← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

فَصْلٌ وَكِنَايَاتُهُ الظَّاهِرَةُ نَحْوُ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَأَنْتِ الْحَرَجُ، ................................................ قوله: «وكناياته الظاهرة» الطلاق له صريح وكناية، الصريح تقدم، وهو «لفظ الطلاق وما تصرف منه غير أمر، ومضارع، ومطلِّقة اسم فاعل»، وسبق لنا أن الصريح هو الذي لا يحتمل غيره، والكناية ما تحتمله وغيره؟ ولهذا قال الناظم: وكُلُّ لفظٍ لِفِراقٍ احْتَمَلْ … فَهُو كِنَايَةٌ بِنِيَّةٍ حَصَلْ أي: كل ما يحتمل الفراق فهو كناية، «بنية حصل» أي مع النية يحصل الطلاق، لكن فقهاؤنا ﵏ قسموها إلى قسمين، ظاهرة وخفية، فالظاهرة تختلف عن الخفية في أنها صريحة في البينونة، ولهذا يوقعون بها ثلاثاً، والخفية غير صريحة في البينونة فلا يوقعون بها إلا واحدة، ما لم ينوِ أكثر، ولا دليل على هذا التقسيم كما سنبينه إن شاء الله، لكن يقال: الكنايات نوعان: كنايات بينة قريبة من معنى الطلاق، وكنايات بعيدة، وحكمها واحد. قوله: «نحو: أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وأنت حرة، وأنت الحرج» هذه الألفاظ التي عدوها ليست على سبيل الحصر؛ لأننا قلنا: هي التي تحتمل الطلاق وغيره، فإن دلت على البينونة فهي ظاهرة، وإلا فخفية. وقوله: «أنت خلية» على وزن فعيلة، اسم مفعول، يعني مخلاة، فلو قال: أنا أردت خَلِيَّةَ نَحْلٍ، قلنا: كيف تكون امرأة خلية نحل؟ قال: نعم؛ لأن عندها أشياء كثيرة، فخلية النحل فيها

стр. 5287

العسل، وفيها الشمع، وفيها بيض النحل، وغير ذلك، فنقول: ما يقع الطلاق؛ لأنه بالكناية ما يقع إلا بنية، لكن في لغتنا نحن في القصيم يعتبرونها صريحاً، حتى العامة ما يقولون: فلان طلق زوجته، يقولون: فلان خلى زوجته، فهي عندهم صريح، وقد سبق لنا في كتاب البيع أن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الألفاظ ثياب للمعاني، وإذا كانت ثياباً لها فإنها تختلف بحسب العرف والزمان، فثياب الناس هنا في المملكة العربية السعودية غير ثياب الناس في أفريقيا مثلاً، وغير ثياب الناس في مصر، أو سورية أو ما أشبه ذلك، فإذاً قد يكون اللفظ عند قوم صريحاً، وعند قوم كناية غير صريح، بل قد يكون عند قوم لا يدل عليه أصلاً، وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو الصحيح بلا ريب. وقوله: «برية» هذه كناية غريبة «أنت برية» لا أحد يخطر بباله أن المعنى طالق؛ لأن الذي يخطر بالبال أنها برية من مرض، برية من تهمة فيها، برية من الحمل، برية من الدَّيْن الذي عليها، لكن مع ذلك يقولون: برية كناية عن الطلاق، يعني بريئة من حقوق الزوج عليكِ، ولا تبرأ من حقوق الزوج عليها إلا إذا كانت طالقاً. وقوله: «بائن» كناية قريبة أقرب من برية بلا شك، يعني منفصلة عن الأزواج. وقوله: «بتة» كناية ظاهرة؛ لأنها من البت بمعنى القطع، يقال: بت في هذا الأمر يعني قطع فيه ونفذه، فأنت بتة، يعني منقطعة عن الزوج.

стр. 5288

وقوله: «بتلة» يقولون: بتلة بمعنى بتة، يعني مقطوعة، والآن لو أن شخصاً قال لزوجته: أنت بتلة، فلا يفهم أن هذا طلاق، ومع ذلك يرونها كناية ظاهرة. وقوله: «أنت حرة» عندي أنها بعيدة إلا إذا سألت الطلاق، بل حتى لو سألته وألحت عليه وقال: أنت حرة، فأنا عندي أنه ما يتم الطلاق أبداً، وأنَّ فهم الطلاق منها بعيد، لكن هم يقولون: إنها حرة؛ لأن الزوج بالنسبة للمرأة سيد، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، فهي عنده بمنزلة الأمة، والرسول ﵊ قال: «إنهن عوان عندكم» (١)، فإذا قال: أنت حرة، أي: فما لأحد عليك سلطان، فمعناه أن لا زوج لها. وقوله: «أنت الحرج» هذه قريبة؛ لأن الناس يفهمون أنت الحرج، يعني أنت حرام علي؛ لأن الحرج هو الحرام، أو شبهه، فهذه كناية قريبة يراد بها الطلاق. فعندنا سبع كلمات: خلية، برية، بائن، بتة، بتلة، حرة، حرج، لكن مع ذلك ليست على سبيل الحصر، إذن لا بد لنا من ضابط، وهو أن كل لفظ احتمل الفراق على وجه البينونة فهو كناية ظاهرة، وسبق لنا أن الأعراف تختلف فإننا ننزل الضابط على حسب عرف هذا الزوج، فنقول: ما عرفك؟ ماذا يراد بكلمة كذا في عرفك؟ فإن قال: يراد بهذا أنها بانت منه، نقول: إذاً هو من الكنايات الظاهرة.

стр. 5289

وَالخَفِيَّةُ نَحْوُ: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَذُوقِي، وَتَجَرَّعِي، وَاعْتَدِّي، وَاستَبرِئِي، وَاعْتَزِلِي، وَلَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَمَا أَشْبَهَهُ، ........ قوله: «والخفية نحو: اخرجي» أي: من البيت، مع أن كثيراً من الناس إذا غضب على زوجته يقول: اخرجي، وما قصده الطلاق، بل قصده أن تذهب عنه، لكن مع ذلك يقولون: إنه من الكناية. قوله: «واذهبي» مثل اخرجي. قوله: «وذوقي» إذا جاءت مجردة عن قرينة فإنها تكون كناية، فإذا قال: أنا أردت بقولي ذوقي الطلاق وألم الفراق نقبل منه؛ لأنه يحتمل؛ لأن الشيء الذي يؤلم الإنسان يقال: ذقه، كما قال الله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ [السجدة: ٢٠]. قوله: «وتجرعي» مثل ذوقي؛ لأن الله تعالى قال في عذاب أهل النار: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]. قوله: «واعتدي» هذا واضح وظاهر، لكنها ليست كناية ظاهرة؛ لأن العدة ليست مقصورة على البينونة، فعندنا عدتان غير بائنتين، الطلقة الأولى، والطلقة الثانية، فإذا قال: اعتدي، قلنا: واضح أن كلمة «اعتدي» يراد بها الطلاق؛ لأنه لا عدة إلا بعد الطلاق، لكنها من الكنايات الخفية؛ لأن الظاهرة ليس معناها الظاهرة في المعنى، بل الظاهرة هي التي تحتمل الفراق على وجه البينونة، و «اعتدي» ما تدل على الفراق على وجه البينونة. قوله: «واستبرئي» أيضاً من الكنايات الخفية، والفرق بينها وبين «أنت برية» أي: من حقوق الزوج عليك، ولا تبرأ من حقوق الزوج على وجه الإطلاق إلا بفراق بائن، لكن استبرئي من

стр. 5290

الاستبراء، ومعناه التربص الذي يعلم به براءة الرحم، وهذا ظاهر أنه يريد به الاعتداد إذ لا استبراء إلا بطلاق. قوله: «واعتزلي» ـ أيضاً ـ كناية؛ ووجه دلالتها على الطلاق أن الطلاق عزلة في الواقع، وإن كان قوله: «اعتزلي» يحتمل كوني في فراش، وأنا في فراش، أو في منزل، وأنا في منزل، لكن ما دام أنه يحتمل الفراق نجعله من كناية الطلاق. قوله: «ولست لي بامرأة» هذه في الحقيقة تقرب من البينونة؛ لأن الرجعية حكمها حكم الزوجات، فإذا طلق الإنسان امرأته مرة واحدة تبقى في بيته تتشرف له، وتتزين له، وتتطيب له، وتكشف الوجه والذراع والعضد والصدر والبطن، لكن إذا كانت بائناً تحتجب عنه مثل ما تحتجب عن الأجنبي، فإذا قال: لست لي بامرأة، فظاهر الحال أنها بينونة، وهذه عند الفقهاء يقولون: إنها من الكنايات الخفية، وهي إلى الكنايات الظاهرة أقرب، لكن قد يقول: أنا أريد بقولي: «لست لي بامرأة» أنك تعاندين وتعصين أمري، والمرأة عادة لا تعاند ولا تعصي، وعملك معي ليس من عمل المرأة مع زوجها، فنقول: هذا محتمل، ولهذا قلنا: ليس بصريح بل هو من باب الكنايات الخفية. قوله: «والحقي بأهلك» اذهبي إلى أهلك، فهذه كناية خفية. قوله: «وما أشبهه» (١).

стр. 5291

وَلَا يَقَعُ بِكِنَايَةٍ وَلَوْ ظَاهِرَةً طَلَاقٌ إِلاَّ بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِلَّفْظِ إِلاَّ حَالَ خُصُومَةٍ، أَوْ غَضَبٍ، أَوْ جَوَابِ سُؤَالِهَا، .................... قوله: «ولا يقع بكناية ولو ظاهرة طلاق إلا بنية» الحمد لله هذه نعمة، فكل هذه الألفاظ لا يقع فيها الطلاق إلا بنية، بأن ينوي بقوله: «أنت خلية» مطلقة، وبقوله: «اخرجي» أي: من بيتي، فلست لي بامرأة. قوله: «مقارنة للفظ» النية إما أن تسبق اللفظ بزمن بعيد، وإما أن تكون بعده، وإما أن تكون مقارنة، أو قبله بيسير، فإن كانت سابقة مثل أن نوى أن يطلقها أمس، واليوم قال لها: اخرجي، لكن غاب عن ذهنه النية؟ فلا تطلق، بل لا بد أن تكون مقارنة، أو قريبة، ولو قال: اذهبي، أو اخرجي، أو اعتزلي، أو ما أشبه ذلك، ثم نوى الطلاق فما يقع؛ لأنه حين تلفظ بها لم ينوِ الطلاق، والمؤلف يقول: إلا بنية مقارنة للفظ. ولو نوى أن يطلق بدون لفظ لا يقع الطلاق، ولو حدّث نفسه دون لفظ أنها طالق فلا تطلق. فالنية تارة تتقدم كثيراً، وتارة تتقدم بزمن يسير، وتارة تقارن، وتارة تتأخر، فالأقسام أربعة، فإذا تقدمت كثيراً لا يقع الطلاق، وإذا تأخرت ولو يسيراً لا يقع الطلاق، وإذا تقدمت يسيراً أو قارنت اللفظ يقع الطلاق. قوله: «إلا حال خصومة أو غضب أو جواب سؤالها» هذه ثلاث أحوال يقع بها الطلاق بالكناية بلا نية. فقوله: «خصومة» يعني مع زوجته، فقال: اذهبي لأهلك يقع الطلاق، وإن لم ينوه؛ لأن لدينا قرينة تدل على أنه أراد فراقها.

стр. 5292

وقوله: «أو غضب»، أي: حال غضب ولو بدون خصومة، كأن يأمرها أن تفعل شيئاً فلم تفعل فغضب، فقال: اذهبي لأهلك يقع الطلاق، وإن لم ينوه. وقوله: «أو جواب سؤالها» يعني قالت: طلقني، قال: اذهبي لأهلك يقع الطلاق. ووقع الطلاق في الأحوال الثلاث؛ لأنها قرائن تدل على إرادة الطلاق، ولهذا قال: فَلَوْ لَمْ يُرِدْهُ، أَوْ أَرَادَ غَيْرَهُ فِي هذِهِ الأَحْوَالِ لَمْ يُقْبَلْ حُكْماً، وَيَقَعُ مَعَ النِّيَّةِ بِالظَّاهِرَةِ ثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدةً، وَبِالْخَفِيَّةِ مَا نَوَاهُ. «فلو لم يرده» أي: الطلاق في هذه الحال، فقال: أنا ما أردت الطلاق. قوله: «أو أراد غيره في هذه الأحوال» بأن قال: أردت بقولي: اذهبي لأهلك أن ينطفئ غضبي، وينطفئ غضبها، ولم أرد الطلاق. قوله: «لم يقبل حكماً» إن رافعته إلى الحاكم طَلَّق عليه، أما بينه وبينها فلا يقع الطلاق. ولكن الصحيح أن الكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية، حتى في هذه الأحوال؛ لأن الإنسان قد يقول: اخرجي أو ما أشبه ذلك غضباً، وليس في نيته الطلاق إطلاقاً، فقط يريد أن تنصرف عن وجهه حتى ينطفئ غضبهما، وقد تلح عليه تقول: طلقني، طلقني، فيقول: طالق، وهو ما يريد الطلاق، لكن يريد طالق من وثاق، أو طالق إن طلقتك فيقيده بالشرط، فعلى كل حال الصحيح أنه لا يقع إلا بنية.

стр. 5293

قوله: «ويقع مع النية بالظاهرة» يعني بالكناية الظاهرة. قوله: «ثلاث وإن نوى واحدة» يعني في الحال التي يقع فيها الطلاق بالكناية الظاهرة فإنه يقع ثلاث طلقات، فتبين بها. قوله: «وبالخفية ما نواه» يعني يقع واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، هذا هو المشهور من المذهب. فإذا قال لزوجته: أنت خلية، ونوى الطلاق يقع ثلاثاً، مع أنه ما نوى العدد بل نوى الطلاق فقط، فتبين منه؛ لأن «خلية» من الكنايات الظاهرة، ولو قال: أنت بائن، ونوى الطلاق يقع ثلاثاً، ولو نوى واحدة؛ لأن هذه الألفاظ كناية ظاهرة موضوعة للبينونة فتقع بها الثلاث، أما إذا قال: اخرجي أو اعتدي أو استبرئي وما أشبهها فيقع ما نواه، واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثاً، فإن لم ينوِ عدداً فواحدة، فصار الفرق بين الظاهرة والخفية: أنه إذا وقع الطلاق بالكناية الظاهرة فإنه يكون ثلاثاً تبين بها، وإذا وقع بالخفية فإنه يقع ما نواه، فإن لم ينوِ شيئاً فواحدة، وهذا مبني على وقوع الطلاق الثلاث جملة، وسبق الصواب وأنه لا يوجد طلاق ثلاث إلا بتكرار بعد رجعة، أو عقد جديد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الصحيح، وإذا كان باللفظ الصريح لا يقع المكرر إلا واحدة فبالكناية من باب أولى. وقوله: «وإن نوى واحدة» إشارة إلى خلاف في المسألة، فإن بعض أهل العلم ـ ومنهم بعض أصحابنا ﵏ يقولون: إنه إذا نوى واحدة بالظاهرة لم يقع إلا واحدة، ودليلهم قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ

стр. 5294

ما نوى» (١)، فإذا قال لزوجته: أنت خلية، أو برية، أو بائن، وما أشبه ذلك ونوى واحدة فإنها لا تقع إلا واحدة. وقيل: لا يقع بالظاهرة ـ أيضاً ـ إلا واحدة ما لم ينوِ أكثر، وهذا غير القول الثاني. فالمذهب يقع ثلاثاً ولو نوى واحدة. والقول الثاني: يقع ثلاثاً إلا أن ينوي واحدة. والقول الثالث: يقع واحدة إلا أن ينوي ثلاثاً، فإذا قال: أنت خلية ولم ينوِ شيئاً يقع واحدة على القول الثالث، ويقع ثلاثاً على القول الثاني، وعلى الأول ـ أيضاً ـ من باب أولى، فإن قال: أنت خلية ونوى واحدة وقع على الثالث والثاني واحدة، وعلى الأول ثلاثاً، فتبين أن بين الأقوال الثلاثة فرقاً، ولكن الصحيح أنه لا يقع إلا واحدة حتى لو نوى ثلاثاً؛ لأننا نقول: إن الطلاق ما يتكرر إلا بتكرره فعلاً، ولا يتكرر فعلاً إلا إذا وقع على زوجة غير مطلقة. والخلاصة أن هنا مقامين: المقام الأول هل يقع بالكناية الطلاق؟ والمقام الثاني كم يقع بها؟ فعلى المذهب نقول في المقام الأول: يقع بها الطلاق، إما بالنية، أو بالقرينة، والقرينة ذكر المؤلف لها ثلاث صور، وهي الغضب، والخصومة، وجواب السؤال. وأما المقام الثاني فالمذهب أن الظاهرة يقع بها ثلاثاً فتكون بينونة كبرى، وأما الخفية فيقع بها ما نوى، والصحيح أنه لا يقع بها ظاهرة كانت أو خفية إلا واحدة، ولو نوى أكثر.

стр. 5295

فَصْلٌ وإنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ كَظَهْرِ أُمِّي؛ فَهُوَ ظِهَارٌ، وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، وَكَذلِكَ مَا أَحَلَّ اللهُ عَلَيَّ حَرَامٌ، ....................... قوله: «وإن قال: أنت علي حرام» هذه الكلمة أهم ما في الباب، فإذا قال: أنت علي حرام يخاطب زوجته، فهذا لا يخلو من ثلاث حالات، إما أن ينوي الطلاق، أو الظهار، أو اليمين. وعلى القول الراجح إذا قال لزوجته: أنت علي حرام، ونوى به الخبر دون الإنشاء، فإننا نقول له: كذبت، وليس بشيء؛ لأنها حلال، كما لو قال: هذا الخبز عليَّ حرام، يريد الخبر لا الإنشاء، فنقول: كذبت، هذا حلال، لك أن تأكله. وإذا نوى الإنشاء، أي: تحريمها، فهذا إن نوى به الطلاق فهو طلاق؛ لأنه قابِلٌ لأن يكون طلاقاً، وإن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى به اليمين فهو يمين، والفرق بين هذه الأمور الثلاثة، أنه إذا نوى به اليمين فهو ما نوى التحريم، لكن نوى الامتناع، إما معلقاً وإما منجزاً، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت علي حرام، فهذا معلق، لا يقصد أن يحرم زوجته، بل قصده أن تمتنع زوجته من ذلك، وكذلك أنت علي حرام قصده أن يمتنع من زوجته، فنقول: هذا يمين لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢]، فقوله: ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ «ما» اسم موصول يفيد العموم فهو شامل للزوجة، وللأمة، وللطعام، والشراب، واللباس، فحكم هذا حكم اليمين، قال ابن عباس ﵄: «إذا قال لزوجته: أنت علي حرام فهي

стр. 5296

يمين يكفرها» (١)، وهذه هي الحال الأولى. الحال الثانية: أن ينوي به الطلاق، فينوي بقوله: أنت علي حرام أن يفارقها، فهذا طلاق لأنه صالح للفراق، وقد قال النبي ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢). الحال الثالثة: أن يريد به الظهار، أي: أنها محرمة عليه فهذا موضع خلاف بين العلماء: قال بعض العلماء: إنه يكون ظهاراً؛ لأن معنى قول المظاهر لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أنت حرام، لكنه شبَّهه بأعلى درجات التحريم، وهو ظهر أمه؛ لأن أشد ما يكون حراماً عليه أمه. وقال بعض العلماء: لا يكون ظهاراً؛ لأن قولك: أنت علي كظهر أمي ليس مثل قولك: أنت علي حرام، فالأول أبشع وأقبح، فيختص الحكم به ولا يقاس عليه ما دونه، لكن الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أنهما سواء، يعني وطأَك علي حرام، كما تحرم علي أمي، فيكون ظهاراً. قوله: «أو كظهر أمي فهو ظهار ولو نوى به الطلاق» لأن هذا هو ما جاء به القرآن، ولو قلنا: إن الرجل إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي ونوى به الطلاق إنه طلاق، لَكُنَّا حكمنا في

стр. 5297

الظهار بحكم الجاهلية؛ لأنهم في الجاهلية يرون أن قول الإنسان لزوجته: أنت علي كظهر أمي طلاق، ولكن الشرع خالفهم في هذا وجعله ظهاراً، فالإنسان إذا أتى بصريح الظهار فهو ظهار، ولو نوى به الطلاق، فنقول: الزوجة باقية في ذمتك، ولا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به من الكفارة، وهل نقول: ما لم يجرِه مجرى اليمين، بأن قال: إن فعلت كذا فزوجتي علي كظهر أمي؟ فالجواب: نعم، على القول الراجح أنه قد يُجرى مَجرى اليمين، أي: منع نفسه، ولم يرد أن يحرم زوجته ويجعلها كظهر أمه لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١). لكن قوله: «أنتِ علي حرام»، لا تساوي «أنت علي كظهر أمي»، لأن عندنا نصاً في القرآن، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فجعل الله التحريم يميناً، وإخراج الزوجة من هذا العموم يحتاج إلى دليل، ولا دليل. إذن على المذهب يجعلون قول الإنسان: أنت عليَّ حرام كقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، فيجعلونه ظهاراً في كل حال، ولو نوى به الطلاق، فإذا جاء رجل يستفتينا يقول: إني قلت لزوجتي: أنت عليَّ حرام، فعلى المذهب ما نقول: ماذا نويت؟ بل نقول: أنت مظاهر، فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، أما على القول الصحيح فإننا نقول: ماذا نويت؟ قوله: «وكذلك ما أحل الله عليَّ حرام» «ما» مبتدأ، وخبره

стр. 5298

«حرام» و «ما» عام لكل ما أحل الله، فيدخل فيه الزوجة وإن لم يواجهها به صريحاً، فهذا ليس كالأول، فإن اقترن به شيء يدل على ما نوى عملنا به، وإلا فنجعله ظهاراً؛ لأن المؤلف يقول: «وكذلك» و «الكاف» للتشبيه و «ذا» اسم إشارة يعود على ما سبق من قوله: «أنت علي حرام» يعني وكذلك إذا قال: «ما أحل الله علي حرام» فهو ظهار. وأما بالنسبة للطعام والشراب واللباس فهو يمين، فتبعَّضَ الحكمُ، وصارت هذه الكلمة لشيء يميناً، ولشيء ظهاراً، والذي نرجحه أنه يمين. وَإِنْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللهُ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ طَلَقَتْ ثَلَاثاً، وَإِنْ قَالَ: أَعْنِي بِهِ طَلَاقاً فَوَاحِدَةً، وَإِنْ قَالَ: كَالمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَالخِنْزِيرِ وَقَعَ مَا نَوَاهُ، مِنْ طَلَاقٍ، وَظِهَارٍ، وَيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئاً فَظِهَارٌ، وَإِنْ قَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ، وَكَذَبَ لَزمَهُ حُكْمَاً، ......................... قوله: «وإن قال: ما أحل الله عليَّ حرام» فهو يمين على الراجح حتى لو نوى الزوجة، إلا إن وصله بقوله: «أعني به الطلاق طلقت ثلاثاً» هذه المسألة أخف من الأولى، فإذا قال: ما أحل الله علي حرام أعني به الطلاق، يكون طلاقاً ثلاثاً؛ لأنه أتى بـ «أل» الدالة على العموم، وليست للجنس مع أنه يحتمل أن تكون للجنس، لكن يقولون: الأصل في «أل» أنها للعموم؛ فإذا قال: الطلاق يعني الطلاق كله وهو الطلاق الثلاث. قوله: «وإن قال: أعني به طلاقاً فواحدة» «طلاقاً» نكرة في سياق الإثبات فتكون مطلقة؛ لأن النكرة في سياق الإثبات للإطلاق وليست للعموم، والمُطْلَق يصدق بواحدة؛ فإذا قال: أعني به طلاقاً يقع الطلاق ويكون واحدة.

стр. 5299

والصحيح في هذه المسألة أنها تطلق طلقة واحدة، ولو قال: أعني به الطلاق؛ لأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا إذا كانت كل واحدة مستقلة عن الأخرى. قوله: «وإن قال: كالميتة والدم والخنزير وقع ما نواه، من طلاق وظهار ويمين» هذا هو اللفظ الثالث، أن يقول لزوجته: أنت عليَّ كالميتة، أو كالخنزير، أو كالدم، أو كالكلب، أو كالهر، أو ما أشبه ذلك من المحرمات، فإن قال: نويت الطلاق فهو طلاق، وإن قال: نويت الظهار فظهار، وإن قال: نويت اليمين فهو يمين. قوله: «وإن لم ينو شيئاً فظهار» إن قال لزوجته: أنت كالميتة، ولم ينوِ شيئاً يحمل على أنه ظهار؛ لأنه نص في التحريم، والأصحاب ﵏ يرون أن تحريم المرأة ظهار، وقد بينا الصواب فيما سبق، وأن تحريم المرأة يمين إلا أن يكون بلفظ الظهار. قوله: «وإن قال: حلفت بالطلاق وكذب» أي: وقد كذب. قوله: «لزمه حكماً» إذا قيل: لزمه حكماً صار لا يلزمه باطناً فيما بينه وبين الله، لكن لو حاكمته الزوجة لزمه، مثال ذلك: قال له شخص: ادخل لتتعشى، فقال: أنا حالف بالطلاق ألا أدخل، وهو كاذب، فإن حاكمته إلى القاضي ألزم بالطلاق، وإن لم تحاكمه فلا شيء عليه، وهل الأولى أن تحاكمه أو أن تتركه؟ تفصيل: إن علمت من زوجها أنه رجل ورع صادق حرم عليها أن

стр. 5300

تحاكمه؛ لأنها لو حاكمته لأدى إلى التفريق بينهما، وإن علمت أنه رجل لا يبالي ولا يهتم بهذه الأمور، ليس أكبر همه إلا أن تعود زوجته إليه، فهذا يجب عليها أن تحاكمه، فإن ترددت فالأولى ألا تحاكمه. وَإِنْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ مَلَكَتْ ثَلَاثاً، وَلَوْ نَوَى وَاحِدَةً، وَيَتَرَاخَى مَا لَمْ يَطَأْ أَوْ يُطَلِّقْ أَوْ يَفْسَخْ، ................................. قوله: «وإن قال: أمرك بيدك» رجل قال لزوجته: أمرك بيدك، «أمر» هنا بمعنى شأن، وهو مفرد مضاف فيكون عاماً، فيكون كل أمرها بيدها، ومن جملته أن تطلق نفسها ثلاثاً؛ لأن هذا من أمرها، وهذا من الفروق بين أن يقول لزوجته: أمرك بيدك، وبين أن يقول: وكلتك في طلاق نفسك، فإذا قال: وكلتك لم تملك إلا واحدة، وإذا قال: أمرك بيدك، مسكت أربعة خيارات، أن لا تختار شيئاً، وأن تطلق واحدة، وأن تطلق ثنتين، وأن تطلق ثلاثاً، ولهذا قال: «ملكت ثلاثاً ولو نوى واحدة». وقيل: إنه على حسب نيته؛ لأن قوله: أمرك بيدك توكيل، والوكالة على حسب نية الموكل، ولو قيل في هذه المسألة: إنه يُدَيَّنُ كغيرها من شبيهاتها، فيقال: عندنا لفظ ظاهر ونية باطنة، اللفظ الظاهر هو: أمرك بيدك، والنية الباطنة، فإذا لم ترافعه إلى الحاكم رجعنا إلى قوله وإلى نيته. قوله: «ويتراخى» يعني إن شاءت طلقت في الحال، وإن شاءت طلقت بعد يومين، أو ثلاثة، أو أربعة على التراخي، فحينئذٍ نقول: إذا قالت في المجلس: طلقت نفسي ثلاثاً طلقت، ولو تفرقوا وبعد مدة قالت: طلقت نفسي ثلاثاً يقع.

стр. 5301

قوله: «ما لم يطأ أو يطلق أو يفسخ» هذا يعود على قوله: «ملكت» أما قوله: «ويتراخى» فلا نقول: ما لم يطأ، نقول: يتراخى ما لم يحد حدّاً، فإن حد حدّاً، بأن قال: أمرك بيدك هذه الساعة، فلا تملكها بعد هذه الساعة، ولو قال: أمرك بيدك هذا اليوم، لا تملكه بعد هذا اليوم؛ لأنه حدد لها، أما أصل المسألة يعني كلمة «أمرك بيدك» فإن هذا التوكيل ينفسخ بهذه الأمور الثلاثة. الأول: أن يطأها، أي: يجامعها قبل أن تختار شيئاً، فإنها تنفسخ الوكالة؛ لأن الوطء تصرُّفٌ يدل على أنه عدل عن كلامه الأول، ووجه دلالته: أنه لما قال: أمرك بيدك كان من الممكن أن تطلق نفسها حينئذٍ، وإذا طلقت نفسها ثلاثاً، فهل يملك جماعها أو لا؟ لا يملك، فلما جامعها بدون أن يسأل: هل طلَّقت أم لم تطلّق؟ علم أنه رجع عن التوكيل، مثل لو قلتُ لشخص: خذ هذه السلعة بعها، ثم بعتُها أنا، فإن هذا يعتبر فسخاً لوكالته، أو قلت: وكلتك أن تبيع بعيري وراح الرجل، وجاءني ضيوف فذبحت البعير فإن الوكالة تنفسخ، إذاً إذا جامع زوجته التي قال لها: أمرك بيدك انفسخت الوكالة. الثاني: أن يطلق، إذا قال: أمرك بيدك، وقال: أخاف أن تطلق نفسها ثلاثاً، فقال: أنت طالق مرة فتطلق مرة، وهل تملك حينئذ أن تطلق نفسها؟ لا تملك، لا مرة ولا مرتين ولا أكثر؛ لأنه لما طلقها علم أنه عدل عن توكيله الأول، فيكون هذا من باب فسخ الوكالة بالفعل.

стр. 5302

الثالث: أن يفسخ بالقول، فيقول: رجعت عن قولي أمرك بيدك، فمعلوم أن للموكل أن يرجع في وكالته، كما أن للوكيل ـ أيضاً ـ أن يفسخ الوكالة. وَيَخْتَصُّ اخْتَارِي نَفْسَكِ بِوَاحِدَةٍ وَبِالمَجْلِسِ المُتَّصِلِ مَا لَمْ يَزدْهَا فِيهِمَا، فَإِنْ رَدَّتْ أَوْ وَطِئَ أَوْ طَلَّقَ أَوْ فَسَخَ بَطَلَ خِيَارُهَا. قوله: «ويختص اختاري نفسك بواحدة وبالمجلس المتصل» لاحظ الفرق بين العبارتين «اختاري نفسك» و «أمرك بيدك» فالأولى تختص بواحدة، بمعنى أنها لا تملك أن تطلق نفسها ثلاثاً، وكذلك تختص «بالمجلس المتصل» يعني لا يتراخى؛ لأنه يشبه الإيجاب والقبول، فكما أن الإيجاب والقبول في صيغ العقود لابد أن يكون على الفور فكذلك هنا، فإذا قال: اختاري نفسك، وتفرَّقَا ثم قالت بعد ذلك: طلقت نفسي أو اخترت نفسي، لا تطلق ولا يكون شيئاً؛ لأنه لا بد أن يكون الخيار في نفس المكان، وكذلك لو قالت: اخترت نفسي اختياراً بائناً تريد ثلاثاً ما يقع، إلا واحدة فقط، مع أن ظاهر اللفظ يشمل الواحدة والثلاث، بل ربما نقول: إنه إلى الثلاث أقرب؛ لأن كونها تختار نفسها معناه أن تبين منه بينونة لا سبيل له عليها. ولهذا في المسألة قول آخر: أنه إذا قال لها: اختاري نفسك، واختارت الفراق البائن فلها ذلك. قوله: «ما لم يزدها فيهما» أي: في المجلس، والواحدة؛ فإن زاد بأن قال: اختاري نفسك متى شئت فلا يختص بالمجلس؛ لأنه قال: متى شئت اليوم، أو بعد اليوم، وكذلك لو قال:

стр. 5303

اختاري نفسك بأي عدد شئت، تملك ثلاثاً، والمؤلف يذكر مقتضى هذه الصيغة فقط. أما هل الإنسان مأمور بأن يقول ذلك لزوجته، أو يقال: لا ينبغي أن يقول لزوجته هذا الكلام؟ نقول: ما ينبغي؛ لأن المرأة كما هو معلوم ناقصة عقل ودين، وكما وصفها النبي ﷺ في قوله: «إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير» (١)، وكما قال أيضاً: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر» (٢)، فإذا كان كذلك فإن المرأة لو أحسنت إليها الدهر كله، ورأت منك إساءة واحدة، قالت: ما رأيت خيراً قط، فلو قلت لها هذا الكلام لا سيما في حال الغضب والمشادة لبتت الأمر على الفور، فتندم هي ويندم الزوج، وما أكثر ما يقع الندم بين الزوجين في مثل هذه الحال. قوله: «فإن ردت أو وطئ أو طلق أو فسخ بطل خيارها» إن قال: أمرك بيدك، أو اختاري نفسك، فقالت: لا أريد ذلك، فما تملك الطلاق، كما لو قلت لشخص: خذ هذا الشيء بعه، فقال: لا، ما أنا ببائعه، ثم بعد ذلك أخذه وباعه فلا يجوز، فما دام رد انقطعت الوكالة. وكذلك لو وطئها أو طلق أو فسخ كما سبق فإنه يبطل اختيارها.

стр. 5304

بقي مسائل مهمة ذكرها في الروض وهي قوله: «ومن طلق في قلبه لم يقع» (١)، كإنسان أضمر في نفسه أن يطلق زوجته يقول صاحب الروض: «فإنه لا يقع الطلاق؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (٢)، وهذا الرجل حدث نفسه بالطلاق فلا يقع، ولأن الطلاق فسخ، والفسخ لا بد أن يكون باللفظ كالعقد. كذلك يقول: «وإن تلفظ به أو حرك لسانه وقع» إن تلفظ به وقع ولا إشكال، أو حرك لسانه لكن ما لفظ يقول المؤلف: إنه يقع الطلاق، والصواب أنه لا يقع لأنه ما وجد منه اللفظ، والطلاق لفظ. ولو كان مصاباً بالوسواس وجرى على لسانه بدون قصد: زوجتي طالق فما يقع الطلاق، ولو أنه قصد الطلاق لكن قال: أريد أن أتخلص من هذا الوسواس، فلا يقع الطلاق؛ لأنه مغلق عليه، وقد قال النبي ﵊: «لا طلاق في إغلاق» (٣). فإن قيل: لو أن رجلاً موسوساً في الطهارة، وشك هل خرج منه شيء أو لا؟ فقال: سأبول حتى أتيقن الحدث وبال، فإنه يكون مُحدثاً، وهذا مثله؛ لأن كليهما فعل ذلك دفعاً للوسواس، فنقول: الوضوء ينتقض بهذا، سواء كان باختيار أو بغير اختيار بخلاف الطلاق، هذا هو الفرق.

стр. 5305

بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ يَمْلِكُ مَنْ كُلُّهُ حُرٌّ، أَوْ بَعْضُهُ ثَلَاثاً، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِ ............ الزوجان لا يخلوان من ثلاث حالات: إما أن يكونا حرَّين، أو رقيقين، أو أحدهما حرّاً، والآخر رقيقاً، وهذه الأخيرة تنقسم قسمين: الزوج حر، والزوجة رقيقة، أو الزوجة حرة، والزوج رقيق، فالصور إذاً أربع، فهل يختلف عدد الطلاق باختلاف هذه الصور أو لا يختلف؟. المشهور عند أهل العلم: أنه يختلف بالحرية والرق؛ فالرقيق طلاقه اثنتان والحر طلاقه ثلاث، ولكن مَنْ المعتبر؟ هل هي الزوجة، بمعنى إذا كان الزوج حراً والزوجة رقيقة اختلف الحكم أو المعتبر الزوج؟ يقول المؤلف: «يملك مَنْ كُلُّهُ حُرٌّ أو بعضُهُ ثلاثاً» يعني ثلاث تطليقات إذا كان حرّاً أو بعضه حرّاً، أما إذا كان حرّاً فالأمر واضح لقول الله تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ـ إلى قوله ـ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩، ٢٣٠]، وإذا كان بعضه حرّاً وبعضه رقيقاً، فهل نقول: إنا نعطيه بقدره، أو نكمل له العدد؟ يقول المؤلف: إنه يكمل له العدد؛ لأن الطلاق لا يتبعض فإما اثنتان وإما ثلاث. قوله: «والعبد اثنتين» يعني يملك العبد تطليقتين؛ وذلك

стр. 5306

لأن الرقيق على النصف من الحر، فعدة الأمة نصف عدة الحرة، وجلد الزاني في الإماء والعبيد نصف جلد الأحرار، وهلم جراً، ولماذا لم يُجعل للعبد واحدة ونصف؟ لأن الطلاق لا يمكن أن يتبعض، ولماذا لم يجعل واحدة احتياطاً؟ لأن في هذا هضماً لحق العبد؛ ولهذا كان القول الآخر في هذه المسألة أن العبد له ثلاث لعدم الأدلة. حُرَّة كَانَتْ زَوجَتَاهُمَا أَوْ أَمَةً، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ، أَوْ طَالِقٌ، أَوْ عَلَيَّ، أَوْ يَلْزَمُنِي، وَقَعَ ثَلَاثاً بِنِيَّتِهَا، وَإِلاَّ فوَاحِدَةٌ، ................ قوله: «حرة كانت زوجتاهما أو أمة» «زوجتاهما» أي الحر والعبد، ولننظر: كون زوجة الحر حرة واضح، ولكن هل يمكن أن تكون زوجة الحر أمة؟ يمكن لكن بشروط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فيجوز للحر أن يتزوج أمة إذا خاف المشقة بترك النكاح ولم يجد مهراً للحرة. وهل يمكن للعبد أن يتزوج حرة؟ نعم، وبدون شروط كالحر تماماً، فاعتبار العدد بحسب الأزواج، وهذه المسألة فيها خلاف: فالمشهور من المذهب: أنه يعتبر بالرجال، فإذا كان الرجل حراً ولو كانت زوجته أمة ملك ثلاثاً، وإن كان رقيقاً ولو كانت زوجته حرة ملك اثنتين فقط، فإذا طلق اثنتين لم تحل له الزوجة حتى تنكح زوجاً غيره. القول الثاني: إن المعتبر الزوجة، فإذا كانت حرة ملك الزوج ثلاثاً، وإن كانت أمة ملك اثنتين، سواء كان الزوج حراً أو رقيقاً.

стр. 5307

القول الثالث: إنه يعتبر بهما، فإن كانا حرين فثلاثاً وإن كانا رقيقين فاثنتين، وإن كان أحدهما حرّاً والآخر رقيقاً فإنه يملك ثلاثاً. القول الرابع: يملك الزوج ثلاثاً، سواء كان حرّاً أم رقيقاً، وسواء كانت الزوجة حرة أم رقيقة، وهذا مذهب أهل الظاهر، وكأن ابن القيم ﵀ يميل إليه في «زاد المعاد»؛ لأن النصوص عامة، ولم يستثنِ الله ـ تعالى ـ شيئاً، ولأن وقوع الطلاق من الحر والعبد على حد سواء، كل منهم يطلق راغباً أو راهباً، وكل منهم له تعلق بالمرأة، والآثار المرفوعة في ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة، والآثار الموقوفة عن الصحابة ﵃ متضاربة مختلفة، فتطرح ونبقى على العموم، والحمد لله أن هذه المسألة في أوقاتنا فرضية، إلا أن يفتح الله تعالى على المسلمين جهاداً في سبيله، ويحصل الاسترقاق. قوله: «فإذا قال: أنت الطلاق، أو طالق، أو عليَّ، أو يلزمني وقع ثلاثاً بنيتها وإلا فواحدة» إذا قال: أنت الطلاق، فـ «أل» هنا يحتمل أن تكون للاستغراق، ويحتمل أن تكون للجنس، فإن قال: نويت بقولي: أنت الطلاق ثلاثاً، قلنا: يقع الثلاث؛ لأن اللفظ صالح لهذه النية، ونجعل «أل» للاستغراق، وإذا لم ينو ثلاثاً، بل نوى واحدة، أو قال: ما عندي نية يقع واحدة؛ لأن «أل» للجنس، وأقل ما يقع عليه الجنس واحدة. وقوله: «أنت الطلاق» الطلاق هنا مصدر، وهو من باب

стр. 5308

المبالغة، كأنها هي الطلاق، كما يقولون: رجل عدل، ورجل رضاً، فيجعلون الرجل نفس المصدر، وهنا جعل الزوجة نفس الطلاق، أو نقول: إن الطلاق مصدر مؤول، والمصدر يصح تأويله باسم الفاعل، أو اسم المفعول، فاسم الفاعل مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] على تقدير: ولكن البارَّ من آمن بالله واليوم الآخر، واسم المفعول كما في قوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، أي: مردود. وقوله: «أو طالق» وفي نسخة: «أنت طلاق» إذا قال: أنت طالق، فطالق اسم فاعل إن نوى به الثلاث وقعت، وإن لم ينوِ الثلاث فواحدة، وإن لم ينو شيئاً فواحدة. وقوله: «أو عليَّ» إذا قال: عليَّ الطلاق، فهو إلزام لنفسه به، فيشبه النذر، فإذا قال ذلك طلقت امرأته ثلاثاً إن نواها، وإن لم ينوِ ثلاثاً فواحدة، هذا ما ذهب إليه المؤلف. وقال شيخ الإسلام ﵀: إن هذا يمين باتفاق أهل اللغة والعرف، وليس بطلاق. وقال بعضهم ـ وهو الأصح ـ: إن هذا ليس بشيء إذا لم يذكر متعلقاً؛ لأن قوله: «علي الطلاق» التزام به، وهو إن كان خبراً بالالتزام فإنه لا يقع، وإن كان التزاماً به فإنه ـ أيضاً ـ لا يقع إلا بوجود سببه، مثل ما لو قال: علي أن أبيع هذا البيت،

стр. 5309

فما ينعقد البيع، فإذا قال: علي الطلاق، نقول: ما دام أنك أوجبته على نفسك فطلق، وإذا لم تطلق فإنه لا يقع الطلاق، وهذا القول هو الصحيح أنه ليس بطلاق، وليس يميناً إلا إن ذكر المحلوف عليه، بأن قال: عليَّ الطلاق لأفعلن كذا. لكن لو صار في العرف عند الناس أن الإنسان إذا قال: عليَّ الطلاق، فهو مثل قوله: أنت طالق فحينئذٍ نرجع إلى القاعدة العامة، أن كلام الناس يحمل على ما يعرفونه من كلامهم ولغتهم العرفية، وعلى هذا فيكون طلاقاً، أما بالنظر للمعنى اللغوي فإنه ليس بطلاق، كما لو أن إنساناً قال: عليَّ بيع هذا البيت، أو عليَّ توقيف هذا البيت، أو عليَّ تأجير هذا البيت، وما أشبه ذلك، فلا ينعقد، ولو قال: عليَّ أن أفسخ بيع هذا البيت، فما ينفسخ. إذاً مثل هذه الصيغة لا تعد عقداً ولا فسخاً، وإنما هي إن كانت خبراً فليست بشيء، وإن كانت التزاماً فنقول: أوجد السبب حتى يوجد المُسبَّب. وقوله: «أو يلزمني» أي: يلزمني الطلاق، فهي كالأولى، فالمذهب أنها طلاق، والقول الصحيح أن هذا التزام وليس بإيقاع، إن كان خبراً عن أمر مضى نقول: بأي شيء لزمك؟! وإن كان التزاماً بشيء مستقبل، نقول له: أوجد السبب، أو طلق حتى تطلق. فهذه أربع مسائل هي: أنت الطلاق، أنت طالق، أو أنت طلاق على اختلاف النسخ، عليّ الطلاق، يلزمني الطلاق. فالمذهب أن الحكم في هذه المسائل الأربع واحد، وهو

стр. 5310

أن الطلاق يقع ثلاثاً بنيته، وإن نوى واحدة فواحدة، أو لم ينو شيئاً فواحدة، ولو قال: أنت طالق ثلاثاً، وقال: أردت واحدة لا يقبل؛ لأنه أتى بصريح العدد، ولو قال: أنت طالق واحدة، وقال: أردت ثلاثاً لا يقبل؛ لأنه أتى بصريح العدد، فالنية لا تغير الصريح، وإنما تعتبر فيما كان محتملاً، أما ما كان صريحاً فلا. وقوله: «وقع ثلاثاً بنيتها وإلا فواحدة» والقول الراجح في هذه المسائل كلها: أنه ليس هناك طلاق ثلاث أبداً، إلا إذا تخلله رجعة، أو عقد، وإلا فلا يقع الثلاث، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصحيح. وَيَقَعُ بِلَفْظِ كُلِّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَكْثَرِهِ، أَوْ عَدَدِ الحَصَى، أَو الرِّيحِ، أَوْ نَحْوِ ذلِكَ ثَلَاثٌ، وَلَوْ نَوَى وَاحِدَةً، وَإِنْ طَلَّقَ عُضْواً، أَوْ جُزْءاً مُشَاعاً، أَوْ مُعَيَّناً، أَو مُبْهَماً، أَوْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ جُزْءَاً مِنْ طَلْقَةٍ طَلَقَتْ، وَعَكْسُهُ الرُّوحُ، والسِّنُّ، والشَّعْرُ، والظُّفُرُ، وَنَحْوُهُ، ............................. قوله: «ويقع بلفظ كل الطلاق أو أكثره أو عدد الحصى أو الريح أو نحو ذلك ثلاث ولو نوى واحدة» لأنه أتى بالصريح فنيته لا يحتملها اللفظ. فـ «كل» تدل على الاستغراق، فتشمل الطلاق الثلاث، أو قال: أنت طالق أكثر الطلاق، فهذه مثلها. وإذا قال: أنت طالق عدد الحصى يقع الثلاث؛ لأن الحصى لا يحصيه إلا الله . وقوله: «أو الريح» أي: عدد الريح، فإن أراد الأجناس فهي أربع بالاختصار، وثمان بالبسط، بالاختصار: شرق وغرب وشمال وجنوب، وبالبسط ما بين هذه الجهات، وإن أراد هبوب الرياح فهذه ما تحصى. وقوله: «أو نحو ذلك» مثل لو قال: عدد النجوم، عدد أيام

стр. 5311

السنة، عدد أيام الشهر، عدد ساعات اليوم، فيقع ثلاثاً. وقوله: «وقع ثلاثاً ولو نوى واحدة» لوجود الصريح، والنية لا تؤثر في الصريح، والقول الراجح أنه يقع واحدة ولو نوى ثلاثاً، عكس كلام المؤلف تماماً؛ لأنه لو صرح بالثلاث صارت واحدة. وخلاصة ما تقدم أن الإنسان إذا أتى بلفظ صريح في العدد لا يقبل منه إرادة خلافه، فإذا قيده بواحدة لم تقبل إرادة الثلاث، وإن قيده بثلاث لم تقبل إرادة الواحدة، وإن قيده بثنتين لم تقبل إرادة الواحدة ولا الثلاث، وإن أتى بلفظ يحتمل ويصلح فهو على نيته، إن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن لم ينوِ شيئاً فالأصل واحدة، وما زاد فمشكوك فيه فلا يكون شيئاً. ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى طلاق جزء من امرأته هل تطلق أو لا؟ فقال المؤلف: «وإن طلق عضواً» أي: من زوجته وقع الطلاق؛ لأنه لا يتبعض، لا في ذاته، ولا في محله، فإذا قال لها: أصبعك السبابة طالق تطلق المرأة، فيسري الطلاق إلى جميعها، مثل ما لو قال لعبده: أعتقت أصبعك يعتق كله. قوله: «أو جزءاً مشاعاً» مثل لو قال: طالق منك واحد في المائة، فهذا جزء مشاع تطلق كلها، أو واحد في العشرة، أو ربعك، أو نصفك تطلق كلها؛ والعلة في ذلك أن الطلاق لا يتبعض، فإذا وجد في جزء من البدن سرى إلى كله.

стр. 5312

قوله: «أو معيناً» أي: جزءاً معيناً، قال في الروض: «كنصفها الفوقاني» (١)، قال: نصفك الفوقاني طالق، والتحتاني غير طالق، تطلق كلها. قوله: «أو مبهماً» بأن قال: بعضك طالق، أو جزؤك طالق، أو ما أشبه ذلك تطلق. والحاصل: أنه إذا أوقع الطلاق على جزءٍ منها معيناً كان أو غير معين، مبهماً أو مبيناً فإنه يقع الطلاق على جميعها؛ والعلة في ذلك واحدة: أن الطلاق لا يتبعض في محله، فإذا وقع على جزء سرى إلى الجميع. ثم انتقل المؤلف إلى تجزئة الطلقة لما ذكر تجزئة المُطلَّق فقال: «أو قال: نصف طلقة» أي: أنت طالق نصف طلقة تطلق واحدة؛ لأنها لا تتبعض، ولو قلنا: إنها تتبعض لصارت الثلاث ستاً، وهذا لا يمكن، فإذا قال: أنت طالق نصف طلقة تطلق طلقة كاملة؛ لأنها ما تتبعض. قوله: «أو جزءاً من طلقة» تطلق، أو بعض طلقة تطلق، ولهذا قال: «طلقت». قوله: «وعكسه» يعني عكس ذلك. قوله: «الروح والسن والشعر والظفر ونحوه» لو قال:

стр. 5313

روحك طالق فإنها لا تطلق؛ لأن الروح تنفصل عن البدن، لكن لا تنفصل إلا بالموت، فما دامت حية فروحها باقية، وأيهما أعظم الروح، أو أنملة من أصبع؟! الروح أعظم فلا يمكن أن تبقى بدون روح، لكن يمكن أن تبقى بدون إصبع، ولهذا فإن القول الصحيح في هذه المسألة أنه إذا أضاف الطلاق إلى روحها طلقت؛ إذ لا يمكن أن تنفصل الروح إلا بالموت. قوله: «والشعر» لو قال: شعرك طالق ما تطلق؛ لأن الشعر في حكم المنفصل. قوله: «والظفر» كذلك لو قال: ظفرك طالق ما تطلق؛ لأن الظفر في حكم المنفصل ما تحله الحياة. قوله: «والسن» فلو قال: أسنانك كلها طالق لا تطلق؛ لأن هذه كلها في حكم المنفصل، ولهذا لو مَسَّها الإنسان وهو متوضئ ـ على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض ـ فإن وضوءه لا ينتقض، ولو مس بشرتها بظفره لشهوة لم ينتقض وضوؤه؛ لأن هذه ليست بأجزاء، هذه فواصل تنفصل، وتزول، ولا تحلها الروح. قوله: «ونحوه» مثل سمعك وبصرك وريقك طالق فإنها لا تطلق، فالسمع لأنه صفة معنوية، والبصر صفة معنوية، والريق جسم لكن منفصل، والعرق جسم لكن منفصل، لكن لو قال: أذنك طالق تطلق؛ لأنه جزء وعضو. إذاً طلاق البعض كطلاق الكل، إلا إذا كان هذا البعض في حكم المنفصل، مثل الظفر والشعر والسن والريق والعرق وما

стр. 5314

أشبهها فإنها لا تطلق، أما الروح، فالصواب أنها تطلق إذ لا يمكن أن تنفصل إلا بالموت. وَإِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَكَرَّرَهُ وَقَعَ العَدَدُ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ تَأْكِيداً يَصِحُّ أَوْ إِفْهَاماً، ........................ قوله: «وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق وكرره وقع العدد، إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهاماً» إذا قال الإنسان لمدخول بها، وهي التي تلزمها العدة سواء جامعها أو خلا بها، فإذا قال لها: أنت طالق وكرره وقع العدد، فإن كرره مرتين وقع طلقتين، وإن كرره ثلاثاً فثلاث طلقات، واعلم أن هذه المسألة تارة يكرر الجملة كلها، وتارة يكرر الخبر وحده، فإن كرر الجملة: أنت طالق، أنت طالق، يقع العدد، وإن كرر الخبر فقط فقال: أنت طالق، طالق، طالق، فإنه واحدة، ما لم ينوِ أكثر حتى على المذهب، وكثيرٌ من طلبة العلم يغلطون في هذه المسألة، يظنون أن تكرار الخبر كتكرار الجملة، وليس كذلك، فإذا قال: أنت طالق طالق طالق فإنه يقع على المذهب واحدة، ما لم ينوِ أكثر؛ فإن نوى أكثر فالأعمال بالنيات، إذاً فالتكرار له وجهان: الأول: أن يكون تكرار جملة، فيقع الطلاق بعدد التكرار. الثاني: أن يكون تكرار خبر فقط، فيقع واحدة ما لم ينو أكثر، فإن نوى أكثر وقع حسب التكرار. فإذا قال: أنت طالق طالق ونوى أكثر يقع اثنتين، وإذا قال: أنت طالق طالق طالق يقع ثلاثاً، وهذا إذا لم يكن هناك عطف، فإن كان عطف وقع بحسب التكرار، فلو قال: أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق، أو أنت طالق وطالق وطالق يقع بعدده.

стр. 5315

وقوله: «وقع العدد إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهاماً». «توكيداً» أفصح من «تأكيداً» لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] ويجوز في اللغة العربية تأكيد. فإذا نوى توكيداً يصح أو إفهاماً فإنه لا يقع بعدده، وانتبه لقوله: «توكيداً يصح» متى يصح التوكيد؟ يصح التوكيد بشرطين: الأول: أن يكون بلفظ المؤكد ولو بالمعنى. الثاني: وأن يكون متصلاً. فإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يقع ثلاثاً، لكن لو قال: أردت التوكيد نقبل منه، ويقع واحدة؛ لأن التوكيد هنا يصح، فاللفظ واحد ومتصل. فإن قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وقال: أردت توكيد الأولى بالثالثة يقع ثلاثاً؛ لأنه هنا فصل بين الجملة الأولى والثالثة بالثانية فلم يصح. ولو قال: أنت طالق، ثم كلمها بكلام آخر، ثم قال: أنت طالق ثم كلمها بكلام آخر، ثم قال: أنت طالق، وقال: أردت التوكيد فلا يقبل؛ لوجود الفصل. ولو قال: أنت طالق، أنت مفارقة، أنت مسرَّحة، وما أشبه ذلك، فيصح التوكيد؛ لأن المعنى واحد. ولو قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقال: أردت توكيد الأولى بالثانية فيقع ثنتين؛ لأن التوكيد هنا صحيح، فلما أكد الأولى بالثانية صارت واحدة، ثم جاءت الثالثة فصارت ثانية.

стр. 5316

وقوله: «أو إفهاماً» يعني قال: ما كررتها إلا لأني خشيت أنها ما فهمت، فيقع واحدة؛ لأنه أراد أن يفهمها، كذلك لو فرض أنه قال: أنت طالق، وهي تسمع وسمعها جيد، ولكنها لاهية تشتغل فقال: أنت طالق، أنت طالق، فيقع واحدة ما دام أنه قصد الإفهام. وظاهر كلام المؤلف وغيره: أنه لا فرق بين أن توجد قرينة تدل على أنها محتاجة إلى الإفهام، أو لا توجد، وقيل: إذا لم يكن قرينة فإنه لا يقبل منه قصد الإفهام إلا تديناً، يعني يُديَّن، أما في الحكم فلا. ولكن على القول الراجح في هذه المسائل أنه لا يقع إلا طلقة واحدة، حتى لو قال: أردت الطلاق بالثانية وبالثالثة، قلنا: هذه إرادة فاسدة ولا تؤثر شيئاً. وَإِنْ كَرَّرَهُ بِبَلْ، أَوْ بِثُمَّ، أَوْ بِالْفَاءِ، أَوْ قَالَ بَعْدَهَا، أَوْ قَبْلَهَا، أَوْ مَعَها طَلْقَةٌ وَقَعَ اثنْتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا بَانَتْ بِالأُْولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهُ مَا بَعْدَهَا، وَالمُعَلَّقُ كَالمُنَجَّزِ فِي هذَا. قوله: «وإن كرره ببل أو بثم أو بالفاء» إن كرره ببل، فقال: أنت طالق، بل طالق، بل طالق، يقع ثلاثاً؛ لأنه أتى بالعطف، فإن قال: أردت توكيد الأولى بالثانية، قلنا: ما يصح؛ والسبب أن اللفظ ليس بواحد، ولو قال: أردت توكيد الثانية بالثالثة يقبل ويصح؛ لأن اللفظ واحد ومتصل، ولو قال: أردت توكيد الأولى بالثالثة ما يصح لوجود الفصل، واختلاف اللفظ؛ لأن حرف العطف يقتضي أن يكون الثاني غير الأول، كيف تقول: إني أريد التوكيد، وأنت أتيت بحرف العطف؟! لأن معنى التوكيد أن الثاني هو الأول، وحرف العطف يقتضي المغايرة. وقوله: «أو بثُم» وما أكثرها عند البادية، أنت طالق، ثم طالق، ثم

стр. 5317

طالق، يقع الطلاق بعدده، فلو قال: أردت توكيد الأولى بالثانية قلنا: لا يصح، ولو قال: أردت توكيد الثانية بالثالثة يصح. وقوله: «أو بالفاء» بأن قال: أنت طالق فطالق وقع اثنتان. قوله: «أو قال بعدها أو قبلها أو معها طلقة وقع اثنتان» أي قال: أنت طالق بعدها طلقة، أو أنت طالق قبلها طلقة، أو أنت طالق معها طلقة يقع اثنتان. والخلاصة: إذا كرر اللفظ فإما أن يكون التكرار بعطف، أو بغير عطف، فإن كان بعطف وقع بعدده، وإن كان بغير عطف، فإن كرر الجملة كلها وقع بعدده، وإن كرر الخبر فقط وقع واحدة ما لم ينوِ أكثر. قوله: «وإن لم يدخل بها» أو لم يخل بها. قوله: «بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها» هذا الطلاق البائن ليس بينونة كبرى لا تحل له إلا بعد زوج، لكنها بينونة صغرى لا تحل له إلا بعقد. مثال ذلك: إنسان عقد على امرأة، وصار بينه وبين وليها سوء تفاهم، فقال: أنت طالق ثم طالق في نفس المجلس، فتطلق واحدة وليس له عليها رجعة؛ والسبب أنه لما قال الجملة الأولى: أنت طالق طلقت فصادفتها الجملة الثانية بائناً؛ لأنه إذا طلقها قبل الدخول والخلوة، فبمجرد ما يقول: أنت طالق تطلق،

стр. 5318

وتحل للأزواج، فلا يقع عليها الطلاق الثاني، فتلزمه الطلقة الأولى ولا يلزمه ما بعدها. والدليل على أنه إذا طلق المرأة قبل الدخول بانت منه، وما له عليها عدة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وإذا قال: أنت طالق طلقة معها طلقة، فإن ظاهر كلام المؤلف: أنها لا يلحقها إلا طلقة واحدة؛ لأنه قال: «وإن لم يدخل بها بانت بالأولى» ولكن المذهب خلاف ذلك، وأنه تقع اثنتان؛ لأن «مع» تفيد المقارنة، مثل ما لو قال للمدخول بها: أنت طالق طلقتين فيقع اثنتان، والمذهب أصح مما ذهب إليه المؤلف، لكن وجه ما قاله المؤلف أن المُصاحِب غير المُصاحَب، فهناك طلقتان، فتطلق بواحدة وتبقى الثانية لا محل لها، ولكن يقال: إن الطلقتين وقعتا معاً في آن واحد على محل قابل للطلاق، فتطلق طلقتين.

стр. 5319

وإذا قال: أنت طالق وطالق لغير المدخول بها، فمثل أنت طالق طلقة معها طلقة؛ لأن الواو تفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب؛ فيقع بها اثنتان كما يقع في المدخول بها أيضاً. إذاً يستثنى من تلك الصور التي ذكر المؤلف صورتان: إذا قال: أنت طالق طلقة معها طلقة أو قال: أنت طالق وطالق؛ فإن كلام المؤلف يقتضي أن تبين بإحدى الطلقتين ولا تحسب الطلقة الثانية، والمذهب أنها تطلق طلقتين. قوله: «والمعلق كالمنجز في هذا» المعلق هو الذي علق وقوعه على شيء بـ «إنْ» أو إحدى أخواتها، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فتطلق ثلاثاً، كذلك لو قال: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق فثلاث، وعلى هذا فقس؛ لأن المعلق كالمنجز. وسيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ في باب تعليق الطلاق بالشروط أن التعليق على القول الراجح ينقسم إلى ثلاثة أقسام، تعليق محض، ويمين، ودائر بينهما.

стр. 5320

فَصْلٌ وَيَصِحُّ مِنْهُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ فَأَقَلَّ ............................. هذا الفصل في الاستثناء في الطلاق. الاستثناء: لغة من الثنيا، وهي الرجوع، يقال: ثنا بمعنى رجع، ومنه اثنان؛ لأن اثنين رجوع واحد مع آخر معه. وأما في الاصطلاح: فهو إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها، أو نقول: إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بإلا أو إحدى أخواتها، فإذا قلت: قام القوم إلا زيداً، فلولا هذا الاستثناء لكان زيد قائماً، وقام القوم غير زيد، وقام القوم سوى زيد، وقام القوم حاشا زيداً، وقام القوم لا يكون زيداً، وقام القوم ليس زيداً، فكل أدوات الاستثناء مثل إلا. والاستثناء له شروط، وليس كل استثناء يصح، قال المؤلف في الشرط الأول: «ويصح منه» أي: من الزوج، فيشترط أن يكون الاستثناء من المتكلم نفسه، فلو استثنى غيرُه من عموم كلامه لم يصح، فلو قال شخص: كل النساء طوالق، فقال واحد بجنبه: إلا فاطمة، فإنها تطلق؛ لأن المستثنِي غير المتكلم. قوله:: «استثناء النصف فأقل» هذا هو الشرط الثاني: أن يكون المُستثنَى النصف فأقل، فإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين، تطلق ثلاثاً؛ لأنه استثنى أكثر من النصف فيلغى، ولو قال: نسائي الأربع طوالق إلا ثلاثاً يطلقن كلهن؛ لأن الاستثناء أكثر من النصف فيلغى. فإن قال قائل: هذا ينتقض عليكم بالقرآن الكريم، قال الله تعالى مخاطباً الشيطان:

стр. 5321

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ [الحجر]، ومن اتبعه من الغاوين أكثر من النصف، تسعمائة وتسعة وتسعون بالألف (١)، فبماذا تجيبون؟ قلنا: إذا كانت الأكثرية مستفادة بالصفة فإنها لا تضر، ويجوز الاستثناء ولو كان أكثر، حتى لو افترضنا أن الاستثناء يقضي على كل المستثنى صح، فلو قلت: أكرم من في هذا المجلس إلا من عليه قميصٌ يصح الاستثناء، وعلى هذا ما نكرم ولا واحداً منهم؛ لأن كل واحد عليه قميص، وهنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ﴾، هذه الكثرة مستفادة بالوصف ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لأن اسم الموصول بمنزلة الوصف؛ إذ إن ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ بمعنى المتَّبِع لك، وعلى هذا فلا يضر، أما إذا كان من عدد، كأنتِ طالق ثلاثاً إلا ثنتين، أو أكرم ثلاثة رجال إلا رجلين، أو عندي لك عشرة دراهم إلا سبعة، فلا يصح الاستثناء، ويلزمني عشرة، أو عندي لك مائة ريال إلا واحداً وخمسين ريالاً فيلزمني مائة؛ لأني استثنيت أكثر من النصف. فإذا قال قائل: ما الدليل على أنه ما يصح؟ قالوا: لأن اللغة العربية لا تأتي على هذا الأسلوب، فإذا كان عليك ـ مثلاً ـ ثلاثة دراهم فما تقول: عليَّ عشرة إلا سبعة، لكن تقول: عليَّ ثلاثة، هذا هو الأسلوب المعروف في اللغة العربية، وما خرج عن الأسلوب العربي فلا عبرة به.

стр. 5322

وقال بعض أهل العلم: إن استثناء أكثر من النصف لا بأس به، وليس لكم أن تحجروا على الناس أقوالهم، ولو فرضنا أن هذا ليس من فصيح لسان العرب، لكنه معنى معقول، وإذا جعلتموه معقولاً في الوصف حتى ربما يرتفع المستثنى منه كله، فلماذا لا تجيزونه في العدد؟! وهذا هو القول الراجح أنه يصح استثناء أكثر من النصف؛ لأن المدار على المعنى، وعلى ما أراده المتكلم، أما كونه فصيحاً أو غير فصيح في اللغة العربية فهذا شيء ثانٍ، صحيح أننا نقول لمن قال: عندي لك عشرة إلا سبعة: هذا كلام لا ينبغي، لكن أن نلزمه بعشرة فليس بصحيح. مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ وَالْمُطَلَّقَاتِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثاً إِلاَّ وَاحِدَةً فَطَلْقَتَانِ، وَإِنِ اسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ مِنْ عَدَدِ الْمُطَلَّقَاتِ صَحَّ دُونَ عَدَدِ الطَّلَقَاتِ، وَإِنْ قَالَ: أَرْبَعُكُنَّ إِلاَّ فُلَانَةَ طَوَالِقُ صَحَّ الاسْتِثْنَاءُ، ............................................ قوله: «من عدد الطلاق والمطلقات، فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان» ومثال المطلقات أن يقول: نسائي الأربع طوالق إلا ثلاثاً فتطلق الأربع. قوله: «وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح دون عدد الطلقات» هنا مسألتان: المسألة الأولى: إذا استثنى من عدد المطلقات، ولها صورتان: الأولى: أن يذكر ذلك بلفظ عام بدون عدد، ويستثني بقلبه

стр. 5323

شيئاً منه، مثل: أن يقول: نسائي طوالق، وينوي إلا هنداً فيصح؛ لأن «نسائي» لفظ عام، والعام قد يستعمل في الخاص، فيمكن للمتكلم أن يريد باللفظ العام شيئاً مخصوصاً من هذا العام، قال الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، هل القائل الناس كلهم؟ لا، يقال: إنه نعيم بن مسعود الأشجعي، قال للرسول ﷺ : إن أبا سفيان قد جمع لكم (١)، وعلى هذا يكون القائل واحداً، والجامع واحداً، مع أن «الناس» لفظ عموم. الثانية: أن يذكر ذلك بصريح العدد، ويستثني بقلبه شيئاً من المعدود، مثل أن يقول: نسائي الأربع طوالق، فهذا صريح، وينوي إلا هنداً، فظاهر كلام المؤلف: أن ذلك صحيح، ولكن كلامه ليس بصحيح، والصواب: أن الاستثناء لا يصح؛ لأن النية لا تؤثر في الصريح. المسألة الثانية: أن يستثني من عدد الطلقات، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً، قلنا: بانت منك زوجتك، فإذا قال: أنا قصدت ثلاثاً إلا واحدة، قلنا: لا يصح؛ لأن الصريح لا تؤثر فيه النية. قوله: «وإن قال: أربعكن إلا فلانة طوالق صح الاستثناء» لماذا أتى المؤلف بها مع أنه معلوم مما سبق؟ أتى به ليبين أنه لا فرق بين أن يتقدم الاستثناء، أو يتأخر، فلو قال: أربعكن طوالق إلا فلانة صار الاستثناء متأخراً، كذلك لو قدم الاستثناء لا يضر، أربعكن إلا فلانة طوالق يجوز، ففائدة هذا المثال الذي ذكره

стр. 5324

جواز الاستثناء مقدماً قبل أن تتم الجملة، كما أنه يصح ـ أيضاً ـ مؤخراً بعد تمام الجملة. وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءٌ لَمْ يَتَّصِلْ عَادَةً، فَلَوِ انْفَصَلَ وَأمْكَنَ الْكَلَامُ دُونَهُ بَطَلَ، وَشَرْطُهُ النِّيَّةُ قَبْلَ كَمَالِ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ. قوله: «ولا يصح استثناء لم يتصل عادة» هذا هو الشرط الثالث من شروط الاستثناء، أن يكون الاستثناء متصلاً بحسب العادة والعرف بالمستثنى منه، بحيث لا يفصل بينه وبينه كلام، فإن فصل بينهما بكلام أو سكوت يمكنه الكلام فيه، فإن الاستثناء لا يصح، فلو قال: أنت طالق ثلاثاً ـ وهو ناوٍ أن يستثني، ثم قال: ـ انتبهي، ثم قال: إلا واحدة فلا يصح؛ لأنه فصل بين الاستثناء والمستثنى منه، ولو قال: أنت طالق ثلاثاً ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه، ثم قال: إلا واحدة فلا يصح؛ لأنه لا بد من الاتصال، ولو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم أخذه عطاس وبقي في العطاس خمس دقائق، ثم قال: إلا فلانة يصح؛ لأنه لا يمكن أن يتكلم. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال باشتراطه، ومنهم من لم يقل باشتراطه، والصحيح: أنه ما دام الكلام واحداً فإنه لا يشترط. والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ لما فتح مكة قام في ذلك اليوم، وخطب الناس، وبَيَّن حرمة مكة، وقال: «إنه لا يختلى خَلاها، ولا يعضد شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد»، ثم ذكر كلاماً فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله؟ فقال: «إلا الإذخر» (١)، مع أن الكلام غير متصل، وكذلك سليمان بن داود ـ

стр. 5325

عليهما الصلاة والسلام ـ قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحد منهن غلاماً، يقاتل في سبيل الله، فقال له المَلَك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي ﷺ : «لو قال: إن شاء الله لم يحنث ولكان دركاً لحاجته» (١)، وفي لفظ: «لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين» (٢)، مع أنه منفصل. فالصواب: أنه ما دام الكلام واحداً فإنه يصح الاستثناء، وهذا دائماً يحدث، يقول الإنسان: كلكن طوالق، ثم يندم، ويقول: إلا فلانة بعد أن سكت. وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثاً، ثم سكت، ثم ندم وقال: إلا واحدة، فالصواب: أنه يصح؛ لأن الأدلة واضحة، وأما مقدار الفصل في السكوت فهو ما جرى به العرف. قوله: «فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل» أي: انفصل الاستثناء، وأمكن الكلام بينه وبين المستثنى منه، فإنه يبطل الاستثناء لوجود الفصل، وكذلك لو تكلم بينهما بكلام أجنبي؛ لأنه إذا كان السكوت الذي يتمكن فيه من الكلام مبطلاً للاستثناء، فالكلام نفسه من باب أولى، فإذا تكلم بكلام خارج عن موضوع الكلام لا يتصل بالمستثنى، فإنه يبطل الاستثناء ولا
следующие страницы →