← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يشترط الإقرار أربعاً، وأن الإقرار بالزنا كغيره، إذا أقر به مرة واحدة، وتمت شروط الإقرار، بأن كان بالغاً عاقلاً ليس فيه بأس فإنه يثبت الزنا، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، وهذا شاهد. واستدلوا من السنة بقول النبي ﷺ لأُنيس ـ رجلٍ من الأنصار ـ: «واغد يا أُنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (١). واستدلوا بالنظر بأنه إذا أقر على نفسه فإنه بالمرة الواحدة يثبت؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يقر على نفسه بأمر يدنس عرضه، ويوجب عقوبته، إلا وهو صادق فيه، فإذا صدق بإقراره مرة انطبق عليه وصف الزنا، وإذا انطبق عليه وصف الزنا، فقد قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. وأما مسألة الإشاعة، فالإشاعة لا تزول بتكراره أربعاً؛ لأن الرجل إذا أقر أربعاً وصمَّم عليه بان الأمر واتضح. بقي علينا أن نجيب عن أدلة القائلين بالتكرار، وأقوى حديث لهم هو حديث ماعز ﵁، فنقول: يظهر من سؤال النبي ﷺ له أن النبي ﷺ أراد أن يستثبت الخبر؛ لأنه سأله: «هل بك جنون؟»، قال: لا، فأرسل إلى قومه وقال لهم:

стр. 6022

«هل ماعز فيه جنون؟»، قالوا: لا، إنه من صالِح رجالنا في العقل، ثم قال: «هل شربتَ الخمر؟»، فقال: لا، حتى إنه أمر رجلاً أن يستنكهه (١)، أي: يشم رائحته، وهذا يدل على أن الرسول ﷺ كان عنده بعض الشك في إقرار هذا الرجل، وأراد أن يستثبت، ويؤيد هذا أن قصة العسيف ليس فيها إلا أنه قال: «إن اعترفت فارجمها» (٢)، والفعل المطلق يصدق بالواحد، وكذلك قصة اليهوديين اللَّذَيْنِ زنيا، فإن الرسول ﷺ أمر برجمهما (٣) ولم يذكر أنهما كرَّرا الإقرار، وكذلك الغامدية أمر النبي ﷺ برجمها ولم يذكر أنها كرَّرت الإقرار، حتى إنها قالت: يا رسول الله، تريد أن تُرَدِّدَنِي كما رددت ماعزاً؟! (٤). وهذا القول أرجح أن تكرار الإقرار أربعاً ليس بشرط، لا سيما إذا كان الأمر قد اشتهر كما في قصة العسيف؛ لأن هذه القصة قد اشتهرت؛ لأن أبا العسيف ذهب يسأل الناس ما الذي عليه؟ فقيل له: إن على ابنك مائة شاة ووليدة، فافتداه بذلك حتى حصلت المخاصمة إلى الرسول ﵊، وقضى بينهما بكتاب الله، فعندنا قولان في المسألة: الأول: أنه شرط. الثاني: أنه لا يشترط التكرار في الإقرار. ولكن القولين يتفقان في أنه إذا قام عند الحاكم شبهة، فإن الواجب التأكد والاستثبات.

стр. 6023

ولو قال قائل بقول وسط بأنه إذا اشتهر الأمر واتضح فإنه يُكتفى فيه بالإقرار مرة واحدة، بخلاف ما لم يشتهر فإنه لا بد فيه من تكرار الإقرار أربعاً، وعلى هذا يكون هذا القول آخذاً بالقولين، فيشترط التكرار في حال، ولا يشترط في حال أخرى. قوله: «فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ» هذا هو الشرط الثاني، وأشار المؤلف إلى مجلس أو مجالس؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا بد أن يكون ذلك في مجلس واحد، وأما إذا كان في مجالس فلا يصح، كما سيأتي في الشهادة. قوله: «وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الوَطْءِ» فيصرح المُقِر بذكر حقيقة الوطء، لا كناية الوطء، فيقول: إنه ناكها بهذا اللفظ، ولا يكفي أن يقول: أتيتها، أو جامعتها، أو زنيت بها؛ لأن قوله: «أتيتها» يمكن أتاها زائراً، ففيه احتمال، و «جامعتها» يعني اجتمعت معها في مكان، ولهذا يقال: التنوين لا يجامع الإضافة، والمعنى أنه لا يصاحبها ولا يجتمع معها، كذلك «زنى بها» لا يكفي، فربما يظن أن ما ليس بزنا زنا، مثل أن يظن التقبيل زنا، والنظر زنا، والاستمتاع بما دون الفرج، وما أشبه ذلك، ولهذا لا بد أن يصرح، ولما قال الرسول ﷺ لماعز: «لعلك قبَّلت، أو نظرت، أو غمزت»، قال: لا، فقال له النبي ﷺ : «أنكتها؟» (١) بهذا اللفظ لا يكني، فالرسول ما كنَّى، مع أنه ما عُهد عنه أنه ﷺ تكلم بصريح الوطء، إلا في هذه المسألة، فقال له: «أتدري ما

стр. 6024

الزنا؟» قال: نعم، أتيت منها حراماً، ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً (١). وفي رواية لأبي داود: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها، قال: نعم، فقال: كما يغيب الرشاء في البئر، والمِرْوَد في المكحلة؟ قال: نعم» (٢)، فهذا واضح صريح باللفظ وضرب المثل، فكل هذا يدل على أن الرسول ﷺ أراد أن يستثبت من هذا الرجل، ويتأكد منه، وهل هو يعرف الزنا، أو لا يعرفه، فلا بد من أن يصرح بذكر حقيقة الوطء. وأما التعليل فظاهر؛ لأنه ربما يظن ما ليس بزنا زناً، موجباً للحد، فاشترط فيه التصريح. قوله: «ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد» هذا هو الشرط الثالث، ألاَّ ينزع عن إقراره، أي: لا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحد؛ فإن رجع عن إقراره حرم إقامة الحد عليه، حتى ولو كان في أثناء الحد، وقال: إنه ما زنا، يجب أن يرفع عنه الحد، حتى لو كتب الإقرار بيده أربع مرات ورجع، فإنه يقبل رجوعه، ولا يجوز أن يقام عليه الحد. والدليل على ذلك: أولاً: أن ماعز بن مالك ﵁ لما بدأوا

стр. 6025

يرجمونه، وأزلقته الحجارة، وذاق مسها هرب، حتى أدركوه فأتموا رجمه، فقال النبي ﷺ لما علم بهذا: «هلا تركتموه يتوب فيتوبَ الله عليه؟» (١). قال أهل العلم: وهذا دليل على جواز رجوع المقِر، وأنه إذا رجع في إقراره حرم إقامة الحد عليه، حتى ولو كان قد شُرِع في ذلك، وحتى لو أنه لُقن أن يرجع فرجع فإنه يترك، ولا يقام عليه الحد. ثانياً: قالوا: إن هذا هو ما قضى به الخلفاء الراشدون (٢) ﵃، ومعلوم أن للخلفاء الراشدين سنة متبعة؛ لقول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٣)، فإذا قضوا بأن رجوع المقر عن الإقرار موجب لرفع الحد عنه وجب علينا أن لا نقيم عليه الحد، وحرم علينا إقامة الحد. ثالثاً: قالوا: إن المعنى يقتضي رفع الحد عنه؛ لأنه إذا رجع وقال: إنه لم يزنِ، فكيف نقيم الحد على رجل يصرخ بأعلى

стр. 6026

صوته إنه لم يزنِ؟! فنحن نقيم عليه الحد بأمر هو ينكره، والأمر جاء من قِبَله هو، فلا يمكن أن نحده وهو ينكره. رابعاً: القياس على رجوع البينة؛ لأنه لو شهد عليه أربعة رجال بالزنا، وحكم الحاكم بإقامة الحد بمقتضى هذه الشهادة ثم رجعوا، قالوا: شهدنا ولكن نستغفر الله ونتوب إليه، رجعنا عن شهادتنا، فإنه لا يجوز إقامة الحد عليه؛ لأن رجوع هؤلاء الشهود قدح فيهم؛ لأنهم كاذبون في إحدى الشهادتين، إن كان في الأول فهم كاذبون فلا تقبل، وإن كان في الثاني فهم كاذبون فلا تقبل شهادتهم. فقالوا: إن هذا يقاس عليه، أي: أن رجوع المقر عن إقراره يرفع عند الحد، كرجوع الشهود عن شهادتهم. وهذا هو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، ومالك في بعض الأحوال. وقالت الظاهرية: لا يقبل رجوعه عن الإقرار، ويجب إقامة الحد عليه، وبيننا وبينكم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، قالوا: إن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، فإذا شهد على نفسه بالزنا فقد قام بالقسط، وصَدَقَ عليه وصف الزاني، وقد قال الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فكيف نرفع هذا الحكم الذي أمر الله به مُعَلَّقاً على وصف ثبت بإقرار من اتصف به؟! هذا لا يمكن؛ لأن هذا حكم معلق على وصف ثبت بإقرار، فبمجرد ما ثبت الإقرار ثبت الحد، فما الذي يرفعه؟!

стр. 6027

وأما السنة قالوا: لأن الرسول ﷺ قال لأنيس ﵁: «واغدُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (١)، ولم يقل: ما لم ترجع، وإذا كان لم يقله مع أن الحاجة تدعو إليه عُلم أنه ليس بشرط ألاَّ يرجع في إقراره حتى يتم عليه الحد؛ لأن الشرط لا بد أن يتم، وإلا لا يمكن أن يطبق الحكم بغير تمام الشرط. قالوا: وأما قولكم: إن ماعزاً ﵁ رجع عن إقراره، فهذا قول بلا علم، وماعز ﵁ ما رجع عن إقراره أبداً، وهربُهُ لا يدل على رجوعه عن إقراره إطلاقاً، ومن ادعى أن ذلك رجوع عن إقراره فقد قال قولاً بلا علم، وقد حرَّم الله علينا أن نقول بلا علم في قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، نعم، ماعز هربه قد يكون رجوعاً عن طلب إقامة الحد عليه، فهو في الأول يريد أن يقام عليه الحد، وفي الثاني أراد ألاَّ يقام عليه الحد، وتكون التوبة بينه وبين الله، ولهذا قال الرسول ﷺ : «هلاّ تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» (٢)، فدل هذا على أن حكم الإقرار باقٍ؛ لأنه لا توبة إلا من زنا، ما قال الرسول: هلا تركتموه؛ لأنه ارتفع إقراره، بل قال: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه». وحينئذٍ لا يكون في الحديث دليل على ما زعتمم، بل إن

стр. 6028

لم يكن دليلاً عليكم، لم يكن دليلاً لكم، وكونه دليلاً عليهم أقرب من كونه دليلاً لهم؛ لأن إقرار الرسول ﷺ أنه يتوب دليل على ثبوت الذنب في حقه، ولو كان ذلك يرفع مقتضى إقراره لارتفع عنه حكم الذنب. ولهذا لو جاءنا رجل يقر بأنه زنا ويطلب إقامة الحد، ولما هيأنا الآلة لنقيم عليه الحد، وأتينا بالحصى لأجل أن نرجمه، ونظر إلى الحصى، فقال: دعوني أتوب إلى الله؛ ماذا نقول له؟ يجب أن ندعه يتوب إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ قال: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه»، وحينئذٍ ندعه يتوب، فيتوب الله عليه. أما لو قال: ما زنيت، فلا يقبل؛ لأن هذا الرجل يريد أن يدفع عن نفسه وصفاً ثبت عليه بإقراره، ولو أننا قلنا بقبول رجوع الجاني عن إقراره لما أقيم حدٌّ في الدنيا؛ لأن كل من يعرف أنه سيحد ربما يرجع، إلا أن يشاء الله، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى، فكل إنسان يخشى من العقوبة، وكان في الأول عنده عزم أن يطهر نفسه بالعقوبة، ولكن تأخر، فسيقول: ما حصل منه هذا الشيء، فهناك فرق بين الرجوع عن الإقرار، والرجوع عن طلب إقامة الحد، وهو ظاهر جداً. وأما قولكم: إنه يقاس على الشهادة فهذا قياس في غاية الضعف؛ لأن الشهود خطؤهم أو عدوانهم ممكن، خطؤهم بحيث يظنون أن هذا الرجل هو الذي زنا وهو غيره، لكنه شبيه به، فيعتقدون اعتقاداً جازماً أن هذا هو الرجل، فيشهدون على ما اعتقدوه، والواقع أنه غيره، وهذا يمكن، لكن هل يمكن للإنسان

стр. 6029

أن يخطئ في نفسه، ويظن أنه زنا وهو ما زنا؟! لا يمكن هذا، أيضاً قد يكون الشهود ما عندهم خطأ، لكن عندهم عدوان، أرادوا أن يورطوا هذا المشهود عليه، فشهدوا عليه بالزنا، وهو ما زنا أصلاً، وهذا يمكن، لكن عدوان الإنسان على نفسه بعيد، فبعيد أن يشهد على نفسه، ويلطخ نفسه بالزنا ويرضى العقوبة وهو كاذب، هذا من أبعد ما يكون، لكن كذب الشهود ممكن فيكذبون ويشهدون، ثم بعد ذلك يندمون، ويقولون: كيف نشهد، نلطخ عرضه، ونعرضه للعقوبة، وربما تكون رجماً، فيرجعون، فقياس هذا على هذا من أبعد ما يكون. وأما قولهم: إن المعنى يقتضيه، فكيف نقيم الحد على رجل يصرخ بأعلى صوته: إنه ما فعل؟! فنقول: نحن ما جنينا عليه، نحن أقمنا عليه الحد باعترافه، وكونه يكذب في الرجوع، أقرب من كونه يكذب في الإقرار؛ لأنه بعيد أن يقر الإنسان على نفسه أنه زنا وهو ما زنا، لكن قريب أن يرجع عن إقراره إذا رأى أنه سيقام عليه الحد وهو قد اعترف. وأما قضاء الخلفاء الراشدين، فأنا ما اطلعت على نصوصهم، فربما يكون هناك أشياء تشبه ما وقع لماعز فحكموا بها، فظن أهل العلم القائلون بهذا القول أنها من باب الرجوع عن الإقرار، وليست كذلك، فنحتاج أن نقف على النصوص الواردة عن الخلفاء الراشدين؛ لأن مخالفة الخلفاء الراشدين ليست بالأمر الهين، ونحن نتهم رأينا في مقابل قولهم، أما من حيث النظر بالأدلة فلا شك أن الراجح هو قول الظاهرية،

стр. 6030

ولا سيما إذا وجد قرائن، فمثلاً لو أن رجلاً سرق، وأمسكناه فأقر بالسرقة وأخبر أن الأشياء التي سرقها عنده، فلما أعطاهم الأشياء المسروقة، قال: أنا لم أسرق، فهنا الصحيح أنه ليس له الرجوع عن إقراره، بل يقام عليه الحد. فإن قيل: المال موجود عنده، قالوا: يمكن أن السارق جاء ووضعها في بيته، أو أنه اشتراها، أما المذهب فإنه يقبل رجوعه في الإقرار ما دام أن الحد لم يقم عليه، لكن لا يقبل رجوعه بالنسبة لحق الآدمي، وهذا مما شنع به ابن حزم على أهل الفقه، قال: سبحان الله!! إقرار واحد، تقولون: يلزمك في هذا، ولا يلزمك في هذا!! إما أن تبطلوهما وإلا أثبتوهما. والمهم على كل حال أن درء الحدود بمثل هذه الشبهات البعيدة بعيد عن الصواب، والواجب أن تُساس الأمة بما يمنع من الفساد، ولهذا كان القول الراجح كما سيأتينا ـ إن شاء الله ـ أن شارب الخمر إذا جلد ثلاث مرات ولم ينته فإنه يقتل، إما مطلقاً على رأي الظاهرية، وإما إذا لم ينته الناس بدون القتل على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِزِنَا وَاحِدٍ يَصِفُونَهُ أَرْبَعَةٌ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ، سَوَاءٌ أَتَوْا الحَاكِمَ جُمْلَةً، أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا، وَلَا سَيِّدَ لَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ ذلِكَ. قوله: «الثَّانِي»: أي: الطريق الثاني مما يثبت به الزنا. قوله: «أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مجلسٍ واحدٍ بزنا واحد يصفونه أربعة ممن تقبل شهادتهم فيه، سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين». فالشروط خمسة أن يأتي هؤلاء الشهود إلى الحاكم الذي يثبت

стр. 6031

الزنا في مجلس واحد، سواء جاؤوا جميعاً، أو متفرقين، فالقاضي ـ مثلاً ـ له جلسة من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الثانية عشرة، أربع ساعات، فجاء الأول في الساعة الأولى وأثبت شهادته ومضى، وجاء الثاني في الساعة التاسعة فأثبت شهادته ومضى، وجاء الثالث في العاشرة فأثبت شهادته ومضى، وجاء الرابع في الحادية عشرة فأثبت شهادته ومضى، فهنا المجلس واحد، ولكنهم متفرقون. أو جاؤوا مجتمعين، يعني جاؤوا جميعاً، كل واحد ممسك بيد الآخر، وشهدوا عند القاضي في نفس اللحظة، فإنه يكفي. فإن جاؤوا في مجلسين، مثل أن جاء اثنان منهم في جلسة الصباح، واثنان في جلسة المساء، فإنهم قَذَفَةٌ، ولا تقبل شهادتهم، ويجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة، فإن قالوا: نحن نشهد على زنا واحد؟ قلنا: لا، أنتم لم تأتوا في مجلس واحد، وهذا هو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة، ومالك. وأما الشافعي وجماعة من أهل الحديث، فقالوا: لا يشترط المجلس الواحد. ودليل الأولين قالوا: لو قبلنا شهادتهم وهم يأتون في مجالس، لكان في ذلك تهمة، ربما أن الشاهدين الأولين يذهبان إلى رجلين آخرين ويغرونهما بالمال، أو ما أشبه ذلك، ويصفون لهم ما شهدوا به، ويقولون: اشهدوا على هذا النحو، ويأتون إلى القاضي في الجلسة الأخرى؛ لأنهم إذا أغروا هؤلاء بالمال وشهدوا مثل شهادتهم سلموا من أن يكونوا قذفة فيجلدوا، وأيضاً

стр. 6032

حصل لهم ما يريدون من تدنيس عرض المشهود عليه. أما الذين قالوا: لا يشترط أن يكونوا في مجلس واحد، فقالوا: إن الآية عامة ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]، وهؤلاء الشهداء الأربعة أتوا إلى القاضي، وأثبتوا شهادتهم، فأين في كتاب الله، أو في سنة رسول الله ﷺ اشتراط أن يكون في مجلس واحد؟ وقولكم: إنه يُخشى من التمالؤ ينتقض عليكم بقولكم: إنهم يُقبلون، سواء أتوا الحاكم جملة، أو متفرقين؛ لأنه ربما يتمالأ هؤلاء الذين شهدوا في الساعة الأولى مع الذين شهدوا في الساعة الثالثة، أو الرابعة مثلاً، ولو أنكم قلتم كما قال أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم: إنه لا بد أن يأتوا الحاكم ويدلوا بشهادتهم مجتمعين في مجلس واحد، يعني أنهم إذا جاؤوا متفرقين فإنهم قَذَفَة، فعندنا ثلاثة أقوال: الأول: اشتراط المجلس الواحد وحضورهم جميعاً. الثاني: عدم اشتراط المجلس. الثالث: اشتراط المجلس الواحد دون الحضور، وهذا هو المذهب عندنا، ولكن القولين الآخرين أقرب للقاعدة، إما أن نشترط أن يأتوا جميعاً ويشهدوا، وإما ألا نشترط ذلك، والأقرب إلى النصوص أنه لا يشترط؛ لأنها عامة. وعلى هذا فيكون قوله: «في مجلس واحد» على القول الراجح ليس بشرط. وقوله: «بزنا واحد» يعني لا بد أن يشهدوا على زنا واحد،

стр. 6033

فلو شهد رجلان على أنه زنا في الصباح، ورجلان أنه زنا في المساء، فهذان فعلان فلا تقبل الشهادة، ويجلد الشهود للقذف؛ لأن الزنا متعدد، ولو شهد اثنان أنه زنا في زاوية، واثنان أنه زنا في زاوية أخرى، فهل هذا زنا واحد أم لا؟ فيه تفصيل؛ إن كانت الحجرة صغيرة كملت الشهادة، وإن كانت كبيرة لم تكمل؛ والسبب أنها ممكن أن تتدحرج معه من زاوية إلى أخرى نسأل الله العافية، أما إذا كانت كبيرة فهذا يمتنع في العادة، فيعتبر الزنا فعلين. وهل يشترط ذكر المزني بها؟ لا يشترط؛ لأن المزني بها قد تكون غير معلومة للشهود؛ ولهذا لم يذكر المؤلف هذا الشرط، وهو كذلك. وقوله: «يصفونه» يعني يصفون الزنا بلفظ صريح، بأن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها، فلو قالوا: رأيناه عليها متجردَيْن، فإن ذلك لا يقبل حتى لو قالوا: نشهد بأنه قد كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، بل لا بد أن يقولوا: نشهد أن ذكره في فرجها، وهذا صعب جداً، مثلما قال الرجل الذي شُهد عليه في عهد عمر: لو كنت بين أفخاذنا لم تشهد هذه الشهادة، وأظن هذا لا يمكن، ولكن لا أدري هل يمكن بالوسائل الحديثة أم لا كالتصوير؟ الظاهر أنه لا يمكن أيضاً؛ لأن الذي تدركه الصورة تدركه العين، فإذا لم تدركه العين لم تدركه الصورة، ولهذا يقول شيخ الإسلام: إنه لم يثبت الزنا عن طريق الشهادة من عهد النبي ﷺ إلى عهده، وإذا لم يثبت من هذا

стр. 6034

الوقت إلى ذاك الوقت، فكذلك لا نعلم أنه ثبت بطريق الشهادة إلى يومنا هذا؛ لأنه صعب جداً. فلو شهد الأربعة بأنهم رأوه كما يكون الرجل على امرأته، فإنه لا يحد للزنا، وهل يحدون للقذف؟ لا يحدون للقذف؛ لأنهم ما قذفوا، ما قالوا: زنا، بل قالوا: إننا رأيناه كما يكون الرجل على امرأته فقط. ولكن هل نقول: إن هذه تهمة قوية بشهادة هؤلاء الشهود العدول، فيعزر؟ نعم، فإذا لم يثبت الزنا الذي يثبت به الحد الشرعي، فإنه يعزر لأجل التهمة؛ لأننا بين أمرين، إما أن نعزره، وإما أن نعزر الشهود، فأحدهما لا شك مخطئ، وهنا يثبت أن الشهود ثبت بشهادتهم التهمة. وقوله: «أربعة» فاعل «يشهد» لكنه تأخر عن عامله لأجل ذكر الشروط متوالية، وكلمة «أربعة» عدد يكون للمذكر، وعلى هذا فلا بد أن يكونوا رجالاً، فإن «أربعة» بمعنى أربعة رجال لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]، وشهداء ـ أيضاً ـ للمذكر، جمع شاهد أو شهيد، فلو شهد ثمان نسوة لا يقبل، وكذلك ثلاثة وامرأتان لا يقبل. وقوله: «ممن تقبل شهادتهم فيه» أي: في الزنا، فلا بد أن يكون هؤلاء ممن تقبل شهادتهم في نفس الزنا، وبعض الناس يقبلون في الزنا، ولا يقبلون في غيره، أو يقبلون في غيره، ولا يقبلون في الزنا، كما لو كان أعمى، فالأعمى لو شهد بما يسمع قبلت شهادته، لكن بما يرى لا تقبل، فلو جاء ثلاثة يشهدون

стр. 6035

بالزنا، وجاؤوا بالرابع أعمى، لا يقبل، فإن قال: أشهد أنه زنا، قلنا: أنت كاذب، فإن قال: أشهد بشهادة هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم عدول عندي، والرسول ﷺ قال: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» (١)، وهؤلاء ثلاثة أشهد على شهادتهم، بل آكل على شهادتهم الميتة!! نقول: نعم، ولكن لا بد من وصف الزنا، فصفه لنا، فيقول: كما قال الثلاثة، فنسأله: هل رأيته؟ فيقول: إنه لم يره، وهذا فعل، والفعل مما يُشهد عليه بالبصر؛ ولهذا لا تقبل شهادة الأعمى في باب الزنا، ولا في كل فعل. ولا بد أن يكونوا من غير أعداءِ المشهود عليه، فإن كانوا من أعدائه فلا تقبل شهادتهم؛ لأن العدو يفرح أن يصاب عدوه بهذه الفاحشة، وعدو الإنسان من سرَّهُ مساءتُهُ وغَمَّه فرحُهُ، هذا ضابط العداوة عند أهل الفقه، فإذا قيل له: إن فلاناً نجح، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإن قيل له: إن فلاناً أصيب بحادث وتكسرت سيارته، قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فهذا عدو؛ لأنه في الأول ساءه مسرة هذا الشخص، وفي الثاني فرح بما يغم هذا الشخص. وقوله: «سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين»، سبق الكلام على هذا، وأن بعض العلماء يقول: لا بد أن يأتوا الحاكم في

стр. 6036

مجلس واحد جملة، والصواب أنه لا يشترط المجلس الواحد. قوله: «وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ لَمْ تُحَدَّ بمجَرَّدِ ذَلِكَ» «امرأة» نكرة في سياق الشرط فتعم، سواء كانت حرة أم أمة، صغيرة أم كبيرة «لا زوج لها ولا سيد»، والتي ليس لها زوج، ولا سيد لا تحمل إلا من وطء محرم، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *﴾ ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦]، ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ هذه ذات الزوج، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ذات السيد، فإذا حملت امرأة ليس لها زوج، وليس لها سيد، فإننا لا نتعرض لها، ولا نقول: من أين جاءك الحمل؟ ولا نسألها؛ لأن في سؤالها إشاعة للفاحشة، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، فإذا كان هذا الوعيد فيمن يحب أن تشيع الفاحشة، فكيف بمن تسبب لشيوع الفاحشة؟! ولأن النبي ﷺ يقول: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (١)، وهذا الحديث كما سبق حديث ضعيف. فعلى هذا فلا تُسأل، ولا تُحد، حتى لو كانت تحمل كل سنة، وتأتي بولد وصار لها عشرة أولاد بدون زوج، ولا سيد، فإننا لا نتعرض لها!! وهذا الذي ذكر المؤلف هو المذهب، وهو أحد أقوال ثلاثة.

стр. 6037

القول الثاني: أنه يجب عليها الحد ما لم تدعِ شبهة، مثل أن تدعي أنها اغتصبت، أو تدعي أنها وجدت شيئاً فأدخلته في فرجها، فكان مَنِيَّ رَجُلٍ فحملت به، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي تُعذر فيها فإذا ادعت شبهة ممكنة فلا تحد. القول الثالث: يجب عليها الحد وإن ادعت شبهة. وحجة القول الثاني، يقولون: إن أمير المؤمنين عمر ﵁ خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ ، وقال فيما قال: «إن الرجم حق ثابت على من زنا إذا أَحصن إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف» (١)، فذكر لثبوته ثلاثة أشياء: الأول: أن تقوم البينة، أربعة رجال بالشروط المعروفة. الثاني: الحبل. الثالث: الاعتراف. وهذا قاله أمير المؤمنين عمر على منبر الرسول ﷺ ، وبمحضرٍ من الصحابة ﵃، ولم يذكر أن أحداً نازعه في ذلك، أو خالفه، ومثل هذا يكون من أقوى الأدلة إن لم يُدَّعَ فيه الإجماع فهو كالإجماع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الحق بلا ريب. فالولد في الأصل من الجماع، وأما كون المرأة ربما وجدت شيئاً فيه ماء رجل فأدخلته في فرجها، ثم دبت هذه النطفة إلى رحمها، وحبلت، فهذا شيء بعيد!! ولو أننا قلنا بعدم الحد

стр. 6038

لانتشر الشر والفساد، ولكانت كل امرأة بغي تلد كل سنة، ويقال: لا تسألوها ودعوها، حتى تأتي هي وتقر بالزنا، وحينئذٍ أقيموا عليها الحد. وأما قول الفقهاء ﵏: إن هذا من باب الشبهات، والحدود تدرأ بالشبهات، فنقول: أولاً: نمنع المقدمة الأولى، وهي أنه من الشبهات، فنقول: أين الشبهة في امرأة حملت؟! الأصل أنها ما حملت إلا من جماع، وإذا لم تكن ذات زوج ولا سيد، فليس عندنا إلا الجماع المحرَّم، إلا إذا ادعت الشبهة. ثانياً: الحديث الذي استدلوا به ضعيف، ولو أننا أخذنا بكل شبهة ـ ولو كانت شبهة ضئيلة كالشررة في وسط الرماد ـ لَكُنَّا وافقنا قول من يقول: إن الرجل إذا استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها فلا حد عليه، وهذا قول لبعض العلماء، قالوا: لأن الاستئجار شبهة لإباحة جماعها في مقابل الأجرة. وما من إنسان يريد الزنا إلا توصل إلى الزنا بمثل هذه الطريقة، بكل سهولة، فالقصد أن مجرد الشبهة ولو كشرارة في وسط الرماد ليس بصحيح، ولا يمكن أن ترتفع بها الأحكام، وإلا فسدت أحوال الناس. وأما القول الثالث الذي يقول: إنها تحد ولو ادعت الشبهة، فيقولون: إنها بحملها ثبت زناها بمقتضى حديث عمر ﵁، والأصل عدم الإكراه فلتأتِ ببينة على ما ادعته من الشبهة، وإلا وجب الأخذ بظاهر الحال، وهذا تعليله أقوى

стр. 6039

من تعليل القول الأول، الذي يقول بأنها لا تحد، ومع ذلك فهو تعليل عليل لا تقوم به الحجة، ولا يمكن أن نتلف به الأنفس، ولا سيما إذا كانت ثيباً فإنها سترجم بمجرد ذلك. بقي أن يقال: إن تعليل الفقهاء بأن سؤالها من باب إشاعة الفاحشة، نقول: إننا لن نسألها، بل نقيم عليها الحد بدون سؤال، حتى تدعي ما يرتفع به الحد. إذاً طرق ثبوت الزنا بهذا التقرير أربعة: أولاً: الشهادة. ثانياً: الإقرار. ثالثاً: حمل من لا زوج لها ولا سيد. رابعاً: اللعان بين الزوجين، فإذا تم لعان الزوج ولم تدافعه.

стр. 6040

بَابُ حَدِّ القَذْفِ إِذَا قَذَفَ الْمُكَلَّفُ مُحْصَناً جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ حُرّاً، وَإِنْ كَانَ عَبْداً أَرْبَعِينَ. قوله: «حد القذف» «حد» مضاف و «القذف» مضاف إليه، والإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني باب الحد الذي سببه القذف. والقذف في الأصل: هو الرمي، والمراد به هنا رمي شخص بالزنا، أو اللواط، فيقول: يا زانٍ، يا لوطي، أو أنت زانٍ، أو أنت لوطي، وما أشبه ذلك. وحكم القذف محرم، بل من كبائر الذنوب إذا كان المقذوف محصناً، والحكمة من تحريمه صيانة أعراض الناس عن الانتهاك، وحماية سمعتهم عن التدنيس، وهذا من أحكم الحكم؛ لأن الناس لو سُلط بعضهم على بعض في التدنيس، والسب، والشتم حصلت عداوات، وبغضاء، وربما حروب طواحن من أجل هذه الأمور، لكن حفظاً لأعراض الناس، وحماية لها، ولسمعة المسلمين جاء الشرع محرماً للقذف، وموجباً للعقوبة الدنيوية فيه، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ [النور:٢٣]، فرتب على ذلك أمرين عظيمين: الأول: اللعنة في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله. الثاني: العذاب العظيم.

стр. 6041

ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٤، ٢٥]، وثبت عن النبي ﷺ أن من الكبائر الموبقة قذفَ المحصنات المؤمنات الغافلات (١). إذاً فهو من كبائر الذنوب بدلالة الكتاب والسنة، والحكمة فيه ما أشرنا إليه من قبل. والقذف تختلف عقوبته باختلاف القاذف، وباختلاف المقذوف، ويعلم ذلك من الشروط. قوله: «إِذَا قَذَفَ المُكَلَّفُ مُحْصَناً جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ حُرّاً وَإِنْ كَانَ عَبْداً أَرْبَعِينَ» «المكلف» البالغ العاقل، سواء كان هذا البالغ العاقل ذكراً أو أنثى، حتى المرأة لو أنها قذفت رجلاً يقام عليها حد القذف. وكلمة: «المكلف» جاء بها ﵀ من باب التبيين، وإلا فإنه قد سبق لنا في الشروط العامة في الحدود أنه يشترط أن يكون المحدود بالغاً عاقلاً. وقوله: «محصناً» المحصن هنا غير المحصن في باب الزنا، فالمحصن هنا سيذكره المؤلف بقوله: «الحر المسلم العاقل العفيف الملتزم الذي يجامع مثله» بخلاف ما في باب الزنا.

стр. 6042

وقوله: «محصناً» نكرة في سياق الشرط، فتعم ما إذا كان المحصن امرأة أو رجلاً، فتكون كلمة محصن بمعنى شخصاً محصناً، وقدَّرنا ذلك من أجل الشمول والعموم. وقوله: «محصناً» ظاهره أن ذلك شامل لقذف الولد والده، فيجلد ثمانين جلدة، فإذا قذف والده فقال: يا زانٍ ـ والعياذ بالله ـ فإنه يجلد حد القذف؛ لأن قذف الولد الوالد شنيع جداً. ويشمل كلام المؤلف: قذف الوالد ولده، فالوالد إذا قذف ولده، قال له: أنت لوطي، أنت زانٍ، أنت فاعل لشيء من هذه الخبائث، وما أشبه ذلك، فعلى كلام المؤلف يجلد الوالد؛ لأنه أطلق فقال: «محصناً» وهذا خلاف المذهب، فالمذهب أن الوالد إذا قذف ولده فإنه لا يجلد به، كما أنه لو قتله لا يقتص به، وقد سبق لنا أن هذه المسألة فيها خلاف. والصواب أن قذف الوالد لولده يجب فيه الحد، سواء قلنا: إنه حق لله، أو للآدمي؛ لأننا إذا قلنا: إنه حق لله، فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه لا سُلْطَة للوالد على ولده فيه، وإذا قلنا: إنه حق للآدمي، فإننا نقول: إن الولد إذا لم يرضَ بإسقاط حقه فإن له المطالبة به، فكما أن له أن يطالب والده بالنفقة، فهذا مثله، فلمَّا أهدر كرامة ولده، وأهانه أمام الناس، فليقم عليه الحد، والآية عامة. ويدخل في كلام المؤلف من قذف نبياً، وقد قيل: إن من قذف نبياً فليس عليه إلا الحد، ولكن هذا القول ضعيف، والصحيح أن من قذف نبياً فإنه يكفر ويقتل كفراً، فإن تاب فإنه يقتل حداً، وليس كفراً؟ والفرق بين القِتْلتين:

стр. 6043

أننا إذا قتلناه كفراً فإنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا قتلناه حداً صار الأمر بالعكس. وظاهره أيضاً ولو قذف أم نبي ـ نسأل الله العافية ـ مثل أن يقول: إن مريم ـ والعياذ بالله ـ بغي، فهل يقتل أو لا؟ الجواب: لا بد أن يقتل؛ لأنه حتى لو فرضنا أنه ليس من باب القذف، فهو من باب تكذيب القرآن؛ لأن الله تعالى قال في مريم: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وأما أم نبي غير مريم، فالصحيح أنه يقتل كفراً، لما في ذلك من الشناعة العظيمة؛ حيث يوهم أن الأنبياء ـ وحاشاهم من ذلك ـ أولاد بغايا. وظاهر كلامه أيضاً حتى لو قذف زوجة نبي فإنه يحد ثمانين؛ لأنه داخل في عموم «محصناً»، ولكن هذا فيه خلاف إلا في عائشة ﵂ فإن من رماها بما برأها الله منه فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، لكن لو رماها بغيره، أو رمى إحدى زوجات النبي ﷺ ، أو أي نبي كان، فالصحيح أنه يكفر ـ أيضاً ـ ويقتل، قال شيخ الإسلام: لأن في هذا من الغضاضة، وإذلال النبي شيئاً لا يتهاون به، وهو أعظم من تحريم نكاح زوجاته بعده، فإذا كان الله قد نهانا أن نتزوج نساء الرسول ﷺ بعده؛ إكراماً له، وحماية لفراشه، فكيف يدنس بهذا؟! وهل قذف زوجات الأنبياء إلا استهزاءٌ بالأنبياء، وسخرية بهم، ولهذا فالصحيح أنه لا يدخل في كلام المؤلف، والظاهر أن هذه العمومات غير مرادة للمؤلف.

стр. 6044

وقوله: «جلد ثمانين جلدة إن كان حراً» «جُلد» فعل ماضٍ مبني للمجهول، فمن الجالد؟ سبق لنا أنه لا يقيم الحدود إلا الإمام أو نائبه، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو الحق. وقال بعض أهل العلم: إن حد القذف يقيمه المقذوف على القاذف، إذا جعلناه حقاً للمقذوف، وإذا جعلناه حقّاً لله فالذي يقيمه هو الإمام وسيأتي الخلاف فيه. وقوله: «جلد ثمانين جلدة إن كان حراً» أي: إن كان القاذف حراً فإنه يجلد ثمانين، وهذا هو القسم الأول من عقوبة القاذف، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *﴾ [النور:٤]، فقوله تعالى: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ جمع مؤنث سالم، فهل هي خاصة بالنساء أو عامة؟ وهل العموم باللفظ أو بالمعنى؟ ظاهر الآية الكريمة أنها خاصة بالنساء، ولكن بعض أهل العلم يقول: إن المحصنات صفة لموصوف محذوف، واختلفوا في تقديره، فقال بعضهم: الأنفس المحصنات، وقال آخرون: الفروج المحصنات، فيكون عاماً يشمل الرجال والنساء، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ فالفرج إذاً محصن، لكن لا شك أن هذا تأويل مخالف لظاهر الآية، وأن الظاهر أن المراد بها النساء، ولكن الرجال في هذا مثل النساء بالإجماع، فيكون عمومها عموماً معنوياً؛ وذلك لعدم الفارق بين الرجال والنساء في هذا. في هذه الآية رتب الله على القذف ثلاثة أمور: الأول: الجلد.

стр. 6045

الثاني: عدم قبول الشهادة. الثالث: الفسق. ثم قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥]، فهل هذا الاستثناء يرفع الأحكام الثلاثة، أو يرفع الحكم الأخير، أو يرفع الحكم الأخير والذي قبله؟ أما الأخير فهو بلا شك، فإذا تابوا من القذف زال عنهم وصف الفسق إلى العدالة، وهذا لا شك فيه؛ لأن الاستثناء من أقرب مذكور وقد حصل. وقال بعض العلماء: إنه عائد إلى الأخير، وما قبله، وأنه إذا تاب ورجع قبلت شهادته، أما الحكم الأول فإنه لا يعود إليه بالاتفاق، إلا أن بعضهم قال: إذا جعلناه حقاً لله وتاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط، فجعله عائداً للثلاثة. وقوله: «وإن كان عبداً أربعين» يعني وإن كان عبداً جلد أربعين، وهذا هو القسم الثاني من عقوبة القاذف، قالوا: لأن العبد يتنصف الحد عليه، وقد سبق دليل ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والقذف حَدٌّ، فيتنصف كما يتنصف حد الزنا، إذاً كون العبد يجلد أربعين، هذا من باب القياس. وقال بعض العلماء: إنه إذا كان حراً أو عبداً فإنه يجلد ثمانين جلدة؛ لأن الآية عامة، والحق للمقذوف، والمقذوف بالزنا سيتدنس عِرضُه، سواء كان القاذف حراً أو عبداً فالأمر فيه ظاهر، وحد الزنا لله، وبشاعة الزنا وشناعته بالنسبة للحر والعبد تختلف، فاختلف جزاؤه، أما هنا فالمضرة على المقذوف،

стр. 6046

والمقذوف يقول: إن عرضي تدنس، سواء كان القاذف حراً أو عبداً. فالصحيح عندي القول الثاني أنه يجلد ثمانين جلدة، سواء كان حراً أو عبداً، والدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. ولأنه لا معنى لتنصيف العقوبة على العبد، والحكم يتعلق بغيره، بخلاف الزنا، فالقياس إذاً لا يصح. وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ بِحِسَابِهِ، وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ، وَهُوَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ، ..... قوله: «وَالمُعْتَقُ بَعْضُهُ بِحِسَابِهِ» أي: إذا وُجد إنسان بعضه حر وبعضه رقيق، فإنه يجلد بحسابه من الأربعين، فإذا كان نصفه حراً جُلِدَ ـ على رأي المؤلف ـ أربعين على أنه حر، وعشرين على أنه رقيق، يعني ستين، فيزيد ما بين الحدَّين بنسبة حرِّيَّتِهِ. لكن كيف يتصور أن يكون الإنسان نصفه حراً ونصفه رقيقاً؟ يتصور إذا كان عبدٌ بين شركاء، فَأعَتَقَ أحدُهم نصيبه، وكان الشركاء الآخرون فقراء، وكذلك المعتِق فقيراً، ففي هذه الحال يعتق منه ما عتق. قوله: «وَقَذْفُ غَيْرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ» هذا هو القسم الثالث من عقوبة القاذف، فإذا قذف غير محصن فإن يعزر، والتعزير بمعنى التأديب، وليس له قدر معين، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ الخلاف هل يزاد على عشر جلدات، أو لا يزاد؟ وما هو الصحيح من ذلك؟ قوله: «وَهُوَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ» «وهو» ـ أي حد القذف ـ «حق

стр. 6047

للمقذوف» وليس حقاً لله، وقال أبو حنيفة: إنه حق لله . وبناءً على أنه حق للمقذوف يسقط بعفوه، فلو عفا بعد أن قذفه بالزنا فإن حد القذف يسقط؛ لأنه حق له، كما لو كان عليه دراهم فعفا عنها فإنها تسقط عنه، ولا يُستوفى بدون طلبه، فما دام المقذوف ساكتاً فلا نقول للقاذف شيئاً، حتى لو بلغت الإمام فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه حق للمقذوف، وإذا كان حقّاً للمقذوف فإننا لا نتعرض له، حتى يأتي صاحبُ الحق ويطالب. ويترتب على ذلك أنه إذا كان المقذوف ولداً للقاذف فإنه لا يُحد، بناءً على أن الولد لا يثبت له حقٌّ على أبيه، إلا ما أوجبه الله له من النفقة، فالوالد لو قذف ولده فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه حق للولد، والولد لا يثبت له حق على والده. وهل يترتب على هذا الخلاف أنه يتنصف على العبد، أو يبقى كاملاً؟ بعضهم بناه على هذا، وقال: ينبني على هذا الخلاف أنه إذا كان حقاً للمقذوف فإن العبد يُحَدُّ حداً كاملاً، وإن كان حقاً لله فإن العبد يُحَدُّ على النصف كالزنا. إذاً يترتب على كون حد القذف حقاً للمقذوف أربعة أمور: أولاً: أنه يسقط بعفوه. الثاني: أنه لا يقام حتى يُطَالَب به. الثالث: أنه لا يقام للولد على والده. الرابع: أن العبد يُحَدُّ كاملاً. فإن قلنا: إنه حق لله انعكست الأحكام، فيقام عليه الحد بدون طلب، ولا يسقط بالعفو إذا بلغ الإمام، كحد السرقة،

стр. 6048

ويجب للولد على والده، ويتنصف كالزنا؛ لأنه حق لله. لكن الغريب أن الفرع الرابع ثابت حتى على القول بأنه حق للمقذوف، كما هو المذهب. وعلى هذا فيكون فيه شيء من التناقض؛ لأنك إذا جعلته حقاً للمقذوف، فإنه لا فرق بين أن يكون القاذف له حراً أو عبداً. والراجح أنه حق للمقذوف، لكن مسألة التنصف هي المشكلة، وإن كان عليها جمهور أهل العلم، لكن ظاهر الآية العموم. وَالْمُحْصَنُ هُنَا: الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْعَفِيفُ الْمُلْتَزِمُ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ، .......... قوله: «والمُحْصَنُ هُنَا» أي: في باب القذف، وقيده بقوله: «هنا» احترازاً من المحصن في باب الزنا، وسبق، وهو مَنْ وطئ امرأته في نكاح صحيح، وهما بالغان، عاقلان، حُرَّان. قوله: «الحر» هل هو موافق لهناك؟ الجواب: نعم؛ لأنه يقول: وهما بالغان، عاقلان، حرَّان، فالحرية شرط هنا وهناك. قوله: «المسلم» هذا شرط هنا، وهناك ليس بشرط، ولهذا رجم النبي ﷺ اليهوديين (١). قوله: «العاقل» هذا شرط هنا وهناك. قوله: «العفيف» هذا هنا شرط، وهناك ليس بشرط، فهناك لو كان من أفجر الناس، بل هو في الواقع غير عفيف؛ لأنه زنا فإنه يكون محصناً.

стр. 6049

قوله: «الملتزم» هذه في الحقيقة لا داعي لها، والظاهر ـ والله أعلم ـ أنها سهو من المؤلف؛ لأن قيد الإسلام يُغني عن قيد الالتزام؛ لأن الملتزم أعم من المسلم، فالملتزم يدخل فيه المسلم والذمي كما سبق، وهنا خرج الذمي بقوله: «المسلم»، ولهذا ما ذكره في الإقناع، ولا في المنتهى، ولا في المقنع الذي هو أصل الكتاب. قوله: «الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ» قال في الروض (١): وهو ابن عشر سنين، وبنت تسع سنين، فلو قذف صغيراً لم يبلغ عشراً فإنه لا يُحَدُّ، ولو قذف صغيرة لم يتم لها تسع فلا حد؛ لأنه لا يجامع مثله، فلا يلحقه العار بذلك، وهذا يختلف عن هناك. قوله: «وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ» وهناك «وهما بالغان» فيشترط هناك البلوغ، وهنا لا يشترط. وهناك يشترط أن يكون قد جامع زوجته في نكاح صحيح، وهنا لا يشترط، إذاً هناك شروط تعتبر، لا تعتبر هنا، وهنا شروط تعتبر، لا تعتبر هناك. فالذي يتفقان فيه: الحرية، والعقل. وينفرد المحصن هنا باشتراط الإسلام، والعفة، وينفرد هناك بأنه لا بد أن يكون بالغاً، وأن يكون قد جامع في نكاح صحيح. إذاً هذا يمتاز باثنين، وهذا يمتاز باثنين.

стр. 6050

قالوا: وقذف غير المحصن يوجب التعزير، فلو كان القاذف حراً والمقذوف عبداً يعزر. ولو قذف كافراً ـ ولو ذمياً ـ يعزر، ولو قذف شخصاً متهماً بالزنا يعزر، فلا يقام عليه الحد؛ لأنه ليس بعفيف. ولو قذف صغيراً لا يجامع مثلُهُ يعزر، فلو قال قائل: الآية عامة ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قلنا: لكن العبد لا يسمى محصناً في عُرف الشرع، وعلى هذا فيكون خارجاً من القيد ليس داخلاً، فلا يحتاج إلى دليل على إخراجه. وما الدليل على اشتراط أن يكون مسلماً؟ الجواب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]، ولأن النبي ﷺ يقول: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (١). واشتراط أن يجامع مثلُه؛ لأن من لا يجامع مثله لا يلحقه العار أبداً، ولا يتصور الناس منه غالباً الزنا، ولأن من كان بهذه السن فإنه لا يدنسه القذف، حتى لو ثبت أنه زنا. وَصَرِيحُ الْقَذْفِ: يَا زَانٍ، يَا لُوطِيُّ ونَحْوُهُ، وَكِنَايَتُهُ: يَا قَحْبَةُ، يَا فَاجِرَةُ، يَا خَبِيثَةُ، فَضَحْتِ زَوْجَكِ، أَوْ نَكَّسْتِ رَأْسَهُ، أَوْ جَعَلْتِ لَهُ قُرُوناً وَنَحْوُهُ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ قُبِلَ، وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلَدٍ، أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمُ الزِّنَا عَادَةً عُزِّرَ، وَيَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ بِالْعَفْوِ، وَلَا يُسْتَوْفَى بِدُونِ الطَّلَبِ. قوله: «وَصَرِيحُ القَذْفِ» القذف له صريح وكناية، والطلاق له صريح وكناية، والوقف له صريح وكناية، فما هو الصريح من كل لفظ؟ يقولون: إن الصريح من كل لفظ ما لا يحتمل غير معناه الذي وضع له، وإذا كان يحتمل المعنى هذا وهذا فإنه كناية. قوله: «يا زَانٍ، يَا لُوطِيُّ» فصريحه أن يناديه بهذا الوصف، أو يقول: أنت زانٍ، أنت لوطي.

стр. 6051

فإن قال قائل: أليست كلمة «لوطي» يحتمل أن المعنى أنك من قوم لوط؟ الجواب: لا يحتمل؛ لأن قوم لوط أهلكهم الله. قوله: «ونحوه» مثل: يا مَنْ جامعتَ جماعاً محرَّماً، يا من تطأ النساء بدون عقد، وما أشبه ذلك مما يدل على الزنا صريحاً. قوله: «وكنايته: يا قَحْبَة» هذه كناية؛ لأن القحبة تطلق على المرأة العجوز، وتطلق على الكُحَّة ـ السعال ـ يقال: فيك قحبة، أي: كُحَّة، ومنه سميت الزانية قحبة؛ لأنها تكحكح تشير إلى نفسها ـ والعياذ بالله ـ فهذا سبب تسميتها قحبة، وهي عند الفقهاء كناية، لكن في عرفنا صريحة جداً. قوله: «يَا فَاجِرَةُ» أو يقول للرجل: يا فاجر، أو: أنت فاجر، أو ما أشبه ذلك، فهذا كناية؛ لأن الفُجْرَ والفجور أصله الانبعاث، ومنه الفَجْر، ومنه تَفَجَّر الماء إذا انبعث، والفجور يطلق ـ أيضاً ـ على الكفر ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧]. قوله: «يَا خَبِيثَةُ» كناية أيضاً؛ لأن الخُبْثَ قد يراد به الرديء، أو خبيث الأفعال. قوله: «فَضَحتِ زَوْجكِ» هذا كناية؛ لأن المتبادر من «فضحت زوجك» أي: أبديت أسراره عند الناس، إلا إذا أراد كنتِ بغياً، ودنست عِرْضَه. قوله: «أو نَكَّسْتِ رَأْسَهُ» لأن الزوج ـ والعياذ بالله ـ إذا زنت

стр. 6052

زوجته يخجل، ويخفي نفسه عن الناس، ولا يحب أن يروه، والاحتمال الثاني حملته ونكست رأسه إلى الأرض. قوله: «أو جَعَلْتِ لَهُ قُرُوناً» هذا ـ أيضاً ـ كناية؛ لأنه يحتمل أن المعنى ظفَّرتِ رأسه، وجعلت له قروناً وجدايل، لكنهم لا يريدون ذلك، فالقرون يقولون: إنها مأخوذة من القِرْن، يعني الأقران، فالمشارِك للإنسان يسمى قرناً، أو قروناً أي: شُعَباً، كأنه ـ والعياذ بالله ـ اشترك فيها غير الزوج. قوله: «وَإِنْ فَسَّرَه» الضمير يعود للكناية. قوله: «بغير القذف قُبِلَ» ظاهر كلام المؤلف أنه يقبل بدون يمين؛ لأنه لو نكل لم يقضَ عليه بالنكول، فإذا قال: أنا ما أردت الزنا، وإنما أردت بالقحبة العجوز أو كثيرة الكحة، أو قال: أردت بالخبيثة، أي: خبيثة العمل، أو الرديئة، أو ما أشبه ذلك، أو أردت: بـ «فضحت زوجَك» أي: أبحتِ سرَّه، أو بُحت بسِرِّه، وبـ «نكست رأسه» أي: نكساً حسياً، فجعلته لأسفل، أو «جعلت له قروناً» أي: جعلت له قروناً من الشَّعر، أو نحو ذلك ففي هذه الحال يقبل، وإذا قبل فإنه لا يقام عليه حد القذف، لكن يعزر لإساءته إلى المخاطب. قوله: «وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلَدٍ أَوْ جَمَاعةً لا يُتَصَوَّرُ منهُمُ الزِّنَا عَادةً عُزِّرَ» كرجل وقف على باب القرية، وقال: كلكم يا أهل هذا

стр. 6053

البلد زناة فلا يحد للقذف؛ لأن هذا عار عليه هو؛ لأن الناس لا يتصور أن يتهموا أهل القرية بما رماهم به، فهو لم يدنس أعراضهم، ولا يهتمون بذلك، بل إنه لو فعل هذا لعدوه مجنوناً، ولكن يعزر، وكذلك لو قذف جماعة لا يتصور الزنا منهم عادة، مثل ما لو قذف مائة رجل فلا يحد؛ لأنهم لا يلحقهم العار، ولكن يعزر، أما إذا كان يتصور منهم الزنا أو اللواط عادة فإنه يحد حد القذف؛ لأن الغضاضة تلحق بهم. فلو كان أهل البلد قليلين، كثلاثة رجال وزوجاتهم فقط؛ لأنهم رحلوا عنه فقذفهم، فهل يحد؟ نعم، يحد، فمراد الفقهاء ﵏ في ذلك أهل البلد الذين هم كثرة لا يلحقهم العار بقذفهم. قوله: «وَيَسْقُطُ حَدُّ القَذْفِ بِالْعَفْوِ، ولَا يُسْتَوْفَى بِدُونِ الطَّلَبِ» لأنه حق للمقذوف، وإذا كان حقاً للمقذوف فلم يطالب به لم يحد القاذف، وهل يعزر؟ ظاهر كلامهم لا يعزر؛ لأنه حق للمقذوف، والمقذوف ما طالب، لكن إن رأى ولي الأمر أن يعزره فَعَلَ باعتبار إصلاح المجتمع على سبيل العموم، وعدم إلقاء مثل هذه العبارات عندهم. وقوله: «ويسقط حد القذف بالعفو» ظاهر كلامه ولو كان بعد رفعه إلى الإمام أو الحاكم؛ لأنه حق محض للمقذوف، بخلاف السرقة فإن الرجل لو سُرق ماله فإن له أن لا يطالب السارق، والإمام لا يتعرض للسارق ما دام المسروق منه لم يطالبه، ولكن إذا رفع الأمر إلى وليّ الأمر فإنه لا يملك إسقاطه،

стр. 6054

والفرق بينهما ظاهر؛ لأن السرقة فيها شائبتان: شائبة حق الآدمي وهو ضمان المال، وشائبة قطع اليد وهو حق الله ، فلهذا صار بَيْنَ بَيْنَ، فإن رُفع إلى القاضي لم يملك المسروق منه إسقاطه، وإن لم يُرفع فله أن لا يطالب.

стр. 6055

بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ قوله: «حد المسكر» أي: عقوبة المسكر، وعلم من ذلك أن عقوبة السكران حدٌّ، لا يُتَجَاوز ولا يُنقص؛ لأن جميع الحدود التي رتبها الشارع على الجرائم لا تزاد ولا تنقص، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، بل المشهور من المذاهب الأربعة. ودليل ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ قدرها بثمانين، وأن أبا بكر ضرب في عهده أربعين (١)، وأبو بكر وعمر ﵄ لهما سُنَّة متبعةٌ، لقول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٢)، وهما في قمة الخلفاء الراشدين المهديين من بعد الرسول ﷺ ، وعلى هذا فيكون لهما سنة واجبة الاتباع بنص الحديث عن الرسول ﷺ ، ولكن هل هي أربعون، أو ثمانون، أو أربعون وجوباً، وما بين الأربعين إلى الثمانين راجع إلى نظر الإمام، فإن أكْثَرَ الناسُ منها بلغ الثمانين، وإن أقلوا لم يتجاوز الأربعين؟ في هذا ـ أيضاً ـ خلاف.

стр. 6056

والقول الثاني: أن عقوبة شارب المسكر من باب التعزير، الذي لا يُنْقص عن أربعين جلدة؛ لأن هذا أقل ما روي فيه، ولكن للحاكم أن يزيد عليه إذا رأى المصلحة في ذلك، واستدلوا بالتالي: أولاً: أن الله لم يذكر حده في القرآن. ثانياً: أن النبي ﷺ لم يذكر حدَّه في السنة، بل قال ﷺ : «إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه» (١) ولم يحدَّه. ثالثاً: أن الصحابة ﵃ كانوا إذا أُتِي بالشارب قاموا إليه يضربونه بالجريد، والنعال، وطرف الرداء، والأيدي (٢)، وما أشبه ذلك، ولو كان هذا حدّاً لا يُتجاوز لوجب ضبطه، وألا يكون كل من جاء ضَرَبَ. رابعاً: أن الصحابة ﵃ لما تشاوروا في عهد عمر ﵁ حين أكثر الناس من شربه، قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أخف الحدود

стр. 6057

ثمانون، فوافق على ذلك الصحابة (١)؛ وجه الدلالة من هذا الحديث أنه قال: «أخف الحدود ثمانون»، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ : ضُرِبَ الشارب في عهده نحو أربعين (٢)، وفي عهد أبي بكر ﵁ أربعين (٣)، ولو كان حدّاً لكان أخف الحدود أربعين، ثم لو كان حدّاً ما استطاع عمر ولا غيره أن يتجاوزه، فالحد لا يمكن أن يزيده أحد، كما لا تزاد صلاة الظهر عن أربع، وصلاة المغرب عن ثلاث، وصلاة الفجر على اثنتين، أيضاً الحدود التي قدرها الله أو رسوله ﷺ . وأيضاً قوله: أخف الحدود ثمانون، يدل على أنه يجوز أن نتجاوز ما كان الشارب يُجْلَد إيَّاه في عهد النبي ﷺ ، ولو كان حدّاً ما جازت مجاوزته، ولا استشار عمر الصحابة ﵃ في الزيادة، مع أنه كان ﵁ معروفاً بالوقوف عند حدود الله . خامساً: ما صح الحديث به عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «إذا شرب فاجلدوه»، وذكر ذلك ثلاثاً، ثم قال: «فإن شرب الرابعة فاقتلوه» (٤)، وهذا دليل على أنه عقوبة تتدرج حتى تصل إلى القتل، ولو كان حدّاً محدوداً لكان الحد فيه لا يتغير. وهذا هو الراجح عندي، وهو ظاهر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين، وهو أنه تعزير لكن لا ينقص عن أقل تقدير وردت به السنة، وأما الزيادة فلا حرج في الزيادة إذا رأى الحاكم المصلحة في ذلك.

стр. 6058

وقوله: «المسكر» اسم فاعل من أسكر، أي: غطى العقل على سبيل اللذة والطرب، وتغطية العقل لها وجوه متعددة، فإذا كان على وجه اللذة والطرب، والنشوة، والارتقاء، والتعالي، فذلك هو السَّكَرُ، فالمسكر هو الذي إذا تناوله الإنسان غطى عقله على سبيل اللذة والطرب، وهو حرام. كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ. وَهُوَ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَلَا يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ وَلَا لِتَدَاوٍ وَلَا عَطَشٍ وَلَا غَيْرِهِ، إِلاَّ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ، ...... قوله: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» هذه قاعدة مأخوذة من الحديث، قال ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (١)، وقال: «ما أسكر منه الفَرَقُ فملء الكفِّ منه حرام» (٢)، والفَرَق يسع ستة عشر رطلاً. فقوله: «كل شراب أسكر» هذا مبتدأ، خبره: الجملة المقرونة بالفاء «فقليله حرام»، وقرن الخبر بالفاء؛ لأن المبتدأ يشبه الشرط في العموم؛ ووجه العموم الذي فيه «كل شراب». وقوله: «كل شراب» هذا على سبيل الأغلبية، أن يكون الخمر مشروباً، وإلا فقد يكون مأكولاً، فيعجن، ويؤكل، وقد يكون معجوناً من جهة أخرى بحيث يبل به العجين، ويؤكل ـ أي: يُعْجَن

стр. 6059

العجين بماء خمر ـ فيأكله الإنسان لقيمات، فيحصل السكر، ولهذا الأحسن أن نقول: «كل ما أسكر كثيرُهُ» كما جاء في الحديث، سواء كان شراباً، أو معجوناً، أو مطحوناً، فكل ما أسكر فإنه حرام. وإذا أسكر كثيره فظاهر أنه حرام؛ وأما القليل فحرام بدليل الحديث؛ ولأنه ذريعة إلى شُرب الكثير المسكر، فلهذا منع الشرع منه. ويجب أن نعرف الفرق بين أن نقول: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وبين أن نقول: «ما كان مسكراً وخلط بغيره فهو حرام»، لأن ما أسكر كثيره بمعنى هذا الشراب بعينه، إن أكثرت منه سكرت، وإن أقللت لم تسكر، فيكون القليل حراماً؛ لأنه ذريعة. وأما خلط الخمر بغيره على وجه لا يظهر فيه أثره، فإن هذا لا يؤثر، فهو كما لو وقعت نجاسة بماء فلم تغيره. ففي هذه الحال لا يكون الماء نجساً؛ فإذا عَجَن عجيناً بخمر فإنه يكون حراماً، وهذا بشرط أن يسكر، ومعلوم أنك إذا عجنت العجين بخمر فإنه سوف يؤثر عليه بلا شك، أما إذا لم يؤثر، أي: يكون خلطاً قليلاً يتضاءل ويذهب أثره فلا عبرة به. قوله: «وَهُوَ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ» «وهو» أي: المسكر، «خمر» لقول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر» (١)؛ ووجه التسمية بيَّنها عمر بن الخطاب ﵁ فقال: الخمر ما خامر العقل (٢)، أي: غطاه، ومنه سمي خمار المرأة؛ لأنه يغطي

стр. 6060

رأسها، وعلى هذا فنقول: كل ما غطى العقل على سبيل اللذة والطرب فهو خمر من أي نوع كان، وإنما قال: «من أي نوع كان» رداً على من قال: إن الخمر لا يكون إلا من العنب، فإن هذا القول ضعيف جداً، ومردود على قائله؛ لأن أفصح من نطق بالضاد محمداً ﷺ قال: «كل مسكر خمر» (١)، وما قال: من العنب، فكل مسكر من العنب، أو الرُّطب، أو الشعير، أو الذرة، أو البرِّ، أو أي شيء كان فإنه خمر، وداخل في التحريم، وهو محرم بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين. فدليله من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]. ووجه الدلالة من الآية قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ولأنه أضافه إلى الشيطان، فقال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، وما كان من عمل الشيطان فإنه حرام لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١]، ولأن فيه إثماً زائداً على منفعته، والإثم محرم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وأما السنة فهي صريحة في أنه حرام، في عدة أحاديث عن النبي ﷺ ، وأنَّ بيعه حرام أيضاً، كما في حديث جابر أن النبي ﷺ خطب في مكة عام الفتح، وقال: «إن الله حرَّم بيع الخمر،
следующие страницы →