ومنها: أنه ﷺ كان خاتم النبيين قال الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١).
والخاتم الذي لا نبي بعده كما ليس بعد خاتمة الأمر منه شيء، وليس بعد ختم الكتاب نشر، وليس بعد ختم الكيس إخراج شيء منه.
[١٤٠٤] أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد ابن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال أبو القاسم ﷺ : "مَثَلي ومثلُ الأنبياء من قبلي مثلُ رَجُلٍ ابتَنَى بيوتًا فأحسنَها وأجْملَها وأكملَها إلاَّ موضع لَبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون ويُعْجبهم البنيانُ فيقولون ألا وَضعتَ ها هنا فتمَّ بناؤُك".
فقال محمد ﷺ "فأنا اللبنة"
رواه مسلم (٢) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق.
وأخرجاه (٣) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وقال: "فأنا اللَّبنةُ وأنا خاتَمُ النَبيينَ" وأخرجاه من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "فأنا مَوضعُ اللبنة جئتُ فختمتُ البِنَاء" (٤) وفي رواية: "فختمتُ الأنبياءَ".
стр. 1227
وقد أخرجنا ذلك في الرابع من كتاب دلائل النبوة (١).
[١٤٠٥] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثنا عمرو بن محمد بن منصور، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا عمرو بن مرزوق، أخبرنا سليم بن حيان، حدثنا سعيد بن مينا، عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : "مَثلي في الأنبياء مثلُ رجُل بني دارًا فأحْكمها إلاَّ موضع لَبنةٍ" قال "فكأنّ رجلا دخل فقال: ما أَحْسَنَها إلاّ موضع هذه اللَّبنة" قال رسول الله ﷺ : "فأنا موضعُ اللَّبِنة فخُتِم بي الأنبياءُ".
ومنها: أنه ﷺ كان سيد المرسلين.
[١٤٠٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع ابن سليمان، حدثنا بشر بن بكر حدثنا الأوزاعي-ح
وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا هقل بن زياد، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار حدثني عبد الله بن فروخ حدثني أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ لي: "أنا سَيِّدُ وَلد آدم يوم القيامة، وأوّلُ من يَنْشقُّ عنه القبرُ، وأوّل شافِعٍ وأوّلُ مُشَفّع".
стр. 1228
وفي رواية بشر: "أنا سيد بني آدم". وقال: "تنشق عنه الأرض".
رواه مسلم في الصحيح (١) عن الحكم بن موسى.
قال الحليمي (٢) ﵀: ولأن شرف الرسول (٣) بالرسالة، ونبينا ﷺ خص بأشرف الرسالات، فعلمنا بذلك أنه أشرف الرسل.
والدليل على أن رسالته أشرف الرسالات أنها نسخت ما تقدمها من الرسالات ولا تأتي بعدها رسالة تنسخها وإلى هذا أشار ربنا جل ثناؤه فيما وصف به كتابه أن قال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤).
فقيل معناه: ليس فيما تقدمه ما يكذبه، ولا يأتي بعده ما يدفعه وفي هذا ما دل على أن هذه الرسالة أفضل الرسالات، فصح أن الرسل بها أفضل الرسل والله أعلم.
ومنها: أن الله تعالى أقسم بحياته ومعقول أن من أقسم بحياة غيره وإنما يقسم
стр. 1229
بحياة أكرم الأحباء عليه، فلما خص الله نبينا ﷺ من بين البشر بأن أقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١).
بان أنه أفضلهم وأكرمهم.
وإقسامه بالتين والزيتون وطور سينين وغير ذلك يدل على فضله على من يدخل في عداده، كذلك إقسامه بحياة محمد ﷺ يدل على فضله على من يدخل في عداده.
ومنها: أن الله تعالى جمع له بين إنزال الملك عليه وإصعاده إلى مساكن الملائكة وبين إسماعه كلام الملك وإراءته إياه في صورته التي خلقه الله عليها، وجمع له بين إخباره عن الجنة والنار، واطلاعه عليهما، فصار العلم واقعا بالعالمين: دار التكليف ودار الجزاء عيانا. وبسط الكلام فيه.
وهذا بين في الأحاديث التي ذكرناها في معراج النبي ﷺ وهي في الحادي عشر والثاني عشر من كتاب دلائل النبوة (٢).
ومنها: أن من ينزل عليه الملك كرامة له إذا كان أفضل ممن لا ينزل عليه وجب أن يكون من ينزل عليه فيتجاوز مكالمته إلى مقاتلة المشركين عنه حتى يظفره الله عليهم أفضل ممن لا يكون من الملك إلا إبلاع الرسالة إياه، ثم الانصراف عنه، ومعلوم أن هذا لم يكن إلا لنبينا ﷺ فينبغي أن يكون لذلك أفضل الأنبياء ﷺ .
وقد ذكرنا نزول الملائكة لقتال المشركين يوم بدر في كتاب دلائل النبوة (٣) وهو في كتاب الله مذكور.
فإن عورض هذا بسجود الملائكة لآدم ﷺ فالسجود كان لله عند خلق آدم والذي يدل عليه الحديث الذي:
[١٤٠٧] أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي بالكوفة، أخبرنا أبو جعفر بن دحيم، حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو أبي سعيد شك الأعمش قال قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأَ ابن آدم السجدةَ
стр. 1230
فسجدَ اعتزلَ الشيطانُ يَبكي يقول: ياويلَه أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجدَ فله الجنّة، وأُمِرْتُ بالسجود فعَصَيت فليِ النار".
رواه مسلم في الصحيح (١) عن زهير عن وكيع.
ومعلوم أن ابن آدم إنما أمر بالسجود لله لا لغيره، فدل ذلك أن السجود الذي أمر به الشيطان من جنس ما أمر به ابن آدم، وهو السجود لله ، ولكن عند خلق آدم إعظاما لقدرة الله التي أظهرها لهم بخلقه إياه.
وقال (٢) وإن كان السجود من الملائكة لآدم ﷺ فقد يحتمل أن ذلك إنما كان عقوبة لهم على قولهم لله : ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٣).
فعرض الكرامة له فيه لا يخلص من عرض العقودة لهم،
وأما قتال الملائكة مع النبي ﷺ فإنها كرامة خالصة عرضه الله لها بفضله دلالة على نفاسة قدره وعظم منزلته.
ولأن (٤) الأفضل من يفضله الله يوم القيامة ويكرمه بما لا يكرم به غيره، وقد جاء عن نبينا الصادق ﷺ ما ذكرناه في كتاب "البعث" (٥) وغيره من شفاعته يوم القيامة لأهل الجمع ثم لأمته.
стр. 1231
[١٤٠٨] أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي ببغداد، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة قال سمعت ابن عباس يخطب على منبر البصرة قال قال رسول الله ﷺ : "لم يكن نبيٌّ إلاّ له دعوةٌ تنَجزها في الدنيا، وإنّي اختبأتُ دعوتي شفاعةَ لأمتي يوم القيامة، وأنا سَيِّدُ ولد أدمَ ولا فخرَ، وأوّلُ من تنشقُّ عنه الأرضُ ولا فخر، وبيدي لواءُ الحمد، وأدمُ ومَن دونَه تحت لِوائي ولا فخر" وذكر حديث الشفاعة بطوله.
[١٤٠٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن
стр. 1232
عمرو بن أبي عمرو، عن أنس قال سمعت النبي ﷺ يقول: "إني أوّلُ النَّاس تنشقُ الأرض عَن جُمْجمتي يوم القيامة ولا فخر، وأُعطَى لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيِّدُ الناس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل مَن يَدخُل الجنّة يوم القيامة ولا فخر … " ثم ذكر حديث الشفاعة بطوله.
قال البيهقي ﵀: ومعنى قوله "ولا فخر" أي لا أقول متطاولا ولا متبذخا به على أحد، ولم يرد أنه لا فخر له فيه فإن له فخرا أعظم الفخر ﷺ .
ومنها: أنه ﷺ في الدنيا أكثر الأنبياء ﵈ أعلاما ومعلوم أن أقل الأعلام إذا كان يوجب الفضيلة فإن كثرة الأعلام توجب كثرة الفضيلة، وكثرتها توجب لصاحبها اسم الأفضل.
وقد ذكر الحليمي (١) ﵀: من أعلام المصطفى ﷺ وآياته ودلالات صدقه أخبارا كثيرة قد ذكرناها بأسانيدها في كتاب دلائل النبوة (٢) من أرادها رجع إليه بتوفيق الله .
قال (٣) ومما يدل على فضل نبينا ﷺ أن الله جل ثناؤه لم يخاطبه في القرآن قط إلاّ بالنبي أو الرسول ولم يناده باسمه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (٤). ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ (٥).
وأما سائر الأنبياء ﵈ فإنه دعاهم بأسمائهم فقال تعالى: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أنتَ وَزَوْجُكَ الجْنَةَ﴾ (٦).
وقال: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْماَئِهِمْ﴾ (٧).
وقال: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أعرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٨).
стр. 1233
وقال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (١).
وقال: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ﴾ (٢).
وقال: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣).
وبسط الكلام في هذا
ومما يدل (٤) على فضله ﷺ ما ورد به الخبر (٥) من أن آدم ﷺ يكنى في الجنة أبا محمد فلولا أنه أفضل النبيين لما خص عند القصد إلى (أن يكنى) باسم أحدهم اسم نبينا ﷺ فكني به دون اسم غيره، وفي تخصيصه بذلك ما دل على أنه أفضلهم وأولاهم بأن يحمل آدم ﷺ بأن يدعى أباه والله أعلم.
[١٤١٠] أخبرنا أبو عبد الله، ومحمد بن موسى، قا لا حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الحسن بن الربيع، عن أبي إسحاق الفزاري، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك [في قوله تعالى]: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ. أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ (٦).
قال: أكرم الله نبيه ﷺ أن يسوءه في أمته فرفعه إليه وبقيت النقمة.
стр. 1234
[١٤١١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا علي بن عيسى، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد، عن محمود بن خداش، حدثنا الفضيل بن عياض، عن النضر بن عربي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان في هذه الأمة أمانان: رسول الله ﷺ والاستغفار، فذهب أمان يعني رسول الله ﷺ ، وبقي أمان يعني الاستغفار.
قال البيهقي ﵀: وقول الله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١).
يدل على تفضيل بعضهم على بعض وقول النبي ﷺ ؟ "لا تُفَضلُوا بَيْنَ أنبياء الله" (٢) وقوله: "لا تخيروا بين الأنبياء" (٣).
إنما هو في مجادلة أهل الكتاب على معنى الإزراء ببعضهم فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم، والإخلال بالواجب من حقوقهم، أما إذا كانت المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل منهم، فليس هذا بمنهي عنه والله أعلم.
وقوله: "لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" (٤).
стр. 1235
فإنه أراد - والله أعلم- من سواه من الناس دون نفسه، أو ذهب في ذلك مذهب التواضع لربه والهضم لنفسه.
وكذلك في قوله حين قيل يا خير البرية "ذلك إبراهيم ﷺ " (١).
وكان لا يحب المبالغة في الثناء عليه في وجهه تواضعا لربه وكان يقول: "لا تطروتي كما أطرت النصاوى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ووسوله" (٢).
وقد تكلمنا على هذا في الجزء التاسع والثلاثين من كتاب دلائل النبوة (٣) بأكثر من هذا.
وأما اتخاذ الله (٤) تعالى إبراهيم خليلا فإنه إنما اتخذه خليلا على من كان في عصره من أعداء الله لا على غيره من النبيين وهو أنه هداه إلى معرفته ووفقه
стр. 1236
لتوحيده حين كان الكفر طبق الأرض، ولم يكن في الدنيا نسمة تعرف الله وتعترف به غيره، واتخذه خليلا بأن جعله أهلا لهدايته أولًا، ثم بأن أمره ونهاه فظهرت منه الطاعة ثانيا، ثم بأن ابتلاه فوجد من الصبر ثالثا، فكان يومئذ خليله، و أهل الأرض كلهم أعداؤه لأنه كان المطيع، والناس غيره عصاة.
وقد اتخذ الله محمدا ﷺ حبيبا بدلالة الكتاب وهو قوله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١).
فإذا كان اتباعه يفيد للمتبع محبة الله فالمتبع بها يكون أولى، ودرجة المحبة فوق درجة الخلة.
وقد تكلم أهل العلم في الفرق بين الحبيب والخليل بكلام كثير وهو في كتب أهل التذكير مذكرر.
[١٤١٢] سمعت أبا عبد الرحمن السلمي، يقول سمعت منصور بن عبد الله، يقول سمعت أبا القاسم الإسكندراني يقول سمعت أبا جعفر الملطي، يقول عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جعفر بن محمد في قوله : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢).
قال أظهر اسم الخلة لإبراهيم ﷺ لأن الخليل ظاهر في المعنى، وأخفى اسم المحبة لحمد ﷺ لتمام حاله إذ لا يحب الحبيب إظهار حال حبيبه، بل يحب إخفاءه وستره لئلا يطلع عليه أحد سواه، ولا يدخل أحد بينهما فقال لنبيه وصفيه محمد ﷺ لما أظهر له حال المحبة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
أي ليس الطريق إلى محبة الله إلا اتباع حبيبه، ولا يتوسل إلى الحبيب بشيء أحسن من متابعة حبيبه وطلب رضاه.
стр. 1237
قال أبو عبد الرحمن السلمي: الحبيب يوجب لمتبعه اسم المحبة لذلك لم يوقع عليه هذا الاسم، فإن حاله أجل من أن يعبر عنه بالمحبة لأن متبعيه استحقوا هذا الاسم بمتابعته ألا ترى الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ والخليل لا يوجب اتباعه الخلة لذلك أطلق له اسم الخلة.
قال والحبيب يقسم به كقوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ (١) والخليل يقسم (باسمه) كقوله ﴿وَتَاللَّهِ لَاكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٢).
والحبيب يبدأ بالعطاء من غير سؤال كقوله ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٣) والخليل يسأل كقوله ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (٤).
والحبيب يجاب إلى مراده (من غير سؤال كقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (٥). والخليل ربما لا يجاب ألا تراه قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٦).
والحبيب شافع ألا تراه كيف يحكي عن ربه حين يقول له: "ارفَعْ رَأسَك وَسَل تُعْطَه، واشْفَع تُشفّع" و الخليل مشفوع فيه ألا تراه في القيامة إذا التجأ إليه الخلق كيف يقول: "لستُ لها".
والحبيب أزيل عنه بديهة الروعة من المشهد الأعلى بما أكرم من المعراج لما هيئ من مقام الشفاعة فلم يرعه شيء لما تقدم من مشاهده فتفرغ للشفاعة لأهل الجمع عامة ثم لأمته خاصة فقال: "أمتي أمتي " والخليل لم يزل عنه ذلك، فرجع في وقت تنفسى جهنم وزفيرها إلى قوله: "نفسي نفسي".
стр. 1238
[١٤١٣] أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني، أخبرنا أبو محمد الحسن بن حمشاذ العدل- ح وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن سختويه قالا حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا مسلمة بن علي الخشني، حدثني زيد بن واقد، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "اتّخذ اللهُ إبراهيم خليلا، وموسى نجِيًّا، واتّخَذَني حبيبًا" ثم قال: "وعزّتي وجَلالي لأُؤثِرنّ حبيبي على خليلي ونَجِييّ".
مسلمة بن علي هذا ضعيف عند أهل الحديث.
[١٤١٤] أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو حامد بن بلال، حدثنا محمد بن
стр. 1239
إسماعيل الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يقوم حتى ترم قدماه فقيل: يا رسول الله، أتصنع هذا وقد جاءك من الله أن قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفَلا أكونُ عبدًا شكورًا".
стр. 1240
[١٤١٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه الجلاب- ح.
وأخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، أخبرنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل الهاشمي ببغداد، قالا حدثنا محمد بن بشر بن مطر، حدثنا نصر بن حريش الصامت، حدثنا المشمعل بن ملحان الطائي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١) قام فصلى حتى انتفخت قدماه وتعبد حتى صار كالشن البالي، فقالَوا: يا رسول الله تفعلى هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا كونُ عبدًا شكورًا".
وفي رواية أبي عبد الله "فهلا أكون عبدا شكورا".
[١٤١٦] أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي،
стр. 1241
حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا محمد بن زياد اليشكري، حدثنا ميمون بن مهران، عن ابن عباس.
أن النبي ﷺ أول ما أنزل عليه الوحي كان يقوم على صدر قدميه إذا صلى فأنزل الله : ﴿طه. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (١).
[١٤١٧] أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي قالا حدثنا أبو عمرو بن مطر، حدثنا إبراهيم بن علي، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن هشام، عن الحسن، عن بعض أصحابه أنه قال: إن كانت العبادة لتأخذ من رسول الله ﷺ الأحايين حتى ما يشبه به إلا الشن البالي.
قال الحليمي (٢) ﵀: وإذا ظهر أن حب رسول الله ﷺ من الإيمان، وبيَّنا ما جمع الله له من المحامد والمحاسن التي هي الدواعي إلى محبته، ومحبة اعتقاد مدائحه وفضائله، والاعتراف له بها، والولوع بذكرها وإكثار الصلوات عليه، ولزوم طاعته، والحرص على إظهار دعوته، وإقامة شريعته، والتسبب إلى استحقاق شفاعته، وبالفرح بالكون من أمته، ومستجيبي دعوته، وإدمان التلاوة للقرآن الناطق بحجته، فمن فعل ما ذكرناه وما يتصل به من أمثاله فقد أحبه.
[١٤١٨] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أبو القاسم الطبراني، أخبرنا حفص بن عمر، حدثنا قبيصة-ح
стр. 1242
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الحسين علي بن عبد الرحمن بن عيسى السبيعي بالكوفة، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ربع الليل قام فقال: "يا أيها الناسُ اذكروا الله، جاءت الرَّاجفةُ تتْبعُها الرادفةُ، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه " فقال أبي بن كعب: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك منها؟ قال: "ما شِئتَ" قال: الربع؟ قال: "ما شِئت وإن زِدت فهو خيرٌ" قال: النصف؟ قال: "ما شِئت وإن زِدت فهو خيرٌ" قال: ثلثين؟ قال: "ما شِئت وإن زِدت فهو خيرٌ" قال يا رسول الله
стр. 1243
أجعلها كلها لك. قال: "إذا تُكفَى ما أهمك ويُغفر لك ذنبك" وهذا لفظ حديث أبي عبد الله ولم يذكر ابن عبدان في روايته "الربع والثلثين " وقال في آخره: قلت: أجعل دعائي كله صلاة عليك قال: "إذا يَكفيك اللهُ ما أهمَك ويغفر لك".
[١٤١٩] أخبرنا أبو طاهر الفقيه، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن يوسف، قال ذكر سفيان، عن منصور بن صفية قال: مر النبي ﷺ برجل وهو يقول الحمد لله الذي هداني إلى الإسلام وجعلني من أمة محمد فقال رسول الله ﷺ : "شَكَرْتَ عظِيماَ" ومر برجل وهو يقول يا أرحم الراحمين.
فقال: "قد أقبَلَ عليك فَسَل".
قال البيهقي ﵀ (١): ودخل في جملة محبته ﷺ حب آله و حب أقربائه الذين حرمت عليهم الصدقةُ، وأوجب لهم الخمس لمكانهم منه فقد ذكرنافي "كتاب الفضائل" في قصة العباس (٢) أن النبي ﷺ قال: "لا يدخُلُ قلب رجلِ الإيمان حتى يُحبكم لله ولقرابتي".
وقد مضى في حديث ابن عباس (٣) أن النبي ﷺ قال: "وأحبوا أهلَ بيتي لحبي".
ويدخل في اسم هذا البيت أزواجه قال الله : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤).
стр. 1244
فأبانهن من نساء العالمين في الفضيلة ثم ساق الكلام إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١).
فالظاهر أنه أرادهن بذلك، وإنما قال "عنكم " بلفظ الذكرر لأنه أراد دخول
غيرهن معهن في ذلك ثم أضاف البيوت إليهن فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٢).
وجعلهن أمهات المؤمنين فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٣).
وجعل حرمة الزوجية بعد وفاة النبي ﷺ باقية ما بقين فقال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (٤) الآية.
فعلينا من حفظ حقوقهن بعد ذهابهن بالصلاة عليهن والاستغفار لهن وذكر مدائحهن، وحسن الثناء عليهن ما على الأولاد في أمهاتهن اللاتي ولدنهم وأكثر لمكانهن من رسول الله ﷺ وزيادة فضلهن على غيرهن من نساء هذه الأمة. وقد روينا (٥) عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال قولوا: "اللّهُم صلّ على محمد وأزواجه وذريته، كما صلّيت على إبراهيم، وباركْ على محمدِ وأزواجِه وذُزَّيتِه كما باركت على إبراهيم إنّك حميد مجيد"
وقال في حديث أبي هريرة (٦) عن النبي ﷺ : "من سَرَّه أن يكْتَال بالمكيال الأوفى
стр. 1245
إذا صلى (١) علينا أهل البيت فليقل: اللهُمّ صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنبن وذريته كلما صلّيت على إبراهيم إنّك حميد مجيد".
وقد ذكرنا ذلك وما ورد في فضلهن في "كتاب الفضائل".
[١٤٢٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري-ح
وأخبرنا أحمد بن أبي العباس الزوزني، حدثنا أبو بكر بن خنب، حدثنا أبو بكر محمد ابن سليمان الباغندي، قالا حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ليلى قال قال رسول الله ﷺ : "لا يُؤمِنُ عبدٌ حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه، ويكون عِتْرتي أَحبَّ إليه من عِترته، وتكون ذاتي أحبَّ إليه من ذاته، ويكون أهلي أحبّ إليه من أهله"
ويدخل في جملة حب النبي ﷺ حُبّ أصحابه لأنّ الله أثنى عليهم، ومدحهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) الآية.
стр. 1246
وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) الآية.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣).
فإذا نزلوا هذه المنزلة استحقوا على جماعة المسلمين أن يحبوهم، ويتقربوا إلى الله بمحبتهم؛ لأن الله تعالى إذا رضي عن أحد أحبه، وواجب على العبد أن يحب من يحبه مولاه.
وروينا عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ أنه قال: "أكرموا أصحابي" (٤).
стр. 1247
وفي رواية أخرى: "احفظوني في أصحابي" (١).
وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، ولا يبغض الأنصار رجل يؤمن باللهِ واليوم الآخر".
[١٤٢١] أخبرناه أبو علي الروذباري أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم بن أبي إياص، حدثنا شعبة-ح وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس ابن محمد الدوري، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن الأعمش، قال سمعت ذكوان يحدث عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث على لفظ رواية آدم.
ورواه البخاري في الصحيح (٢) عن آدم.
[١٤٢٢] أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا عبد الله بن عمر بن أحمد بن علي بن شوذب المقرئ بواسط، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن عدي، عن البراء بن عازب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الأنصار: "لا يُحبهم إلاّ مؤمنٌ، ولا يُبْغِضُهم إلاّ منافقٌ، مَنْ أحبهم أحبّه اللهُ، ومَنْ أبغضَهُمْ أبغضَه الله".
أخرجاه (١) في الصحيح من حديث شعبة.
[١٤٢٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر، سمع أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: "أيةُ الإيمان حُبّ الأنصار، وأيةُ النفاق بُغضُ الأنصار".
رواه البخاري في الصحيح (٢) عن أبي الوليد.
وأخرجه مسلم (٣) من وجه أخر عن شعبة.
стр. 1250
[١٤٢٤] حدثنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا علي
ابن سعيد النسوي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عبيدة بن أبي رايطة
الكوفي، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن مغفل المزني، قال قال رسول الله ﷺ :
"اللهَ اللهَ في أصحابي لا تتخذُوهم غَرضًا منْ بَعدي، مَنْ أحبّهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن أذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد أذى الله، ومَن آذى اللهَ يُوْشِكُ أن يأخُذَه"
وقد ذكرنا شواهده في "كتاب الفضائل".
[١٤٢٥] أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا أبو الربيع ومحمد بن أبي بكر- واللفظ لأبي الربيع- قالا حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "وماذا أعددْتَ للساعة؟ " قال: حبَّ الله ورسوله.
قال: "فإنَّك مَعَ مَنْ أحبَبْت".
قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام أشد فرحا من قول النبي ﷺ : "فإنّك مَعَ مَنْ أحبَبْت".
стр. 1251
قال أنس فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم.
وقال محمد في حديثه: وإن كنت لا أعمل بأعمالهم، بحبي إياهم.
رواه مسلم في الصحيح (١) عن أبي الربيع.
ورواه البخاري (٢) عن سليمان بن حرب عن حماد.
قال البيهقي ﵀: إذا ظهر أن حبَّ الصحابة من الإيمان، فحبهم أن يُعتقد فضائلهم، ويعترف لهم بها، ويعرف لكل ذي حق منهم حقه ولكل ذي غناء في الإسلام منهم غناؤه، ولكل ذي منزلة عند الرسول ﷺ منزلته، وينشر محاسنهم، ويدعى بالخير لهم ويقتدى بما جاء في أبواب الدين عنهم، ولا يتبع زلاتهم وهفواتهم، ولا يتعمد (٣) تهجين أحد منهم ببث ما لا يحسن عنه ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم، وبالله التوفيق.
[١٤٢٦] أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا محمد بن علي بن ميمون الرقي، حدثنا أبو سعيد التغلبي، عن أبي بكر بن عياش في أوصاف أهل السنة والجماعة: ومن كف عن أصحاب النبي ﷺ فيما اختلفوا فيه فلم يذكر أحدا منهم إلا بخير.
стр. 1252
(١٥) الخامس عشر من شعب الإيمان "وهو باب في تعظيم النبي ﷺ وإجلاله وتوقيره ﷺ "
وهذه منزلة فوق المحبة (١) لأنه ليس كل محب معظما. ألا ترى أن الوالد يحب ولده
ولكن حبه (٢) إياه يدعوه إلى تكريمه، ولا يدعوه إلى تعظيمه، والولد يحب والده
فيجمع له بين التكريم والتعظيم، والسيد قد يحب مماليكه ولكنه لا يعظمهم، والمماليك يحبون ساداتهم، ويعظمونهم. فعلمنا بذلك أن التعظيم رتبة فوق المحبة، والداعي إلى المحبة ما يفيض عن المحب على المحب من الخيرات، والداعي إلى التعظيم ما يجب للمعظم في نفسه من الصفات العلية، ويتعلق به من حاجات المعظم التي لا قضاء لها إلا عنده، ويلزمه من مننه التي لا قوام له بشكرها وإن جد واجتهد، وبسط الحليمي ﵀ الكلام في شرح هذه الجملة، ثم قال (٣):
فمعلوم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل وأعظم وأكرم وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم، والآباء على أولادهم، لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة، وهدانا به، كما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم. وأية نعمة توازي هذه النعم؟ وأية منة تداني هذه المنن؟
ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار، ووعدنا باتباعه الجنة، فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة؟ وأي درجة تساوي في العلى هذه الدرجة؟
стр. 1253
فحق علينا إذا أن نحبه ونجله، ونعظمه ونهيبه أكثر من إجلال كل عبد سيده، وكل ولد والده. وبمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله جل ثناؤه قال الله : ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
فأخبر أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره ولا خلاف في أن التعزير ها هنا التعظيم وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (٢).
فأبان أن حق رسول الله ﷺ في أمته أن يكون معزرا موقرا يتهيب ولا يعامل بالاسترسال والمباسطة كما يعامل الأكفاء بعضهم بعضا. قال الله : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٣).
فقيل في معناه: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم بعضا فتؤخروا إجابته بالأعذار والعلل التي يؤخر بها بعضكم إجابة بعض، ولكن عظموه بسرعة الإجابة ومعاجلة الطاعة، ولم تجعل الصلاة لهم عذرا في التخلف عن الإجابة إذا دعا أحدهم وهو يصلي، إعلاما لهم بان الصلاة إذا لم تكن عذرا يستباح به تأخير الإجابة فما دونها من معاني الأعذار أبعد. وذكر حديث أبي بن كعب ﵁ كما:
[١٤٢٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن المؤمل بن الحسن بن عيسى،
стр. 1254
حدثنا الفضل بن محمد الشعراني، حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ نادى أبي بن كعب وهو قائم يصلي فلم يجبه فقال: "مَا مَنَعَكَ أن تُجيبَني يا أبي؟ " فقال: كنت أصلي. فقال: "ألمْ يقُل الله ﵎: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) ".
"لا تَخرجْ من المسجد حتى أُعلّمك سورة ما أنزل الله في التوارة والإنجيل والزبور مثلها" قال أبي: ثم اتكأ على يدي حتى إذا كان بأقصى المسجد، قلت: يا نبي الله! قلت كذا وكذا؟ قال: "نعم هي أمُّ القرآن والذي نفسي بيده! ما أنزَل اللهُ في التوراة والإنجيل والزبور مثلها، وإنّها السبع الطُول التي أوتيتُ وإنها القرآن العظيم".
وقد روي هذا في حديث (٢) أبي سعيد بن المعلى.
قال الحليمي ﵀ (٣) وقيل معنى هذه الآية: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٤).
ذلك أنه لما كانوا ينادونه على رسم الملأ بينهم فيقولون يا محمد يا أبا القاسم فنهوا
стр. 1255
عن ذلك وأمروا أن يعظموه فيقولوا يا رسول الله يا نبى الله (١) وكل واحد من الأمرين إجلال وتعظيم.
[١٤٢٨] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق إجازة، قال ذكر
زكريا الساجي قال قال الحسين بن علي سمعت الشافعي ﵀ يقول: يكره للرجل أن يقول: الرسول، ولكن يقول قال رسول الله ﷺ تعظيما له.
ثم ذكر الحليمي (٢) ﵀: الآيات التي وردت في لزوم طاعته ثم الآيات التي وردت في تحريم نكاح أزواجه من بعده ثم ذكر قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).
وما بعده من الآيات وقد
[١٤٢٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لا تفتاتوا (٤) على رسول الله ﷺ
стр. 1256
بشيء حتى يقضيه الله على لسانه وفي قوله ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ (١) يقول لا تنادوه باسمه نداء ولكن قولوا قولًا لينا يا رسول الله.
وفي قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) أخلص الله قلوبهم.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (٣) يعني أعراب بني تميم.
[١٤٣٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو محمد الكعبي، حدثنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا يزيد بن صالح، حدثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا - والله أعلم- في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني بذلك في شأن القتال وما يكون من شرائع دينهم يقول لا تقضوا في ذلك شيئًا إلا بأمر رسول الله ﷺ .
وذلك أن رسول الله ﷺ بعث سرية واستعمل عليهم منذر بن عمرو الأنصاري
стр. 1257
فذكر قصة قتل بني عامر تلك السرية وهم أصحاب بئر معونة ورجوع ثلاثة منهم إلى المدينة، وأنهم لقوا رجلين من بني سليم جائيين من عند رسول الله ﷺ فقالوا: من أنتما؟ فاعتزيا إلى بني عامر. فقال النفر: إنا ثائرون بإخواننا فقتلوهما، فأتوا النبي ﷺ فاخبروه الخبر، فكره النبي ﷺ قتلهما فنزلت هذه الآية يقول لا تقطعوا دونه أمرا ولا تعجلوا به.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾.
نزلت في ثابت (١) بن قيس بن شماس الأنصاري كان إذا جالس النبي ﷺ يرفع صوته إذا تكلم فلما نزلت هذه الآية انطلق مهموما حزينا، فمكث في بيته أياما مخافة أن يكون قد حبط عمله، وكان سعد بن عبادة جاره فانطلق حتى أتي النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال له النبي ﷺ : "اذْهَبْ فأخبر ثابت بن قيس أنك لم تُعْنَ بهذه الآية ولست من أهل النار، بل أنتَ من أهل الجنّة، فاخرُجْ إلينا فتعاهَدْنا" ففرح ثابت بذلك ثم أتى النبي ﷺ فلما أبصره النبي ﷺ قال: "مرحبًا برجل يزعم آنه من أهل النار، بل غيرُك من أهل النّار، وأنتَ من أهل الجنّة" فكان بعد ذلك إذا جلس إلى النبي ﷺ يخفض صوته حتى ما يكاد أن يسمع الذي يليه فنزلت فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فقتل يوم اليمامة.
стр. 1258
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١).
فهم ناس من بني تميم كانوا ينادون النبي ﷺ من وراء الحجرات يا محمد ألا تخرج فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
وكان فيهم عيينة بن حصن الفزاري.
وقد روينا هذا التفسير عن مقاتل بن سليمان (٣) أبسط من هذا وبمعناه ذكره الكلبي فيما رواه عن أبي صالح، عن ابن عباس أتم من ذلك.
وروينا عن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁ لما نزلت هذه الآية فقال: والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله، لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله .
[١٤٣١] أخبرنا هلال بن محمد بن جعفر، حدثنا الحسين بن يحيى بن عياش، حدثنا
стр. 1259
إبراهيم بن مجشر، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف [عن أبي هريرة] قال لما نزلت: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾.
قال أبو بكر ﵁ لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله .
وروينا (١) عن ابن الزبير قال كان عمر بعد ذلك إذا حدث عند النبي ﷺ حدثه كأخي السرار لا يسمعه حتى يستفهمه.
[١٤٣٢] أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع بن الحسن الصوفي في جامع المنصوري، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر الأنباري، حدثنا محمد بن أحمد الرياحي حدثنا عبد الله ابن بكر، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة.
وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو حامد بن بلال، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا يحيى بن أبي الحجاج، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس قال: "قام رسول الله ﷺ يصلي من الليل، قال فقمت وتوضأت لأصلي خلفه، فأخذ بيدي فجعلني حذاءه، فخنست فقمت خلفه [فأخذ بيدي فجعلني حذاءه فخنست فقمت خلفه] (٢) فانصرف رسول الله ﷺ فقال: "ما لي كلّما
стр. 1260
جعلتُك حذائي خَنَسْتَ؟ " قال فقلت له: لا ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله. قال: فدعا الله أن يزيدني فهمًا وعلما".
هذا لفظ حديث الفقيه ورواه الصوفي بمعناه غير أنه قال في آخره "وينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله؟ " فأعجبته فدعا الله أن يزيدني فهمًا وعلما.
وذكر الحليمىِ (١) ﵀ قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢) إلى آخر الآية.
وبسط الكلام في الاحتجاج بالآية في توقير النبي ﷺ وتعظيمه وذكر قول الله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٣).
وما فيه من التوبيخ على ما كان منهم من انفضاضهم قال: ثم إن المخاطبين بهذه الآية من الصحابة انتهوا إلى العمل بها، وبلغوا في تعظيم النبي ﷺ ما عرفوا به بعض حقه وذكر حديث عبد الله بن مسعود وهو فيما:
[١٤٣٣] أخبرنا أبو محمد جناح بن نذير القاضي بالكوفة، حدثنا أبو جعفر بن
стр. 1261
دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو بكر وعثمان قالا حدثنا أبو معاوية، عن
الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر … فذكر الحديث في الأسارى وذكر قول عمر في قتلهم فقال ابن مسعود قلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام. فسكت رسول الله ﷺ فما رأيتني في يوم بدر أخوف أن يقع علي حجارة من السماء مني ذلك اليوم حتى قال رسول الله ﷺ : "إلاّ سهيل بن بيضاء".
وذكر حديث عروة بن مسعود الثقفي وهو فيما:
[١٤٣٤] أخبرنا أبو عمرو الأديب، حدثنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، قال قال معمر، قال الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم … فذكروا قصة الحديبية وما كان من عروة بن مسعود الثقفي، قالا: ثم جعل عروة يرمق أصحاب النبي ﷺ فوالله ما تنخم رسول الله على نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ صاروا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له.
стр. 1262
قال فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك، وقدمت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا. والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له.
وروينا حديث (١) بريدة قال كنا إذا قعدنا عند رسول الله ﷺ لم نرفع رءوسنا إليه تعظيما له.
وروينا (٢) في حديث البراء بن عازب في قصة الجنازة قال فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير وقد ذكرنا إسنادهما في آخر كتاب المدخل (٣).
[١٤٣٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله بن
стр. 1263
السماك، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، حدثنا سعيد بن عامر، قال
стр. 1264
حدثنا شعبة، عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال أتيت رسول الله ﷺ وعنده أصحابه كأنما على رءوسهم الطير فسلمت وقعدت. قال: فجاءت الأعراب وقالوا: يا رسول الله علينا حرج في كذا أشياء لا بأس بها قال:
"عبادَ الله! وضع اللهُ الحرجَ إلا امرأ اقترض امرأ مسلما ظلما فذلك الذي حرج وأهلك" قالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: "خلق حسن" قالوا يا رسول الله نتداوى؟ قال: "تداووا فإن الله لم يَضَعْ داءً في الأرضِ إلا وضع له دواءً إلاّ الهرمَ" قال فكان هذا الشيخ يقول هل تعلمون لي من دواء.
قال ثم قام (١) رسول الله ﷺ وقام الناس فجعلوا يقبلون يده فاخذتها فوضعتها على وجهي فإذا هي أطيب من المسك وأبيض من الثلج (٢).
стр. 1265
[١٤٣٦] أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله الحرفي ببغداد، حدثنا أحمد ابن سلمان الفقيه، حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال أتيت النبي ﷺ وأصحابه عنده كأن على رءوسهم الطير فقال: "أيَّهَا النّاسُ تَدَاووْا فإن- الله لم يُنْزل داءً إلاّ وَأنْزَلَ له دواءً".
وزاد غيره "إلاّ الهرم" قيل: يا رسول الله! ما خير ما أعطي الناس؟ قال: "خلقٌ حسنٌ".
[١٤٣٧] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب،