← Адаб

Адаб · id 10664

حياة الحيوان الكبرى

الدميري

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأمثال: قالوا «١» : «أغلم من تيس بني حمان» بكسر الحاء المهملة، وذلك أن بني حمان تزعم أن تيسهم سفد سبعين عنزا بعد ما فريت أوداجه، ففخروا بذلك والله أعلم. ويقال للتيس قفط وسفد. وفي الأذكياء «٢» لابن الجوزي أن مزينة أسرت أبا حسان الأنصاري، وقالوا لا نأخذ فداءه إلا تيسا، فغضب قومه، وقالوا: لا نفعل هذا فأرسل إليهم: أعطوهم ما طلبوا فلما جاؤوا بالتيس، قال أعطوهم أخاهم وخذوا أخاكم فسموا مزينة التيس، وصار لهم لقبا وعيبا. الخواص: جميع بدنه منتن كالإبط، ولحيته تشد على صاحب حمى الربع، وعلى من به صداع فيزولان. وطحاله يقطعه صاحب الطحال بيده، ويعلقه في بيت هو فيه، فإذا جف الطحال زال ألم المطحول. ورطوبة كبده حال شقها تقطر في الأذن الوجيعة يزول وجعها. وكعبه إذا سحق وشرب هيج الباه وبوله يغلى حتى يغلظ ويخلط بمثله سكرا ويطلى به الجرب في الحمام فإنه يذهب. وبعره إذا وضع تحت رأس صبي يبكي كثيرا يزول عنه. وسيأتي له منافع أخرى في خواص المعز والله أعلم. باب الثاء المثلثة الثاغية: النعجة قالوا: ما له ثاغية ولا راغية، أي لا نعجة ولا ناقة أي ما له شيء ومثله ما له دقيقة ولا جليلة فالدقيقة الشاة والجليلة الناقة. الثرملة: بالضم أنثى الثعالب وسيأتي إن شاء الله تعالى ما في الثعلب في هذا الباب. الثعبان: الكبير من الحيات ذكرا كان أو أنثى. والجمع الثعابين والثعبة ضرب من الوزغ وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الواو. وقال الجاحظ، في كتاب الأمصار: وتفاضل البلدان والثعابين بمصر وليست هي في بلد غيرها، وإليها حول الله عصا موسى ﷺ ، قال الله تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ «٣» * يعني أنه حولها ثعبانا عظيما ومما يتعلق بخبر الثعبان: أن عبد الله بن جدعان «٤» ، كان في ابتداء أمره صعلوكا ترب اليدين، وكان مع ذلك شريرا فاتكا لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه وحلف لا يؤويه أبدا. فخرج في شعاب مكة حائرا ثائرا، يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل، فظن أن فيه حية فتعرض للشق يريد أن يكون فيه ما يقتله فيستريح، فلم ير شيئا فدخل فيه فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان تقدان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان. فأفرج له فانساب عنه مستديرا بدارة عند بيت ثم خطا خطوة أخرى، فصفر به الثعبان، فأقبل إليه كالسهم فأفرج له فانساب عنه، فوقف ينظر إليه يفكر في أمره، فوقع في نفسه أنه مصنوع فأمسكه بيديه فإذا هو مصنوع من ذهب، وعيناه ياقوتتان فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت، فإذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، وإذا هم رجال من ملوك جرهم،

стр. 247

وآخرهم موتا الحارث بن «١» مضاض صاحب العذبة الطويلة، وإذا عليهم ثياب من وشي لا يمس منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب في اللوح عظات. قال ابن هشام: كان اللوح من رخام وكان فيه أنا نفيلة «٢» بن عبد المدان بن خشرم بن عبديا ليل بن جرهم بن قحطان ابن نبي الله هود ﵇ عشت من العمر خمسمائة عام وقطعت غور الأرض ظاهرها وباطنها في طلب الثروة والمجد والملك فلم يكن ذلك ينجيني من الموت وتحته مكتوب: قد قطعت البلاد في طلب الثر ... وة والمجد قالص الأثواب وسريت البلاد قفر القفر ... بقناة وقوة واكتساب فأصاب الردى بنات فؤادي ... بسهام من المنايا صياب فانقضت مدتي وأقصر جهلي ... واستراحت عواذلي من عتابي ودفعت السفاه بالحلم لما ... نزل الشيب في محل الشباب صاح هل ريت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذ، ثم علم على الشق بعلامة. وأغلق بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به منه يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس ويفعل المعروف وكانت جفنته، يأكل منها الراكب على البعير وسقط فيها صبي فغرق ومات وفي غريب الحديث لابن قتيبة أن رسول الله ﷺ قال: «كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمي» . يعني في الهاجرة. وسميت الهاجرة صكة عمي لخبر ذكره أبو حنيفة في الأنوار، وهو أن عميا رجل من عدوان، وقيل: من إياد وكان فقيه العرب في الجاهلية فقدم في قومه، معتمرا أو حاجا، فلما كان على مرحلتين من مكة، قال لقومه، وهم في وسط الظهيرة: من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين! فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغداة. وعمي تصير أعمى على الترخيم فسميت الظهيرة صكة عمي. وعبد الله بن جدعان تيمي يكنى أبا زهير، وهو ابن عم عائشة رضي الله تعالى عنها. ولذلك قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم العطام ويقري الضيف ويفعل المعروف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ قال ﷺ : «لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين «٣» » . كذا قاله السهيلي في الروض الأنف. وفي كتاب ري العاطش وأنس الواحش، لأحمد بن عمار «٤» أن ابن جدعان ممن حرم الخمر في الجاهلية، بعد أن كان بها مغرى، وذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يديه ويقبض على ضوء القمر ليأخذه فضحك منه جلساؤه، فأخبر بذلك حين صحا. فحلف أن لا يشربها أبدا. فلما كبر وهرم، أراد بنو تيم أن

стр. 248

يمنعون من تبذير ماله، ولاموه في العطاء، فكان يدعو الرجل، فإذا دنا منه، لطمه لطمة خفيفة، ثم يقول له: قم فانشد لطمتك واطلب ديتها، فإذا فعل ذلك أعطته بنو تيم من مال ابن جدعان. ولقد أجاد أبو الفتح علي بن محمد البستي، صاحب النظم والنثر، في هذه القصيدة، وهي قصيدة طويلة طنانة تشتمل على مواعظ وحكم فلنأت بها بتمامها وبما ذيل عليها أهل الفضل. ويقال: إنها لأمير المؤمنين الراضي «١» بالله وهي هذه: زيادة المرء في دنياه نقصان ... وربحه غير محض الخير خسران وكل وجدان حظ لاثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان يا عامرا لخراب الدهر مجتهدا ... بالله هل لخراب العمر عمران ويا حريصا على الأموال يجمعها ... أنسيت أن سرور المال أحزان زع الفؤاد عن الدنيا وزخرفها ... فصفوها كدر والوصل هجران وأوع سمعك أمثالا أفصلها ... كما يفصل ياقوت ومرجان أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان، إحسان وكن على الدهر معوانا لذي أمل ... يرجو نداك فإن الحر معوان من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتان من كان للخير منّاعا فليس له ... عند الحقيقة إخوان وأخدان «٢» لا تخدشن بمطل وجه عارفة ... فالبر يخدشه مطل وليان يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على النفس فاستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان من يتق الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هانوا حسب الفتى عقله خلا يعاشر ... إذا تحاماه إخوان وخلان لا تستشر غير ندب حازم فطن ... قد استوى منه إسرار وإعلان فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان وللأمور مواقيت مقدرة ... وكل أمر له حد وميزان من رافق الرفق في كل الأمور فلم ... يندم عليه ولم يذممه إنسان ولا تكن عجلا في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران وذو القناعة راض في معيشته ... وصاحب الحرص ان أثرى فغضبان كفى من العيش ما قد سد من رمق ... ففيه للحران حققت غنيان هما رضيعا لبان حكمة وتقى ... وساكنا وطن مال وطغيان من مد طرفا بفرط الجهل نحو هوى ... أغضى عن الحق يوما وهو خزيان من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان من عاشر الناس لاقى منهم نصبا ... لأن طبعهم بغي وعدوان «٣»

стр. 249

ومن يفتش على الإخوان مجتهدا ... فجل إخوان هذا الدهر خوان من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزرع إبان من استنام إلى الأشرار نام وفي ... قميصه منهم صل وثعبان من سالم الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان من كان للعقل سلطان عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان وإن أساء مسيء فليكن لك في ... عروض زلته صفح وغفران إذا نبا بكريم موطن فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان لا تحسبن سرورا دائما أبدا ... من سره زمن ساءته أزمان يا ظالما فرحا بالعز ساعده ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان يا أيها العالم المرضي سيرته ... أبشر فأنت بغير الماء ريان ويا أخا الجهل لو أصبحت في لجج ... فأنت ما بينها لا شك ظمآن دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيرات كسلان صن حر وجهك لا تهتك غلالته ... فكل حر لحر الوجه صوان لا تحسب الناس طبعا واحدا فلهم ... غرائز لست تحصيها وألوان ما كل ماء كصداء لوارده ... نعم ولا كل نبت فهو سعدان من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان واشدد يديك بحبل الله معتصما ... فإنه الركن إن خانتك أركان لا ظل للمرء يغني عن تقى ورضا ... وإن أظلته أوراق وأفنان سحبان من غير مال باقل حصر ... وباقل في ثراء المال سحبان «١» والناس إخوان من والته دولته ... وهم عليه إذا عادته أعوان يا رافلا في الشباب الرحب منتشيا ... من كأسه هل أصاب الرشد نشوان لا تغترر بشباب ناعم خضل ... فكم تقدم قبل الشيب شبان ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الإسراف إمعان هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ... ما بال شيبك يستهويه شيطان كل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيع المرء إخلاص وإيمان وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران أحسن إذا كان إمكان ومقدرة ... فلا يدوم على الإنسان إمكان فالروض يزدان بالأنوار فاغمة ... والحر بالعدل والإحسان يزدان خذها سرائر أمثال مهذبة ... فيها لمن يبتغي التبيان تبيان ماضر حسابها والطبع صائغها ... إن لم يصغها قريع الشعر حسان

стр. 250

ومن هنا ذيل من ذيل عليها فقال: وكن لسنة خير الخلق متبعا ... فإنها لنجاة العبد عنوان فهو الذي شملت للخلق أنعمه ... وعمهم منه في الدارين إحسان جبينه قمر قد زانه خفر ... وثغره درر غر ومرجان والبدر يخجل من أنوار طلعته ... والشمس من حسنه الوضاح تزدان به توسلنا في محو زلتنا ... لربنا أنه ذو الجود منان ومذ أتى أبصرت عمى القلوب به ... سبل الهدى ووعت للحق آذان يا رب صل عليه ما همي مطر ... فأينعت منه أوراق وأغصان وابعث إليه سلاما زاكيا عطرا ... والآل والصحب لا تفنيه أزمان ومن نثرة، يعني أبا القاسم البستي: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. ومن أطاع غضبه، أضاع أدبه عادات السادات سادات العادات. من سعادة جدك، وقوفك عند حدك. الرشوة رشاء الحاجات. أجهل الناس من كان للإخوان مذلا، وعلى السلطان مدلا. الفهم شعاع العقل. المنية تضحك من الأمنية. حد العفاف الرضا بالكفاف. توفي البستي ﵀ سنة أربعمائة. ثعالة: كنخالة وزبالة وفضالة ثلاثة أخوة يشبه بعضهم بعضا: اسم للثعلب وهو معرفة وأرض مثعلة بالفتح، أي كثيرة الثعالب كما قالوا: معقرة للأرض من الكثيرة العقارب. الأمثال: قالوا «١» : «أروغ من ثعالة» . قال الشاعر: فاحتلت حين صرمتني ... والمرء يعجز لا محاله والدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعاله والمرء يكسب ماله ... والشيخ يورثه الفساله والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله وقالوا: «أعطش من ثعالة» . «٢» واختلفوا في تفسيره، فزعم محمد بن حبيب أنه الثعلب ، وخالفه ابن الأعرابي فزعم أن ثعالة رجل من بني مجاشع شرب بول رفيق له في مفازة فمات عطشا. الثعبة : ضرب من الوزغ قاله الجوهري. الثعلب: معروف، والأنثى ثعلبة، والجمع ثعالب وأثعل. روى ابن قانع في معجمه عن وابصة بن معبد، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «شر السباع هذه الأثعل» . يعني الثعالب. وكنية الثعلب أبو الحصين وأبو النجم وأبو نوفل وأبو الوثاب وأبو الحنبص. والأنثى أم عويل والذكر ثعلبان. وأنشد الكسائي عليه:

стр. 251

أرب «١» يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب هكذا أنشده جماعة، وهو وهم. فقد رواه أبو حاتم الرازي: الثعلبان، بالفتح على أنه تثنية ثعلب، وذكر أن بني ثعلب كان لهم صنم يعبدونه، فبينما هم ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان فرفع كل منهما رجله وبال على الصنم، وكان للصنم سادن يقال غاوي بن ظالم. فقال البيت المتقدم، ثم كسر الصنم، وأتى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «ما اسمك قال: غاوي بن ظالم. قال: لا، بل أنت راشد بن عبد ربه» . وفي نهاية الغريب أنه كان لرجل صنم، وكان يأتي بالخبز والزبد، فيضعه عند رأسه، ويقول له: أطعم فجاء ثعلبان فأكل الخبز والزبد، ثم عصل على رأس الصنم، أي بال. والثعلبان ذكر الثعالب. وفي كتاب الهروي: فجاء ثعلبان فأكلا الخبز والزبد،. أراد تثنية ثعلب. قال الحافظ بن ناصر: أخطأ الهروي في تفسيره، وصحف في روايته. وإنما الحديث فجاء ثعلبان، وهو الذكر من الثعالب، اسم له معروف لا مثنى، فأكل الخبز والزبد ثم عصل، بالعين والصاد، على رأس الصنم. فقام الرجل فضرب الصنم فكسره ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك وقال فيه شعرا وهو: لقد خاب قوم أملوك لشدة ... أرادوا نزالا أن تكون تحارب فلا أنت تغني عن أمور تواترت ... ولا أنت دفاع إذا حل نائب أربّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب والحديث مذكور في معجم البغوي وابن شاهين وغيرهما. والرجل المذكور راشد بن عبد ربه. وحديثه مشروح في كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني. وأهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان والفرق في ذلك بين الذكر والأنثى كما قالوا لأفعوان ذكر الأفاعي والعقربان ذكر العقارب والثعلب سبع جبان مستضعف ذو مكر وخديعة، لكنه لفرط الخبث والخديعة، يجري مع كبار السباع. ومن حيلته في طلب الرزق أنه يتماوت وينفخ بطنه، ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات، فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده. وحيلته هذه لا تتم على كلب الصيد. قيل للثعلب: ما لك تعدو أكثر من الكلب؟ فقال: لأني أعدو ولنفسي والكلب يعدو لغيره. قال الجاحظ: ومن أشد سلاح الثعلب عندهم الروغان والتماوت وسلاحه سلحه، فإن سلاحه أنتن وألزج وأكثر من سلاح الحبارى. قالت العرب: أدهى وأنتن من سلاح الثعلب. والجاحظ اسمه عمرو بن بحر الكناني الليثي وقيل له الجاحظ، لأن عينيه كانتا جاحظتين، ويقال له الحدقي أيضا، لذلك أصابه الفالج في آخر عمره، فكان يطلي نصفه بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الآخر لو قرض بالمقاريض لما أحس به من خدره وشدة برده. وكان يقول: أنا من جانبي الأيمن مفلوج، فلو قرض بالمقاريض ما علمت. ومن جانبي الأيسر منقرس، فلو مر به الذباب تألمت. وقال: اصطلحت على جسدي الأضداد فإن أكلت باردا أخذ

стр. 252

برجلي، وإن أكلت حارا أخذ برأسي وكان ينشد: أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب وله التصانيف في كل فن وهو من رؤوس المعتزلة، وإليه تنسب الطائفة الجاحظية من المعتزلة. ومن أحسن تصانيفه كتاب الحيوان. توفي سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة. قال: ومن العجب في قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله، والثعلب يصيد القنفذ فيأكله، والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها، والأفعى تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يلتمس فراخ الزنابير فيأكلها، والزنبور يصيد النحلة فيأكلها، والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها. روى صاحب الغيلانيات، في الجزء الأول، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقال: رأيت كأني أجري مع الثعلب أحسن جري. فقال: أجريت ما لا يجري، أنت رجل في لسانك كذب فاتق الله ! ومن شأن الثعلب، إذا دخل برج حمام، وكان شبعان، قتلها ورمى بها لعلمه أنه إذا جاع عاد إليها وأكلها. وهو من الحيوان الذي سلاحه سلاحه، وهو أنتن من سلاح الحبارى كما تقدم. فإذا تعرض للقنفذ ولقيه كالكرة وتحصن بشوكه سلح عليه فينبسط، فعندها يقبض على مراق بطنه. ومن ظريف ما يحكى عنه، أن البراغيث، إذا كثرت في صوفه، تناول صوفة منه بفيه، ثم يدخل النهر قليلا قليلا، والبراغيث تصعد فرارا من الماء حتى تجتمع في الصوفة التي في فيه، فيلقيها في الماء ثم يهرب. والذئب يطلب أولاد الثعلب فإذا ولد له ولد، وضع أوراق العنصل على باب وجاره، ليهرب الذئب منها. وفروه أفضل الفراء ومنه: الأبيض والأسود والخلنجي وقال القزويني في عجائب المخلوقات: إنه أهدي إلى نوح بن منصور الساماني «١» ثعلب له جناحان من ريش إذا قرب الإنسان منه نشرهما، وإذا بعد عنه ألصقهما بجانبيه. ثم قال: وكانت الثعالب تطير في الزمن الأول. وفي آخر «٢» كتاب الأذكياء لأبي الفرج بن الجوزي عن المعافى بن زكريا قال زعموا أن أسدا وثعلبا وذئبا اصطحبوا، فخرجوا يتصيدون فصادوا حمارا وظبيا وأرنبا، فقال الأسد للذئب: اقسم بيننا صيدنا، فقال: الأمر أبين من ذلك الحمار لك، والأرنب لأبي معاوية يعني الثعلب، والظبي لي. فخبطه الأسد فأطاح رأسه. ثم أقبل على الثعلب، وقال: قاتله الله ما أجهله بالقسمة! هات أنت يا أبا معاوية. فقال الثعلب: يا أبا الحارث، الأمر أوضح من ذلك الحمار لغدائك، والظبي لعشائك، والأرنب فيما بين ذلك. فقال له الأسد: قاتلك الله ما أقضاك! من علمك هذه الأقضية؟ قال: رأس الذئب الطائح عن جثته، وفي رواية عن الشعبي فقال له الأسد: قاتلك الله ما أبصرك بالقضاء والقسمة؟ من أين تعلمت هذا؟ قال: مما رأيت من أمر الذئب. ومما يروى من حيل الثعلب ما ذكره الشافعي قال: كنا في سفر في أرض اليمن، فوضعنا سفرتنا لنتعشى، وحضرت صلاة المغرب، فقمنا نصلي ثم نتعشى، فتركنا السفرة كما هي، وقمنا إلى الصلاة، وكان فيها دجاجتان،

стр. 253

فجاء الثعلب فأخذ إحدى الدجاجتين فلما قضينا الصلاة، أسفنا عليها، وقلنا حرمنا طعامنا فبينما نحن كذلك، إذ جاء الثعلب وفي فمه شيء كأنه الدجاجة فوضعه، فبادرنا إليه لنأخذه ونحن نحسبه الدجاجة. قد ردها، فلما قمنا جاء إلى الأخرى وأخذها من السفرة وأصبنا الذي قمنا إليه لنأخذه فإذا هو ليف قد هيأه مثل الدجاجة. ومما وقع من فطنة البهائم مما يقارب هذا ما يحكى عن القاسم بن أبي طالب التنوخي الأنباري قال: كنت ماضيا إلى انبار في رفقة فيها بازدارية السلطان قد خرجوا يروضونها فأطلقوا بازيا على دراج، فطار الدراج إلى غيضة فدخل فيها، وألقى نفسه بين شوك كان فيها، فأخذ من ذلك الشوك أصلين كبيرين في رجليه، ونام على قفاه ورفع رجليه، فاستتر بذلك من الباز، فلما قرب منه البازداري طار فصاده البازي. فقالوا: ما رأينا قط دراجا أحذق من هذا! وقد أورد هذه الحكاية القاضي أبو علي الحسن بن على التنوخي أيضا في كتاب أخبار المذاكرة ونشوان المحاضرة بألفاظ مخالفة لما سيق هنا فقال وحدثني أبو القاسم بن أبي طالب التنوخي الأنباري قال: كنت ماضيا إلى الأنبار مع رفقة بازدارية للسلطان، فأطلقوا بازيا على دراج لاح لهم، فطار الدراج ولحقه الباز فأخذوا يهللون ويكبرون ويعجبون، فلحقتهم وسألتهم فإذا بالدراج قد دخل غيضة فألقى نفسه بين شوك كان فيها، وأخذ من ذلك الشوك أصلين كبيرين بين رجليه، ونام على قفاه وشال رجليه وفيهما الشوك، ليختفي به عن الباز، والباز قد طلبه طويلا فلم يره، وقد خفي عليه أمره بذلك الشوك الذي شاله في رجليه حتى ستربه نفسه، إلى أن جاء البازدارية فرأوا الدراج فقصدوه، وقربوا منه فطار، وأحس به الباز فاصطاده، فسمعتهم يقولون: ما رأينا قط دراجا أمكر من هذا، ولا أحذق منه بالتوقي ولا سمعنا بمثل هذا وأسرفوا في التعجب منه. وهذه أخبار تقارب ما تقدم في فطنة الطير وذكائه وقال القاضي أبو علي التنوخي حدثني أبو الفتح البصروي قال: حدثني بعض أهل الموصل ممن كان مغرى بالصيد، وطلب الجوارح، أن صيادا من أهل أرمينية وتلك النواحي حدثه قال: خرجت إلى الصحراء يوما، فنصبت شبكتي وجعلت فيها طائرا مستأنسا، ودخلت في كوخ تحت الأرض يسترني، وجعلت أنظر إلى الشبكة حتى إذا وقع فيها شيء من البزأة أو الصقورة أو الشواهين أو غير ذلك من الجوارح، أخذته فلما كان قريبا من الظهر، وإذا بزمجة لطيفة قد طارت على الشبكة، فلما رأتها نفرت وترجلت قريبا منها، فجلست على الأرض ساعة، فإذا بعقاب جائر فلما رآها ترجل معها وجلسا جميعا، وإذا بطائر يطير في الجو فنهضت الزمجة قبل العقاب وطارت خلف الطائر، فلم تزايله إلى أن صادته وجاءت به فنسرته وصار لحما، وأقبلت تأكل فجاء العقاب وأكل معها، فلما فني اللحم زاف العقاب عليها فضربت وجهه بجناحها، فزاف ثانية فضربته أشد من الأولى، فزاف الثالثة فضربته أشد من ذلك، ولم تزل تضربه بمنسرها إلى أن قتلته وطارت، فتعجبت من نفورها من الشبكة وقلت هي كرزة ويجوز أن تعرف الشبكة بالعادة، ومما سوى ذلك من مناهضتها للطائر قبل العقاب حتى صادته. ثم إنها منعت العقاب من سفادها وأنها أطعمته من صيدها ثم لم ترض بذلك حتى قتلته لما ألح عليها، وطمعت في أن أصيدها لأصيد بها ما لا قيمة له فبت ليلتي في ذلك الكوخ، فلما كان من الغد فإذا هي قد ترجلت قريبا من الشبكة في مثل ذلك الوقت فنزل إليها عقاب فجلس معها وعن لهما صيد فجرت صورتها مع العقاب الثاني كما جرت مع العقاب الأول سواء بلا اختلاف البتة. وطارت فزاد تعجبي وحرصي عليها. وبت ليلتي الثانية في

стр. 254

الكوخ، فلما كان في اليوم الثالث فإذا بها قد ترجلت على الصورة والرسم وإذا بعد ساعة بعقاب لطيف وحشي الريش، قد ترجل فما مضت ساعة حتى عن لهما صيد، فهمت الزمجة بالنهوض فضربها العقاب بجناحه ضربة كاد يقتلها ونهض مسرعا إلى الطيران حتى اصطاد الطائر وجاء به فنسره وطرحه بين يديها، ولم يذق منه شيئا حتى أكلت الزمجة واستوفت، ثم أكل هو بعدها لحم الطائر الباقي وفني. فزاف عليها فزافت له، ولم تمنعه فزاف الثانية فركبها فمكنته حتى سفدها ثم طارا معا. وحكى: القاضي أبو علي التنوخي أيضا قال: حدثني فارس بن مشغف أحد الجند القدماء المولدين وقد صار بوّابا لأبي محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد قال: كنت أصحب قائدا من قواد السلطان يعرف بأبي إسحاق بن أبي مسعود الأزدي، وكانت إليه إمارة المدائن اسبانين والمدينة العتيقة، وكانت إذ ذاك عامرة آهلة والسلاطين ينزلون بها، وكنت مقيما فيها معه، وكان لهجا بالصيد، فخرج ذات يوم وأنا معه، إلى المدينة المعروفة بالرومية، المقابلة للمدينة العتيقة، وهي إذ ذاك خراب، ومعه صقارته وآلة صيده وجنده حتى مل وسلك الطريق راجعا، وكان معه صقر له فاره وقد شبع مما أطعمه من صيده، فمسح الصقار صدره وحمله على يده وهو يسير إذ اضطرب الصقر اضطرابا شديدا فقال له ابن أبي مسعود: قد شاهد الصقر طريدة، وهذا الاضطراب لأجلها فأرسله، فقال: يا سيدي هو صقر شره واضطرابه ليس لهذا، وقد شبع ولا آمن أن أرسله على طريدة وهو شبعان فيتيه. فزاد اضطراب الصقر فقال: أرسله وليس عليك منه شيء فأرسله فطار وتراكضنا خلفه حتى جاء إلى أجمة صغيرة تستره، ونحن نراه فرفرف عليها وإذا بشيء قد صعد منها مثل النشاب في مقدار زج النشابة فقط فحاص عنه الصقر ثم انحط في الأجمة فدخلنا خلفه فإذا هو قد ترجل على حبارى واصطادها، وإذا هو طلع على يد الصقار. ومن عادة الحبارى أن تذرق على الجارح الذي يصيدها لتجرح جناحه وتعقره بذرقها لحماه وحدته وينسلخ جلده والصقر عارف بذلك، فاحتال عليها الصقر فرفرف عليها كأنه يريد صيدها، فذرقت الحبارى إلى فوق حتى صعدت ذرقتها فلما أخطأت الصقر انحط عليها في الحال فاصطادها، وكان الصقارون، ومن حضر من الجند والمتصيدين المدنيين يعجبون من ذلك، ويعدونه من غرائب ما شاهدوه من أفعال الجوارح. وذكر القاضي التنوخي عن فارس هذا قال: كنت مع هارن بن غريب الحبال، من جملة عسكره ورجاله، ونحن قيام بين يدي حلوان، والجند سائرون وهو يتصيد في طريقه، إذ عن له غزال فأرسل عليه صقرا كان بحضرته، ولم يكن الكلابون بالقرب منه، فيرسلون معه كلبا لأن العادة أن الصقر لا يصيد غزالا إلا إذا كان معه كلب، وذلك أن الصقر يطير فيقع على رأسه فيعقره ويضرب بجناحيه بين عينيه، فيمنعه من شدة العدو فيلحقه الكلب فيصيده. هكذا جرت العادة في صيد الغزلان بالصقور، إلا أن ابن الحبال، لما لاح له الغزال، أطلق الصقر لئلا يفوته الغزال، وغرر به لحوق الكلاب في الحال، وقد رأى أن يشغله الصقر عن العدو، فتلحقه خيلنا ورماحنا فطار الصقر، وتراكضنا خلفه، وأنا ممن ركض، وجرى الغزال فوافى إلى منحدر في الصحراء، فانحدر فيه، فلما حصل منحدرا سقط الصقر على خده وعنقه، فأنشب مخلبيه فيهما وحمله الغزال. فرأينا الصقر قد سدل أحد مخلبيه حتى إنه يخط في الأرض، حتى إذا وصل إلى وضع من الصحراء فيه شوك فعلق بأصل شوك عظيم، ثم جذب

стр. 255

عنق الغزال بالمخلب الآخر الذي كان أمسكه به في خده وأصل عنقه. وإذا به قد دق عنقه وصرعه، فلحقناه وذكيناه ووقعت البشارة فقال ابن الحبال ومن معه: ما رأينا قط صقرا أفره من هذا وخلع على الصقار خلعة حسنة. وحكى: القاضي أبو علي التنوخي، قال: أخبرني أبو القاسم البصري قال: أخبرني بعض الجمدارية من الجند أنه كان مع قائد من قوادهم في الصيد ومعه عقاب يتصيد به وقد اصطاد واستكفى، إذ اضطرب العقاب، على يد العقاب اضطرابا شديدا فخاف على نفسه، لأن العقاب ربما أتلف عقابه، إذا منعه من إرادته وليس يجري مجرى غيره من الجوارح فأرسله العقاب فطار، وطرد وراءه فإذا به قد سقط على شيخ ضعيف، كان يجر شوكا، وهو يمشي على أربعة فنسره ودق عنقه وأتلفه، وولغ في دمه وأكل من لحمه. وإذا بالعقاب قد جاء إلى القائد فقال له: ما الخبر؟ فقال له: يا سيدي اصطاد العقاب شيخا وحشيا بريا، وكان يسمعنا نقول اصطد لنا وحشيا وسنورا بريا فقد رأن شيخا بريا وحشيا مثله، ولم يفكر أن العقاب أتلف رجلا مسلما. فقال القائد: ويحك ما تقول؟ وحرك فحركنا وراءه فوجدنا الشيخ فاغتم لذلك غما شديدا وعجبنا من أمر العقاب. وحكى: القاضي التنوخي في كتابه أيضا، قال: حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان ابن فهد قال: حدثني بعض المتصيدين. وقد تجارينا عجائب ما يجري فيه، فقال: من أحسن وأظرف ما رأينا منه أن بازيا كان لفلان، وسماه أرسله فاصطاد دراجا، وقبض عليه بإحدى يديه، وترجل كما جرت به العادة وأمسكه ينتظر البازداري فيذبحه ويطعمه منه، كما جرت العادة في مثل ذلك. وهو على جانبه إذ أبصر دراجا آخر يطير، فطار والدراج الأول في إحدى يديه حتى قبض على الدراج الآخر فاصطاده وترجل، وقد أمسكهما بيديه جميعا، فاجتمعنا وشاهدناه على هذه الحالة، فاستظرفناه ثم أخذناهما من يديه. وذكر «١» ابن الجوزي في آخر كتاب الأذكياء، والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، عن الشعبي، أنه قال: مرض الأسد فعاده جميع السباع ما خلا الثعلب، فنم عليه الذئب، فقال الأسد: إذا حضر فأعلمني. فلما حضر أعلمه فعاتبه في ذلك فقال: كنت في طلب الدواء لك. قال: فأي شيء أصبت؟ قال: خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج! فضرب الأسد بمخالبه في ساق الذئب، وانسل الثعلب. فمر به الذئب بعد ذلك، ودمه يسيل، فقال له الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر ماذا يخرج من رأسك. قال الحافظ أبو نعيم: لم يقصد الشعبي، من هذا سوى ضرب المثل وتعليم العقلاء وتنبيه الناس، وتأكيد الوصية في حفظ اللسان، وتهذيب الأخلاق والتأدب بكل طريق. وفي مثل ذلك قيل: احفظ لسانك لا تقول فتبتلي ... إن البلاء موكل بالمنطق وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه «٢» قال: «نهانا رسول الله ﷺ في الصلاة عن ثلاثة نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب» . وقيل للشعبي: يقال: في المثل إن «شريحا أدهى من الثعلب وأحيل» : فما هذا؟ فقال: خرج شريح أيام

стр. 256

الطاعون إلى النجف، فكان إذا قام يصلي يجيء ثعلب، فيقف تجاهه ويحاكيه، ويخيل بين يديه، ويشغله عن صلاته، فلما طال ذلك عليه نزع قميصه فجعله على قصبة، وأخرج كميه وجعل قلنسوته عليها. فأقبل الثعلب فوقف بين يديه على عادته فأتاه شريح من خلفه وأخذه بغتة فلذلك يقال: «سريح أدهى من الثعلب وأحيل» . ويقال: ضغا الثعلب والسنو يضغو ضغوا وضغاء، أي صاح وكذلك صوت كل ذليل مقهور. ويقال للإمام العلامة أبي منصور عبد الملك «١» بن محمد النيسابوري، رأس المؤلفين، وإمام المصنفين صاحب التصانيف الفائقة، والآداب الرائقة، كثمار القلوب، وفقه اللغة، ويتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، وغير ذلك من التصانيف، الثعالبي منسوب إلى خياطة جلود الثعالب لأنه كان فراء، ويتيمة الدهر أكبر كتبه وأحسنها، وفيها يقول أبو الفتح نصر الله بن قلاقس الإسكندراني «٢» : أبيات أشعار اليتيمة ... أبكار أفكار قديمة ماتوا وعاشت بعدهم ... فلذاك سميت اليتيمة ومن شعر أبي منصور الثعالبي: يا سيدا بالمكرمات ارتدى ... وانتعل العيوق والفرقدا مالك لا تجري على مقتضى ... مودة طال عليها المدى إن غبت لم أطلب وهذا سليم ... ان بن داود نبي الهدى تفقد الطير على شغله ... فقال ما لي لا أرى الهدهدا وله في غلام مسافر: فديت مسافرا ركب الفيافي ... فأثر في محاسنه السفار فمسك ورد خديه السواقي ... وغبر مسك صدغيه الغبار توفي سنة تسع وعشرين وقيل سنة ثلاثين وأربعمائة. الحكم: نص إمامنا الشافعي ﵀، على حل أكله. وقال ابن الصلاح: ليس في حله حديث عن رسول الله ﷺ وفي تحريمه حديثان في إسنادهما ضعف واعتمد الشافعي في ذلك على عادة العرب في أكله فيندرج في عموم قوله «٣» تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وبحله قال طاوس وعطاء وغيره ونقل في فوائد رحلته عن أبي سعيد الدارمي، الإمام في الحديث والفقه تلميذ البويطي ﵀ أن الثعلب حرام. وكره أبو حنيفة ومالك أكله وأكثر الروايات عن أحمد تحريمه لأنه سبع. الأمثال: قالوا «٤» «أروغ من ثعلب» «٥» . قال الشاعر:

стр. 257

كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة وفي المجالسة للدينوري، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: وهو على المنبر: إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا ولم يروغوا روغان الثعالب. وفي رواية الثعلب وفي شعب البيهقي وأمثال العسكري عن الحسن بن سمرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «مثل الذي يفر من الموت كالثعلب تطلبه الأرض بدين فجعل يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل حجره فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني ديني، فخرج فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات» . وقالوا: «أذل ممن بالت عليه الثعالب» . يضرب لمن يستذل كما تقدم. «وأدهى من ثعلب» . «وأعطش من ثعالة «١» . قال حميد بن ثور «٢» : ألم تر ما بيني وبين ابن عامر ... من الود قد بالت عليه الثعالب وأصبح صافي الود بيني وبينه ... كأن لم يكن والدهر فيه عجائب الخواص: رأسه إذا ترك في برج حمام هربت كلها. ونابه يشد على الصبي الذي به ريح الصبيان يذهب عنه، ولا يفزع في نومه، وتحسن أخلاقه. ومرارته إذا نفخت في أنف المصروع لا يصرع أبدا. ولحمه ينفع من اللقوة والجذام. وشحمه يذاب ويطلى به من به النقرس يزول وجعه في الحال. وخصيته تشد على الصبي فتنبت أسنانه بغير ألم. وفروه أنفع شيء للمرطوبين بخورا ولبسا. ودمه إذا طلي به رأس صبي نبت شعره، وإن كان أقرع. وإذا استصحب دمه إنسان، لا تؤثر فيه حيلة محتال. ورئته إذا سحقت وشربت، نفعت من الريح. وأنيابه إذا علقت على المصروع برىء. وطحاله له إذا شد على ذي الطحال الوجع أبرأه. وقال هرمس: من أمسك كليتي الثعلب بيده لم يخف الكلاب ولم تنبح عليه. وأذنه إذا علقت على الخنازير، التي في العنق أبرأتها. وشحمه إذا أذيب وقطر في الأذن الوجعة سكن وجعها. وذكره ينفع من الصداع إذا علق على الرأس. ومرارته إذا طلي بها الذهب يصير لونه لون النحاس. وخصيته تنفع من الورم الكائن عند الأذنين إذا دلك بها. وكبده إذا سقي منه وزن مثقال بشراب، من به وجع الطحال، أبرأه من ساعته. وشحمه إذا طلي به أطراف اليدين والرجلين أمنت مضرة البرد ودماغه إذا خلط بورس وطلي به الرأس أذهب القرع والحزاز والبثور وسقوط الشعر. وقضيبه إذا علق على الصبي الذي يبكي بالليل ويفزع يذهب ذلك عنه. وكذلك يفعل الناب. وشحمه تجتمع عليه البراغيث حيث كان. وخصيته إذا جففت، وسقي منها رجل وزن درهم زاد في الجماع والإنعاظ. وزبله يسحق بدهن ورد ويطلى به الإحليل وقت الجماع يزيد فيه ما شاء. وفي كتاب الإبدال: إن طلبت شحم الثعلب فلم تجده فبدله شحم الذئب. التعبير: الثعلب في المنام امرأة فمن رأى أنه يلاعب ثعلبا فإن له امرأة يحبها وتحبه. وقيل الثعلب رجل ذو مكر وخديعة، فمن نازعه فإنه ينازع غريما كذلك وأكل لحمه يدل على وجع

стр. 258

يصيب الآكل من الرياح ويبرأ وقيل إنه عدو من قبل سلطان وقالت اليهود إنه يدل على الطبيب أو المنجم. وقالت النصارى: من قبل ثعلبا فإنه يصيب امرأة غزيرة. وقيل: من قتل ثعلبا قتل ولد رجل شريف، ومن شرب لبن ثعلب شفي من مرض. وقيل: من نازع ثعلبا في نومه، خاصم بعض أهله أو أصدقائه. والله تعالى أعلم. الثفا: بالثاء المثلثة وبالفاء والألف في آخره: السنور البري وهو قريب من الثعلب على شكل السنور الأهلي وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. الثقلان: الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض وقيل: لشرفهما، وكل شريف يقال له ثقيل وقيل لأنهما مثقلان بالذنوب. الثلج: فرخ العقاب قاله ابن سيده. الثني : الذي يلقي ثنيته ويكون ذلك في ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة وفي ذي الخف في السنة السادسة والجمع ثنيان وثنايا والأنثى ثنية والجمع ثنيات. الثور: الذكر من البقر. وكنيته أبو عجل. والأنثى ثورة والجمع ثورة وثيران وثيرة. قال سيبويه: قلبوا الواو ياء حيث كانت بعد كسرة، قال: وليس هذا بمطرد. وقال المبرد: إنما قلبوا ثيرة ليفرقوا بينه وبين ثورة الإقط وبنوه على فعلة ثم حركوه. وسمي الثور ثورا لأنه يثير الأرض، كما سميت البقرة بقرة لأنها تبقرها، قال في الإحياء: نظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في قرن فوقف أحدهما يحك جسمه، فوقف له الآخر فبكى أبو الدرداء ﵁. وقال: هكذا الإخوان في الله يعملان لله تعالى، فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر، وبالموافقة يتم الإخلاص. ومن لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق. والإخلاص استواء الغيب والشهادة والقلب واللسان. فائدة: قال وهب بن منبه: كانت الأرض كالسفينة تذهب وتجيء، فخلق الله تعالى ملكا في غاية العظم والقوة، وأمره أن يدخل تحتها، ويجعلها على منكبيه ففعل، وأخرج يدا من المشرق ويدا من المغرب، وقبض على أطراف الأرض وأمسكها. ثم لم يكن لقدميه قرار فخلق الله تعالى صخرة من ياقوتة حمراء في وسطها سبعة آلاف ثقبة يخرج من كل ثقبة بحر لا يعلم عظمه إلا الله . ثم أمر الصخرة فدخلت تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار، فخلق الله ثورا عظيما له أربعة آلاف عين، ومثلها آذان ومثلها أنوف وأفواه وألسنة وقوائم، ما بين كل اثنتين منها مسيرة خمسمائة عام. وأمر الله تعالى هذا الثور فدخل تحت الصخرة فحملها على ظهره وقرنه. واسم هذا الثور كيوثا، ثم لم يكن للثور قرار. فخلق الله تعالى حوتا عظيما لا يقدر أحد أن ينظر إليه لعظمه وبريق عينيه وكبرهما، حتى إنه لو وضعت البحار كلها في إحدى مناخره لكانت كخردلة في فلاة، فأمر الله تعالى ذلك الحوت أن يكون قرارا لقوائم هذا الثور، واسم هذا الحوت يهموت. ثم جعل قراره الماء، وتحت الماء هواء، وتحت الهواء ماء، وتحت

стр. 259

الماء ظلمات. ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمات. هكذا نقله القاضي شهاب الدين بن فضل، في كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأبصار في الجزء الثالث والعشرين منه. فائدة أخرى: روى مسلم في كتاب الظهار والنسائي في عشرة النساء، عن ثوبان: «إن أهل الجنة، حين يدخلونها، ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، ويأكلون من زيادة كبد الحوت «١» » وروى هناد بن السري وابن إسحاق بإسناد حسن: «إن الشهداء حين يدخلون الجنة يخرج عليهم حوت وثور من الجنة لغدائهم فيلعبان حتى إذا كثر عجبهم منهما طعن الثور الحوت بقرنه فبقره لهم كما يذبحون، ثم يروحان عليهم أيضا لعشائهم فيلعبان فيضرب الحوت الثور بذنبه فيبقره كما يذبحون» . قال السهيلي: وفي هذا الحديث من باب التفكر والاعتبار، أن الحوت لما كان عليه قرار هذه الأرض وهو حيوان سابح استشعر أهل هذه الدار أنهم في منزل قلعة وبوار، وليست بدار قرار. فإذا نحر لهم قبل أن يدخلوا الجنة فأكلوا من كبده كان في ذلك أشعار لهم بالراحة من دار الزوال وإنهم قد صاروا إلى دار القرار كما يذبح لهم الكبش الأملح على الصراط، ليعلموا أنه لا موت ولا فناء. وأما الثور فهو آلة الحرث وأهل الدنيا لا يخلون من أحد هذين الحرثين: حرث لدنياهم وحرث لأخراهم. ففي نحر الثور هنالك إشعار براحتهم من الكدين وترفيههم من نصب الحرثين. فائدة أخرى: روى «٢» البخاري في بدء الخلق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «الشمس والقمر يكوران يوم القيامة» . انفرد به البخاري وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري، في هذا المسجد، مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة» . فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول وما ذنبهما؟! ثم قال البزار: ولا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه. ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث. وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق درست بن زياد، عن يزيد الرقاشي، وهما ضعيفان، عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» . وقال كعب الأحبار: «٣» : يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم ليراهما من عبدهما. كما قال «٤» تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الآية. وخرج أبو داود الطيالسي عن أنس أن النبي ﷺ قال: «إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» . وفي نهاية الغريب، قيل لما وصفهما الله تعالى بالسباحة في قوله «٥» تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ثم أخبر على بجعلهما في

стр. 260

النار يهذب بهما أهلها بحيث لا يبرحان بها صار كأنهما ثوران عقيران لا يبرحان. كذلك ذكر ذلك أبو موسى وهو كما تراه. وقيل: إنما يجمعان في جهنم لأنهما عبدا من دون الله ولا يكون لهما عذاب لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة على تبكيت الكافرين وخزيهم. وردّ ابن عباس قول كعب الأحبار، وقال: الله أجلّ وأكرم من أن يعذب الشمس والقمر، وإنما يخلقهما يوم القيامة أسودين مكوّرين، فإذا كانا حيال العرش خرّا ساجدين لله تعالى، ويقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا لك وسرعتنا في المضي في أمرك أيام الدنيا، فلا تعذبنا في عبادة الكافرين إيانا. فيقول الرب تعالى: صدقتما إني قضيت على نفسي أن أبدىء وأعيد وأني أعيد كما إلى ما بدأتكما منه، وإني خلقتكما من نور عرشي فارجعا إليه فيختلطان بنور العرش. فذلك معنى قوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ «١» . وروى أبو نعيم في ترجمة سعيد بن جبير أنه قال: أهبط الله تعالى إلى آدم ثورا أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه وهو الذي قال الله تعالى فيه: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى «٢» فكان ذلك شقاءه وكان ﵇ يقول لحواء: أنت عملت بي هذا فليس أحد من ولد آدم يعمل على ثور إلّا قال: حو دخلت عليه من قبل آدم. وكانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب إما لكدر الماء، أو لقلة العطش، ضربوا الثور فيقتحم الماء لأن البقرة تتبعه. وقال في ذلك أنس بن مدركة «٣» في قتله سليك ابن سلكة «٤» : إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر «٥» الأمثال: قالوا «٦» : «الثور يحمي أنفه بروقه» والروق القرن. يضرب في الحث على حفظ الحريم. وفي سنن النسائي وسيرة ابن هشام، أما الصديق رضي الله تعالى عنه، لما قدم المدينة مع رسول الله ﷺ ، أخذته الحمى وعامر بن فهيرة وبلالا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فدخلت عليهم، وهم في بيت واحد، فقلت: كيف أصبحت يا أبت؟ فقال: كل امرء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله فقلت إنّا لله وإنا إليه راجعون إن أبي ليهذي ثم قلت لعامر كيف تجدك؟ فقال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... والمرء يأتي حتفه من فوقه كل امرء مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي أنفه بروقه فقلت: والله هذا ما يدري ما يقول. ثم قلت لبلال: كيف أصبحت؟ فقال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي أذخر وجليل

стр. 261

وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل قالت: ثم إني دخلت على رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، اللهم انقل حماها إلى مهيعة» «١» قول عامر: بطوقه الطوق الطاقة. وقول بلال بفخ هو واد بمكة، ومجنة سوق بأسفل مكة وشامة وطفيل جبلان مشرفان على مجنة. وقوله ﷺ مهيعة الجحفة وقالت العرب: «أرعى من ثور» . وقالوا: «إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض» «٢» . روي عن علي رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إنما مثلي ومثل عثمان، كمثل ثلاثة أثوار كانت في أجمة: أبيض وأسود وأحمر، ومعها فيها أسد فكان لا يقدر منها على شيء لاجتماعها عليه، فقال الأسد للثور الأسود وللثور الأحمر إنه لا يدل علينا في أجمتنا إلا الثور الأبيض، فإن لونه مشهور ولوني على لونكما فلو تركتماني آكله خلت لكما الأجمة وصفت! فقالا: دونك وإياه فكله. فأكله ومضت مدة على ذلك، ثم إن الأسد قال للثور الأحمر: لوني على لونك فدعني آكل الثور الأسود! فقال له: شأنك به. فأكله. ثم بعد أيام قال للثور الأحمر: إني آكلك لا محال فقال: دعني أنادي ثلاثة أصوات، فقال: إفعل فنادى: «إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض» . قالها ثلاثا، ثم قال علي كرّم الله وجهه: إنما هنت يوم قتل عثمان ﵁ يرفع بها صوته. ومن خواصه: إنه إذا نزل الثور على البقرة، ثم بال بعد نزوله فمن أخذ من ذلك الطين، وطلى به إحليله هيج الباه وانعظ. ومثانته إذا أخذت وجففت وسحقت وسقيت لمن يبول في فراشه بخل وماء بارد نفعه وأبرأه. وإذا وقف الثور عن السير فاربط خصيتيه فإنه يسير بنشاط وينساق سريعا. وإذا طرح في أذن الثور زئبق مات مكانه. وإن طلي منخره بدهن ورد صرع. وإن كتب ببوله على الحديد أثر فيه حتى يقرأ. وقد تقدم له خواص في باب الباء الموحدة في البقرة. وأما تعبيره: فإنه يدل على سيد شديد البأس، كثير النفع والعون، موافق مطواع، وربما دل على الشباب الجميل لأنه من أسمائه. وتدل رؤيته أيضا على ثوران الفتنة، أو العون على ما يذلل الأمور الصعاب، خصوصا لأرباب الحرف والزراعة والإنشاء. وربما دلت رؤيته على البلادة والذهول. ورؤية الثور الأبلق فرح وسرور والأسود سؤدد أو شفاء للمريض وربما دل الثور على الجنون لأنه من أسمائه. الثول: بفتح الثاء وسكون الواو ذكر النحل وقيل جماعة النحل وعلى هذا قال الأصمعي: لا واحد له من لفظه. والثول بالتحريك جنون يصيب الشاة فلا تتبع الغنم وتستدبر مرتعها وشاة ثولاء وتيس أثول. الثيتل: الذكر المسن من الأوعال. وفي حديث النخعي: «في الثيتل بقرة» . يعني إذا صاده المحرم أو في الحرم.

стр. 262

باب الجيم الجأب: الأسد والحمار الوحشي الغليظ والجمع جؤب. الجارف: ولد الحية. الجارحة: ما تعلم الاصطياد من كلب أو فهد أو باز أو نحو ذلك. والجمع الجوارح. قال الله تعالى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ «١» سمي جارحة لأنه يكسب لصاحبه والجوارح الكواسب قال تعالى: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ أي ما كسبتم «٢» . الجاموس: واحد الجواميس، فارسي معرب، وهو حيوان عنده شجاعة وشدة بأس، وهو مع ذلك أجزع خلق الله يفرق من عض بعوضة ويهرب منها إلى الماء والأسد يخافه وهو مع شدته وغلظه ذكي ينادي راعيه الإناث: يا فلانة يا فلانة فتأتي إليه المناداة ومن طبعه كثرة الحنين إلى وطنه ويقال: إنه لا ينام أصلا لكثرة حراسته لنفسه وأولاده. وإذا اجتمع ضرب دائرة وتجعل رؤوسها خارج الدائرة وأذنابها إلى داخلها، والرعاة وأولادها من داخل، فتكون الدائرة كأنها مدينة مسورة من صياصيها، والذكر منها يناطح ذكر آخر، فإذا غلب أحدهما، دخل أجمة فيقيم فيها حتى يعلم أنه قوي، فيخرج ويطلب ذلك الفحل الذي غلبه فيناطحه حتى يغلبه ويطرده. وهو ينغمس في الماء غالبا إلى خرطومه. حكمه وخواصه: كالبقر، لكن إذا بخر البيت بجلد الجاموس طرد منه البق وأكل لحمه يورث القمل وشحمه إذا خلط بملح أندراني وطلي به الكلف والجرب والبرص أزالها وأبرأها. وقال ابن زهر، نقلا عن ارسطاطاليس: في دماغ الجاموس دود من أخذ منه شيئا وعلقه عليه أو على غيره لم ينم مادام عليه. التعبير: الجاموس في المنام رجل شجاع جلد لا يخاف أحدا يحتمل أذى الناس فوق طاقته، فإن رأت امرأة أن لها قرن جاموس، فإنها تتزوج ملكا وإلا كان ذلك قوة ومنعة لقيمها والله أعلم. الجان: حية بيضاء، وقيل: الحية الصغيرة قال الله تعالى: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً* «٣» وقال تعالى في آية أخرى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى إلى قوله: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى «٤» وقال تعالى: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: صارت حية صفراء، لها عرف كعرف الفرس، وصارت تتورم حتى صارت ثعبانا، وهو أعظم ما يكون من الحيات. قال تعالى: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* «٥» . فلما ألقى موسى العصا، صارت جانا في الابتداء، ثم صارت ثعبانا في الانتهاء. ويقال: وصف الله تعالى العصا بثلاثة أوصاف: بالحية والجان والثعبان، لأنها كانت كالحية لعدوها، وكالثعبان لابتلاعها، وكالجان لتحركها. قال فرقد السنجي: كان بين لحييها أربعون ذراعا. قال ابن عباس والسدي: إنه لما ألقى العصا، صارت

стр. 263

حية عظيمة صفراء شقراء فاغرة فاها، بين لحييها ثمانون ذراعا، وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه. وروي أنها أخذت قبة فرعون بين نابيها، فوثب فرعون من سريره هاربا، وأخذته قبل أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا، ومات منهم خمسة وعشرون ألفا، قتل بعضهم بعضا. ويقال: كانت العصا حية لموسى، وثعبانا لفرعون، وجانا للسحرة. وأما قوله: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى «١» فكان يحمل عليها زاده وسقاءه وكانت تماشيه وتحادثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج منها ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يرد بها غنمه، وكانت تقيه الهوام بإذن الله تعالى، وإذا ظهر له عدو حاربته وناضلت عنه، وإذا أراد الاستقاء من البئر، صارت شعبتاها كالدلو يستقي به. وكان يظهر على شعبتيها نور كالشمعتين تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصن أغصان تلك الشجرة، وتورق ورقها وتثمر ثمرها. قاله ابن عباس. والله أعلم، وقد تقدم في باب التاء المثناة أن العصا كانت من آس الجنة أهبطت مع آدم إلى الأرض. الجبهة: الخيل وهو المراد بقوله ﷺ في حديث «٢» الزكاة: «ليس في الجبهة ولا في النخة ولا في الكسعة صدقة» . وقيل للخيل ذلك لأنها خيار البهائم كما يقال. وجه السلعة لخيارها، ووجه القوم وجبهتهم سيدهم. والنخة البقر العوامل، مأخوذ من النخ، وهو السوق الشديد، والكسعة الحمير، مأخوذ من الكسع وهو ضرب الادبار. قاله الزمخشري وغيره والله تعالى أعلم. الجثلة: النملة السوداء وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النون في لفظ النملة ما فيه. الجحل: بتقديم الجيم على الحاء الحبارى. وستأتي إن شاء الله تعالى وقيل: هو الحرباء، وقيل: هو الجعل، وقيل هو الضب الكبير المسن. وقيل: هو اليعسوب العظيم كالجراد إذا سقط لا يضم جناحه. والجمع جحول وجحلان. الجحمرش: الأرنب المرضع والعجوز الكبيرة، والمرأة الثقيلة السمجة. والجمع جحامر والتصغير جحيمر. الجحش: ولد الحمار الوحشي والأهلي قيل: وإنما يسمى بذلك قبل أن يعظم، والجمع جحاش وجحشان. والأنثى جحشة. وربما سمي المهر جحشا تشبيها بولد الحمار، والجحش ولد الظبية في لغة هذيل. ويقال للرجل، إذا كان مستبدا برأيه: «جحيش وحده» «٣» ، كما قالوا: «عيير وحده» «٤» يشبهونه في ذلك بالجحش والعير، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان عمر أجودنا «نسيج وحده» «٥» وقد أعد للأمور أقرانها. وروى الدارقطني أن زينب بنت جحش أم المؤمنين،

стр. 264

رضي الله عنها، كان اسم أبيها برة، وقيل كان اسمه برة بالضم. وقال النبي ﷺ «لو كان أبوك مؤمنا لسميته باسم رجل منا أهل البيت، ولكني قد سميته جحشا» والجحش أكبر من البرة. الجخدب: بضم الجيم وبالخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وجمعه جخادب. ضرب من الجنادب وهو الأخضر الطويل الرجلين وقيل: هو دويبة نحو من العظاءة ويقال له أبو جخادب. الجدجد: بالضم صرار الليل، قاله الجوهري، وهو قفاز وفيه شبه بالجراد، والجمع الجداجد وقال الميداني: الجدجد ضرب من الخنافس، يصوت في الصحارى من أول الليل إلى الصبح فإذا طلبه طالب لم يره، ولذلك قالوا: «أكمن من جدجد» «١» . وفي حديث عطاء في الجدجد: يموت في الوضوء قال: لا بأس به. والوضوء بفتح الواو اسم للماء الذي يتوضأ به. وبالضم اسم للفعل. وسيأتي ذكر الجدجد في باب الصاد المهملة في الكلام على الصرار. الجداية: بكسر الجيم وفتحها الذكر والأنثى من أولاد الظباء إذا بلغ ستة أشهر أو سبعة، وخص بعضهم به الذكر منها. قال الأصمعي: الجداية بمنزلة العناق من الغنم. وفي سنن أبي داود الترمذي عن كلدة بن حنبل الغساني، وليس له في الكتب الستة سواه، قال: بعثني صفوان بن أمية إلى رسول الله ﷺ بلبن وجداية وضغابيس، والنبي ﷺ بأعلى مكة، فدخلت ولم أسلم فقال «٢» : «ارجع وقل السلام عليكم» . وذلك بعد ما أسلم صفوان، الضغابيس صغار القثاء، والجداية الصغير من الظباء ذكرا كان أو أنثى. الجدي: الذكر من أولاد المعز، وثلاثة أجد، فإذا كثرت فهي الجداء. روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن النبي ﷺ كان يصلي فذهب جدي يمرّ بين يديه فجعل يتقيه «٣» » وروى الطبراني والبزار بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «كان جدي في غنم كثيرة ترضعه أمه فترويه، فانفلت يوما فرضع الغنم كلها ثم لم يشبع فقيل: إن مثل هذا، مثل قوم يأتون من بعدكم فيعطى الرجل منهم ما يكفي القبيلة أو الأمة ثم لم يشبع «٤» » . وفي صفة الصفوة وغيرها عن مجاهد، قال كان عمر ﵁ يقول: «لو مات جدي بطف الفرات لخشيت أن يطالب الله به عمر» . الطف اسم موضع بناحية الكوفة، وأضيف إلى الفرات لقربه منه. الأمثال: قالوا تغد بالجدي قبل أن يتعشى بك يضرب للأخذ بالحزم. الخواص: لحم الجدي أقل حرارة ورطوبة من الخروف وأسرع المعز هضما وأجوده الجدي

стр. 265

الأحمر والأزرق ولحمه سريع الانهضام، لكنه يضر بأصحاب القولنج، والعسل يذهب مضرته وهو جيد الغذاء ويكره السمين من ذكورها وإناثها لعسر انهضامها، ورداءة غذائها. ولحوم المعز بالجملة نافعة لمن به الدماميل والبثور، ولحومها في الشتاء رديئة وفي الصيف جيدة وفي باقي الفصول متوسطة. التعبير: الجدي في المنام ولد فمن رأى جديا مذبوحا فهو موت ولد. وأكل الجدي المشوي يدل على موت ولد ذكر، فإن أكل منه ذراعه نجا من الهلكة، وإن أكل منه الجنب اليسار، فإنه يدل على هم وحزن. والنصف مما يلي الرأس إلى السرة يعبر بالمرأة والبنات والنصف مما يلي السرة إلى الرجلين يعبر بالبنين. والذراع المشوي في المنام إذا كان ناضجا فهو رزق من امرأة يمكر بها. وإذا كان غير ناضج فهو غيبة ونميمة ويأتي القول فيه في باب الخروف فإنه مثله. الأجدل: الصقر صفة غالبة عليه، وأصله من الجدل الذي هو الشدة. وهي الأجادل كسروه تكسير الأسماء، لغلبة الصفة، ولذلك جعله سيبويه مما يكون صفة في بعض الكلام، واسما في بعض اللغات. وقد يقال للأجدل أجدلي، ونظيره أعجم وأعجمي. وهو ممنوع من الصرف كأخيل عند قليل، والأكثر أنهما مصروفان. الأمثال : قالوا «١» : «بيض القطا يحضنه الأجدل» يضرب للشريف يأوي إليه الوضيع. الجذع: بفتح الجيم والذال المعجمة، وهو من الضأن ما له سنة تامة، هذا هو الأصح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم وقيل: ما له ستة أشهر. وقيل: ما له سبعة وقيل ثمانية وقيل عشرة حكاه القاضي عياض. وهو غريب وقيل: إن كان متولدا بين شابين فستة أشهر، وإن كان بين هرمين، فثمانية أشهر. قال بعض أهل البادية: الأجذاع هو أن تكون الصوفة على الظهر قائمة. وإذا أجذع نامت، والجذع من المعز ما له سنتان على الأصح، وقيل سنة قال: الجوهري: الجذع قبل الثني، والجمع جذعان وجذاع، والأنثى جذعة والجمع جذعات. تقول لولد الشاة في السنة الثانية ولولد المعز والحافر في السنة الثالثة وللإبل في السنة الخامسة أجذع. والجذع اسم له في زمن وليس لسن تنبت ولا تسقط. روى زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فجاء النبي ﷺ وأبو بكر، وقد نفرا من المشركين فقالا: «يا غلام هل عندك من لبن تسقينا فقلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما» فقال «٢» النبي ﷺ : «هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل» . قلت: نعم قال: فائتني بها. قال: فأتيتهما بها فاعتقلها النبي ﷺ ، ومسح الضرع ودعا، فجعل الضرع يحفل، ثم أتاه أبو بكر بصخرة منقعرة فاحتلب فيها وشرب رسول الله ﷺ ، وشرب أبو بكر ثم شربت. ثم قال ﷺ للضرع: «أقلص» فقلص أي اجتمع. قال: فأتيته بعد ذلك فقلت: علمني من هذا القول قال: إنك عليم معلم. قال: فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد. وفي حديث المبعث أن ورقة بن نوفل قال: يا ليتني فيها جذعا. الضمير في فيها للنبوّة. أي ليتني كنت شابا عند ظهورها، حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها وجذعا منصوب على الحال من الضمير في فيها تقديره

стр. 266

ليتني مستقر فيها جذعا أي شابا وقيل: هو منصوب بإضمار كان وضعف ذلك لأن كان الناقصة لا تضمر إلا إذا كان في الكلام لفظ ظاهر يقتضيها كقولهم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر أي إن كان خيرا فخير وروى الحافظ الدمياطي عن علي بن صالح، قال: كان ولد عبد المطلب عشرة، كل منهم يأكل جذعة. وروى أبو عمر بن عبد البر، في التمهيد، من طريق صحيح، أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن شجرة طوبى، فقال له: «هل أتيت الشأم؟ فإن فيها شجرة يقال لها الجوزة» . ثم وصفها. ثم إن الأعرابي سأل عن عظم أصلها فقال له لو ركبت جذعة من ابل أهلك، ثم طفت بها أو قال درت بها، حتى تندق ترقوتها هرما ما قطعتها» «١» وذكر السهيلي في التعريف والاعلام أن أصلها في قصر النبي ﷺ في الجنة، ثم تنقسم فروعها على منازل أهل الجنة كما انتشر منه العلم والإيمان على جميع أهل الدنيا وهذه الشجرة من شجرة الجوز. الجراد: معروف الواحدة جرادة الذكر والأنثى فيه سواء. يقال: هذا جرادة ذكر وهذه جرادة أنثى كنملة وحمامة. قال أهل اللغة: وهو مشتق من الجرد. قال: والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدا. يقال ثوب جرد أي أملس. وثوب جرد إذا ذهب زئيره. وهو بري وبحري. والكلام الآن في البري. قال «٢» الله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ، كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ أي في كل مكان. وقيل: وجه التشبيه أنهم حيارى فزعون لا يهتدون ولا جهة لأحد منهم يقصدها. والجراد لا جهة له فيكون أبدا بعضه على بعض. وقد شبههم في آية أخرى بالفراش المبثوث. وفيهم من كل هذا شبه، وقيل: إنهم أولا كالفراش حين يموج بعضهم في بعض ثم كالجراد إذا توجهوا نحو المحشر والداعي. والجرادة تكنى بأم عوف قال أبو عطاء السندي «٣» : وما صفراء تكنى أم عوف ... كأن رجيلتيها منجلان والجراد أصناف مختلفة: فبعضه كبير الجثة، وبعضه صغيرها، وبعضه أحمر وبعضه أصفر وبعضه أبيض. وكان مسلمة بن عبد الملك بن مروان يلقب بالجرادة الصفراء، وكان موصوفا بالشجاعة والاقدام والرأي والدهاء. ولي أرمينية وأذربيجان غير مرة، وإمرة العراقين وسار في مائة وعشرين ألفا وغزا القسطنطينية في خلافة سليمان أخيه. وروى عن عمر بن عبد العزيز، وهو مذكور في سنن أبي داود وكانت وفاته سنة احدى وعشرين ومائة. ومن الفوائد عنه أنه لما حضر عمورية حصل له صداع فلم يركب في الحرب فقال أهل عمورية للمسلمين: ما بال أميركم لم يركب اليوم فقالوا: حصل له صداع، فأخرجوا لهم برنسا وقالوا ألبسوه إياه ليزول عنه ما يجد. فلبسه مسلمة فشفي، ففتقوه فلم يجدوا فيه شيئا ثم فتقوا أزراره فإذا فيه بطاقة مكتوب فيها هذه الآيات: بسم الله الرحمن الرحيم ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ «٤» بسم الله الرحمن الرحيم الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً «٥» بسم الله الرحمن الرحيم يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً «٦» بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 267

حم عسق «١» بسم الله الرحمن الرحيم وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «٢» بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً «٣» بسم الله الرحمن الرحيم وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٤» فقال المسلمون: من أين لكم هذا وإنما أنزل على نبينا محمد ﷺ ؟ قالوا: وجدناه منقوشا في حجر في كنيسة قبل أن يبعث نبيكم بسبعمائة عام. قال الحافظ ابن عساكر: ويكتب للصداع أيضا بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا «٥» أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً «٦» كهيعص «٧» حم عسق «٨» كم لله من نعمة على كل عبد شاكر وغير شاكر. وكم لله من نعمة في كل قلب خاشع وغير خاشع وكم لله من نعمة في كل عرق ساكن وغير ساكن اذهب أيها الصداع بعز عز الله وبنور وجه الله وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٩» ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. قال: يكتب ويجعل على الرأس فإنه نافع. قلت: وهو عجيب مجرب. قال: ومما جرب أيضا للصداع أن تكتب هذه الأحرف الآتية على دف خشب وتدق فيه مسمارا على حرف بعد حرف إلى أن يكن الصداع، وتقرأ وأنت تدق وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً «١٠» وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «١١» وهي هذه الأحرف: اح اك ك ح ع ح ام ح. وذكر لها خبرا اتفق لهارون الرشيد مع بعض ملوك الروم، وسيأتي إن شاء الله تعالى في السوس شيء يتعلق بهذا. والجراد إذا خرج من بيضه يقال له الدبى، فإذا طلعت أجنحته وكبرت فهو الغوغاء الواحدة غوغاة وذلك حين يموج بعضه في بعض، فإذا بدت فيه الألوان واصفرت الذكور واسودت الإناث سمي جرادا حينئذ وهو إذا أراد أن يبيض، التمس لبيضه المواضع الصلدة والصخور الصلبة التي لا تعمل فيها المعاول، فيضربها بذنبه فتفرج له فيلقي بيضه في ذلك الصدع، فيكون له كالأفحوص ويكون حاضنا له ومربيا. وللجرادة ست أرجل: يدان في صدرها، وقائمتان في وسطها، ورجلان في مؤخرها، وطرفا رجليها منشاران. وهو من الحيوان الذي ينقاد لرئيسه فيجتمع كالعسكر إذا ظعن أوله تتابع جميعه ظاعنا وإذا نزل أوله نزل جميعه. ولعابه سم ناقع للنبات، لا يقع على شيء إلا أهلكه. وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ ، قال «١٢» : «بينما أيوب ﵊ يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه الله تعالى: يا أيوب ألم أكن

стр. 268

أغنيك عما ترى؟ قال: بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك» قال الشافعي: في هذا الحديث نعم المال الصالح مع العبد الصالح. وروى الطبراني والبيهقي عن شعبة عن أبي زهير النميري قال «١» : قال رسول الله ﷺ : «لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم» . قلت هذا، وإن صح، أراد به ما لم يتعرض لإفساد الزرع وغيره، فإن تعرض لذلك، جاز دفعه بالقتل وغيره. والجند العسكر والجمع أجناد وجنود. وفي الحديث: «الأرواح جنود مجندة» أي مجموعة، كما يقال ألوف مؤلفة، وقناطير مقنطرة. ثم أسند عن ابن عمر: أن جرادة وقعت بين يدي رسول الله ﷺ فإذا مكتوب على جناحيها بالعبرانية: نحن جند الله الأكبر ولنا تسع وتسعون بيضة ولو تمت المائة لأكلنا الدنيا بما فيها فقال «٢» رسول الله ﷺ : «اللهم أهلك الجراد اقتل كبارها، وأمت صغارها، وأفسد بيضها، وسد أفواهها عن مزارع المسلمين ومعايشهم، إنك سميع الدعاء. فجاءه جبريل ﵇ وقال: إنه قد استجيب لك في بعضه» . وكذلك أسنده الحاكم في تاريخ نيسابور أيضا ثم أسند الطبراني أيضا عن الحسن بن علي قال: كنا على مائدة نأكل أنا وأخي محمد بن الحنفية وبنو عمي عبد الله وقثم والفضل أولاد العباس، فوقعت جرادة على المائدة فأخذها عبد الله وقال لي: ما مكتوب على هذه فقلت سألت أبي أمير المؤمنين عن ذلك؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ عنه فقال لي: «مكتوب عليها: أنا الله لا إله إلا أنا رب الجراد ورازقها إن شئت بعثتها رزقا لقوم، وإن شئت بعثتها بلاء على قوم» . فقال عبد الله: هذا من العلم المكنون. ثم أسند أيضا هو وأبو يعلى الموصلي عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵁ في سنة من سني خلافته فقد الجراد فاهتم لذلك هما شديدا فبعث إلى اليمن راكبا، وإلى الشام راكبا وإلى العراق راكبا، كل يسأل هل رأوا الجراد؟ فأتاه الراكب الذي سار إلى اليمن بقبضة منه فنثرها بين يديه فلما رأى عمر الجراد، كبر وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول؛ «إن الله خلق ألف أمة ستمائة منها في البحر، وأربعمائة في البر. وإن أوّل هلاك هذه الأمم الجراد، فإذا هلك الجراد، تتابعت الأمم مثل النظام إذا قطع سلكه «٣» » . ورواه ابن عدي في ترجمة محمد بن عيسى العبدي وذكره الحكيم الترمذي في نوادره وقال: إنما صار الجراد أول هذه الأمم هلاكا، لأنه خلق من الطينة التي فضلت من خلق آدم ﵊. وإنما تهلك الأمم بهلاك الآدميين لأنها سخرت لهم وهو في الكامل والميزان في ترجمة محمد بن عيسى بن كيسان. وفي الحلية في ترجمة حسان بن عطية. قال الأوزاعي حدثني حسان قال: «إنما مثل الشياطين في كثرتهم كمثل رجل دخل زرعا فيه جراد كثير، فكلما وضع رجله تطاير الجراد يمينا وشمالا ولولا أن الله غض البصر عنهم، ما رؤي شيء إلا وعليه شيطان» . وفيها في ترجمة يزيد بن ميسرة قال: كان طعام يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام الجراد وقلوب الشجر، وكان يقول: من أنعم منك يا يحيى وطعامك الجراد وقلوب الشجر: وفي الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه وجه فرس وعينا فيل وعنق ثور وقرنا أيل وصدر أسد وبطن عقرب وجناحا نسر وفخذا جمل ورجلا نعامة وذنب حية.

стр. 269

وقد أحسن القاضي محيي الدين الشهرزوري «١» في وصف الجراد بذلك في قوله: لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم «٢» حبتها أفاعي الأرض بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم وما يستحسن ويستجاد من شعره قوله يصف نزول الثلج من الغيم: ولما شاب رأس الدهر غيظا ... لما قاساه من فقد الكرام أقام يميط عنه الشيب غيظا ... وينثر ما أماط على الأنام «٣» توفي الشهرزوري في سنة ست وثمانين وخمسمائة وليس في الحيوان أكثر افسادا لما يقتاته الانسان من الجراد. قال الأصمعي: أتيت البادية، فإذا أعرابي زرع برا له، فلما قام على سوقه وجاد سنبله أتاه رجل جراد فجعل الرجل ينظر إليه ولا يدري كيف الحيلة فيه فأنشأ يقول: مر الجراد على زرعي فقلت له ... لا تأكلنّ ولا تشغل بإفساد فقام منهم خطيب فوق سنبلة ... أنا على سفر لا بد من زاد وقيل لأعرابي: ألك زرع؟ فقال: نعم. ولكن أتانا رجل من جراد، بمثل مناجل الحصاد، فسبحان من يهلك القوي الأكول بالضعيف المأكول. فائدة: تكتب هذه الكلمات وتجعل في أنبوبة قصب وتدمن في الزرع أو في الكرم فإنه لا يؤذيه الجراد بإذن الله تعالى وهي بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلي على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد وسلم، اللهم أهلك صغارهم، واقتل كبارهم، وأفسد بيضهم، وخذ بأفواههم عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. اللهم صلي على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد وسلم، واستجب منا يا أرحم الراحمين. وهو عجيب مجرب. ومما يفعل لطرد الجراد أيضا، وقد جرب وفعل، فصرفه الله به وأخبرني به الشيخ يحيى بن عبد الله القرشي، وأنه فعل ذلك غير مرة، فصرفه الله عن البلاد التي هو فيها، وكفاهم شره وأن بعض العلماء أفاده ذلك، وقد سماه لي وذهب عني اسمه الآن، انه إذا وقع الجراد بأرض وأردت أن الله يصرفه، فخذ منه أربع جرادات، واكتب على أجنحتها أربع آيات من كتاب الله تعالى، في جناح كل جرادة آية، ثم توجه بها إلى أي بلد تسميها وتقول لهم: انصرفوا إليها. على الأولى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٤» وعلى الثانية وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ «٥» وعلى

стр. 270

الثالثة ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ «١» وعلى الرابعة فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ «٢» . الحكم: أجمع المسلمون على إباحة أكله وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: «غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد» «٣» رواه أبو داود والبخاري والحافظ أبو نعيم. وفيه ويأكله رسول الله ﷺ معنا. وروى ابن ماجه عن أنس قال: «كن أزواج النبي ﷺ يتهادين الجراد في الأطباق «٤» » . وفي الموطأ من حديث ابن عمر سئل عن الجراد فقال: وددت أن عندي قفة آكل منها. وروى البيهقي عن أبي امامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن مريم بنت عمران ﵍ سألت ربها أن يطعمها لحما لا دم له فأطعمها الجراد فقالت: الله أعشه بغير رضاع وتابع بينه بغير شياع» قلت: يا أبا الفضل ما الشياع؟ قال: الصوت. وتقدم أن يحيى بن زكريا كان يأكل الجراد وقلوب الشجر، يعني الذي ينبت في وسطها غضا طريا قبل أن يقوى ويصلب، واحدها قلب بالضم للفرق. وكذلك قلب النخلة. وقالت الأئمة الأربعة: يحل أكله سواء مات حتف أنفه، أو بذكاة أو باصطياد مجوسي أو مسلم قطع منه شيء أم لا. وعن أحمد ﵀ أنه إذا قتله البرد لم يؤكل، وملخص مذهب مالك أنه إن قطع رأسه حل، وإلا فلا. والدليل على عموم حله، قوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان: الكبد والطحال والسمك والجراد» «٥» رواه الإمام الشافعي والإمام أحمد والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا. قال البيهقي. وروي عن ابن عمر موقوفا وهو الأصح واختلف أصحابنا وغيرهم في الجراد هل هو صيد بري أو بحري فقيل: بحري لما روى ابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ دعا على الجراد فقال: «اللهم أهلك كباره، وأفسد صغاره، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء «٦» » . فقال رجل: يا رسول الله كيف تدعو على جند من أجناد الله تعالى بقطع دابره؟ فقال ﷺ : «إن الجراد نثرة الحوت من البحر «٧» » . أي عطسته والمراد أن الجراد من صيد البحر يحل للمحرم أن يصيده. وفيه عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل جراد، فجعلنا نضربهن بنعالنا وأسواطنا. فقال ﷺ : «كلوه فإنه صيد البحر «٨» » . والصحيح أنه بري لأن المحرم يجب عليه فيه الجزاء إذا أتلفه عندنا وبه قال عمر وعثمان

стр. 271

وابن عمر وابن عباس وعطاء. قال العبدري: وهو قول أهل العلم كافة إلا أبا سعيد الخدري فإنه قال: لا جزاء فيه وحكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار، وعروة بن الزبير فإنهم قالوا: هو من صيد البحر لا جزاء فيه. واحتج لهم بحديث أبي المهزم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أصبنا رجلا من جراد فكان الرجل منا يضربه بسوطه، وهو محرم، فقيل: ان هذا لا يصلح. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «إنما هو من صيد البحر» رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، واتفقوا على ضعفه لضعف، أبي المهزم وهو بضم الميم وكسر الزاي وفتح الهاء بينهما. واسمه يزيد ابن سفيان وسيأتي ذكره في حكم النعامة. واحتج الجمهور بما رواه الإمام الشافعي بإسناده الصحيح أو الحسن، عند عبد الله بن أبي عمار، أنه قال: أقبلت مع معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وكعب الأحبار في أناس محرمين من بيت المقدس بعمرة، حتى إذا كنا ببعض الطريق، وكعب على نار يصطلي «فمرت به رجل من جراد، فأخذ جرادتين فقتلهما، وكان قد نسي إحرامه ثم ذكر إحرامه، فألقاهما» . فلما قدمنا المدينة دخل القوم على عمر ﵁ ودخلت معهم فقص كعب قصة الجرادتين على عمر، فقال: «ما جعلت على نفسك يا كعب؟ فقال: درهمين فقال: بخ بخ درهمان خير من مائة جرادة اجعل ما جعلت على نفسك» «١» وبإسناد الشافعي والبيهقي الصحيح عن القاسم بن محمد قال: كنت جالسا عند ابن عباس فسأله رجل عن جرادة قتلها، وهو محرم فقال ابن عباس: فيها قبضة من طعام ولتأخذن بقبضة جرادات. قال الإمام الشافعي ﵀: أشار بذلك إلى أن فيها القيمة فالجراد وبيضه مضمونان بالقيمة على المحرم، وفي الحرم فلو وطئه عامدا أو جاهلا ضمن، ولو عم الجراد المسالك ولم يجد بدا من وطئه فالأظهر أنه لا ضمان. وقيل: لا ضمان قطعا. ويجوز السلم في الجراد والسمك حيا وميتا عند عموم وجودهما. ويوصف كل جنس بما يليق به وحكى الرافعي في باب الربا ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس من جنس اللحوم، قال في الروضة وهو الأصح. والثاني أنه من اللحوم البريات. والثالث أنه من اللحوم البحريات. ويظهر أثر الخلاف في جواز بيعه بلحم بحري أو بري وفيما لو حلف لا يأكل لحما. وحكى الموفق بن طاهر قولا غريبا أنه من صيد البحر لأنه يتولد من روث السمك وهو شاذ. الأمثال: قالت العرب: «تمرة خير من جرادة وأطيب من جرادة» . «وجاء القوم كالجراد المنتشر «٢» » . أي متفرقين. «وأجرد من الجراد «٣» » . «وأغوى من غوغاء «٤» الجراد» . وقالوا: «كالجراد لا يبقي ولا يذر» «٥» . يضرب في اشتداد الأمر واستئصال القوم. وقالوا: «أحمى من مجير الجراد «٦» » . وهو مدلج بن سويد الطائي، وكان من حديثه فيما ذكر ابن الأعرابي، عن الكلبي أنه خلا ذات يوم في خيمته فإذا هو بقوم من طيء، ومعهم أوعيتهم، فقال: ما خطبكم؟ قالوا: جراد وقع بفنائك فجئنا لنأخذه. فركب فرسه وأخذ رمحه وقال: والله لا يتعرض له أحد منكم إلا قتلته

стр. 272

أيكون في جواري ثم تريدون أخذه! ولم يزل يحرسه حتى حميت عليه الشمس فطار. فقال: شأنكم الآن به فقد تحول عن جواري. الخواص: إذا تبخر الإنسان بالجراد البري نفعه من عسر البول. وقال ابن سينا: إذا أخذ منه اثنتا عشرة جرادة، ونزعت رؤوسها وأطرافها، وجعل معها قليل من الآس اليابس، وشربه صاحب الاستسقاء نفعه. والجراد الطويل العنق، إذا علق على من به حمى الربع نفعه. وإذا طلي ببيضه وجوفه الكلف أبرأه. التعبير: الجراد في الرؤيا جند الله لأنه من آيات موسى ﵊. وهو عذاب، والدبى منه ناس سيئة أخلاقهم قبيحة سيرتهم. وإذا وقع في موضع يؤخذ ويؤكل فإنه خير ونعمة وإذا رأى أنه جعله في جرة أو قدر فإنه ينال دراهم ودنانير. وروي أن رجلا جاء إلى ابن سيرين ﵀ فقال: رأيت كأني أخذت جرادا فجعلته في جرة فقال ابن سيرين: دراهم توصلها إلى امرأة فكان كذلك ومن رأى أنه يمطر عليه جراد من ذهب عوضه الله ما ذهب منه لقصة أيوب ﵇. الجراد البحري: قال الشريف: هو حيوان له رأس مربع، وله مما يلي رأسه صدف خزفي، ونصفه الثاني لا خزف عليه، وله في كلا الجانبين عشرة أيد طوال شبيهة بأيدي العناكب، إلا أنها كبار جدا منها ما هو قدر الرغيف، ومنها ما هو دون ذلك. وهو كثير بساحل البحر ببلاد الغرب، ويأكلونه كثيرا مشويا ومطبوخا. وله قرنان دقيقان أحمران، وعينان بارزتان متدليتان من رأسه، وهذا الجراد حار يابس وأجود ما يؤكل منه مشويا في الفرن وهو داخل في عموم أنواع الصدف وخاصية لحمه النفع من الجذام. الجرارة: نوع من العقارب إذا مشى على الأرض جر ذنبه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين. وهي عقارب صغار صفر على مقدار ورق الانجذان. وتكون بعسكر مكرم. وأكثر ما توجد في كهارات السكر وفي الطين الذي هو قوالب السكر. قاله في كامل الصناعة. وقال موسى بن عبد الله الاسرائيلي القرطبي: الجرارة نوع من العقارب صغير الجسم لا يقوم ذنبه على جسمه كما تفعل العقارب بل يجره على الأرض وكذلك توجد ببلاد المشرق قال الجاحظ: وهي تكون بعسكر مكرم وجنديسابور إذا لسعت أحدا قتلته. وربما تناثر لحمه، وربما يعفن وينتن، حتى لا يدنو منه أحد إلا وهو محمر الوجه مخافة أعدائه. وهذا النوع يألف الحشوش والمواضع النادية وسمها حار محرق. وقال ابن جميع، في كتابه الارشاد: والجرارة نوع من العقارب، وسمها حار يابس يعرض للبدن منه التهاب وكرب، وليس يجد لموضع لسعها ألما قال: ومن الأشربة النافعة لها ماء الشعير وماء الجبن وسويق التفاح بالماء البارد. اهـ وقال القزويني والجاحظ: وهذا النوع يقتل غالبا اهـ. الجرذ: بضم الجيم وفتح الراء المهملة وبالذال المعجمة ذكر الفيران وقيل: هو ضرب من الفأر أعظم من اليربوع أكدر في ذنبه سواد حكاه ابن سيده قال الجاحظ: والفرق بين الجرذ والفأر كالفرق بين الجواميس والبقر والبخاتي والعراب، قال: وجرذان انطاكية لا تقوى عليها السنانير

стр. 273

لعظمها إلا للواحد بعد الواحد. قال: وهي ببلاد خراسان قوية جدا وربما عضت النائم فقطعت أذنه وأنا رأيت جرذا قاتل سنورا ففقأ عين السنور وهرب منه. وقال الزمخشري في ربيع الأبرار: الجرذ إذا خصي أكل جميع الفأر. والجرذ لا يقوم له شيء منها. قال: وزعموا أن الخصي من كل جنس أضعف من الفحل إلا الجرذان فإن الخصاء يحدث فيه شجاعة وجراءة والجمع جرذان، كصرد وصردان. وأرض جرذة أي ذات جرذان. وكنيته أبو جوال وأبو راشد وأبو العدرج وسيأتي في باب الفاء إن شاء الله تعالى. وروى أبو داود وابن ماجه وغيرهما عن ضباعة بنت الزبير زوج المقداد بن الأسود «١» قالت: ذهب المقداد بن الأسود لحاجة ببقيع الخبخبة وهو بفتح الخاءين المعجمتين وسكون الباء الأولى، موضع بنواحي المدينة، فدخل خربة فإذا الجرذ يخرج من حجر دينارا دينارا، حتى أخرج سبعة عشر دينارا، ثم أخرج طرف خرقة خضراء، قال المقداد: فقمت فمددت طرف الخرقة، فوجدت فيها دينارا فكانت ثمانية عشر دينارا. قالت: فذهب بها المقداد فاستأذن على رسول الله ﷺ ، فلما دخل عليه أخبره بذلك، وقال: خذ صدقتها يا رسول الله فقال: رسول الله ﷺ : «هل أهويت بيدك إلى الحجر؟» قال المقداد لا والذي بعثك بالحق. فقال رسول الله ﷺ بعد ذلك للمقداد «خذها بارك الله لك فيها» وفي رواية: «هذا رزق ساقه الله إليك «٢» » . وفي صحيح مسلم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: إن ناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا حي من ربيعة فذكر الحديث إلى أن قالوا يا رسول الله فيم نشرب؟ قال رسول الله ﷺ «في أسقية الأدم» فقالوا: يا رسول الله إن أرضنا كثيرة الجرذان ولا نبقى فيها أسقية الأدم. فقال «٣» رسول الله ﷺ : «وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان» . وحكي: أن امرأة جاءت إلى قيس بن سعد «٤» بن عبادة بن دليم، وكان حليما جوادا، فقالت له: مشت جرذان بيتي على العصا قال: لادعهن يثبن وثب الأسود ثم ملأ بيتها طعاما وودكا وإداما. وروي إنه كان له ديون كثيرة فمرض فاستبطأ عوّاده فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دينك عليهم. فأمر مناديا ينادي من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو بريء منه! فأتى الناس حتى هدموا درجة كان يصعد عليها إليه. قال عروة وكان قيس بن سعد يقول: اللهم ارزقني مالا فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال. قال: وكان أبوه سعد بن عبادة يقول: اللهم هب لي حمدا وهب لي مجدا فإنه لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم إن القليل لا يصلحني ولا أصلح عليه. وقال يحيى بن أبي كثير: كان قيس بن سعد، إذا انصرف من صلاة مكتوبة، قال: اللهم ارزقني مالا استعين به على الفعال، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال. قال الجوهري: الفعل بالفتح مصدر فعل يفعل. وقرأ بعضهم وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ «٥» والفعل بالكسر

стр. 274

الاسم، والجمع الفعال، مثل قدح وقداح وبئر وبئار والفعال بالفتح الكرم قال هدبة «١» : ضروبا بلحييه على عظم زوره ... إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا انتهى. وقال ابن سيده: الفعال بالفتح اسم للفعل الحسن انتهى توفي قيس بن سعد سنة ستين وقيل سنة تسع وخمسين للهجرة النبوية. وحكمه وخواصه : كالفأر وسيأتي في باب الفاء إن شاء الله تعالى. التعبير: الجرذ في المنام تدل رؤيته على الفسق والأذى والاجتماع، وربما دلت رؤيته على الذل والمقت، وربما دلت على نساء جفاة. ومن أكل لحمه في المنام نال رزقا من حرام. وقال بعض أهل التعبير يدل على النقلة من أخذه أو دخل إلى منزله لقوله «٢» تعالى فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ . وكان سببه الجرذ فوقعت النقلة من تلك الأرض وأكل لحمه يدل على غيبة رجل فاسق والله أعلم. الجرجس: لغة في القرقس وهو البعوض الصغار وسيأتي في باب القاف إن شاء الله تعالى. الجوارس: النحل وجرست النحل العرفط تجرس جرسا إذا أكلته والجرس في الأصل الصوت الخفي. والعرفط بالضم شجرة الطلح وله صمغ كريه الرائحة. فإذا أكلته النحلة حصل في عسلها شيء من ريحه. الجرو: بكسر الجيم وفتحها وضمها ثلاث لغات مشهورات الصغير من أولاد الكلب وسائر السباع وفي المثل لا تقتن من كلب سوء جروا قال الشاعر: ولو ولدت فقيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلاب وقال ابن سيده: الجرو الصغير من كل شيء حتى من الحنظل والبطيخ والقثاء والرمان. روى مسلم في صحيحه عن ميمونة رضي الله تعالى عنها «أن النبي ﷺ أصبح يوما واجما، فقالت ميمونة: يا رسول الله إني قد استنكرت هيئتك فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني أما والله ما أخلفني قط قالت: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك الحال، ثم وقع في نفسه أن جرو كلب تحت فسطاط لنا فأمر به فأخرج ثم أخذ ﷺ بيده ماء فنضح مكانه. فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له ﷺ : قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة فقال: أجل ولكنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ فأمر بقتل الكلاب حتى إنه أمر بقتل كلب الحائط الصغير وبترك كلب الحائط الكبير «٣» » . ورواه الطبراني عن خولة خادم النبي ﷺ بزيادة على ذلك، ولفظها إن جروا دخل البيت، ودخل تحت السرير ومات. «فمكث رسول الله ﷺ أياما لا ينزل عليه الوحي، فقال: «يا خولة ما حدث في بيت رسول الله فإن جبريل

стр. 275

لا يأتيني؟ فهل حدث في بيت رسول الله حدث؟» ثم خرج إلى المسجد قالت: فقمت فكنست البيت فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا شيء تحت المكنسة ثقيل فلم أزل حتى أخرجته، فإذا هو جرو كلب ميت فأخذته بيدي وألقيته خلف الدار فجاء رسول الله ﷺ ترعد لحيته وكان إذا أتاه الوحي أخذته الرعدة فقال: يا خولة دثريني فأنزل الله وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «١» قال ابن عبد البر: وليس إسناد حديثها هذا مما يحتج به. والصحيح أن هذه السورة، نزلت في أول ما نزل من القرآن، لما انقطع عنه الوحي فقال المشركون إن محمدا قد ودّعه ربه أي هجره فأنزل الله هذه السورة. وروى البيهقي في أواخر الباب السابع والأربعين من الشعب عن معاذ بن جبل قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له، وكان يخرج فإذا رأى غلاما من غلمان بني إسرائيل عليه حلى يخدعه، حتى يدخله بيته، فيقتله ويلقيه في مطمورة له، فبينما هو كذلك إذ لقى غلامين أخوين عليهما حلى فأدخلهما بيته وقتلهما وطرحهما في مطمورته. وكانت له امرأة مسلمة تنهاه عن ذلك، وتقول له إني أحذرك النقمة من الله . فيقول: لو أن الله يأخذني على شيء لأخذني يوم فعلت كذا وكذا فتقول له المرأة: إن صاعك لم يمتلىء ولو امتلأ صاعك لأخذت فلما قتل الغلامين، خرج أبوهما في طلبهما فلم يجد أحدا يخبره عنهما، فأتى نبيا من أنبياء اسرائيل، وذكر ذلك له فقال له ذلك النبي: هل كان معهما لعبة يلعبان بها؟ فقال أبوهما: نعم كان لهما جرو. قال فائتني به فأتاه به فوضع النبي خاتمه بين عينيه ثم خلى سبيله، ثم قال: أول دار يدخلها من دور بني إسرائيل فيها بيان ذلك. فأقبل الجرو يتخلل الدور حتى دخل دار من دور بني إسرائيل، فدخلوا خلفه فوجدوا الغلامين مقتولين مع غلمان كثيرة قد قتلهم وطرحهم في المطمورة. فانطلقوا به إلى ذلك النبي ﵇ فأمر به أن يصلب، فلما رفع إلى الخشبة أتته امرأته وقالت: قد كنت أحذرك هذا اليوم، وأخبرك أن الله غير تاركك، وأنت تقول: لو أن الله يأخذني على شيء لأخذني يوم فعلت كذا وكذا. فأخبرك أن صاعك لم يمتلىء بعد. ألا وإن صاعك قد امتلأ. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الكاف في لفظ الكلب الحديث الذي في مسند الإمام أحمد الطبراني والبزار في الكلبة التي عوى جروها في بطنها. وروى الحاكم في المناقب من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا اقترب الزمان كثر لبس الطيالسة وكثرت التجارة وكثر المال وعظم رب المال بماله وكثرت الفاحشة وكثرت النساء، وكانت امارة الصبيان، وجار السلطان وطفق في المكيال الميزان، ويربي الرجل جرو كلب خير له من أن يربي ولدا. ولا يوقر كبير ولا يرحم صغير، ويكثر الزنا حتى إن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق فيقول أمثلهم في ذلك الزمان: لو اعتزلتم عن الطريق. ويلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أمثلهم في ذلك الزمان المداهن» «٢» وكذلك رواه الطبراني في معجمه الأوسط وفيه سيف ابن مسكين وهو ضعيف. الجريث: بكسر الجيم بالراء المهملة والثاء المثلثة، وهو هذا السمك الذي يشبه الثعبان. وجمعه جراثي. ويقال له أيضا الجريء بالكسر والتشديد وهو نوع من السمك يشبه الحية ويسمى

стр. 276

بالفارسية مارماهي وقد تقدم في باب الهمزة أنه الأنكليس. قال الجاحظ: إنه يأكل الجرذان وهو حية الماء. وحكمه: الحل قال البغوي عند قوله «١» تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ إن الجريث حلال بالاتفاق، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم وبه قال شريح والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي. والمراد هذه الثعابين التي لا تعيش إلا في الماء. وأما الحيات التي تعيش في البر والبحر، فتلك من ذوات السموم، وأكلها حرام. وسئل ابن عباس عن الجري فقال: هو شيء حرمته اليهود ونحن لا نحرمه. الخواص: مرارته يسعط بها الفرس المجنون يذهب جنونه. ولحمه يجوّد الصوت. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الصاد المهملة في لفظ الصيد ما ذكره البخاري في صحيحه في الجري. الجزور: من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهو مؤنث، والجمع جزر. وكذا قاله الجوهري، وقال ابن سيده: الجزور الناقة التي تجزر والجمع جزائر وجزر وجزرات جمع الجمع كطرق وطرقات. قالت خرنق بنت هفان «٢» : لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر النازلون بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزر وبها سميت المجزرة وهي الموضع الذي يذبح فيه. وفي كتاب العين الجزور من الضأن والمعز خاصة مأخوذ من الجزر، وهو القطع. وفي صحيح مسلم، من حديث عبد الرحمن بن شماسة أن عمرو بن العاص قال عند موته: إذا دفنتموني فسنوا عليّ التراب سنائم، أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي. قلت: وإنما ضرب المثل بنحر الجزور وتقسيم لحمها، لأنه كان في أول أمره جزارا بمكة، فألف نحر الجزائر، وضرب به المثل، وكونه كان جزارا جزم به ابن قتيبة في المعارف، ونقله ابن دريد في كتاب الوشاح وكذلك ابن الجوزي في التلقيح، وأضاف إليه الزبير بن العوام بن كرير فقال: هؤلاء كانوا جزارين وذكر التوحيدي في كتاب «بصائر القدماء وسرائر الحكماء» صناعة كل من علمت صناعته من قريش فقال: كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بزازا، وكذلك عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهم، وكان عمر رضي الله تعالى عنه دلالا يسعى بين البائع والمشتري، وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل. وكان الوليد بن المغيرة «٣» حدادا،

стр. 277

وكذلك أبو العاص «١» أخو أبي جهل «٢» وكان عقبة «٣» بن أبي معيط خمارا، وكان أبو سفيان «٤» بن حزب يبيع الزيت والأدم، وكان عبد الله بن جدعان نخاسا يبيع الجواري، وكان النضر «٥» بن الحارث عوادا يضرب بالعود، وكان الحكم بن أبي العاص «٦» خصاء يخصي الغنم. وكذلك حريث ابن عمرو والضحاك بن قيس الفهري «٧» وابن سيرين «٨» . وكان العاص «٩» بن وائل السهمي بيطارا يعالج الخيل، وكان ابنه عمرو بن العاص جزارا. وكذلك أبو حنيفة صاحب الرأي والقياس وكان الزبير بن العوام خياطا، وكذلك عثمان بن طلحة الذي دفع له النبي ﷺ مفتاح الكعبة، وقيس «١٠» بن مخرمة وكان مالك بن دينار «١١» وراقا، وكان المهلب «١٢» بن أبي صفرة بستانيا، وكان قتيبة بن مسلم «١٣» الذي فتح بلاد العجم إلى ما وراء النهر جمالا، وكان سفيان «١٤» بن عيينة معلما، وكذلك الضحاك «١٥» بن مزاحم، وعطاء «١٦» بن أبي رباح، والكميت الشاعر «١٧» ، والحجاج ابن يوسف الثقفي، وعبد الحميد «١٨» بن يحيى صاحب الرسائل، وأبو عبيد الله القاسم بن

стр. 278

سلام «١» والكسائي «٢» هذه صناعة الأشراف. قال وأما أديان العرب فإن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة واليهودية كانت في حمير وكنانة وكندة وبني الحارث بن كعب والمجوسية في تميم ومنهم الحاجب «٣» بن زرارة الذي رهن قوسه عند كسرى، ووفى به حتى ضرب المثل به فقالوا: «أوفى من قوس حاجب» وفكت أيام النبي ﷺ ، وأهديت إليه والزندقة كانت في قريش انتهى. وما ذكره من كون الزبير بن العوام كان خياطا، فيه نظر، والصواب أنه كان جزارا. ذكره ابن الجوزي وغيره كما تقدم. ولأن عمرو بن العاص يومئذ كان كبير مصر وعظيم أهلها، فأشبه الجزور بالنسبة إلى غيرها، من بهيمة الأنعام ونحرها موته، وتفرقة لحمها قسمة أمواله بعد موته. وكان من جملة تركته تسعة أرادب ذهبا. وأما الوضوء من أكل لحم الجزور فقد تقدم في باب الهمزة في لفظ الإبل ذكر من ذهب إليه من الأئمة وأنه المختار المنصور من جهة الدليل ففي صحيح مسلم وغيره عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه: أن رجلا سأل النبي ﷺ أنتوضأ من لحوم الغنم فقال: «إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ» فقال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم توضأ من لحوم الإبل» «٤» . وروى أحمد وأبو داود وغيرهما عن البراء بن عازب قال: سئل النبي ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: «توضؤا منها» . وسئل عن لحوم الغنم فقال: «لا تتوضؤا منها» «٥» . قال النووي ﵀ هذان حديثان صحيحان ليس عنهما جواب شاف وقد اختاره جماعة من محققي أصحابنا المحدثين اهـ. وروى البخاري ومسلم وأبو داود النسائي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: بينما النبي ﷺ ساجد إذ جاءه عقبة بن أبي معيط بسلى جزور فقذفه على ظهر النبي ﷺ فلم يرجع رأسه حتى جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها فأخذته من على ظهره، ودعت على من صنع ذلك. فقال «٦» النبي ﷺ : «اللهم عليك بالملأ من قريش اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف أو أبي بن خلف» . قال: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا في بئر، غير أمية أو أبي فإنه كان ضخما فلما جروه تقطعت أوصاله قبل أن يلقى في البئر. الجساسة: بفتح الجيم وتشديد السين المهملة الأولى. قال ابن سيده: هي دابة في جزائر البحر تجس الأخبار وتأتي بها الدجال. وكذا قال أبو داود السجستاني: سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال. وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص انها دابة الأرض المذكورة في القرآن

стр. 279

وهي بجزيرة ببحر القلزم. وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن فاطمة بنت قيس، قالت: خرج علينا رسول الله ﷺ فقام خطيبا فقال: «إني لم أجمعكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن لحديث حدثنيه تميم الداري، حدثني أنه ركب سفينة بحرية في ثلاثين رجلا من لخم وجذام فألجأهم ريح عاصف إلى جزيرة، فإذا هم بدابة فقالوا لها: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: أخبرينا الخبر. قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير، فإن فيه رجلا بالأشواق إليكم» «١» . قال: فأتيناه فذكر الحديث. وتميم الداري هذا هو تميم بن أوس بن خارجة بن سويد أبو رقبة أسلم سنة تسع من الهجرة وروي له عن رسول الله ﷺ ثمانية عشر حديثا. روى مسلم منها حديث «٢» «الدين النصيحة» ومن مناقبه العظيمة التي لا يشاركه فيها غيره أن النبي ﷺ روى عنه قصة الجساسة. وروى عنه جماعة من الصحابة كابن عباس وأنس وأبي هريرة وجماعة من التابعين. وكان بالمدينة ثم انتقل إلى بيت المقدس، بعد قتل عثمان. وكان كثير التهجد وهو أول من قص على الناس، وأول من أسرج المسجد. قال الحافظ أبو نعيم. وكذلك رواه أبو داود الطيالسي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. قال: أول من أسرج المسجد تميم الداري وتوفي سنة أربعين وأما تميم الداري المذكور في صحيح البخاري في قصة الجام فذاك نصراني من أهل دارين قاله مقاتل بن حيان وغيره. جعار: الضبع وفي المثل «أعيث من جعار» «٣» . أي أفسد والعيث الفساد. قال الشاعر: فقلت لها عيثي جعار وجرري ... بلحم امرىء لم يشهد النوم ناظره الجعدة: الشاة وستأتي في كنى الذئب إن شاء الله تعالى في باب الذال المعجمة. الجعل: كصرد ورطب جمعه جعلان بكسر الجيم والعين ساكنة. والناس يسمونه أبا جعران لأنه يجمع الجعر اليابس ويدخره في بيته. وهو دويبة معروفة يسمى الزعقوق، تعض البهائم في فروجها فتهرب، وهو أكبر من الخنفساء شديد السواد، في بطنه لون حمرة، للذكر قرنان، يوجد كثيرا في مراح البقر والجواميس ومواضع الروث، ويتولد غالبا من أخثاء البقر، ومن شأنه جمع النجاسة وادخارها كما تقدم. ومن عجيب أمره أنه يموت من ريح الورد وريح الطيب، فإذا أعيد إلى الروث عاش. قال أبو الطيب يصفه في شعره: كما تضر رياح الورد بالجعل. وله جناحان لا يكادان يريان إلا إذا طار وله ستة أرجل وسنام مرتفع جدا، وهو يمشي القهقرى أي يمشي إلى خلف وهو مع هذه المشية يهتدي إلى بيته، ويسمى الكبرتل وإذا أراد الطيران تنفش فيظهر جناحاه فيطير. ومن عادته أن يحرس النيام فمن قام لقضاء حاجته تبعه،

стр. 280

وذلك من شهوته للغائط لأنه قوته. روى الطبراني وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، والبيهقي في شعب الايمان، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إن ذنوب بني آدم لتقتل الجعل في حجره. وروى الحاكم عن أبي الأحوص عن ابن مسعود أنه قرأ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى «١» ثم قال: كاد الجعل يعذب في حجره بذنب بني آدم. ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال مجاهد في قوله تعالى: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ «٢» إنهم دواب الأرض: الخنافس والجعلان، يمنعون القطر بخطاياهم. وروى أبو داود والترمذي وحسنه وهو آخر حديث في جامعه، قبل العلل، وابن حيان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «ان الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء إما مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليسد عن رجال فخرهم بأقوام ما هم إلا فحم من فحم جهنم، أو ليكونن على الله أهون من الجعل الذي يدفع بأنفه النتن» «٣» وفي رواية: أهون على الله من الجعل يدفع الخراء بأنفه» «٤» وفي مسند أبي داود الطيالسي، وشعب الايمان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا تفخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية فو الذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية» » . وروى البزار في مسنده عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كلكم بنو آدم وآدم من تراب، لينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان» «٦» . وكان عامر بن مسعود الجمحي الصحابي رضي الله تعالى عنه يلقب دحروجة الجعل لقصره وهو راوي حديث الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة وروى الرياشي عن الأصمعي قال: مر بنا أعرابي ينشد ابنا له فقلنا له: صفه لنا فقال: كأنه دنينير. فقلنا له لم نره فذهب فلم نلبث أن جاء بصغير أسود كأنه جعل قد حمله على عنقه، فقلت له: لو سألتنا عن هذا لأرشدناك. فإنه لم يزل عامة يومه بين أيدينا ثم أنشد الأصمعي: زينها الله في الفؤاد كما ... زين في عين والد ولده الحكم: يحرم أكله لاستقذاره. الأمثال: قالوا «٧» : «ألصق من جعل» لأنه يتبع الإنسان إلى الغائط كما تقدم. قال الشاعر: إذا أتيت سليمى شب لي جعل ... إن الشقي الذي يغري به الجعل وهو يضرب للرجل يلصق به من يكرهه فلا يزال يهرب منه. الخواص: إذا أخذ الجعل غير مطبوخ، ولا مملوح وجفف وشرب، من غير إضافة إلى غيره، نفع من لسع العقرب نفعا عظيما. التعبير: الجعل في المنام عدو بغيض ثقيل، وربما دل على رجل مسافر، ينقل الأموال من

стр. 281

بلد إلى بلد، وماله حرام أو فيه شبهة. والله أعلم. الجعول: ولد النعامة لغة يمانية. قاله ابن سيده. وسيأتي لفظ النعامة في باب النون. الجفرة: بفتح الجيم ما بلغت أربعة أشهر من أولاد المعز وفصلت عن أمها والذكر جفر سمي بذلك لأنه جفر جنباه أي عظما. والجمع أجفار وجفار. فائدة: قال ابن قتيبة، في كتابه أدب الكاتب، وكتاب الجفر جلد جفر كتب فيه الإمام جعفر بن محمد الصادق لآل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه وكل ما يكون إلى يوم القيامة وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري «١» بقوله: لقد عجبوا لأهل البيت لما ... أتاهم علمهم في مسك جفر ومرآة المنجم وهي صغرى ... أرته كل عامرة وقفر والمسك الجلد وقيل: إن ابن تومرت «٢» المعروف بالمهدي ظفر بكتاب الجفر فرأى فيه ما يكون على يد عبد «٣» المؤمن صاحب المغرب، وقصته وحليته واسمه. فأقام ابن تومرت مدة يتطلبه حتى وجده وصحبه، وكان يكرمه ويقدمه على سائر أصحابه وينشد «٤» إذا أبصره: تكاملت فيك أوصاف خصصت بها ... فكلنا بك مسرور ومغتبط السن ضاحكة والكف مانحة ... والنفس واسعة والوجه منبسط ولم يصح أن ابن تومرت استخلف عبد المؤمن عند موته، وإنما راعى أصحابه إشارته في تقديمه وإكرامه فتم له الأمر. وعبد المؤمن هو الذي حمل الناس في المغرب حين تم له الأمر على مذهب مالك ﵀ في الفروع وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري ﵀ في الأصول. وكان عبد المؤمن ملكا حازما عاقلا سفاكا للدماء يقتل على الذنب الصغير. توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ومدة ولايته ثلاث وثلاثون سنة وأشهر. وحكمها: الحل يفدى بها اليربوع إذا قتله المحرم. وخواصها: وتعبيرها كالمعز والله أعلم. جلكى: كمرطى نوع متولد بين الحية والسمك إذا ذبح لا يخرج منه دم وعظمه رخو يؤكل مع لحمه يسمن النساء إذا أكل وهو نعم العلاج لذلك والله أعلم. الجلالة: من الحيوان الذي يأكل الجلة والعذرة. والجلة البعر يوضع موضع العذرة يقال: جلت الدابة الجلة واجتلتها فهي جالة وجلالة إذا التقطتها. روى أبو داود وغيره من حديث نافع

стр. 282

عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم «أن النبي ﷺ نهى عن ركوب الجلالة «١» » . وروى الحاكم، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحم الجلالة» ، وشرب لبنها وأن لا يحمل عليها ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» وروى البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ «نهى عن الشرب من في السقاء عن ركوب الجلالة وعن المجثمة» «٢» وهي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل إلا أنها تكثر في الطيور والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض أي يلزمها ويلتصق بها وجثم الطائر جثوما وهو بمنزلة البروك للابل وسيأتي الكلام على الجلالة في فرع في الكلام على السخلة. الجلم: اليؤيؤ وهو نوع من الصقور وسيأتي ذكره فيها إن شاء الله تعالى وفي باب الياء أيضا. الجمل: الذكر من الإبل قال الفراء هو زوج الناقة. وكذا قال ابن مسعود لما سئل عن الجمل كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا وجمع الجمل جمال وأجمال وجمائل وجمالات. قال الله تعالى: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ «٣» قال أكثر المفسرين: هي جمع جمال على تصحيح البناء، كرجال ورجالات وقال ابن عباس وابن جبير لجمالات قلوس السفن وهي حبالها العظام إذا جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عظام وقال ابن عباس أيضا: الجمالات قطع النحاس العظام وإنما يسمى البعير جملا إذا أربع. فائدة: كان اسم الجمل الذي ركبته عائشة رضي الله تعالى عنها يوم وقعته عسكر اشتراه لها يعلى بن أمية بأربعمائة درهم، وقيل بمائتي درهم، وهو الصحيح. قال ابن الأثير: مر مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي، وكان من الأبطال المشهورة، وكان من أصحاب علي يوم الجمل، بعبد الله بن الزبير، وكان مع عائشة رضي الله تعالى عنها وكان من الأبطال فتماسكا فصار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه، جعله تحته وركب على صدره فعلا ذلك مرارا، وابن الزبير يصيح «٤» بأعلى صوته: اقتلوني ومالكا ... واقتلوا مالكا معي يريد بذلك الاشتر النخعي قال ابن الزبير: أمسيت يوم الجمل وفيّ سبع وثلاثون جراحة ما بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم قال: ولا ينهزم من الفريقين أحد وما أخذ أحد بخطام الجمل إلا قتل فأخذت الخطام فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: من أنت؟ قلت: ابن

стр. 283

الزبير. فقالت: واثكل أسماء ومر بي الأشتر فعرفته فاقتتلنا فو الله ما ضربته ضربة إلا ضربني بها ستا أو سبعا فجعلت أنادي: اقتلوني ومالكا ... واقتلوا مالكا معي وضاع الخطام مني ثم أخذ مالك برجلي فرماني في الخندق، وقال: لولا قرابتك من رسول الله ﷺ ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبدا. وفي رواية فجاء أناس منا ومنهم، وتقاتلوا حتى تحاجزنا، وضاع مني الخطام وسمعت عليا ﵁ يقول: اعقروا الجمل، فإنه إن عقر تفرقوا فضربه رجل فسقط. فما سمعت قط أشد من عجيج الجمل، ثم أمر علي بحمل الهودج من بين القتلى، فاحتمله محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، فأدخل محمد بن أبي بكر يده في الهودج. فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: من هذا الذي يتعرض لحرم رسول الله ﷺ ؟ أحرقه الله بالنار! فقال: يا أختاه قولي بنار الدنيا فقالت: بنار الدنيا. وقتل طلحة رضي الله تعالى عنه في الوقعة، وكان من حزب عائشة. ورجع الزبير فقتله عمرو بن جرموز بوادي السباع وهو نائم، وعاد بسيفه إلى علي، فلما رآه قال: إنه لسيف طالما جلا الكرب عن رسول الله ﷺ . وأحيط بعائشة ودخل علي البصرة فبايعه أهلها، وأطلق عثمان بن حنيف وجهز عائشة وأخرج أخاها محمدا معها وشيعها علي بنفسه أميالا وسرح بنيه معها يوما وقيل: إن عدة المقتولين من أصحاب الجمل ثمانية آلاف وقيل سبعة عشر ألفا. ومن أصحاب علي نحو ألف وقطع علي خطام الجمل يومئذ نحو ثمانين كفا معظمهم من بني ضبة كلما قطعت يد رجل أخذ الخطام آخر وفي ذلك يقول الضبي «١» : نحن بني ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذا الموت نزل والموت أحلى عندنا من العسل «٢» وكانوا قد ألبسوه الأدراع إلى أن عقر. ونصب نبي، عند النحويين على المدح والتخصيص، وكانت وقعة الجمل يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى أو الآخرة وقيل في خامس عشرة سنة ست وثلاثين من ارتفاع الشمس إلى قريب العصر. ويروى أن عائشة أعطت الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم. وذكر: ابن خلكان وغيره أن الأشتر دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها، بعد وقعة الجمل، فقالت له: يا أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الجمل؟ فأنشدها: أعائش لولا أنني كنت طاويا ... ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا غداة ينادي والرماح تنوشه ... بآخر صوت اقتلوني ومالكا فنجاه مني أكله وشبابه ... وخلوة جوف لم يكن متماسكا ونقل أنه كان في رأس ابن الزبير ﵁ ضربة عظيمة من الأشتر لو صب فيها قارورة دهن لاستقر. وروى الحاكم من حديث قيس بن أبي حازم وابن أبي شيبة، من حديث ابن

стр. 284

عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لنسائه: «أيتكن صاحبة الجمل الأديب تسير، أو تخرج حتى ينبحها كلاب الحوأب؟» والحوأب نهر بقرب البصرة والأديب الأزب وهو الكثير شعر الوجه. قال ابن دحية والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب الغوامض والعواصم له! وذكر أنه لا يوجد له أصل وهو أشهر من فلق الصبح. وروي أن عائشة لما خرجت، مرت بماء يقال له الحوأب فنبحتها الكلاب، فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب» «١» . وهذا الحديث مما أنكر على قيس بن أبي حازم. وأما قول الشاعر: شكا إلى جملي طول السرى ... يا جملي ليس إلى المشتكى صبرا جميلا فكلانا مبتلى فمعلوم أن الجمل لا ينطق، وإنما أراد التجوز ومقابلة الكلام بمثله كقوله «٢» تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وكقول عمرو بن كلثوم «٣» : ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا وكقول الآخر: ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج فمن رام تقويمي فإني مقوم ... ومن رام تعويجي فإني معوج يريد: أكافىء الجاهل والمعوج لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج. وأما قوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ «٤» فأراد به الحيوان المعروف لأنه أعظم الحيوانات المتداولة للإنسان جثة فلا يلج إلا في باب واسع كأنه قال لا يدخلون الجنة أبدا قال الشاعر: لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير وقرأ ابن عباس ومجاهد الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وفسر بحبل السفينة الغليظ. وسم الخياط هو بخش الإبرة أي ثقبها وقد ألغز فيها الشاعر فقال: سعت ذات سم في قميصي فغادرت ... به أثرا والله يشفي من السم كست قيصرا ثوب الجمال وتبعا ... وكسرى وعادت وهي عارية الجسم وكنية الجمل أبو أيوب وأبو صفوان. وفي حديث أم زرع زوجي «لحم جمل غث على رأس جبل وعر» . وفي سنن أبي داود عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ «أهدى عام

стр. 285

الحديبية في هداياه جملا كان لأبي جهل بن هشام في أنفه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين» «١» . قال الخطابي وفيه من الفقه أن الذكران في الهدي جائزة. وقد روي عن ابن عمر أنه كان يكره ذلك في الإبل ويرى أن تهدى الإناث منها. وفيه دليل أيضا على جواز استعمال اليسير من الفضة في لجم المراكب من الخيل وغيرها وقوله: يغيظ بذلك المشركين، معناه أن هذا الجمل كان معروفا لأبي جهل، فحازه النبي ﷺ ، فكان يغيظهم أن يروه في يده ﷺ ، وصاحبه قتيل سليب. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال ﷺ : «قد تركتكم على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، واياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد» «٢» . والأنف الجمل المخزوم الأنف الذي لا يمتنع على قائده. وقيل: الأنف الذلول ويروى كالجمل الآنف بالمد وهو بمعناه: وفيه أن قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ» والنواجذ بالذال المعجمة الأشهر أنها أقصى الأسنان أي تمسكوا بها كما يتمسك العاض بجميع أضراسه. وفي الحديث أنه ﷺ «ضحك حتى بدت نواجده» «٣» . والمراد ههنا الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك لأنه ﷺ كان ضحكه تبسما. وروى الإمام أحمد أبو داود النسائي عن أبي هريرة أنه ﷺ قال «٤» : «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل، وليضع يديه ثم ركبتيه» . قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا وهو ما رواه الأربعة عنه أنه قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر بن عبد الله ﵁ «أنه كان مع النبي ﷺ على جمل فأعيا، فنخسه النبي ﷺ ودعا له وقال: اركب فركب فكان أمام القوم قال فقال لي النبي ﷺ : كيف ترى بعيرك؟ فقلت: قد أصابته بركتك قال: أفتبيعنيه؟ فاستحييت ولم يكن لي ناضح غيره، فقلت: نعم. فما زال ﷺ يزيدني ويقول: والله يغفر لك حتى بعته بأوقية من ذهب، على أن لي ركوبه حتى أبلغ المدينة. فلما بلغتها، قال ﷺ لبلال: اعطه الثمن وزده. ثم رد ﷺ علي الجمل» «٥» . وفي كتاب ابن حيان من حديث حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: «استغفر لي رسول الله ﷺ ، ليلة البعير، خمسا
следующие страницы →