يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو صالح وابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني محمد بن يحيى بن حبان أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أريد أن أجعل صلاتي كلها لك. قال: "إذًا يَكفيك الله إمرَ دنياك وآخرتك" وهذا مرسل جيد وهو شاهد لما تقدم.
[١٤٧٩] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن عبد الله الترقفي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حيوة بن شريح، عن أبي صخر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِن أحدِ يُسلّم عليَّ إلا ردَ الله إلىَّ رُوحي حتَّى أرُدُّ ﵇".
стр. 1297
[١٤٨٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد ابن إسحاق الصغاني، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إنّ لله ملائكةً سيَّاحين في الأرض يُبَلّغُوني عن أمتي السّلامَ".
[١٤٨١] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري،
стр. 1298
حدثنا عيسى بن عبد الله الطيالسي، حدثنا العلاء بن عمرو الحنفي، حدثنا أبو عبد الرحمن عن الأعمش- ح.
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عثمان الأدمي، حدثنا محمد بن يونس بن موسى، حدثنا الأصمعي، حدثنا محمد بن مروان السدي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صلّى عليَّ عند قبري وُكِّلَ بها مَلكٌ يُبَلِّغُني، وكُفِيَ بها أمرَ دُنياه وأخرتِه، وكنتُ له شهيدًا أو شفيعًا".
هذا لفظ حديث الأصمعي وفي رواية الحنفي-: قال عن النبي ﷺ قال: "مَنْ
صلى علي عند قبري سَمعتُه، ومَن صلَّى نائيًا أُبْلغْتُه".
[١٤٨٢] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي، قالا حدثنا حمزة بن محمد بن العباس، حدثنا أحمد بن الوليد، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ليس أحد من أمة محمد ﷺ صلى عليه صلاة إلا وهي تبلغه يقول له الملك: فلان يصلي عليك كذا وكذا صلاة.
стр. 1299
[١٤٨٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حاتم الزاهد، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا محمد بن جعشم، حدثنا سفيان، عن أبي سهل عثمان بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا ينبغي لأحد الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ .
قال سفيان: تكره الصلاة على غير النبي ﷺ .
قال البيهقي ﵀: هكذا روي عن ابن عباس وكذا (١) قاله سفيان الثوري وإنما أراد- والله أعلم- إن كان ذلك على وجه التعظيم والتكريم عند ذكره تحية له، فإنما ذلك للنبي ﷺ خاصة. فأما إذا كان ذلك على وجه الدعاء والتبريك فإن ذلك جائز لغيره.
стр. 1300
وروينا (١) عن ابن أبي أوفى أن أباه أتى رسول الله ﷺ بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى.
فصل "في معنى الصلاة على النبي ﷺ والسلام والباركة والرحمة "
قال الحليمي ﵀ (٢) أما الصلاة باللسان فهي التعظيم.
وقيل: الصلاة المعهودة صلاة لا فيها من حني (٣) الصلا وهو وسط الظهر لأن انحناء الصغير للكبير إذا رآه تعظيما منه له في العادات، ثم سموا قراءته (٤) أيضًا صلاة إذ كان الراد من عامة ما في الصلاة من قيام وقعود وغيرهما تعظيم (٥) الرب تعالى. ثم توسعوا، وسموا كل دعاء صلاة إذ كان الدعاء تعظيما للمدعو بالرغبة إليه، والتباؤس (٦) له تعظيما للمدعو له بابتغاء ما ينبغي له من فضل الله تعالى وجميل نظره.
وقيل: "الصلوات لله" (٧) أي الأذكار التي يراد بها تعظيم المذكور والاعتراف بجلال القدر وعلو الرتبة كلها لله أي هو مستحقها لا تليق بأحد سواه.
فإذا قلنا اللهم صل على محمد فإنما نريد به اللهم عظم محمدًا في الدنيا بإعلاء ذكره،
стр. 1301
وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود، وتقديمه على كافة المقربين (في اليوم) (١) المشهود.
وهذه الأمور وإن كان الله تعالى قد أوجبها للنبي ﷺ فإن كل شيء منها ذو درجات ومراتب، فقد يجوز إذا صلى عليه واحد من أمته فأستجيب دعاؤه فيه أن يزداد (٢) النبي ﷺ بذلك الدعاء في كل شيء مما سمينا رتبة ودرجة. ولهذا كانت الصلاة عليه مما يقصد بها قضاء حقه، ويتقرب بإكثارها إلى الله تعالى.
ويدل على أن قولنا اللهم صل على محمد صلاة منا عليه أنا (٣) لا نملك إيصال ما يعظم به أمره ويعلو به قدره إليه. وإنما ذلك بيد الله تعالى فصح أن صلاتنا عليه الدعاء له وابتغاؤه من الله جل ثناؤه له.
قال: وقد يكون للصلاة على رسول الله ﷺ وجه أخر وهو: أن يقال الصلاة على رسول الله ﷺ كما يقال السلام على رسول الله ﷺ والسلام على فلان وقد قال الله : ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٤).
معناه لتكن أو كانت الصلاة (من الله) (٥) على رسول الله ﷺ كما يقال صلى الله عليه أي كانت من الله عليه الصلاة أو لتكن الصلاة من الله عليه، والله أعلم.
ووجه هذا أن التمني على الله سؤال، ألا ترى أنه يقال غفر الله لك ورحمك الله فيقوم ذلك مقام اللهم اغفر له اللهم ارحمه (٦).
стр. 1302
وأما التسليم فهو أن يقال: السلام على النبي، والسلام عليك أيها (١) النبي، أو سلام عليك أيها النبي، أو يا رسول الله. ولو قال: اللهم صل وسلم على محمد لأغنى ذلك عن السلام عليه في التشهد.
ومعنى السلام عليك: اسم السلام عليك، والسلام اسم من أسماء الله فكانه يقال اسم الله عليك. وتأويله: لا خلوت من الخيرات والبركات، وسلمت من المكاره والمذام إذ كان اسم الله تعالى إنما يذكر على الأعمال توقعا لاجتماع معاني الخير والبركة فيه وانتفاء عوارض الخلل والفساد عنه.
ووجه آخر وهو أن يكون معناه ليكن قضاء الله عليك السلام وهو السلامة كالمقام والمقامة والملام والملامة أي سلمك الله من المذام والنقائص.
فإذا قلنا: اللهم سلم على محمد كأنما نريد به اللهم اكتب لمحمد في دعوته وأمته وذكره السلامة من كل نقص، فتزداد دعوته على الأيام علوا، وأمته تكاثرا، وذكره ارتفاعا، ولا يعارضه ما يوهن له أمرا بوجه من الوجوه والله أعلم، وأما الرحمة فإنها تجمع معنيين:
أحدهما إزاحة العلة.
والآخر الإثابة بالعمل. وهي في الجملة غير الصلاة ألا ترى أن الله قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢).
ففصل بينهما وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ ما دل على انفصالهما عنده
يعني ما:
стр. 1303
[١٤٨٤] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني علي بن عيسى الحيري، قال حدثنا مسدد بن قطن، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر قال: نعم العدلان ونعم العلاوة. فيلّذِينَ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ نعم العدلان ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١) نعم العلاوة.
قال الحليمي ﵀ (٢): قيل في تفسير قوله ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إنه الثناء من الله تعالى عليهم والمدح والتزكية لهم، وقوله ﴿وَرَحْمةٌ﴾ إنها كشف الكربة وقضاء الحاجة، وقوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ يحتمل وأولئك هم المصيبون طريق الحق دون من خالفهم فجزع على المفقود، وباء بسخط من المعبود.
وأشار الحليمي إلى الحديث الذي
[١٤٨٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وعدهن في يدي قال عدهن في يدي أبو بكر بن أبي
стр. 1304
دارم الحافظ بالكوفة، قال عدهن في يدي علي بن أحمد العجلي، وقال لي عدهن في يدي حرب بن الحسن الطحان وقال لي عدهن في يدي يحيى بن المساور الحناط، وقال لي عدهن في يدي عمرو بن خالد وعد الإمام أحمد (١) في أيدي من سمع منه-ح
стр. 1305
قال وحدثنا أبو عبد الرحمن السلمي وعدهن في يدي، أخبرنا أبو المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بالكوفة وعدهن في يدي، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن الحسن ابن كاس بالرملة وعدهن في يدي، حدثنا جدي لأمي سليمان بن إبراهيم بن عبيد المحاربي وعدهن في يدي، حدثنا نصر بن مزاحم المنقري وعدهن في يدي، حدثنا إبراهيم بن الزبرقان وعدهن في يدي، حدثنا أبو خالد عمرو بن خالد وعدهن في يدي، قال لي وعدهن في يدي زيد بن علي وقال لي عدهن في يدي أبي علي بن الحسين، وقال لي عدهن في يدي أبي الحسين بن علي، وقال لي عدهن في يدي علي بن أبي طالب، قال لي عدهن في يدي رسول الله ﷺ ، وقال رسول الله ﷺ : "عدهن في يدي جبربل ﷺ ، وقال جبريل: هكذا أنزلت من عند رب العزة: اللهُم صلِّ على مُحمَّد وعلى آل محمد كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبرَاهيمَ إنك حميد مجيد، اللهمّ باركْ على محمد وعلى آل محمد كما باركْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، الّلهم وتَرحَّم على محمد وعلى آل محمد كما تَرَحَّمت على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ إنّك حميد مجيد. الّلهم وتَحَنَّن على محمد وعلى آل محمد كما تَحنّنت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللهم وسلِّم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد".
وزاد أبو عبد الله في روايته: وقبض حرب خمس أصابعه وقبض علي بن أحمد العجلي خمس أصابعه وقبض شيخنا أبو بكر خمس أصابعه.
قال البيهقي ﵀: وقبض شيخنا أبو عبد الرحمن خمس أصابعه وهكذا بلغنا هذا الحديث. وهو إسناد ضعيف.
وأما المباركة (١) فإنها فعل الله -تعالى جده- وإنما يكون منا التبريك وهو أن نقول: اللهم بارك على محمد، وأصل البركة الدوام وهو من برك البعير (٢) إذا أنيخ في موضع فلزمه وقد توضع موضع النماء والزيادة، وأصلها ما ذكرنا لأن تزايد الشيء موجب دوامه، وقد توضع أيضًا موضع التيمن فيقال للميمون: مبارك بمعنى أنه محبوب ومرغوب فيه، وذلك لا يخالف ما قلنا لأن البركة إذا أريد بها الدوام فإنما
стр. 1306
يستعمل ذلك فيما يراد ويرغب في بقائه فإذا قلنا: "اللهم بارك على محمد" فالمعنى اللهم آدم ذكر محمد ودعوته وشريعته، وكثر أتباعه وأشياعه، وعرف أمته من يمنه وسعادته أن تشفعه فيهم وتدخلهم جناتك وتحلهم دار رضوانك، فيجمع التبريك عليه الدوام والزيادة والسعادة والله أعلم.
فصل "في الصلاة على النبي ﷺ -"
والصلاة على النبي ﷺ في التشهد الواجب في الصلاة واجبة (١) وأما خارج الصلاة فقد قال الحليمي ﵀ (٢): قد تظاهرت الأخبار بوجوب الصلاة عليه كلما جرى ذكره، فإن كان يثبت إجماع يلزم الحجة بمثله على أن ذلك غير فرض وإلا فهو فرض
стр. 1307
على الذاكر والسامع وخروجها في التشهد الأول عند ذكره على وجهين: أحدهما أن يكون واجبا لأجل ذكره لا لأجل الصلاة (كما يجب على المسبوق ببعض الصلاة- لأجل اقتدائه بالإمام- ما لا يجب عليه لأجل الصلاة" (١).
والآخر أن يقال إن الصلاة حال واحدة فإذا ذكر المصلي رسول الله ﷺ ولم يصل عليه حتى يتشهد في آخر الصلاة فصلى عليه أجزأ ذلك عن الفرض وعما مضى من ذكره- وأطال الحليمي ﵀ الكلام في هذا الفصل.
وأما الصلاة على آل رسول الله ﷺ فإن أكثر أصحابنا ذهبوا إلى أنها غير واجبة.
وقد سمعت أبا بكر محمد بن بكر الطوسي الفقيه يقول سمعت الأستاذ أبا الحسن الماسرجسي (٢) يقول سمعت أبا إسحاق المروزي (٣) يقول: أنا أعتقد أن الصلاة على آل النبي ﷺ واجبة في التشهد الأخير من الصلاة.
стр. 1308
قال البيهقي ﵀: وفي الأحاديث التي رويت في كيفية الصلاة على النبي ﷺ كالدلالة على صحة ما قال، والله أعلم.
واختلفوا في آل النبي ﷺ ذهب الشافعي ﵀ في رواية حرملة (١) إلى أنهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب الذين حرمت عليهم الصدقة وجعل لهم سهم ذوي القربى من خمس الفيء والغنيمة (٢) استدلالا بما روينا (٣) في الحديث الثابت عن النبي ﷺ أنه قال "إن هذه الصدقةَ لا تَحلّ لمحمد ولا لآل محمد".
[١٤٨٦] أخبرنا علي بن أ أحمد بن عبدان، حدثنا، أحمد بن عبيد، حدثنا هشام بن علي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ أو عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا ضحى أتى بكبشين أقرنين أملحين موجوءين، فيذبح أحدهما عن أمته من شهد (لله) بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، ويذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد.
стр. 1309
وفي هذا دلالة على أن اسم الآل للقرابة خاصة لا لعامة المؤمنين، والحديث الذي روي (١) في الآل أنه "كل تقي" فإنه إنما رواه نافع أبو هرمز عن أنس بن مالك مرفوعًا وأبو هرمز ضعفه أهل العلم بالحديث وتركوه. وقد حمله الحليمي (٢) ﵀ على كل تقي من قرابته، وأما أزواج النبي ﷺ فإن اسم أهل البيت لهن تحقيق وقد سمين آل النبي ﷺ تشبيها بالنسب.
وقد روينا (٣) في الحديث الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما يأكل آل محمد في هذا المال".
وعن عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض (٤).
وقالت: إن كنا آل محمد ﷺ لنمكث شهرا ما نستوقد بنار (٥).
وعن أبي هريرة أنه قال: ما شبع آل محمد ﷺ ثلاثة أيام حتى قبض (٦) وإنما أراد بذلك أزواجه فدل ذلك على دخولهن في اسم الآل.
стр. 1310
وروينافي حديث أبي حميد الساعدي (١) في كيفية الصلاة على النبي ﷺ تعليم النبي ﷺ أمته تسمية أزواجه عند الصلاة عليه فدل ذلك على دخولهن في الصلاة عند الصلاة على الآل. والله أعلم.
ومما يدخل في تعظيم النبي ﷺ أن لا يقابل (٢) قول يحكى عنه أو فعل به يوصف أو حال له يذكر بما يكون إزراء به. ولا يسمى بشيء من الأسماء التي هي في متعارف الناس من أسماء الضعة فلا يقال كان النبي فقيرا، ولا يقال- إذا ذكرت مجاعة أو شدة لقيها- مسكين كما يقال ذلك في مثل هذه الحال لغيره ترحما وتعطفا عليه، وإذا قيل كان النبي لا يحب كذا لا يقابله أحد بان يقول أما أنا فلا أحبه.
[١٤٨٧] أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن محمد وسليمان بن الأشعث قال حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا ابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: الصراط المستقيم تركنا رسول الله ﷺ (على طرفه) (٣) والطرف الآخر الجنة.
[١٤٨٨] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل حدثنا الفضل بن محمد الشعراني، حدثنا أحمد بن حنبل ح.
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن
стр. 1311
إسحاق، حدثني أبو عبد الله، حدثنا مسكين بن بكير الحراني، وأبو داود قالا حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء، قال إذا حدثت عن رسول الله ﷺ حديثا فازدهر به عن أبي العالية (١).
وفي رواية الشعراني قال: عن خالد الحذاء عن أبي العالية قال: إذا حدثت حديثا عن رسول الله ﷺ فازدهربه. قال الفضل يعني احتفظ به.
قال البيهقي ﵀ (٢): ومن تعظيم الله وتعظيم رسوله ﷺ أن لا يحمل على مصحف القرآن ولا على جوامع السنن كتاب ولا شيء من متاع البيت، وأن ينفض الغبار عنه إذا أصابه، وأن لا يمسح أحد يده من طعام ولا غيره بورقة فيها ذكر الله تعالى أو ذكر رسول الله ﷺ ، ولا يمزقها تمزيقا، ولكن إن أراد به تعطيلها فليغسلها بالماء حتى تذهمب الكتابة منها، وإن أحرقها بالنار فلا بأس، أحرق عثمان ﵁ مصاحف كانت فيها آيات وقراءات منسوخة، ولم ينكر ذلك عليه أحد والله أعلم.
قال البيهقي ﵀ وذكر (عن) الحليمي ﵁ أنه قال وعندي أنه إن غسلها بالماء ولم يحرقها كان أولى لما فيها من الشناعة، ولفارق ما أمر به عثمان من تحريق المصاحف التي تخالف ما أجمعوا عليه لما كان يخشى منها من الفتنة وإثبات ما صار رسمه منسوخا لما في تحريقها من المسارعة إلى إفنائها.
ومن هذا الباب أن لا يكسر درهما فيه اسم الله واسم رسوله ﷺ فقد جاء عن النبي ﷺ و أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.
والبأس أن يكون زائفا فيكسر لئلا يغتر به مسلم.
ووجه النهي عن الكسر أنه كتمزيق الورقة التي فيها ذكر الله أو ذكر رسوله ﷺ إذ كانت الحروف تتقطع والكلم يتفرق. وفي ذلك إزراء بقدر المكتوب. ومتى كسر
стр. 1312
لعذر فإنما إثم الكسر على ضاربه لأنه هو الذي غر ودلس فأحوج إلى الكسر لإظهار الغش والله أعلم.
قال البيهقي ﵀: وهذا الحديث إنما رواه محمد بن فضاء- وليس بالقوي- عن أبيه عن علقمة بن عبد الله المزني عن أبيه، والله أعلم.
[١٤٨٩] أخبرناه أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا الساجي يعني زكريا بن يحعرو، حدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا معتمر، عن محمد بن فضاء فذكره.
[١٤٩٠] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت علي ابن موسى التاهرتي يقول وقع من عبد الله أو قال عبد الملك بن مروان فلس في بئر قذرة فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارا حتى أخرجه فقيل له في ذلك فقال كان عليه اسم الله تعالى ذكره
стр. 1313
ومن تعظيم النبي ﷺ تعظيم أهل بيته وتعظيم أولاد المهاجرين والأنصار وجاء عنه ﷺ أنه قال (١): "قَدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها" وما ذاك إلا أنه ﷺ منهم.
وروينا (٢) عن ابن عمر عن أبي بكر الصديق ﵄ أنه قال: يا أيها الناس ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته.
[١٤٩١] أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر أخبرنا أحمد بن الحسن ابن عبد الجبار، حدثنا ابن عائشة، أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك: أن مصعب بن الزبير أخذ عريف الأنصار فهم به فقال له أنس بن مالك: أنشدك الله ووصية رسول الله ﷺ في الأنصار. قال: وما أوصى فيهم؟ قال: "أن يقبل من مُحْسِنهم ويتَجَاوز عن مُسيئهم" قال فنزل مصعب عن فراشه،
стр. 1314
وتمعن أو قال تمعك على بساطه وألصق خده به وقال: أمر رسول الله ﷺ على الرأس والعينين، وأرسله وتركه.
قال البيهقي ﵀: تمعن تصاغر له وتذلل انقيادا.
وقيل: تمعن اعترف بحقه (١).
وروي تمعك عليه ولم يضبطه شيخنا.
[١٤٩٢] أخبرنا أبو منصور الفقيه، وأبو نصر بن قتادة وعبد الرحمن بن علي بن حمدان قالوا أخبرنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي، أخبرنا أبو مسلم الكجي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، حدثتني جميلة مولاة أنس- قال الأنصاري
стр. 1315
وقد رأيت جميلة- قالت كان ثابت إذا جاء قال أنس: يا جميلة ناوليني طيبا أمس به يدي فإن ابن أم ثابت لا يرضى حتى يقبل يدي ويقول قد مست يد رسول الله ﷺ .
ومما يتصل بهذا الباب تعظيم العرب وإجلالهم لأنه ﷺ عربي وجاء عنه ﷺ -أنه قال: "إنّ الله عزّوجلَ خلقَ الخلق، فاختار من الخلق بني آدم، واختارَ مِن بني آدم العربَ، واختار مِن العرب مُضَر، واختار مِن مُضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا مِن خيار إلى خيار فَمَنْ أحبّ العرب فَبِحُبِّي أحَبَّهم، ومَنْ أبغضَ العَربَ فَبِبُغْضي أبْغَضَهم".
[١٤٩٣] أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، حدثنا أبو عروبة، حدثنا أبو الأشعث، حدثنا حماد بن واقد، عن محمد بن ذكوان- خال ولد حماد بن زيد - عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ فذكره في حديث طويل.
[١٤٩٤] أخبرنا أبو علي الروذبارى، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان ابن نصر-ح.
стр. 1316
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز، حدثنا سعدان ابن نصر، ومحمد بن عبيد الله بن يزيد، وعبد الله بن روح، ويحيى بن جعفر، قالوا حدثنا أبو بدر، عن قابوس بن أبي ظبيان-ح
وأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله النوقاني بها، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني الصفار، حدثنا أحمد بن يونس الضبي، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله ﷺ : "ياسَلمان لا تُبْغضْنى تفارق دينَك" قلت يا رسول الله، كيف أبغضك، وقد هدانا الله بك؟ قال: "تُبْغضُ العَرب فتُبغِضني"
[١٤٩٥] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا داود بن محمد بن العباس بالكوفة، حدثنا أبو الحريش أحمد بن عيسى، حدثنا مؤمن بن إهاب، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا ابن أبي ليلى، عن عدي بن ثابت، عن البراء قال قال رسول الله ﷺ : "حبُّ العرب إيمانٌ وبغضهم- نفاقٌ".
كذا جاء به والمحفوظ عن شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء (١) بمعناه في
стр. 1317
الأنصار، وإنها يعرف هذا المتن من حديث الهيثم بن جماز عن ثابت عن أنس (١).
[١٤٩٦] أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو الحسن بن إسماعيل السراج، حدثنا مطين، حدثنا العلاء بن عمرو الحنفي، حدثنا يحيى بن بريد الأشعري، عن ابن بريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "أحبُّوا العربَ لثلاثِ: لأنّي عربيٌّ، والْقرأن عربي، وكلام أهل الجنة عربي".
تفرد به العلاء بن عمرو عن يحيى بن بريد.
[١٤٩٧] أخبرنا أبو علي الروذباري، وأبو عبد الله بن برهان وأبو الحسين بن الفضل
стр. 1318
وأبو محمد السكري قالوا أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيس بن مرحوم العطار، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "أحِبُّوا قُريشَا فإن مَنْ أحَبَّهُمْ أحبَّه اللهُ "
[١٤٩٨] أخبرنا أبو سهل محمد بن نصرويه المروزي، حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم الطغامي، حدثنا أبو شهاب معمر بن محمد الصوفي، حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا مطرف بن معقل، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ يسَب العرب فأولئِك هم المشركون"
تفرد به مطرّف هذا وهو منكر بهذا الإسناد.
стр. 1319
[١٤٩٩] أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، أخبرنا عبد الله بن جعفر النحوي، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثني أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسن بن بشر حدثنا مروان بن معاوية، عن ثابت بن عمارة الحنفي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ : "إنى دعوتُ للعرب فقلتُ الّلهم مَنْ لَقِيكَ منهم مُوقنا بك مُصدقًا فاغفو له أيام حسابه وهي دعوة إبراهيم أو إسماعيل ﵉ الشك من مروان- وإنّ لواء الحمدِ يومَ القيامة بيدي، وإن أقربَ الخلق من لِوائي يومئذ العربُ".
[١٥٠٠] أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، حدثنا عمر بن سنان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا زيد بن جبيرة، عن
стр. 1320
داود بن حصين، عن ابن أبي رافع، عن علي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منْ لم
يعرف حَقَّ عِتْرتي والأنصار والعرب فهو لإحدى ثلاث: إما منافق وإما لزنْية وإمّا لغير طهور أي حملتْه أمّه على غير طهور".
زيد بن جبيرة غير قوي في الرواية والله أعلم.
والأحاديث في فضل العرب ثم في فضل قريش كثيرة لا يحتمل هذا الموضع إيراد جميعها. والذي ذهب إليه بعض الناس في تفضيل العجم على العرب خلاف ما مضى عليه صدر هذه الأمة، وروي في ذلك من الأحاديث أكثره باطل لا ينبغي لأهل العلم أن يشتغل بمذهبه وبما روي فيه بعد أن بعث الله أفضل رسله من العرب وأنزل عليه آخر كتبه بلسان العرب فصار على الناس فرضا أن يتعلموا لسان العرب وإن كان ذلك من فروض الكفاية ليعقلوا عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده، ويفهموا عن رسوله ﷺ بيانه وتبليغه، وحكم بأن الأئمة من قريش إلى سائر ما فضلهم به.
وقد ذكر الحليمي ﵀ في ذلك فصلا طويلًا (١) من أراده نظر فيه بتوفيق الله.
[١٥٠١] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى السكري ببغداد، حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا جعفر بن محمد بن الأزهر، حدثنا الغلابي، حدثنا يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂؟ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) قالت: هذه للعرب خاصة.
[١٥٠٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ. أخبرنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حمدون بن أحمد السمسار، حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، عن سفيان
стр. 1321
الثوري، عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتة عن ابن عباس في قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (١).
وقوله : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (٢) قال شرفكم.
[١٥٠٣] أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا الحسين بن الحسن بن أيوب حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، حدثمْا إبراهيم بن المنذر حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أول من نطق بالعربية فوضع الكتاب على لفظه ومنطقه ثم جعله كتابا واحداً مثل بسم الله الرحمن الرحيم الموصول حتى فرق (٣) بينه ولده: إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
[١٥٠٤] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو الحسن إسماعيل بن محمد بن الفضل
стр. 1322
الشعراني، حدثنا جدي، حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله المديني، حدثني إبراهيم بن سعد، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال قال رسول الله ﷺ : "أُلِهمَ إبراهيم ﷺ هذا اللسان العربي إلهامًا"
أخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو علي الحافظ، أخبرنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري (١)، حدثنا عمي، عن أبيه، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن رسول الله ﷺ نحوه مرسلًا وهو المحفوظ.
[١٥٠٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو الحسن أحمد بن الخضر الشافعي، حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم الزهري، حدثنا عمي، قال حدثني أبي، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله ﷺ تلا: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ثم قال رسول الله ﷺ : "ألهِمَ إسماعيل هذا اللسان إلهامَا".
وفي الحديث الثابت (٣) عن معمر، عن كثير بن كثير بن المطلب، وأيوب- يزيد
стр. 1323
أحدهما على صاحبه- عن سعيد بن جبير في قصة إسماعيل وزمزم ونزول قوم جرهم في أسفل مكة.
قال ابن عباس قال النبي ﷺ : "فألفى ذلك أم إسماعيل، وهي تحبّ الأنس فنزلوا معها حتى كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام يعني إسماعيل وتعلّم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم فلما أدرك زوّجوه امرأةً منهم".
[١٥٠٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا علي بن الحسين القاضي ببخارى، حدثنا عبد الله بن محمود، حدثنا محمد بن علي بن شقيق، حدثنا أبو تميلة، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١).
قال: بلسان جرهم.
стр. 1324
(١٦) السادس عشر من شعب الإيمان "باب في شح المرء بدينه حتى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر"
وذلك لما جاء عن النبي ﷺ فيما:
[١٥٠٧] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا وهب بن جرير وبشر بن عمر قالا حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ من كُن فيه وجد حلاوةَ الإيمان: من كان اللهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحبث المرءَ لا يُحبُّه إلاّ لله، ومن كان أنْ يُلقَى في النار أحبَّ إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذْ أنقَذَه اللّهُ منه"
أخرجاه في الصحيح (١) من حديث شعبة بن الحجاج.
[١٥٠٨] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه-ح.
وأخبرنا. أبو الحسين بن الفضل القطان، حدثنا أبو سهل بن زياد، قالا حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، والرجل يحبّ الرجل لا يُحبه إلا لله، والرجل أن يقذف في النار أحبّ إليه من أن يرجع يهوديًّا أو نصرانيًّا".
стр. 1325
أخرجه مسلم في الصحيح (١) من وجه آخر عن حماد.
قال البيهقي ﵀: فأبان ﷺ بهذا الخبر أن الشح بالدين من الإيمان لأنه ذكر الحلاوة مثل (٢) الإيمان وأراد أن الشحيح بدينه كالمتطعم بالشيء الحلو، فكما أن الراغب في الحلو لا يجد حلاوته فيلتذ بها إلا بتطعمه كذلك الراغب في الإيمان لا يسلم له مقصوده منه إلا وأن يكون شحيحا به؛ فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت بما يفسده عليه، كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه، والله أعلم.
ويدخل في هذا الباب ما اقتصه الله علينا من خبر شعيب النبي ﷺ إذ قال له قومه: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ. قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ﴾ (٣) إلى آخر الآية.
فإن في هذا الحديث عدة معان: مرجعها (٤) كلها إلى الشح بالدين.
أحدها: أن شعيبا ﷺ سمي مباينة المشركين من قومه نجاة. وقد علم أن ضد النجاة الهلكة، ومن كان عنده أن الكفر هلكة، والإيمان نجاة لم يكن إلا شحيحا على دينه.
والثاني: فإنه أشار بقوله ﴿عَلَى اللهِ توَكَلْنَا﴾ إلى أنه قد فوض أمره إلى الله تعالى فإن
стр. 1326
عصمه من الجلاء عن الوطن فذلك فضله، وإن خلاهم وما يهمون به من إخراجهم فالجلاء أحب إليه من مفارقة الدين، وهذا من الشح بالدين لأن الله تعالى جعل الجلاء عن الوطن قرينة القتل.
والثالث: أن شعيبا ﷺ فزع إلى الله واستنصره ودعاه كما يدعى في الشدائد إذا عرضت، والخطوب إذا نزلت فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾.
استعظاما لما كان يخاطب به وتأميلا أن يدفع الله عنه أذية الكفار فلا يسمعوه في دينه ما يشق عليه سماعه. وهذا أيضًا من الشح بالدين ومعلوم أن الله تعالى إنما يقتص علينا هذا ومثله لنتأدب بآداب الذين يصف لنا سيرهم ثم يمدحها، ونباين مذاهب الذين يصف لنا طرائقهم ثم يذمها، ونتبع الأحسن من الوجهين دون الأقبح منهما كما قال : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (١) الآية.
فصح أن الشح بالدين من أركان الدين، لا يجد حلاوة الدين من لا يجد الشح به في قلبه، والله أعلم.
وهذا هو الأمر الذي يشهد العقل بصحته لأن من اعتقد دينا ثم لم يكن في نهاية الشح به والإشفاق عليه كان ذلك دلالة على أنه لا يعرف قدره ولايتبين موضع الحظ لنفسه فيه، ومن كان الحق عنده حقيرا لم يسكن الحق قلبه. وبالله العصمة.
ثم إن الشح بالدين ينقسم قسمين (٢):
أحدهما الشح بأصله كيلا يذهب، والآخر الشح بكماله كيلا ينقص (٣) ألا ترى أن الله تعالى كما مدح شعيبا ﷺ وأثنى عليه بأنه شح على دينه فلم يفارقه مع استكراه قومه إياه على مفارقته فكذلك مدح يوسف ﷺ بأن استعصم حين راودته امرأة العزيز عن نفسه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٤).
стр. 1327
فبان أن الشح على شعب الإيمان كيلا تنقص كالشح على أصله كيلا يذهب. وهذا سبيل كل مضمون به لأن الشحيح بما له كما يشح بجماعه يشح بأبعاضه والشحيح بنفسه يشح بأطرافه كما يشح بجملة بدنه فهكذا الدين. وباللّه التوفيق.
ومن الشح على الدين أن المؤمن إذا كان بين قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم، ويخشى أن يفتنوه عن دينه وكان إذا فارقهم يجد لنفسه مأمنا يتبوأ، ويكون فيه أحسن حالًا منه بين هؤلاء لم يقم بين ظهرانيهم، وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له وأوفق قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (١).
وعلى هذا الوجه كانت هجرة أصحاب رسول الله ﷺ ديار الكفر وليلقوه ويصحبوه ويهاجروا معه، ثم هذا الحكم فيمن لم يمكن إظهار دينه في موضعه باق بعده، وقد تكلمنا على هذه المسألة في كقال السير (٢) من كتاب "السنن" وروينا في كتاب "دلائل النبوة" (٣) ما قاسى أصحاب رسول الله ﷺ من الشدائد والكاره بمجاورة الكفار حتى أمروا بالهجرة إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة. والله يوفقنا لمتابعة سلفنا، فنعم السلف كانوا لنا. ﵃.
[١٥٠٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد ابن عبد الوهاب، أخبرنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي مسلم، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب قال: كنت رجلًا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أطلبه فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال قلت: والله لا أكفر به أبدا حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا بعثت كان لي ثمِ مال وولد فتأتيني فأقضيك. فأنزل الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أخرجاه في الصحيح (٤) من وجه أخر عن الأعمش.
стр. 1328
[١٥١٠] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الصفار، حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عطاء الخراساني، قال: كنت عند سعيد بن المسيب فذكرت بلالا فقال: كان شحيحا على دينه وكان يعذب في الله، وكان يعذب على دينه. فإذا أراد المشركون أن يقاربهم قال الله الله.
[١٥١١] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا أبو منصور محمد بن القاسم الصبغي، حدثنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا ابن عيينة، عن مسعر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: كان خباب من المهاجرين وكان ممن يعذب في الله.
[١٥١٢] وبه أخبرنا أبو بكر، أخبرنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: أعطوهم ما سألوا إلا خباب فجعلوا يلزقون ظهره بالرضف حتى ذهب ماء متنيه.
стр. 1329
[١٥١٣] أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس بن يعقوب، حدثنا أحمد ابن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، حدثني هشام بن عروة عن أبيه، قال: كان ورقة ابن نوفل يمر ببلال وهو يعذب على الإسلام وهو يقول أحد أحد فيقول ورقة أحد أحد والله يا بلال.
[١٥١٤] وبإسناده عن عروة: أن أبا بكر الصديق ﵁ أعتق ممن كان يعذب في الله (سبعة فذكرهم وذكره ثم ذكر منهم الزنيرة (١) قال فذهب بصرها- وكانت ممن يعذب في الله على الإسلام) (٢) فتابى إلا الإسلام- وقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كلا والله ما هو كذلك فرد الله عليها بصرها.
[١٥١٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا أحمد، حدثنا يونس، عن
стр. 1330
ابن إسحاق، قال فحدثني رجال من آل عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة على الإسلام وهي تأبى حتى قتلوها وكان النبي ﷺ يمر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: "صبًرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنّة".
[١٥١٦] أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، أخبرنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي، حدثنا محمد بن كثير العبدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لقد أُخِفتُ في الله وما يخافُ أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحدٌ ولقد أتى عليّ وعلى بلال ثلاثون ما بين يوم وليلة وما لي ولا لبلال طعام يأكُله ذوكبد إلاَّ شيءٌ يُواريه إبطُ بلال"
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة قد ذكرنا بعضهافي كتاب "دلائل النبوة" (١).
وحين شكوا إلى النبي ﷺ ما يصيبهم من البلاء وسالوه الدعاء لكشف ذلك عنهم.
[١٥١٧] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أخبرنا أبو عبد الله بن يعقوب، حدثنا- محمد ابن عبد الوهاب، أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن خباب قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له، وهو في ظل الكعبة- فقلنا: ألا تدعو الله لنا؟ (٢) ألا تستنصر الله لنا؟ قال فجلس محمارا وجهه
стр. 1331
ثم قال: "واللهِ إِنْ كان من قبلكم لَيُؤخذ الرجل فتُحفر له الحمرةُ فيُوضع المنشار على رأسه، فيشق باثنين ما يصرفُه عن دينه، ويُمشط بامشاط الحديد ما بين عصبه ولحمه ما يَصرفه عن دينه. وليتمَّن اللّهُ هذا الأمرَ حتى يَسير الراكبُ منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلاّ الله أو الذئب على غَنَمه، ولكنّكم تَعْجَلون"
أخرجاه (١) في الصحيح من وجه آخر عن إسماعيل.
[١٥١٨] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد ابن إسحاق الصغاني، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: "كان مَلِكٌ ممنْ كان قبلكم، وكانَ له ساحرٌ فلماّ كَبِر السّاحرُ قال الساحر: إنّي قَد كَبرت سِنّى وحَضَر أجلي فَادفَعْ إليّ غُلامَا فلأعَلَّمه السحرَ فدفعَ إليه غلامَا، فكان يُعلّمهْ السحر، وكان بين الملك وبين السّاحر راهبٌ، فأتى الغلامُ على الراهب فسمعَ كلامَه فأعجبَه نحوُه وكلامُه فكان إذا أتى الساحر ضربَه ويقول: ما حَبَسك؟ فإذا أتى أهله جلس عند الراهب فيبطئ على أهله فإذا
стр. 1332
أتى أهله ضربوه، وقالوا: ما حَبَسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب. فقال: إذا أراد الساحرُ أن يضربك فَقُل حَبَسني أهلي، فإذا أرادَ أهلُك أن يضربوك فَقُل حَبَسنى الساحرُ قال: فبينما هم كذلك إذْ أتى يومًا على دابةٍ فظيعةٍ عظيمةٍ قد حَبَست النّاس فلْا يستطيعون أن يَجوزوا، فقال: اليومَ أعلمُ أمرُ الراهب أحب إلى الله أمْ أمر الساحر، فأخذ حجرًا (١) فقال: اللهم إن كان أمرُ الراهب أحبّ إليك وأرضى لك من أمر الساحر فاقْتُل هذه الدابّة حتى يجوز النّاس ورَماها فقَتلها ومضى النّاسُ فأَخبر الراهبَ بذلك فقال: أيْ بُنَيّ، أنتَ أفضل مني. وإنّك سَتبتَلى فإن ابتُلِيتَ فلا تدل عليّ.
فكان الغلام يبرئ الاكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم. وكان جليس للملك
فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: اشفني ولك ما ها هنا أجمع. فقال: ما أشفي أنا أحدا، إنما يشفي الله. فإن أمنت دعوت الله فشفاك فآمن فدعا له، فشفاه ثم أتى الملك فجلس معه نحو ما كان يجلس فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: أنا؟ قال: لا، ولكن ربي وربك الله. قال: أولك رب غيري؟ قال: نعم، فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فبعث إليه فقال أي بني قد بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء. قال: ما أشفي أنا أحدا، إنما يشفي الله.
قال: أنا؟ قال: لا، قال أولك رب غيري؟ قال: نعم، ربي وربك الله. فأخذه أيضًا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى الراهب، فقال: ارجع عن دينك.
فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. فقال للأعمى: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وضع شقاه إلى الأرض. فقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه، وإلا فدهدهوه من فوقه. فذهبوا به فلما علوا به الجبل، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعون. وجاء الغلام يمشي حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله.
قال: فبعث به مع نفر في قرقور، وقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه فلججوا به البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون، وجاء
стр. 1333
الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك، فإن أنت فعلت ما أمرك به قتلتني، وإلا فإنك لن تستطيع قتلي. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد ثم تصلبني على جذع فتأخذ سهما من كنانتي ثم قل: بسم الله رب الغلام: فإنك إذا فعلت ما آمرك به قتلتني وءالا فإنك لن تستطيع قتلي، ففعل ووضع السهم في كبد قوسه، ثم رمى فقال: بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يدي على موضع السهم ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك، وقد آمن الناس كلهم. فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخدود، وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فاقحموه فيها، فكانوا يتقاعدون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي: يا أمه اصبري فإنك على الحق".
رواه مسلم في الصحيح (١) عن هداب بن خالد، عن حماد وقال في الموضعين:
"وجاء الغلام يمشي حتى دخل على الملك".
وقال: "فانكفأت بهم السفينة فغرقوا".
ورواه معمر عن ثابت بإسناده وقال في آخره: فجعل يلقيهم في تلك الأخدود قال الله عز- وجلّ: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ٠ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ حتى بلغ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢).
وأما الغلام فإنه دفن فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل.
стр. 1334
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ (أنبأنا أبو عبد الله) (١) الصنعاني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر فذكره بمعناه يزيد وينقص قال عبد الرزاق: والأخدود بنجران.
[١٥١٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الحسين بن الفضل البجلي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "لما أُسري بي مَرَّت بي رائحةٌ طَيّبة، فقلتُ: ما هذه الرائحة؟ قالوا هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت بسم الله. فقالت ابنته: أبي؟ فقالت: لا، بل ربّي وربك وربّ أبيك. فقالت: أخبر بذلك أبي؟ قالت: نعم، فأخبرتْه فدعا بها، وبولدها، فقال: ألَكِ ربٌّ غيري؟ فقالت: نعم، ربّي وربّك الله- وأظنّه قال- فأمر بنقرة (٢) من نحاس فاحْميَت، ثم أمر بها لتُلقى فيها، فقالت: لي إليك
стр. 1335
حاجةُ، قال: وما هي؟ قالت: أن تجمعَ عظامى وعظام ولدي فتدفنها (١) جميعًا. فقال: ذلك لكِ لمِاَ لك علينا من الحقّ فأتى بأولادها فالقي واحد واحد حتّى إذا كان آخر ولدها وكان صبيًّا مرضعًا فقال: اصبرِي يا أماه فإنّكِ على الحق ثمّ أُلقيتْ مع ولدها" وقال رسول الله ﷺ : "وتَكلم أربعة وهُم صغارٌ: هذا وشاهدُ يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم ﷺ ".
[١٥٢٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا يزيد بن هارون-ح
وأخبرنا أبو بكر الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد، حدثنا محمد بن حماد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان (عن سلمان) قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس فإذا انضرفوا عنها أظلتها الملائكة باجنحتها وكانت ترى بيتها في الجنة لفظهما سواء.
[١٥٢١] أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو عبد الله الصنعاني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت عن أبي رافع قال: وتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد ثم جعل على بطنها رحى عظيمة حتى ماتت.