← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

فَصْلٌ وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلاً، وَمُعَلَّقاً بِشَرْطٍ، فَإِذَا وُجِدَ صَارَ مُظَاهِراً، وَمُطْلَقاً، وَمُؤقَّتاً، ......... قوله: «ويصح الظهار معجلاً» يعني مُنجزاً، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي. قوله: «ومعلقاً بشرط» مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت عليَّ كظهر أمي، أو إذا دخل شهر ربيع فأنت عليَّ كظهر أمي. قوله: «فإذا وجد» الضمير يعود على الشرط. قوله: «صار مظاهراً» لأن القاعدة أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط. قوله: «ومطلقاً» يعني يصح غير موقت بوقت، بأن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي. قوله: «ومؤقتاً» أي: يصح بأن يقول: أنت علي كظهر أمي شهرين، أو أنت علي كظهر أمي شهراً، وما أشبه ذلك، ودليل ذلك أن سلمة بن صخر ﵁ ظاهر من زوجته شهر رمضان (١)، فهذا موقت بشهر رمضان، فيصح، وهذا ربما يجري من الإنسان، بأن يغضب على زوجته لإساءتها عشرته، فيقول: أنت علي كظهر أمي كل هذا الأسبوع، أو كل هذا الشهر، أو ما أشبه ذلك. وقوله: «يصح» يعني ينعقد، وليس معنى ذلك أن ذلك

стр. 5462

يحل، فإذا مضى الوقت وجامعها بعد مضي الوقت لا تجب عليه الكفارة؛ لأنه انتهت المدة فزال حكم الظهار. فَإِنْ وَطِئَ فِيهِ كَفَّرَ، وَإِنْ فَرَغَ الوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ، وَيَحْرُمُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ وَطْءٌ وَدَوَاعِيهِ مِمَّنْ ظَاهَرَ مِنْهَا، .......................... قوله: «فإن وطئ فيه كفَّر» لأنه وطئ في الوقت الذي هي عليه كظهر أمه. قوله: «وإن فرغ الوقت» ووطئ بعد الفراغ. قوله: «زال الظهار» أي: انتهى؛ لأن وقته انتهى. قوله: «ويحرم قبل أن يكفِّر وطء ودواعيه ممن ظاهر منها» ظاهر قول المؤلف: «قبل أن يكفِّر» أنه لا فرق بين أن تكون الكفارة عتقاً، أو صوماً، أو إطعاماً، ولننظر في الآيات: قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣] هذا واضح أنه يجب إخراج الكفارة قبل المسيس، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٤] فلو صام شهرين إلا يوماً واحداً، وفي آخر يوم جامع زوجته، نقول: أعد؛ لأن الله اشترط صيام شهرين متتابعين من قبل المسيس، فإن قال: لا أستطيع أن أبقى شهرين متتابعين صائماً، نقول: انتقل إلى إطعام ستين مسكيناً، ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤] وليس فيها ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾. وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين الأنواع الثلاثة، وأنه لا يجوز أن يجامع حتى يكفِّر، أما في مسألة العتق والصيام فظاهر، وأما في مسألة الإطعام فمشكل؛ لأن الله قيد النوعين الأولين ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ وسكت عن الثالث، وقد

стр. 5463

قال النبي ﵊: «ما سكت الله عنه فهو عفو» (١)، ولا يمكن أن يحمل هذا المطلق على المقيد؛ وإن كان السبب واحداً وهو الظهار؛ لأن الحكم مختلف، وإذا اختلف الحكم فإنه لا يحمل المطلق على المقيد؛ ولذلك لم نحمل مطلق قوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] على مقيده في آية الوضوء في قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] مع أن السبب واحد؛ وذلك لاختلاف الحكم، وهنا الحكم مختلف؛ ولذلك في مسألة الصيام أعاد الله تعالى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ولم يُحِل على التقييد في مسألة الرقبة، فلما قَيّد في الأول، وأتبعه قيداً في الثاني، وسكت عن الثالث عُلم أنه غير مراد، وأنه لا يشترط فيما إذا كان الإنسان غير قادر على الرقبة، ولا على الصيام، لا يشترط أن يقدم الكفارة؛ لأن الله ما اشترط ذلك، ولأَنَّهُ يجوز أن الله تعالى يسَّر في ذات الإطعام ويسَّر في كونه ليس بشرط في حلِّ الزوجة، فيكون الشارع راعى التيسير والتسهيل، ونظير ذلك مسح الرأس مثلاً، فهو مرة واحدة؛ لأنه لما يُسِّر في أصله يُسِّر في وصفه. وهذا توجيه قوي جداً، وهو أحد القولين في هذه المسألة، أنه إذا كان الواجب في الكفارة الإطعام فإنه يجوز أن يجامع قبل أن يكفِّر.

стр. 5464

وقال الآخرون: لا يجوز أن يجامع حتى يكفِّر بالإطعام أيضاً، واستدلوا لذلك بأن النبي ﵊ قال للمظاهر: «لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به» (١)، والله تعالى أمره بالثلاث، فظاهر الحديث العموم، وأنه لا يقربها حتى يكفّر بالإطعام. وقالوا أيضاً: إذا كان الله ـ تعالى ـ منع المظاهر من جماع الزوجة، حتى يمضي شهران، فمنعه إياها حتى يمضي ساعة أو ساعتان أو وأقل ـ إذ يمكن أن يطعم في أقل من ساعة ـ فمنعه هنا من باب أولى، كما أن الرقبة ـ أيضاً ـ قد لا يجدها في خلال شهر أو شهرين أو ثلاثة، مع كونه غنياً قالوا: فإذا كان هذا في المدة الطويلة، فالمدة القصيرة من باب أولى، وهذا القول وإن كان ضعيفاً من حيث النظر، لكنه قوي من حيث الاحتياط، فالأحوط أن لا يقربها حتى يكفّر بالإطعام، كما لا يقربها حتى يكفّر بالصيام والعتق. وقوله: «ودواعيه» دواعي الوطء كل ما يكون سبباً في الجماع كالتقبيل، والنظر إليها بشهوة، وتكراره، والضم، يقول المؤلف: إنها حرام؛ سداً للذرائع، وقياساً على المحرم فلا يجوز له أن يجامع ولا أن يباشر. وقال بعض أهل العلم: إن دواعي الجماع لا تحرم؛ لأن الله

стр. 5465

تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾، وعلى هذا فيجوز له أن يقبلها، ويضمها، ويخلو بها، ويكرر نظره إليها، إلا إذا كان لا يأمن على نفسه، فحينئذٍ تكون له فتوى خاصة بالمنع، وإلا فالأصل الجواز، وهذا القول أصح؛ وذلك لأن الله تعالى حرم التماس وهو الجماع، فأباح ما سواه بالمفهوم، لكن لو كان الرجل يعلم من نفسه ـ لقوة شهوته ـ أنه لو فعل هذه المقدمات لجامع فحينئذٍ نمنعه، ونظيره الصائم يحرم أن يجامع، ويجوز أن يباشر، والحائض يحرم وطؤها وتجوز مباشرتها، فالمهم أنه ليس هناك دليل أنه متى حرم الجماع في عبادة حرم دواعيه. وَلَا تَثْبُتُ الكَفَّارَةُ فِي الذِّمَّةِ إِلاَّ بِالوَطْءِ وَهُوَ العَوْدُ، وَيَلْزَمُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَهُ عِنْدَ العَزْمِ عَلَيْهِ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِتَكْرِيرِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَلِظِهَارِهِ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ فَكَفَّارَاتٌ. قوله: «ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء» لأنه شرط وجوبها، وأما الظهار فسبب، والسبب إذا كان مشروطاً لا يثبت إلا بوجود الشرط، كالزكاة، سبب وجوبها ملك النصاب، وشرط الوجوب تمام الحول، فلو تلف المال قبل تمام الحول فليس فيه زكاة، كذلك هذه المرأة لو ظاهر منها ثم طلقها فهل تجب عليه الكفارة؟ ما تجب عليه الكفارة؛ لأنه ما وجد شرط الوجوب وهو الجماع، ولهذا قال المؤلف: «ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء» فلو مات الرجل قبل أن يطأ، أو ماتت المرأة قبل أن يطأها، أو فارقها قبل أن يطأها، لم تجب الكفارة. فإن قال قائل: أليس قد وجد السبب وهو الظهار؟ قلنا: بلى، لكن هذا السبب مشروط، يشترط لوجوبه الوطء، ولكن لا يجوز الوطء إلا بعد إخراجها، فالإخراج شرط لحل الوطء، وليس شرطاً لثبوتها في الذمة، ولهذا قال المؤلف: «ولا تثبت في الذمة إلا بالوطء».

стр. 5466

قوله: «وهو العود» أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] وهو الوطء، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم اختلافاً كثيراً، فما ذهب إليه المؤلف هو القول الأول. القول الثاني: أن معنى قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، أي: ثم يقولون ذلك مرة ثانية، وتكون «ما» مصدرية، أي: ثم يعودون لقولهم، فإذا قال: أنت علي كظهر أمي، ولم يقله مرة ثانية فلا كفارة عليه؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، والذي قالوه صيغة الظهار وهذا رأي الظاهرية، أن العود هو أن يعيد اللفظ مرة ثانية. وهذا القول ليس بصحيح؛ لأنه يقتضي أن يكون لفظ الظهار الأول لا حكم له إطلاقاً، ثم إنه لو كان المراد ما ذكروا لقال: ثم يُعيدون ما قالوا؛ لأنه إذا جعلنا المراد بالعود أن يقول الظهار مرة ثانية صار معناه الإعادة، فيكون التعبير الفصيح: ثم يُعيدون ما قالوا، والآية ليست كذلك. القول الثالث: أن معنى الآية أن يعودوا للزوجة، وذلك بأن يمسكها بعد الظهار مدة يمكنه أن يطلق فيها، فإذا قال: أنت علي كظهر أمي، ثم سكت مدة يمكنه أن يقول فيها: أنت طالق، ولم يطلق صار عائداً لما قال، فصورة العود على رأي هؤلاء أن يقول: أنت علي كظهر أمي ثم يسكت، فإذا سكت بعد هذه الكلمة مدة يمكنه أن يقول فيها: أنت طالق، فحينئذٍ تجب عليه الكفارة؛ لأن إمساكها بعد الظهار دليل على أنه رجع فيما قال؛ إذ

стр. 5467

إن مقتضى قوله: أنت عليّ كظهر أمي أن تكون حراماً عليه، لا تحل له، فإذا أمسك زمناً يمكنه أن يطلق فيه ولم يفعل علم أنه قد ارتضى هذه الزوجة، وأنه قد عاد. وهذا ـ أيضاً ـ ليس بصحيح؛ وذلك لأن عدم طلاقها في هذه الحال لا يدل على العود، وهذا يقتضي أن يكون لفظ الظهار طلاقاً؛ لأن هذه البرهة ـ الزمن القصير ـ معناه أنه كالطلاق تماماً. القول الرابع: أن العود هو العزم على الوطء، يعني يعزم على أن يطأ زوجته، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أي: يعزمون على استحلال المرأة، بشرط أن يطأها؛ أما إذا عزم على استحلالها ولكن ما وطئ ثم طلق مثلاً؛ فإنه ليس عليه كفارة؛ لأنها ما تجب إلا بالوطء. وهذا القول هو الصحيح، وعلى هذا فإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ثم عزم على استحلالها، نقول: هذا عود إلى الحل بعد التحريم، لكن لا تجب الكفارة إلا بالوطء، أما المذهب فكما قال المؤلف: إن العود هو نفس الوطء؛ لكن ظاهر الآية الكريمة خلاف ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ فكيف نفسر العود بالمسيس، فإذا قلنا: إن العود هو الوطء صار معنى الآية: ثم يمسوهن فتحرير رقبة من قبل أن يتماسَّا، وهذا لا يستقيم، ولكن العود هو العزم على الوطء، واستحلالها استحلالاً لا يكون للأم، إلا أن الكفارة لا تثبت في الذمة إلا بالوطء. قوله: «ويلزم إخراجها» أي: إخراج الكفارة. قوله: «قبله» أي: قبل الوطء.

стр. 5468

قوله: «عند العزم عليه» أي: إذا عزم على الوطء، قلنا: لا يمكنك أن تطأ حتى تكفِّر بالعتق، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع بالصيام فالإطعام. فإن قال قائل: ما الحكمة في أن هذه الكفارة من بين سائر الكفارات لا بد أن تخرج قبل الحنث؟ فالجواب: لأن الظهار منكر من القول وزور، فهو عظيم وقبيح، فشُدِّد على الإنسان فيه، ولأنه لو جامع قبل أن يكفر لأوشك أن يتهاون ويتوانى في الإخراج، فحرم من هذه الزوجة حتى يكفر. قوله: «وتلزمه كفارة واحدة بتكريره قبل التكفير من واحدة» إذا تكرر الظهار، فهل تتكرر الكفارة أو لا؟ يعني إذا قال: أنت علي كظهر أمي، ثم عاد فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم قال: أنت علي كظهر أمي، فهل تتعدد الكفارة، أم يلزمه كفارة واحدة؟ فيه تفصيل، إن كفَّر عن الأول ثم أعاد الظهار فإن الكفارة تتعدد؛ لأن هذا الظهار غير الأول، ولأنه صادفه وذمته قد برئت من الظهار الأول، فيلزمه أن يعيد الكفارة. وأما إذا لم يكفِّر عن الأول فتجزئه كفارة واحدة؛ لأن المظاهَر منها واحدة، فالمحل واحد، كما لو حلف أيماناً على شيء واحد، مثل أن يقول: والله لا أدخل دار فلان، ثم قال مرة ثانية: والله لا أدخل دار فلان، ثم قال: والله لا أدخل دار فلان، ثم دخله فيجب عليه كفارة واحدة؛ لأن المحلوف عليه واحد، فكذلك هنا المظاهَر منها واحدة، فلا يلزمه إلا كفارة واحدة.

стр. 5469

قوله: «ولظهاره من نسائه بكلمة واحدة» مثل أن يقول لزوجاته الأربع: أنتن علي كظهر أمي، فكذلك عليه كفارة واحدة؛ لأن الظهار واحد، وبهذا نعرف أنه إذا كان الظهار واحداً أو المظاهَر منها واحدة فكفارته واحدة. قوله: «وإن ظاهر منهن» أي: من زوجاته. قوله: «بكلمات فكفارات» يعني على عددهن، بأن قال للأولى: أنت علي كظهر أمي، وللثانية: أنت علي كظهر أمي، وللثالثة: أنت علي كظهر أمي، وللرابعة: أنت على كظهر أمي، فيلزمه أربع كفارات؛ لتعدد الظهار والمظاهَر منها، ولو لم يكفر عن الأولى يلزمه أربع كفارات؛ وذلك لأن المحل متعدد، والصيغ ـ أيضاً ـ متعددة. وقال بعض الأصحاب: إنه يلزمه كفارة واحدة، بناء على أن الكفارات تتداخل، وأن الأيمان إذا تكررت وموجبها واحد لزمه كفارة واحدة، وهذا هو المذهب في الأيمان. فالمذهب إذا تعددت الأيمان فعليه كفارة واحدة، فعلى المذهب لو قال: هذا عليّ حرام، وقال: والله لا أدخل بيت فلان، وقال: والله لألبسنَّ هذا الثوب، وقال: لله علي نذر أن ألبس العمامة، فهذه أربعة أيمان مختلفة حسب الصيغة، فإذا حنث في كل هذه الأيمان ولم يكفِّر يلزمه على المذهب كفارة واحدة؛ لأنهم يقولون: إذا كان الموجَبُ واحداً فلا عبرة بتعدد السبب، وقاسوا ذلك على رجل أكل لحم إبل، وَبالَ، وتغوَّطَ، وخرجت

стр. 5470

منه ريح ونام، فهذه خمسة موجبات للوضوء، فيلزمه وضوء واحد، فيقولون: ما دام الموجَب بهذه الأشياء واحداً فلا عبرة بتعدد السبب. وبناء على هذه القاعدة ـ على المذهب ـ يكون من ظاهر من زوجاته بكلمات ولم يكفّر تلزمه كفارة واحدة، ولكنهم في هذه المسألة خالفوا القاعدة وقالوا: إنه إذا ظاهر من نسائه بكلمات لزمه بعددهن لكل واحدة كفارة. فالخلاصة: أنه إذا ظاهر من واحدة وكرر الظهار ففيه تفصيل؛ إن كفر تعددت الكفارة، وإن لم يكفِّر فواحدة، وإذا ظاهر من زوجاته إن كان بكلمة واحدة فكفارة واحدة، وإن كان بكلمات فكفارات.

стр. 5471

فَصْلٌ وكَفَّارَتُهُ عِتْقُ رَقَبةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً، ...................... قوله: «وكفارته» أي: كفارة الظهار. قوله: «عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً» هذا الكلام يدل على أن الكفارة على الترتيب لا على التخيير. أولاً: عتق رقبة، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ في الشروط. ثانياً: إن لم يجد ما يعتق به رقبة، أو لم يجد رقبة وعنده الثمن فعليه الصيام لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ فيشمل من لم يجد الرقبة، كرجل يوجد عنده ملايين، لكن ما يجد رقبة يعتقها، أو وجد رقبة لكن ليس عنده مال يشتري به هذه الرقبة، فإنه ينتقل من ذلك إلى صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع لمرض، فإن كان المرض يرجى زواله فإنه يؤجل، كرمضان تماماً. ثالثاً: إذا كان المرض لا يرجى زواله، كشيخ كبير فهنا ينتقل إلى الإطعام فيطعم ستين مسكيناً، وكأنه ـ والله أعلم ـ عن كل يوم مسكين؛ لأن الغالب أن الشهرين يتمَّان، أو يقال: إن هذا هو غاية التمام في الشهور، ولما جاء البدل وهو الإطعام صار ستين مسكيناً، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *﴾ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٣، ٤]؛ إذاً

стр. 5472

النص على هذه الخصال في القرآن الكريم، وترتيبها ـ أيضاً ـ في القرآن الكريم، ولا نزاع في ذلك. وقوله: «مسكيناً» يشمل الفقير. ومتى يعتبر الوجود، والعكس، أو الاستطاعة؟ يعتبر عند وجوب الكفارة، فعلى هذا القول إذا لم يجد رقبة، فشرع في الصوم، ثم وجدها في أثناء الصوم هل يلزمه الانتقال؟ لا يلزمه، وكذلك لو فرض أنه كان عند زمن الوجوب لا يستطيع الصوم، فأطعم ستين مسكيناً، أو لم يطعم فإنه في هذه الحال لو قَدِرَ بعد ذلك على الصوم لا يلزمه الانتقال؛ لأن العبرة في القدرة، أو عدم القدرة هو وقت الوجوب. وقوله: «أطعم ستين مسكيناً» هل إطعام الستين مسكيناً تمليك أو إطعام؟ نقول: في القرآن الكريم أنه إطعام، ولم يقل: أعطوا، بل قال: أطعموا، وحينئذٍ نعلم أنه ليس بتمليك، وبناء على ذلك نقول: إطعام ستين مسكيناً له صورتان: الأولى: أن يصنع طعاماً، غداء أو عشاء، ويدعو المساكين إليه فيأكلوا وينصرفوا. الثانية: أن يعطي كل واحد طعاماً ويصلحه بنفسه، ولكن مما يؤكل عادة، إما مُدُّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، وفي عهدنا ليس يكال الطعام، ولكنه يوزن، فيقال: تقدير ذلك كيلو من الأرز لكل واحد، وينبغي أن يجعل معه ما يؤدمه من لحم ونحوه، ليتم الإطعام، وهل هذا العدد مقصود، أو المقصود طعام هذا العدد؟ المقصود إطعام هذا العدد، لا طعامه، بمعنى لو أن إنساناً تصدق

стр. 5473

بما يكفي ستين مسكيناً على مسكين واحد لا يجزئ. ولو أطعم ثلاثين مرتين لا يكفي؛ لأن العدد منصوص عليه، فلا بد من اتباعه، اللهم إلا ألا يجد إلا ثلاثين مسكيناً فهنا نقول: لا بأس للضرورة. فلو قال قائل: ما الحكمة في أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً؟ نقول: هذا السؤال غير وارد؛ لأن هذا لا مجال للعقل فيه، وإلا لقلنا: كيف صارت الصلوات خمساً؟! وإنما وظيفة المؤمن التسليم، وأن يقول: سمعنا وأطعنا. فإن قال قائل: وهل إطعام الستين مسكيناً مربوط بصيام الشهرين المتتابعين، بمعنى أنه جعل عن صيام كل يوم إطعام مسكين؟ الظاهر: لا، بدليل أنه لو صام شهرين متتابعين ثمانية وخمسين يوماً أجزأ؛ لأن الله تعالى قال: صيام شهرين، فإذا كان الشهر الأول ناقصاً، والثاني ناقصاً فصام ثمانية وخمسين يوماً لأجزأ. وَلَا تَلْزَمُ الرَّقَبَةُ إِلاَّ لِمَنْ مَلَكَها، أَوْ أَمْكَنَهُ ذلِكَ بِثَمَنِ مِثْلِهَا، فَاضِلاً عَنْ كِفَايَتِهِ دَائِماً، وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ، وَعَمَّا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَمَرْكُوبٍ، ........................ قوله: «ولا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها» يعني كانت عنده حاضرة تحت ملكه. قوله: «أو أمكنه ذلك» أي: أمكنه ملكها، فليس عنده رقيق، لكن عنده دراهم يمكنه أن يشتري بها رقبة، لكن اشترط المؤلف فقال: «بثمن مثلها» فلو لم يجد رقبة إلا بأكثر من ثمن مثلها لم تلزمه.

стр. 5474

فمثلاً رجل عنده مائة مليون ريال، وعليه كفارة ظهار، ووجد رقبة فقالوا له: بعشرة آلاف ريال، وثمن مثلها تسعة آلاف وتسعمائة ريال فلا تلزمه؛ لأنها أكثر من ثمن مثلها، لكن لو اشتراها بعشرة آلاف ريال، وكفّر بها تجزئه، فالكلام على اللزوم. لكن الصحيح أن ظاهر قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أنه متى صار واجداً على وجه لا يضره، ولا تجحف بماله فإنه يجب عليه أن يعتق؛ لأنه ما اشترط إلا عدم الوجود، فلو فرض أن هذه تساوي خمسة آلاف ريال وقيل: بعشرة، وهو واجد، فظاهر الآية وجوبها عليه. قوله: «فاضلاً عن كفايته دائماً» أما إن كانت الدراهم التي عنده يحتاجها لكفايته، حتى لو كان لزواجه ـ مثلاً ـ فإنه لا تلزمه الرقبة، ولكن المؤلف يقول: «دائماً» فهل يمكن انضباط ذلك؟ ما يمكن؛ لأننا لا ندري، فيمكن أن يطول عمره ويحتاج لدراهم كثيرة، ويمكن أن يقصر عمره، ويكون هذا الذي عنده زائداً، فهذا لو كان عنده مالٌ كثير ما يستطيع أن يقول: هذا يكفيني دائماً، ولو كان عنده مال قليل لا يستطيع أن يقول: هذا لا يكفيني دائماً؛ والسبب في ذلك أن الأعمار بيد الله ، ولأن الأوقات تختلف، فيمكن أن يقدر الإنسان أن نفقته لهذا العام خمسون ألف ريال، ثم تختلف الأسعار وترتفع فما تكفيه الخمسون ألفاً، ويمكن أن يقدر أن نفقته خمسون ألف ريال وترخص الأسعار ويكفيه عشرون ألف ريال، فهذا أمر لا يمكن انضباطه، وما لا يمكن انضباطه فإن إلزام الناس به عسير، إذاً يمكن أن نؤول كلمة «دائماً» بأن نقول: معناها أن عنده مثلاً صنعة، أو ملك يغل عليه كل سنة عشرة آلاف ريال تكفيه، فهذا

стр. 5475

نقول: عنده ما يكفيه دائماً، أما أن نقول: إن المراد المؤونة دائماً النقود، فالنقود لا يمكن انضباطها أبداً، فنقول: ما دام عندك مال يمكن أن تشتري به رقبة فاشترِ، فإذا قال: الذي عندي لا يكاد يكفيني خمسين سنة، نقول: وما أدراك أنك ستبقى خمسين سنة؟! والفقهاء ﵏ إنما أرادوا مَنْ له دخل مستمر يكفيه. قوله: «وكفاية من يمونه» أي: يقوم بنفقته، كالزوجة، والأولاد، والأقارب الذين تلزمه نفقتهم، فيقدم مؤونة هؤلاء على العتق الواجب عليه، بل ولم يجب عليه في الواقع. قوله: «وعما يحتاجه من مسكن» لو كان هذا الرجل عنده مسكن يحتاجه، وقال: لو بعت هذا المسكن، واستأجرت أمكنني أن أعتق رقبة، فلا يجب عليه أن يبيعه؛ لأنه يحتاجه. وإن كان لديه مسكن يكفيه نصفه وجب عليه أن يبيع النصف الآخر ليعتق الرقبة. فإذا قال: إذا بعت نصفه صار مشقصاً علي، وربما يؤذيني الذي يشتريه، قلنا: هناك طريقة وهي أن يبيعه كله ويشتري مسكناً يناسبه. قوله: «وخادم» مرادهم الخادم المملوك؛ لأن الخادم الحر ليس بملكك، والخادم يكون عند الإنسان على وجه الترفه والتنعم، وعلى وجه الحاجة، فإذا كان شيخاً كبيراً يحتاج من يساعده إذا قام للمرحاض، أو قام يصلي، أو يلبس ثيابه، وما أشبه ذلك، فهذه حاجة، أما إذا كان عنده خادم لا يحتاجه، إلا أن يقول: قدم لي حذائي، أو افرش لي فراشي، فهذا لا يحتاج إليه، نقول: بعه واشترِ رقبة، أما إذا كان يحتاج إليه، فهل نقول: أعتقه أو بعه واشترِ رقبة؟ الجواب: لا؛ لأن هذا تتعلق به

стр. 5476

حاجته، وتعلق حاجته به سابق على ظهاره، فتقدم الحاجة السابقة، لكن قال في الروض (١): «صَالِحَيْنِ لمثله إذا كان مثله يخدم» فقيَّدها بقيدين: الأول: أنهما صالحان لمثله، فلو كان المسكن كبيراً أكثر من مثله، فإنه يبيعه ويشتري ما يكون صالحاً لمثله، ويشتري بالباقي رقبة. الثاني: أن يكون مثله يخدم. قوله: «ومركوب» إذا كان غنياً، فمعلوم أنَّ مركوبه سيكون فخماً، وإذا كان وسطاً فمركوبه وسط، وإذا كان فقيراً فمركوبه مركوب فقير، فهذا رجل وسط لكن عنده سيارة فخمة، لا يركبها إلا الملوك وأبناؤهم، وقال: عليَّ عتق رقبة، والسيارة التي معي فخمة أستطيع أن أبيعها وأشتري سيارة تكفيني، وأشتري رقبة بما زاد عن الثمن، فيلزمه أن يبيعها، حتى لو قيل: يلزمه أن يبيعها مطلقاً لكان له وجه؛ لأنها بالنسبة إليه إسراف وتجاوز للحد؛ لأنه يجب أن يعرف الإنسان منزلته وقدره في قومه. وَعَرَضِ بِذْلَةٍ وَثِيَابِ تَجَمُّلٍ، وَمَالٍ يَقُومُ كَسْبُهُ بِمَؤنَتِهِ، وَكُتُبِ عِلْمٍ وَوَفَاءِ دَيْنٍ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الكَفَّارَاتِ كُلِّهَا إِلاَّ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ، ................ قوله: «وعَرَضِ بذْلَةٍ» يعني العرض الذي يبتذل، وهي الأشياء التي تتكرر الحاجة إليها، مثل ثياب العادة، والأواني، وما أشبهها. قوله: «وثياب تجمُّل» أي: يتجمل بها مثله، فثياب التجمل لا نقول للإنسان: بعْها، واشترِ عبداً تعتقه.

стр. 5477

قوله: «ومالٍ يقوم كسبه بمؤنته» أيضاً لا بد أن يكون فاضلاً عن مالٍ يقوم كسبه بمَؤُونته، كرجل عنده مائة ألف لو اشترى عبداً بأربعين ألفاً أمكنه ذلك، لكن مائة الألف كسبها لا يكاد يكفيه وعائلته، فلو أنه اشترى منها عبداً نقص الربح، فتنقص الكفاية والمؤونة، فهل نقول: يلزمك أن تشتري عبداً بأربعين ألفاً، ولو نقصت كفايتك؟ الجواب: لا؛ لأن ذلك إضرار به. قوله: «وكتب علم» لكن بشرط أن يحتاج إليها، مثل إنسان يحتاج إلى كتب علم في الفقه، في الحديث، في التفسير، في التوحيد، في النحو، المهم أنه يحتاج إليه، أما ما لا يحتاج إليه كما لو كان عنده كتب علم من نوع لا يتعلمه، مثلاً عنده كتب علم حساب، ولا عنده نية أن يتعلمه، أو عنده كتب علم جولوجيا، لكن ما عنده نية أن يتعلم هذا العلم، فهذه يبيعها، كذلك عنده نسختان من كتاب واحد يستغني بإحداهما عن الأخرى يبيعها؛ لأنه ليس في حاجة إليها. كذلك إذا كان عنده كتب يندر أن يحتاج إليها، وكانت قيمتها يحصل بها إعتاق رقبة وجب عليه بيعها، لا سيما إذا كان في مدينة فيها مكتبة عامة، يستطيع إذا عرضت له هذه المسألة بعد سنة أن يذهب إلى المكتبة ويحررها. قوله: «ووفاء دين» هذا من أهم الأشياء، فهذا إنسان عنده مائة ألف، لكن عليه ثمانون ألفاً، فيسدد الدَّين أولاً، لأن قضاء الدي واجب، وهو حق للعباد، وأما الكفارة فهي فيما بينك وبين ربك، فإذا بقي شيء بعد الدين ولا يحتاجه لما ذُكِرَ قبل اشترى به رقبة، وإلا فلا، والدين من أهم الأشياء، حتى إن الإنسان يجوز أن يعطى من الزكاة لوفاء دينه.

стр. 5478

قوله: «ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة» قد يقول قائل: إن ظاهر كلام المؤلف أن كل الكفارات فيها رقبة، وليس كذلك، وإنما مراده الكفارات التي تحرر فيها الرقبة، فلا يجزئ فيها إلا رقبة مؤمنة، ونحصيها: كفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة اليمين، وكفارة الوطء في رمضان. وقوله: «إلا رقبة مؤمنة» هذا من باب إطلاق الجزء على الكل، ولا يمكن إطلاق الجزء على الكل إلا إذا كان هذا الجزء شرطاً في وجوده، وهذه قاعدة مهمة، يعني ما يمكن أن تقول: أصبع؛ لأنه قد يزول أصبع والحياة باقية، وأما الرقبة فلو زالت يموت، ولهذا إذا عبر الله تعالى عن الصلاة بالركوع والسجود فهي واجبات فيها. وقوله: «مؤمنة» هذا هو الشرط الأول، والمراد بالإيمان هنا مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، وبينهما فرق، فالإيمان المطلق هو الكامل كالذي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *﴾ [الأنفال]، وأما مطلق الإيمان فإنه يشمل من آمن وإن لم يكن على هذا الوصف، فيشمل الفاسق، فالمراد مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق. ولننظر في الدليل على أنه لا بد من الإيمان في جميع الكفارات، كفارة القتل الإيمان فيها صريح منصوص عليه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وفي كفارة اليمين قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]،

стр. 5479

وفي كفارة الظهار قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، هذا الذي في القرآن، وكفارة الوطء في رمضان ثبتت في السنة، قال النبي ﵊ للرجل: «هل تجد رقبة»؟ قال: لا (١)، ولم يقل: مؤمنة، فإذا كانت ثلاثة نصوص ليس فيها التقييد بالإيمان، ونص واحد فيه التقييد بالإيمان، وهذا النص الواحد يختلف عن البقية بأنه أعظم منها من وجه، وإن كان أخف منها من وجه آخر، فالتي فيها التقييد بالإيمان هي كفارة القتل، وهي أعظم من الموجَبات الأخرى؛ فهي أعظم من الظهار، ومن الجماع في نهار رمضان، ومن الحنث في اليمين، وأخف منها من وجه؛ لأنها خطأ وهذه عمد، وعلى كل حال المؤلف ﵀ يشترط الإيمان في كل الكفارات. ودليله: أن الله شرط الإيمان في كفارة القتل، فَقِيسَ الباقي عليها؛ لأن الموجَبَ واحد وهو عتق الرقبة، ولأنه ثبت عن النبي ﷺ أن معاوية بن الحكم ﵁ قال: يا رسول الله إن لي جارية غضبت عليها يوماً فصككتها، وإني أريد أن أعتقها، فقال لها: «أين الله»؟ قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٢)، ولم يستفصل الرسول ﵊ ما هذه الرقبة التي عليه، فإذا كان لا يمكن إعتاق الكافر في غير الكفارة، ففي الكفارة من باب أولى، فدل هذا على أن الإيمان شرط في جميع الرقاب الواجبة، ثم نقول ـ أيضاً ـ

стр. 5480

من جهة النظر: إنه إذا أعتق الرقبة وهي كافرة، فإننا لا نأمن أن يلحق بالكفار؛ لأنه كافر، وتحرر، ولا لأحد عليه قول، وإذا كان مملوكاً فلا يقدر أن يذهب عن سيده فإذا كان يخشى من هذه المفسدة فإنه لا يُعتق الكافر، بل يبقى، وهذا القول رجحانه قوي. أما الذين قالوا: إن الله تعالى أطلق في موضعين، وقيد في الثالث، والرسول ﵊ أطلق في الموضع الرابع فقالوا: نطلق ما أطلقه الله، ونقيد ما قيده الله ﴿﴾ [مريم: ٦٤] والأسباب مختلفة، فليس الحنث في اليمين ولا الظهار من الزوجة كالقتل، فالقتل أعظم؛ فلهذا اشترط الله في كفارته أن تكون الرقبة مؤمنة، وإذا كان القتل أشد فلا يمكن أن نقيس الأخف على الأشد، فكلامهم جيد لولا ما يعارضه، ومن ثم اختلف العلماء في غير كفارة القتل هل يشترط الإيمان أو لا يشترط؟ والراجح الاشتراط؛ لقوة دليله وتعليله، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة. سَلِيمَةٌ مِنْ عَيْبٍ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَراً بَيِّناً، كَالعَمَى وَالشَّلَلِ لِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، أَوْ أَقْطَعِهِمَا، أَوْ أَقْطَعِ الإِصْبعِ الْوُسْطَى، أَوِ السَّبَّابَةِ، أَوِ الإِبْهَامِ، أَو الأَنْمُلَةِ مِنَ الإِبْهَامِ، أَوْ أَقْطَعِ الخِنْصَرِ وَالبِنْصَرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يُجْزِئُ مَرِيضٌ مَيْؤُوسٌ مِنْهُ وَنَحْوُهُ، .............................. الشرط الثاني: قوله: «سليمة من عيب يضر بالعمل ضرراً بيناً» وهذا الشرط لم يذكره الله ولا رسوله ﷺ ، والدليل على اشتراطه قالوا: لأنه إذا أعتق من كان فيه عيب يضر بالعمل ضرراً بيناً صار هذا العتيق كلاًّ على الناس، بخلاف ما إذا بقي عند سيده، فإن سيده مأمور أن ينفق عليه، فكأنهم استنتجوا من المعنى اشتراط أن يكون المعتق سليماً من الآفات والعيوب الضارة بالعمل ضرراً بيناً، والعيوب على حسب ما قال المؤلف تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: لا يضر بالعمل أبداً. الثاني: يضر بالعمل لكن ضرراً خفيفاً. الثالث: يضر بالعمل ضرراً بيناً.

стр. 5481

فأما القسمان الأولان، الضرر الذي لا يضر بالعمل إطلاقاً، أو يضر به ضرراً خفيفاً فإنهما لا يمنعان من إجزاء الرقبة، وأما ما يضر بالعمل ضرراً بيناً فإنه لا تجزئ فيه الرقبة. مثاله: قوله: «كالعمى» التمثيل بالعمى فيه نظر؛ لأنه ليس كل عمى يمنع من العمل، فكم من أناسٍ عمي وعندهم أعمال يتعيشون بها، فلهذا يجب أن يقيد بالعمى الذي يمنعه من العمل؛ لأن المقصود من العتق هو أن يملك الإنسان نفعه وكسبه، والأعمى الذي يمنعه عماه من العمل إذا أعتق صار عالة على غيره؛ لأنه قبل أن يتحرر كان سيده ينفق عليه فلهذا لا يجزئ، وأما إذا كان لا يمنعه فلا يضر. وقال بعض أهل الظاهر: إن المعيب يجزئ؛ لأن الله ما ذكر في القرآن إلا الإيمان فقط، وهذا إن كان لا يستطيع العمل لكنه يتحرر من سيده، فيجد نفسه حُرّاً طليقاً يذهب حيث شاء، ويرجع حيث شاء فهو يستفيد من هذا العتق، ولكن جمهور العلماء ـ حتى إن بعضهم ذكره إجماعاً ـ يقولون: لا بد أن يكون سليماً مما يضر بالعمل ضرراً بيناً. وأما الأعور فقد قيل: إنه لا يجزئ قياساً على العوراء في الأضحية، ولكن يقال: وإن سلمنا أن العور يضر العمل، فإنه يضر ضرراً خفيفاً فيجزئ. قوله: «والشلل ليد أو رجل» الشلل في اليد أو الرجل واضح أنه يضر بغالب الأعمال؛ لأن الأشل بالرِّجل قد ينتفع بعمل آخر لا يحتاج إلى رجله فيه، كالغزل والنسج وما أشبه ذلك. قوله: «أو أقطعهما» أقطع اليد أو الرجل، وهذا ظاهر.

стр. 5482

قوله: «أو أقطع الأصبع الوسطى أو السبابة أو الإبهام» يعني الإبهام والوسطى وما بينهما، فإنه إذا قطع واحد منها فإنه يضر بالعمل ضرراً بيناً، لا سيما إذا كانت اليد اليمنى، فإذا كان كاتباً لا يستطيع أن يكتب، وإن كان خياطاً لا يستطيع أن يخيط، وعند الحمل كذلك. قوله: «أو الأنملة من الإبهام» في الإبهام أنملتان، وفي الوسطى والسبابة ثلاث، والإبهام جعله الله يقابل الأصابع الأربعة، كفاءته ككفاءة الأربعة؛ ولهذا جعل الله فيه أنملتين؛ لأنه أسهل، ولأنه لو كان طويلاً لأمكن أن ينعكف، وجعله رحباً ليتحمل، ولهذا فالأنملة من السبابة فيها ثُلُث عشر الدية، ومن الإبهام فيها نصف العشر، فقطع الأنملة من السبابة أو من الوسطى لا يضر. قوله: «أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة» الخنصر هو الأصبع الصغرى، والبنصر الذي يليه، فأقطعهما ـ أي: الاثنين ـ يمنع من العمل، وأما أقطع الواحد فلا يمنع. وقوله: «من يد واحدة» لو كان مِنْ يَدَيْن؛ اليمنى مقطوعة الخنصر، واليسرى مقطوعة البنصر، فهذا لا شك أنه يضر بتمام العمل، لكن ليس ضرراً بيناً، وعلى كل حال القاعدة أهم من التمثيل، وهي: إذا كانت الرقبة معيبة عيباً يضر بالعمل ضرراً بيناً فإنها لا تجزئ. قوله: «ولا يجزئ مريض ميؤوس منه» مثل السل في زمن مضى، فإنه كان لا يشفى منه، والآن أصبح السل غير ميؤوس منه، وكذلك السرطان لم يجدوا له دواء، فهو يعتبر من الأمراض

стр. 5483

التي إذا أصابت الإنسان فهو ميؤوس منه. قوله: «ونحوه» مثل الزَّمِن والمشلول، فهذا لا يجزئ؛ لأنه لا يمكن أن يعمل العمل الذي يطلب منه. وَلَا أُمُّ وَلَدٍ، وَيُجْزِئُ المُدَّبَّرُ، وَوَلَدُ الزِّنَا، وَالأَحْمَقُ، والمَرْهُونُ، وَالْجَانِي، وَالأَمَةُ الْحَامِلُ وَلَوِ اسْتَثْنَى حَمْلَهَا. قوله: «ولا أُمّ ولد» وهي التي ولدت من سيدها ما تبين فيه خلق إنسان، وإن لم يكن حياً، فإن ولدته قبل ذلك فليست أم ولد، فهذه حكمها حكم الرقيق، ولكنها إذا مات سيدُها عتقت، وهل يجوز بيعها؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والمعروف في عهد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وصدر من خلافة عمر أنها تباع، ولكن لما رأى عمر ﵁ أنه كثر التفريق بينها وبين أولادها منع بيع أمهات الأولاد (١)، وأما كونها لا تجزئ؛ فلأن سبب عتقها قد انعقد بالولادة، فليست في الحقيقة رقيقة خالصة. قوله: «ويجزئ المدبر» وهو الذي علق سيدُه عتقَه بموته، مثل أن يقول للعبد: إذا مِتُّ فأنت حر، فهذا يسمى مدبَّراً؛ لأن عتقه دبر حياة سيده ـ أي: بعدها ـ فيجزئ؛ لأن الملك فيه تام، فما يمكن أن يعتق إلا بعد موت السيد، ولهذا لو باع الإنسان المدبر جاز؛ لأنه إلى الآن لم يعتق، مثل لو قال: هذا البيت وقف بعد موتي، فله أن يبيعه؛ لأنه إلى الآن ما صار وقفاً. وقيل: إن المدبر لا يجزئ؛ لأنه ناقص، ووجه النقصان أن عتقه معلق بموت سيده، والصواب الأول؛ لأن المدبر إذا أعتق فقد استفاد تعجيل العتق والتحرر، وإذا كان يجوز بيع المدبر، فلماذا لا يجوز عتقه، مع أن عتقه فيه فائدة وهو تحرره؟!

стр. 5484

قوله: «وولد الزنا» أي: يجزئ، كحربي وُلِد من الزنا، ثم استرققناه، أو رجل زنى بأمة إنسان وولدت، فإن الولد يكون رقيقاً لسيدها؛ لأنه مملوك. قوله: «والأحمق» أي: يجزئ عتق الأحمق، وهو الذي يرتكب الخطأ عن عمد، يعني أن عنده عجلة ولا يتأنى في الأمور، وقيل: هو الذي تصرُّفُه غير سليم. قوله: «والمرهون» أي: يجزئ إعتاق العبد المرهون، كسيد رهن عبده لشخص يطلبه دراهم، فإذا حل الدَّين ولم يوفِ يباع العبد، ويوفى دَينه، فهل يجزئ هذا المرهون بإعتاقه؟ المؤلف يقول: يجزئ؛ لأن العتق له نفوذ قوي، ولذلك لو أعتق الإنسان ربع عبده عتق العبد كله، ولكن سبق لنا في باب الرهن أن عتق الراهن للمرهون لا يصح إلا بموافقة المرتهن؛ لأنه تعلق حقه به، فأنت إذا أعتقته صار حراً فلا ينتفع به، فيكون في ذلك إسقاط لحقه، والجواب على تعليلهم: أن هذا العبد مشغول، وإذا كان يحرم أن يعتقه سيده فكيف ينفذ؟! وبناء على هذا، فإنه لا يصح إعتاقه في الكفارة. قوله: «والجاني» أي: يصح أن يعتق الجاني، كعبد قتل شخصاً، ولا شك أنه يقتص منه، فأعتق عن كفارة فيجزئ؛ لأنه ربما يُعفى عنه، فقتله غير متعين، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأن هذا العبد تعلُّقُ النفس به ليس كتعلقها بمن ليس بجانٍ؛ لأن سيده لما رأى أنه يقتل أعتقه، فالمسألة فيها نظر؛ ولهذا فبعض العلماء يقول: إن الجاني لا يصح أن يعتق في الكفارة؛ لأن الجاني يطالب بأن يقتل، فهو ناقص القيمة.

стр. 5485

قوله: «والأمة الحامل ولو استثنى حَمْلَها» الأمة الحامل تجزئ، وإن كان فيها شيء يمنع العمل، ويضر بالعمل ضرراً بيناً؛ لأن هذا مؤقت ومعتاد. فإذا قال قائل: يعتقها وحملَها معها، نقول: ما يلزم، فلو استثنى حملها فلا حرج، فيقول: أنت حرة إلا ما في بطنك، فيجوز ويبقى الحمل حرّاً. فإن قيل: الحمل مجهول، قلنا: هذا ليس معاوضة، فالشيء المجهول لا يجوز في المعاوضات؛ لأن باذل العوض مخاطر، وأمره بين الغنم والغرم، أما ما ليس فيه عوض فيجوز ولو كان مجهولاً، وسبق في البيع أن الإنسان إذا باع شيئاً واستثنى الحمل فالمذهب لا يصح، لكن الصحيح أنه يجوز؛ لأن الحمل معلوم، وليس شيئاً ينقص عين المبيع، بل هو منفصل، فكما لو باعها وهي حائل يصح، كذلك لو باعها وهي حامل واستثنى حملها، وقد سبق أنه يجوز وأوردنا عليه إشكالاً، وهو أن الرسول ﵊ «نهى عن بيع الحمل» (١)، فكيف تجيزون الاستثناء؟ وأجبنا عن ذلك بأن استثناء الحمل في البيع استبقاء، وليس تجديد ملك، فأنا عندما أقول لك: بعتك هذه البقرة ـ وهي حامل ـ إلا حملها، فأنت ما اشتريت الحمل مني حتى تكون قد بذلت عوضاً في مجهول؛ وإنما هو استبقاء، وفرق بين الاستبقاء وبين المعاوضة، والحاصل أنه يجوز أن يعتق الحامل في الكفارة، ويستثني حملها، ويكون الحمل رقيقاً لسيدها.

стр. 5486

فَصْلٌ يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ، فَإِنْ تَخَلَّلَهُ رَمَضَانٌ، أَوْ فِطْرٌ يَجِبُ، كَعِيدٍ، وَأَيَّامِ تَشْرِيقٍ، وَحَيْضٍ، وَجُنُونٍ، ....................... قوله: «يجب التتابع في الصوم» هذا الوجوب شرط لإبراء الذمة به، فلو صام متفرقاً لم يجزئ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، فاشترط الله ـ تعالى ـ في ذلك التتابع، ولو صام مستمراً لكن نوى في يوم من الأيام أنه عن يوم عاشوراء مثلاً، أو عن يوم عرفة ينقطع التتابع، كرجل صام ثمانية وخمسين يوماً إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، وفي يوم عرفة نوى أن هذا عن يوم عرفة، ينقطع التتابع ويستأنف، فيبدأ الشهرين من جديد وتلغى الأيام السابقة، إلا أنه يستثنى المسائل الآتية: أولاً: قوله: «فإن تخلله رمضان» «رمضان» بالتنوين أي: أي رمضان، وليس رمضان الخاص، فإنه يصوم رمضان؛ وذلك لأن أيام رمضان لا تصلح لغيره، فلو صام شهر شعبان، ثم دخل رمضان وجب عليه أن يصوم عن رمضان، فإذا انتهى فإنه يُكمِّل من اليوم الثاني من شوال حتى يتم الشهرين. ثانياً: قوله: «أو فطر يجب كعيد» يعني كفطر العيد، فقوله: «كعيد» على تقدير مضاف، أي: كفطر عيد، ويشمل عيد الفطر وعيد الأضحى؛ فإذا تخلله فطر يجب، مثل يوم العيد فإنه لا يقطع التتابع. قوله: «وأيام تشريق» فيجب فطرها، ولا يصح صومها إلا في حال واحدة، وهي من لم يجد الهدي من المتمتعين والقارنين، فإنه يصوم، وعلى هذا فإذا أفطر أيام التشريق لم ينقطع

стр. 5487

التتابع، فهذا رجل ابتدأ صيام الشهرين من أول يوم من ذي الحجة، فصام تسعة أيام وجاء العيد وهو اليوم العاشر فسيفطر يوم العيد؛ لأن فطره واجب، وأيام التشريق وهي ثلاثة، فهذه أربعة أيام، بعد مضي أربعة الأيام يعني في اليوم الرابع عشر يُكمّل، فيكون قد صام تسعة من قبل، ويكون صوم اليوم الرابع عشر هو اليوم العاشر ويستمر. قوله: «وحيض» الحيض يجب الفطر فيه، كامرأة عليها صيام شهرين متتابعين؛ لأنه سبق أن المؤلف يرى أن المرأة إذا قالت لزوجها: أنت علي كظهر أبي فليست مظاهرة، وعليها كفارة الظهار، وسبق أن هذا القول ضعيف، وأن الصواب أنه ليس عليها إلا كفارة يمين، لكن يمكن أن يلزمها صيام شهرين متتابعين في القتل الخطأ، وفيما لو جامعها زوجها وهي راضية في نهار رمضان وهي صائمة، المهم أن هذا فطر يجب فلا يقطع التتابع. قوله: «وجنون» يعني هذا الرجل الذي شرع في الصوم جُنَّ والعياذ بالله، والمجنون لا يصح صومه حتى لو أمسك؛ لعدم النية منه، وعلى هذا فلا ينقطع التتابع، فلو جن يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً أو أكثر، ثم شفاه الله فإنه لا يستأنف، ولكن يُكمِّل. مسألة: رجل تعمد أن يؤخر الصوم إلى دخول شهر ذي الحجة أو إلى عشرة من ذي القعدة حتى يستريح، فما حكمه؟ الظاهر أنه ما يحل له هذا؛ لأن الله تعالى اشترط الشهرين متتابعين، فإذا تحيل على إسقاط هذا الشرط لم يصح، ويستأنف. ومثله لو أن رجلاً سافر لأجل أن يفطر، فيحرم عليه الفطر

стр. 5488

والسفر؛ لأن أصل التتابع واجب، فإذا تحيل على إسقاطه ولو بشيء أباحه الشارع فإنه حرام. وَمَرَضٍ مَخُوفٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ أَفْطَرَ نَاسِياً، أَوْ مُكْرَهاً، أَوْ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ لَمْ يَنْقَطِعْ، ........... قوله: «ومرض مخوف» وهو الذي يخشى منه الموت، وجاء به المؤلف في سياق التمثيل للفطر الواجب؛ وذلك لأن المرض المخوف الذي يخشى إذا لم يفطر فيه مات، يكون الفطر فيه واجباً عليه، ولكن تقييده بالمخوف فيه نظر، والصحيح أن المرض إذا كان يبيح الفطر، سواء كان مخوفاً أم غير مخوف عذر في إسقاط التتابع. قوله: «ونحوه» يعني نحو هذه الأشياء مما يجب فيه الفطر، كما لو أفطر لإنقاذ غريق؛ فإن الفطر لإنقاذ الغريق المعصوم واجب، فإذا أفطر لهذا لم ينقطع التتابع. ثالثاً: قوله: «أو أفطر ناسياً» إذا أفطر ناسياً فإنه لا يقطع التتابع، وفي هذا التعبير نظر ظاهر؛ لأنه بالنسيان لا فطر، وقد تقدم لنا في باب المفطرات أن من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه ولا يفطر، حتى على المذهب، إلا أن هناك شيئاً واحداً يقولون: إنه يفطر فيه بالنسيان وهو الجماع، فلو نسي فجامع غير التي ظاهر منها فإنه على المذهب يفطر. والصحيح: أنه لا فرق بين الجماع وغيره، وأن كل من تناول المُفطِّر ناسياً فصومه صحيح، وبناء على هذا لا يكون قد أفطر ولا ينقطع التتابع. كذلك ـ أيضاً ـ من أفطر ناسياً أنه في كفارة، يحسب أنه صائم صوم تطوع، فإن الصحيح أنه لا ينقطع به التتابع؛ لأنه

стр. 5489

معذور، وإذا كان معذوراً فإن الله لا يؤاخذ بهذا العذر. قوله: «أو مكرهاً» إذا أفطر مكرهاً فإنه لا ينقطع التتابع؛ لأنه مكره، وهذا ـ أيضاً ـ التمثيل به على المذهب مشكل؛ لأنه لا يفطر بالإكراه كما سبق، إلا أنهم يقولون: لو أكره الإنسان زوجته على الجماع في نهار رمضان وهي صائمة أفطرت، ووجب عليها القضاء دون الكفارة، لكن نقول: إنه إذا أفطر مكرهاً بأن جاء رجل وأكرهه على الفطر، أو المرأة أكرهها زوجها فجامعها فإنه لا ينقطع التتابع، والصواب أنه لا فطر أصلاً، وأن التتابع مستمر. قوله: «أو لعذر يبيح الفطر لم ينقطع» إذا أفطر لعذر يبيح الفطر، كمرض غير مخوف أو سفر فإنه لا ينقطع التتابع، فإذا قدر أن هذا الرجل الذي شرع في صيام شهرين متتابعين، سواء في كفارة الظهار، أو كفارة الوطء في نهار رمضان، أو كفارة القتل، إذا سافر فأفطر لم ينقطع التتابع؛ لأن هذا السفر مبيح للفطر، ولكن لو تحيل بالسفر على الإفطار قلنا له: لا يحل لك، ويلزمك الإمساك؛ لأن الواجبات لا تسقط بالحيل، فإن لم تفعل وجب عليك الاستئناف. والدليل على أن السفر لا يقطع التتابع في الصوم أن الله ـ تعالى ـ أباح للإنسان إذا سافر في نهار رمضان أن يفطر، وهو أوكد من صيام الكفارة، وركن من أركان الإسلام، والتتابع فيه ظاهر؛ لأنه ما يجوز أن يفطر ولا يوماً من رمضان بدون عذر، فهذا ـ أيضاً ـ مثله فلا ينقطع التتابع، فإذا كان قد صام شهراً

стр. 5490

وسافر عشرة أيام ورجع إلى بلده فإنه يكمل، فيصوم شهراً ولا حرج عليه. فالضابط أنه إذا تخلل صومَه صومٌ يجب، أو فطر يجب، أو فطر مباح، فإنه لا ينقطع التتابع، فإن تخلله صوم مستحب أو صوم مباح ينقطع التتابع. إذاً ثلاث حالات لا ينقطع فيها التتابع؛ إذا تخلله صوم يجب مثل رمضان، أو فطر يجب كأيام الأعياد، وأيام التشريق، والمرأة في الحيض، ومن كان مريضاً يخشى في صومه التلف أو الضرر ـ أيضاً ـ على القول الراجح، أو فطر لسبب يبيح الفطر، كالسفر والمرض الذي يشق عليه الصيام فيه، ولكنه لا يضره. ثم انتقل المؤلف من بيان الصيام إلى بيان الإطعام فقال: وَيُجْزِئُ التَّكْفِيرُ بِمَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ فَقَطْ، وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَقَلُّ مِنْ مُدَّيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، ممَّنْ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ، ........................................... «ويجزئ التكفير بما يجزئ في فطرة فقط» وهذه هي المرتبة الثالثة في كفارة الظهار، وهي إطعام ستين مسكيناً، والذي يجزئ البر والتمر والشعير والزبيب والأقط، فلو أطعمناهم من الرز لم يجزئ ولو كان قوت البلد، ولو أطعمناهم من الذرة لم يجزئ، ولو كان قوت البلد، ولو أطعمناهم من الأقط يجزئ ولو كان غير قوت لأهل البلد، حتى لو كان هذا الأقط لا يأكله إلا الصبيان، فلا يجزئ إلا هذه الخمسة على كلام المؤلف. ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه يجزئ التكفير بما يكون طعاماً للناس، لأن الله قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] فذكر الإطعام ولم يذكر من أي نوع يكون، فيرجع في ذلك لما جرى به العرف، كما أشار إليه الناظم في قوله:

стр. 5491

وكل ما أتى ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف احدد (١) فالذي ما جاء فيه حد في الشرع فإنه يرجع فيه إلى العرف، فيطعمون بما يطعم الناس في وقتهم، وعندنا اليوم الأرز. قوله: «ولا يجزئ من البر أقل من مُدٍّ، ولا من غيرِهِ أقلُّ من مُدَّيْنِ لكل واحد» المد ربع الصاع بصاع النبي ﷺ ، وصاع النبي ﷺ أقل من صاعنا بالخمس، وخمس الخمس، يعني أنك تضيف إلى صاع النبي ﷺ ربعاً وخمس الربع، حتى يكون على مقدار الصاع الموجود في القصيم، وقد حررناه ووجدنا صاع النبي ﵊ ألفين وأربعين جراماً، يعني كيلوين وأربعين جراماً، فإذا أطعم الإنسان ربع هذا القدر من البر كفى، أما غيره فلا بد أن يكون من مدين؛ يعني نصف الصاع، وغير البر كالتمر والشعير والزبيب والأقط، فعلى المذهب نصف صاع، وأما البر فَمُدٌّ، والدليل على هذا التفريق مع أن النبي ﵊ قال لكعب بن عجرة ﵁: «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (٢)، أن معاوية ﵁ حين قدم المدينة وكثر فيها البُرُّ، قال: «أرى المد من هذا يعدل مُدَّيْنِ من التمر» (٣)، فأخذ الناس به في عهده، وصاروا يخرجون

стр. 5492

في الفطرة نصف صاع، فقال الفقهاء: إننا نجعل الواجب من البر على النصف من الواجب من غيره، مع أنهم في باب صدقة الفطر خالفوا معاوية ﵁، وقالوا: يجب صاع حتى من البر، وهذا فيه شيء من التناقض، ولهذا فالصواب أننا إذا أردنا أن نقدر، إما أن نقدر بنصف الصاع، وإما أن نقدر بما يكفي الفقير من كل الأصناف، يعني من البر ومن غير البر، أما أن نفرق بدون دليل من الشرع فإن هذا لا ينبغي. ومن الذي يصرف إليه؟ قال المؤلف: «ممن يجوز دفع الزكاة إليهم» وظاهر كلام الماتن الإطلاق، وأن كل من جاز دفع الزكاة إليه ولو كان غنياً، كالمؤلفة قلوبهم، والغارم لإصلاح ذات البين، فإنها تجزئ، والصحيح أنه يقيد ممن يجوز دفع الزكاة إليهم لحاجتهم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ والذين تدفع إليهم الزكاة مساكين وغير مساكين، فنقيد قوله: «ممن يجوز دفع الزكاة إليهم» لحاجتهم، كما قيده في الروض (١) «وهم المساكين والفقراء والغارمون لأنفسهم وابن السبيل». وإِنْ غَدَّى المَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَتَجِبُ النِّيَّةُ في التَّكْفِيرِ مِنْ صَوْمٍ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ أَصَابَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيْلاً أَو نَهَاراً انْقَطَعَ التَّتابُعُ، وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهَا لَيْلاً لَم يَنْقَطِعْ. قوله: «وإن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه» الغداء هو

стр. 5493

الطعام في أول النهار، مأخوذ من الغدوة، والعشاء هو الطعام في آخر النهار، مأخوذ من العشي، فلو غدَّى ستين مسكيناً فإنه لا يجزئه، وكذلك لو عشاهم فإنه لا يجزئه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهو المذهب؛ لأنه يشترط تمليكهم، والغداء والعشاء ليس فيه تمليك؛ لأن الإنسان في الغداء والعشاء لا يأخذ إلا ملء بطنه، فلا يستطيع أن يأخذ شيئاً، ولكن نقول: أين الدليل على التمليك، وفي القرآن الكريم إطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، وإطعام ستين مسكيناً في كفارة الظهار، وحديث كعب بن عجرة ﵁ خاص، ومن يستطيع أن يقول: إن غداءهم أو عشاءهم ليس إطعاماً؟! ولو قاله لرُدَّ. فالصواب في هذه المسألة: أنه إذا غداهم أو عشاهم أجزأه؛ لأن الله قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ ولم يذكر قدراً، ولم يذكر جنساً، فما يسمى إطعاماً فإنه يجزئ، وبناءً على ذلك فإذا غدَّاهم أو عشَّاهم أجزأه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ويدل له أن أنس بن مالك ﵁ لمَّا كبر وعجز عن صيام رمضان، صار في آخره يدعو ثلاثين مسكيناً، ويطعمهم خبزاً وأدماً عن الصيام (١)، مع أن الله قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وهذا تفسير صحابي لإطعام المسكين بفعله. واعلم أن الشرع في باب الإطعام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

стр. 5494

الأول: ما قدر فيه المدفوع والمدفوع إليه. الثاني: ما قدر فيه المدفوع فقط. الثالث: ما قدر فيه المدفوع إليه فقط. فالذي قدر فيه المدفوع والمدفوع إليه فدية الأذى، قال النبي ﵊: «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (١)، فقدر المدفوع بنصف صاع، والمدفوع إليه ستة. وما قدر فيه المدفوع دون المدفوع إليه مثل صدقة الفطر، فإنها صاع، ولم يذكر المدفوع إليه، ولهذا يجوز أن تعطي الصاع ـ الفطرة الواحدة ـ عشرة. وما قدر فيه المدفوع إليه دون المدفوع مثل كفارة الظهار، وكفارة اليمين، وكفارة الجماع في نهار رمضان، وهذا الأخير هو الذي يجزئ فيه إذا غدى المساكين، أو عشاهم، أو أعطاهم خبزاً أيضاً، وكذلك الإطعام بدلاً عن الصوم، كالكبير الذي لا يرجى برؤه، فإنه يجزئ الغداء أو العشاء كما سبق. قوله: «وتجب النية في التكفير من صوم وغيره» يعني يجب أن ينوي بأن هذا الشيء كفارة عن ذلك الشيء، فمثلاً يعتق رقبة وينويها كفارة عن الظهار، أو يعتق رقبة وينويها عن اليمين. وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من التعيين، ولو لم يكن عليه سواها، كرجل عليه كفارة عتق عن ظهار فقط، فأعتق هذا

стр. 5495

بنية أنه عن الواجب عليه، لكن ما عيَّن أنه عن الظهار، فظاهر كلام المؤلف أن هذا لا يجزئ، ولكن الصحيح أنه يجزئ؛ لأن هذا تعيين إذ لم يكن عليه غيره؛ ولهذا اشترطوا في النكاح أن يعيّن المرأة وأنه لو قال: زوجتك بنتي، وله غيرها لم يصح، وإن لم يكن له غيرها صح؛ لأنه لما لم يكن إلا واحد انصرف الشيء إليه، فإذا نوى عن كفارة، وليس عليه إلا كفارة الظهار أجزأ عنه هذا العتق. وقوله: «وغيره» كالعتق والإطعام. مسألة: هل يشترط أن ينوي التتابع في الصوم أو لا؟ ليس بشرط، بل ينوي كل يوم بيومه، ونية التتابع ليست بشرط، كما أنه في رمضان ينوي كل يوم بيومه، ولا يشترط أن ينوي التتابع، فما دام يعرف أنه يشترط التتابع فهو من حين يشرع في الصوم وهو ناوٍ التتابع، لكن إن انقطع التتابع بما لا يقطعه فإنه يجب أن يجدد النية، فمثلاً لو سافر فإذا رجع لا بد أن يجدد النية، وإلا فالأصل التتابع. وهل يجب أن ينوي لكل يوم؟ نعم، يجب أن ينوي لكل يوم، لكن على القول الصحيح إذا شرع فيه وقد نوى أن يستمر، فالصحيح أنه ليس بلازم أن ينوي كل يوم من ليلته، وينبني على ذلك ما لو نام بعد العصر إلى أن طلعت الشمس من الغد، فإن قلنا بوجوب التعيين في الليل لم يصح صيام ذلك اليوم، وإن قلنا بأنه لا يشترط فإنه يصح، وهذا هو الصحيح.

стр. 5496

قوله: «وإن أصاب المُظاهَرَ منها ليلاً أو نهاراً انقطع التتابع» يعني إن أصاب المرأة التي ظاهر منها ليلاً أو نهاراً انقطع التتابع، مثال ذلك: رجل شرع في صيام الشهرين المتتابعين، ولما مضى خمسة أيام جامع الزوجة في الليل فإنه ينقطع التتابع، وعلى هذا فيستأنف، ولو صام شهراً وثمانية وعشرين يوماً ثم جامعها يستأنف، فيصوم الشهرين من جديد؛ لأن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، هذا ما مشى عليه المؤلف. والصحيح أنه إذا أصابها ليلاً فهو آثم، ولكنه لا ينقطع التتابع؛ وذلك لأن استئناف الشهرين لا يرتفع به إثم الإصابة أو مفسدتها، فيقال لمن أصابها في أثناء الشهرين ليلاً: إنك أخطأت وأثمت فعليك أن تتوب، ولكن التتابع لا ينقطع، وهذا مذهب الشافعي، واختيار ابن المنذر، وقواه صاحب المغني. ولو أصابها ناسياً في الليل ينقطع التتابع أو لا؟ على المذهب ينقطع؛ لأنه أطلق، ولو أصابها في سفر مباح ينقطع، فالمهم أنه إذا أصاب المُظاهَرَ منها ولو في زمن يباح له الفطر فيه، كالليل، والسفر المبيح للفطر، أو ناسياً فإنه ينقطع التتابع، والصحيح أنه إذا أصابها ليلاً لا ينقطع لكنه يأثم، وإن أصابها ناسياً لا ينقطع ولا يأثم؛ لا ينقطع لأنه لم يفطر، ولا يأثم لأنه كان ناسياً.

стр. 5497

إذن إذا أصاب المُظاهَر منها في وقت لا يجب فيه الصوم، إما لكونها أيام عيد، أو أيام التشريق، أو كان مسافراً، أو في الليل، فإنه يكون آثماً، ولا ينقطع التتابع؛ لأنه ليس صائماً، وإن أصابها صائماً فإنه ينقطع التتابع، لا لأنه أصابها قبل أن يتم الصوم، ولكن لأنه أفطر أثناء الشهرين، والله اشترط أن يكون الشهران متتابعين، وبناء على ذلك لو أصابها ناسياً في أيام الصوم، فإن الصحيح فيما نرى أن الصوم لا يبطل ولو بالجماع ناسياً، وإذا لم يبطل الصوم صار التتابع مستمراً، أما لو أصابها وهو صائم بدون عذر فإنه ينقطع التتابع؛ لأنه أفطر. قوله: «وإن أصاب غيرها ليلاً لم ينقطع» كزوجة أخرى أو مملوكة، فإذا أصاب غيرها فإنه لا ينقطع التتابع إذا كان ليلاً، فإن كان نهاراً فإنه ينقطع؛ لأنه أفطر، وإذا أفطر انقطع التتابع، والصحيح أنه إذا أصاب غيرها جاهلاً أو ناسياً في النهار فإنه لا ينقطع بناء على أنه لا يفطر بذلك، مع أنه في «الروض» (١) يقول: «وإن أصاب غيرها أي: غير المظاهَر منها ليلاً أو ناسياً أو مع عذر يبيح الفطر لم ينقطع التتابع» فجعلوه هنا لا يقطع التتابع، والمراد أننا لا نفطره، وقد سبق لنا أن المذهب في باب الصوم في رمضان أن الفطر بالجماع يثبت ولو كان ناسياً.

стр. 5498

مسألة: سبق لنا أن العلماء اختلفوا في الإطعام، هل يجوز الوطء فيه أو لا يجوز؟ وبيَّنَّا الخلاف فيه، لكن إذا قيل: إنه لا يجوز الوطء قبل الإطعام، ثم لما أطعم ثلاثين مسكيناً جامع زوجته، فهل يستأنف الإطعام كما يستأنف الصوم أو لا؟ المذهب لا ينقطع التتابع فيما إذا جامع أثناء الإطعام؛ بناء على أنه لا يشترط فيه التتابع، ولهذا لو أطعمهم جميعاً يجزئ، وهذا مما يؤيد القول الثاني.

стр. 5499

كِتَابُ اللِّعانِ قوله: «اللعان» مصدر لاعن يلاعن بمعنى دعا باللعنة، وهو على وزن فِعال، وفِعَال من المصادر المزدوجة التي لا تكون إلا بين شيئين غالباً، مثل القتال، قاتل يقاتل قتالاً، من جانبين، وجاهد يجاهد جهاداً من جانبين، واللعان ـ أيضاً ـ من جانبين، ومعناه حصول التلاعن بين شخصين، فإذا طبقنا هذه اللفظة على حقيقة اللعان وجدنا أن اللعان ليس من جانب الزوجين، لكنه لعن من جانب الزوج، وغضب من جانب الزوجة، إذ إن الزوج يقول في الخامسة: «وأن لعنة الله عليه» والزوجة تقول: «وأن غضب الله عليها» فما الجواب؟ الجواب: أن هذا من باب التغليب، أي: تغليب أحد الوصفين على الآخر. والتغليب في اللغة العربية موجود بكثرة، مثل: العُمَرَان يعني أبا بكر وعمر، ومثل: القَمَرَان يعني الشمس والقمر. واللعن في اللغة الطرد والإبعاد، فإذا وقع من الله فهو الطرد والإبعاد عن رحمته، وإذا دعا به إنسانٌ على شخص، فمعناه أنه يسأل الله أن يطرده ويبعده من رحمته، وإذا وقع من شخص لشخص على سبيل أن هذا الشخص نفسه لعنه، وليس المراد دعا عليه باللعن، فالمراد أنه طرده وأبعده عنه، بحيث لا يكون صاحباً له، ولا رفيقاً له، وما أشبه ذلك. واللعان في الاصطلاح: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين ـ الزوج والزوجة ـ مقرونة بلعن من الزوج وغضب من

стр. 5500

الزوجة، وهذه الشهادات عددها أربعة والخامسة من الزوج أن لعنة الله عليه، أو من الزوجة أن غضب الله عليها، ثم نفرق بينهما تفريقاً مؤبداً، فلا تحل له بعد ذلك. وسبب اللعان أن يقذف الرجل زوجته بالزنا والعياذ بالله، سواء قذفها بمعيَّن، أم بغير معين، مثل أن يقول: يا زانية، أو يقول: زنى بك فلان. والأصل أن من قذف شخصاً بالزنا أن يقال له: أقم البينة، وإلا جلدناك ثمانين جلدة؛ لأن الأعراض محترمة، فإذا قال شخص لآخر: أنت زانٍ، أو يا زانٍ، أو ما أشبه ذلك، قلنا: أقم البينة وإلا فثمانون جلدة في ظهرك، فإن قال: أنا رأيته بعيني يزني، قلنا له: إن لم تأتِ بالشهداء فأنت كاذب عند الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] ما قال في حقيقة الأمر، لكن عند الله، أي: في حكمه وشرعه أنه كاذب، وإن كان صادقاً في نفس الواقع، ولو جاء ثلاثة يشهدون على شخص بأنه زانٍ، نقول: إما أن تأتوا بالبينة وإلا جلدناكم، وعلى هذا فنقول: اللعان خرج عن هذا الأصل؛ لأن الرجل إذا قذف زوجته لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن تقر هي، أو يقيم أربعة شهود، أو يلاعن، أما غير الزوج، فإما أن يُقر المقذوف، وإما أن تأتي بأربعة شهود، أما الزوج فنزيد على ذلك بأن يقال: أو تلاعن. ولما نزلت الآية: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، قال سعد بن عبادة ﵁: يا
следующие страницы →