Полный текст (1 095 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الجزء الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدّمة
عصر «١» المؤلف
أولا:
عاش المؤلف كمال الدين الدّميري، في عصرين متجاورين، هما عصر دولة المماليك البحرية والمماليك البرجية، وقد عاصر من سلاطين الفترتين اثني عشر سلطانا ابتداء من عهد الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون الذي تقلد السلطنة سنة ٧٤٣ هـ حتى ٧٤٥ هـ، وانتهاء بالملك الناصر فرج بن برقوق المتوفى سنة ٨١٤ هـ.
الحال السياسية:
وإذا كانت الفترة الأولى قد تميّزت بنوع من الاستقرار السياسي، خصوصا في بداياتها أيام بيبرس وقلاوون وابنه حسن، فإن هذا الأمر لم يكن متاحا دائما في الدولة الثانية، ولو أن العصر شهد سلاطين أقوياء مثل برقوق، وبرسباي، وغيرهما. ولكن الاضطرابات الداخلية لم تتوقف طيلة العصر، بسبب الشهرة إلى السلطة والتنافس عليها والحسد، وكثيرا ما كان يثور حاكم المنطقة ضد سلطانه، وكذلك القواد وكبار الأمراء، وكان الاستيلاء على السلطة في أي وقت أمر متاح للقادة الكبار في الجيش لأن السلطة شبه عسكرية، مركزية، والقواد العسكريون، يتمتعون بنفوذ واسع. والخليفة لا يملك إلا الاسم والتوقيع فحسب. وكذلك عامة الناس كانوا أبعد ما يكونون عن المتغيرات السياسية، وهم الذين يتحملون أوزار الانقلابات العسكرية والثورات دائما.
الحروب والأوضاع العسكرية:
خاض المماليك، في الدولة البحرية، ومنذ قيامها، حروبا عدة مشرفة، كان أولها معركة عين جالوت سنة ٦٦٢ هـ التي أوقفت الزحف المغولي ووضعت له حدا، بل تراجع المغول بعد تلك المعركة منهزمين نحو الشرق، وتوالت المواجهات بعد ذلك، أيام الظاهر بيبرس الذي أمضى
стр. 2
سبعة عشر عاما، وهي مدة سلطنته، مجاهدا مقاتلا ضد الصليبيين والمغول، واستطاع أن يحرر الكثير من المواقع التي احتلها الفرنجة على سواحل الشام. والواقع إن هذه الفترة من حكم المماليك قد انقذت ما تبقى من بلاد الإسلام، وتصدت بشجاعة للغزوين المغولي والصليبي. وقد أعاد السلطان الظاهر بيبرس الخلافة العباسية إلى سابق مجدها وجعل القاهرة مقر الخلافة بعد سنة ٦٥٦ هـ حيث سقطت بغداد بأيدي المغول، واستمر الوضع العسكري على هذا المنوال في الدولة الثانية، حيث كان الفرنجة يحاولون النزول على سواحل الشام أو مصر بين وقت وآخر، فكانوا يتصدون لهم، وببسالة، حتى إن برسباي تعدى ذلك إلى أن غزا قبرس وأسر ملكها وغنم الغنائم العظيمة.
أما الحجاز، أيام الدولة الثانية، فكان يخضع للسلطة المركزية، في القاهرة، وكان السلاطين، يتدخلون عند الضرورة، لفض النزاعات على الحكم في مكة وما يليها. كما امتدت سلطة الدولة المملوكية إلى اليمن والسواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية.
الحال الاجتماعية:
إن التنافس على السلطة، والمعارك الجانبية التي كانت تشب هنا وهنالك في مصر والشام، بالإضافة إلى المواجهات العنيفة ضد المغول ومن بعدهم الفرنجة الصليبيين، كانت تستنزف الطاقات المالية والاقتصادية في مصر، مما دفع الكثير من الملوك لفرض ضرائب جديدة كلما دعت الحاجة، مما أثقل كاهل الناس، خصوصا في مصر. ولم يقتصر الأمر، على الإنفاق الحربي، لكن اشتركت عوامل أخرى في تعقيد الأحوال المعيشية، من ذلك: الطاعون «١» والأوبئة الأخرى التى كانت تتفشى من وقت لآخر فيذهب آلاف الناس ضحية لذلك، وبالتالي ينعكس الأمر سلبا على البلاد لفقدان الأيدي العاملة في الزراعة وفي الحرف الأخرى، وأكثر ما يلاحظ ذلك في الدولة الثانية، حيث تفاقمت الضرائب «٢» ، وازدادت المصادرات، وتغلب الجند على مقدّرات البلاد والعباد، وكثرت ثورات الأعراب، خصوصا في صعيد مصر. ويضاف على ذلك، ما كان يسببه انخفاض النيل من أزمة في ري المزروعات فتقل المواسم وترتفع الأسعار، ويكثر السلب والنهب والمصادرات.
أما طبقات الشعب، فكانت الطبقة الحاكمة، طبقة المماليك السلاطين، والأمراء، والجنود ومعظمهم كانوا يتحدرون من أصول غير عربية، وبعضهم لم يكن يتكلم العربية. وعامة الشعب، وتنقسم إلى تجار متوسطي الحال، والسواد الأعظم من الناس من المزارعين والفقراء.
الحال الثقافية:
إن الأوضاع السياسية، غير المستقرة، والأحوال الاقتصادية المتدهورة، والحروب التي لا
стр. 3
تكاد تتوقف، حتى تشتعل في غير مكان، كل ذلك كان عائقا في وجه أي نهضة علمية شاملة، ولم يكن من السهل تخطي ذلك الواقع، خصوصا وأن بغداد عاصمة العلم والحضارة في المنطقة كلها قد سقطت وضاع بسقوطها تراث أجيال، في العلوم المختلفة، وتشتت أهل العلم، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من هام على وجهه ينشد الأمن والنجاة، وكان لحسن حظ بعضهم أن يمموا شطر مصر، فأفادوا منها وأعطوها من غزير علومهم، وبذلك تحوّلت الحركة العلمية إلى القاهرة فتوافد أهل العلم من جميع الأقطار الإسلامية، والعربية، إلى عاصمة الخلافة، نظرا لما تحتله هذه العاصمة من مكانة في قلوب أهل الإسلام باعتبارها ترفع راية الجهاد ضد قوى الطغيان والغزو، فضلا عن الرعاية التي لقيها أهل العلم في العهود المختلفة وفي الدولتين.
ورعاية المماليك للعلم والعلماء، تتمثل بإقامتهم للمدارس، وقد اوقفوا لها الأوقاف، واجروا الرواتب على المعلمين والمتعلمين، واهتموا بالمساجد، فعينوا لها الخطباء والأئمة حتى غدت هي أيضا مراكز علمية مشعة، فمن المساجد التي لعبت دورا بارزا في النهضة، الجامع الأزهر وقد ساهم في إحياء العلوم المختلفة، علوم اللغة والطب والرياضيات والموسيقى والحديث النبوي وعلوم القرآن وغير ذلك من علوم العصر، ومن المساجد التي لعبت الدور نفسه، جامع العطارين بالاسكندرية، وجامع دمياط، وجامع اسيوط، وقوص، وقفط. كما رعى السلاطين المدارس الدينية التي كانت تدرس الفقه على المذاهب الأربعة، وجامع عمرو بن العاص الذي كان يضم أربعين حلقة.
ومن الجدير بالذكر، أن ديوان الإنشاء كان من المؤسسات التي ساهمت في الإبقاء على العربية كلغة للتأليف والكتابة، باعتبار أن هذا الديون، هو الأكثر نشاطا في حقل الكتابة، فهو السجل الرسمي للدولة وفيه تدون كافة الوثائق الصادرة، والواردة، وكان يقوم بذلك كتاب أدباء بلغاء عملوا على إغناء العربية بأساليبهم الرفيعة، ولو طغى عليها بعض التصنع في بعض الأحيان.
ولا يفوتنا أن ننوه بما كان للقضاء من دور مميز، هو الآخر، حمل عبئا غير قليل في التّمكين للعربية ولأساليب التعبير من خلال ما يدونه القضاة من عهود ومواثيق وأحكام. ونظرا لما تقدم، فباستطاعتنا أن نرصد مئات الأعلام، علماء وأدباء، فمن المؤرخين أبو المحاسن، يوسف بن تغري بردي المتوفى سنة ٨٧٤ هـ، وشمس الدين السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ، وتقي الدين المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ. وابن إياس المتوفى سنة ٩٣٠ هـ. وفي اللغة والأدب: جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ والذي تعد مؤلفاته بالعشرات في كل علم وفن: في التفسير والحديث والفقه واللغة والنحو، وابن تيميه المتوفى سنة ٧٢٨ هـ.
ومن الجدير بالذكر أن أهل السلطة كانوا يقربون أهل المعرفة والأدب، ولكنهم تشددوا مع المنحرفين عن الدين، ومع أهل الفلسفة، ومن أهل الفلسفة التفتازاني سعد الدين، وعبد الرحمن الإيجي ونصير الدين الطوسي، وغيرهم.
стр. 4
وقد تنافس أهل العلم في اقتناء الكتب وجمعها، حتى ليقال إن نجم الدين بن حجي «١» ترك بعد وفاته ثلاثة آلاف مجلد من الكتب النفيسة. وذكر المقريزي، في القاهرة وحدها أربع عشرة مكتبة عامة. ولم تكن دمشق تقل شأنا في هذا المجال، وعرف فيها من المدارس العمرية والناصرية، وخزانة للكتب.
وفي حلب عرفت نهضة علمية، تمثلت بعدد المدارس التي كانت فيها حتى اجتياح تيمور لنك لها سنة ٨٠٣ هـ. إذ بلغ عدد مدارسها ثلاثمائة مدرسة، دمرها الغزو المغولي في ذلك الوقت، ولكن نشأت مدارس أخرى منها: الشعبانية، والعثمانية، والمنصورية، والخسروية «٢» ، وكانت لها أوقاف جارية.
وعلى وجه العموم، فإن العصر المملوكي، بفترتيه، عرف نشاطا ثقافيا ملحوظا، في سائر العلوم والفنون، للأسباب التي أشرنا إليها حتى عدّت المؤلفات بعشرات الآلاف في مدة زمنية لم تتجاوز ثلاثمائة عام، تعاقب خلالها على الحكم سلاطين أشدّاء، وجهوا همهم إلى الحرب والجهاد، ولكنهم لم يغفلوا أبدا عن تشجيع العلوم وتقريب العلماء، فلا يخلو عصر أحد منهم من بناء جامع أو مدرسة، أو مكتبة كما فعل قلاوون، وابنه الناصر، والملك الظاهر جقمق، وبيبرس وقايتباي وقانصوه الغوري. وبعضهم كان مثقفا كالمؤيد شيخ الذي كان «يركز الفن وينظم الشعر، وله أشياء كثيرة من الفن دائرة بين المغنين الآن» «٣» .
ترجمة المؤلف «٤»
اسمه ونسبه:
محمد بن موسى بن عيسى بن علي الكمال أبو البقاء، الدّميري الأصل، القاهري الشافعي. كان اسمه كمالا بغير إضافة، وكان يكتبه كذلك بخطه في كتبه ثم تسمّى محمدا، وصار يكشط الأول، وكأنه، لتضمنه نوعا من التزكية مع هجر اسمه الحقيقي.
نشأته وشيوخه:
ولد في القاهرة سنة ٧٤٢ هـ، وتكسّب بالخياطة، ثم أقبل على العلم، فسمع جامع الترمذي على مظفّر الدين العطار المصري، وعلى علي بن أحمد العرضي الدمشقي. كما سمع بالقاهرة من عبد الرحمن بن علي الثعلبي، ومن محمد بن علي الخزاوي: كتاب «الخيل» للحافظ
стр. 5
شرف الدين الدمياطي عنه. كما سمع «العلم» للمرهبي، ومن غيرهما شيوخهما.
وفي مكة المكرمة، سمع من الجمال محمد بن أحمد بن عبد المعطي: صحيح ابن حبّان، وغير ذلك. وسمع فيها سنن ابن ماجه، ومسند الطيالسي، ومسند الشافعي، ومعجم ابن قانع، وأسباب النزول للواحدي، والمقامات الحريرية وغير ذلك، على كمال الدين محمد بن عمر بن حبيب الحلبي.
وممن أخذ عنهم الشيخ بهاء الدين أحمد بن الشيخ تقي الدين السّبكي، وقد أجاز له النويري أبو الفضل كمال الدين بالفتوى والتدريس بناء على طلب السبكي.
ومن شيوخه في الفقه جمال الدين عبد الرحيم الإسنائي، وفي الأدب الشيخ برهان الدين القيراطي.
مؤلفاته:
وقد برع الدميري، في التفسير والحديث والفقه وأصوله، والعربية والأدب، وله تصانيف في العلوم المختلفة منها:
١- الديباجة، في شرح سنن ابن ماجه، وهو في خمس مجلدات.
٢- النجم الوهّاج، في شرح المنهاج للنواوي.
٣- حياة الحيوان الكبرى، وقد اختصره التقي «١» الفاسي سنة ٨٢٢ هـ.
٤- أرجوزة في الفقه.
٥- التذكرة.
٦- شعر ونظم.
٧- مختصر شرح لامية العجم للصفدي.
سيرته وطلابه:
كان خيّرا عابدا، صائما، وكان تصدى للتدريس والإفتاء في أماكن كثيرة من القاهرة منها:
الجامع الأزهر وكانت له حلقة ودرس أسبوعي. ودرّس الفقه في القبّة من خانقاه بيبرس بالقاهرة.
من أهم تلاميذه، الذين أخذوا عنه الحديث التقي الفاسي، في مصر والإمام صلاح الدين خليل بن الأقفهي، في مكة المكرمة.
وقد ذكّر ووعظ في مدرسة ابن البقري، وجامع الظاهر بالحسينية، كما درّس وأفتى أثناء مجاوراته في مكة المكرمة، وكان نزلها لأول مرة سنة ٧٦٢ هـ، فجاور ثم حج وكرر ذلك مرارا وتزوّج ورزق اولادا، وكان حجه الأخير سنة ٨٠٠ هـ، وانصرف من حجه ذلك إلى القاهرة حيث مات فيها سنة ٨٠٨ هـ، ودفن في مقابر الصوفية بسعيد السعداء.
стр. 6
منهج المؤلف
إن الدميري، قد رتّب كتابه على حروف المعجم، وضمنه من أسماء الحيوانات ما تنامى إلى سمعه، ومن مصادر كثيرة ومختلفة تتراوح ما بين كتب يونانية وعربية قديمة أو ما كان قريبا لعهد المؤلف، الذي اطلع على تلك الكتب، المتخصصة في عالم الطب والحيوان، ووعى ما فيها، ونقّحها، وطرح جانبا ما لم يقتنع به، وأقرّ ما رأى عليه إجماعا لدى العلماء، ومع حذره الشديد، فإنه قد أبقى على معلومات كثيرة، غريبة وعجيبة، ولكنه نقلها على ذمة أصحابها وناقليها، فأيّد كل مروياته بإسنادها إلى رواتها، بالتسلسل المعروف وصولا إلى المنشإ الأساس، ولم يفته أن يرد، حيث يقتضي الأمر، على الأغاليط.
أما طريقته في عرض المعلومات، فإنه يبدأ بوصف الحيوان، بعد أن يضبط اسمه ضبطا تاما بالشكل، ويعرّف بالأصل اللغوي له، ويقدم بعد ذلك عرضا لبعض الأخبار والمرويات التي تدل على طبائع ذلك الحيوان، وفي هذا الإطار يستحضر طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة، والآيات القرآنية الكريمة التي لها علاقة بالموضوع، فضلا عما جاء حوله من أشعار قديمة، وأمثال وحكم. ثم يورد ما قاله الفقهاء في شأن الحيوان المذكور من حيث الحكم الشرعي في أكله أو عدمه، يؤيد ذلك بالأقوال المختلفة، وبأحاديث نبوية وآيات كريمة، وينتهي إلى ذكر الخواص الطبية من المنافع والمضار من لحم ذلك الحيوان أو غيره.
منهج التحقيق
اعتمدت في تحقيق الكتاب، الطبعة المصرية، التي توزعها مكتبة محمود توفيق الكتبي بمصر، وهي طبعة قديمة، لا تخلو من الأخطاء، وتقع في مجلدين كبيرين، وصفحاتها كبيرة يزيد عدد الأسطر في كل صفحة على ثلاثين سطرا، وعدد كلمات كل سطر يتراوح ما بين خمس عشرة إلى عشرين كلمة.
ولقد قمت بضبط نصوص الكتاب، بوضع علامات الوقف، والحركات المناسبة في أواخر الكلمات حيث يلزم. ثم حددت بدايات: للمقاطع والفقرات، وانتقلت بعد ذلك إلى تحقيق الكتاب، بتخريج الأبيات الشعرية من مصادرها في الدواوين، وفي أمهات كتب الأدب والتاريخ، وخرّجت الآيات، والأحاديث النبوية ما أمكنني، ولم اهتد إلى بعض الأحاديث فتركتها، ولم أشر إلى ذلك. كما خرّجت أمثال الكتاب، وعرّفت بأعلامه وخصوصا الشعراء، بإشارات سريعة، ولم اتوقف على الدقائق، والتفاصيل لغير حاجة.
وبعد، فإن ما قمت به، ما هو إلا محاولة متواضعة، أرجو أن أكون قد وفقت في مسعاي، لإخراج هذا الكتاب في حلة جديدة تليق به، داعيا المولى أن ينفعنا به، إنه سميع مجيب.
والله الموفق أحمد حسن بسج بيروت في ١٧ جمادى الأولى ١٤١٤ هجرية الموافق ١/١١/١٩٩٣ رومية
стр. 7
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي شرف نوع الإنسان، بالأصغرين: القلب واللسان، وفضله على سائر الحيوان بنعمتي المنطق والبيان، ورجحه بالعقل الذي وزن به قضايا القياس في أحسن ميزان، فأقام على وحدانيته البرهان. أحمده حمدا يمدنا بمواد الإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي لا يدرك كنه ذاته بالحدود والرسوم ذوو الأذهان، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المخصوص بالآيات البينات كل البيان، ﷺ وعلى آله وصحبه، صلاة وسلاما يدومان ما دام الملوان، ويبقيان في كل زمان وأوان.
وبعد، فهذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، ولا كلفت القريحة تأليفه، وإنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس، التي لا مخبأ فيها لعطر بعد عروس، ذكر مالك الحزين والذيخ المنحوس، فحصل في ذلك ما يشبه حرب البسوس، ومزج الصحيح بالسقيم، ولم يفرق بين نسر وظليم، وتحككت العقرب بالأفعى، واستنت الفصال حتى القرعى، وصيروا الأروى مع النّعام ترعى، وقضوا باجتماع الحوت والضب قطعا، واتخذ كل أخلاق الضبع طبعا، ولبس «١» جلد النمر أهل الإمامة، وتقلدها الجميع طوق الحمامة.
والقوم إخوان وشتى في الشيم ... وقيل في شأنهم: اشتدي زيم «٢»
وظن الكبير أنه «أصدق من القطا «٣» وأن الصغير كالفاختة غلطا، وصار الشيخ الأفيق، كذات التحيين والمعبد ذو التحقيق كالراجع بخفي حنين «٤» والمقيد كالأشقر تحيرا، والطالب كالحباري تحسرا، والمستمع يقول: كل الصيد في جوف الفرا «٥» والنقيب كصافر يكرر «أطرق كرا» «٦» فقلت عند ذلك في بيته يؤتى الحكم، وبإعطاء القوس باريها «٧» تتبين الحكم، وفي الرهان سابق الخيل يرى، «وعند الصباح يحمد القوم السّرى» «٨» واستخرت الله تعالى وهو الكريم
стр. 8
المنان، في وضع كتاب في هذا الشأن وسميته حياة الحيوان، جعله الله موجبا للفوز في دار الجنان، ونفع به على ممر الأزمان، إنه الرحيم الرحمن ورتبته على حروف المعجم، ليسهل به من الأسماء ما استعجم.
باب الهمزة
الأسد
: من السباع معروف، وجمعه أسود وأسد وآسد وآساد والأنثى أسدة وفي حديث «١» أم زرع: «زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد» . وله أسماء كثيرة، قال ابن خالويه: للأسد خمسمائة اسم وصفة. وزاد عليه علي بن قاسم بن جعفر اللغوي مائة وثلاثين اسما فمن أشهرها: أسامة والبيهس والنآج والجخدب والحارث وحيدرة والدوّاس والرئبال وزفر والسبع والصّعب والضّرغام والضّيغم والطيثار والعنبس والغضنفر والفرافصة والقسورة وكهمس والليث والمتأنّس والمتهيّب والهرماس والورد. وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. ومن كناه أبو الأبطال وأبو حفص وأبو الأخياف وأبو الزعفران وأبو شبل وأبو العباس وأبو الحارث.
وإنما ابتدأنا به لأنه أشرف الحيوان المتوحش؛ إذ منزلته منها منزلة الملك المهاب، لقوته وشجاعته وقساوته وشهامته وجهامته وشراسة خلقه، ولذلك يضرب به المثل في القوّة والنجدة والبسالة وشدّة الإقدام والجراءة والصّولة. ومنه قيل لحمزة بن عبد المطلب ﵁: أسد الله ويقال: من نبل الأسد أنه اشتق لحمزة بن عبد المطلب من اسمه، وكذلك لأبي قتادة، فارس النبي ﷺ . ففي صحيح مسلم، في باب إعطاء القاتل سلب المقتول. فقال «٢» أبو بكر ﵁: «كلا والله لا يعطيه أضيبعا من قريش، ويدع أسدا من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله» . وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الضاد المعجمة.
وهو أنواع كثيرة، قال أرسطو: رأيت نوعا منها يشبه وجه الإنسان، وجسده شديد الحمرة، وذنبه شبيه بذنب العقرب، ولعل هذا هو الذي يقال له الورد. ومنه نوع على شكل البقر له قرون سود نحو شبر، وأما السبع المعروف فإن أصحاب الكلام في طبائع الحيوان، يقولون: إن الأنثى لا تضع إلّا جروا واحدا تضعه لحمة ليس فيه حسّ ولا حركة، فتحرسه كذلك ثلاثة أيام، ثم يأتي أبوه بعد ذلك فينفخ فيه، المرة بعد المرة، حتى يتنفس ويتحرك وتنفرج أعضاؤه، وتتشكل صورته، ثم تأتي أمه فترضعه، ولا يفتح عينيه إلّا بعد سبعة أيام من تخلقه، فإذا مضت عليه بعد ذلك ستة أشهر، كلّف الاكتساب لنفسه بالتعليم والتدريب. قالوا: وللأسد من الصبر على الجوع، وقلة الحاجة إلى الماء، ما ليس لغيره من السباع. ومن شرف نفسه: أنه لا يأكل من فريسة غيره، فإذا شبع من فريسته تركها، ولم يعد إليها، وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض، ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب: وقد أشار إلى ذلك الشاعر بقوله:
стр. 9
وأترك حبّها من غير بغض ... وذاك لكثرة الشركاء فيه
إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب ولغن فيه
وقد ألغز بعضهم في القلم فقال «١» :
وأرقش مرهوف الشباة مهفهف ... يشتّت شمل الخطب وهو جميع
تدين له الآفاق شرقا ومغربا ... وتعنو له ملاكها وتطيع
حمى الملك مفطوما كما كان تحتمي ... به الأسد في الآجام وهو رضيع
وإذا أكل نهس من غير مضغ، وريقه قليل جدا، ولذلك يوصف بالبخر، ويوصف بالشجاعة والجبن، فمن جبنه أنه يفزع من صوت الديك، ونقر الطست، ومن السنور، ويتحير عند رؤية النار، وهو شديد البطش، ولا يألف شيئا من السباع لأنه لا يرى فيها ما يكافئه، ومتى وضع جلده على شيء من جلودها تساقطت شعورها، ولا يدنو من المرأة الحائض ولو بلغ الجهد، ولا يزال محموما، يعمّر كثيرا وعلامة كبره سقوط أسنانه؛ روى ابن سبع السبتي، في شفاء الصدور، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أنه خرج في بعض أسفاره، فبينما هو يسير إذ هو بقوم وقوف، فقال: ما لهؤلاء القوم؟ قالوا: أسد على الطريق قد أخافهم، فنزل عن دابته ثم مشى إليه حتى أخذ بأذنه، ونحاه عن الطريق، ثم قال له: ما كذب عليك رسول الله ﷺ بقوله:
«إنما سلطت على ابن آدم لمخافته غير الله، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله تعالى لم تسلط عليه ولو لم يرج إلا الله ﵎ لما وكله إلى غيره.
وفي سنن أبي داود، من حديث «٢» عبد الرحمن بن آدم، وليس له عنده سواه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «ينزل عيسى بن مريم ﵊ إلى الأرض وكأن رأسه يقطر، ولم يصبه بلل، وأنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويفيض المال وتقع الأمنة في الأرض، حتى يرعى الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات ولا يضر بعضهم بعضا؛ ثم يبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
وفي الحلية لأبي نعيم، في ترجمة ثور بن يزيد، قال: بلغني أن الأسد لا يأكل إلّا من أتى محرّما. وقصة سفينة مولى رسول الله ﷺ ، مع الأسد مشهورة، رواه البزار والطبراني وعبد الرزاق والحاكم وغيرهم.
وذكر البخاري في تاريخه أنه بقي إلى زمن الحجاج، روى محمد بن المنكدر عنه أنه قال:
стр. 10
«ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا فأخرجني إلى أجمة فيها أسد، فأقبل إلي فقلت:
أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ ، وأنا تائه فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه السلام» .
وفي دلائل النبوة للبيهقي، عن ابن المنكدر أيضا، أن سفينة، مولى رسول الله ﷺ ، أخطأ الجيش بأرض الروم، وأسر في أرض الروم، فانطلق هاربا يلتمس الجيش، فإذا هو بالأسد فقال له: «يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ ، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد يبصبص، حتى قام إلى جنبه، فلم يزال كذلك حتى بلغ الجيش، فرجع الأسد» .
واختلف في اسم سفينة ﵁ فقيل رومان وقيل مهران وقيل طعمان وقيل عمير.
روى مسلم له حديثا واحدا والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ودعا النبي ﷺ ، على عتبة بن أبي لهب، فقال: «اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك» فافترسه الأسد بالزرقاء من أرض الشأم. رواه الحاكم من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه وقال صحيح الإسناد.
وروى الحافظ أبو نعيم بسنده إلى الأسود بن هبّار قال: تجهز أبو لهب وابنه عتبة نحو الشأم، فخرجت معهما فنزلنا الشراة قريبا من صومعة راهب، فقال الراهب: ما أنزلكم ههنا؟
هنا سباع فقال أبو لهب: أنتم عرفتم سني وحقي، قلنا: أجل. قال: إن محمدا دعا على ابني فاجمعوا متاعكم على هذه الصومعة، ثم افرشوا لابني عليه، وناموا حوله، ففعلنا ذلك وجمعنا المتاع حتى ارتفع، ودرنا حوله، وبات عتبة فوق المتاع، فجاء الأسد فشم وجوهنا ثم وثب فإذا هو فوق المتاع فقطع رأسه فقال: سيفي يا كلب ولم يقدر على غير ذلك وفي رواية فوثب الأسد فضربه بيده ضربة واحدة فخدشه فقال: قتلني فمات لساعته وطلبنا الأسد فلم نجده. وإنما سماه النبي ﷺ كلبا لأنه يشبهه في رفع رجله عند البول.
فائدة: روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال «١» : «فر من المجذوم فرارك من الأسد» .
وفي حديث آخر أنه ﷺ أخذ بيد مجذوم وقال «٢» : «بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه وأدخلها معه الصّحفة» .
قال الشافعي ﵀ في عيوب الزوجين: إن الجذام والبرص يعدي وقال: إن ولد المجذوم قلما يسلم منه. قلت ومعنى قول الشافعي ﵁ إنه يعدي، أي بتأثير الله تعالى لا بنفسه، لأن الله تعالى أجرى العادة بابتلاء السليم عند مخالطة المبتلي، وقد يوافق قدرا وقضاء، فيظن أنه عدوى. وقد قال «٣» ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة» ، كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وأما
стр. 11
قوله في الولد: «قلما يسلم منه» فقد قال الصيدلاني: معناه أن الولد قد ينزعه عرق من الأب فيصير أجذم. وقد قال «١» ﷺ لرجل قال له: إن امرأتي قد ولدت غلاما أسود «لعل عرقا نزعه» وبهذا الطريق يحصل الجمع بين هذه الأحاديث.
وجاء في الحديث أنه ﷺ «٢» : «لا يورد ذو عاهة على مصح» وإنه ﷺ أتاه مجذوم ليبايعه، فلم يمد يده إليه بل قال «٣» له: «أمسك يدك فقد بايعتك» .
وفي مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: «لا تطيلوا النظر إلى المجذوم، وإذا كلمتموه فليكن بينكم وبينه قدر رمح» .
وقد ذكر الشيخ صلاح الدين العراقي، في القواعد، أن الأم، إذا كان بها جذام أو برص، سقط حقها من الحضانة، لأنه يخشى على الولد من لبنها ومخالطتها، واستدل بقوله «٤» : ﷺ : «لا يورد ذو عاهة على مصح» . والذي ذكره ظاهر وهو المختار. ويؤيد ما أفتى به ابن تيمية «٥» صاحب المحرر، من الحنابلة ﵀ وصرح به أئمة المالكية، أن المبتلي لو أراد مساكنة الأصحاء في رباط أو غيره، منع إلّا بإذنهم. ولو كان ساكنا وابتلي أزعج وأخرج. وأما أصحابنا فصرّحوا بأن الأمة إذا كان سيدها مجذوما وجب عليها تمكينه من الاستمتاع وهذا مع إشكاله قد أورد في الروضة في الزوجة المختارة للمقام مع الزوج المجذوم، وقد يفرق بينهما بقوة الملك. والله أعلم.
وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ ، قال لامرأة: «أكلك الاسد فأكلها» .
وروى الطبراني وأبو منصور الديلي، والحافظ المنذري، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما يقول الأسد في زئيره؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنه يقول:
اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف» .
فائدة أخرى: روى ابن السني، في عمل اليوم والليلة، من حديث داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵃ أنه قال: «إذا كنت بواد تخاف فيه الأسد، فقل: أعوذ بدانيال وبالجب من شر الأسد اهـ. «٦»
أشار بذلك إلى ما رواه البيهقي في الشعب: أن دانيال ﵇ طرح في جب وألقيت
стр. 12
عليه السباع، فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه، فأتاه ملك فقال: يا دانيال فقال: من أنت؟ فقال: أنا رسول ربك أرسلني إليك بطعام. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره. اهـ.
وروى ابن أبي الدنيا أن بختنصر ضرّى أسدين، وألقاهما في جب، وأمر بدانيال فألقي عليهما، فمكث ما شاء الله، ثم إنه اشتهى الطعام والشراب، فأوحى الله تعالى إلى أرمياء، وهو بالشأم، أن يذهب إلى دانيال بطعام وشراب، وهو بأرض العراق، فذهب به إليه، حتى وقف على رأس الجب، وقال: دانيال دانيال، فقال: من هذا؟ فقال: إرميا فقال: ما جاء بك؟ قال:
أرسلني إليك ربك فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لا يكله إلى سواه، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة وغفرانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل منا.
ثم روى ابن أبي الدنيا من وجه آخر أنّ الملك الذي كان دانيال في سلطانه، جاءه المنجمون وأصحاب العلم، فقالوا له: إنه يولد في ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك، فأمر بقتل كل من يولد في تلك الليلة. فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد ولبوة، فبات الأسد ولبوته يلحسانه، فنجاه الله تعالى بذلك حتى بلغ ما بلغ، وكان من أمره ما قدره العزيز العليم.
ثم روى بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أنه قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁ خاتما نقش فصّه أسدان، بينهما رجل، وهما يلحسان ذلك الرجل، فقال أبو بردة: هذا خاتم دانيال، أخذه أبو موسى حين وجده ودفنه فسأل أبو موسى علماء تلك البلدة عن ذلك، فقالوا: إن دانيال نقش صورته وصورة الأسدين، وهما يلحسانه، في فص خاتمه كما ترى لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك. اهـ. فلما ابتلي دانيال ﵇ بالسباع، أوّلا وآخرا، جعل الله تعالى الإستعاذة به في ذلك تمنع شر السباع التي لا تستطاع.
وفي المجالسة للدينوري، عن معاذ بن رفاعة، قال: مر يحيى بن زكريا ﵉ بقبر دانيال النبي ﵇ فسمع صوتا من القبر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت، فمضى فإذا هو بصوت من السماء أنا الذي تعززت بالقدرة، وقهرت العباد بالموت، من قالهن استغفرت له السموات السبع، والأرضون السبع، ومن فيهن. وكان دانيال ﵇، قد أتاه الله تعالى النبوة والحكمة، وكان في أيام بختنصر. قال أهل التاريخ: إن بختنصر أسر دانيال مع من أسر من بني إسرائيل، وحبسهم ثم رأى بختنصر رؤيا أفزعته وعجز الناس عن تعبيرها ففسرها دانيال فأعجبه وأكرمه، قالوا: وقبره بنهر السوس «١» ووجده أبو موسى الأشعري ﵁ فأخرجه وكفنه وصلّى، ثم قبره في نهر السوس وأجرى عليه الماء.
وفي المجالسة أيضا، قال عبد الجبار بن كليب: كنا مع إبراهيم بن أدهم في سفر فعرض لنا
стр. 13
الأسد فقال إبراهيم: قولوا: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك وأنت رجاؤنا يا ألله يا ألله يا الله. قال فولى الأسد عنا هاربا.
قال: فأنا أدعو به عند كل أمر مخوف فما رأيت إلا خيرا.
فائدة: قال بعض العلماء المحققين: ومما جرب لإذهاب الخوف والهم والغم أن يكتب هاتين الآيتين، ويحملهما فإن الله تعالى يبارك له في جميع أحواله، وينصره على أعدائه، وهما ينفعان للأمراض الباطنة، وكل ألم يحدث في بدن الإنسان، وكل آية منهما تجمع الحروف المعجمة بأسرها، وتكتب في إناء نظيف وتمحى بدهن ورد، أو زيت طيب، أو شيرج يطلى به الألم كالدمل والطلوع والحرارة والريح والثآليل والنفخ والقروحات بأسرها فإنه يزول ويبرأ من يومه في الغالب كما جرب مرارا وهما من الأسرار المخزونة كذا قاله شيخنا اليافعي ﵀.
الآية الأولى من سورة آل عمران قوله «١» تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً
إلى قوله تعالى: عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ*
. الآية الثانية من سورة الفتح قوله تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
إلى آخر السورة انتهى. وذكر بعض أهل التاريخ، أن ملكا من الملوك خرج يدور في ملكه فوصل إلى قرية عظيمة فدخلها منفردا فأخذه العطش فوقف بباب دار من دور القرية، وطلب ماء فخرجت إليه امرأة جميلة بكوز فيه ماء، وناولته إياه فلما نظرها افتتن بها فراودها عن نفسها، وكانت المرأة عارفه به فعلمت أنها لا تقدر على الامتناع منه، فدخلت وأخرجت له كتابا وقالت انظر في هذا إلى أن أصلح من أمري ما يجب وأعود فأخذ الملك الكتاب ونظر فيه فإذا فيه الزجر عن الزنا، وما أعد الله تعالى لفاعله من العذاب الأليم، فاقشعر جلده، ونوى التوبة، وصاح بالمرأة، وأعطاها الكتاب، ومر ذاهبا وكان زوج المرأة غائبا فلما حضر زوجها أخبرته الخبر، فتحير الزوج في نفسه، وخاف أن يكون وقع غرض الملك فيها، فلم يتجاسر على وطئها بعد ذلك ومكث على ذلك مدة، فأعلمت المرأة أقاربها بحالها مع زوجها فرفعوه إلى الملك فلما مثل بين يدي الملك، قال أقارب المرأة: أعز الله مولانا الملك، إن هذا الرجل قد استأجر منا أرضا للزراعة، فزرعها مدة ثم عطلها فلا هو يزرعها ولا هو يتركها لنؤجرها لمن يزرعها، وقد حصل الضرر للأرض، ونخاف فسادها بسبب التعطيل لأن الأرض إذا لم تزرع فسدت، فقال الملك لزوج المرأة ما يمنعك من زرع أرضك؟ فقال: أعز الله مولانا الملك إنه قد بلغني أن الأسد دخل أرضي، وقد هبته، ولم أقدر على الدنو منها لعلمي بأن لا طاقة لي بالأسد ففهم الملك القصة فقال: يا هذا إن أرضك أرض طيبة صالحة للزرع فازرعها بارك الله لك فيها، فإن الأسد لن يعود إليها ثم أمر له ولزوجته بصلة حسنة وصرفه.
وفي تاريخ ابن خلكان أنه لما دخل المازيار على المعتصم وكان قد اشتد غضبه عليه فقيل له يا أمير المؤمنين لا تعجل، فإن عنده أموالا جمة، فأنشد المعتصم بيت أبي تمام «٢» :
стр. 14
إنّ الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «١»
وقد أحسن خالد الكاتب «٢» حيث قال:
علم الغيث الندى حتى إذا ... ما وعاه علم البأس الأسد
فإذا الغيث مقرّ بالندى ... وإذا الليث مقر بالجلد
ومن شعره:
ظفر الحب بقلب دنف ... بك والسقم بجسم ناحل «٣»
وبكى العاذل لي من رحمتي ... فبكائي لبكاء العاذل «٤»
وكان خالد شيخا كبيرا تأخذه السوداء أيام الباذنجان، وكان الصبيان يتبعونه ويصيحون به يا خالد يا بارد؛ فأسند ظهره يوما إلى قصر المعتصم وقال لهم: كيف أكون باردا وأنا الذي أقول:
بكى عاذلي من رحمتي فرحمته ... وكم مسعد من مثله ومعين «٥»
ورقّت دموع العين حتى كأنها ... دموع دموعي لا دموع جفوني
وفي روضة العلماء، أن نوحا ﵇، لما غرس الكرمة، جاءه إبليس فنفخ فيها فيبست، فاغتم نوح لذلك وجلس متفكرا في أمرها، فجاءه إبليس وسأله عن تفكيره؟ فأخبره فقال له يا نبي الله إن أردت أن تحضر الكرمة، فدعني أذبح عليها سبعة أشياء فقال: افعل، فذبح أسدا ودبا ونمرا وابن آوى وكلبا وثعلبا وديكا، وصب دماءهم في أصل الكرمة فاخضرت من ساعتها، وحملت سبعة ألوان من العنب، وكانت قبل ذلك تحمل لونا واحدا فمن أجل ذلك يصير شارب الخمر شجاعا كالأسد وقويا كالدب وغضبان كالنمر، ومحدثا كابن آوى، ومقاتلا كالكلب، ومتملّقا كالثعلب، ومصوتا كالديك، فحرمت الخمر على قوم نوح. ونوح اسمه عبد الجبار، وإنما سمي نوحا لنوحه على ذنوب أمته، وأخوه صابىء بن لامك وإليه ينسب دين الصابئين فيما ذكروا والله أعلم.
(تذنيب) كان أبو مسلم «٦» الخراساني واسمه عبد الرحمن بن مسلم بعد فراغه من أمر بني أمية ينشد كل وقت:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
стр. 15
ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم ... والقوم في غفلة بالشأم قد رقدوا
حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
قال «١» ابن خلكان في ترجمته: وكان أبو العباس السفاح شديد التعظيم لأبي مسلم، لما صنعه ودبره، فلما مات السفاح وولي أخوه المنصور، صدرت من أبي مسلم أشياء أوغرت صدر المنصور عليه وهم بقتله، وبقي حائرا بين الاستبداد برأيه في أمره، والاستشارة، فقال يوما لمسلم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
«٢» فقال: حسبك يا ابن قتيبة لقد أودعتها أذنا واعية ولم يزل المنصور يخدعه حتى أحضره إليه، والمنصور بالمدائن فأمر بإدخاله عليه، وكان المنصور قد رتب جماعة لقتله، وقال لهم: إذا رأيتموني قد مسحت بيدي وجهي فاضربوه، فلما أدخل عليه، أخذ المنصور يقرعه بما صدر منه ثم مسح وجهه، فبادروه فصاح استبقني لأعدائك يا أمير المؤمنين، فقال له المنصور وأي عدو أعدى منك يا عدو الله فلما قتل هاج أصحابه، فأمر المنصور بنثر الدراهم والدنانير عليهم فسكنوا! ورمى برأسه إليهم، ثم أدرج في بساط فدخل على المنصور جعفر بن حنظلة، فرأى أبا مسلم في البساط، فقال: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك فأنشد المنصور متمثلا:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر «٣»
ثم أقبل المنصور على من حضره وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد:
زعمت أن الدين لا يقتضي ... فاستوف بالكيل أبا مجرم «٤»
اشرب بكأس كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم
وكان يقال له أبو مجرم أيضا وفيه يقول أبو دلامة «٥» :
أبا مجرم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدره ... ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحي ... عليك بما خوفتني الأسد الورد
ولما قتله المنصور، خطب الناس فذكر أن أبا مسلم أحسن أولا وأساء آخر. ثم قال في آخر خطبته: وما أحسن ما قال النابغة الذبياني «٦» للنعمان بن المنذر «٧» :
стр. 16
فمن أطاعك فانفعه لطاعته ... كما أطاعك وأدلله على الرّشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد «١»
والضمد بفتح الضاد المعجمة والميم الحقد. وكان قتله في شعبان سنة ست أو سبع وثلاثين ومائة. قال ابن خلكان وغيره: وكان أبو مسلم قد سمع الحديث وروي عنه، وأنه خطب يوما فقام إليه رجل فقال ما هذا السواد الذي أراه عليك؟ فقال أبو مسلم: حدثني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه عمامة سوداء، وهذه ثياب الهيبة وثياب الدولة. يا غلام اضرب عنقه. قلت: حديث جابر هذا في صحيح مسلم قال ابن الرفعة: وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ صعد المنبر، وعلى رأسه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه، وهو أيضا في صحيح مسلم «٢» . قال ابن الرفعة: ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة السواد اهـ.
قيل: أحصي من قتله أبو مسلم صبرا وفي حروبه، فكانوا ستمائة ألف واختلف في نسبه فقيل من العرب، وقيل من العجم، وقيل من الأكراد، وروي «٣» أنه قيل لعبد الله بن المبارك ﵀: أبو مسلم خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيرا من أحد ولكن كان الحجاج شرا منه اهـ. وكان أبو مسلم فصيحا عالما بالأمور ولم يرقط مازحا ولم يظهر عليه سرور ولا غضب، ولا يأتي النساء إلّا مرّة في السنة، وكان يقول: الجماع جنون ويكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة واحدة، وروي أنه قيل لأبي مسلم: ما كان سبب خروج الدولة عن بني أمية؟ قال:
لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم، وادنوا أعداءهم تألفا لهم، فلم يصر العدو صديقا بالدنو، وصار الصديق عدوا بالإبعاد. وكان أبو مسلم مميت دولة بني أمية، ومحيي دولة بني العباس.
وذكر ابن الأثير وغيره أن أبا جعفر المنصور لما حاصر ابن هبيرة قال: إن ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء. فبلغ ذلك ابن هبيرة، فأرسل إليه أنت القائل كذا وكذا فابرز إلي لترى.
فأرسل إليه المنصور: ما أجد لي ولك مثلا في ذلك إلا كأسد لقي خنزيرا فقال له الخنزير: بارزني فقال له الأسد: ما أنت لي بكفء فإن نالني منك سوء كان ذلك عارا علي وإن قتلتك قتلت خنزيرا فلم أحصل على حمد، ولا في قتلي لك فخر. فقال له الخنزير: إن لم تبارزني لأعرفن السباع، إنك جبنت عني. فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر من تلطخ راحتي بدمك.
(الحكم) : قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود والجمهور: يحرم أكل الأسد لما روى «٤» مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام» . قال أصحابنا:
المراد بذي الناب ما يتقوى بنابه ويصطاد. وفي الحاوي للماوردي قال: الشافعي:
стр. 17
إنه ما قويت أنيابه فعدا بها على الحيوان طالبا غير مطلوب، فكان عدوه بأنيابه علة تحريمه. وقال أبو إسحاق المروزي: هو ما كان عيشه بأنيابه فإن ذلك علة تحريمه. وقال أبو حنيفة:
هو ما افترس بأنيابه وإن لم يبتدىء بالعدو، وإن عاش بغير أنيابه فهذه ثلاث علل: أعمها علة أبي حنيفة، وأوسطها علة الشافعي، وأخصها علة المروزي، فعلى العلتين الأوليين، يحل الضبع لأنه يتناوم حتى يصطاد، وتحل السنانير على قول الشافعي لأنها لم تتقو بأنيابها، وتكون مطلوبة لضعفها، لكن قد صحح الأصحاب تحريمها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، في باب السين المهملة. ويحل ابن آوى على ما علله الإمام الشافعي لأنه لا يبتدىء بالعدو، ويحرم على ما علله المروزي لأنه يعيش بنابه، وهذا هو الأصح كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وقال مالك: يكره أكل كل ذي ناب من السباع ولا يحرم، واحتج بقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
الآية «١» . واحتج أصحابنا بالحديث المذكور، قالوا: والآية ليس فيها إلّا الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرما إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع فوجب قبوله والعمل به. قال الشافعي ﵁: ولأن العرب لم تأكل أسدا ولا ذئبا ولا كلبا ولا نمرا ولا دبا، ولا كانت تأكل الفأر ولا العقارب ولا الحيات ولا الحدأ ولا الغربان ولا الرخم ولا البغاث ولا الصقور ولا الصوائد من الطير ولا الحشرات. وأما بيع الأسد فلا يصح لأنه لا ينتفع به وحرم الله أكل فريسته.
(الأمثال) : إنما كانت العرب أكثر أمثالها مضروبة بالبهائم، فلا يكادون يذمون ولا يمدحون إلّا بذلك لأنهم جعلوا مساكنهم بين السباع والأحناش والحشرات، فاستعملوا التمثيل بها لذلك. روى الإمام أحمد بإسناد حسن والحسن بن عبد الله العسكري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ ألف مثل، فلذلك ذكر العسكري في كتابه الأمثال ألف حديث مشتملة على ألف مثل من كلام النبي ﷺ فما يخص الأسد من ذلك أنهم قالوا: «أكرم من الأسد» «٢» «وأبخر من الأسد» «٣» وأكبر من الأسد و «أشجع من الأسد» «٤» و «أجرأ من الأسد» «٥» . وضربوا المثل بالخوف من الأسد. قال مجنون ليلى «٦» واسمه عامر بن قيس على خلاف فيه:
يقولون لي يوما وقد جئت حيهم ... وفي باطني نار يشب لهيبها «٧»
стр. 18
أما تختشي من أسدنا فأجبتهم ... هوى كل نفس أين حل حبيبها
وضربوا المثل أيضا بأسد الشرى وهو طريق بسلمى كثيرة الأسد، قال الفرزدق «١» :
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يشتبيلها «٢»
قيل: معنى يشتبيلها: يأخذ أولادها وينسب إلى الفرزدق مكرمة يرجى له بها الجنة، وهي أنه لما حج هشام بن عبد الملك، في أيام أبيه، طاف بالبيت، وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه فلم يقدر على ذلك، لكثرة الزحام، فنصب له كرسي وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشأم، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم، وكان من أجمل الناس وجها، وأطيبهم أرجا فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشأم، وكان الفرزدق حاضرا فقال أنا أعرفه: فقال الشامي من هو يا أبا الفوارس؟ فقال «٣» الفرزدق:
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقيّ الطاهر العلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
ينشق نور الهدى من نور غرّته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشّيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله شرّفه قدما وعظّمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم
وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما ... يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
حمال أثقال أقوام إذا اقترحوا ... حلوا الشمائل يحلو عنده نعم
ما قال لاقط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم
عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغيابة والإملاق والعدم
стр. 19
من معشر حبهم دين وبغضهمو ... كفر وقربهمو منجى ومعتصم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهمو قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهم ... سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
مقدم بعد ذكر الله ذكرهمو ... في كل بدء ومختوم به الكلم
أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أوله نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
فغضب هشام على الفرزدق، وأمر بحبسه، فأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردّهاد وقال: مدحته لله تعالى لا للعطاء؛ فأرسل إليه زين العابدين وقال له: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده، والله يعلم نيتك ويثيبك عليها فشكر الله لك سعيك، فلما بلغته الرسالة قبلها.
والفرزدق، اسمه همام بن غالب، والفرزدق لقب غلب عليه، والفرزدق قطع العجين، الواحدة فرزدقة وإنما لقب به لأنه أصابه جدري وبرىء منه فبقي وجهه جهما محمرا منتفخا، وقيل لقب به لغلظه وقصره. وقال ابن خلكان ومحمد بن سفيان: أحد أجداد الفرزدق هو أحد الثلاثة الذي سموا بمحمد في الجاهلية، فإنه لا يعرف أحد سمي بهذا الإسم قبله ﷺ إلّا ثلاثة كان آباؤهم قد وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم من الكتاب الأول فأخبرهم بمبعث النبي ﷺ وباسمه، وكان كل منهم قد خلف زوجته حاملا، فنذر كل منهم إن ولد له ذكر، أن يسميه محمدا، ففعلوا ذلك. وهم محمد بن سفيان بن مجاشع جد الفرزدق، والآخر محمد بن أحيحة بن الجلاح أخو عبد المطلب لأمه، والآخر محمد بن حمران بن ربيعة وأما أحمد فلم يتسم به أحد قبله ﷺ .
فائدة: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا الليث قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال «١» : «لما حمل نوح ﵇، في السفينة، من كل زوجين اثنين، قال له أصحابه: وكيف نطمئن أو تطمئن مواشينا ومعنا الأسد؟. فسلط الله عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت في الأرض، فهو لا يزال محموما. ثم شكوا الفأرة، فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا وشرابنا ومتاعنا، فأوحى الله تعالى إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها» . وهذا مرسل.
وفي الحلية لأبي نعيم في ترجمة وهب بن منبه أنه قال لما أمر نوح ﵇، أن يحمل من كل زوجين اثنين قال يا رب كيف أصنع بالأسد والبقر؟ وكيف أصنع بالعناق «٢» والذئب؟ وكيف
стр. 20
أصنع بالحمام والثعلب؟ فأوحى الله تعالى إليه: «من ألقى بينهم العداوة؟ فقال: أنت يا رب. قال فإني أؤلف بينهم فلا يتضررون» .
الخواص: قال عبد الملك بن زهير، صاحب الخواص المجربة: من لطخ بشحم الأسد جميع بدنه، هربت منه السباع، ولم ينله منها مكروه، وصوته يقتل التماسيح إذا سمعته ومرارة الذكر منه تحل المعقود عن النساء، إذا سقي منها في بيضة في مستهل الشهر، ومن علق عليه قطعة من جلده بشعرها أبرأته من الصرع، قبل البلوغ، فإن كان الصرع قد أصابه بعده، لم تنفعه. وإذا أحرق من شعره في مكان، هربت منه سائر السباع، ولحمه ينفع من الفالج وإذا وضعت قطعة من جلده، في صندوق مع ثياب، لم يصبها السوس ولا الأرضة، وسنه إذا استصحبها إنسان معه، أمن من وجع الأسنان، وشحمه إذا طلي به اليدان والرجلان، أمنت من مضرة البرد وإذا طلي به البدن لم يقر به القمل وذنبه إذا استصحبه إنسان لا تؤثر فيه حيلة محتال، وقال هرمس:
الجلوس على جلد الأسد يذهب البواسير والنقرس. قال: ومن أخذ من شحم جبهته وذوبه بدهن ورد، ومسح به وجهه، هابه الملوك وجميع الناس. وقال الطبري: الاكتحال بمرارة الأسد يحد البصر. قال: ومرارة الأسد إذا سقي منها وزن دانق لليرقان، بماء برز قطونا ونعنع نفع نفعا بينا وخصيته إذا ملحت ببورق أحمر ومصطكى، وجفّفت وسحقت، وخلطت بسويق وشربت، نفعت من جميع الأوجاع التي في الجوف مثل المغص والقولنج والبواسير والزحير ووجع الأرحام، وتشرب بماء حار على الريق. ودماغ الأسد يداف بزيت عتيق، ويدهن به الاختلاج والارتعاش، يذهبهما ومن دهن وجهه، وجميع بدنه بشحم الأسد، ذهب عنه الكسل والكلف وكل عيب يكون في الوجه. وزبله إذا جفف وخلط به الدلوك الذي يتدلك به، نفع من البهق الظاهر، وهو نافع لذلك جدا. وإن سقي منه أي من زبله إنسان لا يصبر عن الخمر ولا يعلم به وزن دانق، ابغضه حتى لا يشربه ولا يشتهي أن يراه ومرارته تداف بالعسل، ويجعل منها على الخنازير تزول.
وشحمه إذا دق بالثوم وطلى به إنسان جسده لم تقربه السباع والله أعلم.
التعبير: الأسد في المنام سلطان شديد البطش والبأس، ظالم غاشم مجاهر، متسلط بجرأته، لا يأمنه صديق ولا عدو، ويعبر أيضا بعدو مسلط، وربما دل على الموت، لأنه يقبض الأرواح، وربما دلت رؤيته على عافية المريض، فمن رأى أسدا من حيث لا يراه وهرب منه الرائي، فإنه ينجو مما يخاف، وينال حكما وعلما، لقوله «١» : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
. فإن كان قد استقبله وهرب منه، نال هما من ذي سلطان، ثم ينجو من الهلاك والمرض. ومن رأى أن أسدا صرعه ولم يقتله، فإنه يحم حمى دائمة لأن الأسد لا تفارقه الحمى كما تقدم أو يسجن، لأن الحمى سجن المؤمن، وربما دلت مصارعته على المرض.
ومن رأى أنه أخذ شيئا من شعره أو عظمه أو لحمه، نال مالا من سلطان، أو من عدوّ. ومن رأى أنه ركب أسدا وهو يخافه، فإنه يقع في بلية، فإن كان لا يخافه قهر عدوّا فإن ضاجعه وهو لا يخافه أمن من عدوّه. ومن رأى أسدا يثب على الناس، فإن السلطان يظلم رعيته. ومن رأى أنه أكل
стр. 21
رأس أسد، نال ملكا ومن رأى أنه يرعى أسدا فإنه يؤاخي ملكا ظالما. ومن رأى أنه أخذ جرو أسد في حجره، فإن امرأته تضع غلاما، إن كانت حاملا، وإلّا فإنه يحمل ولد أمير في حجره، كما عبره ابن سيرين ﵀. ومن رأى أن أسدا قد زاره فإنه يمرض. ومن رأى أن الأسد قد قتله، فإن كان عبدا فإنه يعتق، وإلّا حصل له خوف من سلطان. وصوت الأسد يدل على تهدد من سلطان. ومن رأى أن أسدا يتملق له، جرى على يديه أمور عجيبة وربما دل على قهر عدوّ والله أعلم.
تتمة: قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: لو يعلم الناس، ما في علم الكلام، من الأهواء لفروا منه، فرارهم من الأسد. قال في الإحياء: فإن قلت تعلم الجدال والكلام مذموم كتعلم النجوم، أو هو مباح أو مندوب إليه، فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا، فمن قائل إنه بدعة وحرام، وإن العبد إن لقي الله تعالى بكل ذنب سوى الشرك، خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنه واجب وفرض: إما على الكفاية، أو فرض عين وإنه من أفضل الأعمال، وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال عن دين الله تعالى.
وممن ذهب إلى التحريم الشافعي ومالك والإمام أحمد وسفيان وأهل الحديث قاطبة، قال ابن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظر حفصا الفرد، وكان من متكلمي المعتزلة يقول: لأن يلقى الله ﵎ العبد، بكل ذنب، ما خلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام. وقال أيضا: قد اطلعت لأهل الكلام، على شيء ما ظننته قط، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام. وحكى الكرابيسي أن الشافعي سئل عن شيء من الكلام فغضب وقال: يسأل عن هذا حفص الفرد وأصحابه أخزاهم الله. ولما مرض الشافعي ﵁ دخل عليه حفص الفرد، فقال له من أنا؟ فقال: أنت حفص الفرد لا حفظك الله ولا رعاك، حتى تتوب مما أنت فيه. وقال أيضا: إذا سمعت الرجل يقول: الإسم هو المسمى، أو غير المسمى، فأشهد أنه من أهل الكلام ولا دين له، وقال أيضا حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر، والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد ﵀: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا ينظر في الكلام إلا وفي قلبه مرض وبالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي، مع زهده وورعه، لتصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة، وقال له: ويحك ألست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم؟ ألست تحمل الناس، بتصنيفك على مطالعة كلام أهل البدعة، والتفكير فيه، فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟ وقال أحمد أيضا: علماء الكلام زنادقة. وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء. قال بعض أصحابه في تأويل ذلك: إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام، على أي مذهب كانوا. وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق. وقد اتفق أهل الحديث من السّلف على هذا، ولا يحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه.
وأما الفرقة الأخرى، فاحتجوا بأن المحظور من الكلام، إن كان هو لفظ الجوهر والعرض، وهذه الاصطلاحات الغريبة، التي لم يعهدها الصحابة ﵃ فالأمر في ذلك قريب، إذ
стр. 22
ما من علم، إلا وقد أحدث فيه اصطلاحات، لأجل التفهيم، كالحديث والتفسير، وتصنيف الفقه، من موضع الصور النادرة التي لا تتفق، إلا على الندور إما إدخارا ليوم وقوعها. وإن كان نادرا أو تشحيذا للخاطر فنحن أيضا نرتب طريق المحاجة لتوقع الحاجة بثوران شبهة، أو هيجان مبتدع، أو لتشحيذ الخاطر، أو لإدخار الحجة، حتى لا يعجز عنها عند الحاجة إليها على البديهة والارتجال، كمن يعد السلاح قبل القتال ليوم القتال. قال: فإن قلت فما المختار فيه عندك؟ فاعلم أن الحق فيه: أن إطلاق القول بذمه في كل حال، أو بمدحه في كل حال خطأ، بل لا بد فيه من التفصيل: فاعلم أوّلا أن الشيء قد يحرم لذاته، كالخمر والميتة وأعني بقولي لذاته أن علة تحريمه وصف في ذاته وهو الإسكار والموت، وهذا إذا سئلنا عنه، أطلقنا القول بأنه حرام، ولا يلتفت إلى إباحة الميتة عند الاضطرار وإباحة تجرع الخمر لإساغة ما يغص به الإنسان من الطعام، إذا لم يجد ما يسيغه به سوى الخمر وقد يحرم لغيره كالبيع على بيع أخيك المسلم، في وقت الخيار، والبيع وقت النداء، وكآكل الطين، فإنه يحرم لما فيه من الأضرار. وهذا ينقسم إلى ما يضر قليله وكثيره، فيطلق القول عليه بأنه حرام كالسم الذي يقتل قليله وكثيره، وإلى ما يضر عند الكثرة، فيطلق القول عليه بالإباحة، كالعسل فإن كثرته تضر بالمحرور، وكآكل الطين، وكان إطلاق التحريم على الخمر، والتحليل على العسل، التفات إلى أغلب الأحوال، فإن تصدى لشيء تقابلت فيه الأحوال، فالأولى أن نفصل فنرجع إلى علم الكلام، ونقول: إن فيه منفعة، وفيه مضرة، فهو باعتبار منفعته، في وقت الانتفاع حلال، أو مندوب إليه، أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته، في وقت الإضرار، حرام. فأما مضرته فإثارة الشبهات، وتحريك العقائد، وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل في حالة الابتداء ورجوعها بالدليل مشكوك فيه وتختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في الاعتقاد، وله ضرر أيضا في تأكيد اعتقاد المبتدعة للبدعة، وتثبيته في صدورهم، بحيث تنبعث دعاويهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر، يحصل بواسطة التعصب، الذي يثور من الجدل.
وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق، ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات هيهات، بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة على العوام، وحفظها عن تشويشات المبتدعة، بأنواع الجدل إذ العامي ضعيف، يستفزه جدل المبتدع، والناس متعبدون بصحة العقيدة، التي أجمع السلف عليها، والعلماء متعبدون بحفظ ذلك على العوام، من تلبيسات المبتدعة، وهو من فروض الكفاية، كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق: كالقضاء والولاية وغيرهما، وما لم تستعد العلماء لنشر ذلك، والتدريس فيه، والبحث عنه، لا يدوم ولو ترك بالكلية، لا ندرس. وليس في مجرد الطباع كفاية لحل شبه المبتدعة، ما لم يتعلم فينبغي أن يكون التدريس فيه أيضا، من فروض الكفاية، لكن ليس من الصواب تدريسه على العوام، كتدريس الفقه والتفسير، فإن هذا مثل الدواء، والفقه مثل الغذاء، وضرر الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور، فإن قيل: قد جعل جماعة التوحيد عبارة عن صناعة الكلام، ومعرفة طريق المجادلة، والإحاطة بمناقضات الخصوم، والقدرة على التشدق فيها، بكثرة الأسئلة، وإثارة الشبهات، وتأليف الإلزامات، حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد. فاعلم أن التوحيد، عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر
стр. 23
المتكلمين وإن فهموه، لم يتصفوا به، وهو أن ترى الأمور كلها، من الله رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فلا ترى الخير والشر إلا منه ﵎.
وهذا مقام شريف، فالتوحيد جوهر نفيس، له قشران: أحدهما أبعد عن اللب من الآخر، وهو أن تقول بلسانك: لا إله إلا الله، وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث، الذي تصرح به النصارى. لكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره. وأما القشر الثاني فأن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل يشتمل القلب على اعتقاد ذلك والتصديق به، وهذا توحيد عوام الخلق والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة، فخصص الناس الاسم بهذين القشرين، وتركوا لبابهما وأهملوه بالكلية. واللباب هو التوحيد المحض، وهو أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، وأن تعبده عبادة تفرده بها فلا تعبد غيره واتباع الهوى يخرج عن هذا التوحيد؛ فكل متبع هواه، قد اتخذ هواه معبوده. قال «١» الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
. وقال «٢» ﷺ : «أبغض إله عبد في الأرض عند الله هو الهوى» . وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم إنما يعبد هواه، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه، فيتبع ذلك الميل. وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى ويخرج عن هذا التوحيد السخط على الخلق والالتفات إليهم. فإن من يرى الكل، من الله تعالى، كيف يسخط على غيره، فالتوحيد عبارة عن هذا المقام، وهو من مقامات الصديقين. فانظر إلى ماذا حول وبأي قشر قنع فالموحّد هو الذي لا يرى إلّا الواحد، ولا يتوجّه وجهه إلا إليه، أي يكون قلبه متوجها إلى الله تعالى على الخصوص. اهـ.
وقد تكلمت على هذا المقام في كتابنا الجوهر الفريد في علم التوحيد، بكلام يشفي النفس، ويزيل اللبس، وهو كلام طويل مشبع، جمعت فيه غالب أقوال الصحابة والعلماء، فليراجع وهو في الجزء الثامن، من الباب الخامس، من كتاب التوحيد فليراجع.
واعلم أنه قد تقدم أن تعلم علم النجوم مذموم. فنقول قد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا» .
وقال «٣» ﷺ : «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: حيف الأئمة، والإيمان بالنجوم والتكذيب بالقدر» .
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البحر والبر ثم أمسكوا» وإنما زجر عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها أنه مضر بأكثر الخلق، فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عقب سير الكواكب، وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة، وأنها الآلهة المدبرة، لأنها جواهر شريفة سماوية يعظم وقعها في القلوب، فيبقى القلب ملتفتا إليها، ويرى الشر والخير محذورا من جهتها،
стр. 24
ومرجوا منها، وينمحي ذكر الله تعالى من القلب، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط، والعالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس، والقمر، والنجوم، مسخرات بأمره .
الوجه الثاني: إن أحكام النجوم تخمين محض، وليس يدرك في حق آحاد الأشخاص، لا يقينا ولا ظنا فالحكم به حكم بجهل، فيكون ذمه على هذا من حيث إنه جهل، لا من حيث إنه علم. وقد كان ذلك علما لإدريس ﵇ فيما يحكى، وقد اندرس ذلك العلم وانمحق وما يتفق من إصابة المنجم على ندور فهو اتفاق، لأنه قد يطلع على بعض الأسباب، ولا يحصل المسبب عقبها إلا بعد شروط كثيرة، ليس في قدرة البشر الاطلاع عليها. فإن اتفق أن قدر الله تعالى بقية الأسباب، وقعت الإصابة. وإن لم يقدر أخطأ. ويكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر اليوم، مهما رأى الغيم يجتمع، وينبعث من الجبال، فيتحرك ظنه بذلك وربما يحمى النهار بالشمس، ويتبدد الغيم وربما يكون بخلافه، فإن مجرد الغيم ليس كافيا في مجيء المطر، وبقية الأسباب لا تدرى. وكذلك تخمين الملاح، أن السفينة تسلم، اعتمادا على ما ألفه من العادة في الرياح، ولتلك الرياح أسباب خفية، لا يطلع عليها الملاح، فتارة يصيب في تخمينه، وتارة يخطىء. ولهذه العلة يمنع القوم عن النجوم.
الوجه الثالث أنه لا فائدة فيه، فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا يعني، وتضييع للعمر الذي هو أنفس بضائع الإنسان بغير فائدة، وغايته الخسران، فقد مرّ رسول الله ﷺ برجل، والناس مجتمعون عليه، فقال: «ما هذا» ؟ قالوا: رجل علّامة فقال: بماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب. فقال: «علم لا ينفع، وجهل لا يضر» وقال «١» ﷺ : «إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة» فإذا الخوض في النجوم إنما يشبه اقتحام خطر وخوض جهالة من غير فائدة فإن ما قدر كائن، والاحتراز غير ممكن، بخلاف الطب، فإن الحاجة إليه ماسّة، وأكثر أدلته مما يطلع عليه، وبخلاف التعبير، وإن كان تخمينا لأنه جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ولا خطر فيه. ولذلك أكثرنا في كتابنا هذا من النقل من هذين العلمين لضرورة الحاجة إليهما، ولقلة الخطأ فيهما لإمكان الاطلاع على أكثر أدلتهما، والله الموفق للصواب.
الإبل
: بكسر الباء الموحدة، وقد تسكن للتخفيف: الجمال وهو اسم واحد يقع على الجمع، وليس بجمع، ولا اسم جمع، إنما هو دال على الجنس، كذا قاله ابن سيده. وقال الجوهري: ليس لها واحد من لفظها وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع، التي لا واحد لها من لفظها إذا كالنت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها أدخلت عليها الهاء فقلت: أبيلة وغنيمة ونحو ذلك، وربما قالوا للإبل: إبل بإسكان الباء كما تقدم، والجمع آبال والنسبة إبلي بفتح الباء.
روى ابن ماجه، عن عروة البارقي ﵁ أن النبي ﷺ «٢» قال: «الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة» وفي حديث وهب «تأبل آدم على ابنه المقتول
стр. 25
كذا وكذا عاما لم يصب حوّاء أي امتنع من غشيانها أعواما، وتوحش عنها. ويقال للإبل بنات الليل، ويقال للذكر والأنثى منها بعير إذا أجذع ويجمع على: أبعرة وبعران والشارف: الناقة المسنة وجمعها شرف والعوامل: الإبل ذوات السنامين. والإبل من الحيوانات العجيبة وإن كان عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم لها، وهو أنها حيوان عظيم الجسم، سريع الانقياد، ينهض بالحمل الثقيل، ويبرك به، وتأخذ زمامه فأرة فتذهب به إلى حيث شاءت، ويتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان فيه، مع مأكوله ومشروبه وملبوسه وظروفه ووسائده، كأنه في بيته ويتخذ للبيت سقف وهو يمشي بكل هذه. ولهذا قال «١» تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ.
وقد جعلها الله تعالى طوال الأعناق لتثور بالأثقال، وعن بعض الحكماء، أنه حدث عن الإبل وعن بديع خلقها وكان قد نشأ بأرض لا إبل فيها، ففكر ساعة ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وحيث أراد الله تعالى بها أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش، حتى إن ظمأها ليرتفع إلى العشر. وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز، مما يرعاه سائر البهائم. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: لقيت شريحا القاضي ذاهبا فقلت له: أين تريد؟
فقال: أريد الكناسة. فقلت: وما تصنع بالكناسة قال: انظر إلى الإبل كيف خلقت. وقال «٢» تعالى: عَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ*
قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفن البر قال ذو الرّمة «٣» :
سفينة بر تحت خدي زمامها.
يريد صيدح التي يخاطبها بقوله:
سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا
وصيدح اسم ناقته. وهذا البيت أنشده سيبويه «٤» ورواه برفع الناس على الحكاية، أي:
سمعت هذه الكلمة. ورواه غيره بالنصب، وكل له وجه. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الصيدح في باب الصاد المهملة. وربما تصبر الإبل عن الماء عشرة أيام وإنما جعل الله تعالى أعناقها طوالا، لتستعين بها على النهوض، بالحمل الثقيل، وفي الحديث: «لا تسبوا الإبل فإن فيها رقوء الدم، ومهر الكريمة» . أي أنها تعطى في الديات فتحقن بها الدماء وتمنع من أن يهراق دم القاتل. هذه عبارة الفصيح وفي الحديث لا تسبوا الإبل فإنها من نفس الله تعالى أي مما يوسع الله تعالى به على الناس حكاه ابن سيده. والذي نعرفه «لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن جل وعلا «٥» » وفي
стр. 26
الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ «١» قال: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها» . وفيهما عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إنما مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها على عقلها أمسكها، وإن أغفلها ذهبت، إذا قام صاحب القرآن بقراءته بالليل والنهار، ذكره وإذا لم يقرأه نسيه» . «٢»
وفيهما عنه أيضا أن النبي ﷺ قال «٣» : «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» . وسيأتي بيان معناه إن شاء الله تعالى في باب الراء المهملة في لفظ الراحلة.
والإبل أنواع: الأرحبية منسوبة إلى بني أرحب من همدان. وقال ابن الصلاح: إنها من إبل اليمن والشذقية إبل منسوبة إلى شذقم، وهو فحل كريم كان للنعمان بن المنذر، والعيدية بكسر العين المهملة، إبل منسوبة إلى بني العيد وهم فخذ من بني مهرة، قاله صاحب الكفاية. والمجدية إبل باليمن منسوبة إلى المجد وهو الشر. والشدنية إبل منسوبة إلى فحل أو بلد قاله في الكفاية.
والمهرية إبل منسوبة إلى مهرة بن حيدان وهو أبو قبيلة والجمع المهاري، قاله ابن الصلاح «٤» . وما قاله الغزالي من أن المهرية هي الرديئة من الإبل، ليس كذلك ومنها إبل وحشية تسمى إبل الوحش، يقولون إنها بقايا إبل عاد وثمود. ومن لقب الإبل العيس وهي الشديدة الصلبة والشملال وهي الخفيفة واليعملة وهي التي تعمل والوجناء وهي الشديدة أيضا، والناجية وهي السريعة، والعوجاء وهي الضامرة، والشمردلة وهي الطويلة، والهجان وهي الإبل الكريمة، والكوماء بضم الكاف وهي الناقة العظيمة السنام والحرف وهي الناقة الضامرة قال كعب بن زهير «٥» .
حرف أبوها أخوها من مهجّنة ... وعمها خالها قوداء شمليل «٦»
والقوداء الطويلة العنق، والشمليل السريعة، وقوله: من مهجنة أي من إبل كرام هجان.
وقوله: أبوها أخوها أي إنها من جنس واحد في الكرم، وقيل: إنها من فحل حمل على أمه فجاءت بهذه الناقة فهو أبوها وأخوها، وكانت الناقة التي هي أم هذه بنت أخرى من الفحل الأكبر فعمها خالها على هذا، وهو عندهم من أكرم النتاج. والقول الأول ذكره أبو علي القالي عن أبي سعيد ومما يستحسن ويستجاد من كلام كعب ﵁ قوله «٧» :
стр. 27
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
قال أصحاب الكلام: في طبائع الحيوان ليس لشيء من الفحول، مثل ما للجمل عند هيجانه إذ يسوء خلقه، ويظهر زبده ورغاؤه فلو حمل عليه ثلاثة أضعاف عادته حمل ويقل أكله، ويخرج الشقشقة وهي الجلدة الحمراء التي يخرجها من جوفه، وينفخ فيها فتظهر من شدقه لا يعرف ما هي. قال الليث: ولا تكون إلا لعربي: وفيه نظر قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «إن الخطب من شقاشق الشيطان» . شبّه الفصيح المنطيق بالفحل الهادر، ولسانه بشقشقته.
وروى الحاكم في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أن النبي ﷺ قال «١» لها: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فإني أخاف عليك من شقاشقه» .
والفحل لا ينزو إلا مرّة واحدة في السنة، ويطول فيها مكثه، وينزل فيها مرارا كثيرة، ولذلك يعقبه فتور ووهن والأنثى تلقح إذا مضى لها ثلاث سنين، ولذلك سميت حقة لأنها استحقت ذلك قالوا: والجمل أشد الحيوان حقدا، وفي طبعه الصبر والصولة. وذكر صاحب المنطق أنه لا ينزو على أمه. قال: وقد كان رجل في سالف الدهر ستر ناقة بثوب، ثم أرسل ولدها عليها، فلما عرف ذلك قطع ذكره، ثم حقد على الرجل حتى قتله. وآخر فعل مثل ذلك فلما عرف أنها أمه قتل نفسه. وكل الحيوان له مرارة إلا الإبل، ولذلك كثر صبرها وانقادت وكني الجمل بأبي أيوب. وإنما يوجد على كبدها شيء يشبه المرارة وهي جلدة فيها لعاب يكتحل به ينفع من العشاء العتيق. ومن طبعها أنها تستطيب الشجر الذي له شوك وتهضمه أمعاؤها، ولا تستطيع في غالب الأوقات أن تهضم الشعير. ومن عجيب ما ذهبت إليه العرب أنها إذا أصاب إبلها العرّ كووا السليم ليشفى العليل. وفي هذا المعنى قال «٢» النابغة:
وحملتني ذنب امرىء وتركته ... كذا العر يكوي غيره وهو راتع
وأخذ منه غيره فقال:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم
وأنكر أبو عبيد القاسم بن سلام ذلك.
وروى الجماعة من حديث أبي هريرة ﵁، قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود فقال له النبي ﷺ : «هل لك من إبل» ؟
قال: نعم فما ألوانها؟ قال: حمر. قال ﷺ : «هل فيها من أورق» ؟ قال: إن فيها لورقا. قال: هو
стр. 28
ذاك. قال: فأنى أتاها ذلك قال «١» ﷺ «عسى أن يكون نزعه عرق» .
وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث في الكلام على لفظ الأسد وإنما قال ﷺ : «عسى أن يكون نزعه عرق» ولم يرخص له النبي ﷺ في الانتفاء عنه.
والرجل المذكور في هذا الحديث: ضمضم بن قتادة العجلي، ولم يذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب وليس له سوى هذا الحديث، وهو مسمى في بعض المسندات. وذكره عبد الغني في الحديث بزيادة حسنة فقال «٢» فقال: «كانت المرأة من بني عجل، فقدم المدينة عجائز من بني عجل، فسئلن عن المرأة التي ولدت الغلام الأسود فقلن: كان في آبائها رجل أسود» . قال: والرجل اسمه ضمضم بن قتادة العجلي. وقال الخطيب أبو بكر: قلن: كان للمرأة جدة سوداء.
والحكم: يحل أكل الإبل بالنص والإجماع. قال «٣» الله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
وأما تحريم إسرائيل، وهو يعقوب ﵇ على نفسه أكل لحوم الإبل، وشرب ألبانها، فكان ذلك باجتهاد منه على الصحيح. والسبب في ذلك أنه كان يسكن البدو فاشتكى عرق النساء، فلم يجد شيئا يؤلمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرمهما. وإسرائيل لفظة عبرانية.
وقد اختلف العلماء في انتقاض الوضوء بأكل لحومها: فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل لحومها، وذهب الباقون إلى أنه ينتقض الوضوء به. فمن ذهب إلى الأول: الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة الأنصاري وأبو أمامة الباهلي وعامر بن ربيعة ﵃، وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم ﵏. وممن ذهب إلى انتقاض الوضوء به: أحمد وإسحق بن راهويه ويحيى بن يحيى وابن المنذر وابن خزيمة واختاره البيهقي من أصحاب الشافعي، وهو قول الشافعي القديم، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر دليله في باب الجيم في الجزور.
وعن أحمد في أكل سنامها روايتان، ولأصحابه في شرب ألبانها وجهان. وتكره الصلاة في أعطانها وهي الأمكنة التي تأوي إليها بعد الشرب. روى أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: «توضأوا منها» »
وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: «لا تتوضؤا منها «٥» » . وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال «٦» : «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها مأوى الشياطين» وسئل عن
стр. 29
الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: «صلوا فيها فإنها مباركة «١» » وروى النسائي وابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الإبل خلقت من الشياطين «٢» » .
وأما زكاتها فالواجب في كل خمس منها سائمة شاة، وفي عشر شاتان وفي خمسة عشر ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، ثم في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة، وفي إحدى وستين جذعة، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وبنت المخاض لها سنة، وبنت اللبون لها سنتان، والحقة لها ثلاث سنين، والجذعة لها أربع سنين، والشاة الواجبة لها جذعة ضأن وهي ما لها سنة، أو ثنية معز وهي ما لها سنتان، وبقية أحكام الزكاة معروفة.
تتمة: قال المتولي إذا أوصي لشخص بإبل، جاز أن يعطى ذكرا أو أنثى، فإن أعطي فصيلا أو ابن مخاض لم يلزمه قبوله لأنه لا يسمى إبلا.
الأمثال: روى مسلم والترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال:
«الناس كإبل مائة، ليس فيها راحلة «٣» » يعني أن المرضى من الناس قليل وسيأتي معناه إن شاء الله تعالى في باب الراء المهملة في الراحلة. وقال الأزهري: معناه أن الزاهد في الدنيا الكامل في الزهد فيها والرغبة في الآخرة قليل، كقلة الراحلة في الإبل. وقالوا: أشبعهم سبا وراحوا بالإبل قيل:
أول من قاله كعب بن زهير بن أبي سلمى يضرب لمن لم يكن عنده إلا الكلام وقالوا: «ما هكذا يا سعد تورد الإبل» يضرب لمن تكلف أمرا لا يحسنه. وتمثل بذلك علي ﵁ في حديث رواه البيهقي وغيره. وقالوا «يا إبل عودي إلى مباركك «٤» » . يضرب لمن يفر من الشيء الذي لا بد منه.
الخواص: قال ابن زهير وغيره: إذا وقع بصر الجمل على سهيل مات لوقته. ولحوم الإبل والكباش الحولية الجبلية رديئة كلها، وإذا أحرق وبر الإبل وذر على الدم السائل قطعه. وقراده يربط في كم العاشق فيزول عشقه وإذا شرب السكران من بول الجمل أفاق من ساعته، ولحمه يزيد في الباه والأنعاظ بعد الجماع. وبول الإبل ينفع من ورم الكبد ويزيد في الباه، ومخ ساق الجمل إذا تحملت به المرأة في قطنة أو صوفة بعد الطهر ثلاثة أيام وجومعت فإنها تحمل وإن كانت عاقرا. وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا في الكلام على لفظ الإنسان قاعدة ذكرها حذاق الأطباء تعرف بها العاقر من النساء.
التعبير: قال أهل التعبير من رأى أنه ملك منها هجمة في منامه فإنه يدل على أنه يحكم على جماعة ذوي أقدار ويملك مالا طائلا. وكذلك إذا رأى أنه نال ثلة أو ثاغية أو راغية والهجمة مائة
стр. 30
من الإبل والثلة قطيع من الغنم والثاغية الشاة والراغية الإبل. قالوا: ومن رأى أنه ملك إبلا في منامه، نال عقبى حسنة وسلامة في دينه ومعتقده لقوله «١» تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
فإن قال: رأيت جمالا فربما دل على الأعمال السيئة لقوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
ولقوله «٢» تعالى: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ
وإن قال: رأيت انعاما وأنا أسرحها في المنام، فإنه يدل على تذلل الأمور الصعاب وظهور النعمة عليه لقوله «٣» تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ
، إلى قوله تسرحون. ومن رأى أنه يرعى إبلا عرابا ولي على قوم من الأعراب ومن رأى إبلا كثيرة في بلد فإنها تدل على أمراض وحروب. وقال الجيلي «٤» : من رأى أنه يملك إبلا نال مقدرة وسطوة. وقال أرطاميدوس:
من أكل لحم الإبل في منامه مرض. وقال محمد بن سيرين إمام المعبرين: ومن أعلام التابعين لا بأس بأكل لحم الإبل لقوله «٥» تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ.
وستأتي بقيته إن شاء الله تعالى في باب الجيم في لفظ الجمل والله أعلم.
الأبابيل
: واحدته ابالة وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا واحد لها من لفظها. وقيل:
واحدها أبول كعجول وقيل: إبيل كسكّيت. وقيل: إيبال كدينار، ودنانير، وذكر الفارسي أنه سمع في واحده ابالة بالتشديد. وحكى الفرّاء إبالة بالتخفيف. واختلفوا في قوله «٦» تعالى:
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ
فقال سعيد بن جبير: هي طير تعشش بين السماء والأرض وتفرخ، ولها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب وعن عكرمة أنها طيور خضر خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع. وقال ابن عباس ﵄ بعث الله الطير على أصحاب الفيل كالبلسان وقيل: كانت كالوطاويط. وقال عبادة بن الصامت: أظنا الزرازير.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها، هي أشبه شيء بالخطاطيف. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين أنها السنونو الذي يأوي الآن في المسجد الحرام الواحدة سنونة، والأبيل راهب النصارى وكانوا يسمون عيسى بن مريم ﵉ أبيل الأبيليين قال الشاعر:
أما ودماء مائرات تخالها ... على قنة العزى وبالنّسر عندما
وما سبح الرهبان في كل بيعة ... أبيل الأبيليين عيسى بن مريما
لقد ذاق منا عامر يوم لعلع ... حساما إذا ما هزّ بالكف صمما
والإبالة بالكسر الحزمة من الحطب. وفي المثل: «ضغث على إبالة «٧» أي بلية على أخرى كانت قبلها والله الموفق.
الأتان:
بفتح الهمزة وبالتاء المثناة فوق الحمارة، ولا تقل أتانة، ويقال ثلاث آتن مثل عناق
стр. 31
وأعنق، والكثير أتن وأتن. واستأتن الرجل أي اشترى أتانا، واتخذها لنفسه. قال محمد بن سلام: حدثني رجل من قريش قال: خرج خالد بن عبد الله القسري «١» يوما يتصيد، وهو أمير العراق فانفرد عن أصحابه فإذا هو بأعرابي على أتان له هزيل ومعه عجوز فقال له خالد ممن الرجل فقال من أهل المآثر والحسب والمفاخر قال: فأنت إذن من مضر فمن أيها أنت؟ قال من الطاعنين على الخيول، المعانقين عند النزول. قال: فأنت إذن من عامر، فمن أيها أنت؟ قال: من أهل الرفادة، والكرم والسيادة، قال فأنت إذن من جعفر، فمن أيها أنت؟ قال: من بدورها وشموسها وليوثها، في خميسها قال: فأنت إذن من الخواص. فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: تتابع السنين وقلة رفد الرافدين. قال فمن أردت بها؟ قال: أميركم هذا الذي رفعته أمرته وحطته أسرته. قال: فما أردت منه؟ قال: كثرة ماله لا كرم آبائه. قال: ما أراك إلا قد قلت فيه شعرا فقال لامرأته:
أنشديه، فقال:
كم تجشمنا مدح اللئيم ... ة اليوم إن مدح الئيم ذل
قال: أنشديه فأنشدته:
إليك ابن عبد الله بالجد أرقلت ... بنا البيدعيس كالقسي سواهم
عليها كرام من ذؤابة عامر ... أضربهم جدب السنين العوارم
يردن امرءا يعطي على الحمد ماله ... وهانت عليه في الثناء الدراهم
فإن تعط ما تهوى فهذا ثناؤنا ... وإن تكن الأخرى فما ثمّ لا ثم
فقال له خالد: يا عبد الله، ما أعجبك وشعرك، جئت على أتان هزيل، وتزعم إنك جئت على عيس؛ وقد ذكرت الرجل في شعرك، بخلاف ما ذكرت في كلامك. فقال: يا ابن أخي ما تجشمنا من مدح اللئيم، كان أشد من الكذب في شعرنا فقال له خالد: أتعرف خالدا؟ قال: لا قال: فأنا هو خالد. قال: أسألك بالله هو أنت خالد؟ قال إي والذي سألتني به أنا خالد، وأنا معطيك غير مكافئك، فقال: يا أم جحش اصرفي وجه أتانك فقال لها خالد: لا تفعلي وأقيمي أنت وزوجك فقال الرجل: لا والله لا رزأت امرءا درهما بعد أن أسمعته ما يكره، وصرف وجه أتانه ومضى. فقال خالد: بمثل هذا الفعل نال هذا وآباؤه ما نالوا.
وروى البيهقي عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من لبس الصوف، وحلب الشاة، وركب الأتن، فليس في جوفه من الكبر شيء» . وهو كذلك في الكامل في ترجمة عبد الرحمن بن عمار بن سعد.
وعن جابر وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «براءة من الكبر لباس الصوف ومجالسة فقراء المؤمنين وركوب الحمار واعتقال العنز وأكل أحدكم مع عياله» . وفي الاستيعاب وغيره أن زرارة بن عمرو النخعي قدم على رسول الله ﷺ في النصف من رجب سنة تسع «فقال:
стр. 32
يا رسول الله إني رأيت في طريقي رؤيا هالتني! قال: وما هي؟ قال: رأيت أتانا خلفتها في أهلي، قد ولدت جديا أسفع أحوى، ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي، يقال له عمرو، وهي تقول لظى لظى بصير وأعمى. فقال له النبي ﷺ : أخلفت في أهلك أمة مسرة حملا؟ قال: نعم قال ﷺ : فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك قال: فأنى له أسفع أحوى؟ قال: ادن مني، فدنا منه، فقال: أبك برص تكتمه؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيا ما علمه أحد قبلك.
قال: فهو ذاك وأما النار فإنها فتنة تكون بعدي. قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال ﷺ : يقتل الناس إمامهم، ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس، وخالف بين أصابعه، دم المؤمن عند المؤمن، أحلى من الماء، يحسب المسيء، أنه محسن، إن مت أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك. قال فادع الله لي أن لا تدركني فدعا له» . «١» وقد قال العلماء: إن هذه الفتنة هي التي قتل فيها عثمان رضي الله تعالى عنه. والأسفع الأحوى الأبلق.
الأمثال: قالوا: «كان حمارا فاستأتن «٢» » يضرب لمن يهون بعد العز.
التعبير: الحمارة امرأة معينة على المعيشة، كثيرة الخير، ذات ربح متواتر ونسل. ولفظ الأتان من الإتيان.
الأخطب:
كالأحمر يقال إنه الصرد وأنشد:
ولا أنثني من طيرة عن مريرة ... إذا الأخطب الداعي على الدوح صرصرا
والأخطب حمار يعلو ظهره خضرة، وقال الفراء: الخطباء الأتان التي لها خط أسود في ظهرها، والذكر أخطب.
الأخيضر
: ذباب أخضر على قدر الذباب الأسود قاله ابن سيده.
الأخيل:
طائر أخضر فيه على أجنحته لمع تخالف لونه وسمي بذلك لخيلان فيه. وقيل:
الأخيل
الشقراق الآتي في باب الشين المعجمة، وهو مشؤوم. ولفظه ينصرف في النكرة لا إذا سميت به ومنهم من لا يصرفه في معرفة ولا نكرة ويجعله في الأصل صفة من التخيل ويحتج بقول الشاعر:
ذريني وعلمي بالأمور وشيمتي ... فما طائري فيها عليك بأخيلا
الأربد:
ضرب من الحيات، يعض فيربد منه الوجه، ومنه ما حكاه عبد الملك بن عمير قال: رأيت زيادا «٣» واقفا على قبر المغيرة بن شعبة «٤» ﵁ وهو يقول:
стр. 33
إن تحت الأحجار حزما وعزما ... وخصيما ألد ذا معلاق
حيّة في الوجار أربد لا ين ... فع منه السليم نفث الراقي
ثم قال: أما والله لقد كنت شديد العداوة لمن عاديت، شديد الأخوة لمن آخيت، والمعلاق بالعين، المهملة قال الجوهري: يقال رجل ذو معلاق أي شديد الخصومة. ثم أنشد قول الشاعر وهو مهلهل «١» :
إن تحت الأحجار حزما وجودا ... وخصيما ألد ذا معلاق
الأرخ:
قال ابن درستويه «٢» هي الأنثى الثنية من البقر التي لم ينز عليها الفحل وجمعها أروخ وأراخ. قال: وأنشدني أعرابي من مزينة في طريق مكة لنفسه فقال:
أيام عهدي مي فيك كأنها ... أرخ يرود بروضة مثقال
وقال الجوهري: الأرخ وحش البقر وقال صاحب المغرب: الأرخ ولد البقرة الوحشية.
الأرضة:
بفتح الهمزة والراء والضاد المعجمة دويبة صغيرة كنصف العدسة، تأكل الخشب، وهي التي يقال لها السرفة، بالسين والراء المهملة والفاء. وهي دابة الأرض التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وستأتي إن شاء الله تعالى في باب السين المهملة. ولما كان فعلها في الأرض أضيفت إليها. قال القزويني في الأشكال: إذا أتى على الأرضة سنة، تنبت لها جناحان طويلان، تطير بهما. وهي دابة الأرض التي دلت الجن على موت سليمان ﵇، والنمل عدوّها، وهو أصفر منها فيأتيها من خلفها فيحملها ويمشي بها إلى جحره، وإذا أتاها مستقبلا، لا يغلبها لأنها تقاومه، انتهى. ومن شأنها أنها تبني لنفسها بيتا حسنا، من عيدان تجمعها مثل غزل العنكبوت، متخرطا من أسفله إلى أعلاه وله في إحدى جهاته باب مربع، وبيتها ناووس ومنها تعلم الأوائل بناء النواويس على موتاهم. وفي الصحيحين وغيرهما «أن قريشا، لما بلغهم إكرام النجاشي لجعفر وأصحابه، كبر ذلك عليهم وغضبوا على رسول الله ﷺ وأصحابه وكتبوا كتابا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم. وكان الذي كتب الصحيفة بغيض بن عامر فشلّت يده، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وحصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من مبعثه ﷺ ، وانحاز إليهم بنو عبد المطلب، وقطعت عنهم قريش الميرة والمادة فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغوا الجهد، وأقاموا على ذلك ثلاث سنين، ثم أطلع الله رسوله ﷺ على أمر الصحيفة، وأن الأرضة قد أكلت ما كان فيها من ظلم وجور.
стр. 34
وبقي ما كان فيها من ذكر الله تعالى فأخبرهم أبو طالب بذلك، فارتقوا إلى الصحيفة، فوجدوها كما قال رسول الله ﷺ ، فأخرجوهم من الشعب» .
وروى ابن سعد وابن ماجه في سننه، من حديث أبي بن كعب ﵁، «أن النبي ﷺ كان يصلي إلى جذع، فاتخذ له المنبر، فحن ذلك الجذع إليه حنين العشار، حتى مسحه رسول الله ﷺ بيده «١» فسكن» . فلما هدم المسجد وغير، أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده في داره حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا. وسيأتي إن شاء الله تعالى للأرضة ذكر في باب الدال المهملة في لفظ الدابة وفي دود الفاكهة.
الحكم:
يحرم أكلها لاستقذارها، وإذا استخرجت من الأرض ترابها قال القاضي حسين:
إن استخرجته من مدر جاز التيمم به، ولا يضر اختلاطه بلعابها، فإنه طاهر فصار كتراب عجن بخل، أو ماء ورد، وإن استخرجت شيئا من الخشب أو الكتب لم يجز لعدم التراب.
الأمثال:
قالوا «٢» «أكل من أرضة» و «أصنع من أرضة «٣» » .
التعبير:
هي في الرؤيا تدل على منازعة في العلم وطلب الجدال.
الأرقم:
الحية التي فيها بياض وسواد، كأنه رقم أي نقش. روى أصحاب الغريب أن رجلا، كسر منه عظم فجاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ يطلب منه القود، فأبى أن يقيده، فقال الرجل: هو إذن كالأرقم إن يقتل ينقم، وإن يترك يلقم، أي إن تركته أكلك، وإن قتلته قتلت به. وقال ابن الأثير في النهاية: كانوا في الجاهلية يزعمون أن الجن تطلب بثار الجان، وهي الحية الدقيقة، فربما، مات قاتلها وربما أصابه خبل، وهذا مثل لمن يجتمع عليه شران لا يدري كيف يصنع فيهما. يعني أنه اجتمع عليه كسر العظم وعدم القود وقيل: الأرقم الحية التي فيها حمرة وسواد قال مهذب الملك في ذلك مشبها:
كانون أذهب برده كانوننا ... ما بين سادات كرام حذق
بأراقم حمر البطون ظهورها ... سود تلغلغ باللسان الأزرق
الأرنب:
واحدة الأرانب، وهو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض على مؤخر قوائمه. وهو اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى وقال الجاحظ:
فإذا قلت أرنب، فليس إلا الأنثى كما أن العقاب لا يكون إلا للأنثى؛ فتقول: هذه العقاب وهذه الأرنب. وقال المبرد في الكامل: إن العقاب يقع على الذكر والأنثى وإنما يميز باسم الإشارة كالأرنب، وذكر الأرنب يقال له الخزز بالخاء المعجمة المضمومة وبعدها زايان وجمعه خزان كصرد وصردان. ويقال للأنثى عكرشة والخرنق ولد الأرنب، فهو أولا خرنق ثم سخلة ثم أرنب.
стр. 35
وقضيب الذكر من هذا النوع كذكر الثعلب: أحد شطريه عظم والآخر عصب، وربما ركبت الأنثى الذكر عند السفاد، لما فيها من الشبق وتسافدو هي حبلى، وتكون عاما ذكرا، وعاما أنثى فسبحان القادر على كل شيء.
غريبة
: ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة، أن صديقا له اصطاد أرنبا، له أنثيان وذكر وفرج أنثى. فلما شقّوا بطنه، رأوا فيه ما يدل على ذلك.
قال: وأعجب من ذلك، أنه كان لنا جار له بنت اسمها صفية، بقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، ثم طلع لها ذكر، ونبت لها لحية، وصار لها فرج رجل وفرج امرأة. وسيأتي إن شاء الله في الضبع نظير ذلك.
والأرنب تنام مفتوحة العين، فربما جاءها القناص، فوجدها كذلك، فيظنها مستيقظة.
ويقال إنها إذا رأت البحر ماتت، ولذا لا توجد في السواحل. وهذا لا يصح عندي. وتزعم العرب، في أكاذيبها، أن الجن تهرب منها لموضع حيضها: قال الشاعر:
وضحك الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الحرب يوم اللقا
فائدة:
الذي يحيض من الحيوان أربعة: المرأة والضبع والخفاش والأرنب. ويقال: إن الكلبة أيضا كذلك.
روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن الحويرث عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في الأرنب: «إنها تحيض» .
وجابر بن الحويرث، قال ابن معين: لا أعرفه وذكره ابن حبان في الثقات ولا يعرف له إلا هذا الحديث.
وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «أن النبي ﷺ جيء له بأرنب فلم يأكلها ولم ينه عنها» . وزعم أنها تحيض وهي تأكل اللحم وغيره، وتجتر وتبعر، وفي باطن أشداقها شعر، وكذلك تحت رجليها.
الحكم:
يحل أكل الأرنب عند العلماء كافة، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى ﵃، أنهما كرها أكلها، وحجتنا ما روى الجماعة عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى القوم عليها فغلبوا فأدركتها فأخذتها وأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى النبي ﷺ بوركها وفخذها فقبله «١» » .
وفي البخاري في كتاب الهبة «٢» : «أن النبي ﷺ قبله وأكل منه» . ولفظ أبي داود: «كنت غلاما خرورا فصدت أرنبا فشويتها فبعث معي أبو طلحة ﵁، بعجزها إلى النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 36
والحزور بالتشديد والتخفيف: المراهق وقد سئل رسول الله ﷺ عنها فقال: هي حلال» .
وروى أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان، عن محمد بن صفوان، «أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين وأتى النبي ﷺ ، فأمره بأكلهما» . وهو في معجم ابن قانع، عن محمد ابن صفوان أو صفوان بن محمد.
واحتج ابن أبي ليلى ومن وافقه بما روى الترمذي عن حبان بن جزء، عن أخيه خزيمة ﵁ قال: «قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال ﷺ : لا آكله ولا أحرمه، قال: فقلت: ولم يا رسول الله؟ قال: إني أحسب أنها تدمي. قال: فقلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال رسول الله ﷺ : ومن يأكل الضبيع» ؟
قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي. ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وذكر فيه الثعلب والضب أيضا وفي بعض الروايات: «وسألته عن الذئب فقال: لا يأكل الذئب أحد فيه خير» . «١» وليس في شيء من الأحاديث وإن ضعفت ما يدل على تحريم الأرنب وغاية ما في هذين الخبرين استقذارها مع جواز أكلها.
الأمثال:
قالت العرب: «أقطف من «٢» أرنب» «وأطعم أخاك من كلية الأرنب» . وهو كقولهم «٣» «أطعم أخاك من عقنقل الضب» . يضربان للمواساة. ومن أمثالهم المشهورة في ذلك قولهم «٤» : «في بيته يؤتى الحكم» . وهو مما زعمته العرب على ألسنة البهائم. قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا يختصمان إلى الضب فقالت الأرنب: يا أبا حسل قال: سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلا حكيما، قالت فأخرج إلينا، قال في «بيته يؤتى الحكم» قالت: إني وجدت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال لنفسه: بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني، قال «٥» «حر انتصر لنفسه» قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت. فذهبت أقواله كلها أمثالا.
ومثل هذا أن عدي «٦» بن أرطاة أتى شريحا»
القاضي في مجلس حكمه فقال له: أين أنت؟
قال: بينك وبين الحائط، قال فاسمع مني. قال: للاستماع جلست، قال: إني تزوّجت امرأة،
стр. 37
قال: بالرفاه والبنين، قال: وشرط أهلها أن لا أخرجها من بيتهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال:
فأنا أريد الخروج، قال: في حفظ الله، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت. قال فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك. قال بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالك.
وشريح هذا هو ابن الحارث بن قيس الكندي استقضاه عمر رضي الله تعالى عنه على الكوفة، وأقام قاضيا بها خمسا وسبعين سنة، لم يبطل إلا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، وذلك أيام فتنة ابن الزبير ﵄، فاستعفى الحجاج من القضاء فأعفاه، فلم يقض بين اثنين حتى مات رحمة الله عليه.
وكان شريح من سادات التابعين وأعلامهم، وكان من أعلم الناس بالقضاء، وكان أحد السادات الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير «١» ، وقيس «٢» بن سعد بن عبادة، والأحنف بن «٣» قيس، الذي يضرب بحلمه المثل، ورابعهم شريح هذا والله أعلم.
والأطلس الذي لا شعر بوجهه وروي أن شريحا مرض له ولد، فجزع عليه جزعا شديدا فلما مات لم يجزع. فقيل له في ذلك فقال: إنما كان جزعي رحمة له وإشفاقا عليه، فلما وقع القضاء رضيت بالتسليم. قاله «٤» ابن خلكان وغيره.
قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي «٥» رحمه الله تعالى: كتب زياد بن أبيه إلى معاوية:
يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي وفرغت يميني لطاعتك فولّني الحجاز.
فبلغ ذلك عبد الله بن عمر ﵄، وهو بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد بما شئت فأصابه الطاعون في يمينه فأجمع رأي الأطباء على قطعها، فاستشار شريحا فيما رآه الأطباء، فأشار عليه بعدم القطع، وقال له: لك رزق مقسوم، وأجل معلوم، وإني أكره، إن كانت لك مدة، أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى الله مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها؟ قلت: فرارا من قضائك وبغضا في لقائك. قال: فمات زياد من يومه. فلام الناس شريحا على منعه من القطع لبغضهم له، فقال: إنه استشارني، ولولا أن المستشار مؤتمن، لوددت أنه قطع يوما يده ويوما رجله وسائر أعضائه يوما يوما. اهـ.
وفي هذا المعنى قال أبو الفتح البستي من قصيدة طويلة:
стр. 38
لا تستشر غير ندب حازم فطن ... قد استوت منه أسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، ذكر هذه القصيدة في باب الثاء المثلثة في الثعبان، وفي تاريخ ابن خلكان في ترجمة شريح، أنه سئل عن الحجاج أكان مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت، كافرا بالله تعالى. توفي شريح سنة تسع وسبعين وقيل ثمانين من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة رحمه الله تعالى.
الخواص:
قال الجاحظ «١» : كانت العرب في الجاهلية تقول: من علق عليه كعب أرنب، لم تصبه عين ولا سحر وذلك لأن الجن تهرب منها لمكان حيضها وإذا شوي الأرنب البري وأكل دماغه، نفع من الارتعاش العارض من المرض، وإذا شرب من دماغه، وزن حبتين في أوقيتين من لبن البقر، لم يشب شاربه أبدا. ومن أعجب ما في أنفحته أنك إذا طليت بها داء السرطان رأيت العجب. وإذا شربت المرأة أنفحة الأرنب الذكر ولدت ذكرا، وإذا شربت أنفحة الأنثى ولدت أنثى. وإذا علق زبله على المرأة لم تحمل ما دام عليها. قال أبقراط: لحم الأرنب حار يابس، يغسل البطن ويدر البول، وأجوده صيد الكلاب. وهو ينفع من بهظة السمن، لكنه يحدث أرقا ويولد السوداء، والأبازير الرطبة تدفع ضرره، ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة، ودماغه يؤكل مشويا بالفلفل ينفع من الرعشة، وإنما صار يابسا لرعيه الغياض لأن كل ما يرعى الغياض فهو أيبس مما يرعى في البيوت. اهـ.
وإن سقي إنسان من دماغ الأرنب دانقا مدافا، بعد أن يلقى عليه وزن حبتي كافور، لم يلقه أحد إلا أحبه ولم تنظر إليه امرأة إلا شغفت به وطلبت معاشرته. ودم الأرنب إذا شربت منه المرأة لم تحبل أبدا، وإذا طلي به البهق والكلف أزالهما. ودماغه إذا أكلت منه المرأة، وتحملت منه، وباشرها زوجها، فإنها تحبل بإذن الله تعالى. وإذا مزج به مواضع أسنان الصبي، أسرع نباتها ودم الأرنب إذا اكتحل به منع من نبات الشعر في العين قاله القزويني في عجائب المخلوقات.
وقال مهرارس: مرارة الأرنب إذا عجنت بسمن، وديفت بلبن المرأة، واكتحل به أزال البياض من العين، وأبرأ القروح وإذا طلي بدمها البهق الأسود أزاله ولحم الأرنب إذا أطعم من يبول في فراشه نفعه إذا أدامه. وقال أرسطو: إذا شربت أنفحة الأرنب بالخل نفعت من سم الأفاعي.
وإذا شرب منها قدر باقلاة أذهب حمى الربع المتناهية. وإذا شرب منها وزن درهم أسقط الأجنة وسهل الولادة، وإن خلطت أنفحة الأرنب بخطمي، ووضعت على النصل، أخرجته وتخرج الشوكة من البدن، بإذن الله تعالى بسهولة. وزبل الأرنب إذا بخر به في الحمام، وقع الضراط على من شمه ولم يتمالك أسفله. وإذا طلي به القوابي والنمش أذهبهما. وخصية الأرنب تبرىء من السم القاتل إذا طلي موضع اللسعة بها، وشحمه إذا وضع تحت وسادة امرأة، تكلمت في نومها بفعلها.
وضرس الأرنب إذا علق على من يشتكي ضرسه سكن وجعه.
стр. 39
التعبير:
الأرنب في المنام امرأة حسناء، لكنها غير آلفة، فإن ذبحها فإنها زوجة ليست بباقية. وممن رأى أنه يأكل لحم أرنب مطبوخا فإنه يأتيه رزق من حيث لا يحتسب، ومن صار أرنبا أو أهديت إليه أو ابتاعها، حصل له رزق أو تزوج إن كان عزبا، أو رزق ولدا أو ظفر بغريم.
الأرنب البحري:
قال القزويني «١» : هو حيوان رأسه كرأس الأرنب، وبدنه كبدن السمك. وقال الرئيس ابن سينا «٢» : إنه حيوان صغير صدفي وهو من ذوات السموم إذا شرب منه قتل.
الحكم:
يحرم أكله لسميته، ويستثنى هذا من قولهم: ما أكل شبهه في البر، أكل شبهه في البحر، لأنه ليس يشبهه في الشكل، وإنما هو موافق له في الإسم.
الأروية
: بضم الهمزة وإسكان الراء وكسر الواو وتشديد الياء: الأنثى من الوعول.
والجمع أراوي وبها سميت المرأة، وهي أفعولة في الأصل إلا أنهم قلبوا الواو الثانية ياء وأدغموها في التي بعدها وكسروا الأولى لتسلم الياء، وثلاث أراوي على أفاعيل. فإذا كثرت فهي الأروي بفتح الهمزة على أفعل بغير قياس وقيل الأروي غنم الجبل. وفي الحديث «أنه ﷺ ، أهدي له أروي وهو محرم» ، وفيه أن عبد الله بن عمر ﵄، لما كان يوم أحد قال: كنت أتوقل كما تتوقل الأروية فانتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وهو في نفر من أصحابه، وهو يوحى إليه: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
«٣» وفي جامع الترمذي في الإيمان، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن الدين ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى حجرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا، فطوبى للغرباء، الذي يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي «٤» » . قوله: «ليعقلن أي ليمتنعن كما تمتنع الأروية من رؤوس الجبال.
وفي تفسير ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: «طرح يونس بن متى ﵇ بالعراء، فأنبت الله تعالى عليه اليقطينة، وهيأله أروية وحشية ترعى في البرية، وتأتيه فتنفشخ عليه، فترويه من لبنها كل بكرة وعشية، حتى نبت لحمه» . وقال ابن عطية أنعشه الله تعالى في ظل اليقطينة، بأروية تراوحه وتغاديه، وقيل: بل كان يتغذى من اليقطينة ويجد منها ألوان الطعام، وأنواع شهواته وهذا من لطف الله تعالى به ونعمته عليه وإحسانه إليه وحكى ابن الجوزي عن الحسن في قوله تعالى: وفديناه بذبح عظيم أنه ذكر من الأروي، أهبط عليه من ثبير. وفي حديث عوف أنه سمع رجلا تكلم فأسقط، فقال: «جمع بين الأروى والنعام» . يريد أنه
стр. 40
جمع بين كلمتين متناقضتين لأن الأروى تسكن شعف الجبال، والنعام يسكن في السهولة من الأرض، وفي طبعها الحنوّ على أولادها، فإذا صيد منها شيء تبعته، ورضيت أن تكون معه في الشرك وفي طبعه البر بأبويه وذلك أنه يختلف إليهما بما يأكلانه، فإن عجزا عن الأكل مضغ لهما وأطعمهما ويقال: إن في قرنيه ثقبين يتنفس منهما فمتى سدا هلك سريعا.
وحكمها:
الحل كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الوعل.
الأمثال:
قالوا «١» : «إنما فلان كبارح الأروى» . وذلك أن مأواها الجبال، فلا يكاد الناس يرونها سانحة ولا بارحة إلا في الدهر مرة، يضرب لمن يرى منه الاحسان في بعض الأحايين.
وقالو: «تكلم فلان فجمع بين الأروى والنعام» ، كما تقدم. وقالوا: «ما يجمع بين الأروى والنعام» ، يضرب في الشيئين المختلفين جدا أي كيف يتألف الخير والشر.
تنبيه:
روى مسلم أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ﵃، خاصمته أروى بنت أويس إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة في أرض في الحيرة، وقالت: إنه قد أخذ حقي واقتطع قطعة من أرضي. فقال سعيد ﵁: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله ﷺ «٢» يقول: «من اقتطع شبرا من أرض ظلما، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» .
ثم ترك لها الأرض. وقال: دعوها وإياها اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في بئرها.
فعميت أروى، وجاء سيل فأظهر حدود أرضها. ثم لما أعمى الله تعالى أروى، فكانت تلتمس الجدران، وتقول أصابتني دعوة سعيد «٣» بن زيد. فبينما هي تمشي إذ وقعت في البئر فماتت.
وروي أنها سألت سعيدا أن يدعو لها، فقال: لا أرد على الله شيئا اعطانيه قال: وكان أهل المدينة إذا دعا بعضهم على بعض، يقولون: أعماه الله كما أعمى أروى، يريدونها. ثم صار أهل الجهل يقولون أعماه الله كما أعمى الأروى يريدون الأروى التي بالجبل يظنونها شديدة العمى والصواب الأوّل.
الخواص:
إذا أخذ قرنه وظلفه وخلطا في دهن، ومسح به الساعي الذي يمشي كثيرا بدنه وساقيه أزال عنه ضرر التعب حتى كأنه لم يمش شيئا.
الأساريع
: بفتح الهمزة، دود أحمر يكون في البقل ينسلخ فيصير فراشا قال ابن مالك قال ابن السكيت: والأصل يسروع بالفتح إلا أنه ليس في الكلام يفعول. وقال قوم: الأساريع دود
следующие страницы →