← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

العلماء على فساده، فهذا رجل طلق زوجته ثلاثاً واعتدت وبانت منه، فتزوجها رجل آخر بعقد تامة شروطُه، ودخل عليها وجامعها، ثم شهدت امرأة ثقة بأنها أرضعت الزوج الثاني وزوجته، فهل تحل للأول؟ ما تحل للأول؛ لأنه تبين أن هذا العقد باطل، وأن الزوج ليس بزوج. وكذلك لو تزوجها بلا ولي على رأي من يرى أن الولي شرط لصحة النكاح فإنها لا تحل، مثال ذلك: رجل طلق زوجته ثلاثاً واعتدت منه، ثم تزوجها آخر بلا ولي ـ على رأي من يرى أن الولي شرط لصحة النكاح ـ فإنها لا تحل للأول. مثال آخر: رجل طلق زوجته ثلاثاً واعتدت منه، ثم تزوجها رجل آخر، وصار العاقدَ لها أبو أمها، ودخل عليها الزوج الثاني، ثم طلقها الزوج الثاني وانتهت العدة فهل تحل للأول؟ ما تحل؛ لأن أبا الأم ليس ولياً، وعلى هذا فقد تزوجت بدون ولي، فيكون النكاح فاسداً فلا تحل للزوج الأول. قوله: «ولا في حيضٍ» يعني أن الزوج الثاني تزوجها بنكاح صحيح، وجامعها وهي حائض، ثم طلقها فلا تحل للزوج الأول؛ لأن هذا الجماع محرم لحق الله ، فلا تحل به كما لو صلى في مكان مغصوب، فإن الصلاة لا تصح. قوله: «ونفاسٍ» كذلك ـ أيضاً ـ لا تحل بوطء في نفاس؛ لأن الوطء في النفاس محرم فلا تحل به، مثل ما لو طلقها زوجها الأول وهي حامل، فوضعت فتنقضي عدتها، فتزوجها آخر

стр. 5427

وهي في نفاسها وجامعها، فهل تحل للأول؟ لا تحل؛ وذلك لأن هذا الوطء محرم لحق الله، فلا يكون مؤثراً كما قلنا في الحيض. قوله: «وإحرام» أي: لا تحل بوطء في إحرام بحج أو عمرة؛ لأن الجماع في الإحرام محرم، وما كان محرماً فإنه لا يترتب عليه أثره، ولا يكون مصححاً لشيء، كما لو صلى في أرض مغصوبة. قوله: «وصيام فرض» أي: لا تحل ـ أيضاً ـ بوطء في صيام فرض، سواء صيام رمضان، أو صيام قضاء رمضان، أو صيام عن كفارة، أو عن فدية، أو عن أي شيء، المهم أن الصيام فرض؛ فلا تحل؛ لأنه وطء محرم. وقوله: «وصيام فرض» مفهومه أنه لو جامعها في صيام نفل حلت؛ لأن الوطء جائز؛ إذ إن إتمام النفل ليس بواجب؛ فإذا كان إتمام النفل غير واجب فإنه يجوز للزوج أن يجامع زوجته في صيام النفل، هذا ما ذهب إليه المؤلف. وقال بعض أهل العلم: إنها تحل بالوطء في هذه الأحوال؛ لعموم الحديث، فإن قول الرسول ﵊: «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» يشمل ما إذا كان الوطء حلالاً أو حراماً، ولكنه يكون آثماً، وليس الوطء عبادة حتى نقول: لا يصح مع التحريم، كالصلاة في أرض مغصوبة، وإنما الوطء شرط للحل، وهذا القول أصح، ولذلك لو أنه سافر سفراً محرماً كان

стр. 5428

القصر والفطر فيه جائزين عند أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله وجماعة من أهل العلم؛ لأن الله علق الحكم على السفر مطلقاً، وهذا أيضاً عُلِّق الحكم فيه على الوطء مطلقاً، ولأنهم هم أنفسهم يقولون: لو أنه جامعها في وقت صلاة ضاق وقتها فإن ذلك يُحِلها للأول، مع أن الوطء في هذه الحال محرم؛ لأنه يلزم منه إخراج الصلاة عن وقتها. فالصواب في هذه المسألة: أنها تحل ولو مع الوطء المحرم، وهو اختيار المُوَفَّق ﵀. والخلاصة: أنه إذا وطئها وطئاً محرماً فلا يخلو، إما أن يكون لمانع يمنع الوطء فيها كالحيض والنفاس، أو لعبادة لا يجوز الوطء فيها كالصيام لفرض والحج والعمرة، فهذه لا تحل للزوج الأول، أو لمعنى آخر، مثل أن تكون مريضة لا يحل وطؤها لمرضها، فيطؤها في هذه الحال، أو تكون في وقت صلاة ضاق وقتها فيطؤها في هذه الحال، فإنها تحل للزوج الأول. والصحيح في هذا: أنه لا فرق بين الصورتين، وأنها تحل للزوج الأول بالوطء المحرم، بالحيض، والنفاس، والإحرام وصيام الفرض، وضيق وقت الصلاة، والمرض، وغير ذلك؛ وذلك لأن الحديث عام. قوله: «ومن ادعت مطلقته المحرمة وقد غابت» المطلقة المحرمة هي المطلقة ثلاثاً.

стр. 5429

قوله: «نكاح من أحلها» أي: ادعت أنها تزوجت زوجاً جامعها بنكاح صحيح حصل فيه وطء بانتشار. قوله: «وانقضاء عدتها منه» قالت: إنه طلقها بعد أن وطئها وطئاً محللاً، وانقضت عدتها. قوله: «فله نكاحها» أي: فإنها تحل للزوج الأول، لكن بثلاثة شروط: الأول: قوله: «إن صدقها» فإن لم يصدقها فلا تحل؛ لأنه لو أقدم عليها مع عدم تصديقه لها لأقدم على نكاح لا يعلم صحته، وهل له أن يصدقها وإن كانت ممن لا يوثق بخبرها؟ لا، لكن إذا صدقها وهي محل للتصديق، أما إذا كان لا يثق بها فإنه لا يجوز أن يصدقها. الثاني: قوله: «وأمكن» بمعنى أنه مضى زمن يمكن انقضاء عدتها منه، وأن تتزوج الثاني ويطلقها، وتنقضي عدتها منه، ومقدار المدة الممكنة شهران فما زاد؛ لأن الفقهاء يقولون: إن ادعت انقضاء العدة في أقل من تسعة وعشرين يوماً ما تسمع دعواها، وفي تسعة وعشرين يوماً ولحظة إلى شهر تقبل ببينة، وفيما زاد على ذلك تقبل بلا بينة. إذاً لا بد من شهرين فما زاد، إلا إذا كانت حاملاً فهذه ربما تنقضي بأقل، فيمكن أن تضع حملها يوم يفارقها زوجها الأول، وتتزوج زوجاً ثانياً ثم يطلقها وتعتدُّ ثلاثين يوماً منه، وإذا

стр. 5430

كانت من غير ذوات الحيض فعدتها ثلاثة شهور، فالمهم أن الإمكان هنا ما يمكن أن يتحدد بشيء معين، بل ينظر في ذلك إلى نوع العدة حتى نعرف ما هو الإمكان، وما عدم الإمكان؟ الثالث: قوله: «وقد غابت» فإن لم تكن غائبة فإن الغالب أن النكاح يشتهر، لا سيما إذا كنا في بلد يشتهر فيه النكاح فإننا ما نقبل كلامها.

стр. 5431

كِتَابُ الإِيلَاءِ وَهُوَ حَلِفُ زوْجٍ باللهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَتِهِ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي قُبُلِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ........................... قوله ـ رحمه الله تعالى ـ: «الإيلاء» الإيلاء يعني الحلف والألية الحِلْفة، مصدر آلى يولي إيلاء، رباعي، بدليل أنه على وزن إكرام، من أكرم يكرم إكراماً، وهو في اللغة: اليمين، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. لكنه في الشرع مقيد، والتعاريف الشرعية الغالب أنها أخص من المعنى اللغوي، والمعنى اللغوي أعم في الغالب، فالطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة، وفي الشرع أخص، والصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع أخص، فهي التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة، والزكاة: النماء والزيادة، وفي الشرع أخص، فكل التعريفات الشرعية الغالب أنها أخص من المعاني اللغوية، إلا في مسألة واحدة وهي الإيمان؛ فإن الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع التصديق المستلزم للقبول والإذعان، فيشمل القول والعمل، فيكون الإيمان: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الأركان. والإيلاء شرعاً عرَّفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بقوله: «وهو حلف زوج بالله تعالى أو صفته على ترك وطء زوجته في قبلها أكثر من أربعة أشهر» فقوله: «حلف زوج» فغير الزوج لا يكون يمينه إيلاء ولا يصح منه، فلو قال: والله لا أجامع هذه المرأة لمدة سنة، ثم عقد عليها فلا يكون يمينه إيلاء؛ لأنه حين

стр. 5432

قالها لم تكن زوجة له، كما لو قال: هذه المرأة طالق، ثم تزوجها فلا يقع الطلاق، حتى لو قال: إن تزوجتها فهي طالق، فإن الطلاق لا يقع؛ لأنه ليس زوجاً، وكما لو قال لامرأة: أنت علي كظهر أمي، وهو لم يتزوجها، ثم تزوجها لم يكن مظاهراً؛ لأنه ليس بزوج، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ولا تكون المرأة من نسائه إلا إذا تزوجها. وقوله: «زوج» لا يمكن أن يكون زوجاً حتى يكون العقد صحيحاً. وقوله: «بالله تعالى» أي: بكل اسم من أسماء الله سواء بهذا اللفظ «الله» أو بغيره، مثل أن يقول: والله لا أطأ زوجتي لمدة سنة؛ أو العزير الحكيم لا أطأ زوجتي لمدة سنة فهو مولٍ. وقوله: «أو صفته» قال في الروض (١): «كالرحمن الرحيم» وهذا خطأ، فالرحمن والرحيم ليسا صفتين ولكنهما اسمان، لكن الصفة مثل أن يقول: وعزة الله، وقدرة الله لا أجامع زوجتي، ولهذا قال الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *﴾ إلى أن قال في آخر الآيتين: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٢ ـ ٢٤]، فجعل الله هذه أسماء. وعلم من قول المؤلف: «بالله تعالى أو صفته» أن الإيلاء لا يكون بالتحريم، أو بالنذر، أو بالطلاق وإن كانت أيماناً، يعني لو قال: لله علي نذر أن لا أطأ زوجتي، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك ليس بإيلاء، مع أن هذا حكمه حكم اليمين، وكذلك لو

стр. 5433

قال: حرام علي أن أطأ زوجتي، فظاهر كلام المؤلف أنه ليس إيلاء، ولكن الصواب هو القول الثاني في المذهب في هذه المسألة، وهو أن الحلف سواء بالله أو صفته، أو بصيغة حكمها حكم اليمين، فإن الإيلاء يثبت، والدليل على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ ـ ٢]، والأحاديث الواردة في هذا فيها أن الرسول ﷺ آلى من نسائه شهراً (١)، هذا إذا قلنا: إنه حَرَّم نساءه، أما إذا قلنا: إنه حرم العسل كما هو الراجح، فإن الآية تدل على أن التحريم يمين من وجه آخر. والحاصل أن الصواب في هذه المسألة: أن كل ما له حكم اليمين فإنه يحصل به الإيلاء، فإذا قال: لله عليَّ نذر أن لا أجامع زوجتي فهو إيلاء؛ لأن الله سمى التحريم يميناً. وقوله: «على ترك وطء زوجته» كلمة «وطء» تخرج المباشرة بغير الوطء، فلو قال: والله لا أباشر زوجتي لمدة ستة أشهر، ونيته المباشرة دون الفرج، فليس بمولٍ فلا بد أن يحلف على ترك الوطء. وقوله: «زوجته» احترازاً مما لو حلف على ترك وطء أمته، فإن ذلك لا يسمى إيلاء، وإذا لم يسمَّ إيلاء فهو يمين، لكننا لا نرتب عليه أحكام الإيلاء، وإنما نرتب عليه أنه إذا حنث كفَّر. وقوله: «في قبلها» هل هذا قيد أو بيان للواقع؟ قيد؛ لأنه قد يحلف على ألا يطأها في دبرها، فإذا حلف ألا يطأها في

стр. 5434

دبرها لمدة سنة فليس بمولٍ؛ لأنه إنما حلف على أمر واجب تركه، فإنه يحرم على الإنسان أن يطأ زوجته في دبرها. وقوله: «أكثر من أربعة أشهر» ظاهر كلام المؤلف أنه لو آلى أن لا يطأها لمدة أربعة أشهر فليس بإيلاء، أو لمدة ثلاثة أشهر فليس بإيلاء، والصواب أنه إيلاء؛ لأن الله قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فأثبت الله الإيلاء، لكن جعل المدة التي ينظرون فيها أربعة أشهر، فإذا قال: والله لا أجامع زوجتي ثلاثة أشهر، فإن هذا مولٍ؛ لأنه حلف أن لا يجامعها، ولكننا ما نقول له شيئاً الآن؛ لأنه إذا تمت المدة انحلت اليمين، مثاله: رجل قال لزوجته: والله لا أجامعك لمدة ثلاثة أشهر، فهنا نقول: هو مولٍ لكن ما نلزمه بحكم الإيلاء، بل ننظره حتى تنتهي ثلاثة أشهر، فإذا انتهت زال حكم اليمين. وَيَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَقِنٍّ، وَمُمَيِّزٍ، وَغَضْبَانَ، وَسَكْرَانَ، وَمَرِيضٍ مَرْجُوٍّ بُرْؤُهُ، وَمِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، لَا مِنْ مَجْنُونٍ، وَمُغْمًى عَلَيْهِ، ............ قوله: «ويصح» الضمير يعود على الإيلاء. قوله: «من كافر» أي: يصح من الكافر، والمسلم من باب أولى، فإذا حلف اليهودي أو النصراني على أن لا يطأ زوجته لمدة ستة أشهر، وحاكمته إلينا، حكمنا أنه مولٍ، وكيف يصح من الكافر؟ وهل لنا سبيل على الكافر بأن نلزمه بأحكام الإسلام؟ نعم قد يولي من زوجته وهو كافر، ثم يسلمان جميعاً، فهل نقول: إن الإيلاء الذي في الكفر لغى أو بقي حكمه؟ الجواب: يبقى حكمه بعد الإسلام. قوله: «وقن» وهو العبد المملوك كله، فيصح الإيلاء من القن، وهل يكون للقن زوجة؟ نعم، فإذا آلى صح إيلاؤه لعموم الآية. قوله: «ومميز» وهو من له سبع سنين، فإذا آلى من زوجته صح إيلاؤه، ووجه صحته من المميز أن المميز يصح طلاقه، ومن

стр. 5435

صح طلاقه صح إيلاؤه؛ لأن الطلاق أشد من الإيلاء، والدليل عموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] و «الذين» اسم موصول من صيغ العموم، فيشمل كل زوج. وقال بعض أهل العلم: إن المميز لا يصح منه الإيلاء؛ لأنه لا يصح منه الحلف، إذ لا يمين له، فهو غير مكلف، ولكن المشهور من المذهب أنه يصح الإيلاء من المميز كالحلف. قوله: «وغضبان» فيصح الإيلاء من الغضبان، والغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: غضب لا يدري الإنسان ما يقول معه، فهذا لا عبرة بأقواله وأفعاله؛ لأنه مغلق عليه ولا يدري فهو كالسكران، فلا يقع به الإيلاء مطلقاً، وقد حكى الاتفاق عليه ابن القيم ﵀ في كتابه: «إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان». الثاني: غضب يسير يتصور الإنسان ما يقول، ولا يرى أن الغضب قد أغلق عليه تفكيره وتصوره، فهذا لا أثر له، ويقع معه الطلاق، والإيلاء، وكل أقواله وأفعاله معتبرة؛ لأنه هو وغير الغضبان سواء. الثالث: غضب بينهما، فيدري ما يقول لكنه مغلق عليه، كالمكره، فقد سبق لنا أن هذا فيه خلاف بين أهل العلم، وأن الصواب: أنه لا يقع منه الطلاق لقول النبي ﷺ : «لا طلاق في إغلاق» (١)، أي: تضييق على الإنسان، وكذلك الإيلاء. فقوله: «وغضبان» ليس على إطلاق كما بيَّنَّا. قوله: «وسكران» وهو الذي فقد عقله للذة والطرب بتناول

стр. 5436

المسكر، فإذا سكر وصار يهذي، وقال لزوجته: والله ما أجامعك أبداً، فهل يقع الإيلاء أو لا؟ المؤلف يرى أنه يقع؛ لأن السكر محرم فهو غير معذور، فلا ينبغي أن يعامل السكران بالرخصة وعدم المؤاخذة بما يقول، بل ينبغي أن يشدد عليه، وعلى هذا التعليل يشترط في السكران أن يكون قد سكر على وجه محرم، أما لو سكر على وجه مباح، مثل أن يشرب شراباً ما علم أنه مسكر فسكر منه، فهذا لا حد عليه، يعني لا عقوبة عليه ولا حكم لكلامه؛ لأنه معذور، والصواب خلاف هذا، وأن السكران لا حكم لأقواله، لا طلاقه، ولا إيلائه، ولا ظهاره، ولا عتقه، ولا وقفه، فلا يؤاخذ بشيء أبداً؛ لأنه فاقد العقل فهو كالمجنون، وكوننا نعاقبه بأمر ليس من فعله، ولا من اختياره ليس بصحيح، بل نعاقبه على شرب الخمر؛ لأنه باختياره، ولهذا لو نسي أو جهل أو أكره على شرب الخمر ما يعاقب، ولا بالجلد، فهذا القول الذي قاله ما نعاقبه عليه؛ لأنه بغير اختياره. قوله: «ومريض مرجو برؤه» المراد بالمريض هنا العاجز عن الوطء، وليس المريض مرض البدن؛ لأن المريض مرض البدن يصح منه الإيلاء، سواء كان يرجى برؤه أو لا يرجى، لكن المراد العاجز عن الجماع، فهذا إن كان يرجى برؤه فإن إيلاءه صحيح، وإن كان لا يرجى فإيلاؤه غير صحيح؛ لأنه لا يمكنه الوطء، فمثلاً إذا كان الرجل مجبوباً، أي: مقطوع الذكر، فهو عاجز عن الوطء، فلا يصح الإيلاء منه؛ لأنه ليس بواطئ، سواء آلى أم لم يولِ، وإذا كان الرجل عاجزاً عن الوطء لحادث أَلَمَّ بآلة الوطء، لكن يرجى أن يشفى، فيصح. إذاً كلام المؤلف ﵀ فيه إيهام، وقد تبع في هذه

стр. 5437

العبارة أصل هذا الكتاب، وهو المقنع، والصواب أن تكون العبارة: «وعاجز عن الوطء عجزاً يرجى برؤه». قوله: «وممن لم يدخل بها» يعني لو أن إنساناً عقد على امرأة، ثم قال: والله لا أطؤها إلا بعد ستة أشهر ـ وهذا يقع من بعض السفهاء ـ فهذا يصح إيلاؤه، وإن لم يدخل بها؛ لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، ولهذا لو ماتت ورثها، ولو مات ورثته. قوله: «لا من مجنون» فالمجنون لا يصح إيلاؤه، كما لا تصح جميع أقواله، فلو أن المجنون كان يهذي ويقول: جميع أملاكي التي في البلد الفلاني وقف، ونحن نعلم أن الرجل يحب الخير، فلا يصح الوقف؛ لأن المجنون ليس له قصد، وليس عنده عقل، فلو حصل بينه وبين زوجته شيء من سوء التفاهم، فقال: والله لا أجامعك لمدة ستة أشهر، نقول: لا ينعقد الإيلاء؛ لأنه مجنون، لا يصح منه حلف، ولا إيلاء. مسألة: هل المسحور مثل المجنون؟ نعم ـ نسأل الله العافية ـ المسحور من جنس المجنون، فلو طلق لم يقع طلاقه، ولو آلى لم يصح إيلاؤه، ولو ظاهر لم يصح ظهاره؛ لأن المسحور مغلوب على عقله تماماً. قوله: «ومغمى عليه» أي: المغطى عقله بمرض، أو سقطة، أو ما أشبه ذلك، فلو أن الإنسان وهو مغمى عليه حلف ألا يطأ زوجته لمدة سنة، فلا إيلاء، وبقية أقواله غير نافذة؛ لأنه غير عاقل، يهذي فلا يدري ما يقول.

стр. 5438

ومثله ما يسميه العوام بالمُهَذري، الذي بلغ من السن عتياً وصار يخلط في كلامه، فلا عبرة بكلامه. وَعَاجِزٍ عَنْ وَطْءٍ لِجَبٍّ كَامِلٍ أَوْ شَلَلٍ، فَإِذَا قَالَ: واللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَبَداً، أَوْ عَيَّنَ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى، أَوْ يَخْرُجَ الدَّجَّالُ، .................................... قوله: «وعاجز عن وطء لجب كامل» أي: لا يصح الإيلاء من العاجز عن الوطء، لكن عجزاً لا يرجى زواله، إما لفقد الآلة وهو معنى قوله: «لجب كامل» والجب معناه قطع الذكر، فمقطوع الذكر حلف أو ما حلف ليس بواطئ، وكيف يتصور منه الوطء؟! أما لو جب نصف ذكره بحيث يتمكن من الوطء بباقيه، فإنه يصح منه الإيلاء. قوله: «أو شلل» وهو فقدان الحركة في العضو، فلو كان فيه شلل في العضو فإنه لا يصح منه الإيلاء؛ وذلك لأنه لا يرجى زوال عجزه عن الوطء؛ لأن الامتناع عن الوطء هنا للآفة؛ لأنه حتى لو قال لزوجته وهو مجبوب: والله لا أجامعك، لقالت له: ما أنت بمجامع، حلفت أو ما حلفت؛ وكذلك الأشل. قوله: «فإذا قال: والله لا وطئتك أبداً» هذه جملة قَسَمية، الواو حرف قسم، وجواب القسم «لا وطئتك» وهو فعل ماضٍ، فإن قيل: كيف يقول: والله لا وطئتك؟ نقول: إن فعل الماضي إذا وقع جواباً للقسم مقروناً بـ «لا» صار بمعنى المستقبل، فقوله: «والله لا وطئتك» كقوله: والله لا أطؤك، بخلاف ما لو وقع مقروناً بـ «ما» مثل: والله ما وطئتك، فهذا يكون للماضي. فإذا قال: «والله لا وطئتك أبداً» فهو مولٍ؛ لأن أبداً تزيد على أربعة أشهر. وكذلك لو قال: «والله لا وطئتك» فهو مولٍ. قوله: «أو عَيَّن مدة تزيد على أربعة أشهر» مثل أن يقول:

стр. 5439

والله لا وطئتك لمدة مائة وواحد وعشرين يوماً، فهذه المدة تزيد على أربعة أشهر يوماً واحداً، فهو مولٍ. قوله: «أو حتى ينزل عيسى» أي: قال: والله لا وطئتك حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵇ من السماء، فهل هذه المدة تزيد على أربعة أشهر؟ الله أعلم، لكن هذا هو الغالب، مثل ما يقول الناس: والله ما أكلم فلاناً حتى تقوم الساعة، فهذا يعتبر كالتأبيد. وسبق لنا بالنسبة لنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نزولاً حقيقياً إلى الأرض، وهو حي الآن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وأما قوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] فالمعنى مُنِيمُك، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقيل: معناها ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: قابضك، كما يقول القائل: توفيت دَيني، أي: قبضته، وليست وفاة النوم، هذا هو الصحيح؛ لأن عيسى ابن مريم ﵇ ينزل في آخر الزمان كما جاءت الأحاديث، وصحت عن رسول الله ﷺ (١). قوله: «أو يخرج الدجال» «الدجال» صيغة مبالغة من الدجل، وهو الكذب والتمويه، وهذا الدجال يكون في آخر الزمان، يخرج قبل نزول عيسى ﵊، ويدعي أول ما يخرج النبوة، ثم يدعي الربوبية، ثم يعطيه الله تمكيناً

стр. 5440

يفتتن به من شاء الله، فإنه يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، فإذا تبعه أهل البادية فإنه ترجع عليهم إبلهم أسبغ ما تكون درّاً، وأوفر ما تكون سِمَناً، وإذا عصوه أو كذبوه أصبحوا ممحلين، تتبعه أنعامهم كأنها النحل (١)، هذا الدجال ـ والعياذ بالله ـ فتنته عظيمة، ولهذا أمر النبي ﷺ من سمعه أن ينأى عنه، وقال: «إن الرجل يأتيه فيحسب أنه مؤمن، ثم لا يزال به حتى يفتنه، فمن سمع به فلينأَ عنه» (٢)، ففتنته عظيمة جداً، لكن أخبرنا نبينا ﵊ أن معه جنة وناراً، ولكن جنته نار وناره ماء طيب عذب، ولكنه يموه على الناس، ولهذا سمي الدجال، ويمكث في الأرض أربعين يوماً، اليوم الأول كسنة، اثني عشر شهراً، والثاني كشهر، والثالث كأسبوع، والرابع كسائر أيامنا، ولما حدث النبي ﵊ بهذا الحديث، قالوا: يا رسول الله اليوم الواحد يكفينا فيه صلاة واحدة؟ قال: «لا، اقدروا له قدره» (٣)، فبين الرسول ﵊ أننا نصلي في هذا اليوم صلاة سنة كاملة، وفي هذا إبطال لقول أهل الفلك أن الأفلاك ما تتغير لا بانشقاق، ولا بتأخر، ولا بتقدم، وهذا بناء منهم على أنها أزلية، والأزلي أبدي لا يتغير، ولكنهم كذبوا فإن الأفلاك مخلوقة لله يتصرف فيها كما يشاء .

стр. 5441

فإذا قال المولي: حتى يخرج الدجال، فالمدة تزيد على أربعة أشهر غالباً. أَوْ حَتَّى تَشْرَبِي الخَمْرَ، أَوْ تُسْقِطِي دَيْنَكِ، أَوْ تَهَبِي مَالَكِ، وَنَحْوَهُ فَمُولٍ، فَإِذَا مَضَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَمِينِهِ ـ وَلَوْ قِنّاً ـ فإِنْ وَطِئَ وَلَوْ بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ فَقَدْ فَاءَ، وَإِلاَّ أُمِرَ بالطَّلَاقِ، .......................... قوله: «أو حتى تشربي الخمر» قال: لا وطئتك حتى تشربي الخمر، وهذا ليس معناه أن الخمر حلال، لكن لو فرض أن الزوج قاله، وإلا فحرام عليه أن يقول مثل هذا القول؛ لأن هذا قد يحدوها إلى شرب الخمر إذا اشتاقت إلى زوجها، وهذا قد يقع من بعض السفهاء يكون هو ـ والعياذ بالله ـ مفتوناً بشرب الخمر، فيقول: والله ما أطؤك حتى تشربي الخمر، نقول: هذا يؤمر بالجماع ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ وإلا يفسخ النكاح منه. وظاهر كلام المؤلف مطلقاً، ولكن ينبغي أن يحمل على ما إذا لم تكن نصرانية أو يهودية؛ لأنهم يعتقدون حلَّ شرب الخمر، فهي تشربه، فإذا قال: والله لا أطؤك حتى تشربي الخمر لا تمتنع. قوله: «أو تسقطي دَينك» هذا الزوج يقترض من زوجته، فزوجته مدرِّسة، كلما جاء الراتب قال: اقرضيه لي، حتى اجتمع عنده ثلاثون ألفاً، أو أربعون ألفاً، فقال: والله ما أطؤك حتى تسقطي دينك عليّ، فهذا إيلاء؛ لأنه ما له حق أن يجبرها على أن تسقط دينها، سواء كان هذا الدين عليه أو على غيره، حتى لو كان الدين على صاحبٍ له، وقال: والله لا أطؤك حتى تسقطي الدين الذي على فلان لك، قلنا: هذا حرام، ولا يجوز وأنت مولٍ. قوله: «أو تهبي مالَكِ» قضاء الدين وهبة المال بينهما فرق، قال: والله ما أطؤك حتى تعطيني حُلَّتك، فهذا هبة مال، أو تعطيني حليك، أو ما أشبه ذلك، فإنه يعتبر إيلاء؛ لأنه يحرم عليه أن يجبرها على هبة المال.

стр. 5442

وفي هذه الحال لو أعطته أو أسقطت دينها فإن يلزمه أن يطأ؛ لأنه علقه على فعل شيء حصل. قوله: «ونحوه» يعني ونحو ما ذكر مما يضرها، أو يحرم عليها شرعاً، أو يمتنع عليها حِسّاً، فإذا علق وطأها بما يمتنع حِسّاً أو شرعاً أو يشق عليها ويضرها، فإنه يكون مولياً بذلك، فلو قال: لا أطؤك حتى تطيري من هنا إلى مكة، فهذا مستحيل، ولا تقل: يمكن أن تطير بالطيارة؛ لأنه بالطيارة ليست هي التي طارت، لكنه طِير بها، وهو يقول: حتى تطيري أنت. قوله: «فمول» خبر لمبتدأ محذوف، مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، هذا هو المولي فما حكمه؟ قال المؤلف: «فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ـ ولو قنّاً ـ فإن وطئ ولو بتغييب حشفة فقد فاء، وإلا أُمر بالطلاق» يقول المؤلف: يُضرب له أربعة أشهر، وهل ابتداؤها من المطالبة أو من الإيلاء؟ كلام المؤلف صريح في أن الابتداء من الإيلاء لا من المطالبة، والدليل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، و «تربص» مبتدأ و «للذين» خبر مقدم، فجعل الله التربص مقروناً بوصف وهو الإيلاء، وهذا الوصف يثبت من اليمين، إذاً فالآية تدل على أن ابتداء المدة من اليمين؛ لأنه من حين أن يحلف يصدق عليه أنه مولٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ فإذا آلى في اليوم السابع والعشرين من شهر محرم ولم تطلبه إلا في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، فيكون مضى

стр. 5443

عليه شهران، فهل تبدأ المدة من سبع وعشرين ربيع الأول، وتكمل أربعة أشهر فتكون ستة أشهر من اليمين، أو تكمِّل شهرين فقط؟ الجواب: تكمِّل شهرين فقط؛ لأن هذا الرجل من سبع وعشرين محرم صار مولياً، وقد قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. وقوله: «أربعة أشهر» هذا مبني على القول بأن الرجل لا يلزمه أن يجامع زوجته إلا في كل أربعة أشهر مرة، فلا يجب إذاً على هذا القول أن يجامع زوجته في السنة إلا ثلاث مرات، مع أنه رجل شاب وهي شابة، يقولون: ليس لها حق إلا في كل أربعة أشهر مرة، لكن هذا القول في غاية الضعف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وليس من المعروف أبداً أن يبقى الزوج مع زوجته الشابة، وهما حديثا عهد بعرس، ويجامعها أول ليلة، ثم إذا تزينت له وأرادت منه ما تريده المرأة من زوجها، قال: اصبري، بقي أربعة أشهر، فهل هذا من المعاشرة؟! لا، ليس من المعاشرة، ولهذا فالقول الراجح في هذه المسألة أنه يجب أن يجامع زوجته بالمعروف، إلا إذا كان هناك سبب، كضعف فيه، أو مرض أو شيء في الزوجة يتكره منه أو ما أشبه ذلك. وقوله: «ولو قناً» إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن القن يجعل له نصف المدة، كما أن القنة عدتها نصف العدة، والصواب: أن القن والحر واحد. وقوله: «فإن وطئ ولو بتغييب حشفة» ولو لم ينزل؛ لأنه

стр. 5444

يصدق عليه أنه وطئ، ولهذا يجب به الغسل، ويثبت به المهر، ويلحق به النسب، وتترتب عليه جميع الأحكام المرتبة على إيلاج جميع الذكر، فإذا كان كذلك فإنه إذا حصل الإيلاج ولو بقدر الحشفة فإنه يثبت الرجوع، ويقال: إن هذا الرجل فاء يعني رجع، ولكن هل يحصل به كمال اللذة؟ لا، ولو أن الرجل صار لا يجامع زوجته إلا بمقدار الحشفة لقلنا: إنه لم يعاشرها بالمعروف، وإذا كان قد جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قد نهى الرجل أن ينزع قبل أن تقضي المرأة حاجتها ولا يعجلها (١)، فكيف نقول: إن هذا الرجل قد فاء إلى المعاشرة بالمعروف لمجرد أنه غيب الحشفة؟! وقوله: «فقد فاء» اختار كلمة «فاء» موافقة للقرآن: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. وقوله: «وإلا أمر بالطلاق» يعني وإلا يفعل قال له الحاكم: طلق، لكن هل يأمره بالطلاق وإن لم تطلب المرأة ذلك؟ الجواب: ظاهر كلام المؤلف أنه يأمره بالطلاق وإن لم تطلب، لكن هذا غير مراد، بل لا حق له أن يأمره بالطلاق حتى تطلب المرأة؛ لأن الحق لها، وهي قد تقول: أنا أرضى أن أبقى معه وإن لم تحصل الرجعة؛ لأنها تريد أن تبقى في بيتها وعند أولادها وفي سكنها، لكن إذا طلبت قالت: إما أن يرجع أو يطلق، أمره الحاكم بالطلاق. فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ وَاحِدَةً أَوْ ثَلاثاً أَوْ فَسَخَ، وَإِنْ وَطِئَ فِي الدُّبُرِ أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَمَا فَاءَ، وَإِن ادَّعَى بَقَاءَ الْمُدَّةِ، أَو أَنَّهُ وَطِئَهَا، وَهِيَ ثَيِّبٌ، صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وإِنْ كَانَتْ بِكْراً أَوِ ادَّعَتِ الْبَكَارَةَ وَشَهِدَ بِذلِكَ امْرَأَةٌ عَدْلٌ صُدِّقَتْ، ..................................... قوله: «فإن أبى طلق حاكم عليه» أي: على المولي.

стр. 5445

قوله: «واحدة أو ثلاثاً أو فسخ» خيَّر المؤلف ﵀ الحاكم بين أمور ثلاثة: أن يطلق عليه مرة واحدة، أو يطلق عليه ثلاثاً، أو يفسخ، فإن طلق عليه طلقة واحدة طلقت واحدة، ولزوجها أن يراجعها ما دامت في العدة، وإن طلق عليه ثلاثاً طلقت ثلاثاً ولا تحل لزوجها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، وإن فسخ انفسخ النكاح، ولا يحسب من الطلاق، ولكن لا رجوع له عليها إلا بعقد. وقوله: «واحدة أو ثلاثاً أو فسخ» «أو» هنا للتخيير، فيخير الحاكم بين أن يطلق واحدة، أو يطلق ثلاثاً، أو يفسخ، فيجب عليه أن يختار الأصلح، وأيهما أصلح؟ إذا كانت هذه الطلقة هي الأخيرة فالطلقة الواحدة، كالثلاث لا فرق، وحينئذٍ نقول: اعدل عن الطلاق إلى الفسخ؛ لأن هذا أهون، فإنك إذا فسخت امتنع رجوع الزوج عليها إلا بعقد، فيكون عنده شيء من السَّعَة، وإذا كانت هذه هي الطلقة الأولى، فالطلاق الثلاث لا منفعة لها فيه، وحينئذٍ يبقى الطلاق أو الفسخ فأيهما أحسن؟ قد يكون الطلاق أحسن، وهو لا شك أحسن بالنسبة للزوج، وقد يكون الفسخ أحسن إذا كانت المرأة قد تعبت من معاشرة الزوج، وتريد الفكاك منه، وعليه فنقول: «أو» في كلام المؤلف للتخيير، ويجب على الحاكم أن يأخذ بما هو أصلح، ولكل قضية حكمها، فقد تكون بعض القضايا الطلقة الواحدة أفضل، أو الثلاث، أو الفسخ، على أن القول الراجح أنه وإن طلق ثلاثاً فالثلاث واحدة، يعني لو قال الحاكم: اشهدوا أن زوجة فلان التي آلى منها طالق، ثم هي طالق، ثم هي

стр. 5446

طالق، أريد الثلاث، فالقول الراجح أن هذه واحدة، وعليه فلا يملك الطلاق الثلاث؛ لأنها لن تفيد زيادة بينونة، وهي وقوع في المحرم؛ لأن الطلاق الثلاث محرم إلا بعد أن يراجع زوجته ثم يطلقها بعد إن بدا له. قوله: «وإن وطئ في الدبر أو دون الفرج فما فاء» لأن الدبر الوطء فيه محرم، ولا يحصل به كمال الاستمتاع، والمؤلف يحكي أمراً واقعاً، وليس يحكم بهذا، فلا يحل للرجل أن يطأ زوجته في دبرها فإن فعل وداوم عليه وجب أن يفرق بينه وبين زوجته؛ لأنه أصرَّ على أمرٍ محرم. وقوله: «أو دون الفرج» أي: وطئ فيما دون الفرج، يعني فيما بين الفخذين مثلاً فإنه لا يفيء؛ لأن هذا ليس هو الجماع الذي يحصل به كمال اللذة، وهذا الوطء جائز لا بأس به. فإن وطئها في الحيض فالظاهر أنه لا يصح؛ لأن الوطء في الحيض لا يحصل به كمال الاستمتاع، اللهم إلا أن يقول: إنه فعل ذلك ليبادر الزمن، وأنه مستعد أن يجامع إذا طهرت، فهذا ربما نقول إنه عودة، وأنه لا يلزم بطلاق أو فسخ، ويلزم بالجماع بعد الطهر. قوله: «وإن ادعى بقاء المدة أو أنه وطئها وهي ثيب صُدِّق مع يمينه» ادعى بقاء المدة وهي أربعة أشهر، فقالت الزوجة: إنه قد تم له أربعة أشهر فليطلق، وقال هو: إنها لم تتم أربعة الأشهر، فالأصل بقاء المدة، لكن لما كان قول المرأة محتملاً قلنا: لا بد

стр. 5447

أن يحلف فيُصدق بيمينه، أو ادعى أنه وطئها وهي ثيب فإن القول قوله. فإذا قال قائل: الأصل عدم الوطء؟! فالجواب: أن هذا أمر خفي لا يعلم إلا من جهته، فإن الإنسان إذا أراد أن يفيء إلى أهله لا يقول للناس: تعالوا اشهدوا، فلا يكلف البينة بأمر لم تجرِ به العادة؛ ولأننا لو فتحنا هذا الباب لتسلطت المرأة على زوجها، وقالت: إنه لم يجامع، فإذا كانت ثيباً فالقول قوله لكن مع يمينه، فإن أبى أن يحلف قضي عليه بالنكول، فيحكم عليه بالطلاق فإن أبى أن يطلق طلق القاضي. ويستثنى من ذلك إذا دلت القرينة على كذبه، مثل أن تكون المرأة في هذه المدة عند أهلها، وهي ثيب، ويدعي أنه وطئها فلا نقبله؛ لأن القرينة تكذبه، فلو قال: أنا جئت بالليل وأهلها غير موجودين وجامعتها، نقول: هذا خلاف الظاهر، فلا نقبل قوله. فتبين أنه إذا ادعى بقاء المدة فالقول قوله؛ لأن الأصل البقاء، وإذا ادعى أنه جامعها وهي ثيب فالقول قوله؛ لأن هذا أمر خفي لا يعلم إلا من جهته فصدق فيه. قوله: «وإن كانت بكراً أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأة عدل صُدِّقت» إن كانت بكراً، وقال: إنه جامعها، وقالت: ما جامعها، وشهدت امرأة ثقة بأن بكارتها لم تَزُل، فالقول قولها؛ لأن الظاهر

стр. 5448

معها، فالبكارة ما تبقى مع الجماع. وهنا اكتفينا بامرأة واحدة، مع أن المعروف أن شهادة المرأتين الثنتين بشهادة رجل، فكيف قبلنا شهادة امرأة واحدة؟ قال أهل العلم: لأن هذا مما لا يطلع عليه إلا النساء غالباً، فاكتفي فيه بشهادة امرأة واحدة كالرضاع، فالرضاع يُكتفى فيه بشهادة امرأة واحدة كما في الحديث الصحيح (١)، وهذا مثله؛ وفي وقتهم لا شك أن هذا هو الواقع أن النساء ما يكشف عليهن في مثل هذه الأحوال إلا النساء، لكن الآن يكشف النساء والرجال، ولكن ما قاله الفقهاء ﵏ معتمد صحيح، أنه إذا شهدت امرأة عدل أن بكارتها لم تزل فإن قوله: إنه جامعها، ليس بصحيح، والقول قولها. وقوله: «امرأة عدل» قد تشكل، كيف تكون الصفة مذكرة، والموصوف مؤنثاً؟ وجواب هذا الإشكال أن كلمة «عدل» مصدر، والمصدر إذا وصف به بقي على إفراده وتذكيره، فتقول: رجال عدل، وامرأة عدل، ورجل عدل، قال ابن مالك ﵀ في الألفية: ونعتوا بمَصْدرٍ كثيرا فالتزموا الإفرادَ والتذكيرا وعلى هذا فلا إشكال في كلام المؤلف.

стр. 5449

إِنْ تَرَكَ وَطْأَهَا إِضْراراً بِهَا، بِلَا يَمِينٍ وَلَا عُذْرٍ فَكَمُولٍ. قوله: «وإن ترك وطأها إضراراً بها بلا يمين ولا عذر فكمولٍ» يعني فهو كمولٍ، كرجل ترك وطء زوجته بدون يمين، لكن تركه إضراراً بها فهذا آثم، فنجعل حكمه حكم المولي، فيضرب له على كلام المؤلف أربعة أشهر منذ ترك، لكن بشرط أن يكون المقصود الإضرار بها، فنقول: إما أن تجامع وتعاشر بالمعروف، وإلا إذا طلبت الفسخ فسخ. وقيل: إنه ليس كمولٍ، ولا يمكن أن نجعل حكمه كحكمه مع اختلاف الواقع، وهذا أصح أن الذي يترك وطأها إضراراً بها، بدون يمين وبدون عذر أنه ليس بمولٍ، بل يطالب بالمعاشرة بالمعروف، وإلا تملك الفسخ أو الطلاق، والفرق بينه وبين المولي، أن المولي آلى وحلف فترتب على حلفه التربص الذي ذكره الله ؛ مراعاةً ليمينه، أما هذا فمجرد إضرار بها، وقد قال الرسول ﵊: «لا ضرر ولا ضرار» (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، فكيف نقول: إن الضرار أربعة أشهر؟! فالصواب في هذا أن يقال: إن من ترك وطأها إضراراً بها،

стр. 5450

وليس له عذر فإنه يطالب بالرجوع فوراً، والمعاشرة بالمعروف، وإلا فيُطلق عليه. وقوله: «ولا عذر» فإن كان هناك عذر فإنه ليس كالمولي، ويبقى حتى يزول عذره، وهل من العذر إذا نشزت أو خاف نشوزها وهجرها؟ نعم، لقول الله ﵎: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].

стр. 5451

كِتَابُ الظِّهَارِ قوله: «الظهار» مصدر ظاهر يظاهر ظهاراً، مثل قاتل يقاتل قتالاً، وجاهد يجاهد جهاداً، هو مشتق من الظهر؛ لأن الظهر هو محل الركوب والمرأة مركوب عليها، فلهذا سمي هذا النوع من معاملة الزوجة ظهاراً. والظهار أن يشبه الرجل زوجته بأمه، فيقول: أنت علي كظهر أمي، وهذه الكلمة ظهار بالإجماع، ولو نوى بها الطلاق فإنها تكون ظهاراً، وكانوا في الجاهلية يجعلون الظهار طلاقاً بائناً، ولهذا لو قال إنسان: أنا أريد بالظهار الطلاق، قلنا له: لا نقبل هذه النية؛ لأننا لو قبلنا نيته لرددنا الحكم في الإسلام إلى الحكم في الجاهلية، ولأن لفظه صريح في الظهار، والصريح لا تقبل نية خلافه، كما مر علينا في صريح الطلاق أنه لو قال: أنت طالق، ثم قال: ما أردت الطلاق، فإنه لا يقبل منه، ولو قال: أنت طالق طلقة واحدة وقال: أردت ثلاثاً ما يقبل؛ لأنه لفظ صريح، ولو قال: أنت طالق ثلاثاً وقال: أردت واحدة ما يقبل، كذلك إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي، وقال: أردت الطلاق، فإنه لا يقبل؛ لعلتين: أولاً: أنه مخالف لصريح اللفظ، وما خالف الصريح فغير مقبول. ثانياً: أننا لو قبلنا ذلك لرددنا حكم الظهار من الإسلام إلى الجاهلية، وهذا أمر لا يجوز؛ لأن الإسلام أبطله.

стр. 5452

فإذا قال: أنت علي كأمي، أي: في المودة والاحترام والتبجيل فليس ظهاراً؛ لأنه ما حرمها، وإذا قال: أنت أمي، فحسب نيته، فإذا أراد التحريم فهو ظهار، وإذا أراد الكرامة فليس بظهار؛ فإذا قال: يا أمي تعالي، أصلحي الغداء فليس بظهار، لكن ذكر الفقهاء ﵏ أنه يكره للرجل أن ينادي زوجته باسم محارمه، فلا يقول: يا أختي، يا أمي، يا بنتي، وما أشبه ذلك، وقولهم ليس بصواب؛ لأن المعنى معلوم أنه أراد الكرامة، فهذا ليس فيه شيء، بل هذا من العبارات التي توجب المودة والمحبة والألفة. مسألة: لو شبهها بغير أمه، فهل هو ظهار؟ لو قال: أنت عليّ كظهر أختي، أيكون ظهاراً؟ من أخذ بظاهر اللفظ قال: ليس بظهار؛ لأن ظهر غير الأم لا يساوي ظهر الأم؛ إذ إن استحلال الأم أعظم من استحلال الأخت، فيكون تشبيه الزوجة التي هي أحل شيء بالأم التي هي أحرم شيء أقبح مما إذا شبهها بالأخت، فلا يقاس عليه، لكن جمهور أهل العلم على خلاف هذا القول، وأن الظهار لا يختص بالأم، بل يشملها ويشمل غيرها. وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَمَنْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ، أَوْ بَعْضَها بِبَعْضِ، أَوْ بِكُلِّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَداً بِنَسَبٍ، أَوْ رَضَاعٍ مِنْ ظَهْرٍ، أَوْ بَطْنٍ، ........................... قوله: «وهو محرَّم» يعني أن الظهار محرَّم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] فكذبهم الله تعالى شرعاً وقدراً، قدراً في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ وشرعاً في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ والمنكر حرام، والزور حرام.

стр. 5453

فإذا قال قائل: ما وجه وصفه بالمنكر والزور؟ قلنا: هذه الصيغة «أنت علي كظهر أمي» تضمنت خبراً وإنشاءً، فالخبر أن زوجته كظهر أمه وهذا زور وكذب، والإنشاء هو إنشاء تحريمها، وهو حرام، فيكون منكراً، فصار منكراً باعتباره إنشاء للظهار، وزوراً باعتباره كذباً. أما تعريفه فقال المؤلف: «فمن شبه زوجته أو بعضها ببعض أو بكل من تحرم عليه أبداً، بنسب، أو رضاع من ظهر أو بطن» فقوله: «فمن شبه» عامة تشمل البالغ والصغير، وأما المجنون فما تشمله؛ لأن المجنون لا قصد له، فيصح الظهار من الزوج الصغير. وعلم من قوله: «شبه زوجته» أنه لا بد أن يكون قد عقد عليها عقداً صحيحاً، فإن ظاهر من امرأة ثم تزوجها بعد فإنه لا يكون ظهاراً؛ لأنه حين ظاهر منها لم تكن زوجته، وهذا الذي يفيده كلام المؤلف هو الحق، أن الظهار لا يصح إلا من الزوجة، والمشهور من المذهب أن الظهار يصح من الأجنبية التي ما تزوجها، فإذا قال لامرأة ما تزوجها: أنت علي كظهر أمي، فإذا تزوجها نقول: لا تجامعها ولا تقربها حتى تكفر كفارة الظهار، والصحيح أنه لا يصح، والدليل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] ولا تكون المرأة من نسائهم إلا بعقد، فهو كقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. وقوله: «أو بعضها» أي: شبه بعضها، بأن قال: يدك علي كظهر أمي، نقول: هذا مظاهر؛ لأن التحريم لا يتبعض، فلا

стр. 5454

يوجد امرأة يدها حلال وجسمها حرام، ولا العكس، ولهذا سبق لنا أنه لو طلق عضواً من أعضائها طلقت؛ لأن الطلاق لا يتبعض. وقوله: «ببعض أو بكل من تحرم عليه» فالمشبه بها لا فرق بين الكل والبعض، فلو قال: أنت علي كيد أمي صح الظهار، مثل: أنت علي كظهر أمي، فالظهر جزء من الأم، إذاً إذا شبه الزوجة كلها أو بعضها بمن تحرم عليه كلها أو بعضها صح الظهار؛ لأن الظهار لا يمكن أن تبعض؛ إذ لا يمكن أن تكون يد امرأة حلال له وبقية بدنها حرام، فلما لم يكن متبعضاً صار البعض كالكل. وقوله: «بمن تحرم عليه أبداً» أفاد المؤلف: أنه لا بد أن يكون المشبه بها ممن تحرم عليه أبداً، يعني تحريماً مؤبداً، احترازاً من التي تحرم عليه إلى أمد كأخت زوجته، فلو قال لزوجته: أنت حرام علي كظهر أختك، فأختها حرام عليه ما دامت الزوجة معه، لكن لو بانت الزوجة منه لحلَّت له أختها، فهذا لا يكون ظهاراً. وقوله: «ببعض أو بكل من تحرم عليه» لو شبهها بأجنبية لم يعقد عليها، قال: أنت علي كفلانة، فلا يكون مظاهراً؛ لأنها لا تحرم عليه. ولو شبهها بظهر أبيه، قال: أنت علي كظهر أبي فغير ظهار؛ لأن المؤلف يقول: «بمن تحرم عليه». إذاً لو شبهها بأي رجل من الرجال فليس بظهار، ولو شبهها بامرأة أجنبية فليس بظهار، ولو شبهها بمن تحرم عليه إلى أمد فليس بظهار.

стр. 5455

وقوله: «بنسب أو رضاع» النسب معروف، والمحرمات بالنسب عدَّدَهن الله في القرآن، فقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] فهن سبع: الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، والأخت، والعمَّة وإن علت، والخالة وإن علت، وبنت الأخ وإن نزلت، وبنت الأخت وإن نزلت، هؤلاء سبع. ونظير هؤلاء السبع من الرضاع حرام؛ لقول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (١)، وهذا تبيين للقرآن، فالقرآن يقول: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] فجاءت السنة لتبيين هذا، فنقول: الأم من الرضاع وإن علت، والبنت من الرضاع وإن نزلت، والأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع وإن علت، والخالة من الرضاع وإن علت، وبنت الأخ من الرضاع وإن نزلت، وبنت الأخت من الرضاع وإن نزلت. فلو قال الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي من الرضاع صار مظاهراً؛ لأن الرسول ﵊ يقول: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وإن كان بلا شك أن بشاعة ظهر الأم من النسب أعظم من بشاعة ظهر الأم من الرضاع، وبنت الأخت من الرضاع ليست مثل بنت الأخت من النسب، لكن مع ذلك ما دام النبي ﷺ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فالحكم واحد.

стр. 5456

بقي صنف ثالث من المحرمات على التأبيد ما ذكره المؤلف، وهو المحرمات بالصهر، فظاهر كلام المؤلف أنه لو شبه زوجته بأمها، فقال: أنت علي كظهر أمك، فظاهر كلامه أنه ليس بظهار؛ لأنه قال: «بنسب أو رضاع» ولكن سيأتي في كلام المؤلف أن المحرمات بالصهر كالمحرمات بالرضاع. إذاً القاعدة: من شبه زوجته أو بعضها ببعض أو بكل من تحرم عليه تحريماً مؤبداً بنسب أو رضاع أو مصاهرة فهو مظاهر. وقوله: «من ظهر» هذا بيان لقوله: «ببعض من تحرم عليه» فيقول: أنت عليَّ كظهر أمي. وقوله: «أو بطن» كأن يقول: أنت علي كبطن أمي. أَوْ عُضْوٍ آخَرَ لَا يَنْفَصِلُ، بِقَوْلِهِ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ، أَوْ مَعِي، أَوْ مِنِّي كَظَهْرِ أَمِّي، أَوْ كَيَدِ أُخْتِي، أَوْ وَجْهِ حَمَاتِي وَنَحْوِهِ، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ فَهُوَ مُظَاهِرٌ، وَإِنْ قَالَتْهُ لِزَوْجِهَا فَلَيْسَ بِظِهَارٍ، وَعَلَيْهَا كَفَّارَتُهُ. وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ. قوله: «أو عضو آخر لا ينفصل» مثل اليد والرجل والأصبع، فلو قال: أنت علي كشعر رأس أمي، فليس مظاهراً؛ لأن الشعر في حكم المنفصل، وإذا انفصل عنها فليس له حكم. قوله: «بقوله لها: أنت عليَّ أو معي أو مني كظهر أمي، أو كيد أختي، أو وجه حماتي ونحوه». التحريم بالمصاهرة كالتحريم بالرضاع والنسب، فيكون التشبيه بالمُحرَّمة بالمصاهرة، كالتشبيه بالمُحرَّمة من النسب والرضاع، والمحرمات بالصهر على الزوج أم زوجته وإن علت، وبنتها وإن نزلت، لكن بشرط أن يكون قد دخل بأمها؛ لقوله

стр. 5457

تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَاَّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فإذا قال لزوجته: أنت عليَّ كبنتك من فلان، فهو مظاهر؛ لأنه شبهها بمن تحرم عليه بالصهر، وإذا قال: أنت عليّ كظهر ابنتك مني فهو مظاهر؛ لأنه شبهها بمن تحرم عليه بالنسب. وقوله: «حماتي» الحماة أم الزوجة، أو قريباتها، لكن هنا يقصد أمها؛ لأن باقي القريبات تحرم عليه إلى أمد، فإذا قال: أنت علي كظهر أمك أو بطنها، أو يدها، أو رجلها أو أنفها أو شفتها، أو ما أشبه ذلك فهو مظاهر. قوله: «أو أنت علي حرام» إذا قال: أنت عليّ حرام، فهو مظاهر، وقد سبق لنا في هذه المسألة تفصيل، فالمذهب أنه ظهار في كل حال، ولو نوى الطلاق أو اليمين. والصواب أن في ذلك تفصيلاً: أولاً: إذا قال: أنت عليَّ حرام فالأصل أنه يمين، وإذا كان الأصل أنه يمين صار حكمه حكم اليمين، فيكفر كفارة يمين وتحل له، والدليل على هذا قول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢]، والزوجة مما أحل الله له، فإذا حرمها فهو يمين، وما ذهب إليه المؤلف وغيره من الفقهاء قول مرجوح بلا شك، ولهذا صح عن ابن عباس ﵄ أن من حرم زوجته فإنه يمين يكفرها (١).

стр. 5458

ثانياً: إذا قصد الإنشاء، فإن نوى اليمين فهو يمين، وإن نوى الطلاق صار طلاقاً؛ لأن هذه الكلمة يصح أن يراد بها الطلاق، فإن الطلاق يحرم الزوجة، فيصح أن ينوي بها الطلاق لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، وهذا نوى معنى ينطبق عليه هذا اللفظ، وإن نوى الظهار فهو ظهار؛ لأنه يحتمل كل هذه المعاني. ثالثاً: أن يقول: أنت علي حرام مخبراً بتحريمها، يعني أنت عليَّ حرام بدل أن تكوني حلالاً، فهنا نقول له: كذبت، إلا أن تكون في حال يحرم عليه جماعها كالحائض والنفساء، والمحرمة بحج أو عمرة، ويريد بذلك الجماع فنقول: صدقت، وهذا القسم ليس فيه كفارة؛ لأنه إما كاذب وإما صادق فلا حنث فيه، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة. قوله: «أو كالميتة» إن قال: أنت كالميتة، وقال: أنا أريد ميتة السمك، وميتة السمك حلال، لكنه خلاف الظاهر؛ لأنه عند الإطلاق إذا قيل ميتة فإنما يراد بذلك الميتة المحرمة، فيُدَيَّن، وقد سبق لنا أننا إذا قلنا: يدين، فإننا ننظر إلى حال الزوج، إن كان رجلاً صادقاً يخاف الله فإنه لا يجوز للمرأة أن تحاكمه، وإن كان أمره بالعكس فإنه يجب عليها أن تحاكمه. ثم إن قد يكون هناك قرينة تمنع دعواه أنه أراد ميتة السمك، وذلك فيما إذا كان في مغاضبة بينه وبين الزوجة، فقال: أنت عليَّ مثل الميتة، ثم قال: أردت ميتة السمك فهنا القرينة تكذبه. قوله: «والدم» قال: أنت عليّ كالدم، والدم حرام، لكن

стр. 5459

يوجد دم حلال، وهو الكبد والطحال، فإذا قال: أنا نويت الحلال دُيِّنَ؛ لأن هذا خلاف الظاهر، وما كان خلاف الظاهر فإنه لا يقبل منه حكماً. قوله: «فهو مظاهر» لكن سبق لنا في كلام المؤلف أنه إذا نوى بقوله: كالدم، والميتة، والخنزير الطلاق فهو طلاق، وإن نوى اليمين فهو يمين، وكلام المؤلف هنا لا يعارض كلامه فيما سبق، فيحمل كلامه هنا على ما إذا نوى الظهار، أو لم ينوِ شيئاً، أما إذا نوى اليمين فهو يمين، وإذا نوى الطلاق فهو طلاق. قوله: «وإن قالته لزوجها فليس بظهار» أي: قالت المرأة لزوجها: أنت عليَّ كظهر أبي فهل تكون مظاهرة؟ لا؛ لأن الله قال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] ولم يقل: يظاهرون من أزواجهن، فجعل الظهار للرجل، فكما أنها لا تطلق نفسها، فلا تظاهر من زوجها. قوله: «وعليها كفارته» أي: عليها كفارة الظهار، وهذه من المسائل الغريبة أن يقال: ليس بظهار وعليها كفارته! فهذا شيء من عجائب العلم أن يُنفى الشيء، وتترتب آثاره؛ لأن الواجب إذا قلنا: ليس بظهار، أن لا يلزمها كفارة ظهار، وهل يمكن أن يوجد الأثر دون المؤثر؟! فكيف نوجب على المرأة كفارة الظهار ونحن نقول: إنه ليس بظهار؟! فهذا تناقض. مثال ذلك: قالت لزوجها: أنت علي كظهر أبي، فجاء زوجها في الليل، وطلب منها أن يجامعها، نقول: نعم، تمكنه من

стр. 5460

الجماع؛ لأنه ليس بظهار، ولكن يجب عليها أن تعتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكيناً. والقول الثاني في المسألة: أنها ليس عليها كفارة ظهار، وهو الصواب بلا شك، وأن عليها كفارة يمين فقط، فما دمنا حكمنا بأنه ليس بظهار، فكيف نلزمها بحكمه؟! لأن الكفارة فرع عن ثبوت الظهار، فإذا لم يثبت الظهار فكيف نقول بالكفارة؟! فالصواب: أن عليها كفارة يمين فقط؛ لأنه لا يعدو أن تكون قد حرَّمته ـ أي الزوج ـ فيكون داخلاً في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، فإذا قالت لزوجها: أنت علي كظهر أبي، ثم مكنته من جماعها، لزمها كفارة يمين، عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، على التخيير، فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام. قوله: «ويصح من كل زوجة» يعني يصح أن يظاهر الرجل من كل زوجة، سواء دخل بها أم لم يدخل، وسواء كانت صغيرة أم كبيرة، وسواء كانت يمكن وطؤها أو لا يمكن. وقوله: «ويصح من كل زوجة» علم منه أنه لا يصح من غير الزوجة، وسبق لنا أن المذهب يصح من الأجنبية، فإذا تزوجها لم يقربها حتى يكفر، وأن الصواب أنه في غير الزوجة لا يصح، ولكن إن عقد عليها لا يجامعها حتى يكفر كفارة يمين، كما لو قال: والله لا أجامع هذه المرأة ثم تزوجها، فإنها تحل له ولكن يكفر كفارة يمين.

стр. 5461

فَصْلٌ وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلاً، وَمُعَلَّقاً بِشَرْطٍ، فَإِذَا وُجِدَ صَارَ مُظَاهِراً، وَمُطْلَقاً، وَمُؤقَّتاً، ......... قوله: «ويصح الظهار معجلاً» يعني مُنجزاً، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي. قوله: «ومعلقاً بشرط» مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت عليَّ كظهر أمي، أو إذا دخل شهر ربيع فأنت عليَّ كظهر أمي. قوله: «فإذا وجد» الضمير يعود على الشرط. قوله: «صار مظاهراً» لأن القاعدة أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط. قوله: «ومطلقاً» يعني يصح غير موقت بوقت، بأن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي. قوله: «ومؤقتاً» أي: يصح بأن يقول: أنت علي كظهر أمي شهرين، أو أنت علي كظهر أمي شهراً، وما أشبه ذلك، ودليل ذلك أن سلمة بن صخر ﵁ ظاهر من زوجته شهر رمضان (١)، فهذا موقت بشهر رمضان، فيصح، وهذا ربما يجري من الإنسان، بأن يغضب على زوجته لإساءتها عشرته، فيقول: أنت علي كظهر أمي كل هذا الأسبوع، أو كل هذا الشهر، أو ما أشبه ذلك. وقوله: «يصح» يعني ينعقد، وليس معنى ذلك أن ذلك

стр. 5462

يحل، فإذا مضى الوقت وجامعها بعد مضي الوقت لا تجب عليه الكفارة؛ لأنه انتهت المدة فزال حكم الظهار. فَإِنْ وَطِئَ فِيهِ كَفَّرَ، وَإِنْ فَرَغَ الوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ، وَيَحْرُمُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ وَطْءٌ وَدَوَاعِيهِ مِمَّنْ ظَاهَرَ مِنْهَا، .......................... قوله: «فإن وطئ فيه كفَّر» لأنه وطئ في الوقت الذي هي عليه كظهر أمه. قوله: «وإن فرغ الوقت» ووطئ بعد الفراغ. قوله: «زال الظهار» أي: انتهى؛ لأن وقته انتهى. قوله: «ويحرم قبل أن يكفِّر وطء ودواعيه ممن ظاهر منها» ظاهر قول المؤلف: «قبل أن يكفِّر» أنه لا فرق بين أن تكون الكفارة عتقاً، أو صوماً، أو إطعاماً، ولننظر في الآيات: قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣] هذا واضح أنه يجب إخراج الكفارة قبل المسيس، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٤] فلو صام شهرين إلا يوماً واحداً، وفي آخر يوم جامع زوجته، نقول: أعد؛ لأن الله اشترط صيام شهرين متتابعين من قبل المسيس، فإن قال: لا أستطيع أن أبقى شهرين متتابعين صائماً، نقول: انتقل إلى إطعام ستين مسكيناً، ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤] وليس فيها ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾. وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين الأنواع الثلاثة، وأنه لا يجوز أن يجامع حتى يكفِّر، أما في مسألة العتق والصيام فظاهر، وأما في مسألة الإطعام فمشكل؛ لأن الله قيد النوعين الأولين ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ وسكت عن الثالث، وقد

стр. 5463

قال النبي ﵊: «ما سكت الله عنه فهو عفو» (١)، ولا يمكن أن يحمل هذا المطلق على المقيد؛ وإن كان السبب واحداً وهو الظهار؛ لأن الحكم مختلف، وإذا اختلف الحكم فإنه لا يحمل المطلق على المقيد؛ ولذلك لم نحمل مطلق قوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] على مقيده في آية الوضوء في قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] مع أن السبب واحد؛ وذلك لاختلاف الحكم، وهنا الحكم مختلف؛ ولذلك في مسألة الصيام أعاد الله تعالى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ولم يُحِل على التقييد في مسألة الرقبة، فلما قَيّد في الأول، وأتبعه قيداً في الثاني، وسكت عن الثالث عُلم أنه غير مراد، وأنه لا يشترط فيما إذا كان الإنسان غير قادر على الرقبة، ولا على الصيام، لا يشترط أن يقدم الكفارة؛ لأن الله ما اشترط ذلك، ولأَنَّهُ يجوز أن الله تعالى يسَّر في ذات الإطعام ويسَّر في كونه ليس بشرط في حلِّ الزوجة، فيكون الشارع راعى التيسير والتسهيل، ونظير ذلك مسح الرأس مثلاً، فهو مرة واحدة؛ لأنه لما يُسِّر في أصله يُسِّر في وصفه. وهذا توجيه قوي جداً، وهو أحد القولين في هذه المسألة، أنه إذا كان الواجب في الكفارة الإطعام فإنه يجوز أن يجامع قبل أن يكفِّر.

стр. 5464

وقال الآخرون: لا يجوز أن يجامع حتى يكفِّر بالإطعام أيضاً، واستدلوا لذلك بأن النبي ﵊ قال للمظاهر: «لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به» (١)، والله تعالى أمره بالثلاث، فظاهر الحديث العموم، وأنه لا يقربها حتى يكفّر بالإطعام. وقالوا أيضاً: إذا كان الله ـ تعالى ـ منع المظاهر من جماع الزوجة، حتى يمضي شهران، فمنعه إياها حتى يمضي ساعة أو ساعتان أو وأقل ـ إذ يمكن أن يطعم في أقل من ساعة ـ فمنعه هنا من باب أولى، كما أن الرقبة ـ أيضاً ـ قد لا يجدها في خلال شهر أو شهرين أو ثلاثة، مع كونه غنياً قالوا: فإذا كان هذا في المدة الطويلة، فالمدة القصيرة من باب أولى، وهذا القول وإن كان ضعيفاً من حيث النظر، لكنه قوي من حيث الاحتياط، فالأحوط أن لا يقربها حتى يكفّر بالإطعام، كما لا يقربها حتى يكفّر بالصيام والعتق. وقوله: «ودواعيه» دواعي الوطء كل ما يكون سبباً في الجماع كالتقبيل، والنظر إليها بشهوة، وتكراره، والضم، يقول المؤلف: إنها حرام؛ سداً للذرائع، وقياساً على المحرم فلا يجوز له أن يجامع ولا أن يباشر. وقال بعض أهل العلم: إن دواعي الجماع لا تحرم؛ لأن الله

стр. 5465

تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾، وعلى هذا فيجوز له أن يقبلها، ويضمها، ويخلو بها، ويكرر نظره إليها، إلا إذا كان لا يأمن على نفسه، فحينئذٍ تكون له فتوى خاصة بالمنع، وإلا فالأصل الجواز، وهذا القول أصح؛ وذلك لأن الله تعالى حرم التماس وهو الجماع، فأباح ما سواه بالمفهوم، لكن لو كان الرجل يعلم من نفسه ـ لقوة شهوته ـ أنه لو فعل هذه المقدمات لجامع فحينئذٍ نمنعه، ونظيره الصائم يحرم أن يجامع، ويجوز أن يباشر، والحائض يحرم وطؤها وتجوز مباشرتها، فالمهم أنه ليس هناك دليل أنه متى حرم الجماع في عبادة حرم دواعيه. وَلَا تَثْبُتُ الكَفَّارَةُ فِي الذِّمَّةِ إِلاَّ بِالوَطْءِ وَهُوَ العَوْدُ، وَيَلْزَمُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَهُ عِنْدَ العَزْمِ عَلَيْهِ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِتَكْرِيرِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَلِظِهَارِهِ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ فَكَفَّارَاتٌ. قوله: «ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء» لأنه شرط وجوبها، وأما الظهار فسبب، والسبب إذا كان مشروطاً لا يثبت إلا بوجود الشرط، كالزكاة، سبب وجوبها ملك النصاب، وشرط الوجوب تمام الحول، فلو تلف المال قبل تمام الحول فليس فيه زكاة، كذلك هذه المرأة لو ظاهر منها ثم طلقها فهل تجب عليه الكفارة؟ ما تجب عليه الكفارة؛ لأنه ما وجد شرط الوجوب وهو الجماع، ولهذا قال المؤلف: «ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء» فلو مات الرجل قبل أن يطأ، أو ماتت المرأة قبل أن يطأها، أو فارقها قبل أن يطأها، لم تجب الكفارة. فإن قال قائل: أليس قد وجد السبب وهو الظهار؟ قلنا: بلى، لكن هذا السبب مشروط، يشترط لوجوبه الوطء، ولكن لا يجوز الوطء إلا بعد إخراجها، فالإخراج شرط لحل الوطء، وليس شرطاً لثبوتها في الذمة، ولهذا قال المؤلف: «ولا تثبت في الذمة إلا بالوطء».
следующие страницы →