← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

قعدت، كأنه قال: إن قعدت من قيام فأنت طالق، فلا تطلق حتى تقوم ثم تقعد. الرابعة: قال: أنت طالق إن قعدت إن قمت، كذلك ما تطلق حتى تقوم ثم تقعد. أما المسألتان الأوليان فظاهر الترتيب فيهما؛ لأنه قال: إن قمت فقعدت، والثانية قال: إن قمت ثم قعدت. وأما المسألتان الأخريان فالترتيب فيهما؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع شرط في شرط فإن المتأخر منهما متقدم زمناً؛ لأن هذا شرط علق على شرط، والمعلق عليه لا بد أن يتقدم المعلَّق، فقوله: إن قمت إن قعدت المتأخر لفظاً هو القعود، فيكون هو المتقدم زمناً، قال الشاعر: إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معاقِل عِزٍّ زانها كرمُ والاستغاثة تكون بعد الذعر، فلهذا إذا جاء شرط في شرط فإن المتأخر لفظاً متقدم زمناً، فإذا قال: إن قمت إن قعدت فالقعود قبل القيام، وكذلك إن قمت إذا قعدت، فالقعود قبل القيام، وإن قال: إن أكلت إن شربت فأنت طالق مثله، يتقدم الشراب؛ فإن قيل: ألا يحتمل أن قوله: «إن أكلت إن شربت» أنه على تقدير العطف، يعني إن أكلت وإن شربت فأنت طالق؟ نقول: نعم لا بد من وجود أكل وشرب، لكن أيهما الأسبق؟ فالمتأخر لفظاً وهو الشرب هو الأسبق. وَبِالْوَاوِ تَطْلُقُ بِوُجُودِهِمَا، وَلَوْ غَيْرَ مُرَتَّبَيْنِ، وَبِأَوْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا. قوله: «وبالواو تَطلُق بوجودهما» فإن قال: أنت طالق إن قمت وقعدت، تطلق بوجودهما.

стр. 5357

قوله: «ولو غير مرتبين» سواء تقدم القعود أو القيام. قوله: «وبأو بوجود أحدهما» إن قمت أو قعدت فأنت طالق، فإنها تطلق بوجود أحدهما؛ لأن «أو» لأحد الشيئين. ذكر في الروض (١) مسألة غريبة قال: «وإن علق الطلاق على صفات فاجتمعت في عين، كإن رأيتِ رجلاً فأنت طالق، وإن رأيتِ أسود فأنت طالق، وإن رأيتِ فقيهاً فأنت طالق، فرأت رجلاً أسود فقيهاً طلقت ثلاثاً»؛ لأنها صدق عليها أنها رأت رجلاً، وأنها رأت أسود، وأنها رأت فقيهاً، فتطلق لاجتماع الصفات الثلاث في عين واحدة؛ تغليباً للصفة. وقيل: لا تطلق؛ لأن الأيمان ترجع إلى العرف، والعرف أن الإنسان إذا قال: إن رأيت رجلاً، وإن رأيت أسود، وإن رأيت فقيهاً يقتضي تعدد الأشخاص، فإذا وجد ما يدل على أنه أراد التعدد عمل به، وهذا هو الصحيح.

стр. 5358

فَصْلٌ إِذَا قَالَ: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلَقَتْ بِأَوَّلِ حَيْضٍ مُتَيَقَّنٍ، وَإِذَا حِضْتِ حَيْضَةً تَطْلُقُ بِأَوَّلِ الطُّهْرِ مِنْ حَيْضَةٍ كَامِلَةٍ، وَفِي: إِذَا حِضْتِ نِصْفَ حَيْضَةٍ تَطْلُقُ فِي نِصْفِ عَادَتِهَا. هذا الفصل ذكر فيه المؤلف تعليق الطلاق بالحيض، بأوله وبآخره وبأثنائه؛ وكان شيخنا (١) ﵀ إذا وصلناها تجاوزناها؛ لأنه يقول: كلها أمثلة لكن نحن نقرؤها؛ لأنه ربما تعرض مسألة مهمة. قوله: «إذا قال: إن حضت فأنت طالق طلقت بأول حيض متيقن» مع أن هذا الطلاق حرام وبدعة، لكن المذهب يرون أن الطلاق البدعي يقع، وسبق أن الصحيح أنه لا يقع. قوله: «وإذا حضت حيضة تطلق بأول الطهر من حيضة كاملة» واضح؛ لأنه قال: إذا حضت حيضة. قوله: «وفي: إذا حضت نصف حيضة تطلق في نصف عادتها» (٢).

стр. 5359

فَصْلٌ إِذَا عَلَّقَهُ بِالْحَمْلِ فَوَلَدَتْ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ طَلَقَتْ مُنْذُ حَلَفَ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلاً فَأَنْتِ طَالِقٌ حَرُمَ وَطْؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا بِحَيْضَةٍ فِي البَائِنِ، ....................................... قوله: «إذا علقه بالحمل فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف» إذا قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف؛ لأننا تيقنا أنها كانت حاملاً عند قوله: إن كنت حاملاً فأنت طالق؛ لماذا نقول: إنها طلقت منذ حملت؟ لأن أقل الحمل ستة أشهر، وانتبه لقوله: «منذ حلف» فهذا من باب التجوز؛ لأن هذا المذكور تعليق محض وليس يميناً؛ لأنه علقه على الحمل، والحمل ليس من فعلها حتى نقول: إنه يريد به اليمين. قوله: «وإن قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق حرم وطؤها قبل استبرائها بحيضة في البائن» في الأولى قال: إن كنت حاملاً، وهنا قال: إن لم تكوني حاملاً، ففي الأول إثبات وفي الثاني نفي، فإذا قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، نقول: ما يجوز أن تطأها حتى تحيض إذا كانت بائناً، أما إذا كانت رجعية فلا حرج؛ لأنه يجوز أن يطأها وتكون رجعة، لكن إذا كانت بائناً فهذه آخر طلقة فنقول: لا تطأها؛ لأنك لو وطئتها اشتبه علينا الأمر، فقد تكون الآن غير حامل فتطؤها وهي بائن. وإلى متى لا يطؤها؟ الجواب: حتى تحيض، فإذا حاضت عرفنا أنها لم تكن حاملاً حين قوله: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق.

стр. 5360

وَهِيَ عَكْسُ الأُولَى فِي الأَحْكَامِ، وَإِنْ عَلَّقَ طَلْقَةً إِنْ كَانَتْ حَامِلاً بِذَكَرٍ، وَطَلْقتَيْنِ بأُنْثَى فَوَلَدَتْهُمَا طَلَقَتْ ثَلَاثاً، وَإِنْ كَانَ مَكَانَهُ: إِنْ كَانَ حَمْلُكِ، أَوْ مَا فِي بَطْنِكِ لَمْ تَطْلُقْ بِهِمَا. قوله: «وهي عكس الأولى في الأحكام» قال في الروض (١): «فإن ولدت لأكثر من أربع سنين طلقت؛ لأنا تبينا أنها لم تكن حاملاً، وكذا إن ولدت لأكثر من ستة أشهر وكان يطأ؛ لأن الأصل عدم الحمل» نقول: هذه المسألة عكس الأولى في الأحكام؛ لأنها عكسها في الصورة، فالأولى إن كنت حاملاً، والثانية إن لم تكوني حاملاً، فيكون المدار على أربع سنين؛ لأنه أكثر مدة الحمل؛ فإذا مضى أربع سنين ولم تضع الحمل ثم وضعته بعد الأربع علمنا أن الطلاق قد وقع؛ لأنه لا يمكن ـ على رأي الفقهاء ـ أن يزيد الحمل على أربع سنوات، وإذا ولدت لأكثر من ستة أشهر وهو يطأ مع أنه يحرم عليه إذا كانت بائناً فإنها في هذه الحال لا تطلق؛ لأننا ما علمنا أنها لم تكن حاملاً، إذ إن الرجل يطأ وقد ولدت لأكثر من ستة أشهر. والأصل عدم الحمل فإن ولدت لأقل من ستة أشهر لم تطلق مطلقاً سواء كان يطأ أم لم يكن يطأ؛ لأنه يقول: إن لم تكن حاملاً وقد تيقنا أنها حامل؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر. قوله: «وإن علق طلقة إن كانت حاملاً بذَكَرٍ، وطلقتين بأنثى فولدتهما طلقت ثلاثاً» قال: إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقة، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين؛ لأن الولد أحب إليه من الأنثى، لكن المرأة ولدت توأماً يعني ولدت ذكراً وأنثى تطلق ثلاثاً؛ لأن الذكر له طلقة، والأنثى لها طلقتان.

стр. 5361

قوله: «وإن كان مكانه: إن كان حملك، أو ما في بطنك لم تطلق بهما». إن قال: إن كان حملك ولداً فأنت طالق طلقة، وإن كان حملك أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت ذكراً وأنثى فلا تطلق؛ لأن حملها لم يكن واحداً؛ بل كان ذكراً وأنثى، وهو يقول: إن كان حملك ذكراً، وإن كان حملك أنثى، بخلاف قولهم: إن كنت حاملاً بذكر وإن كنت حاملاً بأنثى، وهذه من دقائق العلم التي ما ينتبه لها إلا طلبة العلم.

стр. 5362

فَصْلٌ إِذَا عَلَّقَ طَلْقَةً عَلَى الْوِلَادَةِ بِذَكَرٍ، وَطَلْقَتَيْنِ بأُنْثَى، فَوَلَدَتْ ذَكَرَاً ثُمَّ أُنْثَى حَيّاً أَوْ مَيِّتَاً طَلَقَتْ بالأَوَّلِ، وَبَانَتْ بالثَّانِي، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ، وَإِنْ أَشْكَلَ كَيْفِيَّةُ وَضْعِهِمَا فَوَاحِدَةً. قوله: «إذا علق طلقة على الولادة بذكر، وطلقتين بأنثى، فولدت ذكراً ثم أنثى حياً أو ميتاً» إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين بأنثى، بأن قال: إن ولدت ذكراً فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت ذكراً ثم أنثى. قوله: «طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به» طلقت بالأول؛ لأنها ولدت ذكراً، وبانت بالثاني؛ لأنها لما ولدت الذكر الأول وطلقت شرعت في العدة، والعدة ما بين الأول والثاني دقائق، فلما ولدت الثاني انتهت عدتها فبانت بالثاني، وإذا بانت لا تلحقها الطلقة؛ لأنها وقعت عليها وهي بائن من زوجها. مثال ذلك: رجل قال لزوجته: إن ولدت ذكراً فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت أولاً ذكراً فتطلق؛ لأنها ولدت ذكراً فحلَّ عليها الطلاق، فإذا ولدت أنثى بعده لم تطلق لكنها تبين بالأنثى؛ لأنها انتهت عدتها بولادة البنت، فصادف الطلاق امرأة بائناً، والمرأة البائن لا يقع عليها الطلاق. قوله: «وإن أشكل كيفية وضعهما فواحدة» إذا قال: ما أدري هل وضعت الذكر أولاً، أو الأنثى، أو جميعاً؟ فإنها تكون واحدة لأن الواحدة متيقنة وما زاد عليها فمشكوك فيه.

стр. 5363

فَصْل ٌ إِذَا عَلَّقَهُ عَلَى الطَّلَاقِ ثُمَّ عَلَّقَهُ عَلَى الْقِيَامِ، أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى القِيَامِ ثُمَّ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَقَامَتْ، طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ فِيهِمَا، وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى قِيَامِهَا ثُمَّ عَلَى طَلَاقِهِ لَها فَقَامَتْ فَوَاحِدَةً، وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ أَوْ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوُجِدَا، طَلَقَتْ فِي الأُولى طَلْقَتَيْنِ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثاً. قوله: «إذا علقه على الطلاق ثم علقه على القيام، أو علقه على القيام ثم على وقوع الطلاق، فقامت، طلقت طلقتين فيهما» بأن قال: إن طلقتك فأنت طالق، ثم علقه على القيام مرة ثانية، فقال: إن قمت فأنت طالق، فقامت فإنها تطلق طلقتين، أما الأولى فواضحة، وأما الثانية فلأنه قال: إن طلقتك فأنت طالق، فلما قامت وقع عليها الطلاق فتطلق طلقتين. وقوله: «فيهما» أي في الصورتين، واحدة بقيامها، وأخرى بتطليقها الحاصل بالقيام في الصورة الأولى. قوله: «وإن علقه على قيامها ثم على طلاقه لها فقامت فواحدة» إذا علق الطلاق على القيام، ثم علقه على طلاقه لها فقامت «فواحدة» أي: فتطلق واحدة بقيامها، ولم تطلق بتعليق الطلاق؛ لأنه لم يطلقها. قوله: «وإن قال: كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فوُجدا، طلقت في الأولى طلقتين وفي الثانية ثلاثاً» (١).

стр. 5364

فَصْلٌ إِذَا قَالَ: إِذَا حَلَفْتُ بطَلَاقِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ قُمْتِ طَلَقَتْ فِي الْحَالِ، لَا إِنْ عَلَّقَهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ؛ لأَنَّهُ شَرْطٌ لَا حَلِفٌ، وَإِنْ حَلَفْتُ بِطَلَاقِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَعَادَهُ مَرَّةً أُخْرَى طَلَقَتْ وَاحِدَةً، وَمَرَّتَيْنِ فَثِنْتَانِ، وَثَلَاثَاً فَثَلَاثٌ. قوله: «إذا قال: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: أنت طالق إن قمت طلقت في الحال، لا إن علقه بطلوع الشمس ونحوه؛ لأنه شرط لا حلف» إذا قال لها: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: أنت طالق إن قمت تطلق؛ لأن قوله: «أنت طالق إن قمت» حلف. وإذا قال: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، لا تطلق؛ لأن قوله: «إذا طلعت الشمس فأنت طالق» شرط محض، فلا تطلق إلا إذا طلعت الشمس، وقد سبق أن تعليق الطلاق بالشروط ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ ـ حلف محض. ٢ ـ شرط محض. ٣ ـ ما يحتملهما، أي: الشرطية واليمين. فإذا قال: إذا طلعت الشمس فزوجتي طالق، فهذا شرط محض، فإذا طلعت الشمس تطلق. وإذا قال: إن كلَّمتُ زيداً فزوجتي طالق، فهذا حلف محض، فلا تطلق، ولكن يكفر كفَّارة يمين. وإذا قال: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، فهذا يحتمل أن

стр. 5365

يكون شرطاً ويحتمل أن يكون يميناً، فإن قصد منعها فهو يمين، وإن قصد وقوع الطلاق عليها بتكليم زيد فهو شرط يقع به الطلاق. وهذا الكلام من الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ يدل دلالة واضحة على أن ما اختاره شيخ الإسلام ﵀ من أن الطلاق المعلق يُقصد به اليمين أحياناً، فيكون له حكم اليمين. وعلى المذهب فيما إذا قال: «إن حلفتُ بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: أنت طالق إن قمت» تطلق، وإذا قامت تطلق ثانية؛ لأن القِسْم السابق في تعليق الطلاق بالشروط بناء على القول الرَّاجح، وليس على المذهب؛ لأن المذهب يعتبرون كل الطلاق المعلق بالشروط شرطاً محضاً يوقعون به الطلاق، وهذا يدل دلالة واضحة على أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو الحق؛ لأنهم أقرُّوا بالتفريق بين اليمين والشرط. قوله: «وإن حلفت بطلاقك فأنت طالق، أو إن كلمتك فأنت طالق وأعاده مرة أخرى طلقت واحدة» قال صاحب الروض (١): «لأن إعادته حلف وكلام» فإذا قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق تطلق؛ لأن ما عُلِّق به الطلاق وجد. وكذلك إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق ثم قال: إن كلمتك

стр. 5366

فأنت طالق تطلق؛ لأنه كلمها بالكلمة الأخيرة؛ ولهذا لو قال: أردت التوكيد فإنه يقبل. قوله: «ومرتين فثنتان، وثلاثاً فثلاث» إذا قال لها: إن كلمتك فأنت طالق لا تطلق، ثم قال: إن كلمتك فأنت طالق تطلق واحدة، ثم قال: إن كلمتك فأنت طالق تطلق ثانية، ثم قال: إن كلمتك فأنت طالق تطلق ثالثة؛ لأنه كلمها، وإذا قال رابعة: إن كلمتك فأنت طالق لا يقع عليها شيء؛ لأنها بانت

стр. 5367

فَصْلٌ إِذَا قَالَ: إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَحَقَّقِي، أَوْ قَالَ: تَنَحِّي، أَوِ اسْكُتِي؛ طَلَقَتْ، وَإِنْ بَدَأْتُكِ بِكَلَامٍ فَأنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: إِنْ بَدَأْتُكَ بِهِ فَعَبْدِي حُرٌّ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ مَا لَمْ يَنْوِ عَدَمَ البَدَاءَةِ فِي مَجْلِسٍ آخَر. قوله: «إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق فتحققي، أو قال: تنحي، أو اسكتي طلقت» إذا قال: إذا كلمتك فأنت طالق، ثم قال: افهمي طلقت، أو قال: تنحي، أو اسكتي فإنها تطلق؛ لأنه كلمها. قوله: «وإن بدأتك بالكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك به فعبدي حر انحلت يمينه» إذا قال ذلك، وقال: الحمد لله، فلا طلاق ولا عتاق؛ لأنه لم يبدأها بكلام، وهي لم تبدأه أيضاً. قوله: «ما لم ينو عدم البداءة في مجلس آخر» فإذا نوى ذلك فهو على ما نوى.

стр. 5368

فَصْلٌ إِذَا قال: إِنْ خَرَجْتِ بَغَيْرِ إِذْنِي، أَوْ إِلاَّ بِإِذْنِي، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ، أَوْ إِنْ خَرَجْتِ إِلَى غَيْرِ الحَمَّام بِغَيْرِ إِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ مَرَّةً بِإِذْنِهِ، ثُمَّ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَعْلَم، أَوْ خَرَجَتْ تُرِيدُ الحَمَّامَ وَغَيْرَهُ، أَوْ عَدَلَتْ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ طَلَقَتْ فِي الكُلِّ. قوله: «إذا قال: إن خرجت بغير إذني أو إلا بإذني، أو حتى آذن لك، أو إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق فخرجت مرة بإذنه، ثم خرجت بغير إذنه» إذا استأذنته في الخروج وأذن لها لا تطلق، ثم رجعت وخرجت من اليوم الثاني تطلق؛ لأنه أذن لها في مرة واحدة. وقيل: لا تطلق إلا إذا نوى أنه إنما أذن لها هذه المرة، فهو على نيته وإلا فلا تطلق؛ لأنه في إذنه لها في أول مرة انحلت يمينه، وهذا أصح؛ لأنه أحلَّها، إلا إذا قال: أذنت لك في هذه المرة فقط فهو على ما نوى. قوله: «أو أذن لها ولم تعلم» تطلق؛ لأنه قال: إن خرجت إلا بإذني، والآن حين خروجها هو آذن، لكن ما علمت هي، إذاً قد حنَّثته فتطلق، وهذا مبني على مسألة: هل ينعزل الوكيل قبل العلم أو لا ينعزل؟ وفيه خلاف. قوله: «أو خرجت تريد الحمَّام وغيره أو عدلت منه إلى غيره طلقت في الكل» هذه في صورة، وهي ما إذا قال: إذا خرجت إلى غير الحمام، فإذا خرجت تريد الحمام وغيره طلقت في الكل،

стр. 5369

لماذا وهو يقول: إن خرجت لغير الحمام، وهي هنا خرجت وجمعت بين الاثنين؟ يقولون: لأنها لما قصدت غير الحمام بخروجها صدق عليها أنها خرجت إلى غير الحمام. لَا إِنْ أَذِنَ فِيهِ كُلَّمَا شَاءَتْ، أَوْ قَالَ: إِلاَّ بِإِذْنِ زَيْدٍ، فَمَاتَ زَيْدٌ ثُمَّ خَرَجَتْ. قوله: «لا إن أذن فيه كلما شاءت» فإذا قال لها: أذنت لك في الخروج كلما شئت انحلت اليمين في كل وقت. قوله: «أو قال: إلا بإذن زيدٍ فمات زيدٌ ثم خرجت» إذا مات زيد انحلت اليمين؛ لأنه معلق على إذنه، وإذنه بعد موته مستحيل، وكذلك إذا مات زوجها وقد علق خروجها بإذنه بانت بموته.

стр. 5370

فَصْلٌ إِذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهَا بإِنْ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الحُرُوفِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ، وَلَوْ تَرَاخَى، فَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْتُ إِنْ شِئْتَ، فَشَاءَ لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ أَبُوكِ أَوْ زَيْدٌ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى يَشَاءَا مَعاً، وَإِنْ شَاءَ أَحَدُهُمَا فَلَا، وَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ وَقَعَا، ............................. قوله: «إذا علقه بمشيئتها بإن أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى» إذا قال لها: أنت طالق إن شئت، فلم تشأ إلا متراخياً، نقول: متى شاءت طَلَّقت نفسها، بل متى شاءت طَلَقَت حتى وإن لم تلفظ بالطلاق؛ لأنه علق ذلك بالمشيئة، وهذا في الحقيقة لا بأس به، لا نقول: إنه حرام، ولكن خلاف الأولى؛ لأنه إذا علقه بالمشيئة فلو غضبت امرأة على زوجها بأدنى شيء، قالت: طلقتك بالثلاث، هذا هو المعلوم في الغالب، لذلك لا ينبغي أن تجعل الطلاق الذي هو من أخطر الأمور معلقاً بمشيئة امرأة ناقصة العقل والدين، نعم إذا رأيت هناك سبباً يقتضي أن تعلقه بمشيئتها، مثل أن تراها متبرمة متعبة من الحياة معك، تقول لها: أنت لست مكرهة، متى شئت طلقي نفسك، فهذا قد نقول: إنه غرض صحيح. قوله: «فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ، فشاء لم تطلق» لأنه علقه على مشيئتها هي فلا يصح أن تردها، فيبقى الشرط معلقاً كما كان. قوله: «وإن قال: إن شئت وشاء أبوك، أو زيد لم يقع حتى يشاءا معاً، وإن شاء أحدهما فلا» أي: قال: تحبين أن أطلقك؟ فقالت: نعم، فقال: إن شئتِ وشاء أبوك فأنت طالق، فشاءت

стр. 5371

هي وأبى الأب، أو شاء الأب ولم تشأ هي لا تطلق؛ لأنه علقه على مشيئة الاثنين، فإن قال: إن شئت وشاء القاضي، فشاءت ولم يشأ القاضي لم تطلق. قوله: «وأنت طالق أو عبدي حر إن شاء الله وقعا» هذا تعليق بمشيئة الله ، وأتى بذكر العتق استطراداً، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله، فهل يقع أو لا يقع؟ منهم من قال: إن هذا تعليق على مستحيل، والتعليق على المستحيل مستحيل، فلا يقع الطلاق أبداً؛ ووجه كونه مستحيلاً: أننا لا نطلع على مشيئة الله إلا بعد وقوع ما يقع، فأنت لا تعلم أن الله أراد لك شيئاً إلا إذا وقع، وقبل وقوعه لا تدري أن الله شاءه أم لا. ومنهم من قال: إنه إذا قال: أنت طالق إن شاء الله وقع الطلاق بكل حال؛ لأنه لما قال: أنت طالق علمنا أن الله قد شاءه؛ إذ إن الإنسان لا يتكلم إلا بمشيئة الله، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله، قلنا: قد شاء الله أن تطلق، وعلمنا أن الله شاء ذلك من وقوعه، من قوله: أنت طالق، ونحن نعلم أن الله ـ تعالى ـ إذا وقع الفعل من العبد فإن مقتضاه لا بد منه، والقولان متقابلان تماماً. والقول الثالث وسط فإن أراد بقوله: إن شاء الله؛ أي إن شاء الله أن تطلقي بهذا القول فإن الطلاق يقع؛ لأننا نعلم أن الله تعالى يشاء الشيء إذا وجد سببه، وإن أراد بقوله: إن شاء الله، ـ أي: في طلاق مستقبل ـ فإنه لا يقع حتى يوقعه مرة ثانية في المستقبل، وهذا هو الصواب.

стр. 5372

فإن قال: أردت التبرك وما أردت التعليق، مثل قوله ﷺ في الحديث: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (١) يعني بأهل المقابر، ونحن لاحقون بهم قطعاً، فقيل: المراد التبرك، فإذا قال: أردت التبرك يقع، لكن هل في هذا بركة بالنسبة للمرأة؟ قد يكون، وقد لا يكون، لكن نقول: إرادة التبرك معناها التحقيق؛ لأن المريد للتبرك أراد أن يتحقق الأمر ببركة الله . وَإِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ طَلَقَتْ إِنْ دَخَلَتْ، وَأَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ أَوْ لِمَشِيئَتِهِ طَلَقَتْ فِي الحَالِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الشَّرْطَ قُبِلَ حُكْماً، وَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ رَأَيْتِ الهِلَالَ، فَإِنْ نَوَى رُؤْيَتَهَا لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَرَاهُ، وَإِلاَّ طَلَقَتْ بَعْدَ الغُرُوبِ بِرُؤْيَةِ غَيْرِهَا. قوله: «وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت» فإذا دخلت الدار علمنا أن الله تعالى شاء دخولها وشاء طلاقها؛ لأنه حصل المعلق عليه. قوله: «وأنت طالق لرضا زيد أو لمشيئته طلقت في الحال» «لرضا» اللام للتعليل، والعلة تسبق المعلل، فإذا قال: أنت طالق لرضا زيد، صار معناه أنت طالق؛ لأن زيد رضي بطلاقك. وكذلك إذا قال: أنت طالق لمشيئة زيد، فالمعنى أنت طالق لأن زيداً شاء أن تطلقي فتطلق في الحال. قوله: «فإن قال: أردت الشرط قُبل حُكماً» يعني أردت بقولي: «أنت طالق لرضا زيد» أنت طالق إن رضي زيد، فإنه يقبل حكماً، يعني لو رفع الأمر للقاضي وقال الزوج: إني أردت بذلك ا

стр. 5373

الشرط وجب على القاضي أن يقبل قوله؛ لأن قوله محتمل غاية الاحتمال. وقوله: «حكماً» أي: عند الحاكم إذا ترافعا، أما إذا لم يترافعا وصدقته فلا حاجة للترافع. قوله: «وأنت طالق إن رأيت الهلال، فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه، وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها». إذا قال: أنت طالق إن رأيت الهلال، ظاهر اللفظ إن رأته هي بنفسها فلا تطلق حتى تراه، فإن رآه غيرها لم تطلق، وعلى هذا فإن كان نظرها قاصراً لا ترى الهلال إلا في الليلة الرابعة، فإنها تطلق في الليلة الرابعة، أما إذا أراد بقوله: «إن رأيت الهلال» يعني إن ثبت دخول الشهر فإنها تطلق برؤية غيرها.

стр. 5374

فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَاراً أَوْ لَا يَخْرُجُ مِنهَا فَأَدْخَلَ أَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ، أَوْ دَخَلَ طَاقَ البَابِ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْباً مِنْ غَزْلِهَا فَلَبِسَ ثَوْباً فِيهِ مِنْهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هذَا الإِنَاءِ فَشَرِبَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ فَعَلَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِياً أَوْ جَاهِلاً حَنِثَ فِي طَلَاقٍ وَعِتَاقٍ فَقَطْ، .................. قوله: «وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعض جسده» فإنه لا يحنث، مثاله: قال: والله لا أدخل هذه الدار، فأدخل بعض جسده، مثل رأسه، يعني انحنى بظهره حتى دخل رأسه من الباب فإنه لا يحنث؛ لأنه ما دخل، وكذلك لو قال: والله لا أخرج من هذا البيت ثم أخرج بعض جسده لم يحنث؛ لأنه لم يخرج، هذا التعليل، أما الدليل فلأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يُخرِج رأسه إلى عائشة ﵂ وهو معتكف، وهي في حجرتها فترجِّله (١)، والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد، فدل هذا على أن إخراج بعض الجسد لا يكون إخراجاً. قوله: «أو دخل طاق الباب» دخل كله لكن تحت طاق الباب، فإنه لا يحنث، سواء بدخول أو بخروج؛ لأنه ما انفصل من المكان، والعبرة بالعرف، وهذا في منزلة بين المنزلتين، فهو لم يخرج ولم يدخل. قوله: «أو لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه» فإذا حلف لا يلبس ثوباً من غزلها، فلبس ثوباً فيه من غزلها فإنه لا

стр. 5375

يحنث؛ لأن البعض ليس كالكل، وهذا فيه بعض من غزلها، وليس فيه كل الغزل. قوله: «أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث» قال: والله لا أشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضاً منه، فإنه لا يحنث؛ لأن البعض ليس كالكل، وقد سبق لنا أن ما كان إيجاباً فإنه يشمل الجميع، والنفي يثبت حتى في البعض، لكن لو قال: والله لا أشرب ماء هذا النهر وشرب بعضه يقول العلماء: إنه يحنث لاستحالة تعلقه بالكل، فغير معقول أن يشرب الإنسان كل النهر، فلما تعذر حمله على الكل ثبت الحكم في بعضه، وهذه قرينة ظاهرة، فكلٌّ يعرف أنه إذا قال: والله ما أشرب ماء هذا النهر أنه لا يقصد شرب مائه كله، فالمهم أنه يفرق بين ما يمكن أن يراد به الكل، وبين ما لا يمكن، فالذي لا يمكن أن يراد به الكل يحمل على البعض، فلو قال: والله لا آكل الخبز، وأكل خبزاً يحنث؛ إذ يستحيل أن يأكل خبز الدنيا كلها، لكن لو قال: والله لا آكل هذه الخبزة فأكل بعضها ما يحنث. ، وَإِنْ فَعَلَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِفِعْلِهِ كُلِّهِ. قوله: «وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حنث في طلاق وعتاق فقط» إذا فعل المحلوف عليه ناسياً، مثل أن يقول: والله لا أكلم فلاناً، فنسي فكلَّمه فلا شيء عليه؛ لأن الحنث على اسمه، يعامل معاملة الآثم، وفِعْل ما يأثم به على وجه النسيان لا شيء فيه؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]،

стр. 5376

فهذا الرجل قال: والله لا أكلم فلاناً فكلمه ناسياً، نقول له: لا شيء عليك، ولكن هل تبقى يمينه أو تنحل؟ تبقى يمينه لكنه لا يحنث، بمعنى أننا لا نلزمه بالكفارة. وكذلك لو فعله جاهلاً قال: والله لا ألبس هذا الثوب، فلبس ثوباً يظنه غيره، فتبين أنه المحلوف عليه فليس عليه الحنث، لكن متى علم وجب عليه خلعه، ويمينه باقية. كذلك لو فعله مكرهاً، مثل ما لو أكره على أن يفعل المحلوف عليه ففعل، فإنه لا حنث عليه، ولكن اليمين باقية. وكذلك لو فعله نائماً قال: والله لا ألبس الغترة اليوم، ونام وبجانبه غترة فلبسها، فليس عليه شيء؛ لأنه نائم، ولهذا فإن المُحْرِم لو غطى رأسه وهو نائم فلا شيء عليه، لكن متى استيقظ وجب عليه إزالته أو يحنث. وقوله: «حنث في طلاق وعتاق فقط» يعني وفي غيرهما لا يحنث، في طلاق مثل أن يقول: إن لبستُ هذا الثوب فزوجتي طالق، فنسي ولبسه تطلق زوجته، وكذلك لو قال: إن لبست هذا الثوب فزوجتي طالق ولبسه جاهلاً أنه الثوب الذي علق الطلاق عليه فإن زوجته تطلق؛ لأن الطلاق حق آدمي، وحق الآدمي ما يعذر فيه بالجهل والنسيان، هذا هو السبب. وكذلك العتق لو قال: إن لبست هذا الثوب فعبدي حر فلبسه ناسياً أو جاهلاً عتق العبد؛ والعلة فيه ما سبق أنه حق آدمي لا يعفى فيه بالجهل والنسيان، وليت المؤلف ذكر شيئاً ثالثاً وهو الإكراه.

стр. 5377

والصواب في هذه المسألة: أنه لا حنث عليه لا في الطلاق ولا في العتق؛ لأن لدينا قاعدة ممن له الحكم، وهو الله ﵎، فقد قال في قول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]: «قد فعلت» (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] حتى اليمين إذا حلف الإنسان وهو لم يعقدها لم تكن شيئاً، قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وعلى هذا فلا تطلق زوجته بذلك، ولا يعتق عبده بذلك، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. كذلك لو حلف على شيء يظن أنه كذا وليس كذلك؛ فإنه لا حنث عليه إلا في الطلاق والعتق، مثل أن يقول: إن كان فلان قادماً فزوجتي طالق، وظنه أنه لم يقدم، فالمذهب أن الزوجة تطلق. والصواب: أنها لا تطلق؛ لأن حكمه حكم اليمين، وقد ثبت أن رجلاً قال للرسول ﵊ لما قال: «خذ هذا فتصدق به»، فقال الرجل: أعَلى أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني (٢)، حلف على هذا، وهل هو قد فتش البيوت؟! ما فتش، ولكنه حلف على ظنه، وكذلك

стр. 5378

في القسامة أولياء المقتول يحلفون على القاتل، وإن كانوا لم يروه بناء على غلبة ظنهم. وكذلك ـ أيضاً ـ لو حلف على شيء مستقبل يظن وقوعه فلم يقع، مثل أن يقول: والله ليقدمن زيد غداً، ثم لم يقدم فلا شيء عليه؛ لأنه حين قال: والله ليقدمن غداً لا يريد الالتزام ولا الإلزام، وإنما يخبر عما في قلبه، سواء قدم أم لم يقدم، حتى وإن لم يقدم، لو سئل لقال: نعم أنا أظن أنه سيقدم، وأنا ما حلفت على شيء إلا وأظن وقوعه، وما زلت أظن وقوعه حتى غربت الشمس. وكذلك لو كان طلاقاً فقال: عليَّ الطلاق ليقدمن زيد غداً، فلم يقدم وقصده الخبر، وليس قصده إلزام زيد بالقدوم، ولا أن يلتزم بمجيئه به، فإنه لا حنث عليه، هذا هو الصواب في هذه المسألة، وهو أن الأصل أن العبادات مبنية على غلبة الظن، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. قوله: «وإن فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه» إن حلف على شيء لا يفعلنه، ولكنه فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه، فإن نواه حنث؛ لأن الأيمان مبنية على النية. مثال ذلك قال: والله لآكلنَّ هذه الخبزةَ فأكل بعضها فإنه لا يحنث إلا إذا نوى جزءاً منها، أي: قصده مجرد طعمها؛ وكذلك لو كان هناك قرينة كما تقدم لنا في مسألة الحلف على شرب ماء النهر، فإذا كان هناك نية تدل على أنه أراد البعض، أو قرينة تدل على أنه أراد البعض عمل بها.

стр. 5379

قوله: «وإن حلف ليفعلنه لم يَبَرَّ إلا بفعله كله» حلف ليفعلن هذا الشيء فما يبر إلا بفعله كله، مثل أن يقول: والله لأكتبن باب الطلاق من زاد المستقنع، فكتب سطرين ثم قال: ما أنا بكاتب، نقول: يحنث؛ لأنه لا يبر إلا بفعله كله. واعلم أن ما ذكره المؤلف هنا تحكم فيه النية فإذا نوى شيئاً حكم به؛ لأن أول ما نرجع في الأيمان إلى نية الحالف كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 5380

بابُ التَّأْوِيلِ فِي الحَلِفِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، فَإِذَا حَلَفَ وَتَأَوَّلَ يَمِينَهُ نَفَعَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ظَالِماً، فَإِنْ حَلَّفَهُ ظَالِمٌ: مَا لِزَيْدٍ عِنْدَكَ شَيْءٌ، وَلَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ بِمَكَانٍ فَنَوَى غَيْرَهُ، أَوْ بِـ «مَا» الَّذِي، ............................. التأويل في الحلف فسره بقوله: «ومعناه أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره» والتأويل يكون من المتكلم، ولهذا قال: «أن يريد بلفظه» فهو مؤول بكلامه على خلاف ما يظهر لنا. فنسأل أولاً ما حكم التأويل، هل هو جائز، أو واجب، أو محرم؟ بيّن المؤلف ذلك فقال: «فإذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالماً» هذا المذهب، فإذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالماً، فإن كان ظالماً فإن التأويل لا ينفعه؛ لأن الظالم يمينه على ما يصدقه به صاحبه. والمؤول لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون مظلوماً، أو ظالماً، أو لا ظالماً ولا مظلوماً، فإن كان مظلوماً فالتأويل جائز له بالاتفاق، وإن كان ظالماً فالتأويل حرام عليه بالاتفاق، وإن لم يكن ظالماً ولا مظلوماً ففيه خلاف، والمشهور من المذهب أن التأويل جائز. والقول الثاني: أن التأويل ليس بجائز وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀؛ لأن عاقبته غير محمودة؛ إذ إن المؤول إذا

стр. 5381

ظهر الناس على كذبه صار ذلك قدحاً فيه، بخلاف المظلوم، والأمثلة تبين لنا ـ إن شاء الله ـ حكم هذه المسألة. قوله: «فإن حلَّفه ظالم: ما لزيد عندك شيء، وله عنده وديعة بمكان فنوى غيره» مثاله: إنسان ظالم سمع أن عندك لفلان وديعة، وجاء ليأخذها منك، وقد وضعت هذه الوديعة في الحجرة رقم واحد، فجاء وقال: أعطني الوديعة التي عندك لفلان، قال: ما عندي شيء، قال: عندك، فقلت: ليس عندي شيء، قال: احلف أنك ما عندك له شيء، فنويت بقولك: ما عندي شيء له أو ما عندي له وديعة، نويت الحجرة رقم اثنين، فهذا يجوز وأنت صَادق؛ لأنه لا يوجد في رقم اثنين شيء، فالمخاطَب يظن بيمينه والله ما عندي شيء، أنه ما عنده شيء مطلقاً، لا في الحجرة رقم واحد، ولا في الحجرة رقم اثنين، ولا في سائر البيت. قوله: «أو بـ «ما» الذي» كذلك إذا حلف وأراد بـ «ما» الذي؛ لأن «ما» تصح أن تكون اسماً موصولاً، ويصح أن تكون نافية، فإذا قال: والله ما عندي له شيء فالتقدير، والله الذي عندي له شيء، و «ما» على تأويله نعربها مبتدأ، وعلى مفهوم الظالم نعربها نافية. فلو كان هذا الظالم ذكياً وقال: قل: والله ما أعطاني شيئاً، ونوى الحالف بـ «ما» الذي فلا يصلح؛ لأن «شيئاً» بالنصب، ولو جعل «ما» بمعنى الذي لقال: شيء، يعني والله الذي أعطاني شيء، لكن إذا تعذر أن يجعل «ما» اسماً موصولاً، فينوي غير

стр. 5382

هذا اللفظ، فمثلاً لو كان قد أعطاه دراهم، يقول: والله ما أعطاني شيئاً، وينوي غير الجنس الذي أعطاه يصح، كأن ينوي ما أعطاني شيئاً من الغنم. واعلم أنك إذا قلت: يجوز ليس المعنى أنه متساوي الطرفين، بل قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً؛ لأن القاعدة عندنا كما تقدم، أن كل مباح يمكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة، فإذا قلنا: إن التأويل للمظلوم جائز، فالمعنى أنه قد يكون واجباً، فلو كان هذا الظالم سيأخذ الوديعة إذا تبين أنها عندك صار التأويل واجباً؛ لأن حفظ الوديعة واجب. ويقال: إن الإمام أحمد كان جالساً مع أصحابه ومعه المَرُّوذي أو غيره، وجاء أحد يسأل عن المَرُّوذي، فقال الإمام أحمد: ليس المروذي ها هنا وأشار إلى كَفِّه، وماذا يصنع المروذي ها هنا؟! والمروذي ليس في راحة الإمام أحمد فتأوَّل، لكن هذا التأويل لمصلحة، وهي أن الإمام أحمد لا يحب أن يحرمه حديثه، وربما أن الإمام أحمد عرف أن هذا الرجل لا يريده لأمر هام. وإذا كان الإنسان ظالماً فلا يجوز أن يتأول، مثال ذلك: رجل بينه وبين شخص خصومة فذهبوا إلى المحكمة، فوجهت اليمين على المُدَّعَى عليه، فقال له القاضي: قل: والله ما عندي له شيء، فقال المُدَّعَى عليه: والله ما عندي له شيء، يريد بـ «ما» الذي، فالقاضي سيحكم بالظاهر، وهو براءة المُدَّعَى عليه من الدعوى، ولكن لا ينفعه ذلك عند الله؛ لأنه ظالم، والظالم لا

стр. 5383

ينفعه تأويله بالاتفاق، كما قال النبي ﷺ : «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (١). وإذا كان الإنسان لا ظالماً ولا مظلوماً وتأول، قال شيخ الإسلام: لا يجوز؛ لأنه ربما يعثر على كذبه فيما بعد، ويكون ذلك قادحاً في صدقه، وما دام أنه غير محتاج فلا يعرض نفسه للقدح والذم، أما إن احتاج كشخص يسألك عن شيء محرج لا ينبغي أن يسأل عنه؛ لأنه ما يعنيه، وأنت لا تود أن تعلمه به، فهنا لا بأس أن تتأول، ويقال لهذا الرجل: لماذا سألت عن شيء لا يعنيك؟! لكن إذا أصرَّ وقال: احلف أنك ما تأولت، يقول: والله ما تأولت، ويعني ما تأولت في آيات الصفات، أنا أجريها على ظاهرها، أو ما تأولت في الكتاب الفلاني، أو ما أشبه ذلك. فإذا كان في الحرب، وتأول خداعاً للعدو جاز، وهذا هو الكذب الذي جاء في الحديث أنه يجوز في الحرب (٢). وكذا لو كان للإصلاح بين اثنين، كرجل يسألك: ما تقول في فلان، هذا الذي يسبني عند الناس ويغتابني؟ فتحب أن تصلح بينهما، فتقول: والله ما قال فيك شيء، يعني الذي قال فيك شيء، أو تعني الساعة الثانية عشرة ليلاً، فهذا يجوز؛ لأنه

стр. 5384

للإصلاح بين الناس، فلو طلب منك أن تحلف، قال: قل: والله ما قال فيَّ شَرٌّ، قال: والله ما قال فيك شر، وينوي أي: الذي قال فيك شر، فهو صادق، فهذا طيب ويحمد عليه الإنسان. كذلك إنسان يتحدث مع زوجته، والذي ينبغي بين الزوجين أن يفعل كل منهما ما يجلب مودة الآخر، لتبقى العشرة طيبة، فأتى هذا الرجل بحليٍّ لزوجته، اشتراه بعشرة ريالات، فأعجبها، فقالت: بكم اشتريت هذا؟ فقال: اشتريته بأربعين، وهو ينوي أربعين ربعاً، وهي تعتقد أنه بأربعين ريالاً، فهي على كل حال ستسعد وتقول: هذا الرجل الغالي الذي يشتري لي بأغلى الأثمان، فهذا مطلوب، ولهذا جاء فيه إباحة الكذب في تحديث الرجل امرأته وتحديثها إياه (١). لكن لاحظ أن هذا يجوز بشرط أن نأمن اطلاع المخاطَب على الواقع؛ فإذا لم نأمن ذلك لكان داعياً إلى الشك في كل ما تحدث به، فكلما تحدث يقول الناس: هذا الرجل تأول. أَوْ حَلَفَ مَا زَيْدٌ هَا هُنَا؛ وَنَوى غَيْرَ مَكَانِهِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئاً فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَةٍ، وَلَمْ يَنْوِهَا لَمْ يَحْنَثْ فِي الْكُلِّ. قوله: «أو حلف ما زيد ها هنا ونوى غير مكانه» إذا حلف وقال: والله ما زيد ها هنا، وهو عنده لكن نوى غير مكانه، فلا حرج والتأويل صحيح.

стр. 5385

قوله: «أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعة، ولم ينوها لم يحنث في الكل» حلف على امرأته قال: احلفي أنك لا تسرقين مني شيئاً؛ فقالت: والله ما أسرق منك شيئاً، فخانته في وديعة سبقت أو لحقت، بأن استودعها يوماً من الأيام وديعة فأنكرت، فإنها لا تعد سرقة وإن كانت ظالمة في هذه الخيانة. والدليل على جواز التأويل قصة أيوب ﵊: فإن فيها شيئاً من التأويل، قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، وقد حلف أنه يضرب امرأته مائة سوط، والضغث الذي فيه مائة شمراخ ما يُعَدُّ مائة، لكن اللفظ محتمل، هذا من جهة. ومن جهة أخرى عموم قول الرسول ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، وكذلك حديث ركانة ﵁ لو صح ـ حيث قال: «والله ما أردت إلا واحدة» (٢)، وكذلك قصة إبراهيم (٣) ﵊ مع الظالم فإن فيها تأويلاً، والأدلة كثيرة.

стр. 5386

بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ مَنْ شَكَّ فِي طَلَاقٍ، أَوْ شَرْطِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، قوله: «الشك في الطلاق» يعني هل أوقعه؟ وهل وجد شرطه؟ وهل وجد العدد؟ فالشك يتضمن ثلاثة أمور: هل أوقعه، أو لا؟ وهل وجد شرطه أم لم يوجد؟ وهل وجد العدد أم لا؟ والشك في الطلاق لا عبرة به؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ودليل ذلك حديث عبد الله بن زيد ﵁ في الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال النبي ﵊: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (١)، فالأصل بقاء طهارته إلا بدليل؛ لأنه كان في الأول متيقناً للطهارة ثم شك في الحدث، والشك لا يزيل اليقين، وهذا الدليل هو الأصل في هذا الباب. أما التعليل: فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وعدم التغير، وأن الأمور باقية على ما هي عليه، ولهذا قال الله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]، لأنك لو لم تشهد لزمك المال؛ لأن الأصل بقاؤه عندك وعدم دفعه، فعندنا أصل من السنة، وقاعدتان فقهيَّتان، وهما: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»، فما دام النكاح موجوداً فالأصل بقاؤه، والثانية: «أن اليقين لا يزول إلا بيقين» بناء على هذا يقول المؤلف:

стр. 5387

«من شك في طلاق أو شرطه لم يلزمه» شك في طلاق، يعني قال: ما أدري، هل طلقت زوجتي أو لا؟ فلا يلزمه الطلاق، والدليل ما سبق. وهذا ـ نسأل الله السلامة ـ يُبتلى به بعض الناس فيحصل عنده وسواس في طلاق زوجته، حتى إن بعض الناس ـ نسأل الله أن يعافينا ـ يقول: إني قلت: إن فتحت الكتاب فزوجتي طالق، ثم إذا فتحه قال: لا، أخاف إني قلت: إن لم أفتحه فزوجتي طالق!! فكلما حصل أدنى شيء قال: إني قد علقت طلاق زوجتي على هذا الشيء، فيحصل عنده من التردد والخوف ما يفسد عليه حياته الزوجية، وهذا لا شك أنه بلوى، لكن دواؤها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وكثرة قراءة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *﴾ [الفلق] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *﴾ [الناس]، فمن كثرت شكوكه في ذلك فلا عبرة بشكه؛ لأنه وسواس، والوسواس لا يقع به الطلاق. ومن كان شكه معتدلاً وحقيقياً، قال بعض العلماء: إن الورع التزام الطلاق مع الشك، وقال آخرون: الورع عدم التزام الطلاق مع الشك، وهو الصواب؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فالورع التزام النكاح، ولأننا إذا قلنا: إن الورع التزام الطلاق، ارتكبنا محظورين: الأول: التفريق بين الزوجين، والثاني ـ وهو أشد ـ إحلال هذه المرأة لغير الزوج، وقد تكون في عصمته، أيضاً إذا قلت: الورع التزام الطلاق فمعنى ذلك أنك سوف تحرم زوجتك من النفقة، ومن الميراث إذا مت، ومن أشياء كثيرة من حقوقها.

стр. 5388

وقوله: «أو شرطه» أي: شك في شرط الطلاق، هل وقع أم لم يقع؟ فإن الأصل عدم الطلاق، مثل ما لو علق طلاق زوجته على شيء، ثم شك هل وجد هذا الشيء أم لم يوجد؟ فالنكاح بحاله ولا يقع الطلاق. مثاله: قال: إن جاء فلان فزوجتي طالق، ثم شك هل جاء أم لم يأتِ؟ لم تطلق؛ لأن الأصل عدم الطلاق بناء على الحديث والأصل السابق. وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِهِ فَطَلْقَةٌ، وَتُبَاحُ لَهُ، فَإِذَا قَالَ لامْرَأَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ طَلَقَتْ المَنْوِيَّةُ وَإِلاَّ مَنْ قَرَعَتْ، ..................................................... قوله: «وإن شك في عدده فطلقة» كذلك شك في عدده، بأن قال: أنا متيقن أني طلقت، لكن ما أدري هل طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً؟ يكون واحدة لأن البناء على الأقل. قوله: «وتباح له» أي: الزوجة، يعني من شك هل طلق مرة، أو مرتين، أو ثلاثاً فهو مرة، وتباح للزوج؛ لأنه لو كان ثلاثاً ما أبيحت له. قوله: «فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق» أي قال لزوجتيه: إحداكما طالق. قوله: «طلقت المنوية» إن كان نوى زينب فهي زينب، وإن نوى فاطمة فهي فاطمة، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، واللفظ الذي أصدره صالح لهذه النية فتطلّق المنوية.

стр. 5389

قوله: «وإلا» أي: فإن قال: ليس لي نية، أو لا أدري من نويت، يقول المؤلف: «من قَرَعَت» والأحسن «من قُرعت»؛ لأنها ليست بغالبة بل مغلوبة. فقوله: «من قُرعت» أي: وقعت القرعة عليها لا لها، وليس لنا طريق إلا القرعة؛ لأننا لو قلنا: تطلق المرأتان كان ذلك إلزاماً له بما لم يلتزمه؛ لأنه قال: إحداكما، فإذا قلنا: تطلق المرأتان فهو ظلم له، بل ظلم للزوجة أيضاً، ثم ليس ظلماً للزوجة وحدها، بل ظلم لمن سيتزوجها بعده، وإذا قلنا: تطلق إحداهما فمن؟ فلا يوجد إلا القرعة. فلو قال: أنا لم أنوِ شيئاً عند الطلاق، لكني الآن اختار أن تكون فلانة فهل تتعين؟ نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من القرعة، والذي يظهر أنه لا بأس أن يعينها، ما دام أبهم وهو المسؤول، ثم عيَّن فإننا نرجع إلى تعيينه، ونقول: تطلق التي عيَّنها. وكيفية الإقراع مثلاً أن يجعل ورقتان إحداهما يُكتب عليها طالق والأخرى لا يُكتب عليها شيء، فمن أخذت الورقة التي فيها طالق طلقت. والقرعة ثابتة في تمييز كل حقين متساويين لا تمييز بينهما، وهي حكم شرعي ثبت في القرآن وفي السنة، في القرآن ورد في موضعين: الأول: قوله تعالى في يونس ﵇: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *﴾ [الصافات].

стр. 5390

الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. أما في السنة فقد وردت في ستة مواضع منها: أن رجلاً أعتق ستة أعبد، فجزَّأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم ليخرج الثلث فقط (١). ومنها: أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها (٢). أما دلالة النظر على أن القرعة حكم شرعي فلأنه لا طريق لنا إلى التمييز بين متساويين إلا بهذا. وأنكر بعض أهل العلم القرعة، وقال: إن القرعة من الميسر وأنها مثل الاستقسام بالأزلام، ولكن هذا القول مردود لمخالفته النص، ولبطلانه بذاته، أما مخالفته للنص فقد ذكرنا ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات للقرعة، وأما بطلانه بذاته فإن هذا ليس من الميسر؛ لأننا لا نقرع إلا بين شيئين متساويين، والميسر ليس بين متساويين، نعم لو قلنا: أنتما رجلان بينكما هذا الحق مشتركاً مناصفة، ولكن سنجعله ثلثين وثلثاً ونقرع بينكما فلا يجوز؛ لأنه ميسر، إن وقعت على صاحب الثلث غُلب، وإن وقعت على

стр. 5391

صاحب الثلثين غَلب، أما شيئان متساويان فأين الميسر فيهما؟! وأما الاستقسام بالأزلام فليس كذلك، فليس هناك حقان متساويان يراد التمييز بينهما، بل هما إرادتان من هذا المستقسم، ويعمل بهذه الأقداح لينظر ماذا يُقسم له من هذه الإرادة، فبينهما فرق، وعلى هذا فالصواب أن القرعة ثابتة في كل حقين متساويين لا يمكن التمييز بينهما إلا بهذا. كَمَنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا بَائِناً ونَسِيَهَا، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ المُطَلَّقَةَ غَيْرُ الَّتِي قَرَعَتْ رُدَّتْ إِلَيْهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ تَكُنِ الْقُرْعَةُ بِحَاكِمٍ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ هذَا الطَّائِرُ غُرَاباً فَفُلَانَةٌ طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَ حَمَاماً فَفُلَانَةٌ، وَجُهِلَ لَمْ تَطْلُقَا، ............................ قوله: «كمن طلق إحداهما بائناً ونَسِيَها» يعني، وكذلك من طلق إحداهما بائناً، أي: طلاقاً بائناً، ونسيها، فإنه يقرع بينهما، فمن قُرعت وقع عليها الطلاق. وقوله: «طلاقاً بائناً» يعني إحداهما بقي له من طلاقها طلقة واحدة، فطلق إحداهما وعيَّن، قال: فلانة طالق، لكن نسي هل طلق التي ما طلقها من قبل، أو طلق التي لم يبقَ لها إلا طلقة؟ فإن كان الطلاق واقعاً على التي لم يطلقها من قبل فالأمر سهل، ولو أرادها راجعها وانتهت القضية، وإن كان الطلاق واقعاً على من كانت هذه آخر طلاقها فإنها تبين ولا تحل له، فهو الآن متردد يقول: أنا مطلق واحدة منهما، ولكني نسيت، فنقول في هذه الحال: أقرع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي المطلقة وتحل لك الباقية، هذا هو المذهب. ولكن جمهور أهل العلم يرون أنه لا تدخل القرعة في هذا؛ لأنه اشتبه عليه امرأتان، إحداهما حلال، والأخرى حرام، وإذا كان كذلك فالواجب اجتناب الجميع حتى يتبين الأمر، فإن لم يتبين فماذا نعمل؟ يطلق واحدة، ثم تطلق المرأتان جميعاً، واحدة

стр. 5392

بائن، والأخرى رجعية، وهذا الأخير هو الذي اختاره الموفق في المغني ونصره، وقال: إنه قول جمهور أهل العلم، وأنه لا يعلم قائلاً بذلك من الصحابة، وأن الذي ورد عن الصحابة القرعة فيه في باب الميراث، وليس في باب الحِلِّ، بمعنى أن الإنسان لو طلق إحدى زوجاته طلاقاً بائناً، ثم مات فإنه يقرع بينهما من أجل الإرث، لا من أجل الحِلِّ، قال: والقرعة تدخل في المال، ولا تدخل في الفروج. ولكن لا شك أن ما قاله المؤلف أقرب إلى الصواب، من حيث إنه أيسر على المكلف؛ لأن كوننا نقول: اجتنب المرأتين مشكل، والطلاق إنما هو وقع على واحدة، ثم إذا اجتنب المرأتين، وقلنا: لا تحل لك المرأتان، واحدة؛ لأنها بائن، والثانية؛ لأنها مطلقة، سيترتب على ذلك شيء آخر، وهو أنها تبين وتحل للأزواج، وهو ما طلق، وإن ألزمناه بأن يطلق الثانية قد نضرُّه، فالصواب ما قاله المؤلف أنه يقرع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالق وتبقى المرأة الثانية زوجة له. قوله: «وإن تبين أن المطلقة غير التي قرعت ردت إليه، ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم» يعني أقرعنا بين فاطمة وزينب، ووقعت القرعة على زينب، وقلنا لها: أنت طالق، ثم تبين أن المطلقة فاطمة، فإن زينب ترد إليه؛ لأنه تبين أنها ليست هي المطلقة، والقرعة إنما هي لحل مشكل ما لنا منه مخرج، فإذا تبين لنا منه مخرج رجعنا إلى ما تبين، إلا في حالين:

стр. 5393

الأولى: إذا تزوجت التي قُرعت؛ لأنها إذا تزوجت فإن إقراره بأنها غير المطلقة يكون فيه إبطال لحق الزوج الجديد، وإبطال لحق الزوج الجديد ما يمكن أن نقبله. وعلم من التعليل أن الزوج الثاني لو صدَّقه، وقال: أنا أثق بهذا الرجل، وأن التي وقع عليها الطلاق هي التي عنده، وأن هذه لم يقع عليها الطلاق، فهل ينفسخ النكاح؟ الجواب: نعم؛ لأن تصديقه للزوج الأول يستلزم إقراره ببطلان النكاح. الثانية: إذا كانت القرعة بحكم حاكم، فإنه لو رجع الزوج وقال: أنا تذكرت أن الزوجة المقروعة ليست المطلقة، قلنا له: لا نقبل قولك؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وعلى هذا فلا يقبل قوله؛ لأن الحُكم نُفِّذ، ولهذا لو رجع الشهود بعد حكم الحاكم لم ينقضِ الحكم، فلو شهد رجلان لشخص بأن هذا المال المدعى به له، فحكم به القاضي ثم بعد الحكم رجعا وقالا: كذبنا في شهادتنا، غلطنا، أو توهمنا؛ فإن الحاكم لا ينقض الحكم، ولكن يلزمهما الضمان لمن شهد عليه. وإذا ثبت ببينة أن الحكم بخلاف ذلك، ينظر حتى في الزواج، فلو جاءنا ناس وقالوا: نحن نشهد أن الرجل طلق فلانة التي لم تقع عليها القرعة، فحينئذٍ يلغى كل شيء؛ لأن القرعة ليست بحكم، بل القرعة تمييز. قوله: «وإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق، وإن كان حماماً ففلانة، وجُهل لم تطلقا» هذا رجل مرَّ به طائر، فقال:

стр. 5394

إن كان هذا الطائر حمامة فهند طالق، وإن كان غراباً فدَعْد طالق، والطائر ذهب، ولا ندري ما هو؟ فلا طلاق؛ لأنه يحتمل أنه ليس غراباً ولا حماماً، وحينئذٍ نكون قد شككنا في وقوع الطلاق على واحدة منهما. فإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً فهند طالق، وإن كان غير غراب فدعد طالق، فلا بد أن إحداهما طلقت؛ لأن هذا الطائر إما غراباً، أو غير غراب، فكيف نعرف؟ نعرفها بالقرعة. وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ اسْمُهُمَا هِنْدٌ: إِحْدَاكُما أَوْ هِنْدٌ طَالِقٌ، طَلَقَتِ اِمْرَأَتُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الأَجْنَبِيَّةَ لَمْ يُقْبَلْ حُكْمَاً، إِلاَّ بِقَرِينَةٍ، وَإِنْ قَالَ لِمَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ: أَنْت طَالِقٌ طَلَقَتِ الزَّوْجَةُ، وَكَذَا عَكْسُهَا. قوله: «وإن قال لزوجته وأجنبية اسمهما هند: إحداكما أو هند طالق طلقت امرأته» كرجل وجد امرأته ومعها امرأة أخرى، فقال: إحداكما طالق فتطلق الزوجة؛ لأنه من المعلوم أنه لا يمكن أن يقع الطلاق على المرأة التي ليست زوجته. فهاتان امرأتان اسمهما هند، الزوجة اسمها هند، والأخرى اسمها هند، فقال: هند طالق، يقع الطلاق على زوجته؛ لأنه لا يملك طلاق هند التي ليست زوجة له. فإن كان قد وُكِّل في طلاق امرأة اسمها هند، وله زوجة اسمها هند وقال: هند طالق، تطلق إحداهما بقرعة، لكن في هذا المثال يغلب على الظن أنه أراد الزوجة التي وُكِّل في طلاقها؛ لأنه ليس بينه وبين زوجته مشكل، فيحمل على التي وكِّل في طلاقها، إلا أن يكون له نية فعلى ما نوى. قوله: «وإن قال: أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلا بقرينة» إن

стр. 5395

قال: أردت الأجنبية، يعني من ليست زوجة لي في قوله: «إحداكما طالق»، أو قوله: «هند طالق وكلتاهما اسمها هند» فإنه لا يقبل حكماً، أي: فيما لو ترافعا هو وامرأته إلى القاضي، فالقاضي لا يقبل قوله؛ لأنه خلاف الظاهر، إذ إن الإنسان لا يطلق إلا من يملك طلاقها، وهكذا كلما مَرَّ عليك من قول العلماء: «لم يقبل حكماً»، أي: ويقبل فيما بينه وبين الله. فإن قال قائل: هل يفهم من كلام المؤلف أن الزوجة لو سكتت فهي باقية في عصمته؟ نعم، يفهم ذلك. قوله: «وإن قال لمن ظنها زوجته: أنت طالق طلقت الزوجة» أي: وجد امرأة تشبه زوجته في اللباس، وفي الجسم، وفي المشي فظنها زوجته، فقال: أنت طالق، وتبين أنها غير زوجته، يقول المؤلف: تطلق الزوجة؛ لأنه أوقع الطلاق بصيغته التي يقع بها، مع أنه تبين أنها أجنبية ليست زوجة له، فنقول: العبرة بالمقاصد، وهذا الرجل قصد طلاق زوجته في شخص يظنها زوجته. قوله: «وكذا عكسها» طلق زوجته يظنها غير زوجته تطلق الزوجة، والصحيح أنها لا تطلق؛ لأنه ما أراد طلاق زوجته، كإنسان رأى شبحاً ولم يظن أنها زوجته، ولا أراد أن يطلق زوجته فقال: أنت طالق، ثم تبين أنها الزوجة، فالمؤلف يرى أنها تطلق؛ لأنه واجهها بصريح الطلاق، لكن هل هو يعتقد أنها
следующие страницы →