخر، والزبيب يكال ويدخر، ولا عبرة باختلاف الكيل والوزن، فإن التمر في عرفنا يوزن، وكذلك الزبيب، لكن لا عبرة بذلك؛ لأن العبرة بما كان في عهد الرسول ﷺ . وذكر في الروض زيادة أمثلة: فقال «لوز، وفستق، وبندق» (١) وما أشبه ذلك.
следующие страницы →