← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ [الحجر]، ومن اتبعه من الغاوين أكثر من النصف، تسعمائة وتسعة وتسعون بالألف (١)، فبماذا تجيبون؟ قلنا: إذا كانت الأكثرية مستفادة بالصفة فإنها لا تضر، ويجوز الاستثناء ولو كان أكثر، حتى لو افترضنا أن الاستثناء يقضي على كل المستثنى صح، فلو قلت: أكرم من في هذا المجلس إلا من عليه قميصٌ يصح الاستثناء، وعلى هذا ما نكرم ولا واحداً منهم؛ لأن كل واحد عليه قميص، وهنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ﴾، هذه الكثرة مستفادة بالوصف ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لأن اسم الموصول بمنزلة الوصف؛ إذ إن ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ بمعنى المتَّبِع لك، وعلى هذا فلا يضر، أما إذا كان من عدد، كأنتِ طالق ثلاثاً إلا ثنتين، أو أكرم ثلاثة رجال إلا رجلين، أو عندي لك عشرة دراهم إلا سبعة، فلا يصح الاستثناء، ويلزمني عشرة، أو عندي لك مائة ريال إلا واحداً وخمسين ريالاً فيلزمني مائة؛ لأني استثنيت أكثر من النصف. فإذا قال قائل: ما الدليل على أنه ما يصح؟ قالوا: لأن اللغة العربية لا تأتي على هذا الأسلوب، فإذا كان عليك ـ مثلاً ـ ثلاثة دراهم فما تقول: عليَّ عشرة إلا سبعة، لكن تقول: عليَّ ثلاثة، هذا هو الأسلوب المعروف في اللغة العربية، وما خرج عن الأسلوب العربي فلا عبرة به.

стр. 5322

وقال بعض أهل العلم: إن استثناء أكثر من النصف لا بأس به، وليس لكم أن تحجروا على الناس أقوالهم، ولو فرضنا أن هذا ليس من فصيح لسان العرب، لكنه معنى معقول، وإذا جعلتموه معقولاً في الوصف حتى ربما يرتفع المستثنى منه كله، فلماذا لا تجيزونه في العدد؟! وهذا هو القول الراجح أنه يصح استثناء أكثر من النصف؛ لأن المدار على المعنى، وعلى ما أراده المتكلم، أما كونه فصيحاً أو غير فصيح في اللغة العربية فهذا شيء ثانٍ، صحيح أننا نقول لمن قال: عندي لك عشرة إلا سبعة: هذا كلام لا ينبغي، لكن أن نلزمه بعشرة فليس بصحيح. مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ وَالْمُطَلَّقَاتِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثاً إِلاَّ وَاحِدَةً فَطَلْقَتَانِ، وَإِنِ اسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ مِنْ عَدَدِ الْمُطَلَّقَاتِ صَحَّ دُونَ عَدَدِ الطَّلَقَاتِ، وَإِنْ قَالَ: أَرْبَعُكُنَّ إِلاَّ فُلَانَةَ طَوَالِقُ صَحَّ الاسْتِثْنَاءُ، ............................................ قوله: «من عدد الطلاق والمطلقات، فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان» ومثال المطلقات أن يقول: نسائي الأربع طوالق إلا ثلاثاً فتطلق الأربع. قوله: «وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح دون عدد الطلقات» هنا مسألتان: المسألة الأولى: إذا استثنى من عدد المطلقات، ولها صورتان: الأولى: أن يذكر ذلك بلفظ عام بدون عدد، ويستثني بقلبه

стр. 5323

شيئاً منه، مثل: أن يقول: نسائي طوالق، وينوي إلا هنداً فيصح؛ لأن «نسائي» لفظ عام، والعام قد يستعمل في الخاص، فيمكن للمتكلم أن يريد باللفظ العام شيئاً مخصوصاً من هذا العام، قال الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، هل القائل الناس كلهم؟ لا، يقال: إنه نعيم بن مسعود الأشجعي، قال للرسول ﷺ : إن أبا سفيان قد جمع لكم (١)، وعلى هذا يكون القائل واحداً، والجامع واحداً، مع أن «الناس» لفظ عموم. الثانية: أن يذكر ذلك بصريح العدد، ويستثني بقلبه شيئاً من المعدود، مثل أن يقول: نسائي الأربع طوالق، فهذا صريح، وينوي إلا هنداً، فظاهر كلام المؤلف: أن ذلك صحيح، ولكن كلامه ليس بصحيح، والصواب: أن الاستثناء لا يصح؛ لأن النية لا تؤثر في الصريح. المسألة الثانية: أن يستثني من عدد الطلقات، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً، قلنا: بانت منك زوجتك، فإذا قال: أنا قصدت ثلاثاً إلا واحدة، قلنا: لا يصح؛ لأن الصريح لا تؤثر فيه النية. قوله: «وإن قال: أربعكن إلا فلانة طوالق صح الاستثناء» لماذا أتى المؤلف بها مع أنه معلوم مما سبق؟ أتى به ليبين أنه لا فرق بين أن يتقدم الاستثناء، أو يتأخر، فلو قال: أربعكن طوالق إلا فلانة صار الاستثناء متأخراً، كذلك لو قدم الاستثناء لا يضر، أربعكن إلا فلانة طوالق يجوز، ففائدة هذا المثال الذي ذكره

стр. 5324

جواز الاستثناء مقدماً قبل أن تتم الجملة، كما أنه يصح ـ أيضاً ـ مؤخراً بعد تمام الجملة. وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءٌ لَمْ يَتَّصِلْ عَادَةً، فَلَوِ انْفَصَلَ وَأمْكَنَ الْكَلَامُ دُونَهُ بَطَلَ، وَشَرْطُهُ النِّيَّةُ قَبْلَ كَمَالِ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ. قوله: «ولا يصح استثناء لم يتصل عادة» هذا هو الشرط الثالث من شروط الاستثناء، أن يكون الاستثناء متصلاً بحسب العادة والعرف بالمستثنى منه، بحيث لا يفصل بينه وبينه كلام، فإن فصل بينهما بكلام أو سكوت يمكنه الكلام فيه، فإن الاستثناء لا يصح، فلو قال: أنت طالق ثلاثاً ـ وهو ناوٍ أن يستثني، ثم قال: ـ انتبهي، ثم قال: إلا واحدة فلا يصح؛ لأنه فصل بين الاستثناء والمستثنى منه، ولو قال: أنت طالق ثلاثاً ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه، ثم قال: إلا واحدة فلا يصح؛ لأنه لا بد من الاتصال، ولو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم أخذه عطاس وبقي في العطاس خمس دقائق، ثم قال: إلا فلانة يصح؛ لأنه لا يمكن أن يتكلم. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال باشتراطه، ومنهم من لم يقل باشتراطه، والصحيح: أنه ما دام الكلام واحداً فإنه لا يشترط. والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ لما فتح مكة قام في ذلك اليوم، وخطب الناس، وبَيَّن حرمة مكة، وقال: «إنه لا يختلى خَلاها، ولا يعضد شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد»، ثم ذكر كلاماً فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله؟ فقال: «إلا الإذخر» (١)، مع أن الكلام غير متصل، وكذلك سليمان بن داود ـ

стр. 5325

عليهما الصلاة والسلام ـ قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحد منهن غلاماً، يقاتل في سبيل الله، فقال له المَلَك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي ﷺ : «لو قال: إن شاء الله لم يحنث ولكان دركاً لحاجته» (١)، وفي لفظ: «لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين» (٢)، مع أنه منفصل. فالصواب: أنه ما دام الكلام واحداً فإنه يصح الاستثناء، وهذا دائماً يحدث، يقول الإنسان: كلكن طوالق، ثم يندم، ويقول: إلا فلانة بعد أن سكت. وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثاً، ثم سكت، ثم ندم وقال: إلا واحدة، فالصواب: أنه يصح؛ لأن الأدلة واضحة، وأما مقدار الفصل في السكوت فهو ما جرى به العرف. قوله: «فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل» أي: انفصل الاستثناء، وأمكن الكلام بينه وبين المستثنى منه، فإنه يبطل الاستثناء لوجود الفصل، وكذلك لو تكلم بينهما بكلام أجنبي؛ لأنه إذا كان السكوت الذي يتمكن فيه من الكلام مبطلاً للاستثناء، فالكلام نفسه من باب أولى، فإذا تكلم بكلام خارج عن موضوع الكلام لا يتصل بالمستثنى، فإنه يبطل الاستثناء ولا

стр. 5326

يصح، ولكن الصحيح ما ذكرته من قبل، وهو أنه ما دام الكلام واحداً وهو في مجلسه، وما زال يتحدث فإنه يعتبر كلاماً متصلاً، ويصح الاستثناء فيه. قوله: «وشرطه النية قبل كمال ما استثني منه» هذا هو الشرط الرابع من شروط الاستثناء، أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه لا بعده، وهنا ثلاث حالات: أن ينويه قبل، أو بعد، أو في الأثناء. فاشتراط أن ينويه قبل أن يتكلم قال به بعض أهل العلم، لكنه ليس المذهب، وهو ضعيف. ونية الاستثناء في أثناء الكلام تصح وهو المذهب. ونية الاستثناء بعد تمام الكلام على المذهب لا تصح، بل يشترط أن ينوي الاستثناء قبل أن يتم المستثنى منه، فلو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم في الحال قال: إلا فلانة، لكن ما نوى الاستثناء إلا بعد أن تمت الجملة الأولى فهو على المذهب لا يصح. والصحيح أنه يصح أن ينويه بعد أن يتم الكلام، وقصة سليمان ﷺ (١) دليل على ذلك، وقصة العباس دليل على ذلك ـ أيضاً ـ؛ لأن النبي ﵊ استثنى فقال: «إلا الإذخر» (٢) ولم ينوِه قبل ذلك، إذ لو نواه لقاله، لكنه لم ينوه إلا بعد أن ذكّره العباس ﵁، فاستثناه.

стр. 5327

إذاً الصواب أن النية قبل تمام المستثنى منه ليست بشرط، وأنه يجوز أن ينوي ولو بعد أن تم الكلام، سواء تذكر هو بنفسه أو ذكَّره أحد. إذن شروط الاستثناء أربعة: الأول: أن يكون المستثنى والمستثنى منه من متكلم واحد. الثاني: أن يكون المستثنى من النصف فأقل إذا كان من عدد. الثالث: أن يكون متصلاً بالمستثنى منه. الرابع: أن ينويه قبل تمام المستثنى منه. وهذه الشروط التي في الاستثناء ليست خاصة بالطلاق، بل هي شرط في كل الاستثناءات. ولا يظهر دليل واضح على هذه الشروط، إلا على الشرط الأول فقط، وهو أن يكون من متكلم واحد؛ لأن الرسول ﷺ ما اكتفى باستثناء العباس ﵁، ولو كان الاستثناء يصح من متكلم آخر لسكت الرسول ﷺ وصح، فما يتبين لي من السنة دليل على أن هذه الشروط صحيحة إلا الشرط الأول فقط، فشرط النية وشرط الاتصال قام الدليل على خلافهما، وشرط أن يكون من النصف فأقل تعليله ضعيف. فالذي يتبين لي أن الشرط الأول فقط هو المعتمد.

стр. 5328

بَابُ الطَّلاقِ فِي المَاضِي وَالمُسْتَقْبَلِ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ، وَلَمْ يَنْوِ وُقُوعَهُ فِي الْحَالِ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ أَرَادَ بِطَلَاقٍ سَبَقَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ زَيْدٍ، وَأَمْكَنَ قُبِلَ، ............ قوله: «الطلاق في الماضي والمستقبل» ولم يذكر الحاضر؛ لأنه هو الأصل، فالإنسان ما يطلق إلا طلاقاً حاضراً، لكن قد يطلق في الماضي، وقد يطلق في المستقبل. واعلم أن العلماء ﵏ بناء على أن مؤلفاتهم للتعليم والتمرين يذكرون مسائل قد لا تقع، وإن وقعت فهي نادرة، حتى إنهم ذكروا لو مات عن عشرين جدة، ولو أوصى بأشياء خيالية، يذكرون هذا تمريناً للطالب. قوله: «إذا قال: أنت طالق أمس» لا تطلق؛ لأن الطلاق إنشاء، والإنشاء لا يتعلق بالماضي، فلا بد أن يكون مقارناً للفظ، أو متأخراً عنه، والطلاق في الماضي خبر، وإذا كان خبراً، فهل طلقها أمس؟ لم يطلقها فلا يقع، إلا إذا قال: أنت طالق بالأمس، ونوى الإخبار عن طلاق وقع منه بالأمس، فالطلاق يقع بطلاق الأمس. قوله: «أو قبل أن أنكحك» كذلك ما يقع؛ لأنه لا طلاق إلا بعد نكاح. قوله: «ولم ينو وقوعه في الحال، لم يقع» فإن نوى وقوعه في الحال، وقال: أنا أقصد بقولي: أنت طالق أمسِ المبالغةَ في

стр. 5329

تحقق ذلك وأنه واقع اليوم، فإنه يقع؛ لأنه إقرار على نفسه بما هو أغلظ. والصحيح: أنه لا يقع؛ لأن اللفظ لا يحتمله، إذ كيف يقول: أنت طالق أمسِ، ونقول: هذه بمعنى أنت طالق الآن؟! ما يصح، ولهذا اشترطوا في التأويل في الحلف أن يكون اللفظ ممكناً لقبوله، وعليه فنقول: في هذه الحال لا يقع للتناقض بين ما أراد وبين اللفظ. قوله: «وإن أراد بطلاق سبق منه، أو من زيد، وأمكن قبل» يعني إن قال: أنا أقصد أنت طالق أمسِ، وأراد أنها طالق بطلاق سبق منه بالأمس يقبل، أو سبق من زيد، لكن بشرط أن يكون ممكناً، والإمكان بأن يكون قد سبق له نكاحها، أو سبق لزيد نكاحها، ولا يقع الطلاق الآن؛ لأنه خبر. والفائدة من هذا أنها لو حاكمته، وقالت: إنه قاصد الطلاق من هذا النكاح، لكن أراد المبالغة، وقال: ما أردت المبالغة إنما أردت الطلاق السابق من زيد، أو الطلاق السابق مني، يقول المؤلف ﵀: «قبل» لأن هذا خبر، ولا نلزمه بيمين ولا بشيء آخر بشرط أن يكون هذا وقع، فإن لم يكن وقع فما نقبل منه، ويكون كاذباً. ولو فرض أن هذا الرجل تكذبه القرينة، كأن يقول: أنا أردت طلاقاً سابقاً من زيد أو مني، ولكن القرينة تكذبه؛ لأنها هي سألته الطلاق فلا نقبل منه؛ لأن ادعاءه هذا خلاف الظاهر.

стр. 5330

فَإِنْ مَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ قَبْلَ بَيَانِ مُرَادِهِ لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ قَالَ: طَالِقٌ ثَلَاثاً قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ فَقَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّهِ لَمْ تَطْلُقْ، وَبَعْدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ تَطْلُقُ فِيهِ يَقَعُ، فَإِنْ خَالَعَهَا بَعْد الْيَمِينِ بِيَوْمٍ، وَقَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَيَوْمَيْنِ صَحَّ الْخُلْعُ، وَبَطَلَ الطَّلَاقُ، .................. قوله: «فإن مات» يعني الذي قال: أنت طالق أمس أو قبل أن أنكحك. قوله: «أو جُن أو خرس قبل بيان مراده لم تطلق» قال: أنت طالق قبل أن أتزوجك ومات قبل البيان فلا تطلق؛ لأن الأصل عدم الطلاق بهذه الصيغة. وقوله: «أو جن» يعني ذهب عقله. وقوله: «أو خرس» يعني صار لا يتكلم، لكن المسألة الأخيرة يمكن الحصول على مراده بالإشارة أو بالكتابة مثلاً، إذا كان يستطيع الكتابة، ولكن كلام المؤلف على ما إذا لم يتضح مراده فالأصل عدم الوقوع، واعتباراً بظاهر اللفظ؛ لأنه طلاق في الماضي، والطلاق في الماضي لا يقع، ولهذا قال المؤلف: «لم تطلق». قوله: «وإن قال: طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر» فإنه يجب أن يفارقها ويعتزلها؛ لأن الطلاق بائن، ولا ندري متى يقدم زيد؟ فقد يقدم الآن، وقد يقدم بعد، فلهذا يقول المؤلف: «فقدم قبل مضيه لم تطلق» وعلى هذا فيجب عليه أن يتجنبها، مثلاً قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، في اليوم السادس والعشرين من شوال، فقدم زيد في العشرين من ذي القعدة، فما تطلق؛ لأنه تبين أن الطلاق كان في عشرين من شوال

стр. 5331

فهو طلاق في الماضي، والطلاق في الماضي ما يقع كما سبق. قوله: «وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع» فلو قال لها: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر في الساعة الثامنة والنصف من يوم ست وعشرين من شوال، فقدم الساعة الثامنة والنصف ودقيقة من يوم ست وعشرين من ذي القعدة تطلق؛ لأنه في الدقيقة يتمكن من أن يقول: أنت طالق. فإن قدم الساعة الثامنة وتسعاً وعشرين دقيقة من يوم ست وعشرين من ذي القعدة فما تطلق؛ لأنه بقي دقيقة على الشهر، فصارت مطلقة في الماضي، الذي هو دقيقة واحدة، لكن هل يجوز أن يستمتع بها في هذه المدة؟ لا يجوز أن يستمتع؛ لأن فيه احتمالاً أن زيداً يتقدم أو يتأخر، فنقول: تجنبها؛ لأنه ربما يأتي في تمام شهر وثوان ويكون استمتاعك بها استمتاعاً بامرأة أجنبية. قوله: «فإن خالعها بعد اليمين بيوم، وقدم بعد شهر ويومين صح الخلع وبطل الطلاق» قال: أنت طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، وفي اليوم الثاني خالعها فقدم زيد بعد شهر ويومين يصح الخلع؛ لأنه لم يتبين أنها طلقت إلى الآن، ولا يصح الطلاق؛ لأنه تبين أن الطلاق وقع بعد المخالعة، فيصادف وقوع الطلاق عليها وهي بائن بالخلع، وإذا كانت بائناً لا يقع عليها الطلاق، ولهذا يقول ﵀: «صح الخلع وبطل الطلاق».

стр. 5332

وَعَكْسُهَا بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ، وَإِنْ قَالَ: طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي طَلَقَتْ في الحَالِ، وَعَكْسُهُ مَعَهُ، أَوْ بَعْدَهُ. قوله: «وعكسها بعد شهر وساعة» مثلاً قال: يوم السبت أنت طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، وفي يوم الأحد خالعها، ثم قدم زيد بعد قوله: «أنت طالق» بشهر وساعة يصح الطلاق، ولا يصح الخلع؛ لأنه تبين أن الخلع وقع على امرأة بائن، وهذا هو السر في أنه قال: «إذا قال: أنت طالق ثلاثاً» لأجل أن يقع الخلع على امرأة بائن فلا يصح. قوله: «وإن قال: طالق قبل موتي طلقت في الحال» إذا قال لزوجته: أنت طالق قبل موتي طلقت؛ لأن كل زمن يقع بعد هذه الكلمة فهو قبل موته، فيقع طلاقه في الحال. قوله: «وعكسه معه أو بعده» يعني فلا تطلق إذا قال: أنت طالق بعد موتي؛ لأنها بانت منه بموته، وكذلك لو قال: معه فإنه لا يقع الطلاق؛ وذلك لأن البينونة بالموت أقوى من البينونة بالطلاق، فكان الحكم للأقوى وهو الموت، فعلى هذا لا يقع الطلاق، وإذا قال: أنت طالق قبيل موتي تطلق قبل موته بقليل، وإن قال: يوم موتي طلقت في أول اليوم الذي يموت فيه.

стр. 5333

فَصْلٌ وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ طِرْتِ، أَوْ صَعَدْتِ السَّمَاءَ، أَوْ قَلَبْتِ الحَجَرَ ذَهَباً، ................ قوله: «وإن قال: أنت طالق إن طرت» يعني إن طرت بنفسك فلا تطلق؛ لأن هذا معلق على مستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل، ولهذا قالوا في قول الشاعر: إذا شاب الغرابُ أتيتُ أهلي وصار القار كاللبن الحليب قالوا: هذا الرجل لن يأتي أهله؛ لأن الغراب لا يشيب، والقار الأسود لا يمكن أن يبيض؛ فالتعليق على المستحيل مستحيل، لكن لو نوى إن طرت؛ يعني إن ركبت الطائرة يقع، لكن هذا غير موجود في عهد المؤلف ومن سبقه، فلذلك قالوا: إنه إذا قال: أنت طالق إن طرت فهذا تعليق على مستحيل، والمستحيل قد علم عدمه، وإذا كان قد علم عدمه فإن المعلق به معدوم. قوله: «أو صعدت السماء» أي قال: أنت طالق إن صعدت السماء، ويريد بالسماء السماء المعروفة ما تطلق؛ لأن هذا شيء مستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل، وهذه المسألة غير الأولى، فالأولى إن طرت ولو قريباً من الأرض ولو بمقدار متر، أما إن صعدت السماء يعني إلى أعلى. قوله: «أو قلبت الحجر ذهباً» قلباً حقيقياً لا وهمياً ما تطلق؛ لأنه لا يمكن أن تقلب الحجر ذهباً.

стр. 5334

وَنَحْوَهُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ لَمْ تَطْلُقْ، وَتَطْلُقُ فِي عَكْسِهِ فَوْراً، وَهُوَ النَّفْيُ فِي المُسْتَحِيلِ، مِثْلَ: لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ، أَوْ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ وَنَحْوِهِمَا، ............ قوله: «ونحوه من المستحيل لم تطلق» قال في الروض (١): مثل أن يقول: إن رددت أمس أو جمعت بين الضدين، أو شاء الميت أو شاءت البهيمة، فقوله: «إن جمعت بين الضدين» مثل الجمع بين السواد والبياض، فلا يمكن أن تجمع بين السواد والبياض؛ لأن السواد والبياض ضدان لا يجتمعان، أو قال: أنت طالق إن جمعت بين الحركة والسكون، وهذان نقيضان فلا يمكن أن تطلق، فالمهم أنه إذا علقه على شيء مستحيل لم يقع الطلاق، والتعليل: أن المعلق على المستحيل مستحيل. قوله: «وتطلق في عكسه فوراً وهو النفي في المستحيل» كقوله: أنت طالق إن لم تطيري تطلق حالاً؛ لأن هذا مستحيل، وإذا دخل حرف النفي على المستحيل طلقت فوراً؛ لأن انتفاء المستحيل أمر واجب؛ إذ المستحيل مستحيل الوقوع فيكون انتفاؤه واجب الوقوع، أو قال: أنت طالق إن لم تقلبي الحجر ذهباً تطلق في الحال، أو أنت طالق إن لم تصعدي السماء تطلق حالاً؛ لأنها لن تصعد السماء. وقوله: «وهو النفي في المستحيل» الماتن مثَّل بمثال قد يكون فيه نظر فقال: «مثل لأقتلن الميت» في الحقيقة أن هذا قَسَمٌ، ولهذا أجيب باللام ونون التوكيد الدالة على أن الجملة جواب قسم، أي: أنت

стр. 5335

طالق لأقتلن الميت، كقوله: والله لأقتلن الميت، وإذا قال: والله لأقتلن الميت يحنث في الحال؛ لأن قتل الميت مستحيل، ثم هذه الجملة هل هي نفي أو إثبات؟ إثبات مؤكد باللام ونون التوكيد وليس بنفي؛ لأنه أقسم أن يقتل، لا أن لا يقتل، لكن لما كان هذا الإثبات مستحيلاً صار يحنث في الحال؛ لأنه مستحيل أن يقع عليه القتل. والأمثلة الصحيحة: أن تقلب الإيجاب في الأمثلة الأولى إلى نفي، فتقول: أنت طالق إن لم تطيري، أو إن لم تصعدي السماء أو إن لم تقلبي الحجر ذهباً، وحينئذٍ تطلق في الحال. وخلاصة هذه المسألة: أن الإنسان إذا علق طلاق امرأته على شيء مستحيل لم تطلق؛ لأن المعلق على المستحيل مستحيل، أما إذا كان بالعكس بأن علق الطلاق على نفي المستحيل فإنها تطلق في الحال؛ لأن انتفاء المستحيل أمر واجب، وما علق على الواجب فهو واجب. قوله: «أو لأصعدن السماء» أي: أنت طالق لأصعدن السماء، قلنا: الصواب أن هذا قسم، لكن المؤلف جعله من باب التعليق، فإذا قال: أنت طالق لأصعدن السماء تطلق في الحال؛ لأن معنى «لأصعدن السماء» إن لم أصعد السماء، ولو قال: والله لأصعدن السماء حنث في الحال؛ لأن صعود السماء غير ممكن، وتيقَّنا أنه لن يفعل هذا، وحينئذٍ تلزمه الكفارة إن كانت يميناً، ويقع الطلاق إن كان طلاقاً. لكن الصواب في مسألة لأقتلن الميت أو لأصعدن السماء

стр. 5336

نحوهما أن هذا قسم، وأنه لا تطلق الزوجة، ولكن عليه كفارة يمين. قوله: «ونحوهما» (١). وَأَنْتِ طَالِقٌ اليَوْمَ إِذَا جَاءَ غَدٌ لَغْوٌ، وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي هذَا الشَّهْرِ، أَوِ اليَوْمِ طَلَقَتْ فِي الَحَالِ، وَإِنْ قَالَ: فِي غَدٍ، أَوِ السَّبْتِ، أَوْ رَمَضَانَ طَلَقَتْ فِي أَوَّلِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ آخِرَ الكُلِّ دُيِّنَ وَقُبِلَ، ................ قوله: «وأنت طالق اليوم إذا جاء غد لغو» لأن غداً لا يمكن أن يأتي اليوم، فيكون علق الطلاق على شيء مستحيل فلا يقع الطلاق، لكنه في الحقيقة كما قال المؤلف: لغو؛ لأن مثل هذا الكلام ما يصدر من إنسان عاقل. قال في الروض (٢): «لعدم تحقق شرطه؛ لأن الغد لا يأتي في اليوم بل بعد ذهابه». قوله: «وإذا قال: أنت طالق في هذا الشهر أو اليوم طلقت في الحال» إذا قال: أنت طالق في هذا الشهر، نقول: تطلق حالاً؛ لأنه من الشهر، وكذلك لو قال: أنت طالق في هذا اليوم تطلق في الحال؛ لأنه من اليوم. قوله: «وإن قال: في غد، أو السبت، أو رمضان طلقت في أوله» إذا قال: أنت طالق في غد، أو في يوم السبت، أو في رمضان فإنها تطلق في أوله؛ لأن غداً يتحقق بدخول أوله،

стр. 5337

وكذلك ـ أيضاً ـ يوم السبت يتحقق بأوله، ورمضان يتحقق بأول جزء منه، ولكن إذا قال: أنت طالق في غد، فمتى تطلق، هل بعد غروب شمس غد، أو بعد طلوع الفجر منه؟ الظاهر الأخير؛ لأن هذا هو المعروف أن الغد يعني النهار. كذلك لو قال: في يوم السبت، يعني به النهار، فتطلق في أول النهار، في أول طلوع الفجر، وفي رمضان تطلق في أول دخوله بعد غروب آخر يوم من شعبان. قوله: «وإن قال: أردت آخر الكل دُيِّن وقُبل» «آخر الكل» يعني اليوم، والغد، والسبت، والشهر. وقوله: «دُيِّن» أي: فوض ذلك إلى دينه، ولكن في الحكم لا يقبل؛ وإذا قال الفقهاء: «دُيِّن» فالمعنى فيما بينه وبين الله، وأما عند المحاكمة فيؤخذ بما يدل عليه ظاهر اللفظ. ففي المسألة الأولى إذا قال: أنت طالق في هذا اليوم، وقال: أردت آخر اليوم، فإن طالبته المرأة حكم بالطلاق من تكلُّمِهِ به، وإن لم تطالبه دُيِّن، وكذلك إن قال: أنت طالق في غد، وقال: أردت آخر النهار، نقول: إن طالبته حكمنا بالطلاق من أول النهار، وإن لم تطالبه دُيِّن، وكذلك السبت، وكذلك رمضان. ولكن هل الأفضل أن تطالبه أو أن تدينه؟ قلنا فيما سبق: إن كان الرجل ذا دين وأمانة ومستقيماً فإن الواجب عدم المطالبة، وإن كان الأمر بالعكس فإن الواجب المطالبة. كذلك ينبغي أن يلاحظ ظاهر اللفظ، إن كان ظاهر اللفظ

стр. 5338

أقرب إلى كلامه فإن الواجب أن يدين، وإن كان الأمر بالعكس يكون التفصيل السابق؛ لأنه قد يقول: أنا قصدت بقولي: أنت طالق في غد آخر النهار، وعندي قرينة هي أني داعٍ الناس على الغداء، ولا أريد أن تطلقي قبل أن تغديهم، فالحاصل على كل حال إذا وجدت قرينة تؤيد ما قال فلا يطالب. وَأَنْتِ طالِقٌ إِلَى شَهْرٍ طَلَقَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ فِي الْحَالِ فَيَقَعُ، وَطَالِقٌ إِلَى سَنَةٍ تَطْلُقُ بِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرَاً، فَإِنْ عَرَّفَهَا بِاللاَّمِ طَلَقَتْ بِانْسِلَاخِ ذِي الحِجَّةِ. قوله: «وأنت طالق إلى شهر» ظاهر اللفظ أن الشهر وقت للطلاق، ومن المعلوم أنه لا يريد أن يجعل للطلاق غاية؛ لأن الطلاق لا غاية له، فلا يوجد طلاق لشهر، وطلاق لأسبوع، وطلاق ليوم! لكن مراده بالغاية ابتداء الطلاق؛ فإذا قال: أنت طالق إلى شهر، فالغاية لابتدائه، أي: يبدأ بعد شهر، وليست لانتهائه، بخلاف ما لو قلت: أجرتك هذا البيت إلى شهر فالغاية للانتهاء، والفرق بين الصورتين: أن الطلاق لا ينتهي، فليس بمؤجل، بخلاف الإجارة، ولهذا قال المؤلف: «طلقت عند انقضائه» فيحسب الشهر من كلامه إلى أن يتم شهرين. وإن قال: أنت طالق إلى الشهر بـ «أل» تطلق عند انتهاء الشهر الذي تكلم فيه، ولو لم يبقَ فيه إلا عشرة أيام؛ وذلك أنه لما لم يصح أن يكون للطلاق غاية لآخره صارت الغاية لأوله. قوله: «إلا أن ينوي في الحال فيقع» إذا قال: أنت طالق إلى شهر، وقصده أن يقع الآن، وأن يستمر إلى شهر، ثم إلى شهر، ثم إلى الأبد فإنه يقع.

стр. 5339

قوله: «وطالق إلى سنة تطلق باثني عشر شهراً، فإن عرَّفها باللام طلقت بانسلاخ ذي الحجة» كما سبق إذا قال: أنت طالق إلى سنة يحسب اثنا عشر شهراً من كلامه ثم تطلق، وإن قال: أنت طالق إلى السنة، فإذا تمت السنة التي هو فيها وانسلخ ذو الحجة طلقت المرأة، والفرق ظاهر؛ لأن «سنة» منكر و «السنة» معرف، و «أل» فيه للعهد الحضوري فيحمل على ذلك. وكل هذه الصيغ العلماء يذكرونها لتمرين الطالب، ولأنه ربما تقع عند الغضب؛ فإذا قال: أنت طالق لعشر سنين، وعلمنا أن هناك قرينة تدل على أن المعنى أنت طالق من الآن، أو نوى من الآن يقع، وإلا فإنه ما يقع إلا بعد عشر سنوات.

стр. 5340

بَابُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ قوله: «تعليق الطلاق بالشرط» يعني ترتيبه على شيء حاصل، أو غير حاصل، أي: يحصل في المستقبل بإنْ أو إحدى أخواتها، فإذا قال: إن كنت كلمت زيداً فأنت طالق، هذا على شيء حاصل، وإذا قال: إن كلمت زيداً فأنت طالق، فهذا على شيء غير حاصل، يعني علق طلاقه إما على شيء كان، وإما على شيء يكون. وتعليق الطلاق بالشروط هل هو معتبر أو لاغٍ؟ يقول بعض العلماء: إنه لاغٍ، وأن الطلاق المعلق بالشرط واقع في الحال، واستدلوا بقول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، ولم يأت الطلاق معلقاً، لا في القرآن، ولا في السنة، وعلى هذا فإذا علقه وقع في الحال، وألغي الشرط. ولو قال قائل بعكس ذلك؛ أي: أنه لا يقع أبداً بناء على حديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» لكان له وجه، والفرق بين هذا القول والقول الأول أن القول الأول يلغي الشرط فقط، وهذا يلغي الجملة كلها. لكن أكثر العلماء يرون أن تعليق الطلاق بالشروط صحيح؛ لعموم الحديث: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرَّم حلالاً» (٢)، وهذا وإن كان فيه شيء من الضعف، لكنه

стр. 5341

فيما يظهر مجمع على معناه في الجملة، وهو قول الجمهور وهو الصحيح. واعلم أن تعليق الطلاق بالشروط ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون شرطاً محضاً فيقع به الطلاق بكل حال. الثاني: أن يكون يميناً محضاً فلا يقع به الطلاق، وفيه كفارة يمين. الثالث: أن يكون محتملاً الشرط المحض واليمين المحض، فهذا يرجع فيه إلى نية المعلق. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة وهو الذي تقتضيه الأدلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أما المذهب فإنهم يجعلون تعليق الطلاق بالشروط تعليقاً محضاً بدون تفصيل. مثال التعليق المحض أن يقول: إذا غربت الشمس فأنت طالق، فإذا غربت طلقت؛ لأنه علقه على شرط محض. ومثال اليمين المحض: أن يقول: إن كلمتُ زيداً فامرأتي طالق، وهو يقصد الامتناع من تكليم زيد، فهذا يمين محض؛ لأنه لا علاقة بين كلامه زيداً وتطليقه امرأته.

стр. 5342

مثال ما كان محتملاً للأمرين: أن يقول لزوجته: إن خرجت من البيت فأنت طالق، فيحتمل أنه أراد الشرط، بمعنى أن امرأته إذا خرجت طابت نفسه منها، ووقع عليها طلاقه، وحينئذٍ يكون مريداً للطلاق؛ فإذا خرجت من البيت طلقت، فكأنه يقول: إذا خرجت من البيت أصبحت امرأة غير مرغوب فيك عندي، فأنا أكرهك، فحينئذٍ يقع الطلاق؛ لأنه شرط محض. الاحتمال الثاني: أن لا يكون قصده إيقاع الطلاق، بل هو راغب في زوجته ولو خرجت، ولا يريد طلاقها، لكنه أراد بهذا أن يمنعها من الخروج، فعلقه على طلاقها تهديداً، فإذا خرجت في هذه الحال فإنها لا تطلق؛ لأن هذا يراد به اليمين، وقد قال النبي ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، وجعل الله التحريم يميناً؛ لأن المحرِّم يريد المنع أو الامتناع من الشيء، فدل هذا على أن ما قُصِد به الامتناع وإن لم يكن بصيغة القسم فإن حكمه حكم اليمين. واعلم أنه لم يرد عن الصحابة ﵃ شيء في حكم الحلف بالطلاق؛ لأنه غير موجود في عصرهم، لكن ورد عنهم الحلف بالنذر، بأن يقول الإنسان: لله علي نذر أن لا ألبس هذا الثوب، أو يقول: إن لبست هذا الثوب فلله عليَّ نذر أن أصوم سنة، وهذا النذر عند الصحابة جعلوا حكمه حكم اليمين، فإذا كانوا جعلوا النذر الذي يقصد به المنع حكمه حكم اليمين، مع أن الوفاء بالنذر واجب، فلأن يجعلوا الطلاق الذي هو مكروه

стр. 5343

حكمه حكم اليمين ـ إذا قصد به المنع ـ من باب أولى، وهذا قياس بعدم الفارق فهو من القياس الجلي؛ لأن القياس الجلي هو الذي نُصَّ على علته، أو ثبتت علته بإجماع أو قُطِعَ فيه بنفي الفارق. مسألة: إذا علق طلاق امرأته على شرط، فهل له أن ينقضه قبل وقوع الشرط أو لا؟ مثاله: أن يقول لزوجته: إن ذهبتِ إلى بيت أهلك فأنت طالق، يريد الطلاق لا اليمين، ثم بدا له أن يتنازل عن هذا، فهل له أن يتنازل أو لا؟ الجمهور يقولون: لا يمكن أن يتنازل؛ لأنه أخرج الطلاق مِنْ فِيهِ على هذا الشرط، فلزم كما لو كان الطلاق منجزاً. وشيخ الإسلام يقول: إن هذا حق له فإذا أسقطه فلا حرج؛ لأن الإنسان قد يبدو له أن ذهاب امرأته إلى أهلها يفسدها عليه، فيقول لها: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، ثم يتراجع ويسقط هذا. ولكن إذا علقه على شرط بناء على سبب تبين عدمه، فهل يعتبر الشرط أو يلغو؟ مثال ذلك: إذا قال لزوجته: إن ذهبت إلى أهلكِ فأنت طالق، ظناً منه أن أهلها قد ركَّبوا دِشّاً وأنهم عاكفون عليه، فخشي على امرأته فقال ذلك، ثم تبين أن أهلها لم يركِّبوه، فهل تطلق إذا ذهبت إليهم؟ لا تطلق؛ لأنه قال ذلك بناء على سبب تبين عدمه، فلا حرج أن تذهب. لَا يَصِحُّ إِلاَّ مِنْ زَوْجٍ ............................. قوله: «لا يصح إلا من زوج» لا يصح تعليق الطلاق إلا من زوج؛ لأن غير الزوج لا يملك ابتداء الطلاق، فلا يملك تعليقه،

стр. 5344

وكيف يعلق طلاق امرأة لم يتزوجها؟! وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فجعل الطلاق بعد النكاح، وقال النبي ﵊: «لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك» (١)، ولأن الطلاق إطلاق قيد موجود، والمرأة قبل أن يتزوجها مُطْلَقة، وعلى هذا فإذا قال شخص: أيما امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج لم تطلق؛ لأنه علق الطلاق قبل أن يتزوج. ولو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها لم تطلق، ولو قال: إن تزوجتك ـ يخاطب امرأة ـ فأنت طالق فتزوجها لم تطلق، وهذا ظاهر فيما إذا لم يتعلق به حق الغير، فأما إن تعلق به حق الغير، مثل أن يتزوج امرأة بشرط أنه إن تزوج عليها امرأة فهي طالق، كأن تخاف أن يتزوج عليها، فقالت: أشترط عليك ألا تتزوج عليَّ، وإن تزوجت علي امرأة فهي طالق، فظاهر كلام الأصحاب: أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه تعليق للشيء قبل أن يملكه، وحصل بذلك إرضاء الزوجة، فإن تزوجها فإنها لا تطلق، ولو ثارت الأولى عليه فلا يلزمه أن يطلقها؛ لأن الأصل أن الزوجة الأولى لا تملك منعه التزوج، فلا تجبره على ذلك، ولا حق لها ـ أيضاً ـ أن تطلب الطلاق إن لم يطلق الزوجة الجديدة.

стр. 5345

فَإِذَا عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ لَمْ تَطْلُقْ قَبْلَهُ، وَلَوْ قَالَ: عَجَّلْتُهُ، ............ قوله: «فإذا علقه بشرط لم تطلق قبله، ولو قال: عجلته» إذا علق الزوج الطلاق على الشرط، فله ثلاث حالات: الأولى: أن يبقى على ما شرط، فالأمر ظاهر يبقى على ما هو عليه. الثانية: أن يحب تعجيل الطلاق فما تطلق؛ لأنه تلفظ بصيغة الطلاق على وجه معلق فلا يمكن أن يكون منجزاً، وهذا هو المذهب، ولكن نقول له: إذا كنت تريد أن تتخلص منها بسرعة فطلقها طلاقاً غير الأول الذي علقته، لكن إن جاء وقت الشرط وهي رجعية طلقت ثانية؛ لأن الرجعية يقع عليها الطلاق، ولو لم نقل بوقوع الطلاق إذا جاء وقته لكان هذا هو معنى التعجيل. والقول الثاني: أنه يتعجل؛ لأنه زاد على نفسه تضييقاً كما لو أقر على نفسه بالأغلظ، وكما لو عجل الدَّيْن قبل حلول أجله فإذا قال: عجلته تعجل ويلغى الشرط وتطلق. الثالثة: إذا قال: أنا أريد أن ألغي الطلاق كله، ففيه قول في المذهب أن له ذلك؛ قياساً على أن الإنسان إذا قال لعبده: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر فإن له أن يرجع، فإذا جاز أن يرجع في العتق، وهو أشد نفوذاً من الطلاق وأحب إلى الله، فلأن يجوز ذلك في الطلاق من باب أولى، وشيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة قال: إن كان التعليق من باب المعاوضة فله الرجوع، مثل أن يقول: إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فله الرجوع ما لم تعطه؛ لأنه ما تم العوض، وهذا وإن

стр. 5346

كان له وجه من النظر إلا أننا لا نفتي به، أما إذا كان شرطاً محضاً مثل أن يقول: إذا جاء العيد فأنت طالق؛ فإنه لا يملك الرجوع، ولا إبطاله، ولا إبطال التعليق. وَإِنْ قَالَ: سَبَقَ لِسَانِي بالشَّرْطِ، وَلَمْ أُرِدْهُ وَقَعَ فِي الحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ: أَرَدْتُ إِنْ قُمْتِ، لَمْ يُقْبَلْ حُكْماً، ........... قوله: «وإن قال: سبق لساني بالشرط، ولم أرده وقع في الحال» أي: إذا قال: أنت طالق إن قمت، ثم قال: سبق لساني بالشرط وأنا ما أردته، وهذا يقع دائماً، فالإنسان ربما إذا رأى أحداً يفعل شيئاً نطق بما يفعل هذا الشخص، وسبق الكلام على اللسان كثير، بل ربما يكتب شيئاً وإذا كلمه إنسان كتب كلامه الذي يقول، وهو لا يريده، فسبق اللسان وسبق القلم أمر واقع، فإذا قال: أنا أردت بقولي: أنت طالق إن قمت، يعني أنت طالق الآن وسبق لساني بالشرط، فقلت: إن قمت، يقع في الحال، فما الفرق بين هذا وما سبق من أنه لو قال: عجلت هذا الشرط ما يتعجل، وهنا نقول: تطلق في الحال؟ الفرق بينهما ظاهر: أنه هناك قصد الشرط، وهنا لم يقصده، فهو هنا يقول: أنا ما قصدت الشرط، وإنما سبق لساني به فنقول: إذن تطلق في الحال؛ والتعليل لأنه أقر على نفسه بما هو أغلظ فأخذ به. قوله: «وإن قال: أنت طالق، وقال: أردت إن قمت، لم يقبل حكماً» هذه مسألة مهمة إذا قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إن قمت، أو إن كلمت زيداً، فادعى أنه نوى الشرط بقلبه، يقول المؤلف: «لم يقبل حكماً» وعُلم منه أنه يُدَيَّن فيما بينه وبين الله،

стр. 5347

فإذا صدقته المرأة فلا طلاق، إلا إن حاكمته عند المحكمة وقال القاضي: أنت ما قلت: إن قُمتِ، وأنا أحكم عليك بالظاهر، والقاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع، فتطلق زوجتك، أما إذا صدقته المرأة، وقالت: نعم، الرجل أراد إن قمت، ولكن لم يتكلم به، فإن قوله يكون مقبولاً، والمرافعة حرام، لكن إن غلب على ظنها أنه كاذب فإنه يجب عليها أن ترفعه للحاكم، وإن ترددت فهي مخيرة، والأولى أن تتركه؛ لأن الطلاق مكروه. وكذلك لو دخل على زوجته وقال: أنت طالق، ثم بعد ذلك قال: أنا قلت: أنت طالق؛ لأن فلاناً حدثني أنك تكلمين فلاناً بالهاتف، ولما تبين أنك لم تكلميه فلا طلاق، نقول: لا يقبل حكماً، لكن فيما بينه وبين الله يُدَيَّن، أما لو قيل له: إن زوجتك تغازل فلاناً، فقال: هي طالق، ثم تبين أنها لم تغازله فيقبل قوله لوجود قرينة تدل على ذلك. وكذلك ـ أيضاً ـ لو سأل مفتياً، وقال له: لو طلقت زوجتي بلفظ كذا وكذا، فقال له المفتي: تبين منك زوجتك، فأقر بأنه أبان زوجته بناء على الفتوى فما تَبِين؛ لأنه إنما أقر بناء على فتوى، لا على ما في نفسه وقلبه. فتبيَّن أن السبب يخصص العموم ويقيد المطلق، فإذا قال: أنت طالق بناء على سبب من الأسباب فإنها لا تطلق، ثم إن كان السبب مقروناً بالكلام قبل حكماً، وإن لم يكن مقترناً بالكلام لم يقبل حكماً. وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ: إِنْ، وَإِذَا، وَمَتَى، وَأَيُّ، وَمَنْ، وَكُلَّمَا، وَهِيَ وَحْدَهَا لِلتِّكْرَارِ، وَكُلُّهَا، وَمَهْمَا ........................ قوله: «وأدوات الشرط» أداة كل شيء ما تُوصِل إليه،

стр. 5348

فأدوات الشرط ما توصل إلى الشرط وتستعمل فيه. واعلم أن هذا الذي ذكره المؤلف ليس حصراً، لكن مراده أدوات الشرط التي تستعمل في الغالب؛ لأن هناك أدوات غير التي ذكر المؤلف. الأولى: قوله: «إن» بدأ بها لأنها أم الباب، والنحويون يجعلون لكل باب أُمّاً، فإنَّ وأخواتها الأم إنَّ، وكان وأخواتها الأم كان، وأدوات الشرط الأم إنْ، والاستفهام الأم الهمزة، وعلامة الأم كثرة الاستعمال وسعته؛ لأن بعض الأدوات تكون متفقة في شيء من الأشياء، لكن لا تستعمل في بعض الأشياء، وتكون الأم مختصة بخصائص دون غيرها، مثل: «كان» تختص بخمسة أمور لا تشاركها فيها غيرها من أخواتها، و «إن» تختص بأمور تأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ ما تشاركها فيها غيرها من الأدوات. وقوله: «إن» مثل أن يقول: أنت طالق إن قمت، أو إن قمت فأنت طالق، فلا فرق بين أن يؤخر الشرط، أو يقدم. الثانية: قوله: «وإذا» بأن يقول لزوجته: إذا قمت فأنت طالق، أو أنت طالق إذا قمت. الثالثة: قوله: «ومتى» مثل متى قمت فأنت طالق، أو أنت طالق متى قمت. الرابعة: قوله: «وأي» بتشديد الياء، بخلاف «أي» المخففة المسكنة، فليست من أدوات الشرط، مثل أن يقول: أيّ امرأة تقوم منكن فهي طالق، وهل هي للزمان، أو للمكان، أو للعاقل، أو لغير العاقل؟ بحسب ما تضاف إليه، فأي امرأة تقوم، هذه

стр. 5349

للعاقل، أي سيارة تركبها لغير العاقل، وأي وقت تزورني أكرمك، للزمان، وأي مكان تنزل فأنت مُقرَّب، هذه للمكان، والمراد بها هنا في باب الشروط العاقل، وكذلك الزمان، والمكان. الخامسة: قوله: «ومن» بفتح الميم وسكون النون، احترازاً من «مِنْ» فإن «مِن» حرف جر، و «مَنْ» هنا شرطية، مثل أن يقول: من قامت فهي طالق، فأي امرأة تقوم تكون طالقاً. السادسة: قوله: «وكلما» تدخل على الفعل، مثل أن يقول: كلما قمت فأنت طالق. قوله: «وهي وحدها للتكرار» أي «كلما» وحدها دون سائر الأدوات للتكرار، فهذا من خصائصها، فإذا قال لزوجته: كلما قمت فأنت طالق، فقامت تطلق، ثم قامت ثانية تطلق، ثم قامت ثالثة تطلق، بخلاف «إن» مثلاً، فلا تفيد التكرار، فإذا قال لها: إن قمت فأنت طالق، ثم قامت طلقت، فإذا قامت ثانية لم تطلق. وأدوات الشرط تنقسم باعتبار التكرار إلى قسمين: ما يفيد التكرار، وما لا يفيد التكرار، والذي يفيد التكرار «كلما» فقط، ومعنى التكرار أنه كلما تكرر الشرط وقع الطلاق. و «كلما» ما عَدَّها النحويون من أدوات الشرط الجازمة، لكنها من أدوات الشرط غير الجازمة. قوله: «وكلها» يعني كل أدوات الشرط المذكورة. السابعة: قوله: «ومهما» مثالها: مهما فعلت كذا فأنت طالق.

стр. 5350

بِلَا لَمْ أَوْ نِيَّةِ فَوْرٍ، أَوْ قَرِينَةٍ لِلتَّرَاخِي، وَمَعَ لَمْ لِلْفَوْرِ إِلاَّ إِنْ مَعَ عَدَمِ نِيَّةِ فَوْرٍ أَوْ قَرِينَةٍ، ................... قوله: «بلا لم، أو نية فور، أو قرينة للتراخي» هل هذه الأدوات للفورية أو للتراخي؟ نقول: حسب نيته، إن نوى الفورية فهي للفورية، وإن نوى التراخي فهي للتراخي، فإذا قال: إن قمت فأنت طالق، فهل المراد إن قمت الآن، أو إن قمت في أي وقت؟ حسب نيته، إن كان يريد إن قمت الآن فهي إذا قامت فيما بعد لم تطلق، وإن كان يريد إن قمت في أي وقت، ففي أي وقت تقوم فيه تطلق، كذلك لو وجد قرينة تدل على أن المراد الآن أو في هذه الحال عمل بها، مثل أن يقال له: بيت فلان عنده زواج، لكن فيه آلات تصوير، فقال لها: إن ذهبت إلى بيت فلان فأنت طالق، فالقرينة تدل على أنها إذا ذهبت في هذه الحال، فتكون للفورية، أما فيما بعد فهي لا زالت تذهب إلى جيرانها، أو إلى أقاربها، ولا يقول شيئاً. فإن لم توجد قرينة ولا نية يقول المؤلف: «ومع لم للفور» فإذا لم يوجد نية ولا قرينة فإن هذه الأدوات مع «لم» للفور، وبدون «لم» للتراخي.

стр. 5351

قوله: «إلا إِنْ مع عدم نية فور أو قرينة» فإنها تكون للتراخي حتى مع «لم». مثال ذلك: إذا لم تقومي فأنت طالق، فنقول: ما قصدك؟ هل الآن أو فيما بعد؟ فإن قال: ما لي نية، ولا توجد قرينة، فتكون للتراخي. مثال آخر: أيُّ امرأة منكن لم تقم فهي طالق، ننظر إذا لم تكن ما عنده نية فالمراد الآن، لوجود لم. كذلك كلما لم تقومي فأنت طالق، هذه تكون للفور لوجود لم، ومع عدم «لم» تكون للتراخي، فإذا قال لها: إذا قمت فأنت طالق، وما عنده لا نية ولا قرينة فتكون للتراخي، فمتى ما قامت طلقت. فإذا قال: إن لم تقومي فأنت طالق فإنها تكون للتراخي؛ لأن «إنْ» لا تتأثر بـ «لم»؛ لأنها هي الأم، وإذا كانت هي الأم فلا بد أن نعطيها شيئاً تتميز به عن سائر الأدوات، فلهذا «لم» لا تؤثر فيها. والخلاصة أن هذه الأدوات فيها مبحثان: الأول: هل هي للتكرار، أو تصدق بفعل الشيء مرة واحدة؟ الجواب: «كلما» للتكرار، والباقي لغير التكرار، ومعنى التكرار أنه إذا قال: كلما قمت فأنت طالق، فقامت مرة طلقت، ثم قامت الثانية طلقت، ثم قامت الثالثة طلقت، وإذا قال: إن قمت فأنت طالق فقامت مرة طلقت، ثم قامت ثانية لا تطلق. الثاني: هل هي للفور أو للتراخي؟ بمعنى أنه إذا قال: إن قمت فأنت طالق مثلاً، فهل المراد إن قمت الآن أو مطلقاً؟ نقول: نرجع إلى شيئين: النية والقرينة، فإذا كان له نية للفورية فهي للفور، وإذا كان هناك قرينة تدل على الفورية فإنها تكون للفور، فإذا لم يكن كذلك، ونوى التراخي، أو قامت قرينة تدل على التراخي، فهو للتراخي، فإذا لم يكن شيء لا نية فورية، ولا قرينة، ولا نية تراخٍ، ولا قرينة، فتكون للتراخي، إلا مع «لم» فإنها للفور ما عدا «إن».

стр. 5352

فصارت «إن» إذا لم يوجد نية فور، أو قرينة للتراخي مطلقاً، أما غير «إن» فإذا لم يوجد نية ولا قرينة إن اقترنت بها «لم» فهي للفور، وإن لم تقترن فهي للتراخي. وهذا التفصيل مهم؛ لأنه ينبني عليه أشياء تأتينا فيما بعد، وهو ـ أيضاً ـ مقتضى اللغة العربية، أما بالنسبة للعرف فالظاهر أن الناس لا يفرقون، فلا يفرق العامي بين أن يقول لزوجته: متى لم تقومي فأنت طالق، وبين قوله: إن لم تقومي فأنت طالق، لكن في اللغة العربية هو هذا الذي ذكره الفقهاء ﵏، فيفرقون بين «إن» وغيرها، ولكن لاحظ أن هذا التفريق ـ أيضاً ـ قبله مرحلتان وهما النية والقرينة، والغالب أنه لا بد أن يوجد نية أو قرينة، لكن لو فرض أن أحداً أرسل هذه الكلمة، ولم يقصد شيئاً فإننا نقول له: «إنْ» للتراخي مطلقاً، وما سواها للتراخي إلا مع «لم» فتكون للفور، وما سيأتي أمثلة وتطبيق، ولكن أهم شيء أن يعرف الإنسان القاعدة، فإذا عرف القاعدة سهل عليه التطبيق. فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ، أَوْ إِذَا، أَوْ مَتَى، أَوْ أَيُّ وَقْتٍ، أَوْ مَنْ قَامَتْ، أَوْ كُلَّمَا قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَتَى وُجِدَ طَلَقَتْ، وَإِنْ تَكَرَّرَ الشَّرْطُ لَمْ يَتَكَرَّرِ الحِنْثُ، إِلاَّ فِي كُلَّمَا، وَإِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ وَلَمْ يَنْوِ وَقْتاً، وَلَمْ تقُمْ قَرِينَةٌ بِفَوْرٍ، وَلَمْ يُطَلِّقْها، طَلَقَتْ فِي آخِرِ حَيَاةِ أَوَّلِهِمَا مَوْتاً، .................. قوله: «فإذا قال: إن قمت» يعني فأنت طالق. قوله: «أو إذا» يعني إذا قمت فأنت طالق. قوله: «أو متى» يعني متى قمت فأنت طالق. قوله: «أو أي وقت» يعني أي وقت قمت فأنت طالق. قوله: «أو من قامت» يعني فهي طالق. قوله: «أو كلما قمت فأنت طالق، فمتى وجد طلقت» أي: متى وجد الشرط وهو القيام طلقت.

стр. 5353

قوله: «وإن تكرر الشرط لم يتكرر الحنث إلا في كلما» يعني إن وجد القيام منها عدة مرات لم يتكرر الطلاق، إلا في «كلما» لأنها للتكرار. قوله: «وإن لم أطلقْكِ فأنت طالق، ولم ينو وقتاً، ولم تقم قرينة بفورٍ، ولم يطلقها، طلقت في آخر حياة أولهما موتاً» إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق، «إن» لا تؤثر عليها «لم» فنقول: هل نيتك إن لم أطلقك اليوم؟ فإن قال: قصدي إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق، فإن طلقها اليوم طلقت، وإن لم يطلقها، فإذا غابت الشمس من ذلك اليوم طلقت. كذلك ـ أيضاً ـ إذا قامت القرينة على أن المعنى إذا لم أطلقك الآن لغضبه، فإذا مضى جزء من الوقت يمكنه أن يقول فيه: أنت طالق، فلم يقل طلقت؛ لأن هنا قرينة تدل على أنه أراد الفورية، لكن إذا لم يكن هناك قرينة ولا نية وقال: إن لم أطلقك فأنت طالق تحمل على مدى الحياة، فتطلق في آخر حياة أولهما موتاً، فإن مات قبلها طلقت في آخر حياته، فتطلق إذا بقي على خروج روحه أقل من قوله: أنت طالق؛ لأنه ما دام عندنا زمن يتسع لقوله: أنت طالق فيمكن أن يطلق فيه، لكن إذا لم يبق على خروج روحه إلا أقل من قوله: أنت طالق، فحينئذٍ تطلق. والسبب أن الزوج إذا ذهبت حياته ولم يطلق يجب أن تطلق، وهي ـ أيضاً ـ إذا ماتت انقطعت علاقته منها، ولا يمكن

стр. 5354

أن يقع عليها طلاق، ولهذا نقول: تطلق في آخر حياة أولهما موتاً. وَمَتَى لَمْ، أَوْ إِذَا لَمْ، أَوْ أَيُّ وَقْتٍ لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ إِيقَاعُهُ فِيهِ وَلَمْ يَفْعَلْ طَلَقَتْ، وَكُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَمَضَى مَا يُمْكِنُ إِيقَاعُ ثَلَاثٍ مُرتَّبَةٍ فِيهِ طَلَقَتِ المَدخُولُ بِهَا ثَلَاثاً، وَتبِينُ غَيْرُهَا بِالأُْولَى، وَإِنْ قُمْتِ فَقَعَدْتِ، أَوْ ثُمَّ قَعَدْتِ، أَوْ إِنْ قَعَدتِ إِذَا قُمْتِ، أَوْ إِنْ قَعَ دتِ إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ لَمْ تَطْلُقْ، حَتَّى تَقُومَ ثُمَّ تَقْعُدَ، ........... قوله: «ومتى لم، أو إذا لم، أو أي وقت لم أطلقك فأنت طالق، ومضى زمن يمكن إيقاعه فيه ولم يفعل طلقت» لأن الأدوات ما عدا «إن» مع «لم» للفورية، فإذا قال: متى لم أطلقك فأنت طالق، ومضى زمن يمكنه أن يقول فيه: أنت طالق ولم يفعل طلقت؛ لأنه صدق عليه أنه لم يطلقها. قوله: «وكلما لم أطلقك فأنت طالق، ومضى ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثاً» كأن قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق، فمضى زمن يمكن إيقاع ثلاث مرتبة تطلق ثلاثاً؛ لأن «كلما» تفيد التكرار. وحينئذٍ إذا قال مثل هذه الصيغة نقول: من الأحسن أن تقول مباشرة: أنت طالق؛ لأنه إذا قال: أنت طالق، صار الطلاق رجعياً؛ لأنها تطلق واحدة فقط فلا يقع عليها الثلاث؛ لأنه يقول: كلما لم أطلقك فأنت طالق، فإذا قال: أنت طالق فقد بَرَّ في يمينه، أما إذا لم يفعل فكلما مضى زمن يمكن أن يقول: أنت طالق طلقت، ثم الزمن الثاني أنت طالق طلقت، ثم الزمن الثالث أنت طالق طلقت؛ لأن «كلما» تفيد التكرار.

стр. 5355

فإن قال قائل: لماذا لا تقولون: إنه لما وقع الطلاق عليها بأول جزء صدق عليه أنه طلقها، فلا تلحقها الطلقتان الأخريان؟ فالجواب: أن الظاهر من كلامه «كلما لم أطلقك»، أي: باللفظ، ومعلوم أن مدلول الكلام مقصود. قوله: «وتبين غيرها بالأولى» لأن غير المدخول بها إذا طلقها مرة بانت، ولا يلحقها طلاقه ثانية؛ لأنه لا عدة لها، فلو أن رجلاً قال لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق، ثم قال حالاً: أنت طالق، فالثانية لا تقع؛ لأنها بانت منه بالأولى، فلا يلحقها طلاق. قوله: «وإن قمت فقعدت، أو ثم قعدت، أو إن قعدت إذا قمت، أو إن قعدت إن قمت فأنت طالق لم تطلق حتى تقوم، ثم تقعد» هذه عدة مسائل: الأولى: قال: إن قمت فقعدت فأنت طالق، ما تطلق حتى تقوم وتقعد، والفاء تدل على الترتيب باتصال، فلو قعدت ثم قامت ما تطلق. الثانية: قال: إن قمت ثم قعدت ـ أيضاً ـ ما تطلق حتى تقوم ثم تقعد، لكن ثم للتراخي كما قال ابن مالك ﵀: وَالفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ باتِّصَالِ … وثُمَّ للترتيبِ بِانْفِصَالِ الثالثة: قال: إن قعدت إذا قمت، فتطلق إذا قامت ثم

стр. 5356

قعدت، كأنه قال: إن قعدت من قيام فأنت طالق، فلا تطلق حتى تقوم ثم تقعد. الرابعة: قال: أنت طالق إن قعدت إن قمت، كذلك ما تطلق حتى تقوم ثم تقعد. أما المسألتان الأوليان فظاهر الترتيب فيهما؛ لأنه قال: إن قمت فقعدت، والثانية قال: إن قمت ثم قعدت. وأما المسألتان الأخريان فالترتيب فيهما؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع شرط في شرط فإن المتأخر منهما متقدم زمناً؛ لأن هذا شرط علق على شرط، والمعلق عليه لا بد أن يتقدم المعلَّق، فقوله: إن قمت إن قعدت المتأخر لفظاً هو القعود، فيكون هو المتقدم زمناً، قال الشاعر: إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معاقِل عِزٍّ زانها كرمُ والاستغاثة تكون بعد الذعر، فلهذا إذا جاء شرط في شرط فإن المتأخر لفظاً متقدم زمناً، فإذا قال: إن قمت إن قعدت فالقعود قبل القيام، وكذلك إن قمت إذا قعدت، فالقعود قبل القيام، وإن قال: إن أكلت إن شربت فأنت طالق مثله، يتقدم الشراب؛ فإن قيل: ألا يحتمل أن قوله: «إن أكلت إن شربت» أنه على تقدير العطف، يعني إن أكلت وإن شربت فأنت طالق؟ نقول: نعم لا بد من وجود أكل وشرب، لكن أيهما الأسبق؟ فالمتأخر لفظاً وهو الشرب هو الأسبق. وَبِالْوَاوِ تَطْلُقُ بِوُجُودِهِمَا، وَلَوْ غَيْرَ مُرَتَّبَيْنِ، وَبِأَوْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا. قوله: «وبالواو تَطلُق بوجودهما» فإن قال: أنت طالق إن قمت وقعدت، تطلق بوجودهما.

стр. 5357

قوله: «ولو غير مرتبين» سواء تقدم القعود أو القيام. قوله: «وبأو بوجود أحدهما» إن قمت أو قعدت فأنت طالق، فإنها تطلق بوجود أحدهما؛ لأن «أو» لأحد الشيئين. ذكر في الروض (١) مسألة غريبة قال: «وإن علق الطلاق على صفات فاجتمعت في عين، كإن رأيتِ رجلاً فأنت طالق، وإن رأيتِ أسود فأنت طالق، وإن رأيتِ فقيهاً فأنت طالق، فرأت رجلاً أسود فقيهاً طلقت ثلاثاً»؛ لأنها صدق عليها أنها رأت رجلاً، وأنها رأت أسود، وأنها رأت فقيهاً، فتطلق لاجتماع الصفات الثلاث في عين واحدة؛ تغليباً للصفة. وقيل: لا تطلق؛ لأن الأيمان ترجع إلى العرف، والعرف أن الإنسان إذا قال: إن رأيت رجلاً، وإن رأيت أسود، وإن رأيت فقيهاً يقتضي تعدد الأشخاص، فإذا وجد ما يدل على أنه أراد التعدد عمل به، وهذا هو الصحيح.

стр. 5358

فَصْلٌ إِذَا قَالَ: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلَقَتْ بِأَوَّلِ حَيْضٍ مُتَيَقَّنٍ، وَإِذَا حِضْتِ حَيْضَةً تَطْلُقُ بِأَوَّلِ الطُّهْرِ مِنْ حَيْضَةٍ كَامِلَةٍ، وَفِي: إِذَا حِضْتِ نِصْفَ حَيْضَةٍ تَطْلُقُ فِي نِصْفِ عَادَتِهَا. هذا الفصل ذكر فيه المؤلف تعليق الطلاق بالحيض، بأوله وبآخره وبأثنائه؛ وكان شيخنا (١) ﵀ إذا وصلناها تجاوزناها؛ لأنه يقول: كلها أمثلة لكن نحن نقرؤها؛ لأنه ربما تعرض مسألة مهمة. قوله: «إذا قال: إن حضت فأنت طالق طلقت بأول حيض متيقن» مع أن هذا الطلاق حرام وبدعة، لكن المذهب يرون أن الطلاق البدعي يقع، وسبق أن الصحيح أنه لا يقع. قوله: «وإذا حضت حيضة تطلق بأول الطهر من حيضة كاملة» واضح؛ لأنه قال: إذا حضت حيضة. قوله: «وفي: إذا حضت نصف حيضة تطلق في نصف عادتها» (٢).

стр. 5359

فَصْلٌ إِذَا عَلَّقَهُ بِالْحَمْلِ فَوَلَدَتْ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ طَلَقَتْ مُنْذُ حَلَفَ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلاً فَأَنْتِ طَالِقٌ حَرُمَ وَطْؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا بِحَيْضَةٍ فِي البَائِنِ، ....................................... قوله: «إذا علقه بالحمل فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف» إذا قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف؛ لأننا تيقنا أنها كانت حاملاً عند قوله: إن كنت حاملاً فأنت طالق؛ لماذا نقول: إنها طلقت منذ حملت؟ لأن أقل الحمل ستة أشهر، وانتبه لقوله: «منذ حلف» فهذا من باب التجوز؛ لأن هذا المذكور تعليق محض وليس يميناً؛ لأنه علقه على الحمل، والحمل ليس من فعلها حتى نقول: إنه يريد به اليمين. قوله: «وإن قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق حرم وطؤها قبل استبرائها بحيضة في البائن» في الأولى قال: إن كنت حاملاً، وهنا قال: إن لم تكوني حاملاً، ففي الأول إثبات وفي الثاني نفي، فإذا قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، نقول: ما يجوز أن تطأها حتى تحيض إذا كانت بائناً، أما إذا كانت رجعية فلا حرج؛ لأنه يجوز أن يطأها وتكون رجعة، لكن إذا كانت بائناً فهذه آخر طلقة فنقول: لا تطأها؛ لأنك لو وطئتها اشتبه علينا الأمر، فقد تكون الآن غير حامل فتطؤها وهي بائن. وإلى متى لا يطؤها؟ الجواب: حتى تحيض، فإذا حاضت عرفنا أنها لم تكن حاملاً حين قوله: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق.

стр. 5360

وَهِيَ عَكْسُ الأُولَى فِي الأَحْكَامِ، وَإِنْ عَلَّقَ طَلْقَةً إِنْ كَانَتْ حَامِلاً بِذَكَرٍ، وَطَلْقتَيْنِ بأُنْثَى فَوَلَدَتْهُمَا طَلَقَتْ ثَلَاثاً، وَإِنْ كَانَ مَكَانَهُ: إِنْ كَانَ حَمْلُكِ، أَوْ مَا فِي بَطْنِكِ لَمْ تَطْلُقْ بِهِمَا. قوله: «وهي عكس الأولى في الأحكام» قال في الروض (١): «فإن ولدت لأكثر من أربع سنين طلقت؛ لأنا تبينا أنها لم تكن حاملاً، وكذا إن ولدت لأكثر من ستة أشهر وكان يطأ؛ لأن الأصل عدم الحمل» نقول: هذه المسألة عكس الأولى في الأحكام؛ لأنها عكسها في الصورة، فالأولى إن كنت حاملاً، والثانية إن لم تكوني حاملاً، فيكون المدار على أربع سنين؛ لأنه أكثر مدة الحمل؛ فإذا مضى أربع سنين ولم تضع الحمل ثم وضعته بعد الأربع علمنا أن الطلاق قد وقع؛ لأنه لا يمكن ـ على رأي الفقهاء ـ أن يزيد الحمل على أربع سنوات، وإذا ولدت لأكثر من ستة أشهر وهو يطأ مع أنه يحرم عليه إذا كانت بائناً فإنها في هذه الحال لا تطلق؛ لأننا ما علمنا أنها لم تكن حاملاً، إذ إن الرجل يطأ وقد ولدت لأكثر من ستة أشهر. والأصل عدم الحمل فإن ولدت لأقل من ستة أشهر لم تطلق مطلقاً سواء كان يطأ أم لم يكن يطأ؛ لأنه يقول: إن لم تكن حاملاً وقد تيقنا أنها حامل؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر. قوله: «وإن علق طلقة إن كانت حاملاً بذَكَرٍ، وطلقتين بأنثى فولدتهما طلقت ثلاثاً» قال: إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقة، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين؛ لأن الولد أحب إليه من الأنثى، لكن المرأة ولدت توأماً يعني ولدت ذكراً وأنثى تطلق ثلاثاً؛ لأن الذكر له طلقة، والأنثى لها طلقتان.
следующие страницы →