← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

والقول الثاني: أن عقوبة شارب المسكر من باب التعزير، الذي لا يُنْقص عن أربعين جلدة؛ لأن هذا أقل ما روي فيه، ولكن للحاكم أن يزيد عليه إذا رأى المصلحة في ذلك، واستدلوا بالتالي: أولاً: أن الله لم يذكر حده في القرآن. ثانياً: أن النبي ﷺ لم يذكر حدَّه في السنة، بل قال ﷺ : «إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه» (١) ولم يحدَّه. ثالثاً: أن الصحابة ﵃ كانوا إذا أُتِي بالشارب قاموا إليه يضربونه بالجريد، والنعال، وطرف الرداء، والأيدي (٢)، وما أشبه ذلك، ولو كان هذا حدّاً لا يُتجاوز لوجب ضبطه، وألا يكون كل من جاء ضَرَبَ. رابعاً: أن الصحابة ﵃ لما تشاوروا في عهد عمر ﵁ حين أكثر الناس من شربه، قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أخف الحدود

стр. 6057

ثمانون، فوافق على ذلك الصحابة (١)؛ وجه الدلالة من هذا الحديث أنه قال: «أخف الحدود ثمانون»، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ : ضُرِبَ الشارب في عهده نحو أربعين (٢)، وفي عهد أبي بكر ﵁ أربعين (٣)، ولو كان حدّاً لكان أخف الحدود أربعين، ثم لو كان حدّاً ما استطاع عمر ولا غيره أن يتجاوزه، فالحد لا يمكن أن يزيده أحد، كما لا تزاد صلاة الظهر عن أربع، وصلاة المغرب عن ثلاث، وصلاة الفجر على اثنتين، أيضاً الحدود التي قدرها الله أو رسوله ﷺ . وأيضاً قوله: أخف الحدود ثمانون، يدل على أنه يجوز أن نتجاوز ما كان الشارب يُجْلَد إيَّاه في عهد النبي ﷺ ، ولو كان حدّاً ما جازت مجاوزته، ولا استشار عمر الصحابة ﵃ في الزيادة، مع أنه كان ﵁ معروفاً بالوقوف عند حدود الله . خامساً: ما صح الحديث به عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «إذا شرب فاجلدوه»، وذكر ذلك ثلاثاً، ثم قال: «فإن شرب الرابعة فاقتلوه» (٤)، وهذا دليل على أنه عقوبة تتدرج حتى تصل إلى القتل، ولو كان حدّاً محدوداً لكان الحد فيه لا يتغير. وهذا هو الراجح عندي، وهو ظاهر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين، وهو أنه تعزير لكن لا ينقص عن أقل تقدير وردت به السنة، وأما الزيادة فلا حرج في الزيادة إذا رأى الحاكم المصلحة في ذلك.

стр. 6058

وقوله: «المسكر» اسم فاعل من أسكر، أي: غطى العقل على سبيل اللذة والطرب، وتغطية العقل لها وجوه متعددة، فإذا كان على وجه اللذة والطرب، والنشوة، والارتقاء، والتعالي، فذلك هو السَّكَرُ، فالمسكر هو الذي إذا تناوله الإنسان غطى عقله على سبيل اللذة والطرب، وهو حرام. كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ. وَهُوَ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَلَا يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ وَلَا لِتَدَاوٍ وَلَا عَطَشٍ وَلَا غَيْرِهِ، إِلاَّ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ، ...... قوله: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» هذه قاعدة مأخوذة من الحديث، قال ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (١)، وقال: «ما أسكر منه الفَرَقُ فملء الكفِّ منه حرام» (٢)، والفَرَق يسع ستة عشر رطلاً. فقوله: «كل شراب أسكر» هذا مبتدأ، خبره: الجملة المقرونة بالفاء «فقليله حرام»، وقرن الخبر بالفاء؛ لأن المبتدأ يشبه الشرط في العموم؛ ووجه العموم الذي فيه «كل شراب». وقوله: «كل شراب» هذا على سبيل الأغلبية، أن يكون الخمر مشروباً، وإلا فقد يكون مأكولاً، فيعجن، ويؤكل، وقد يكون معجوناً من جهة أخرى بحيث يبل به العجين، ويؤكل ـ أي: يُعْجَن

стр. 6059

العجين بماء خمر ـ فيأكله الإنسان لقيمات، فيحصل السكر، ولهذا الأحسن أن نقول: «كل ما أسكر كثيرُهُ» كما جاء في الحديث، سواء كان شراباً، أو معجوناً، أو مطحوناً، فكل ما أسكر فإنه حرام. وإذا أسكر كثيره فظاهر أنه حرام؛ وأما القليل فحرام بدليل الحديث؛ ولأنه ذريعة إلى شُرب الكثير المسكر، فلهذا منع الشرع منه. ويجب أن نعرف الفرق بين أن نقول: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وبين أن نقول: «ما كان مسكراً وخلط بغيره فهو حرام»، لأن ما أسكر كثيره بمعنى هذا الشراب بعينه، إن أكثرت منه سكرت، وإن أقللت لم تسكر، فيكون القليل حراماً؛ لأنه ذريعة. وأما خلط الخمر بغيره على وجه لا يظهر فيه أثره، فإن هذا لا يؤثر، فهو كما لو وقعت نجاسة بماء فلم تغيره. ففي هذه الحال لا يكون الماء نجساً؛ فإذا عَجَن عجيناً بخمر فإنه يكون حراماً، وهذا بشرط أن يسكر، ومعلوم أنك إذا عجنت العجين بخمر فإنه سوف يؤثر عليه بلا شك، أما إذا لم يؤثر، أي: يكون خلطاً قليلاً يتضاءل ويذهب أثره فلا عبرة به. قوله: «وَهُوَ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ» «وهو» أي: المسكر، «خمر» لقول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر» (١)؛ ووجه التسمية بيَّنها عمر بن الخطاب ﵁ فقال: الخمر ما خامر العقل (٢)، أي: غطاه، ومنه سمي خمار المرأة؛ لأنه يغطي

стр. 6060

رأسها، وعلى هذا فنقول: كل ما غطى العقل على سبيل اللذة والطرب فهو خمر من أي نوع كان، وإنما قال: «من أي نوع كان» رداً على من قال: إن الخمر لا يكون إلا من العنب، فإن هذا القول ضعيف جداً، ومردود على قائله؛ لأن أفصح من نطق بالضاد محمداً ﷺ قال: «كل مسكر خمر» (١)، وما قال: من العنب، فكل مسكر من العنب، أو الرُّطب، أو الشعير، أو الذرة، أو البرِّ، أو أي شيء كان فإنه خمر، وداخل في التحريم، وهو محرم بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين. فدليله من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]. ووجه الدلالة من الآية قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ولأنه أضافه إلى الشيطان، فقال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، وما كان من عمل الشيطان فإنه حرام لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١]، ولأن فيه إثماً زائداً على منفعته، والإثم محرم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وأما السنة فهي صريحة في أنه حرام، في عدة أحاديث عن النبي ﷺ ، وأنَّ بيعه حرام أيضاً، كما في حديث جابر أن النبي ﷺ خطب في مكة عام الفتح، وقال: «إن الله حرَّم بيع الخمر،

стр. 6061

والميتة، والخنزير، والأصنام» (١)، وقال لصاحب الراوية: «إن الله إذا حرَّم شيئاً حرم ثمنه» (٢). فما الحِكَمُ من تحريمه؟ الجواب: الحكم من تحريمه كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وكل ذي فطرة سليمة فإنه لا يقبل الرجس من عمل الشيطان. ومنها أنه يوقع العداوة والبغضاء بين الناس، لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ﴾ [المائدة: ٩١]. ومنها أنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ لأن السكران ـ والعياذ بالله ـ إذا سكر غفل، وبقي مدة لا يذكر الله، ولا يصلي إذا جاء وقت الصلاة؛ لأنه منهي عنها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. ومنها أنه جماع الإثم، أي: جامع للإثم كله، ومفتاح لكل شر. وهذا ـ أيضاً ـ ظاهر؛ لأن الإنسان ـ والعياذ بالله ـ إذا سكر فقد وعيه، فقد يقتل نفسه، وقد يقتل ابنه، وقد يقتل أمه، وقد يزني ببنته ـ والعياذ بالله ـ، وكم من قضايا نسمع عنها، أن الرجل إذا سكر قرع بابه، وطلب من زوجته أن تمكنه من ابنته، وهذا شيء واقع.

стр. 6062

وقد نشر في إحدى الصحف في البلاد التي ظهر فيها غضب الله، ونقمته، أن شاباً دخل على أمه في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وقال لها: إنه يريد أن يفعل بها، فنهته، ووبخته، فذهب وأتى بالسكين، وقال: إن لم تمكنيني فسأقتل نفسي، فأدركها حنان الأم ورحمتها، فمكنته من نفسها، فزنا بأمه، فلما أتى الصباح كأنه أحس أنه فعل هذه الجريمة العظيمة مع أمه، فدخل الحمام ومعه بنزين فصبه على نفسه، ثم أحرق نفسه والعياذ بالله، ومن تأمل ما حصل من الشرور والمفاسد في شرب الخمر عرف بذلك حكمة الله ، ورحمته بعباده، حيث حرم ذلك عليهم، فالحكمة تقتضي تحريمه، والإنسان العاقل يبعد عنه بعقله، دون أن يعرف شرع الله فيه. قوله: «وَلَا يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ» فلو قال إنسان: سأشرب الخمر من أجل أن يتلذذ به، يقول عن نفسه: أنا تعبان، وأرهقتني الهموم، ويريد أن يشرب هذا الكأس من الخمر حتى يرتاح، ويتلذذ، ويرى نفسه أنه ليس أمامه هم، ولا غم، ولا دنيا، ولا أهل، ولا ولد، وإنما هو ملك من ملوك الدنيا، ويقول: ارحموني قد مللت من حياتي، ولا يطيب لي الزمان حتى أشرب كأساً من الخمر، فهل يجوز أن يشربه لهذا الغرض؟ نقول: لا يجوز، ونرحمك بمنعك؛ لأنك إذا فعلت هذا فإنه يحصل لك النشوة، والطرب، والذهول، والنسيان في لحظات، ولكن يعقبها همٌّ وغمٌّ أكثر من الأول، فهي أم الخبائث.

стр. 6063

قوله: «ولَا لِتداوٍ» أي: لا يباح لتداوٍ؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه لا دواء فيه، وإنما هو كما قال النبي ﷺ : «إنه ليس بدواء ولكنه داء» (١)، ولو كانت دواءً ما حرمها الله على عباده، فإن الله لا يحرم على عباده ما كان نافعاً لهم. قوله: «وَلَا عَطَشٍ» كرجل هالك من العطش إلى آخر رمق، وعنده كأس من الخمر، فقال: إنه يريد أن يشربها من العطش فلا يجوز؛ لأنه يزيد العطش، فلا يروي غليلاً ولا يشفي عليلاً. قوله: «وَلَا غَيْرِهِ» كالمفاخرة، والاختبار، وما أشبه ذلك، إلا في حالة واحدة قد تكون نادرة، ولكن قد تقع، قال المؤلف: «إِلاَّ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ» مسألة غريبة، انظر العلماء كيف تذهب أفكارهم إلى هذا الأمر البعيد، مثل ما يذهب بعض الشعراء إلى خيال بعيد، كقول بعضهم: بَلِيت بِلى الأطلال إن لم أقف بها وقوف شحيح ضاع في التُّربِ خَاتمُهُ بليت بلى الأطلال أي: أطلال محبوبه، فهو يحب امرأة، وأطلالها ما تخلَّف من بيوتها ودارها، «إن لم أقف بها» أي بهذه الأطلال (وقوف شحيح) وهو البخيل بالمال، الممسك له،

стр. 6064

الحريص عليه (ضاع في التُّرب خاتمه) خاتم الشحيح غالٍ عليه جداً، فإذا ضاع في التراب، فسيظل يبحث فيه أبد الآبدين، لعله يجده. فهذه الصورة التي ذكرها الفقهاء ﵏ مما يدل على أنهم يتعمقون في تصوير المسائل حتى النادرة، فمن يتصور أن رجلاً يأكل، ويُكبِّر اللقمة، ثم بعد ذلك يغص، ثم بعد ذلك لا يوجد عنده إلا كأس خمر، في بلد الإسلام!! هذا شيء بعيد لكن قد يكون. ففي هذه الحال إذا غَصَّ ـ فقد يموت إذا لم تندفع اللقمة ـ وعنده كأس خمر، فيشرب بقدر ما تندفع به اللقمة، أي: بقدر الضرورة فقط، فإذا اندفعت أمسك. ولماذا جازت هذه الصورة مع أن الخمر حرام؟ الجواب: لأن اندفاع الضرورة بالمحرم هنا حاصلة، فالضرورة هنا تندفع بما إذا شرب الخمر قطعاً، لكن الضرورة في العطش لا تندفع بشرب الخمر، ولا في التداوي أيضاً. مسألة: يوجد في بعض الأدوية والعقاقير نسبة من الكحول، تعطى للمرضى في بعض الأحيان عند الضرورة، فما حكم هذا؟ الجواب: هذه لا تُسكر، ولكنها يحصل بها شيء من التخدير، وتخفيف الآلام على المريض، أما أن يسكر سكر شارب الخمر فلا، فهي تشبه البنج الذي يحصل به تعطيل الإحساس بدون أن يشعر المريض باللذة والطرب، ومعلوم أن الحكم المعلق بعلة إذا تخلفت العلة تخلف الحكم، فما دام

стр. 6065

الحكم معلقاً بالإسكار، وهنا لا إسكار فلا تحريم. مسألة: ما حكم الحشيش؟ الجواب: الحشيش يراه شيخ الإسلام ﵀ أخبث من الخمر، وهو كذلك، فإن الحشيشة تسكر، وهي شر منه؛ لأنها تؤثر على المخ أكثر مما يؤثر الخمر، ومثل ذلك ـ أيضاً ـ فيما يظهر الحبوب المخدرة؛ لأن مضرتها عظيمة، وهي أشد من مضرة الخمر، وفي بعض الدول غير الإسلامية يوجبون القتل على مروِّجها، ولكنها لا تسمى خمراً، وفيها التعزير، ويرجع فيه إلى اجتهاد الإمام. ، وَإِذَا شَرِبَهُ الْمُسْلِمُ مُخْتَاراً عَالِماً أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، ثَمَانُونَ جَلْدَةً مَعَ الْحُرِّيَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مَعَ الرِّقِّ. قوله: «وَإَذا شَرِبَهُ المُسْلِمُ» هذا الشرط الأول، وخرج به من ليس بمسلم، حتى وإن كان ملتزماً كالذمي فإنه لا يحد؛ لأن المسلم هو الذي يعتقد تحريمه، أما غير المسلم فهم لا يعتقدون تحريمه؛ ولهذا لا يقام عليهم الحد إذا شربوا الخمر، ولكنهم يمنعون من إظهاره في بلاد المسلمين. قوله: «مُخْتَاراً» هذا الشرط الثاني، فإن كان مكرهاً فإنه لا حد عليه؛ لقوله تعالى في الكفر، وهو أعظم الذنوب: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦]، ولكن المكره على فعل المعصية، تارة يفعلها لدفع الإكراه، وتارة يفعلها لذاتها، فهل الآية عامة والأحكام عامة؟ أو خاصة بمن فعله لدفع الإكراه؟ الجواب: اختلف في هذا أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه

стр. 6066

إذا وُجِدَ الإكراه فإن الإنسان ـ وإن اختار الفعل ـ لا يعاقب عليه. ومنهم من قال: يشترط لعدم العقوبة أن ينوي دفع الإكراه، لا ذات الفعل، فلو أن رجلاً أكره على شرب الخمر، كأن قيل له: إما أن تشرب هذه الكأس، وإما أن نقتلك؟ قال: ما دمتم أكرهتموني فهاتوها، فشربها اختياراً لا لدفع الإكراه، فهل يحد؟ ينبني على القولين، إن قلنا: إنه لا يشترط أن ينوي دفع الإكراه فإنه لا يحدُّ؛ لأن الإنسان قد لا يكون في نفسه قبل تلك اللحظة إرادة دفع الإكراه، وإنما يقول: أكرهت على هذا الفعل، فسأفعله، وهذا هو الأقرب، بدليل أنه لولا أنه أكره ما شَرِبَ، وإن قلنا: إنه لا بد أن ينوي دفع الإكراه فإنه يُحَدُّ، والصحيح أنه لا يُحَدُّ. قوله: «عَالماً أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ» هذا الشرط الثالث، فيشترط أن يعلم أنه خمر، وأن يعلم أن كثيره يسكر، فإن لم يعلم أنه خمر، أي: ظن أنه شراب من سائر المشروبات، ثم لما شربه سَكِر فليس عليه حدٌّ؛ لأنه جاهل بالحال. كذلك لو علم أنه مسكر، لكن لم يظن أن كثيره يسكر، فإنه لا يحد؛ لأنه يشترط أن يعلم أن كثيره يسكر، فإن علم أن قليله يسكر فإنه يحد من باب أولى. ويشترط مع ذلك الشروط العامة، أن يكون عالماً بالتحريم، بالغاً، عاقلاً. قوله: «فعليه الحد» ظاهره أنه سواء سكر منه، أو لم يسكر، فإذا علم أن كثيره يسكر فشرب ـ وإن لم يسكر ـ فعليه

стр. 6067

الحد؛ لأنه محرم، والنصوص عامة في التحريم، وعامة في وجوب عقوبته، وليس فيها اشتراط أن يسكر. قوله: «ثَمَانُونَ جَلْدَةً مَعَ الحُرِّيَّةِ» هذا بناءً على قضاء عمر ﵁ حيث رفع العدد إلى ثمانين جلدة (١)، وعمر ﵁ له سنة متبعة (٢)، وهذا نظير أخذ أهل العلم برأي عمر في الطلاق الثلاث أنه يكون طلاقاً بائناً، مع أنه في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، كان الطلاق الثلاث واحدة (٣)، فأخذوا بالأخير من فعل عمر ﵁، وهو أنه يُجلد شارب الخمر ثمانين جلدة. واختار كثير من أهل العلم أن ما بين الأربعين إلى الثمانين راجع إلى نظر الحاكم، فإن رأى من المصلحة أن يبلغ الثمانين بلغ، وإلا فأربعون. قوله: «وَأَرْبَعُونَ مَعَ الرِّقِّ» بناءً على القاعدة التي سبقت، وهي أن الرقيق عقوبته على النصف من عقوبة الحر. وهنا مسألة ما ذكرها الماتن ﵀، والناس يحتاجون إليها، وهي هل يَحْرُم عصير العنب، وعصير البرتقال، وما أشبه ذلك، أم لا؟ الجواب: هذا حلال ليس فيه شك، إلا إذا غلا ـ أي: تخمر ـ بأن يكون فيه زَبَد صار حراماً، أو إذا أتى عليه ثلاثة أيام

стр. 6068

على المشهور من المذهب، وإن لم يغلِ فإنه يكون حراماً؛ قالوا: لأن ثلاثة الأيام يغلي فيها العصير غالباً، ولما كان الغليان قد يخفى أنيط الحكم بالغالب لظهوره، وهو ثلاثة أيام. والصحيح خلاف ذلك، فالصحيح أنه لا يحرم إذا أتى عليه ثلاثة أيام، لا سيما في البلاد الباردة، أما إذا كان في البلاد الحارة فإنه بعد ثلاثة أيام ينبغي أن ينظر فيه، والاحتياط أن يتجنب، وأن يعطى البهائم، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه يخشى أن يكون قد تخمر وأنت لا تعلم به.

стр. 6069

بَابُ التَّعْزِيرِ وَهُوَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ وَاجِبٌ ................. قوله: «التعزير» لغة: المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، أي: تمنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، وأولادكم. أما في الاصطلاح فقال المؤلف: «وَهُوَ التَّأْدِيبُ» ووجه مناسبته للغة أن التأديب يمنع المؤدَّب من ارتكاب ما لا ينبغي. والمؤلف ﵀ لم يعين جنسه ولا نوعه، وعليه فيختلف باختلاف الناس، وباختلاف المعصية، وباختلاف الزمن، وباختلاف المكان، فمن الناس من نعزره بالتوبيخ أمام قومه، ويكون هذا أشد عليه من كل شيء، وقد يكون بعض الناس عكس ذلك، يهون عليه ما يتعلق ببدنه، ولكن ماله لا يريد أن يؤخذ منه شيء، وبعض الناس يكون تأديبه بفصله عن الوظيفة، أو بتوقيفه أو ما أشبه ذلك. المهم أن المؤلف أفادنا بقوله: «وهو التأديب» أن التعزير كل ما يحصل به الأدب، والأدب هو تقويم الأخلاق، أو فعل ما يحصل به التقويم. قوله: «وَهُوَ وَاجِبٌ» هذا حكم التأديب، فهو واجب على من له حقُّ التأديب، فقد يكون على الإمام، أو نائبه، أو

стр. 6070

الحاكم، أو الأب، أو الأم، أو ما أشبه ذلك، فكل من له حق التأديب فالتعزير واجب عليه، والأدلة على وجوب التعزير عامة، وخاصة: أما الأدلة العامة: فهي أن الشريعة جاءت مبنية على تحصيل المصالح، وتقليل المفاسد، وهذه القاعدة متفق عليها، ومن المعلوم أن في التعزير تحصيلاً للمصالح، وتقليلاً للمفاسد، يقول الله مقرراً هذه القاعدة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، ويقول: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨]. وأما الأدلة الخاصة فإنها أدلة متناثرة، كقول الرسول ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» (١)، ومثل تحريق رَحْل الغالّ من الغنيمة (٢) ـ أي: الذي يكتم شيئاً مما غنم ـ فإن هذا تعزير، ومثل كاتم الضالة ـ أي: البعير إذا ضاعت وكتمها ـ فإنه يضمَّن قيمتها مرتين (٣)، ومثل من عطس، ولم يحمد الله فإنه

стр. 6071

يُعَزَّر، فلا نقول له: يرحمك الله، فنحرمه من شيء يُحبُّه؛ ولهذا كان اليهود عند الرسول ﷺ يتعاطسون، ويحمدون الله؛ حتى يقول الرسول ﷺ : يرحمكم الله، لكن لا يقول ذلك، ويقول: «يهديكم الله» (١). وهكذا الكافر إذا عطس وحمد الله، لا تقل: يرحمك الله، بل قل له: يهديك الله، فإذا هداه الله رحمه. وقوله: «وهو واجب» هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀، وقال بعض أهل العلم: إنه ليس بواجب على الإطلاق، ولا يُتْرك على الإطلاق، وأن ذلك يرجع إلى اجتهاد الحاكم، بشرط أن يكون أميناً؛ وعلل ذلك بأمور كثيرة وقعت في عهد الرسول ﷺ وترك التأديب عليها، وبأن المقصود التأديب، وكثير من الناس إذا مننت عليه وأطلقته يكون هذا الإطلاق عنده أكبر من التأديب، ويرى لهذا الإطلاق محلاً، ويمتنع عن المعصية أشد مما لو تضربه، ولهذا سبق في الأسرى في الجهاد أنه يجوز للإمام أن يمن عليهم ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] حسبما تقتضيه المصلحة، فهذا الرجل إذا أتينا به وقلنا: يا أخي، هذا ما ينبغي من مثلك، وأنت ممن يشق علينا أن نؤدبه أمام الناس، ولكن نظراً لمقامك فإننا نريد أن ننصحك أن لا

стр. 6072

تعود لمثل هذا، فهذا قد يكون في نفسه أنفع مما لو ضربناه أسواطاً في السوق، وهذا هو الصحيح أنه ليس بواجب على الإطلاق، وأن للإمام أو لمن له التأديب أن يسقطه إذا رأى غيره أنفع منه وأحسن. فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ. قوله: «في كل معصية» إن أراد بالمعصية ما يقابل الطاعة ففيه نظر؛ لأن الإنسان قد يعزر على ترك الطاعات، وإن أراد بالمعصية المخالفة مطلقاً، فيشمل فعل المعصية وترك الطاعة فهذا صحيح؛ لأنه ثبت التأديب على ترك الواجب؛ كما في قوله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» (١). وقوله ﷺ : «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس» إلى أن قال: «ثم أنطلق برجال معهم حِزَمٌ من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (٢). فالصحيح أن التأديب ـ ولعله مراد المؤلف ـ واجب في كل معصية، سواء كانت تلك المعصية بترك الواجب أو بفعل المحرم. لكن لاحظ أن التأديب على فعل المحرم لا يتكرر، وأما التأديب على ترك الواجب فيتكرر حتى يقوم بالواجب، فمثلاً إنسان قلنا له: صَلِّ قبل أن يخرج الوقت، فتهاون، فضربناه، ثم

стр. 6073

تهاون، فنضربه حتى يصلي، ولو تكرر؛ لأن المراد تقويمه، فلا نوقف ضربه حتى يتقوم، أما معصية فعلت وذهبت، فهذه يعاقب عليها مرة واحدة، فإن عاد عاقبناه بعقوبة جديدة لمعصية جديدة. قوله: «لا حد فيها ولا كفارة» فإن كان فيها حدٌّ فالحد كافٍ عن التعزير، وإن كان فيها كفارة فالكفارة كافية عن التعزير. مثال الذي فيها الحد: لو أن رجلاً زنا بامرأة وهو غير محصن نجلده مائة جلدة، ولكن هل نعزره مع ذلك؟ لا، اكتفاء بالحد. وكذلك المعصية التي فيها كفارة ليس فيها تعزير؛ لأن الكفارة نوع تعزير، فهي إلزام له، إما بعمل شاق، وإما بمال يفدي به نفسه. مثاله: رجل جامع امرأته في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه، فهل عليه كفارة؟ الجواب: نعم؛ عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، هذا نوع تعزير؛ لأن عتق الرقبة معناه أنه سيبذل شيئاً كثيراً من ماله، وكذلك صيام شهرين متتابعين عمل شاق، وإطعام ستين مسكيناً كذلك؛ لأنه إذا لم يجد عتق رقبة، ولم يستطع الصيام فسيطعم ستين مسكيناً، فيكتفى بالكفارة عن التعزير. ولو قال المؤلف: ولا قصاص، أو: ولا قود، لكان أجود؛ لأن المعصية التي فيها قود يكتفى بالقود عن التعزير، فلو أن رجلاً قتل رجلاً، أو قطع طرفه على وجه يثبت به القصاص

стр. 6074

فإنه يقتص منه، ويكتفى؛ لأن الله ـ تعالى ـ لم يذكر شيئاً سوى المقاصة. وكذلك نقول: ولا دية، ونكتفي بالدية عن التعزير، فلو جنى جناية ليس فيها كفارة، ولا قصاص، ولا حد، لكن فيها دية، فهل نقول: ديتها كفارتها، أو لا؟ الجواب: ظاهر كلام المؤلف: لا؛ لأن الدية حق للآدمي، والتعزير حق لله، بدليل أن الذي يجني على شخص جناية ليس فيها قصاص قد فعل أمرين: الأول: اعتدى على حق الله؛ لأن الله حرم علينا أن نعتدي على من له حرمة، الثاني: حق الآدمي. وإذا كان كذلك فنقول: حق الآدمي له، وحق الله لله، ولهذا أوجب الله في قتل الخطأ كفارة ودية، الكفارة لله والدية للآدمي، وهذا محل نظر، فقد يقال: إننا نؤدبه مراعاة للحق العام، حتى لا تنتشر الفوضى، ولا يقتل الناس بعضهم بعضاً، وقد يقال: إننا نكتفي بالدية عن التأديب؛ لأنها نوع من التعزير. والرسول ﷺ ما قال: كل معصية لا حد فيها ولا كفارة فأدبوا فيها، لكن نرى قضايا متعددة فيها التعزير، ويمكن أن نأخذ من هذه الأفراد هذه القاعدة التي ذكرها المؤلف بقوله: «وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة». ولكن ما ورد به النص من التعزير لا يكون للإمام الخيار فيه، كالخمر، وكتم الضالة، وتحريق رحل الغال، ولا يقال: راجع لاجتهاد الإمام، بل لا بد أن ينفذ. كَاسْتِمْتَاعٍ لَا حَدَّ فِيهِ، وَسَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا، وَجِنَايَةٍ لَا قَوَدَ فِيهَا، وَإِتْيَانِ المَرْأَةِ المَرْأَةَ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ، وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، ..... قوله: «كاسْتِمَتاعٍ لَا حَدَّ فِيهِ» أي: كاستمتاع محرم لا حدّ

стр. 6075

فيه، مثل أن يقبل الإنسان امرأة أجنبية، أو يضمها، أو يمسها بشهوة، أو ما أشبه ذلك، فهذا استمتاع محرم ولا حدَّ فيه، فالواجب فيه التعزير. قوله: «وَسَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا» بأن يكون اختل فيها شرط من شروط وجوب القطع الآتية إن شاء الله، مثل أن يسرق درهماً، فهذه سرقة لا قطع فيها فيعزر، أو أن يسرق من غير حرز، يجد ـ مثلاً ـ دراهم على عتبة فيسرقها، فهذا ـ أيضاً ـ ليس فيه قطع، ولكن فيه تعزير. فالضابط للسرقة التي لا قطع فيها: هي التي لم يتم فيها شروط القطع، وسيأتي بيانها إن شاء الله. قوله: «وجناية لا قود فيها» أفادنا المؤلف بهذا فائدتين: الأولى: أن الجناية التي فيها قَوَد ليس فيها تعزير؛ استغناءً بالقود. الثانية: أن الجناية التي فيها دية فيها تعزير؛ لأنه قال: «لا قود فيها»، وهو أحد القولين، والقول الثاني: أنه لا تعزير فيها اكتفاءً بالدية. فإذا كانت الجناية ليس فيها قود، ولا دية، ولا كفارة، كما لو جرحه جرحاً ليس فيه قود وبرئ ولم يؤثر فيه شيئاً، فقد سبق لنا أن هذا فيه الحكومة، وأنها إذا لم تنقصه فليس فيها شيء. كرجل جرح إنساناً في جبهته جرحاً لم يصل إلى العظم، وبرئ الجرح وتلاءم، ولم يؤثر شيئاً، فهل عليه شيء؟ ليس فيه

стр. 6076

قود، وليس فيه دية، ولا حكومة؛ لأنه لم يؤثر شيئاً، ولكن هذا فيه تعزير؛ لأنه ليس فيه قود، ولا دية. والجناية على المال، هل فيها تعزير، أو يكتفى بالضمان؟ قد نقول: إن الجناية على المال فيها حقان: حق عام، وحق خاص، فالحق الخاص فيه الضمان، والحق العام، وهو منع الفوضى والفساد والشر بين الناس يجب فيه التعزير، فإذا وصل الأمر إلى القاضي، ورأى أن يعزر هذا الشخص بالضمان للمجني عليه وبالتعزير في الحق العام، فهذا لا بأس به. والجناية على العِرض كالسب والشتم وما أشبه ذلك فيها الحد، وفيها التعزير، فالذي فيه الحد هو القذف، وما لا يوجب الحد من القذف والسب ففيه التعزير. قوله: «وإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ المَرْأَةَ» أي: السِّحاق، فالمرأة تحتك بالمرأة الأخرى وتنزل، وربما تستعمل شيئاً كالآلة، وتستمتع بالمرأة الأخرى، فهذا لا يوجب الحد؛ لأنه ليس زنا، ولكنه يوجب التعزير لكلتا المرأتين. قوله: «والقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا» أي: السب والشتم بغير الزنا، مثل: يا حمار، يا كلب، يا بخيل، يا سيء الخلق، وما أشبه ذلك، فهذا فيه التعزير، وليس فيه الحد. فإن أسقط المجني عليه حقه سقط، ولكن إذا وصل إلى الإمام أو القاضي فإنه يبقى عندنا الحق العام؛ لأن كوننا نجعل الناس في فوضى، كُلُّ من شاء سب، وشتم، وقذف، ونتركهم!! فهذا لا يليق.

стр. 6077

قوله: «وَنَحْوِهِ، وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ» الذي يتولى التعزير الحاكم، أو نائبه، أو الذي له ولاية التأديب مطلقاً، وهذا أعم، فالأب يعزِّر ابنه، والمعلم يعزر تلاميذه، والأمير يعزر رعيته، فكل مسؤول عن أحد في تأديبه فله حق التأديب. وقوله: «ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات» بسوط لا جديد، ولا خَلق، ولا مدٍّ؛ ولا تجريد، ولا برفع المعزر يده بحيث يتبين الإبط؛ لأنه سيرِدُ السوط على المضروب وروداً قوياً، وليس المقصود تعذيبه، إنما المقصود تأديبه. فلو وجدنا رجلاً عند امرأة بات عندها ليلة كاملة، يستمتع بها جميع الاستمتاعات، إلا أنه لم يصل إلى حد الزنا، فيجلد عشر جلدات ولا نزيد!! والحقيقة أن قولهم: لا يزاد على عشر جلدات لا بد أن يكون له مستند، وإلاّ لكان معارضاً لقولهم فيما سبق: «وهو التأديب وهو واجب»؛ لأن عشر جلدات في مثل هذا المنكر العظيم الذي لم يصل إلى الحد لا يحصل به تأديب، لكن مستندهم أنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» (١). قالوا: والحد هنا بمعنى العقوبة؛ لأن الحديث في سياق العقوبات، لأنه قال: «لا يجلد»، وإذا كان في سياق العقوبات وجب أن نحمل الحد على العقوبة، أي: لا يعاقَب أحدٌ جلداً

стр. 6078

فوق عشرِ جلدات إلا في حد، والحد أدناه ثمانون، وهو حد القذف، وعلى هذا فلا يجوز أن نزيد على عشر جلدات. وقال بعض أهل العلم: بل يجوز الزيادة على عشر جلدات، وعشرين، وثلاثين، وأربعين، ومائة، ومائتين، وألف، وألفين، بقدر ما يحصل به التأديب؛ لأن المقصود تقويم الاعوجاج، والتأديب، وإزالة الشر والفساد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ونحن رأينا رسول الله ﷺ عزر بما هو أعظم من عشر جلدات، وإذا كان كذلك فإنه يجب أن يحمل قول الرسول ﷺ : «إلا في حد من حدود الله» أي: في محرم من محارمه؛ لأن حدود الله تطلق على الواجبات، وعلى المحرمات، وعلى العقوبات، فقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] هذه الواجبات، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] هذه المحرمات، وتطلق أيضاً على العقوبات المقدرة شرعاً وهو واضح. وإذا كان التعزير والتأديب، وكان لا يتأدب هذا الفاعل للمعصية إلا بأكثر من عشر جلدات، فحينئذٍ إما أن نقول: لا نزيد، وتكون هذه الجلدات عبثاً؛ لأنها جلدات لا تفيد، والشرع لا يأمر بالعبث، بل لا يأمر إلا بما فيه المصلحة والحكمة، وإذا كان هكذا فإنه يجب أن يحمل كلام الرسول ﷺ على ما فيه المصلحة، وعلى ما له معنى مستقيم، ويحمل الحد في الحديث على الحدود الحُكْمية، التي هي إما ترك واجب، وإما فعل محرم، فيصير المعنى أننا لا نؤدب أحداً على ترك مروءة مثلاً فوق عشرة أسواط.

стр. 6079

فلو وجدنا رجلاً يأكل في مَجْمع مثل مجمعنا هذا، مجمع علم واحترام، فهذا خلاف المروءة، فنجلده، ولكن لا نزيد على عشر جلدات، أو رجل قال لابنه: اجلس صب القهوة للزوار، فذهب الابن ليلعب وترك الضيوف، فلوالده تأديبه، ولا يزيد عن عشر جلدات. أو رجل كان يأمر ابنه الصغير بالصلاة، وله إحدى عشرة سنة، ولكن الابن يتمرد، فيجلده عشرة أسواط، فإن لم تنفع يزد، وإن لم تنفع يزد؛ لأن هذا ترك واجب، وهو حد من حدود الله، وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من أهل العلم المحققين، وهو الذي يتعين العمل به. وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ بيان أن التعزير ـ أيضاً ـ لا يقتصر على هذا النوع من التعزيرات، بمعنى أنه لا يقتصر على الجلد، فقد يكون بأنواع متعددة حتى على المذهب، مثل التوبيخ، والهجر، وأخذ المال، وإتلاف المال، والسجن وغير ذلك؛ لأن المقصود بالتعزير التقويم والتأديب، وهو مما يدل على أنه يجوز الزيادة على عشر جلدات. مسألة: هل حلق اللحية يوجب التعزير؟ الجواب: يجب فيه التعزير؛ لأنه ترك واجب، قد قال الرسول ﷺ : «وفروا اللحى» (١)، وهذا التعزير يكرر، فكلما حلق

стр. 6080

كررناه، وأما حلق الشارب فالصحيح أنه لا يعزر فاعله، وقال بعض العلماء: يؤدب فاعله؛ لأن حلق الشارب مُثْلَة، وهو صحيح، لكن في النفس من هذا شيء. وينبغي لطلبة العلم أن يوجهوا الناس دائماً في كل مناسبة إلى أن التعزيرات، والتأديبات، والحدود التي أمر الشرع بها، أنها رحمة بالخلق، وقد ورد في الحديث ـ وإن كان ضعيفاً ـ: «حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً» (١)، وهذا لا شك أنه صحيح. قوله: «وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ بغَيْرِ حَاجَةٍ عُزِّرَ» وهذه الجملة ربما نقول: إن لها مناسبة في باب حد الزنا، ولها مناسبة هنا، أما مناسبتها هنا فلأن العقوبة فيها من باب التعزير، وأما مناسبتها في الزنا فلأن هذا اعتداء من الفاعل في شيء لا يحل له. وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ عُزِّرَ. فقوله: «ومن استمنى بيده بغير حاجة عزر» أي: من حاول إخراج المني حتى خرج بيده، سواء كان ذكراً أو امرأة. وقوله: «بغير حاجة» أي: من غير حاجة إلى ذلك، والحاجة نوعان: أولاً: حاجة دينية. ثانياً: حاجة بدنية. أما الحاجة الدينية، فهو أن يخشى الإنسان على نفسه من

стр. 6081

الزنا، بأن يكون في بلد يتمكن من الزنا بسهولة، فإذا اشتدت به الشهوة، فإما أن يطفئها بهذا الفعل، وإما أن يذهب إلى أي مكان من دور البغايا ويزني، فنقول له: هذه حاجة شرعية؛ لأن القاعدة المقررة في الشرع أنه يجب أن ندفع أعلى المفسدتين بأدناهما، وهذا هو العقل؛ فإذا كان هذا الإنسان لابد أن يأتي شهوته، فإما هذا، وإما هذا، فإنا نقول حينئذٍ: يباح له هذا الفعل للضرورة. أما الحاجة البدنية، فأن يخشى الإنسان على بدنه من الضرر إذا لم يُخرج هذا الفائض الذي عنده؛ لأن بعض الناس قد يكون قوي الشهوة، فإذا لم يخرج هذا الفائض الذي عنده فإنه يحصل به تعقد في نفسه، ويكره أن يعاشر الناس وأن يجلس معهم. فإذا كان يخشى على نفسه من الضرر فإنه يجوز له أن يفعل هذا الفعل؛ لأنها حاجة بدنية. فإن لم يكن بحاجة، وفعل ذلك فإنه يعزر، أي: يؤدب بما يردعه. واستفدنا من كلام المؤلف أن الاستمناء باليد من غير حاجة حرام، مع أنه لم يصرح به، لكن إيجاب التعزير على فاعله يدل على أنه معصية؛ لأنه سبق لنا أن التعزير يجب في كل معصية، وعلى هذا فيكون حراماً، وإذا قلنا: إنه حرام فإنه يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل في غير العبادات الحل. والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى

стр. 6082

وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ ـ أي: الأزواج وما ملكت اليمين، فمن طلب الوصول إلى اللذة ولم يحافظ على فرجه فابتغى وراء ذلك ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ ـ ٧]، والعادي معناه المتجاوز للحد، وهذا يدل على حرمته. ولقول النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (١)، ووجه الدلالة من ذلك قوله ﷺ : «ومن لم يستطع فعليه بالصوم»؛ لأن هذه العادة ـ الاستمناء ـ لو كانت جائزة لأرشد إليها النبي ﷺ ؛ لأنها أهون من الصوم، لا سيما عند الشباب؛ ولأنها أيسر؛ ولأن الإنسان ينال فيها شيئاً من المتعة، فهي جامعة بين سببين يقتضيان الحل لو كانت حلالاً، والسببان هما: السهولة واللذة، والصوم فيه مشقة وليس فيه لذة، فلو كان هذا جائزاً لاختاره النبي ﵊ وأرشد إليه؛ لأنه موافق لروح الدين الإسلامي لو كان جائزاً، وعلى هذا فيكون الحديث دليلاً على التحريم. ويمكن أن نستدل بقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]؛ بدلالة الأمر ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ على أنه قد ينازع هنا منازع فيقول: المراد يستعفف عن الزنا، وحينئذٍ لا يكون في الآية دليل.

стр. 6083

أما من الناحية النظرية فإن هذا يهدم البدن، ويؤثر عليه، حتى على الغريزة الجنسية، والشاب في حاجة إلى هذه الغريزة التي خلقها الله في المستقبل، فإذا تزوج وهذه الغريزة ضعيفة خسر خسراناً عظيماً. وقد وجدت نشرات كثيرة في المجلات، وكتب مؤلفة تبين أضرار هذا الفعل، وهو ظاهر، ولهذا غالب مَن يفعله تجده مصفر الوجه، وتجد عنده خمولاً؛ لأن هذا ينهك البدن، فعلى هذا يكون دليل تحريمه من الكتاب، والسنة، والنظر الصحيح. أما الإجماع فليس فيه إجماع؛ لأن من العلماء مَنْ أحله، ولكن المرجع عند النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فإذا قال قائل: أليس قد ورد عن السلف أنهم كانوا يطلبون من أبنائهم إذا سافروا في الغزوات أن يستغنوا به (١)؟ فنقول: نعم، لكن هذا محمول على الحاجة، لا على الإطلاق؛ لأنه ما دام عندنا دليل من الكتاب، والسنة، ومن النظر الصحيح، فإن السلف لا يمكن أن يفعلوا شيئاً محرماً، لكنه يحمل على الحال المباح. ولو طلب استخراج المني بغير استمناء اليد، فهل يجوز أو لا؟ الجواب: لا يجوز؛ لأن العلة واحدة، سواء كان ذلك باليد، أو بأي وسيلة، لكن لو فكر فأنزل فليس عليه شيء، لكنه

стр. 6084

لا يفكر في امرأة معينة؛ لأن التفكير في امرأة معينة سبب للفتنة؛ لأنه مع تفكيره فيها ربما يملي له الشيطان فيتصل بها، أو تتعلق نفسه بها، أما إذا فكر في هذا العمل مطلقاً، فيتصور كأنه يجامع امرأة مثلاً، وحصل إنزال فلا بأس به، مع أننا ننصح بعدم التعرض له؛ لأن الشيء الذي ليس بطبيعي الغالب أنه يُحدِث من الضرر أكثر مما يكون فيه من النفع.

стр. 6085

بَابُ القَطْعِ فِي السَّرِقَةِ السرقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن كل معصية أوجب الشارع فيها حدّاً فهي كبيرة من كبائر الذنوب، والمؤلف لم يتعرض لحكمها للعلم به، وهي محرمة بالكتاب، والسنة والإجماع. أما الكتاب فظاهر، ومن أدلته قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والذي يسرق آكل للمال بالباطل. ومن أدلة الكتاب ـ أيضاً ـ إيجاب الحد على السارق. أما السنة: فقال النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» (١)، وقال ﷺ في حجة الوداع وهو يخطب الناس: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (٢).

стр. 6086

وأما الإجماع فمعلوم. والسرقة: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه، أو نائبه. فخرج بقولنا: «أخذ المال» أخذ ما ليس بمال، كما لو سرق الإنسان دخاناً، فليس هذا سرقة شرعاً؛ لأن هذا الدخان ليس له حرمة، ولهذا لو أتلفه متلف لم يكن عليه ضمان. وكذلك لو سرق خمراً فإنها ليست بسرقة شرعاً؛ لأنه ليس بمال، فالمال هو العين المباحة النفع، وهذه عين محرمة. وقولنا: «على وجه الاختفاء» خرج به ما كان على وجه العلانية، فلو أن أحداً أخذ منه شخص مالاً علناً، إما قصداً أو خطفه من يده، فإن هذا ليس بسرقة. وقولنا: «من مالكه أو نائبه» دخل في قوله: «أو نائبه» المستعير، والمستأجر، والمودَع، والولي، وكل من كان مال غيره في يده بإذن الشرع، أو بإذن مالكه، فنائب المالك كل من كان ملك غيره بيده بإذن من الشرع أو المالك. فخرج بذلك ما لو سرقه من غير مالكه، ولا نائبه، كما لو سرق مغصوباً من غاصب فإن هذا ليس بسرقة؛ لأنه عند الغاصب ليس له حرمة. فلو أنك علمت أن هذا الرجل غصب من هذا الشخص مالاً، ثم سرقت المال، فإن ذلك ليس بسرقة، لأنه ليس من مالك ولا نائب المالك. ولكن لا نقول ذلك مقررين للقاعدة الباطلة التي يقول بها

стр. 6087

عامة الناس: السارق من السارق كالوارث من أبيه، فالوارث من أبيه حلال ميراثه، أما السارق من السارق فحرام، ولكن العامة يحلونه، وهذا خطأ، صحيح أنه لا يعد سرقة شرعاً، ولكن فيه الضمان والإثم. إِذَا أَخَذَ الْمُلْتَزِمُ نِصَاباً، مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، مِنْ مَالِ مَعْصُومٍ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، عَلَى وَجْهِ الاْخْتِفَاءِ قُطِعَ، ......... قوله: «إِذَا أَخَذَ الْمُلْتَزِمُ نِصَاباً مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ مِنْ مَالِ مَعْصُومٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ قُطِعَ» «إذا» شرطية، وفعل الشرط «أخذ» وجوابه «قطع» فكل ما جاء بعد أداة الشرط فهو شرط. وقوله: «الملتزم» هو المسلم، والذمي، فهو اثنان فقط، بخلاف المعصوم فهو أربعة. والمؤلف لم يقل: البالغ العاقل؛ لأنه سبق في الشروط العامة. وقوله: «نصاباً» النصاب هنا غير النصاب في باب الزكاة، فهو هنا ربع دينار، أو ثلاثة دراهم إسلامية على المذهب، أو عَرَضٌ قيمته كأحدهما، فإذا أخذ الملتزم هذا المقدار فقد أخذ نصاباً. وقوله: «من حرز مثله» «حرز» بمعنى حفظ، فالمُحرَز بمعنى المحفوظ، ومعنى «حرز مثله»، أي: من مكان يحفظ فيه مثل هذا المال، وهذا يختلف كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فحرز المال هو ما جرت العادة بحفظه فيه، فمثلاً الخشب والحديد جرت العادة بأن يحفظا في المستودعات، أو في

стр. 6088

الشوارع ويرون أنها محرزة، والذهب، والفضة، والماس، واللؤلؤ، وما أشبهه، فإنها تحفظ في الصناديق. فلو أن رجلاً جاء ووجد صندوقاً من الخشب فيه جنيهاتٍ على عتبة دكان في الساعة الواحدة من الليل، وليس مغلقاً بإحكام، وأخذ الجنيهات وكل ما فيه، فهذا غير محرز، فليست هذه سرقة، ولا يقطع في ذلك. وقوله: «من مال» خرج بها ما ليس بمال. وقوله: «معصوم» هو المسلم، والذمي، والمعاهَد، والمستأمِن، فهذا احتراز مما لو أخذه من مال غير معصوم كالحربي مثلاً، فهذا لا حرمة لماله، فلنا أن نأخذه بأي وسيلة. وقوله: «لا شبهة له فيه» «له» أي: للآخذ، «فيه» أي: في المال، بأن لا يكون من مال ابنه، أو من مال أبيه، أو من مال زوجته، أو ما أشبه ذلك، ممن جرت العادة بأن يأخذ من ماله. وقوله: «على وجه الاختفاء» خرج به ما كان على وجه العلانية فإنه لا يقطع به حتى لو أخذ مالاً كثيراً. فهذه العبارة انتظمت غالب شروط القطع في السرقة: الأول: أن يكون الآخذ ملتزماً. الثاني: أن يكون المأخوذ نصاباً. الثالث: أن يكون في حرز مثله. الرابع: أن يكون مالاً. الخامس: أن يكون المال من معصوم.

стр. 6089

السادس: ألا يكون له فيه شبهة. السابع: أن يكون على وجه الخفية. فَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ فِي وَدِيعَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ ..... قوله: «فَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ» المنتهب هو الذي يأخذ المال على وجه العلانية، معتمداً على قوته، مثل أن يرى معك ساعة فيأخذها ولا يردها. قوله: «ولا مختلسٍ» وهو الذي يأخذ المال خطفاً وهو يركض، فهذا أخذه علناً، لكن معتمداً على هربه وسرعته، نقول: هذا ـ أيضاً ـ ليس عليه قطع؛ لأن هذه ليست سرقة، فالسرقة اسمها يدل على أن الإنسان يأخذ المال خفية. كذلك لو أنه وقف عند دكان، وقال لصاحب الدكان: هل عندك كذا وكذا؟ ثم قال له: أعطني كذا الذي بالداخل، فإذا دخل الرجل أخذ مما أمامه ما يريد ثم هرب، فهذا نسميه مختلساً. قوله: «وَلَا غَاصِبٍ» وهو الذي يأخذ المال قهراً بغير حق، فهذا ليس عليه القطع؛ لأنه ليس بسارق، والغصب أعم من الانتهاب؛ لأنه يشمل المنقول والعقار. مثال ذلك: رجل غصب أرضاً، وغرس فيها وبنى، فنحن لا نقطعه؛ لأنه ليس على وجه الاختفاء. وقوله: «وَلَا خَائِنٍ» وهو الذي يغدر بك في موضع الائتمان، وهي صفة نقص بكل حال.

стр. 6090

وهل الغال من الغنيمة سارق؟ الجواب: لا؛ لأن له حكماً خاصاً، وهو أن يحرق رحله ومتاعه. قوله: «في وديعة» وهي استحفاظ الغير على المال، فاستحفاظ الغير على المال يسمَّى استيداعاً، والمال المستحفظ عليه يسمى وديعة. مثال ذلك: أعطيت رجلاً كتاباً وقلت له: هذا وديعة عندك إلى مدة شهر، فلما مضى الشهر وجئت إليه تطلبه منه، قال: ليس لك عندي شيء، ولا أعرفك، فهذا خان في الوديعة، فلا يقطع؛ لأنه لم يأخذ المال على وجه الاختفاء. قوله: «أو عاريَّة» كذلك ـ أيضاً ـ الخائن في العارية، وهي المال المدفوع للغير لينتفع به ويرده. مثل أن تعطيه هذا الكتاب وتقول: انتفع به لمدة شهر، أو لمدة أسبوع، أو لمدة سنة، فلما انقضت المدة وجئت تطلبه، قال: ما لك عندي شيء، فهذا خائن فلا يقطع؛ لأن ذلك ليس بسرقة. وهذا ما مشى عليه ﵀، وهو قول جمهور أهل العلم، أن الخائن في العارية لا يقطع، ولكن المذهب خلاف ما ذهب إليه المؤلف، فالمذهب أن الخائن في العارية يقطع، واستدلوا بحديث المخزومية أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها (١).

стр. 6091

وليست الخيانة في العارية كالخيانة في الوديعة؛ لأن قابض العارية قبضها لمصلحته، وأما الوديعة فلمصلحة المالك، فمن قاسها عليها فقد أخطأ؛ لأن الفرق بينهما ظاهر، ولأننا إذا قطعنا جاحد العارية امتنع الناس من جحدها، وإذا لم نقطعهم تجرأ الناس على جحدها، وفي هذا سد لباب المعروف؛ لأن المُعير محسن، فإذا كان المعير يُجْحَد، ولا يؤخذ له حقه، إلا بالضمان فقط فإن الناس قد يمتنعون من العارية، وهي واجبة في بعض الصور، وهذا يؤدي إلى عدم القيام بهذا الواجب. ثم نقول أيضاً: هي قسم برأسها، افرض أنها لا تدخل في السرقة لغة، فما دام فيها نص فما موقفنا أمام الله إذا كان يوم القيامة، والرسول ﷺ قطع بها، وقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١)؟. والإنسان حينما ينظر في الأحكام الشرعية وفي فتاويه، أو فيما يقول يجب أن ينظر أولاً كيف يقابل الله بما قال قبل كل شيء؛ لأنه مسؤول، فالمفتي والقاضي مبلغ لرسالات الله ، لقول الرسول ﷺ : «بلغوا عني» (٢)، فيجب أن تعتبر نفسك مسؤولاً أمام الله في كل شيء تحكم به، فلا بد أن تلاحظ سؤال الله قبل كل أحد، فالصحيح المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ أن جاحد العارية يقطع، خلافاً لما ذهب إليه المؤلف؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: ما أعلم شيئاً يدفعه، ماذا أقول؟!

стр. 6092

فلو أعرت شخصاً كتاباً يقرأ فيه، ثم جحده، فأقمت بينة عليه أنه عنده، فتبين بذلك ثبوت العارية وثبوت جحدها، فحينئذٍ يتعين القطع. َ وْ غَيْرِها، وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ الَّذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ أَوْ غَيْرَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً مُحْتَرَماً، .. قوله: «أَوْ غَيْرِها» أي: غير العارية أو ما أشبه ذلك، مثل أن يكون في شيء أجرته إياه، كسيارة فخان فيها، كأن يأخذ منها شيئاً، فإن هذا ليس بسرقة، فلا يقطع. قوله: «وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ الَّذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ أَوْ غَيْرَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ» والذي يتولى القطع هو الإمام أو نائبه كما سبق في أول كتاب الحدود. وقوله: «الطرار» من الطر وهو القطع، ولهذا قال: «الذي يبط الجيب أو غيره ويأخذ منه» والبط ليس بشرط، فالطرار يبط الجيب بمبراة لطيفة ويأخذ المال، أو يشقه، وتسقط الدراهم ويأخذها من الأرض، أو يجلس إلى جنبك، ويدخل يده ويأخذ، فإنه يقطع؛ لأنه سرق من حرز. وإنما نص عليه المؤلف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن هذا لا قطع فيه؛ لإمكان التحرز منه باليقظة، فإن الغالب إذا كان الإنسان مستيقظاً أنه لا يمكن أن يسرق منه. ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن الإنسان مهما كان في اليقظة فلا بد من غفلة، وكثيراً ما تكون سيما في محل الزحام، وللطرارين حيل؛ فإذا قلنا: إنهم لا يقطعون فإنه يفتح باب شر على الناس.

стр. 6093

وقوله: «أو غيره» أي: غير الجيب، مثل الذي في الجنب، والجيب أحفظ؛ لأنه في الصدر، ويعلم به، وكثيراً ما تحدث السرقة من الجنب. قوله: «وَيُشْتَرطُ» أي: للقطع في السرقة شروط مع الشروط العامة السابقة. قوله: «أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً مُحْتَرَماً» شرط في المسروق شرطين: أحدهما: أن يكون مالاً، فأما ما ليس بمال فلا قطع فيه. الثاني: أن يكون محترماً، فإن كان مالاً غير محترم فإنه لا يقطع. مثال المال المحترم: الثياب، والطعام، والدراهم، والدنانير، والكتب … إلخ. والأموال التي في البنوك محترمة، وفرق بين المحرم لذاته، والمحرم لكسبه، فالمحرم لعينه حرام، ولا حرمة له، والمحرم لكسبه حرام من جهة الكاسب فقط، وأما مال البنك فهو محترم، ومحرز، وعليه حماية. وأما ما ليس بمال فإنه لا يقطع، كسرقة الخمر مثلاً؛ لأنه ليس بمال أصلاً، ولو سرق حراً صغيراً فلا يقطع؛ لأنه ليس بمال، ولو سرق رقيقاً صغيراً فإنه يقطع به؛ لأن الرقيق مال. ولو سرق طفلة عليها حليٌّ من الذهب، فهذا اجتمع فيه مال وغير مال، فالمذهب لا يقطع؛ لأنه اجتمع مبيح وحاظر، فالمبيح للقطع سرقة الحلي، والحاظر سرقة الطفلة؛ لأنها حرة.

стр. 6094

وقال بعض أهل العلم: إنه يقطع بسرقة الحلي، وبسرقة الطفلة التي عليها حليّ؛ لأن هذا الذي سرقه، سرقه على أنه مال، فهو لم يسرقه إلا ليبيعه فيعامل بقصده؛ حتى لا يعود لمثلها، والأحرار عند أهلهم أغلى من المماليك، ولو قيل لأب هذا الطفل الذي سُرق مع مملوكه: أيهما أحب إليك أن يسرق، ابنك أو مملوكك؟ يقول: المملوك. ولكن القاعدة تؤيد المذهب؛ لأنه ليس بمال، لكنه يجب أن يعزر تعزيراً بليغاً يردعه وأمثاله عن هذا العمل، وربما يصل الحد إلى أبلغ من قطع اليد، فقد يكون من المفسدين في الأرض الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ وَلَا مُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ نِصَاباً وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبْعُ دِينَارٍ، أَوْ عَرَضٌ قِيمَتُهُ كَأَحَدِهِمَا، .............. قوله: «فَلَا قَطْعَ بسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ» مع أنها مال، لكنها غير محترمة، وذلك كالمزمار، والكمان، والعود، والربابة، والطبل، وما أشبه ذلك. وهل المسجل والراديو يدخلان في آلات اللهو؟ الأصل فيهما أنهما محترمان، ثم إن استخدمه صاحبه في صالح فهو صالح، وإن استخدمه في فساد فهو كذلك، لكن ما لا يستعمل إلا في محرم، فهذا لا قطع بسرقته، وأيضاً لا ضمان فيه. فلو أخذته وكسَّرته قلنا: جزاك الله خيراً، ولا نضمنك، ولا نؤثمك؛ لأنه يجب إتلاف آلة اللهو وجوباً، ولا يحل لمالكه أن

стр. 6095

يبقيها عنده، بل يجب عليه إتلافها، ويجب على من قدر أن يغيرها بيده أن يتلفها، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. فإذا قال قائل: هل يجوز أن أسطو على صاحب آلة اللهو، وآخذها، وأكسرها؟ الجواب: فيه تفصيل، إذا كان لك سلطة فنعم، أما إذا لم يكن لك سلطة فلا تفعل؛ لأن ذلك يسبب فتنة أكبر من بقائها عنده، وقد تتمكن وقد لا تتمكن، فقد يدافع هو ولا تتمكن، ولكن إذا أخذتها خفية وسرّاً على وجه لم يعلم به، وكسرتها، فهذا طيب، ولا إثم عليك، وليس فيه فتنة. قوله: «وَلَا مَحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ» أي: لا يقطع بسرقة محرم كالخمر؛ وذلك لأنه غير مال أصلاً، فليس فيه مالية إطلاقاً، بخلاف آلة اللهو ففيها مالية؛ لأنها لو غيرت عن آلة اللهو لأمكن أن ينتفع بها، لكن الخمر لا يمكن أن ينتفع به أبداً؛ لأنه حتى لو خلل فلا يجوز، إلا إذا تخلل بنفسه، وعليه فلو سرق خمراً فلا قطع عليه؛ لأنه ليس بمال. ولكن كيف يسرق خمراً بلا إناء؟ يمكن أن يدخل الخمارة ـ مثلاً ـ ومعه إناء، ويملأ هذا الإناء من هذا الخمر، فليس عليه قطع. أما إن سرق الخمر بإنائه، فالمذهب لا يقطع، والإناء يضمن؛ وذلك لأن السرقة اشتملت على مبيح وحاظر، فغلب جانب الحظر الذي يمنع القطع.
следующие страницы →