Полный текст (1 095 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بقرات. قال «١» الله تعالى: سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ*
قال المبرد في الكامل: إذا أردت التمييز قلت:
هذا بقرة للذكر وهذه بقرة للأنثى كما تقول: هذا بطة للذكر وهذه بطة للأنثى. والبقير والبقران والباقر جماعة البقر. مع رعاتها. والبيقور الجماعة. قال «٢» الشاعر:
أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر
وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة. كتب النبي ﷺ إليهم كتاب الصدقة: «في كل ثلاثين باقورة بقرة «٣» » واشتق هذا الإسم من بقر إذا شق لأنها تشق الأرض بالحراثة ومنه قيل لمحمد بن علي زين العابدين بن الحسين الباقر، لأنه بقر العلم أي شقه ودخل فيه مدخلا بليغا. وفي الحديث «أنه ﵊ ذكر فتنة كوجوه «٤» البقر» . أي يشبه بعضها بعضا ذهبوا إلى قوله «٥» تعالى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا
وفيه أيضا «رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس «٦» » .
وروى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول «٧» : «إن طابت بك حياة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر» . وفيه أيضا «بينما رجل يسوق بقرة، إذ تكلمت فقالوا سبحان الله بقرة تتكلم! قال: آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر» .
وفي سنن أبي داود الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة «٨» » . قال الترمذي: حديث حسن وهو الذي يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفا.
وفي سنن أبي داود من حديث عطاء الخراساني، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم «٩» » . وفي نهاية الغريب في باب السين المهملة في الحديث: «ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا» . والسكة هي التي يحرث بها
стр. 212
الأرض أي إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن الغزو، فيأخذهم السلطان بالمطالبات والجبايات. وقريب من هذا الحديث قوله ﷺ : «العزفي نواصي الخيل والذل في أذناب البقر «١» » . والبقر حيوان شديد القوة كثير المنفعة، خلقه الله ذلولا ولم يخلق له سلاحا شديدا كما للسباع، لأنه في رعاية الإنسان، فالإنسان يدفع عنه ضرر عدوه فلو كان له سلاح لصعب على الإنسان ضبطه. والبقر الأجم يعلم أن سلاحه في رأسه فيستعمله في محل القرن كما يرى في العجاجيل قبل نبات قرونها، تنطح برؤوسها تفعل ذلك طبعا وهي أجناس: فمنها الجواميس وهي أكثرها ألبانا وأعظمها أجساما، قال الجاحظ: الجواميس ضأن البقر وهذا يقتضي أنها أطيب وأفضل من العراب، حتى إنها تكون مقدمة عليها في الأضحية، كما يقدم الضأن فيها على المعز وقال الزمخشري في ربيع الأبرار: أشراف السباع ثلاثة: الأسد والنمر والببر وأشراف البهائم ثلاثة:
الفيل والكركدن والجاموس. ومنها العراب وهي جرد ملس الألوان. ومنها نوع آخر يقال له الدربانة بدال مهملة ثم راء ثم باء موحدة ثم نون وهي التي تنقل عليها الأحمال، وربما كانت لها أسمنة.
والبقر ينزو ذكورها على إناثها، إذا تم لها سنة من عمرها في الغالب. وهي كثيرة المني. وكل الحيوان إناثه أرق صوتا من ذكوره إلا البقر، فإن الأنثى أفخم وأجهر، وهي تقلق إذا ضربها الذكر وتتلوى تحته لا سيما إذا أخطأ المجرى لصلابة ذكره، وهي إذا اشتاقت للذكر، نفرت وأتبعت الرعاة. وبأرض مصر بقر يقال لها بقر الخيس، طوال الرقاب قرونها كالأهلة، وهي كثيرة اللبن.
وقال المسعودي: رأيت بالري بقرا تبرك كما تبرك الإبل، وتثور بحملها كما تثور. وليس لجنس البقر ثنايا عليا فهي تقطع الحشيش بالسفلى.
فائدة:
في آخر كتاب المجالسة لأحمد بن مروان المالكي «٢» الدينوري بإسناده إلى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «مر عيسى ﵇ ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها، فقالت: يا كلمة الله ادع الله أن يخلصني، فقال: يا خالق النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها فألقت ما في بطنها» قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها هذا.
وأسند عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون. قلت: وهذا بعض حديث رواه الطبراني عن أنس أن النبي ﷺ «٣» قال: «إذا طلبت حاجة وأحببت أن تنجح فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم، لا
стр. 213
إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرّجته، ولا حاجة هي لك رضا إلى قضيتها، برحمتك يا أرحم الراحمين» . ومما جرب لعسر الولادة، أن يكتب ويسقى للمطلقة وهو: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس إلى آخرها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ «١»
اللهم يا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس، يا عليم يا قدير، خلص فلانة مما في بطنها من ولدها، خلاصا في عافية إنك أرحم الراحمين.
فائدة أخرى:
روى صاحب «٢» الترغيب والترهيب والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ملكا من الملوك خرج من بلده يسير في مملكته وهو مستخف من الناس، فنزل على رجل له بقرة، فراحت عليه تلك الليلة البقرة، فحلبت مقدار ثلاثين بقرة، فعجب الملك من ذلك، وحدث نفسه بأخذها، فلما كان من الغد غدت البقرة إلى مرعاها، ثم راحت فحلبت نصف ذلك، فدعا الملك صاحبها وقال له: أخبرني عن بقرتك هذه لم نقص حلابها؟ ألم يكن مرعاها اليوم مرعاها بالأمس؟ قال: بلى، ولكن أرى الملك أضمر لبعض رعيته سوءا فنقص لبنها فإن الملك إذا ظلم أو همّ بظلم ذهبت البركة قال: فعاهد الملك ربه أن لا يأخذها ولا يظلم أحدا. قال: فغدت فرعت ثم راحت فحلبت حلابها في اليوم الأول فاعتبر الملك بذلك وعدل، وقال: إن الملك إذا ظلم أو هم بظلم ذهبت البركة. لا جرم لأعدلن ولأكونن على أفضل الحالات.
وذكرها ابن الجوزي في كتاب مواعظ الملوك والسلاطين، على غير هذا الوجه، فقال: خرج كسرى في بعض الأيام للصيد فانقطع عن أصحابه وأظلته سحابة فأمطرت مطرا شديدا، حال بينه وبين جنده فمضى لا يدري أين يذهب، فانتهى إلى كوخ فيه عجوز، فنزل عندها وأدخلت العجوز فرسه، فأقبلت ابنتها ببقرة قد رعتها فاحتلبتها، ورأى كسرى لبنها كثيرا فقال: ينبغي أن نجعل على كل بقرة خراجا فهذا حلاب كثير، ثم قامت البنت في آخر الليل لتحلبها، فوجدتها لا لبن فيها، فنادت: يا أماه قد أضمر الملك لرعيته سوءا. قالت أمها: وكيف ذلك؟ قالت: إن البقرة ما تبز بقطرة من لبن، فقالت لها أمها: اسكتي فإن عليك ليلا فأضمر كسرى في نفسه
стр. 214
العدل والرجوع عن ذلك العزم. فلما كان آخر الليل، قالت لها أمها: قومي احلبي، فقامت فوجدت البقرة حافلا، فقالت: يا أماه قد والله ذهب ما في نفس الملك من السوء. فلما ارتفع النهار، جاء أصحاب كسرى فركب وأمر بحمل العجوز وابنتها إليه، فأحسن إليهما، وقال: كيف علمتما ذلك؟ فقالت العجوز: أنا بهذا المكان منذ كذا وكذا ما عمل فينا بعدل إلا أخصبت أرضنا، واتسع عيشنا، وما عمل فينا بجور إلا ضاق عيشنا، وانقطعت مواد النفع عنا. وذكر الإمام الطرطوشي، في سراج الملوك، أنه كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب تمرا ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها السلطان، فلم تحمل في ذلك العام ولا تمرة واحدة. قال الطرطوشي: وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة في الغربية تجني عشرة أرادب ستين ويبة، وكان صاحبها يبيع في سني الغلاء كل ويبة بدينار. وذكر ابن خلكان، في ترجمة جلال «١» الدولة ملك شاه السلجوقي، أن واعظا دخل عليه، فكان من جملة ما وعظه به أن بعض الأكاسرة اجتاز منفردا عن عسكره، على باب بستان، فتقدّم إلى الباب وطلب ماء يشربه، فخرجت له صبية بإناء، فيه ماء قصب السكر والثلج، فشربه فاستطابه فقال لها: هذا كيف يعمل؟ فقالت: إن القصب يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا فيخرج منه هذا الماء. فقال: ارجعي واعصري شيئا آخر، وكانت الصبية غير عارفة به، فلما ولت قال في نفسه: الصواب أن أعوضهم غير هذا المكان واصطفيه لنفسي، فما كان بأسرع من خروجها باكية وقالت: إن نية سلطاننا قد تغيرت: قال: ومن أين علمت ذلك؟ قالت: كنت آخذ من هذا ما أريد بغير تعب، والآن قد اجتهدت في عصره فلم أستطع، فرجع عن تلك النية، ثم قال لها: ارجعي الآن فإنك تبلغين الغرض، وعقد في نفسه، أن لا يفعل ما نواه. فذهبت ثم جاءت ومعها ما شاءت من ماء القصب، وهي مستبشرة. قال: وكان ملك شاه من أحسن الملوك سيرة، حتى لقب بالملك العادل، وكان قد أبطل المكوس والخفارات في جميع البلاد فكثر الأمن في زمانه، وكان قد ملك ما لم يملكه أحد من ملوك الإسلام. وكان لهجا بالصيد، قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة آلاف، فتصدق بعشرة آلاف دينار وقال: إني خائف من الله تعالى من إزهاق الأرواح لغير مأكله، وكان كلما اصطاد صيدا يتصدق بدينار. وقيل إنه خرج مرة من الكوفة، فاصطاد في طريقه وحشا كثيرا فبنى هناك منارة من حوافر حمر الوحش وقرون الظباء التي صادها في تلك الطريق. قال: يعني ابن خلكان والمنارة باقية إلى الآن تعرف بمنارة القرون.
وكانت وفاته ببغداد سادس عشر شوّال سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ومن عجيب الإتفاق أنه المقتدي بالله كان قد بايع لولده المستظهر بولاية العهد من بعده، فلما دخل ملك شاه بغداد المرة الثالثة ألزم المقتدي أن يعزل ولده المستظهر ويجعل ولده جعفر، الذي رزقه من ابنته ولي العهد ويخرج المقتدي إلى البصرة. فشق ذلك على المقتدي، وبالغ في استنزال ملك شاه عن هذا الرأي فلم يفعل، فسأله المهلة عشرة أيام ليتجهز، فأمهله فجعل المقتدي يصوم ويطوى، وإذا
стр. 215
أفطر جلس على الرماد للإفطار، وهو يدعو على السلطان، ملك شاه فمرض ملك شاه ومات في تلك الأيام، ولم تشهد له جنازة، ولا صلّى عليه أحد في الصورة الظاهرة، وحمل في تابوته إلى أصبهان ودفن بها.
أما البقرة التي أمر الله تعالى بني إسرائيل بذبحها، فقصتها مشهورة وستأتي الإشارة إلى شيء منها في باب العين في لفظ العجل إن شاء الله تعالى، فسبحان من فاوت بين الخلق. قيل لإبراهيم ﵊: اذبح ولدك، فتله للجبين. وقيل لبني إسرائيل: اذبحوا بقرة فَذَبَحُوها، وَما كادُوا يَفْعَلُونَ «١»
. وخرج أبو بكر الصديق ﵁ من جميع ماله.
وبخل ثعلبة بن حاطب بالزكاة، وجاد حاتم في حضرة وأسفاره. وبخل الحباحب بضوء ناره، وكذلك فاوت بين الفهوم، فسبحان أنطق متكلم، وباقل أعجز من أخرس. وفاوت بين الأماكن فزرود تشكو العطش، والبطائح تشكو الغرق.
غريبة
: كانت العرب إذا أرادت الاستسقاء في السنة الأزمة جعلت النيران في أذناب البقر وأطلقوها فتمطر السماء لأن الله تعالى يرحمها بسبب ذلك قال «٢» الشاعر في ذلك:
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة ... ذريعة لك بين الله والمطر
وقال أمية بن أبي الصلت «٣» الثقفي يذكر ذلك:
سنة أزمة تخيل بالنا ... من ترى للعضاه فيها صريرا «٤»
لا على كوكب ينوء ولا ري ... ح جنوب ولا ترى طخرورا «٥»
ويسوقون باقرا لسهل للطو ... دمها زيل خشية أن تبورا «٦»
عاقدين النيران في هلب الأذ ... ناب منها لكي تهيج البحورا «٧»
سلع مّا ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا «٨»
وحكى في الإحياء أن شخصا كانت له بقرة يحلبها ويخلط في لبنها الماء ويبيعه، فجاء سيل فغرق البقرة فقال له بعض أولاده: إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة. وروى الخلال، في المجلس التاسع من مجالسه، عن جابر بن عبد الله
стр. 216
رضي الله تعالى عنهما أن بقرة انفلتت على خمر، فشربت منه فذبحوها. ثم أتوا إلى النبي ﷺ فأخبروه فقال: «كلوها أولا بأس بها» .
الحكم:
يحل أكلها وشرب ألبانها إجماعا. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: «سمن البقر وألبانها شفاء ولحمها داء» . ورواه «١» ابن عدي في ترجمة محمد بن زياد الطحان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بمعناه. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ «ضحى عن نسائه بالبقر» . وروى «٢» الطبراني عن زهير قال: حدثتني امرأة من أهلي، عن مليكة بنت عمرو الزيدية من ولد زيد بن عبد الله بن سعد، قالت: اشتكيت وجعافي حلقي فأتيتها تعني مليكة بنت عمرو فوصفت لي سمن بقر، وقالت: إن رسول الله ﷺ قال:
«ألبانها شفاء وسمنها دواء ولحمها داء» . والمرأة التابعية لم تسم وبقية رجاله ثقات. وفي المستدرك من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «٣» «عليكم بألبان البقر وأسمانها، وإياكم ولحومها، فإن ألبانها وأسمانها دواء ولحومها داء» . ثم قال: صحيح الإسناد. وروى الحاكم أيضا وابن حبان عن ابن مسعود أيضا أن النبي ﷺ قال «٤» : «ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء، جهله من جهله، وعلمه من علمه، وفي ألبان البقر شفاء من كل داء، فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر؟ أي تأكل وفي رواية ترتم، وهي بمعناها. ورواه ابن ماجه عن أبي موسى خلا ذكر ألبان البقر ورواه بتمامه البزار وفيه محمد بن جابر بن سيار وهو صدوق عند الأكثرين، وضعيف عند غيرهم وبقية رجاله ثقات. ورواه الحاكم أيضا في تاريخ نيسابور من حديث عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة، عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود.
وفي كتاب ابن السني عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لم يستشف الناس بشيء أفضل من السمن وإذا أوصى ببقرة لم يتناول الثور على الأصح. لأن لفظها موضوع للأنثى، والثاني يتناوله والهاء للوحدة. قال الرافعي: وقياس تكميل البقر بالجواميس في الزكاة، دخولها هنا وفي العمدة والكفاية لا تدخل إلا إذا قال من بقري وليس له إلا الجواميس ولو لم يكن إلا بقرات وحش فوجهان كما ذكرنا في الظباء والإيل. وأما زكاتها ففي كل ثلاثين منها سائمة تبيع ابن سنة وفي كل أربعين مسنة لها سنتان. لما روى مالك عن طاوس، أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أخذها كذلك وأتى بما دون ذلك، فلم يأخذ منها شيئا وسمي تبيعا لأنه يتبع أمه في المسرح وقيل لأن قرنه يتبع أذنه ولو أخرج تبيعة أجزأته، بل هي أولى للأنوثة، وسميت مسنة لتكامل سنها.
стр. 217
فلو أخرج عن أربعين تبيعين أجزأه على الصحيح. وقال البغوي: لا، لأن العدد لا يقوم مقام السن.
فائدة:
في الحلية، ترجمة عكرمة، قال: كانت القضاة في بني إسرائيل، ثلاثة: فمات أحدهم، فولّى غيره مكانه، ثم قضوا ما شاء الله أن يقضوا، ثم بعث الله لهم ملكا يمتحنهم فوجد رجلا يسقي بقرة على ماء، وخلفها عجلة فدعاها الملك وهو راكب فرسا، فتبعتها العجلة فتخاصما فجاء إلى القاضي الأوّل فدفع إليه الملك درة كانت معه، وقال له: احكم بأن العجلة لي، قال: بماذا أحكم؟ قال ارسل الفرس والبقرة والعجلة فإن تبعت الفرس فهي لي فأرسلها فتبعت الفرس فحكم له بها. وأتيا القاضي الثاني فحكم كذلك. وأخذ درة وأما القاضي الثالث فدفع له الملك درة وقال: احكم بيننا قال: إني حائض. قال الملك سبحان الله أيحيض الذكر؟
قال: سبحان الله أتلد الفرس بقرة؟ وحكم بها لصاحبها. قلت: هؤلاء كما قال نبينا ﷺ :
«قاضيان في النار وقاض في الجنة «١» » .
الأمثال:
قالوا: «تركت زيدا بملاحس البقر أولادها «٢» » أي بحيث تلحس البقر أولادها، يعنون المكان القفر. وقالوا: «الكلاب على البقر «٣» » . وسيأتي معناه في باب الكاف إن شاء الله تعالى.
الخواص:
شحم البقر إذا بخر به البيت مع زرنيخ أحمر طرد العقارب والحيات وسائر الهوام. وإذا طلي به إناء اجتمعت إليه البراغيث. وقرنه إذا سحق وجعل في طعام صاحب حمى الربع زالت عنه. وإذا شرب زاد في الإنعاظ. ودمه يحبس الدم السائل وإذا طلي بمرارتها مع ماء الكراث البواسير نفعها وسكنها وأزال وجعها. وإذا طلي به الآثار السود من البدن قلعها وأزالها.
وإذا خلطت مع العسل واكتحل بها أزالت الظلمة. وإذا طلي بها مع النطرون والعسل وشحم الحنظل المقعد نفعه. وقال أرسطو: مرارة البقر السوداء إذا اكتحل بها أحدّت البصر وقال كيماس:
إذا فقئت عين البقرة، أو قلعت وكتب بمائها على كاغد لم تبن بالنهار وتقرأ بالليل. وشعورها إذا أحرقت وشربت نفعت من وجع الأسنان. وإذا شربت بالسكنجبين، أزالت الطحال. وإن شربت بالعسل أخرجت حب القرع من البطن. وقال يونس: إذا طليت التواكيل بخثى البقر تناثرت وبرئت من وقتها. وإذا طليت به الأورام الصلبة لينها وإن بخربه قرية النمل، قبل ظهورها لم تظهر. وإن وضع على النقرس نفع صاحبه. وإن بخر به الحامل سهل الولادة، وأخرج الجنين حيا وميتا والمشيمة وإن أحرق في بيت طرد هوامه. وإن سحق المحرق منه ونفخ في الأنف حبس الرعاف. وإن طلي به على البدن مرارا وترك حتى يجف أخرج السهم والشوكة منه. وإن طلي به مع الكبريت، على خرقة كتان، وبسطت على جميع البطن نشف الماء الأصفر. وقال هرمس: إذا طليت منخر البقرة بدهن ورد دهشت وشردت.
стр. 218
التعبير:
البقر في المنام يعبر بالسنين، كما عبرها يوسف الصديق ﷺ ، فالسمان خصب، والضعاف جدب، هذا إذا كانت بيضا أو سودا. وإذا كانت صفرا أو حمرا وهي تنطح الشجر بقرونها فتقلعها أو الأبنية فتسقطها، فإنها فتن تحل بذلك المكان الذي دخلته لقوله «١» ﵊: «إن الفتن تكون في آخر الزمان كصياصي البقر وكعيون البقر» والبقرة الصفراء سنة فيها سرور. والغبرة في البقر شدة في أوّل السنة والبلقة في أعجازها شدة في آخر السنة. والنصف من البقرة مصيبة في أخت أو بنت. وكذلك كل سهم ينسب إلى من يرثه كالربع والثمن. ومن حلب بقرة غيره فإنه يخون رجلا في امرأته. ومهما رأى الإنسان ببقرته فذلك عائد إلى زوجته أو بنته.
وحليب البقرة مال حلال جزيل وأصواتها تدل على ناس معروفين بالأدب. وخدشها مرض. ومن وثب عليه بقرة أو ثور ولم يفلته فإنه يموت في تلك السنة، والبقرة في المنام للفلاحين خير وانسب البقر في ألوانها إلى ما تنسب إليه الخيل. ويأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في باب الخاء المعجمة.
ومن رأى بقرة دخلت داره ونطحته فإنه يرى خسرانا في ماله. وقالت النصارى: من أكل لحم بقر في نومه تقدم إلى حاكم. والشحم مال لمن حواه خالص لا يغادره منه شيء وهو بلا تعب. وأما شواء البقر فهو أمن للخائف. ومن كانت له زوجة وهي حامل بشر بولد ذكر.
والشواء بشارة في معيشته فإن كان غير ناضج فهو هم من قبل امرأة. وقيل لحم البقر رزق وخصب لمن أكله مطبوخا أو مشويا. ومن الرؤيا المعبرة قول عائشة رضي الله تعالى عنها: رأيت كأني على تل وحولي بقر ينحر، فقصصتها على مسروق، فقال: إن صدقت رؤياك فإنه يكون حولك ملحمة قتال. فكان كذلك يوم الجمل. ومن رأى بقرة تمص لبن عجلها فإن امرأته تقود على ابنتها. ومن رأى عبدا يحلب بقرة مولاه فإنه يتزوّج امرأة المولى والله تعالى أعلم.
البقر الوحشي
هذا النوع أربعة أصناف: المها والأيل واليحمور والثيتل. وكلها تشرب الماء في الصيف إذا وجدته، وإذا عدمته صبرت عنه، وقنعت باستنشاق الريح، وفي هذا الوصف يشاركها الذئب والثعلب وابن آوى والحمر الوحشية والغزلان والأرانب. فأما الأيل فتقدم ذكره واليحمور وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الياء آخر الحروف.
والكلام الآن في المها فمن طبعه الشبق والشهوة، فلذلك إذا جملت الأنثى هربت من الذكر خوفا من عبثه بها وهي حامل. ولفرط شهوته يركب الذكر ذكرا آخر، وإذا ركب واحد منها شم الباقي منه رائحة الماء فيثبن عليه. وقرون البقر الوحشي مصمتة بخلاف قرون سائر الحيوانات فإنها مجوّفة كما تقدم والبقر الوحشي أشبه شيء بالمعز الأهلية وقرونها صلاب جدا تمنع بها عن نفسها وأولادها كلاب الصيد والسباع التي تطيف بها.
فائدة
: لما أرسل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل، وهو أكيدر «٢» بن
стр. 219
عبد الملك رجل من كندة، كان ملكا عليها، وكان نصرانيا، قال رسول الله ﷺ لخالد: «إنك تجده يصيد بقر الوحش «١» » . فلما وصل إليه كان في ليلة مقمرة، فأذن الله تعالى للبقر الوحشية أن تأتيه من كل جانب، تحك قصره بقرونها، فأشرف عليها وقال: ما رأيت أكثر منها الليلة ولقد كنت أكمن لها اليومين والثلاثة ولا أجدها. ولكن قدر الله وما شاء فعله. ثم أمر بفرسه فأسرج وركب هو وأخوه حسان، وعليه قباء من الديباج المخوص بالذهب. فلما نزل وافته خيل رسول الله ﷺ فأخذته أسيرا وأرسلوه بقبائه إلى رسول الله ﷺ ، فتعجب منه بعض أصحابه فقال رسول الله ﷺ : المناديل سعد في الجنة خير من هذا ثم إن النبي ﷺ عرض عليه الإسلام فأبى، فأقره بالجزية في أرضه في شهر رجب سنة تسع من الهجرة. وأشار إلى هذه البقرات الوحشية بجير بن بجرة الطائي بقوله:
تبارك سائق البقرات إني ... رأيت الله يهدي كل هادي
فمن يك حائدا عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد
وسيأتي مزيد كلام في المها في باب الميم إن شاء الله تعالى.
الحكم:
يحل أكلها بجميع أنواعها بالإجماع لأنها من الطيبات.
الأمثال:
قالت العرب: «تتابعي «٢» بقر» . زعموا أن بشر بن الحارث الأسدي خرج في سنة جهد فيها قومه، فمروا ببقر فنفرت منهم، فقام على رأس جبل فرماها بقوسه، فجعلت تلقي نفسها وهو يقول: «تتابعي بقر» حتى تكسرت ثم رجع إلى قومه، فدعاهم لأكلها. يضرب عند تتابع الأمر وسرعته.
الخواص:
مخه يطعم لصاحب الفالج، ينفعه نفعا شديدا. ومن استصحب معه شعبة من قرونه نفرت منه السباع وإذا دخن بقرنه أو جلده أو ظلفه في بيت نفرت منه الحيات. ورماده يذر على السن المتأكلة المتألمة يسكن وجعها. وشعره يبخر به البيت يهرب منه الفأر والخنافس. وقرنه يحرق ويجعل في طعام صاحب حمى الربع تزول عنه. ويشرب في شيء من الأشربة يزيد في الباه ويقوي العصب ويزيد في الإنعاظ. وينفخ في أنف الراعف يقطع دمه ويحرق قرناه حتى يصيرا رمادا. ويداف في الخل، ويطلى به موضع البرص مستقبلا به الشمس، فإنه يزول ويسف منه مقدار مثقال فإنه لا يخاصم أحدا إلا غلبه.
بقر الماء
: قال القزويني: زعموا أن بقرا يطلع من الماء يرعى الزرع وروثها العنبر، والله أعلم بصحة ذلك، فإن الناس ذكروا أن العنبر نبت بقعر البحر فإن صح ما قالوه فروث هذا الحيوان ينفع الدماغ والحواس والقلب والله أعلم.
بقرة بني إسرائيل:
هي التي يقال لها أم قيس وأم عويف وهي دابة صغيرة لها قرنان تكون
стр. 220
في الرمل فإذا أردت أن تخرجها فاطرح في موضعها قملة فتخرج فتأخذها فإذا صارت في يدك فشق ظهرها، وأدخل فيه ميلا واكحل به من بعينيه بياض ثلاث مرات، فإنه يذهب وإذا دلك بهذه الدابة موضع القرع نبت فيه الشعر.
البق:
قال الجوهري: البقة البعوضة والجمع البق. وأنشد في باب العين والياء واللام لزفر بن الحارث «١» الكلابي:
ألا إنما قيس بن عيلان بقة ... إذا وجدت ريح العصير تغنت
والبق المعروف هو الفسافس الآتي في باب الفاء إن شاء الله تعالى. يقال إنه يتولد من النفس الحار، ولشدة رغبته في الإنسان، لا يتمالك إذا شم رائحته إلا رمى نفسه عليه، وهو كثير بمصر وما شاكلها من البلاد.
وحكمه
: تحريم الأكل لاستقذاره كالبعوض. وهو من الحيوان الذي لا نفس له سائلة أصلا، كما قاله الرافعي ﵀ في الدم. والدم الذي فيه يمتصه من بني آدم، كما يمتصه القمل والبرغوث. ووقع في كلام الرافعي والنووي وغيرهما تمثيل ما لا نفس له سائلة، بالبعوض والبق.
قال الشيخ: وفي ذكر البق المعروف في بلادنا فيما لا نفس له سائلة نظر. وقد رأيت بعض الناس يذكر أنه في كثير من البلاد اسم للبعوض فلعل من أطلقه أراد به البعوض.
الخواص:
قال القزويني في عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: إذا بخر البيت بالقلقند والشونيز «٢» لم يدخله البق بالكلية، وكذلك إذا بخر بنشارة الصنوبر طرده أيضا. وقال حنين «٣» بن إسحاق: إذا بخر البيت بحب المحلب هرب منه البق أجمع. وكذلك إذا بخر بالعلق أو العاج أو بجلد جاموس أو بأغصان شجر السرو. وقال غيره. إذا نقع ورق الحرمل في خل ونضح به البيت هرب منه، وإذا وضع الحرمل «٤» عند رأس الإنسان أو رجليه لم يقرب منه البق.
وإذا نقع السداب «٥» في خل ونضح به البيت هرب منه. وإذا أخذ كندر وكبريت ودقا وديفا بماء وطلي بذلك قضيب قنب ووضعه إنسان عند رأسه حيث ينام لم يقربه بق البتة. وقال ابن جميع في الإرشاد: دخان الكمون والآس اليابس والترمس يطرد البق والبعوض. ومما جرب فوجد نافعا لطرد البق أن يكتب على أربع ورقات ويلصق في الحيطان الأربع ما صورته ٢ ١ ٢ ١ ١ ١.
تذنيب:
قد ذكر النبي ﷺ البق في حديث رواه الطبراني، بإسناد جيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أذناي هاتان وأبصرت عيناي هاتان رسول الله ﷺ وهو آخذ بكفيه
стр. 221
جميعا حسنا أو حسينا وقدماه على قدمي رسول الله ﷺ وهو يقول: «حزقة حزقة، ترق عين بقة» فيرقى الغلام فيضع قدميه على صدر رسول الله ﷺ . ثم قال ﷺ : «افتح فاك» ثم قبله ثم قال:
«اللهم من أحبه فإني أحبه «١» » ورواه البزار ببعض هذا اللفظ. والحزقة الضعيف المتقارب الخطو ذكر ذلك له على سبيل المداعبة والتأنيس. وترق معناه اصعد وعين بقة كناية عن صغر العين مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف. وفي كامل ابن عدي وتاريخ ابن النجار في ترجمة محمد بن علي بن الحسين بن محمد عن الأصبغ بن نباتة الحنظلي قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول في خطبته: ابن آدم وما ابن آدم تؤلمه بقه، وتنتنه عرقه، وتقتله شرقه.
والأصبغ بن نباتة الحنظلي المذكور يروي عن علي رضي الله تعالى عنه أشياء لم يتابعه عليها أحد فاستحق من أجلها الترك روى له ابن ماجه حديثا واحدا: «نزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ بحجامة الأخدعين والكاهل «٢» » .
الحكم:
يحرم أكل البق لاستقذاره كالبعوض.
الأمثال:
قالوا: «أضعف من بقة «٣» » .
التعبير
: البق في المنام أعداء ضعاف طعانون، وهم جندلا وفاء لهم ولا جلد. ويدل أيضا على الهم والحزن لأن البق يمنع النوم والهم والحزن يمنعان النوم والله أعلم.
البكر
: الفتى من الإبل والأنثى بكرة. والجمع بكار مثل فرخ وفراخ وقد يجمع في القلة على ابكر. قال أبو عبيدة: البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس، والبكرة بمنزلة الفتاة والقلوص بمنزلة الجارية، والبعير بمنزلة الإنسان، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة.
روى مسلم عن أبي رافع أن النبي ﷺ استلف من رجل بكر، فلما جاءت إبل الصدقة أمرني أن أقضي الرجل بكرا فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا، فقال «٤» ﷺ : «أعطه فإن خياركم أحسنكم قضاء» . وفي رواية بازلا بدل رباعيا. وروى الحاكم عن العرباض بن سارية ﵁ قال: بعت من رسول الله ﷺ بكرا فجئت أتقاضاه فقلت: يا رسول الله اقضني ثمن بكري. قال: «نعم ثم قضاني فأحسن قضائي» . ثم جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله اقضني بكري فقضاه بعيرا مسنا، فقال يا رسول الله هذا أفضل من بكري! فقال ﷺ : «هو لك إن خير القوم خيرهم «٥» قضاء» . ثم قال صحيح الإسناد.
стр. 222
وروى الحافظ أبو يعلى بإسناده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: حج رسول الله ﷺ فلما أتى وادي عسفان قال: «يا أبا بكر أي واد هذا» ؟ قال وادي عسفان. قال ﷺ :
«لقد مرّ بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات لهم حمر خطمهم الليف وأزرهم العباء وأرديتهم النمار يحجون البيت العتيق «١» » . وروى مسلم عن سيرين بن معبد الجهني رضي الله تعالى عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ في فتح مكة قال: «فأذن لنا رسول الله ﷺ في المتعة» .
فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة عيطاء أي شابة طويلة العنق في اعتدال فعرضنا عليها أنفسنا فقالت ما تعطيني؟ فقلت: ردائي. وقال صاحبي ردائي. وكان رداء صاحبي أجود من ردائي وكنت أشب منه، فكانت إذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: أنت ورداؤك تكفيني. فمكثت معها ثلاثا ثم إن رسول الله ﷺ قال: «من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع بهن فليخل سبيلها» «٢» . وفي رواية فلم أخرج عنها حتى حرمها رسول الله ﷺ .
وروى أبو داود والنسائي والترمذي والحاكم عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا أهدى لرسول الله ﷺ ناقة، فعوّضه منها ست بكرات فتسخطها، فبلغ ذلك النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن فلانا أهدى إلي ناقة فعوضته منها ست بكرات، فظل ساخطا لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي «٣» » . وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه «صدقني سن بكره» . وهو مثل تضربه العرب للصادق في خبره. ويقوله الإنسان على نفسه وإن كان ضارا له وأصله أن رجلا ساوم رجلا في بكر يشتريه، فسأل صاحبه عن سنه فأخبره بالحق، فقال المشتري: «صدقني سن بكره» . وفي مسند الشافعي عن مولى لعثمان قال: بينما أنا مع عثمان رضي الله تعالى عنه في يوم صائف إذ رأى رجلا يسوق بكرين، وعلى الأرض مثل الفراش من الحر، فقال: ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح. فدنا الرجل فقال: انظر فنظرت، فإذا هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان رضي الله تعالى عنه فأخرج رأسه من الباب فآذاه نفح السموم، فأعاد رأسه حتى إذا حاذاه قال: ما أخرجك في هذه الساعة؟ قال: بكران من إبل الصدقة تخلفا، وقد مضى بإبل الصدقة فأردت أن ألحقهما بالحمى خشية أن يضيعا فيسألني الله عنهما فقال عثمان: هلم إلى الماء والظل فقال: عد إلى ظلك، فقال: عندنا من يكفيك فقال: عد إلى ظلك ثم مضى. فقال عثمان: من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا.
الأمثال:
في الحديث «٤» : «جاءت هوازن على بكرة أبيها» وقالوا «٥» : «جاؤوا على بكرة أبيهم» يصفونهم بالقلة أي جاؤوا بحيث تحملهم بكرة أبيهم قلت: وأصله أن قوما قتلوا وحملوا
стр. 223
على بكرة أبيهم، فقيل فيهم ذلك، ثم صار مثلا لقوم جاؤوا مجتمعين. وقال أبو عبيدة: معناه جاؤوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة. وقال بعضهم: البكرة ههنا هي التي يستقى عليها أي جاؤوا بعضهم في إثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد. وقال قوم أراد بالبكرة الطريقة، أراد أنهم جاؤوا على طريقة أبيهم أي يقتفون أثره وقيل: هو ذم ووصف بالقلة والذلة أي يكفيهم للركوب بكرة واحدة وذكر الأب احتقار وتصغير لهم.
وحكمه وخواصه وتعبيره كالإبل.
البلبل:
من أنواع العصافير. ويقال له الكعيت والجميل مصغرات، وهو النغر وسيأتي في بابه وقد أحسن من ألعز فيه بقوله:
وما طائر نصفه كله ... له في ذرا الدوح سير ولبث
رأينا ثلاثة أرباعه ... إذا صحفوها غدت وهي ثلث
وقد أجاد علي بن المظفر أبو الفضل الآمدي «١» قاضي واسط حيث قال:
وأهاله ذكر الحمى فتأوّها ... ودعا به داعي الصبا فتوّلها
هاجت بلابله البلابل فانثلت ... أشجانه تثني عن الحلم النهى «٢»
فشكا جوا وبكى أسى وتنبه ال ... وجد القديم ولم يزل متنبها
لا تكرهوه على السلو فطالما ... حمل الغرام فكيف يسلو مكرها «٣»
لا عبت يا سعدى عليك فسامحي ... وصلي فقد بلغ السقام المنتهى «٤»
وما أحسن قول يوسف «٥» بن لؤلؤ حيث يقول:
باكر إلى الروضة تستجلها ... فثغرها في الصبح بسام
والنرجس الغض اعتراه الحيا ... فغض طرفا فيه أسقام
وبلبل الدوح فصيح ... على الأيكة والشحرور تمتام
ونسمة الصبح على ضعفها ... لها بنا مرّ وإلمام
فعاطني الصهباء، مشمولة ... عذراء فالواشون نوّام
واكتم أحاديث الهوى بيننا ... ففي خلال الروض نمّام
стр. 224
ومن محاسن شعره أيضا قوله:
سقى الله أرضا نور وجهك شمسها ... وأحيا بلادا أنت في افقها بدر
وروّى بقاعا جود كفك غيثها ... ففي كل قطر من نداك بها قطر
وله أيضا:
تسلسل دمعي وهو لا شك مطلق ... وصح حقيقا حين قالوا: تكسرا
وفي قلب مائي للقلوب مسرة ... وقالوا سيجزى بالهنا وكذا جرى
وله أيضا:
بعيني رأيت الماء ألقى بنفسه ... على رأسه من شاهق فتكسرا
وقام على إثر التكسر جاريا ... ألا فاعجبوا ممن تكسر قد جرى
وله أيضا:
أنفقت كنز مدائحي في ثغره ... وجمعت فيه كل معنى شارد
وطلبت منه جزاء ذلك قبلة ... فأبى وراح تغزلي في البارد
والعرب تقول: البلبل يعندل، أي يصوّت وروى الحافظ أبو نعيم وصاحب الترغيب والترهيب من حديث مالك بن دينار أن سليمان بن داود صلى الله عليهما وسلم، مر على بلبل فوق شجرة يصفر ويحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول:
أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. وهو بالمد أي على الدنيا الدروس، وذهاب الأثر. وقيل: العفاء التراب. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين في لفظ العقعق. عن الزمخشري أنه ذكر في تفسير قوله «١» تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها
عن بعضهم أن البلبل يحتكر القوت. حكى البويطي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه كان في مجلس مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه وهو غلام، فجاء رجل إلى مالك فاستفتاه، فقال: إني حلفت بالطلاق الثلاث إن هذا البلبل لا يهدأ من الصياح. فقال له مالك: قد حنثت. فمضى الرجل، فالتفت الشافعي رضي الله تعالى عنه إلى بعض أصحاب مالك فقال: إن هذه الفتيا خطأ فأخبر مالك بذلك، وكان مالك رضي الله تعالى عنه مهيب المجلس لا يجسر أحد أن يراده، وربما جاء صاحب الشرطة فوقف على رأسه إذا جلس في مجلسه، فقالوا لمالك: إن هذا الغلام يزعم أن هذه الفتيا إغفال وخطأ! فقال له مالك: من أين قلت هذا؟ فقال له الشافعي أليس أنت الذي رويت لنا عن النبي ﷺ ، في قصة فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، أنها قالت للنبي ﷺ أن «أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال ﷺ : «أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاقته، وأما معاوية فصعلوك لا مال له «٢» » . فهل كانت عصا أبي جهم دائما على عاتقه؟ وإنما أراد من ذلك الأغلب. فعرف مالك
стр. 225
محل الشافعي ومقداره. قال الشافعي: فلما أردت أن أخرج من المدينة جئت إلى مالك فودّعته، فقال لي مالك حين فارقته: يا غلام اتق الله تعالى ولا تطفىء هذا النور الذي أعطاكه الله بالمعاصي يعني بالنور: العلم، وهو قوله «١» تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
هكذا جاء في هذه الرواية: البلبل. وجاء في رواية أخرى: القمري. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
التعبير
: هو في الرؤيا رجل موسر، وقيل امرأة موسرة وقيل ولد قارىء لكتاب الله لا يلحق.
البلح:
بضم الباء وفتح اللام قال ابن سيده: إنه طائر أغبر اللون أعظم من النسر محترق الريش لا تقع ريشة منه وسط ريش طائر آخر إلا أحرقته وقيل: هو النسر القديم الهرم والجمع بلحان.
البلشون:
هو مالك الحزين. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الميم.
البلّصوص:
بضم الباء واللام المشددة طائر وجمعه البلنصي على غير قياس. وقال سيبويه النون زائدة لأنك تقول للواحد البلصوص. والعامة تسمية أبو لصيص. قال البطليوسي في الشرح: وقد اختلف اللغويون في هذين الإسمين أيهما الواحد وأيهما الجمع. فقال قوم:
البلصوص هو الواحد والبلنصي هو الجمع وعكس ذلك آخرون وقال قوم: البلصوص الذكر والبلنصي الأنثى ذكره ابن ولاد «٢» وأنشد:
والبلصوص يتبع البلنصي.
قال: وقياس جمع البلصوص بلا صيص. ولم أدر ما حكم هذا الطائر.
بنات الماء:
قال ابن أبي الأشعث: هي سمك ببحر الروم، شبيهة بالنساء ذوات شعر سبط، ألوانهن إلى السمرة، ذوات فروج عظام وثدي، وكلام لا يكاد يفهم، ويضحكن ويقهقهن. وربما وقعن في أيدي بعض أهل المراكب، فينكحونهن ثم يعيدونهن إلى البحر. وحكي عن الروياني صاحب البحر، أنه كان إذا أتاه صياد بسمكة على هيئة المرأة، حلفه أنه لم يطأها.
وذكر القزويني أنه صيد لبعض الملوك رجل إذا تكلم، لا يفهم ما يقول، فزوجه بامرأة فرزق منها ولدا فصار يتكلم بلغة أبيه ولغة أمه. وقد تقدم هذا في باب الهمزة في إنسان الماء.
بنات وردان:
يأتي ذكرها في آخر باب الواو إن شاء الله تعالى.
البهار
: بضم الباء حوت أبيض طيب من حيتان البحر، قال الجوهري: والبهار بالضم شيء يوزن به، وهو ثلاثمائة رطل وقال عمرو بن العاص: إن ابن الصعبة يعني طلحة بن عبيد الله ترك مائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير ذهب فجعله وعاء. قال أبو عبيد القاسم بن سلام والبهار في كلامهم ثلاثمائة رطل وأحسبها غير عربية وأراها قبطية.
стр. 226
البهثة
: بالضم، البقرة الوحشية وقد تقدم ذكرها.
البهرمان: ضرب من العصفور قاله ابن سيده.
البهمة:
بفتح الباء، الصغير من أولاد الغنم والبقر والوحش وغيرها. الذكر والأنثى فيه سواء والجمع بهم وبهم وبهام وبها مات. قال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: أما أسنان الغنم فساعة تضعها أمها من الضأن والمعز، ذكرا كان أو أنثى سخلة، وجمعها سخال، ثم هي بهمة فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها، فما كان من أولاد المعز فهو جفار واحدها جفر. فإذا رعى وقوي فهو عريض وعتود وجمعها عرضان وعتدان. وهو في كل ذلك جدي، والأنثى عناق ما لم يأت عليها الحول، وجمعها عنق والذكر تيس إذا أتى عليه الحول والأنثى عنز ثم نجذع في السنة الثانية فالذكر جذع والأنثى جذعة فعلم منه أن ما نقله النووي ﵀، عنه في عناق فيه نوع خلل، والله أعلم. وروى الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأصحاب السنن الأربعة، من حديث لقيط بن صبرة، واللفظ لأبي داود، قال: كنت وافد بني المنتفق، أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا عليه لم نجده في منزله، فصادفنا عائشة أم المؤمنين ﵂ فأمرت لنا بحريرة، أو قال بعصيدة، فصنعت لنا وأتينا بقناع، والقناع طبق فيه تمر ثم جاء رسول الله ﷺ فقال «١» : «هل أصبتم شيئا أو آمر لكم بشيء: قلنا: نعم يا رسول الله. قال:
فبينما نحن مع رسول الله ﷺ ، إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح، ومعه سخلة تبعر، فقال ﷺ : ما ولدت يا غلام» ؟ قال بهمة قال: فاذبح لنا مكانها شاة» . ثم قال ﷺ : «لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة ما نريد أن تزيد فإذا ولدت لنا بهمة ذبحنا مكانها شاة» . قلت:
يا رسول الله إن لي امرأة وإن في لسانها شيئا يعني البذاءة. قال: فطلقها إذن» . قلت:
يا رسول الله إن لها صحبة وإن لي منها ولدا. قال: «فعظها فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك ضربك لأمتك» . قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء، قال: أسبغ الوضوء وخلل الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» .
وفي سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: إن النبي ﷺ صلى إلى جدار اتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه، فما زال ﷺ «يدرؤها حتى لصق بطنه بالجدار، فمرت من ورائه» . وسيأتي في الجدي نحو ذلك. وفي صحيح «٢» مسلم وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث يزيد بن الأصم عن ميمونة «أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى بين يديه، حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر بين يديه مرت» .
البهيمة:
كل ذات أربع من دواب البر والبحر. قاله ابن سيده. والجمع بهائم.
قال «٣» ﷺ : «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش» . سميت بهيمة لإبهامها، من جهة نقص
стр. 227
نطقها وفهمها، وعدم تمييزها وعقلها. ومنه باب مبهم أي مغلق، وليل بهيم. قال «١» الله تعالى:
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
فأضاف الجنس إلى ما هو أخص منه، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج وما أضيف إليها من سائر الحيوان. يقال له أنعام مجموعة معها وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع.
وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: بهيمة الأنعام الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات، فهي تؤكل من غير ذكاة. ونقل عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما أيضا، وفيه بعد: لأن الله تعالى قال «٢» : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ*
وليس في الأجنة ما يستثنى.
وحل بهيمة الأنعام من حكم الله تعالى، إذ لولا الليل ما عرف قدر النهار، ولولا المرض لم يتنعم الأصحاء بالصحة، ولولا النار ما عرف أهل الجنة قدر النعمة. كما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم، وتسليطهم على ذبحها ليس بظلم، بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل. وكذلك تفخيم النعم على سكان الجنان، بتعظيم العقوبة على أهل النيران، فداء لأهل الإيمان بأهل الكفر هو عين العدل. وما لم يخلق الناقص لم يعرف الكامل، فلولا خلق البهائم لما ظهر شرف الإنسان.
روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه دخل دار الحكم بن أيوب، فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها، فقال أنس: «نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم وهو أن يمسك من ذوات الروح شيء حي ثم يرمي بشيء حتى يموت» .
وفي الصحيحين «٣» وغيرهما: «أن النبي ﷺ لعن فاعل ذلك» . ولأنه تعذيب للحيوان، وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته، إن كان يذكى. وفي الحديث «٤» أنه ﷺ «نهى عن المجثمة» وهي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل. إلا أنها تكثر في الطير والأرانب ونحو ذلك مما يجثم في الأرض أي يلزمها ويلتصق بها. وجثم الطائر جثوما، وهو بمنزلة البروك للإبل. وروى أبو داود والترمذي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ «نهى عن التحريش بين البهائم «٥» » . وفي شفاء الصدور، لابن سبع، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «أجل البهائم وخشاش الأرض والقمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب والبقر وما سوى ذلك في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها» .
فائدة
: قال ابن دحية، في كتاب الآيات البينات: اختلف الناس في حشر البهائم، وفي جريان القصاص بينها فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: لا يجري القصاص بين البهائم لأنها غير مكلفة وما ورد في ذلك من الأخبار نحو قوله ﷺ : «يقتص للجماء من القرناء ويسأل العود لم
стр. 228
خدش العود «١» » فعلى سبيل المثل والإخبار عن شدة التقصي في الحساب. وأنه لا بد من أن يقتص للمظلوم من الظالم وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: يجري القصاص بينها، ويحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا. قال ابن دحية وهذا جار على مقتضى العقل والنقل لأن البهيمة تعرف النفع والضر، فتنفر من العصا وتقبل للعلف، وينزجر الكلب إذا انزجر وإذا أشلى استشلى. والطير والوحش تفر من الجوارح، استدفاعا لشرها. فإن قيل: القصاص انتقام والبهائم ليست بمكلفة فالجواب أنها غير مكلفة، إلا أن الله يفعل في ملكه، ما أراد كما سلط عليها في الدنيا التسخير لبني آدم، والذبح لما يؤكل منها فلا اعتراض عليه . وأيضا فإن البهائم إنما يقتص منها لبعضها من بعض إلا أنها لا تطالب بارتكاب نهي ولا بمخالفة أمر لأن هذا مما خص الله به العقلاء، ولما كثر التنازع رجعنا لما أمرنا به ربنا بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
«٢» ووجدنا القرآن العظيم يدل على الإعادة في الجملة:
قال «٣» الله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
إلى قوله:
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
وقال «٤» وقال تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
والحشر في اللغة الجمع. وفي الصحيحين. عن رسول الله ﷺ : «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين، وراهبين، وإثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا.
فهذا يدل على حشر الإبل مع الناس. وروى الإمام أحمد بسند صحيح إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «يقتص للخلق بعضهم من بعض، حتى للجماء من القرناء، حتى للذرة من «٥» الذرة» فإذا كانت البهائم والذر يقتص منها فكيف يغفل من هو مكلف مأمور؟
ونسأل الله السلامة من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أيضا أن رسول ﷺ قال: «لتؤدين الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» . وفيه أيضا وفي غيره:
«ما من صاحب إبل لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر. ثم يؤتى بها أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيل واحد تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها» . الحديث «٦» بطوله.
وفي صحيح البخاري: «ليأتين أحدكم يوم القيامة بشاة، يحملها على رقبته لها ثغاء، فيقول: يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت» . وصح عنه ﷺ أيضا أنه قال «٧» : «ما
стр. 229
من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقا من قيام الساعة إلا الجن والإنس» . وإصاختها بإلهام الله إياها في ذلك اليوم، محمول على ما جبلها الله تعالى عليه من توقيها لما يضرها، وانقيادها إلى ما ينفعها جبلة لا عقلا وإحساسا حيوانيا، لا إدراكا فهميا. وإذا جبل الله النملة على حمل قوتها وإدّخاره لزمن الشتاء فجبله البهيمة على الإصاخة محاذرة يوم القيامة أولى. ومن استقرى أحوال الحيوانات، رأى حكمة الله فيها لما سلبها العقل جعل لها حسا تفرق به بين الضار لها والنافع، وجبلها على أشاء وألهمها إياها لا توجد في الإنسان إلا بعد التعلم وتدقيق النظر فمنها النحلة المحكمة لتسديس مخزن قوتها، حين يتعجب منه أهل الهندسة. والعنكبوت المتقنة لخيوط بيوتها وتناسب دوائرها. وكذلك السرفة في إحكام بيتها مربعا من عيدان وقد ظهرت من البهائم الصنائع العجيبة، والأفاعيل الغريبة، ولم يسلبها رب العالمين سوى العبارة عن ذلك، والنطق به ولو شاء أنطقها كما أنطق النملة في عهد سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. والبهيم من الخيل الذي لا شية فيه الذكر والأنثى فيه سواء. والبهم من النعاج السود التي لا بياض فيها وأما قوله ﷺ في الحديث «١» : «يحشر الناس يوم القيامة بهما» فمعناه أنه ليس بهم شيء مما كان في الدنيا نحو البرص والعرج والعمى والعور وغير ذلك. وإنما هي أجساد مصححة لخلود الأبد في الجنة أو النار. وقيل: بل عراة ليس عليهم من متاع الدنيا شيء وهذا يخالف الأول من حيث المعنى ومن شعر مسعر بن «٢» كدام أحد الأعلام:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وتتعب فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
فرع:
اختلف أصحابنا في نقض الوضوء بمس فرج البهيمة على وجهين: أحدهما ينقض لعموم النقض بمس الفرج. والأصح أنه لا ينقض، إذ لا حرمة لها ولا تعبد عليها. وأما دبرها فلا ينقض قطعا، قال الدارمي: ولا فرق في الخلاف بين البهائم والطير.
الأمثال:
قالوا: «ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة» يضرب في مدح القدرة على الكلام.
البوم والبومة
: بضم الباء طائر يقع على الذكر والأنثى حتى تقول: صدى أو فياد فيختص بالذكر وكنية الأنثى أم الخراب وأم الصبيان ويقال لها أيضا غراب الليل. قال «٣» الجاحظ:
وأنواعها الهامة والصدى والضوع والخفاش وغراب الليل والبومة. وهذه الأسماء كلها مشتركة أي تقع على كل طائر من طير الليل يخرج من بيته ليلا قال وبعض هذه الطيور يصيد الفأر وسام أبرص والعصافير وصغار الحشرات وبعضها يصيد البعوض. ومن طبعها أن تدخل على كل طائر
стр. 230
في وكره وتخرجه منه وتأكل فراخه وبيضه. وهي قوية السلطان بالليل لا يحتملها شيء من الطير ولا تنام بالليل، فإذا رآها الطير بالنهار قتلنها ونتفن ريشها، للعداوة التي بينهن، وبينها ومن أجل ذلك صار الصيادون يجعلونها تحت شباكهم ليقع لهم الطير. ونقل المسعودي عن الجاحظ أن البومة لا تظهر بالنهار، خوفا من أن تصاب بالعين لحسنها وجمالها ولما تصور في نفسها أنها أحسن الحيوان لم تظهر إلا بالليل. وتزعم العرب في أكاذيبهم أن الإنسان إذا مات أو قتل، تتصور نفسه في صورة طائر، تصرخ على قبره، مستوحشة لجسدها، والطائر ذكر البوم وهو الصدى. وفي ذلك يقول توبة الحميري «١» أحد عشاق العرب:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فيقال: إنها مرت بقبره فأنشدت ذلك فارتفع شيء من القبر كالطائر، نفرت منه ناقتها فسقطت ميتة ودفنت إلى جانبه. والبوم أصناف وكلها تحب الخلوة بأنفسها والتفرد وفي أصل طبعها عداوة الغربان. وفي تاريخ ابن النجار أن كسرى قال لعامل له: صد لي شر الطير، واشوه بشر الوقود، وأطعمه شر الناس، فصاد بومة وشواها بحطب الدفلى وأطعمها ساعيا. وفي سراج الملوك للإمام أبي بكر الطرطوشي، في الباب السابع والأربعين أن عبد الملك بن مروان، أرق ليلة فاستدعى سميرا له يحدثه، فكان فيما حدثه به أن قال: يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها، فقالت بومة البصرة: لا أفعل إلا أن تجعلي لي صداقها مائة ضيعة خراب. فقالت بومة الموصل: لا أقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا، سلمه الله علينا، سنة واحدة فعلت لك ذلك. قال: فاستيقظ لها عبد الملك، وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض، وتفقد أمور الولاة. ورأيت في بعض المجاميع، بخط بعض العلماء الأكابر، أن المأمون أشرف يوما من قصره فرأى رجلا قائما وبيده فحمة وهو يكتب بها على حائط قصره، فقال المأمون لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل، وانظر ما يكتب وائتني به. فبادر الخادم إلى الرجل مسرعا وقبض عليه وتأمل ما كتبه فإذا هو:
يا قصر جمع فيك الشوم واللوم ... متى يعشش في أركانك البوم
يوم يعشش فيك البوم من فرحي ... يكون أول من ينعيك مرغوم
ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين: فقال له الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه.
فقال الخادم: لا بد من ذلك. ثم ذهب به فلما مثل بين يدي المأمون، أعلمه الخادم بما كتب.
فقال المأمون: ويلك ما حملك على هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه لن يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحلى والحلل والطعام والشراب والفراش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك، مما يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي، وإني يا أمير المؤمنين قد مررت الآن
стр. 231
عليه وأنا في غاية من الجوع والفاقة، فوقفت مفكرا في أمري، وقلت في نفسي: هذا القصر عامر عال، وأنا جائع ولا فائدة لي فيه، فلو كان خرابا ومررت به لم أعدم منه رخامة أو خشبة أو مسمارا أبيعه، وأتقوت بثمنه أو ما علم أمير المؤمنين ما قال الشاعر؟ قال: وما قال الشاعر؟ قال:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرىء ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها
وما ذاك من بغض لها غير أنه ... يرجي سواها فهو يهوى انتقالها
فقال المأمون: اعطه يا غلام ألف دينار. ثم قال له: هي لك في كل سنة ما دام قصرنا عامرا بأهله وأنشدوا في معنى ذلك:
إذا كنت في أمر فكن فيه محسنا ... فعما قليل أنت ماض وتاركه
فكم دحت الأيام أرباب دولة ... وقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكه
الحكم:
يحرم أكل جميع أنواعها. قال الرافعي: ذكر أبو عاصم العبادي أن البوم حرام كالرخم، وكذلك الضوع. وعن الشافعي ﵀ قول إنه حلال، وهذا يقتضي أن الضوع غير البوم. لكن في الصحاح أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام. وقال المفضل: إنه ذكر البوم فعلى هذا إذا كان في الضوع قول، لزم إجراؤه في البوم لأن الأنثى والذكر من الجنس الواحد لا يختلفان في الحل والحرمة اهـ. وقال في الروضة: الأشهر أن الضوع من جنس الهام فنحكم بتحريمه.
فائدة:
روى ابن السني عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان «١» » . وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يفعله. واختلف في أم الصبيان فقيل البومة كما تقدم، وقيل: التابعة من الجن.
الخواص:
إذا ذبح البوم بقيت إحدى عينيه مفتوحة والأخرى مضمومة، فالمفتوحة إذا جعلت تحت فص خاتم، من لبسه سهر ما دام عليه، والأخرى بالعكس.
قال الطبري: فإذا اشتبه عليك المنومة من المسهرة فاجعلهما في الماء فالتي ترتفع على الماء هي المسهرة، والتي ترسب هي المنومة. وقال هرمس: إذا أخذ قلب بومة وجعل على اليد اليسرى من المرأة في حال نومها تكلمت بكل ما فعلته في يومها. والاكتحال بمرارتها ينفع من ظلمة البصر.
وقلب البومة الكبيرة إذا قلع وشد في جلد ذئب وعلق على العضد أمن حامل ذلك من اللصوص وسائر الهوام ولم يخف أحدا من الناس. وإن اكتحل بمذاب شحمها فأي مكان دخله بالليل رآه ميضأ. وهي تبيض بيضتين إحداهما تخلق والأخرى لا تخلق، فإن أردت معرفة التي تخلق من التي لا تخلق فأدخل فيها ريشة فالتي تخلق تبين لك تخلقها الريشة.
التعبير
: البوم في المنام لص مكار، وقيل ملك مهيب تشق مرائر الرعية هيبته. ويدل على البطالة وذهاب الخوف لأنه من طيور الليل والله أعلم.
стр. 232
البوّة:
بضم الباء وتشديد الواو طائر يشبه البوم إلا أنه أصغر منه والأنثى بوهة ويشبه بها الرجل الأحمق قال امرؤ القيس:
أيا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا «١»
الأحسب من الناس الذي في شعره شقرة وصفه باللؤم والشح، يقول كأنه لم تخلق عقيقته في صغره حتى شاخ. وقيل: إنه الرجل الضعيف الطائش. والبوهة ما أطارته الريح والبوه ذكر البوم وقيل البوه الكبير من اليوم قال «٢» رؤبة يذكر كبره:
كالبوة تحت الظلمة المرشوش.
وقيل: البوه طائر يشبه البوم وقيل: الأحسب الذي ابيض جلده من داء ففسدت شعرته فصار أحمر وأبيض ويكون ذلك في الناس والإبل. وقيل الأحسب الأبرص. وحكمه وخواصه وتعبيره كالبوم في جميع ما تقدم.
بوقير
: قال القزويني: إنه طائر أبيض تجيء منه طائفة كل سنة، في وقت معلوم، إلى جبل يقال له جبل الطير بصعيد مصر بقرب انصنا بلدة مارية أم إبراهيم ابن النبي ﷺ ، فتتعلق على هذا الجبل، وفيه كوة يأتي كل واحد منها ويدخل رأسه فيها ثم يخرجه ويلقي نفسه في النيل ثم يخرج ويذهب من حيث جاء. ولم تزل هكذا حتى يدخل واحد منها رأسه فيها فيقبض عليه شيء من تلك الكوة فيضطرب ويبقى معلقا حتى يتلف ثم يسقط بعد مدة فإذا تعلق ذلك الطائر انصرف الباقون في الحال فلا يرى شيء من ذلك الطير في ذلك الجبل إلى مثل ذلك الزمان من العام المقبل. قال أبو بكر الصولي «٣» : سمعت من أعيان تلك البلاد أنه إذا كان العام مخصبا قبضت تلك الكوة على طائرين وإن كان متوسطا قبضت على طائر واحد وإن كان مجدبا لم تقبض على شيء.
البينيب:
على وزن فيعيل سمك بحري معروف عند أهل البحر.
البياح:
بكسر الباء مخففا ضرب من السمك وربما فتح وشدد قاله الجوهري.
أبو براقش:
طائر كالعصفور يتلون ألوانا قال الشاعر:
كأبي براقش كل يو ... م لونه يتخيل
يضرب به المثل في التنقل والتحول. وقال القزويني: إنه طائر حسن الصوت، طويل الرقبة والرجلين، أحمر المنقار في حجم اللقلق، يتلون في كل ساعة يكون أحمر وأزرق وأخضر وأصفر.
قال: ولم يحضرني شيء من خواصه.
стр. 233
أبو برا:
طائر يسمى السموأل وسيأتي في باب السين المهملة إن شاء الله تعالى.
أبو بريص:
بفتح الباء هو الوزغ الذي يسمى سام أبرص. وسيأتي الكلام عليه في باب السين والواو في لفظ الوزغ وسام أبرص إن شاء الله تعالى.
باب التاء المثناة
التالب:
الوعل والأنثى تالبة حكاه ابن سيده. وسيأتي الكلام عليه في باب الواو وفي لفظ الوعل إن شاء الله تعالى.
التبيع:
ولد البقرة أول سنة. وبقرة تبيع معها ولدها والأنثى تبيعة والجمع تباع وتبائع مثل أفيل وافال وأفائل. وقد تقدم في باب الهمزة روى الإمام مالك في الموطأ وأبو داود الترمذي والنسائي وآخرون عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، قال: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة بقرة، ومن كل ثلاثين مسنة تبيعا أو تبيعة «١» » . قال الترمذي:
حديث حسن، وروي مرسلا وهو أصح. والمسنة: ما استكملت سنتين ودخلت في الثالثة.
والتبيع هو الذي يتبع أمه، وإن كان له دون سنة. قال الرافعي: وحكى جماعة أن التبيع الذي له ستة أشهر والمسنة التي لها سنة وهذا غلط ليس معدودا من المذهب.
التبشر
: في أدب الكاتب لابن قتيبة أنه بفتح التاء المثناة من فوق وبالباء الموحدة ثم بالشين المعجمة وقيل بضم التاء وفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة طائر يقال له الصفارية، والتاء فيه زائدة وسيأتي الكلام عليه في باب الصاد المهملة إن شاء الله تعالى.
التثفل:
بضم التاء أوله وسكون الثاء المثلثة كقنفذ ولد الثعلب والتاء فيه زائدة.
التدرج
: كحبرج طائر كالدراج، يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يسمن عند صفاء الهواء وهبوب الشمال، ويهزل عند، كدورته وهبوب الجنوب. يتخذ داره في التراب اللين ويضع البيض فيها لئلا يتعرض للآفات. وقال ابن زهر هو طائر مليح يكون بأرض خراسان وغيرها من بلاد فارس.
وحكمه
: الحل لعدم استخباثه، وإن كان نوعا من الدراج وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
الخواص
: لحمه من أفضل لحوم الطير يزيد في الفهم والباه. وإذا أخذت مرارته وسعط بها من به خبل أو وسواس نفعه وإن شوي لحمه وأطعم منه وهو حار ثلاثة أيام أبرأه.
التخس:
كصرد الدلفين وسيأتي في باب الدال المهملة إن شاء الله تعالى.
التفلق:
كزبرج طائر من طير الماء قاله في العباب.
стр. 234
التفه
: ويسمى عناق الأرض، والغنجل: نوع من السباع نحو الكلب الصغير على شكل الفهد، وصيده في غاية الجودة والملاحة، وربما واثب الإنسان فيعقره ولا يطعم غير اللحوم. وربما صاد الكركي وما قاربه من الطير، فيفعل به فعلا حسنا. وقد وصفه الناشيء «١» في أبيات منها:
حلو الشمائل في أجفانه وطف ... صافي الأديم هضيم الكشح ممسود «٢»
فيه من البدر أشباه توافقه ... منها له سفع في وجهه سود
كوجه ذا وجه هذا في تدوره ... كأنه منه في الأجفان معدود
له من الليث ناباه ومخلبه ... ومن غرير الظباء النحر والجيد «٣»
إذا رأى الصيد أخفى شخصه أدبا ... وقلبه باقتناص الطير مزؤود «٤»
الحكم:
يحرم أكله لعموم النهي عن أكل كل ذي ناب ومخلب من السباع. وقال بعض أصحابنا: إنه السنور البري وإنه قريب من الثعلب وإنه على شكل السنور الأهلي وفي حكمه وجهان: أصحهما التحريم لأنه يأكل الفأر.
الأمثال:
قالت «٥» العرب: «أغنى من التفه عن الرفه» . والرفه التبن. والأصل فيهما رفهة وتفهة قال حمزة: وجمعهما تفات ورفات قال الشاعر:
غنينا عن حديثكم قديما ... كما غنى التفات عن الرفات
ويقال «٦» أيضا: «استغنت التفه عن الرفه» . وذلك أن التفه سبع لا يقتات الرفه أصلا، وإنما يغتذي باللحم فهو يستغني عن التبن، والمعروف في التفه والرفه تخفيف الفاء وقال الأستاذ أبو بكر: هما مشددتان. وقد أوردهما الجوهري في باب الهاء فقال: التفه والرفه، وفي الجامع مثله، إلا أنه قال: ويخففان. وأما الأزهري «٧» فإنه أورد الرفه في باب الرفت، بمعنى الكسر. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: الرفت التبن: وفي المثل: «أغنى من التفه عن الرفت» قال الأزهري:
والتفه تكتب بالهاء، والرفت بالتاء قال الميداني: وهذا من أصح الأقوال لأن التبن مرفوت أي مكسور.
التم:
طائر نحو الإوز في منقاره طول وعنقه أطول من عنق الأوز.
وحكمه
: الحل لأنه من الطيبات.
стр. 235
التمساح:
اسم مشترك بين الحيوان المعروف والرجل الكذاب، قال القزويني: وهذا الحيوان على صورة الضب وهو من أعجب حيوان الماء، له فم واسع وستون نابا في فكه الأعلى وأربعون في فكه الأسفل، وبين كل نابين سن صغيرة مربعة ويدخل بعضها في بعض عند الانطباق. وله لسان طويل، وظهر كظهر السلحفاة لا يعمل الحديد فيه، وله أربع أرجل وذنب طويل، وهذا الحيوان لا يكون إلا في نيل مصر خاصة. وزعم قوم أنه في بحر السند أيضا، وهو شديد البطش في الماء لا يقتل إلا من إبطيه، ويعظم حتى يكون طوله عشرة أذرع في عرض ذراعين وأكثر. ويفترس الفرس. وإذا أراد ألسفاد خرج هو والأنثى إلى البر فيلقي الأنثى على ظهرها ويستبطها فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكن من الإنقلاب لقصر يديها ورجليها ويبس ظهرها.
وهو إذا تركها على تلك الحال، لم تزل كذلك حتى تقلب. وتبيض في البر، فما وقع من ذلك في الماء صار تمساحا وما بقي صار سقنقورا.
ومن عجائب أمره أنه ليس له مخرج فإذا امتلأ جوفه بالطعام خرج إلى البر وفتح فاه، فيجيء طائر يقال له القطقاط فيلقط ذلك من فيه. وهو طائر أرقط صغير يأتي لطلب المطعم، فيكون في ذلك غذاء له وراحة للتمساح، ولهذا الطائر في رأسه شوكة، فإذا أغلق التمساح فمه عليه نخسه بها فيفتحه. وسيأتي ذكر هذا الطائر إن شاء الله تعالى. وزعم بعض الباحثين عن طبائع الحيوان، أن للتمساح ستين سنا وستين عرقا. ويسفد ستين مرة، وتبيض الأنثى ستين بيضة ويعيش ستين سنة. وقال أبو حامد الأندلسي: إن له ثمانين نابا أربعون نابا في الفك الأعلى وأربعون في الفك الأسفل وهو أبدا يحرك فكه الأعلى وفكه الأسفل. عظمه متصل بصدره وليس له دبر وله فرج ينسل منه. وهو شر من كل سبع في الماء. ومن شأنه أنه يغيب في باطن الماء أربعة أشهر، مدة الشتاء كله ولا يظهر. والكلب البحري عدوه فإذا نام فتح فاه فيطرح كلب الماء نفسه في الطين ويتجفف ثم يأتيه مفاجأة فيدخل فاه ويأكل أمعاءه ويخرج من مراق بطنه بعد أن يقتله وكذلك يفعل معه ابن عرس أيضا.
وحكمه
: تحريم الأكل للعدو بنابه كذا علله جماعة من الأصحاب. وقال الشيخ محب الدين الطبري، في شرح التنبيه: القرش حلال. ثم قال: فإن قلت أليس هو مما يتقوى بنابه؟ فهو كالتمساح. والصحيح تحريم التمساح. قلت لا نسلم أن ما يتقوى بنابه من حيوان البحر حرام. وإنما حرم التمساح كما قال الرافعي في الشرح للخبث والضرر نعم كلام التنبيه يقتضي أن تحريمه لكونه مما يتقوى بنابه ولا ينبغي تعليل تحريمه بذلك فإن في البحر حيوانا كثيرا يفترس بنابه كالقرش وغيره وهو حلال ولا ريب في أن البحري مخالف للبري. اهـ وهو الظاهر والله أعلم.
الأمثال:
قالوا «١» «أظلم من تمساح» و «كافأه مكافأة التمساح» .
الخواص:
عينه تشد على صاحب الرمد، يسكن وجعه في الحال، اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى. وإذا عجن شحمه بشمع وجعل فتيلة وأسرج في نهر لم تصح ضفادعه. وإذا
стр. 236
قطر شحمه في الأذن الوجعة شفاها. وإذا أدمن تقطيره في الأذن نفع الصمم. ومرارته يكتحل بها للبياض الذي في العين فيذهب. وإذا علق شيء من أسنانه التي في الجانب الأيمن على الرجل، زاد جماعه. وقال القزويني، في عجائب المخلوقات: أول سن من الجانب الأيسر يشد على صاحب القشعريرة يذهبها. وكبده يبخر به صاحب الصرع يزول صرعه. وقطعة من جلده تشد على جبهة الكبش يغلب الكباش. وزبله الذي يوجد في بطنه يزيل البياض الحادث والقديم اكتحالا، ورائحته كرائحة المسك وتقول القبط إنه المسك إلا أنه فيه سهوكة.
التعبير:
التمساح في المنام عدوّ مسلط وهو نظير الأسد وقيل: التمساح لص مكابر ذو مكر وغدر وخديعة.
التميلة:
دويبة بالحجاز على قدر الهرة والجمع تملان قاله ابن سيده.
التنوّط:
في الكفاية لابن الرفعة أنه بضم التاء وكسر الواو ويجوز فتح التاء المشددة وفتح النون وضم الواو المشددة. وقال غيره: هو طائر يجوز في واوه الضم والفتح قال الأصمعي: إنما سمي بذلك لأنه يدلي خيطا من شجرة يفرخ فيها الواحدة تنوطة. ومن شأن هذا الطائر أنه إذا أقبل عليه الليل يتنقل في زوايا بيته ويدور فيها ولا يأخذه قرار إلى الصبح خوفا على نفسه وهذا الطائر هو الصفا. وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
وحكمه:
الحل لأنه من نوع العصافير.
الخواص:
قال القزويني في عجائب المخلوقات: يذبح التنوط بسكين ويسقى دمه لمن يعربد في سكره فلا يعود إلى ذلك أبدا ومرارته تطبخ بالسكر وتسقى لصبي فيحسن خلقه.
وعظمه يعلق على الصبي وقت زيادة القمر فيبقى محبوبا إلى الناس ولو كان كريه اللقاء.
التنين:
ضرب من الحيات كأكبر ما يكون منها وكنيته أبو مرداس وهو أيضا نوع من السمك. وقال القزويني في عجائب المخلوقات: إنه شر من الكوسج، في فمه أنياب مثل أسنة الرماح. وهو طويل كالنخلة السحوق، أحمر العينين مثل الدم، واسع الفم والجوف، براق العينين يبتلع كثيرا من الحيوان، يخافه حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لشدة قوته وأول أمره يكون حية متمردة تأكل من دواب البر ما ترى، فإذا كثر فسادها، احتملها ملك وألقاها في البحر، فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعله بدواب البر، فيعظم بدنها فيبعث الله إليها ملكا يحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج. روي عن بعضهم أنه رأى تنينا طوله نحو من فرسخين، ولونه مثل لون النمر مفلسا مثل فلوس السمك بجناحين عظيمين، على هيئة جناحي السمك، ورأسه كرأس الإنسان لكنه كالتل العظيم، وأذناه طويلتان وعيناه مدورتان كبيرتان جدا. روى ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا تنهشه وتلدغه، حتى تقوم الساعة لو أن تنينا منها نفخ على الأرض ما نبتت خضرا» .
ورواه «١» الترمذي عنه مطولا. قال: دخل رسول الله ﷺ يوم مصلاه، فرأى ناسا كأنهم يكشرون
стр. 237
فقال: أما أنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى، أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت التراب، أنا بيت الدود والهوام. فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا، أما إن كنت لمن أحب من يمشي على ظهري إلي فمذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك قال: فيتسع له قبره مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة وإذا دفن العبد الكافر أو الفاجر، يقول له القبر: لا مرحبا ولا أهلا أما إن كنت لمن أبغض من يمشي على ظهري إلي فمذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه حتى يلتقي وتختلف أضلاعه. قال: وقال رسول الله ﷺ : بأصابع يديه هكذا وشبكها. ثم يقيض له تسعون تنينا أو تسعة وتسعون تنينا لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا فتنهشه وتخدشه حتى يبعث إلى الحساب «١» » . قال: وقال «٢» رسول الله ﷺ : «إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» . وروى الأئمة أن موسى ﵊ لما قال لشعيب ﵊: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ
«٣» الآية.
أمره لما جن الليل أن يدخل بيتا عينه له، ويأخذ منه عصا من العصي التي فيه دخل موسى البيت، وأخذ العصا التي أخرجها آدم معه من الجنة، وكانت من آس الجنة، فتوارثها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى صارت إلى شعيب ﵇، فأمره أن يلقيها في البيت ويدخل ويأخذ عصا أخرى فدخل وأخرجها، كذلك سبع مرات فعلم شعيب أن لموسى شأنا، فلما أصبح قال له سق الأغنام إلى مفرق الطريق، ثم خذ عن يمينك، وليس بها عشب كثير، ولا تأخذ عن يسارك فإنها وإن كان بها عشب كثير، ففيها تنين كبير يقتل المواشي فساق موسى الأغنام إلى مفرق الطريق، فأخذت نحو اليسار ولم يقدر على ردها فسرحها في الكلأ، ثم نام فخرج التنين فحاربته العصا حتى قتلته فلما انتبه موسى رأى العصا مخضوبة بالدم والتنين مقتولا، فعاد إلى شعيب فأخبره الخبر فسر بذلك، وقال: كل ما ولدت هذه المواشي ذا لونين في هذه السنة فهو لك. فقدر الله تعالى أن ولدت كلها في تلك السنة ذا لونين. فعلم شعيب أن لموسى عند الله مكانة، فأقام عنده ثمانيا وعشرين سنة إلى أن تمت له أربعون سنة ثم خرج عنه بأهله.
وأما حكمه
: فعلى ما قال القزويني أكله حرام لكونه من جنس الحيات وعلى أنه سمك يؤذي بنابه فالظاهر التحريم أيضا كالتمساح.
الخواص:
زعموا أن أكل لحمه يورث الشجاعة ودمه إذا طلي به على الذكر وجامع امرأته حصل لها لذة عظيمة.
التعبير:
التنين في المنام ملك فإن كان له رأسان أو ثلاثة فهو أشد لشره. والمريض إذا رأى تنينا دل على موته. ومن الرؤيا المعبرة أن امرأة رأت في منامها كأنها وضعت تنينا فولدت ولدا زمنا وذلك لأن التنين يجر نفسه إذا مشى وكذلك الزمن يجر نفسه.
стр. 238
التورم:
القطقاط: قال ابن بختيشوع: هو على شكل الحمامة، ويقال له طير التمساح قال: وفي جناحه شوكتان هما سلاحه إذا أطبق عليه التمساح فمه تخسه، فيفتح فاه فيخرج كما تقدم قال: ومن خواصه إذا أخذتا يعني الشوكتين أو إحداهما وصيرتا في موضع قد بال فيه إنسان مرض ذلك الإنسان، ولم يزل مريضا حتى تنزع الشوكة من ذلك المكان الذي بال فيه، وإذا علق قلبه على من به وجع المعدة أبرأه الله تعالى.
التولب:
الجحش قالوا «١» «أطوع من تولب» . قال سيبويه: هو مصروف لأنه فوعل.
ويقال للأتان أم تولب وسيأتي حكمه في باب الحاء المهملة إن شاء الله تعالى.
التيس:
الذكر من المعز والوعول والجمع تيوس وأتياس قال الهذلي:
من فوقه أنسر سود وأغربة ... وتحته أعنز كلف وأتياس
والتياس الذي يمسكه، ويقال: في فلان تيسية وناس يقولون تيوسية. قال الجوهري: ولا أعرف صحتها. ويقال للذكر من الضباء أيضا تيس ويقال نب التيس ينب نبيبا إذا صاح وهاج وقد مثل النبي ﷺ بذلك فيما روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال «٢» : «أتي رسول الله ﷺ برجل قصير أشعث، ذي عضلات عليه إزار قد زنى فرده مرتين ثم أمر به فرجم فقال رسول الله ﷺ كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدكم ينب نبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة إن الله لا يمكنني من أحد منهم إلا جعلته نكالا أو نكلته» . وفي كامل ابن عدي في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ بعث إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه بقطيع من غنم يقسمها بين أصحابه فبقي منها تيس فضحى به. وفيه في ترجمة أبي صالح كاتب الليث بن سعد واسمه عبد الله بن صالح عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بالتيس المستعار هو المحلل» . ثم قال: «لعن الله المحلل والمحلل له» . «٣» والحديث المذكور رواه الدارقطني وابن ماجه عن كاتب الليث بن سعد عن مشرح بن هاعان المصري عن عقبة بن عامر بإسناد حسن. وكذلك رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. قيل: إنما لعنه النبي ﷺ مع حصول التحليل لأن التماس ذلك هتك للمروءة والملتمس ذلك هو المحلل له، وإعارة التيس للوطء. لغرض الغير أيضا رذيلة. ولذلك شبهه بالتيس المستعار وإنما يكون كالتيس المستعار إذا سبق التماس من المطلق، والعرب تعير بإعارة التيس قال الشاعر:
وشر منيحة تيس معار.
وفي آخر شفاء الصدور لابن سبع السبتي عن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى
стр. 239
عنهم قال: كنت مع أبي بعد ما كف بصره وهو بمكة فمررنا على قوم من أهل الشام في صفة زمزم، فسبوا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقال لسعيد بن جبير وهو يقوده: ردني إليهم فرده فقال: أيكم الساب لله ولرسوله فقالوا: سبحان الله ما فينا أحد سب الله ورسوله. فقال: أيكم الساب لعلي؟ قالوا: أما هذا فقد كان. فقال ابن عباس إني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول «١» : «من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله كبه الله تعالى على منخريه في النار» . ثم ولى عنهم فقال: يا بني ما رأيتهم صنعوا فقلت يا أبت:
نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر
فقال زدني يا بني فقلت:
شزر العيون منكسي أذقانهم ... نظر الذليل إلى العزيز القاهر
اه- وفي تهذيب الكمال، في ترجمة عبد العزيز بن منيب القرشي، وكان طويل اللحية أن علي بن حجر السعدي نظر إليه وقال:
ليس بطول اللحى ... تستوجبون القضا
إن كان هذا كذا ... فالتيس عدل رضا
قال: ومكتوب في التوراة لا يغرنك طول اللحى فإن التيس له لحية. وسيأتي في المعز بيان حكمه. وفي تاريخ الإسلام للعلامة الذهبي أن في سنة تسع وتسعين ومائتين وردت هدايا مصر على المقتدر فيها خمسمائة ألف دينار وتيس له ضرع يحلب لبنا وضلع إنسان عرض شبر في طول أربعة عشر شبرا، وفي كتاب الترغيب والترهيب في باب ذم الحاسد من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «يأتي على أمتي زمان يحسد فيه الفقهاء بعضهم بعضا ويغار بعضهم على بعض كتغاير التيوس بعضها على بعض» وفي الحلية عن مالك بن دينار أنه قال: تجوز شهادة القراء في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض فإنهم أشد تحاسدا من التيوس في الزرب. اهـ. قال الجوهري: الزرب والزربية حظيرة الغنم من خشب. وفي مروج الذهب للمسعودي وشرح السيرة للحافظ قطب الدين وغيرهما أن أم الحجاج بن يوسف، وهي الفارعة بنت همام، كانت تحث الحارث بن كلدة الثقفي «٢» ، حكيم العرب، فدخل عليها ليلة في السحر فوجدها، تتخلل فطلقها، فسألته عن سبب ذلك؟ فقال: دخلت عليك في السحر فوجدتك تتخللين، فإن كنت بادرت الغداء فأنت شرهة، وإن كنت بت والطعام بين أسنانك فأنت قذرة.
فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شظايا السواك. فتزوجها بعده يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، فأولدها الحجاج وكان الحجاج مشوها لا دبر له فثقب دبره وأبى أن يقبل ثدي أمه وغيرها فأعياهم أمره فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة فقال: ما خبركم
стр. 240
فقالوا: لنا ولد ليوسف من الفارعة، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه. فقال: اذبحوا له تيسا أسود وألعقوه دمه. ثم ذبحوا له أسود سالحا وأولغوه من دمه، وأطلوا به وجهه ثلاثة أيام فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع. ففعلوا به كذلك فقبل الثدي. وكان لا يصبر عن سفك الدماء وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء. وارتكب أمورا لا يقدر عليها غيره. وفي تاريخ «١» ابن خلكان أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج كتابا يتهدده في آخره بهذه الأبيات:
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها ... وتطلب رضاي بالذي أنا طالبه «٢»
وتخش الذي يخشاه مثلك هاربا ... إليّ فها قد ضيع الدر جالبه
فإن ترمني غفلة قرشية ... فيا ربما قد غصّ بالماء شاربه
وإن ترمني وثبة أموية ... فهذا وهذا كله أنا صاحبه
فلا تأمنني والحوادث جمة ... فإنك تجزي بالذي أنت كاسبه «٣»
فأجابه الحجاج وقال في آخر جوابه: وأما ما أتاني من أمريك فألينهما غرة، وأصعبهما محنة، وقد عبأت للغرة الجلد وللمحنة الصبر، فلما قرأ عبد الملك كتابه قال: خاف أبو محمد صولتي ولن أعود إلى ما يكره. وكان الحجاج كثيرا ما يسأل القراء، فدخل عليه يوما رجل فقال له الحجاج: ما قبل قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ
«٤» ؟ فقال له الآخر: قوله تعالى «٥» قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
فما سأل أحدا بعدها. وقال الحجاج لرجل من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث «٦» : والله إني لأبغضك. فقال الرجل: أدخل الله أشدنا بغضا لصاحبه الجنة. وكان أول ما ظهر من كفاءة الحجاج أنه كان في شرطة روح بن زنباع «٧» وزير عبد الملك بن مروان، وكان عسكر عبد الملك لا يرحل برحيله ولا ينزل بنزوله. فشكا عبد الملك ذلك لروح بن زنباع فقال له: يا أمير المؤمنين في شرطتي رجل يقال له الحجاج بن يوسف، لو ولاه أمير المؤمنين أمر العسكر، لأرحل الناس برحيل أمير المؤمنين وأنزلهم بنزوله. فولاه عبد الملك أمر العسكر فأرحل الناس برحيل عبد الملك وأنزلهم بنزوله. فرحل يوما عبد الملك ورحل الناس، وتأخر أصحاب روح بن زنباع عن الرحيل، فمرّ عليهم الحجاج وهم يأكلون، فقال لهم: ما بالكم لن ترحلوا مع العسكر؟ فقالوا له: انزل وتغد ودع عنك هذا الكلام يا ابن اللخناء. فقال: هيهات ذهب ما هناك ثم أمر بهم فضربت أعناقهم، وبخيل روح فعرقبت، وبالفساطيط فأحرقت فبلغ ذلك
стр. 241
روحا، فدخل على عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين انظر ماذا جرى علي اليوم من الحجاج! فقال:
وما ذاك؟ قال: قتل غلماني وعرقب خيلي وأحرق فساطيطي فأمر بإحضار الحجاج، فلما حضر قال له عبد الملك: ويلك ماذا فعلت اليوم مع سيدك روح بن زنباع؟ فقال له: يا أمير المؤمنين إن يدي يدك وسوطي سوطك وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الغلام غلامين، والفرس فرسين، والفسطاط فسطاطين، ولا يسكرني في العسكر. فقال له: افعل، فتم للحجاج ما يريد وقوي من ذلك اليوم أمره، وعظم شره. وكان هذا أول ما عرف من كفاءته. وللحجاج أخبار كثيرة وخطب بليغة: قال المبرد في الكامل: حدثني التوزي بإسناده عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: بينما أنا في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ قيل: قدم الحجاج أميرا على العراق، فنظرت فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه، متقلدا سيفا متنكبا قوسا، يؤم المنبر فمال الناس نحوه، فصعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق! فقال عمير بن ضابىء البرجمي «١» : ألا أحصبه لكم؟ فقيل: أمهل حتى ننظر. فلما رأى الحجاج أعين الناس ترمقه، حسر اللثام عن وجهه ونهض قائما ثم حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي ﷺ ثم قال «٢» :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى.
هذا أوان الشر فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم «٣»
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
ثم قال:
قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي «٤»
مهاجر ليس بأعرابي ... معاود للطعن بالخطّي «٥»
ثم قال أيضا:
قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدّت الحرب بكم فجدّوا
والقوس فيها وترعردّ ... مثل ذراع البكر أو أشد
стр. 242
إني والله يا أهل العراق، مما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التنين، ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وإن أمير المؤمنين نثل كنانته، فعجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرها عودا، وأصلبها مكسرا، وأبعدها مرمى، فرماكم بي، لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرابيب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وإني والله ما أقول إلا وفيت، ولا أهم إلا أمضيت، ولا أحلف إلا بريت وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوّكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أن أخذ عطائه ثلاثة أيام، إلا ضربت عنقه. يا غلام اقرأ كتاب أمير المؤمنين فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم فلم يقل أحد شيئا فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس، فقال: أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردّوا سلامه؟ هذا أدب ابن سمية، أما والله لأودّبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين فلما بلغ إلى قوله سلام عليكم لم يبق في المسجد أحد إلا قال وعلى أمير المؤمنين السلام. ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم فجعلوا يأخذون، حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي ابن هو أقوى مني على الأسفار أفتقبله مني بدلا فقال له الحجاج: نفعل أيها الشيخ. فلما ولى، قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال:
لا، قال: هذا عمير بن ضابىء البرجمي الذي يقول «١» أبوه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان رضي الله تعالى عنه، يوم الدار وهو مقتول، فوطىء بطنه وكسر ضلعين من أضلاعه، فقال: ردّوه، فلما ردّ قال له الحجاج: أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان بديلا يوم الدار. إن في قتلك إصلاحا للمسلمين: يا حرسي اضرب عنقه.
تفسير ما في خطبة الحجاج من الكلام: قوله: أنا ابن جلا إنما أراد المنكشف الأمر، ولم يصرف جلا لأنه أراد الفعل فحكى. والفعل إذا كان فيه فاعله مضمرا أو مظهرا لم يكن إلا حكاية. كقولك قرأت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «٢»
لأنك حكيت وكذلك الابتداء والخبر تقول قرأت: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٣» *
قال الشاعر:
والله ما زيد بنام صاحبه.
وهذه الكلمة لسحيم بن وثيل الرياحي، وإنما قالها الحجاج متمثلا وقوله طلاع الثنايا جمع ثنية والثنية الطريق في الجبل والطريق في الرمل، يقال لها: الجلد وإنما أراد جلد يطلع الثنايا في
стр. 243
ارتفاعها وصعوبتها. كما قال دريد «١» بن الصمة يرثي أخاه عبد الله:
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... بعيد من السوآت طلاع أنجد «٢»
والنجد ما ارتفع من الأرض وقوله: إني لأرى رؤوسا، قد أينعت، يريد أدركت يقال أينعت الثمرة إيناعا وينعت ينعا وينعا ويقرأ انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه وينعه، وكلاهما جائز قال أبو عبيدة وهذا الشعر مختلف فيه فبعضهم ينسبه إلى الأحوص «٣» وبعضهم إلى يزيد بن معاوية «٤» وهو:
ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا
حرقة حتى إذا ارتفعت ... سكنت من جلق نبعا
في قباب عند دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا
وقوله: هذا أوان الشر فاشتدي زيم، يعني فرسا أو ناقة، والشعر للحطيم القيسي. وقوله:
قد لفها الليل بسواق حطم. الحطم الذي لا يبقي من الخبز شيئا، يقال: رجل حطم إذا كان يأتي على الزاد لشدة أكله. ويقال للنار التي لا تبقي على شيء حطمة. وقوله: على ظهر وضم الوضم كل ما قطع عليه اللحم قال الشاعر:
وفتيان صدق حسان الوجوه ... لا يجدون لشيء ألم
من آل المغيرة لا يشهدو ... ن عند المجازر لحم الوضم
وقوله قد لفها الليل بعصلبي: أي شديد أروع أي ذكي. وقوله خراج من الدوي: يقول خراج عن كل غماء وشدة، ويقال للصحراء دوية وهي التي تنسب للدو، والدو صحراء ملساء لا علم بها ولا إمارة قال الحطيئة «٥» :
وأني اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الدو بالليل يهتدي «٦»
والداوية الفلاة المتسعة التي يسمع لها دوي بالليل، وإنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل تنفسخ أصواتها فيها وجهلة الأعراب تقول: إن ذلك عزيف الجن. وقوله: والقوس فيها وترعردّ أي شديد ويقال عرند. وقوله: إني والله ما يقعقع لي بالشنان واحدها شن. وهي الجلد اليابس فإذا
стр. 244
قعقع به نفرت الإبل منه فضرب ذلك مثلا لنفسه، قال النابغة الذبياني «١» :
كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع بين رجليه بشن
وقوله: ولقد فررت عن ذكاء يعني عن تمام سن. والذكاء على ضربين: أحدهما تمام السن والآخر حدّة القلب، فما جاء في تمام السن قول قيس «٢» بن زهير العبسي جرى المذكيات غلاب وقول زهير «٣» :
يفضله إذا اجتهدا عليه ... تمام السن منه والذكاء
وقوله: فعجم عيدانها عودا عودا: أي مضغها لينظر أيها أصلب. يقال: عجمت العود إذا مضغته وعضضته والمصدر العجم. يقال: عجمه عجما، ويقال لنوى كل شيء عجم بفتح الجيم ومن سكن فقد أخطأ قال الأعشى:
وجذعانها كلقيط العجم وقوله: طالما أوضعتم في الفتنة: الإيضاع ضرب من السير وله أخبار كثيرة تركناها كراهية التطويل. قال ابن خلكان: ولما حضرته الوفاة أحضر منجما وقال: هل ترى في علمك أن ملكا يموت؟ قال: نعم، ولست هو. قال وكيف ذلك؟ قال: لأن الملك الذي يموت اسمه كليب. فقال الحجاج: أنا هو والله بذلك الاسم سمتني أمي فأوصى عند ذلك وكان ينشد في مرضه:
يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهم ... ما ظنهم بعظيم العفو غفار «٤»
وتوفي الحجاج سنة خمس وتسعين في خلافة الوليد بواسط، ودفن بها، وعفا قبره وأجري عليه الماء ولما مات لم يعلم بموته، حتى خرجت جارية من قصره وهي تقول:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
فعلم بموته. وقال الحافظ الذهبي وابن خلكان وغيرهما: أحصي من قتله الحجاج صبرا، سوى من قتل في حروبه، فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا. وكذا رواه الترمذي في جامعه. ومات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفا مجردات. وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد. وعرضت سجونه بعده، فوجد فيها ثلاثة وثلاثون ألفا لم يجب على أحد منهم لا قطع ولا صلب. وقال الحافظ ابن عساكر: إن سليمان بن عبد الملك، أخرج من كان في سجن الحجاج من المظلومين. ويقال: إنه أخرج في يوم واحد ثمانين ألفا. ويقال: إنه
стр. 245
أخرج من سجونه ثلاثمائة ألف. وقال ابن خلكان: ولم يكن لحبسه سقف يستر الناس من الشمس في الصيف، ولا من المطر في الشتاء، بل كان حوشا مبنيا بالرخام. وكان له غير ذلك من أنواع العذاب. وقيل: إنه سأل كاتبه يوما فقال: كم عدة من قتلنا في التهمة؟ فقال ثمانون ألفا.
وكانت مدة ولايته على العراق عشرين سنة، ومات وله ثلاث وخمسون سنة. روي أنه ركب يوم جمعة، فسمع ضجة، فقال: ما هذا؟ فقيل: المحبوسون يضجون ويشكون مما هم فيه، من الجوع والعذاب. فالتفت إلى ناحيتهم وقال: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
«١» . فما صلى جمعة بعدها. ورأيت على حاشية تاريخ ابن خلكان بخط بعض المشايخ أن بعض العلماء كفره بهذا الكلام وغيره مما وقع منه. وفي الكامل للمبرد: ومما كفر به الفقهاء الحجاج أنه رأى الناس يطوفون حول حجرة رسول الله ﷺ فقال: إنما تطوفون بأعواد ورمة. قلت: وإنما كفروه بهذا لأن في هذا الكلام تكذيبا لرسول الله ﷺ نعوذ بالله من اعتقاد ذلك. فإنه صح عنه ﷺ أنه قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» أخرجه «٢» أبو داود وذكر أبو جعفر الداودي هذا الحديث بزيادة ذكر الشهداء والعلماء والمؤذنين. وهي زيادة غريبة. قال السهيلي:
الداودي من أهل الفقه والعلم. ولكن روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀، أنه رأى الحجاج في المنام بعد موته وهو جيفة منتنة، فقال له: ما فعل الله بك قال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة واحدة إلا سعيد بن جبير «٣» فإنه قتلني به سبعين قتلة. فقال له: ما أنت منتظر؟ فقال ما ينتظره الموحدون فهذا مما ينفي عنه الكفر. ويثبت أنه مات على التوحيد وعند الله علم حاله وهو أعلم بحقيقة أمره.
تنبيه:
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى قتل الحجاج بكل قتيل قتله قتلة واحدة إلا سعيد بن جبير رحمه الله تعالى؟ وهو قد قتل عبد الله بن الزبير «٤» رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي وسعيد بن جبير تابعي؟ والصحابي أفضل من التابعيّ فالجواب أن الحكمة في ذلك، أن الحجاج لما قتل عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما كان له نظراء في العلم كثيرون كابن عمر وأنس بن مالك وغيرهما من الصحابة، ولما قتل سعيد بن جبير لم يكن له نظير في العلم في وقته.
وذكر غير واحد من المصنفين أن الحسن البصري ﵀ لما بلغه قتل سعيد بن جبير، قال: والله لقد مات سعيد بن جبير يوم مات وأهل الأرض من مشرقها إلى مغربها محتاجون لعلمه. فمن هذا المعنى ضوعف العذاب على الحجاج بقتله. والله أعلم. وسيأتي حديث قتل سعيد بن جبير في باب اللام في اللبوة. وقتل عبد الله بن الزبير تقدم في باب الهمزة في الأوز.
стр. 246
الأمثال:
قالوا «١» : «أغلم من تيس بني حمان» بكسر الحاء المهملة، وذلك أن بني حمان تزعم أن تيسهم سفد سبعين عنزا بعد ما فريت أوداجه، ففخروا بذلك والله أعلم. ويقال للتيس قفط وسفد. وفي الأذكياء «٢» لابن الجوزي أن مزينة أسرت أبا حسان الأنصاري، وقالوا لا نأخذ فداءه إلا تيسا، فغضب قومه، وقالوا: لا نفعل هذا فأرسل إليهم: أعطوهم ما طلبوا فلما جاؤوا بالتيس، قال أعطوهم أخاهم وخذوا أخاكم فسموا مزينة التيس، وصار لهم لقبا وعيبا.
الخواص:
جميع بدنه منتن كالإبط، ولحيته تشد على صاحب حمى الربع، وعلى من به صداع فيزولان. وطحاله يقطعه صاحب الطحال بيده، ويعلقه في بيت هو فيه، فإذا جف الطحال زال ألم المطحول. ورطوبة كبده حال شقها تقطر في الأذن الوجيعة يزول وجعها. وكعبه إذا سحق وشرب هيج الباه وبوله يغلى حتى يغلظ ويخلط بمثله سكرا ويطلى به الجرب في الحمام فإنه يذهب. وبعره إذا وضع تحت رأس صبي يبكي كثيرا يزول عنه. وسيأتي له منافع أخرى في خواص المعز والله أعلم.
باب الثاء المثلثة
الثاغية:
النعجة قالوا: ما له ثاغية ولا راغية، أي لا نعجة ولا ناقة أي ما له شيء ومثله ما له دقيقة ولا جليلة فالدقيقة الشاة والجليلة الناقة.
الثرملة:
بالضم أنثى الثعالب وسيأتي إن شاء الله تعالى ما في الثعلب في هذا الباب.
الثعبان:
الكبير من الحيات ذكرا كان أو أنثى. والجمع الثعابين والثعبة ضرب من الوزغ وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الواو. وقال الجاحظ، في كتاب الأمصار: وتفاضل البلدان والثعابين بمصر وليست هي في بلد غيرها، وإليها حول الله عصا موسى ﷺ ، قال الله تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ «٣» *
يعني أنه حولها ثعبانا عظيما ومما يتعلق بخبر الثعبان: أن عبد الله بن جدعان «٤» ، كان في ابتداء أمره صعلوكا ترب اليدين، وكان مع ذلك شريرا فاتكا لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه وحلف لا يؤويه أبدا. فخرج في شعاب مكة حائرا ثائرا، يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل، فظن أن فيه حية فتعرض للشق يريد أن يكون فيه ما يقتله فيستريح، فلم ير شيئا فدخل فيه فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان تقدان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان. فأفرج له فانساب عنه مستديرا بدارة عند بيت ثم خطا خطوة أخرى، فصفر به الثعبان، فأقبل إليه كالسهم فأفرج له فانساب عنه، فوقف ينظر إليه يفكر في أمره، فوقع في نفسه أنه مصنوع فأمسكه بيديه فإذا هو مصنوع من ذهب، وعيناه ياقوتتان فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت، فإذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، وإذا هم رجال من ملوك جرهم،
стр. 247
وآخرهم موتا الحارث بن «١» مضاض صاحب العذبة الطويلة، وإذا عليهم ثياب من وشي لا يمس منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب في اللوح عظات. قال ابن هشام: كان اللوح من رخام وكان فيه أنا نفيلة «٢» بن عبد المدان بن خشرم بن عبديا ليل بن جرهم بن قحطان ابن نبي الله هود ﵇ عشت من العمر خمسمائة عام وقطعت غور الأرض ظاهرها وباطنها في طلب الثروة والمجد والملك فلم يكن ذلك ينجيني من الموت وتحته مكتوب:
قد قطعت البلاد في طلب الثر ... وة والمجد قالص الأثواب
وسريت البلاد قفر القفر ... بقناة وقوة واكتساب
فأصاب الردى بنات فؤادي ... بسهام من المنايا صياب
فانقضت مدتي وأقصر جهلي ... واستراحت عواذلي من عتابي
ودفعت السفاه بالحلم لما ... نزل الشيب في محل الشباب
صاح هل ريت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب
وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذ، ثم علم على الشق بعلامة. وأغلق بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به منه يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس ويفعل المعروف وكانت جفنته، يأكل منها الراكب على البعير وسقط فيها صبي فغرق ومات وفي غريب الحديث لابن قتيبة أن رسول الله ﷺ قال: «كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمي» . يعني في الهاجرة. وسميت الهاجرة صكة عمي لخبر ذكره أبو حنيفة في الأنوار، وهو أن عميا رجل من عدوان، وقيل: من إياد وكان فقيه العرب في الجاهلية فقدم في قومه، معتمرا أو حاجا، فلما كان على مرحلتين من مكة، قال لقومه، وهم في وسط الظهيرة: من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين! فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغداة.
وعمي تصير أعمى على الترخيم فسميت الظهيرة صكة عمي. وعبد الله بن جدعان تيمي يكنى أبا زهير، وهو ابن عم عائشة رضي الله تعالى عنها. ولذلك قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم العطام ويقري الضيف ويفعل المعروف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ قال ﷺ : «لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين «٣» » . كذا قاله السهيلي في الروض الأنف. وفي كتاب ري العاطش وأنس الواحش، لأحمد بن عمار «٤» أن ابن جدعان ممن حرم الخمر في الجاهلية، بعد أن كان بها مغرى، وذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يديه ويقبض على ضوء القمر ليأخذه فضحك منه جلساؤه، فأخبر بذلك حين صحا. فحلف أن لا يشربها أبدا. فلما كبر وهرم، أراد بنو تيم أن
стр. 248
يمنعون من تبذير ماله، ولاموه في العطاء، فكان يدعو الرجل، فإذا دنا منه، لطمه لطمة خفيفة، ثم يقول له: قم فانشد لطمتك واطلب ديتها، فإذا فعل ذلك أعطته بنو تيم من مال ابن جدعان.
ولقد أجاد أبو الفتح علي بن محمد البستي، صاحب النظم والنثر، في هذه القصيدة، وهي قصيدة طويلة طنانة تشتمل على مواعظ وحكم فلنأت بها بتمامها وبما ذيل عليها أهل الفضل. ويقال: إنها لأمير المؤمنين الراضي «١» بالله وهي هذه:
زيادة المرء في دنياه نقصان ... وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حظ لاثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان
يا عامرا لخراب الدهر مجتهدا ... بالله هل لخراب العمر عمران
ويا حريصا على الأموال يجمعها ... أنسيت أن سرور المال أحزان
زع الفؤاد عن الدنيا وزخرفها ... فصفوها كدر والوصل هجران
وأوع سمعك أمثالا أفصلها ... كما يفصل ياقوت ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان، إحسان
وكن على الدهر معوانا لذي أمل ... يرجو نداك فإن الحر معوان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتان
من كان للخير منّاعا فليس له ... عند الحقيقة إخوان وأخدان «٢»
لا تخدشن بمطل وجه عارفة ... فالبر يخدشه مطل وليان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
من يتق الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
حسب الفتى عقله خلا يعاشر ... إذا تحاماه إخوان وخلان
لا تستشر غير ندب حازم فطن ... قد استوى منه إسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيت مقدرة ... وكل أمر له حد وميزان
من رافق الرفق في كل الأمور فلم ... يندم عليه ولم يذممه إنسان
ولا تكن عجلا في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران
وذو القناعة راض في معيشته ... وصاحب الحرص ان أثرى فغضبان
كفى من العيش ما قد سد من رمق ... ففيه للحران حققت غنيان
هما رضيعا لبان حكمة وتقى ... وساكنا وطن مال وطغيان
من مد طرفا بفرط الجهل نحو هوى ... أغضى عن الحق يوما وهو خزيان
من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان
من عاشر الناس لاقى منهم نصبا ... لأن طبعهم بغي وعدوان «٣»
стр. 249
ومن يفتش على الإخوان مجتهدا ... فجل إخوان هذا الدهر خوان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزرع إبان
من استنام إلى الأشرار نام وفي ... قميصه منهم صل وثعبان
من سالم الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان
وإن أساء مسيء فليكن لك في ... عروض زلته صفح وغفران
إذا نبا بكريم موطن فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان
لا تحسبن سرورا دائما أبدا ... من سره زمن ساءته أزمان
يا ظالما فرحا بالعز ساعده ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان
يا أيها العالم المرضي سيرته ... أبشر فأنت بغير الماء ريان
ويا أخا الجهل لو أصبحت في لجج ... فأنت ما بينها لا شك ظمآن
دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيرات كسلان
صن حر وجهك لا تهتك غلالته ... فكل حر لحر الوجه صوان
لا تحسب الناس طبعا واحدا فلهم ... غرائز لست تحصيها وألوان
ما كل ماء كصداء لوارده ... نعم ولا كل نبت فهو سعدان
من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان
واشدد يديك بحبل الله معتصما ... فإنه الركن إن خانتك أركان
لا ظل للمرء يغني عن تقى ورضا ... وإن أظلته أوراق وأفنان
سحبان من غير مال باقل حصر ... وباقل في ثراء المال سحبان «١»
والناس إخوان من والته دولته ... وهم عليه إذا عادته أعوان
يا رافلا في الشباب الرحب منتشيا ... من كأسه هل أصاب الرشد نشوان
لا تغترر بشباب ناعم خضل ... فكم تقدم قبل الشيب شبان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الإسراف إمعان
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ... ما بال شيبك يستهويه شيطان
كل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيع المرء إخلاص وإيمان
وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة ... فلا يدوم على الإنسان إمكان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمة ... والحر بالعدل والإحسان يزدان
خذها سرائر أمثال مهذبة ... فيها لمن يبتغي التبيان تبيان
ماضر حسابها والطبع صائغها ... إن لم يصغها قريع الشعر حسان
стр. 250
ومن هنا ذيل من ذيل عليها فقال:
وكن لسنة خير الخلق متبعا ... فإنها لنجاة العبد عنوان
فهو الذي شملت للخلق أنعمه ... وعمهم منه في الدارين إحسان
جبينه قمر قد زانه خفر ... وثغره درر غر ومرجان
والبدر يخجل من أنوار طلعته ... والشمس من حسنه الوضاح تزدان
به توسلنا في محو زلتنا ... لربنا أنه ذو الجود منان
ومذ أتى أبصرت عمى القلوب به ... سبل الهدى ووعت للحق آذان
يا رب صل عليه ما همي مطر ... فأينعت منه أوراق وأغصان
وابعث إليه سلاما زاكيا عطرا ... والآل والصحب لا تفنيه أزمان
ومن نثرة، يعني أبا القاسم البستي: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. ومن أطاع غضبه، أضاع أدبه عادات السادات سادات العادات. من سعادة جدك، وقوفك عند حدك. الرشوة رشاء الحاجات. أجهل الناس من كان للإخوان مذلا، وعلى السلطان مدلا.
الفهم شعاع العقل. المنية تضحك من الأمنية. حد العفاف الرضا بالكفاف.
توفي البستي ﵀ سنة أربعمائة.
ثعالة:
كنخالة وزبالة وفضالة ثلاثة أخوة يشبه بعضهم بعضا: اسم للثعلب وهو معرفة وأرض مثعلة بالفتح، أي كثيرة الثعالب كما قالوا: معقرة للأرض من الكثيرة العقارب.
الأمثال:
قالوا «١» : «أروغ من ثعالة» . قال الشاعر:
فاحتلت حين صرمتني ... والمرء يعجز لا محاله
والدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعاله
والمرء يكسب ماله ... والشيخ يورثه الفساله
والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله
وقالوا: «أعطش من ثعالة» . «٢» واختلفوا في تفسيره، فزعم محمد بن حبيب أنه الثعلب ، وخالفه ابن الأعرابي فزعم أن ثعالة رجل من بني مجاشع شرب بول رفيق له في مفازة فمات عطشا.
الثعبة
: ضرب من الوزغ قاله الجوهري.
الثعلب:
معروف، والأنثى ثعلبة، والجمع ثعالب وأثعل. روى ابن قانع في معجمه عن وابصة بن معبد، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «شر السباع هذه الأثعل» . يعني الثعالب. وكنية الثعلب أبو الحصين وأبو النجم وأبو نوفل وأبو الوثاب وأبو الحنبص. والأنثى أم عويل والذكر ثعلبان. وأنشد الكسائي عليه:
следующие страницы →