← Адаб

Адаб · id 10665

دمية القصر وعصرة أهل العصر

الباخرزي

Полный текст (1 691 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجزء الأول [مقدمة التحقيق] مقدمة الدمية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* أحمد الله على ما أسبغ من أذيال أفضاله، وأشكره على ما أفرغ من سجال نواله، حمدا يقتضي كلّ يوم جديد صنعا جديدا وشكرا يمتري «١» كلّ وقت مزيد برّا مزيدا، وأخصّ نبيّه محمدا المحمود طرائقه في الدلالة، الممدود سرادقه في الرسالة، بتحيات متضاعفات يضعّف الحاسب تضاعفها [١] ، فيفوق الحدّ، ويفوت العدّ، قفاء صلوات مترادفات، يضع الترادف آذان لواحقها، بين أصلاء «٢» سوابقها، فتكبو بالإفاضة [٢] في حلبات نسيمها دخن الكباء «٣» ، وتسرّ [٣] باستعارة نفحات شميمها سرر «٤» الظّباء، ما نفحت السّحب

стр. 2

بذنابها، ولألأت الفور «١» [١] بأذنابها. وأقول بعد: [٢] إني منذ ناست «٢» على الشّطاط عذبة ذؤابتي، وأومضت للمتفرّس المتصوّب [٣] المحتاط مخيلة نجابتي، وآنس مني والدي، ﵁، في متصرّفات أحوالي رشدا. وكشف عن وجوه الحقائق أغطية من الظنون ربدا «٣» [٤] ، وكحّل بإثمد «٤» البصائر أبصارا قرحى الجفون رمدا، فشغل بي وكده وكدّه، وحبس عليّ وهمه وهمّه، وصرف عنايته إلى جذب لضبعي «٥» وشحذ لطبعي، نظر المثقّف بأناته في كعوب قناته، حتّى يقوّم سنادها، ويثقّف منآدها «٦» [٥] ، وباشر أمري بجدّ كعلوّ الجدّ، وودّ لي أن أكون في مجالس الفضلاء

стр. 3

أرسى من الودّ. ولم أزل حرك [١] الحرص على الرّتوع من أكلاء «١» الفضل، بين الخلّة والحمض. قلق التّشوّق إلى التفكّه بثمار الأدب الغضّ، صادق الرغبة في أخذ الحظّ من راحه بالغبّ ومن تفّاحه بالعضّ، عزمة مني على صياغة [٢] الشّعر، تبيض في فؤادي، وتفرّخ في رأسي، وهمّة في إشاعة الذكر، تطير [٣] نواهض فراخها بأجنحة من أنفاسي. ولمّا [٤] فرغت من حفظ كتاب الله ، وهو الحلي الّذي يتزيّن بلبسه العاطل، والحقّ الذي لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه الباطل، وغنيت قرير ناظر العين بصوره المجلوّة، قرين ناضر العيش بسوره المتلوّة، وارتفع عن مثاقفة المتعلّمين [٥] أمري، وكبر [٦] عن تقلّد طوقهم عمري، وذهبت بنفسي عن أن أكون قرين المقرنين، ألقيت الألواح دأبا موسويّا، وتمثّل بحذاء عيني شخص الأدب خلقا

стр. 4

سويّا، فضمّ والدي- ﵀ إليّ من الأدباء كلّ موثوق به مستوثق منه، استظلّ براية الدّراية، وتميز من بين أكفائه [١] بحسن الكفاية. وجعل يصقل من حسامي ما يطبعه الأديب، ويريش من سهامي ما يفوقه «١» [٢] التأديب، ثاقب العزيمة كما يلسن [٣] في الظلام شواظ النار، نافذ الصّريمة، كما طنّ في العظام ذباب «٢» البتّار. وأنا منيخ على المواظبة بالثّفنات «٣» الخمس، أسقي كلّ يوم على رجاء ثمرة الغد [٤] غراس أمس، مغرى بملاحظة الصّحف، مغرما بمطالعة الكتب. ألزمها العين شطرا فشطرا، وأكاد أقشرها بمحكّ النّظر سطرا فسطرا، وبلغني أنّ بعضا من جناة ثمرتي ورماة مدرتي «٤» ، يزعم أنّ عليّا قد أنجب به إزمان والديه [٥] ، وليس كذا ولا ردّا عليه،

стр. 5

ولكن ربّما أخلف وميض [١] المزن الواعد، وكذب صلف «١» تحت الغيم الراعد [٢] ، وما عندي من هذه الصّناعة إلّا تكثير [٣] سوادها. وإن كنت فسكل «٢» آمادها «٣» ، وكلفا في دارات بدورها، وريما «٤» من فضلات جزورها. ولما أضرّ بي طول الجمام، وقرمت «٥» إلى علك شكيمة اللّجام، خلعت عذاري على الاستنان «٦» ، ورقصت مرحا في سير العنان، ونزعت الأخيّة «٧» [٤] أرنا «٨» واستقبلت وطرا وودّعت وطنا وذلك في شهور سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. وعهد الصّبا مخيّم ما انتقل، والوجه بالنبت موشم همّ

стр. 6

وما بقل، والخطّان المتورّدان من يمينه ويساره لم يتصافحا، والضّدّان المتناقضان من ليله ونهاره لم يتصالحا. وسرت على اسم الله تعالى جدّه، والمشيّعون يذرّون «١» على الهواء [١] فتات الأكباد، والمودّعون يزرّون «٢» لعناق التوديع أعضادهم على الأجياد، فلم يثن عناني عمّا عناني من الإيضاع «٣» مقلة ينبوع، ولا زمّني عمّا أهمّني من الإسراع بنانة أسروع، فعل امرىء جدّ في طلب العلم جدّه، وما رأيه في عسجد يستفيده، ولكنّه في مفخر يستجدّه. فلم يحفل بحمارّة «٤» [٢] قيظ جوّها محموم، ورشحها

стр. 7

يحموم «١» ، يتوسّد وحشها ظلّ الأرطاة «٢» ، وتسجر [١] رمضاؤها «٣» وطيس «٤» الأفحوص «٥» على القطاة، واعتنق على التهاب الضّرام أمرها، والتقط النقاط النعام جمرها، ولا صبارّة «٦» شتوة؛ ريحها صرّ، وشرّها [٢] شمر، ونحسها- حاشا المجلس العالي- مستمرّ، يرسي قرّها [٣] القطب، ويندف صنبرها «٧» العطب، وتجمد سواقيها كالأحجار [٤] ، وتنكفت أفاعيها إلى الأجحار. فلم يرتعد [جسمي] [٥] لأبردي الصباح والرواح، وذمّ الرعدة حتى عاد ينكرها من عادات الرّماح:

стр. 8

وقائلة «١» من أمّها طال ليله ... يزيد [١] بن عمر وأمّها فاهتدى لها طويل وكفى بالعلم مفخرا، يقدع «٢» [٢] به أنوف المفاخرين، وبالثّناء الجميل مدّخرا، وهو لسان الصدق في الآخرين، والموفّق من إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه، ونكّب عن ذكر العواقب ومدّ [٣] أطناب خيامه على النّجوم الثّواقب. ولهذا من الشأن لا أزال أهبّ على كلّ بقعة مذكورة، وأحطّ رحلي من كورة إلى كورة، وقد ولّيت وجهي شطر الفضلاء والوجاه، وبسطت حجري لالتقاط درر الشّفاه، وتركت [٤] اليراعة، التي هي أنبوب [٥] من رمح البراعة، يطول انضمامها إلى أناملي سادسة لخامسها، والمداد الذي هو (مستقى أرشية «٣» ) [٦] الأقلام منهلا [منهلّا] [٧] لخوامسها، لا جرم أحمدت سراي [٨] عند الصّباح، ونادى بي داعي الخير: حيّ على الفلاح، وهيّأ الله لي من أمري رشدا،

стр. 9

وثمّر لي من طول معاناة المخض زبدا، وتحقّق لي كلّ ظن بما [١] تجمّع لي من كلّ فنّ، فكأنّ [٢] الأرض ذلّلت لي على امتناع جوانبها، فمشيت في مناكبها. (وزويت لي) [٣] الفضلاء من مشارقها ومغاربها، وكأني في تخليد آثارهم وتجديد الدارس من آثارهم [٤] ، قبليّ من اللواقح «١» السواحب «٢» ، ذيولها على الأرض الخاشعة إحياء لمواتها أو ربعي «٣» [٥] من السوافح النوافخ في صور رعدها على الرّوضة الهائجة إنشارا لنباتها. فلله سلّم فيه ارتقيت وأعيان بهم التقيت، ونجوم بأيّهم اقتديت اهتديت، وإن لم يتيسّر الوصول إليها والفراغ منها، إلّا وقد وخط القتير «٤» ، وطلع النذير، وانضمّ الخيط الأبيض من الفجر إلى الخيط الأسود من الشّعر، فخلّى الفود مشتعلا والفؤاد مشتغلا، وأضاف الذّود إلى الذود فصارت إبلا، وذلك في شهور سنة أربع

стр. 10

وستين [وأربعمائة «١» ] [١] . وقد أدركت بنيسابور «٢» من المقيمين [بها] [٢] أبا فضلها، وأخا أفضالها، وابن ميكالها، المستوفي للفضائل بواف من مكيالها، وثعالبيّها أبا منصور «٣» ، وأسد الصّناعة في غابة ثعالب، وتصنيفاته للأنس جوال جوالب، وأسلاته «٤» في النّطق والكتابة قواض قواضب، وبلّت يدي من الطارئين عليها

стр. 11

بالعميد أبي بكر القهستانيّ «١» سميّي وابن سميّ والدي [١] ، ومن ديوانه المسموع لي [٢] منه أنفس ما أدّخره من طريفي وتالدي، عهدته بها وبنانه ضرّة «٢» المزن في السّخاء، ولسانه خليفة [٣] السيف في المضاء. ورأيت بهراة «٣» ، سقى الله ماضييها، فما أحسن عصرهما عصرا!! ولم أعن بماضييها إلّا قاضييها [٤] منصورا ونصرا «٤» . وقد حاسيتهما كؤوس الوداد، وراضعتهما لبان [٥] الاتّحاد، واجتنيت من ثمرات

стр. 12

خواطرهما ما يستحليه كلّ محتس [١] ذائق، ولا يستبشعه إلّا كلّ جبس «١» مائق [٢] ، ومدحتهما في الحياة عناية بالودّ، ورثيتهما [٣] بعد الوفاة رعاية للعهد. ولقيت بجرجان «٢» أبا محاسنها، وحسنات الدهر به موفورة، وسيئاتها مغفورة، وعبد قاهرها «٣» ورايات الجهل به مقهورة، وأبا عامرها، وساحات الفضل به معمورة: أثلّثهم كيما أعطّر [٤] نشرهم ... بذلك، والتثليث أطيب للنّدّ طويل

стр. 13

وقصدت بمروّذ «١» [١] أمجديها الموسويّ، وهو صدر جريدتها [٢] ، وقاضيها السّمعانيّ «٢» ، وهو بيت قصيدتها. وببلخ «٣» شرف سادتها، وجمال صدرها ووسادتها، أبا الحسن محمد بن عبد الله. وبالرّيّ وزيرها الصفيّ وحمدها [ونحريرها أحمد] [٣] بن فورجة البروجرذيّ «٤» [٤] . وقرنت في إقامة ما يلزمني من مناسكهما بين العمرة

стр. 14

والحج، وجمعت بإعلان لساني تلبية ثنائهما، وإراقة عيني الدّم على بابهما [١] بين العجّ والثّجّ «١» . وبإصفهان «٢» أبا مطهّرها «٣» صاحب «طراز الذهب على وشاح الأدب» ، ولعمري إنه البارع في فنون آدابه، والفاضل ملء إهابه. وبهمدان «٤» أبوي فرجها [٢] حمد بن محمد ابن حسيل «٥» [٣] ، وهو الصقر الطامح إلى الشرف، وابن أبي سعد

стр. 15

ابن خلف «١» ، وهو الخلف الصالح عن السلف. وببغداد ابن شبلها «٢» الخادر في قصبائها وابن نحريرها النحرير بين شعرائها، وابن برهان «٣» الذي أوضح برهان النحو، وأبرز شعاعه من الدّجن إلى الصّحو. وبالبصرة ابن قصبانيها [١] الحائز في علم الاعراب قصب السباق، المفرغ من بين أعراب [٢] العراق سجل ذلك الفنّ إلى العراق.

стр. 16

وبواسط «١» واسطة عقدها ابن بشران «٢» ، وهو في النحو من أقران القصبانيّ «٣» وابن برهان. فهؤلاء سادات من عظام الصّدور وصارت صدورهم عظاما، وكبار من هامات الرؤوس أطارت رؤوسهم هاما: ربا حولها أمثالها إن أتيتها ... قرينك [١] أشجانا وهنّ سكون [٢] طويل وقد بعثرت من دفائنهم ما تعظم أخطاره عند أولي المروءة، وملكت من خزائنهم ما إنّ مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة «٤» . وربّما

стр. 17

استرقت غفلة من الزمان، وانتهزت فرصة من الحدثان «١» ، وانتظمت مع الأديب يعقوب بن أحمد النيسابوريّ «٢» على مباثّة الأشجان، فنتذاكر ممّا هدرت به قرومهم «٣» جراجر «٤» ، ونتناشد مما زأرت به ليوثهم زماجر ثمّ نقف منهم على أطلال الماضين نترسّمها، ولا نكاد نعيّنها إلّا أواريّ «٥» لأيا ما أبيّنها [١] ، فنباكي حمام الأيك شجوا، ونصوغ [٢] على وزان أسجاعها شدوا، وما أشبّه ذلك الفاضل إلّا بخصب ورثناه في رحالنا من أمداد سيول غاضت فعشنا في معروفها بعد غيضها، أو بعنبر دسره «٦» إلى سواحل أمصارنا أمواج بحور فاضت

стр. 18

فتلهّفنا على فوات فيضها. هذا ولم أتمكّن من ناصية هذا المركب الجموح، ولا تخلّصت من تشبيب كتابي إلى نسيم الريح الذي هو نسيب الروح [١] ، إلّا بما منّ الله تعالى به على الأدب المجفوّ من عواطف الآراء النظامية الرّضوية (زاد الله علاها وضاعف بهجتها) [٢] ، [وأظفر رايتها] [٣] وبهاءها، التي لو ولغ «١» في سؤر «٢» إنائها الكواسب الغبش «٣» [٤] لملكتها رقّة على الشوادن الغفر «٤» ، وقلعت وقلّمت عنها أخشني الناب والظفر: ولولا الصاحب اخترع القوافي ... لما سهل الخلاص من النسيب ومن يثني إلى [٥] ليث هصور ... لواحظه عن الرشأ الرّبيب؟ ولولا عنايته المحيطة بالآداب وإحياؤه آثارها، وإدراكه ثارها،

стр. 19

ورعايته المشتملة على الأشعار، وإعلانه شعارها، وإعلاؤه [١] نارها، لبقيت الفائدة فارة عن مسكها الفائق الطّيب غير مفتّقة، وكمّة عن نورها الفائح الرّطيب غير مفتّحة. إلا أنّ إنعام المجلس العالي الشامل شرقا وغربا، الذاهب غورا ونجدا، كشف عن [وجوه] [٢] أهل الفضل أحوالا تتضمّن أهوالا، وعلّمهم كرمه كيمياء تجعل الآمال أموالا، وأقام ساق العلوم وسوقها، وأربح تجارة من حمل إليه وسوقها «١» ، وبنى لنفائس الكتب خزانة اختصر طريق المستعينين [٣] إلى تحصيلها، وكفاهم كلف الأسفار [في طلب] [٤] الأشعار [٥] بضمّ شتاتها، وفذلكة «٢» تحصيلها [٦] ، وحبس عليها أوقافا دارّة تدرّ عليهم [٧] ألطافا بارّة، فأصبح كلّ منهم ممتلىء الصرّة على فراغ الجنان،

стр. 20

مثنيّ الحقيبة [١] على سكوت اللسان، فهي الرتبة العالية [٢] قرّبت درجاتها للمرتقين، والجنة العاجلة أزلفت طيّباتها للمتقين، وهذا حين أسوق صدر الكتاب إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز «١» . وكنت على ألّا أوارد «٢» [٣] الثّعالبيّ في يتيمته، ولا أزاحمه [٤] في كريمته، إلّا ما تجذبني شجون الأحاديث إليه، فأفرغ كلامي عليه. وقد قيل: الحديث ذو شجون وشجونه أحسن منه. ثم تأملت الطّبقات القديمة، فوجدت فيها على اختلاف مصنّفيها شعر كلّ من الفضلاء مكررا، وفضل كلّ من الشعراء مقرّرا، فقلت: لو جفي فاضل فترك منسيّا كدارس الأطلال، ومنفيّا كنعل أخلقت من النّعال، ثم أعتذر عنه بأنّ بعض المؤلّفين أثبته فمحوناه، أو [٥] أنّ واحدا من المصنّفين وفى له فجفوناه، كان الفضل من جهته مظلوما، ولم يزل [٦] عند كافّة الفضلاء ملوما، فكررت في كتابي هذا أسماء

стр. 21

قوم من أعلام العلوم الّذين هم أسنمة «١» الأدب وغواربه، ومنهم مشارق الشّعر [١] وفيهم مغاربه، ممّن رأيته فكان [٢] لقاؤه لعيني كحلا، أو سمعت به فكانت أخباره لسمعي نحلا «٢» ، ولولا تكرار الكؤوس لما استقرّت الأطراب في النفوس، ولا استقلّت صبابة «٣» [٣] الخمار عن الرؤوس، والحياة على حسن مساقها [٤] وطيب مذاقها [٥] ما [٦] جاوزت النّفس إلا ودّت [٧] معاده، وحبّها لكلّ من الحيوانات عادة. حتى إنّها لا تملّ إذا كرّرت عليها، ولا تكره إذا ردّت [٨] إليها، وربّما أتّقي [٩] ملامة الباقين من الفضلاء، فإنّ في الزّوايا منهم بقايا، قد أرخي [١٠] لهم إلى عصرنا هذا طول البقاء، وبقى ممّا [١١]

стр. 22

أسأرته «١» شفاه الفناء، صبابة في قعر الإناء، وأنا إذا كنزت على ذكر شعراء العصر جريدة فريدة، ثم انتهيت إلى مكانهم منها، فأسقطت شذورهم من النّظام، وطفرت «٢» إلى من وراءهم طفرة [١] النظّام، لم آمن أن يقال: هذا رجل [٢] ضيق العطن «٣» ، قصير الشّطن «٤» ، قليل الثّبات، مسترق [٣] الوثبات، يتخطّى رقاب الأحياء إلى رفات [٤] الأموات والوجه يملكه الحياء، وما يستوي الأموات والأحياء. فإن اتّفق من هذا الجنس شيء فلا مشاركة إلّا في إثبات الاسم، والشّرط ألّا أعيد الأشعار الّتي تجمّلوا بها في كتبهم، وإن أعدت ذكر الشاعر الّذي تكثّروا به في صحفهم، ألّا أستعير من تلك الحقائق حليّا، ولا أن أرعى من تلك الرّياض خليّا، وأقتصر من ذلك

стр. 23

الأديم [١] على مقدود من السّير، وأسلوا بغثيّ عن [٢] ثمين الغير، فالضّرغام على اقتضاض مضجعه [من] [٣] الرّغام، لا يفترش غير إهابه عند المنام، ولا أخلي اسم كلّ فاضل من إشارة إلى سبب من أسبابه، أو [٤] إيماء إلى نسب من أنسابه، اللهمّ إلّا أقواما ما عثرت بأساميهم في الدّفاتر، فاشتبهت عليّ أغفالهم، ولم تنفتح [٥] على يديّ أقفالهم والعذر فيه أنّ الحداة لم تتغنّ بأشعارهم، والرياح لم تهبّ بأخبارهم، واللّيالي لم تطنّ [٦] بأسمارهم، فاقتصرت من العين على الأثر، ولم أجد جهينة «١» منهم يؤدّي يقين الخبر. وقد فهرست أسامي الفضلاء، ثم فرّقت عليهم [٧] نظري أرؤسا وأقداما، وجعلت طبقاتها المرتّبة أقساما، ثم خرّجت [٨] أقسام طبقات الأسماء على عدد طباق [٩] السّماء، فلكلّ مقام منها [١٠] مقال،

стр. 24

ولكلّ طبقة منها رجال، وهم أزواج ثلاثة؛ منهم السّابقون الأوّلون، ومنهم اللاحقون المخضرمون، ومنهم المحدثون العصريّون. وسينقل إليك [من] [١] فرائد أشعارهم من جوّد نقلها أو لم يجوّد، ويأتيك [٢] بنوادر أخبارهم من زودته أو لم تزوّد. وما [٣] كلّ من نشر أجنحته بلغ الإحاطة، ولا كلّ من نثر كنانته قرطس الحماطة «١» . وهذه سياقة الأقسام: القسم الأوّل: في محاسن شعراء البدو والحجاز. القسم الثاني: في طبقات شعراء الشام وديار بكر «٢» وآذربايجان «٣» والجزيرة وسائر بلاد المغرب.

стр. 25

القسم الثالث: في فضلاء العراق. القسم الرابع: في شعراء الريّ «١» والجبال «٢» وإصفهان وفارس وكرمان «٣» . القسم الخامس: في فضلاء جرجان «٤» واسترآباد «٥» ودهستان «٦»

стр. 26

وقومس «١» وخوارزم «٢» وماوراء النّهر «٣» . القسم السادس: في شعراء خراسان «٤» وقهستان «٥» وبست «٦»

стр. 27

وسجستان «١» وغزنة «٢» . القسم السابع: في طبقة من أئمة الأدب [الذين] [١] لم يجر لهم في الشعر رسم. وقد سميت الكتاب «دمية القصر وعصرة أهل العصر» ، والله تعالى مؤيّدي على ما أعيده وأبديه، ومسدّدي لما أخلقه وأفريه «٣» .

стр. 28

فصل سميته «تاج الكتاب» ، قبل أن أطلّ [١] على ساقة [٢] الكلام لسياقة الأقسام. [قلت] [٣] : لمّا كان كتابي هذا بين رعايا الكتب أميرا، أمطيته من عروش الإمارة سريرا، وجعلت رأسه بسماء الفخر [٤] مظلّلا، وبتاج العزّ مكلّلا. وافتتحته بمن [٥] هو مفتاح يد المتطرّق إلى باب الرّشاد، ومصباح عين المستضيء بنور السّداد، ورحمة الله الموعودة للعباد، ورأفته المنشورة في البلاد، أمير المؤمنين القائم بأمور [٦] المسلمين، المصدّر في دست «١» العظمة والجلالة، المستخرج من عنصر النبوّة والرّسالة، قام بأمر الله معتصما بحبل رجائه، فصبّ سجال النعم على أوليائه، وأسواط النّقم على أعدائه، فهاؤم اقرؤوا كتابيه، إنها بشارة مصبوبة في الآذان، وباكورة مجلوبة [٧] من ثمرات الجنان وعكس [٨] ضوء من ذلك البدر الزاهر، وتنفّس مدّ من ذلك البحر الزاخر، وفرد در زلّ من تاج الإمامة، وحبّ مزن انحدر من ماء الغمامة، وشرف لهذا العصر أطلع رأسه

стр. 29

من شرف ذلك القصر، وقد استسعدت سنة خمس وخمسين بالمثول في تلك المواقف الشّريفة، والرقيّ [١] في [٢] تلك المراتب المبنيفة، وأنشدت بائية قرعت شقاشقي أعواد السرير، بما علكت فيها من الهدير، مطلعها [٣] : عشنا إلى أن رأينا في الهوى عجبا ... كلّ الشّهور، وفي الأمثال: عش رجبا وأنّ أجفان عيني أمطرت ورقا ... وأنّ ساحة خدّي أنبتت ذهبا أليس من عجب أنّي ضحى ارتحلوا ... أوقدت من ماء دمعي في الحشا لهبا؟ أأن [٤] توقّد برق من جوانبهم ... توقد الشوق في جنبي والتهبا؟ كأنّ ما انعقّ عنه من معصفره ... قميص يوسف غشّوه دما كذبا ومنها في التخلّص إلى المديح: ومهمه يتراءى آله لججا ... يستغرق الوخد «١» والتّقريب والخببا كم فيه حافر طرف يحتذي وقعا ... من فوق [٥] خفّ بعير يشتكي نقبا «٢» تصاحب الريح فيه الغيم لم ينبيا ... أن يشركا في كلا حظّيهما [٦] عقبا

стр. 30

فالريح ترضع درّ الغيم إن عطشت ... والغيم يركب ظهر الريح إن لغبا «١» أنكحته ذات خلخال مقرّطة ... والرّكب كانوا لشهودا والصّدى خطبا [وسرت فيه على اسم الله مصطحبا ... للعزم لا عدمته النفس مصطحبا] [١] إلى أبي البحر إني لست أنسبه ... لجعفر «٢» إن حساه شارب نضبا يوم الوغى من بني العبّاس عترته [٢] ... لكنّه غير عباس إذا وهبا لعزّة جعل الرحمن ملبسه ... من [٣] الشباب ونور العين مستلبا وجه ولا كهلال الفطر مطّلعا ... بدر ولا كانهلال القطر منسكبا وعمّة عمّت الأبصار هيبتها ... برغم من لبس التيجان واعتصبا له القضيبان هذا حدّه خشب ... وذاك لا يتعدّى حدّه الخشبا كلاهما منه في شغل يديرهما ... بين البنان رضى يختار أم غضبا

стр. 31

قل للفرات ألم تستحي راحته ... حتى [١] اقتديت به: أنّى، ولا كربا!! وقل لدجلة غيضي [٢] عند منحته ... فقد أسأت بجاري فيضك الأدبا ولا يتّسع نطاق الكلام [٣] لأكثر [٤] ممّا تشرفت به آنفا من الاشادة بثناء تلك الحضرة المقدّسة، ضاعف الله بهجتها، وأظفر رايتها، وأعان دعوتها وأعلى كلمتها. وهذا دعاء لو سكتّ كفيته ... لأنّي سألت الله فيك وقد فعل «١» أنشدني أبو تراب الخادم قال: أنشدني أمير المؤمنين القائم بأمر الله لنفسه: القلب من خمر التّصابي منتش ... من ذا عذيري من شراب معطش والنّفس في أسر الغرام قتيلة ... ولكم قتيل في الهوى لم ينعش! جمعت عليّ من الغرام عجائب ... خلّفن قلبي في إسار موحش خلّ يصدّ وعاذل متنصّح ... ومنازع يؤذي ونمّام يشي

стр. 32

[التراجم] القسم الأول في طبقات شعراء البدو والحجاز

стр. 33

(القسم الاول في طبقات [شعراء] [١] البدو والحجاز) أقول في هذه الطبقة: إنّ أحسن أبيات الأشعار، ما طلعت [٢] من أبيات الأشعار، ورعت مع الظبّاء الشيح «١» ، وتزوّدت مع الضّباب الريح، مستغنية بحسنها عن التصنّع والتّعمّل، حلوة إذا ذاقها [٣] الناظر بحسن التأمّل، مصقولة العرقوب بلا تجشّم لمؤونة الحمّام، مجلوة الثغور بلا منّة لفروع البشام «٢» . وكذلك [قال المتنبّي] [٤] : حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب (بسيط) وقد وقع لي [٥] من أشعار هذه الطبقة، ما هو أعذب من الزّلال، وأرقّ من الشّمول صفّقت بالشّمال. وأنا مبتدىء منها [٦] بما أنشدنيه الشيخ [الامام] [٧]

стр. 34

أبو عامر [بن] [١] الفضل بن اسماعيل [التّميميّ] [٢] الجرجانيّ «١» ، للأمير أبي الفتوح «٢» زعيم مكّة، حرسها الله تعالى: وصلتني الهموم وصل هواك ... وجفاني الرّقاد مثل جفاك (خفيف) وحكى لي الرسول أنك غضبى ... يا كفى الله شرّ ما هو حاك فهذا كلام عليه أمارة الإمارة، وله ملاحة [٣] البداوة ورشاقة الحضارة. ولا أشكّ [٤] أنّ لهذين الزّوجين أخوات تجري مجراهما، غير أنّ الرواة لم تتداولها [٥] فتسري مسراهما. وأنا بعون الله وحسن تيسيره من وراء طلبها حتّى أهدى إلى (الكتاب الذي نصب) [٦] لها ضربا من ضربها، إن شاء الله تعالى.

стр. 35

١- الأمير أبو المنيع قرواش بن المقلّد «١» أمير العرب المقدّم وفحلها المقرّم «٢» . أنشدني أبو الفضل يحيى بن نصر السّعديّ البغداديّ «٣» قال: أنشدني لنفسه: لله درّ النائبات [١] فإنّها [٢] ... صدأ [٣] الّلئام وصيقل الأحرار (كامل) ما كنت إلا زبرة «٤» فطبعنني [٤] ... سيفا وأطلق صرفهنّ [٥] غراري [٦] وأنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد الحمدانيّ الخوافي [٧] ، قال: أنشدني أبو المكارم

стр. 36

الفضل بن عبد الله الهاشميّ قال: أنشدني لنفسه: من كان يحمد أو يذمّ مورّثا ... للمال من آبائه وجدوده (كامل) إنّي امرؤ لله أشكر وحده ... شكرا كبيرا [١] جالبا لمزيده لي أشقر سمح العنان مغاور [٢] ... يعطيك ما يرضيك من مجهوده ومهند عضب «١» [٣] ذا جرّذته ... خلت البروق تموج في تجريده ومثقّف لدن «٢» [٣] السّنام [٤] كأنّما [٥] ... أمّ المنايا ركّبت في عوده وبذا حويت المال إلّا أنّني ... سلّطت جود يدي على تبديده

стр. 37

٢- الأمير عليّ بن محمّد الصّليحيّ «١» الناجم «٢» بالحجاز أنشدني أبو الفضل جعفر بن يحيى [بن] [١] الحكّاك المكيّ له من قصيدة أوّلها: [أقول إذا باهوا بجرّ الذلاذل «٣» ] [٢] ... لباسي درعي [٣] لا لباس الغلائل (طويل) [ومنها] : [٤] وسرجي فراشي والحسام مضاجعي ... وعدّة حربي لا ذوات الخلاخل

стр. 38

ورمحي يعاطيني البعيد لأنني ... تناولت ما أعيا على المتناول ولي همة تسمو [١] على كلّ همّة ... ولي أمل أعيا على كلّ آمل ولي من بني قحطان أنصار دولة ... بطاريق «١» من أنجاد كلّ القبائل وحكى لي أبو الفضل جعفر بن يحيى الحكّاك هذا أنّ أخاه الحسين بن يحيى الحكّاك المكيّ أجاب الامير الصّليحيّ عن هذه اللامية بقوله: رويدك ليس الحقّ ينفى بباطل ... وليس مجدّ في الأمور كهازل (طويل) كزعمك أنّ الدرع لبسك في الوغى ... وذاك لجبن فيك غير مزايل وهل ينفعنّ السيف يوما ضجيعه ... إذا لم يضاجعه بيقظة باسل فهلّا اتّخذت الصبر درعا وجنّة ... كما الصبر [٢] درعي في الخطوب النّوازل وتفخر أن أصبحت مأمول عصبة ... فأحسن [٣] بمأمول وأخسس بآمل وهل هي إلّا في تراب [٤] جمعته ... فهلّا غدت في بذل عرف ونائل؟

стр. 39

كما همّنا فاعلم، إغاثة سائل ... وإسعاف ملهوف [١] وإغناء عائل [٢] وختم القصيدة بقوله فيها: ولا تغترر [٣] بالّليث عند خدوره ... فكم خادر فاجا بوثبة صائل ٣- المجاشعيّ شاعر الحرمين «١» قصد الحضرة النّظامية من مكّة، حرسها الله [تعالى] [٤] والسّعد يقوم أمامه، والنّجح يقود زمامه. ولقيها بهذه القصيدة على باب منارجرد «٢» سنة ثلاث وستّين وأربعمائة «٣» : جوى ما جوى بين الحشا والجوانح ... وفرط اشتياق بين غاد ورائح (طويل)

стр. 40

عذيري من العذّال لم ينصفوا فتى ... فتين الغواني والحسان الملائح وعان بأرض الشام غان يشوقه ... إذا شام علويّ البروق اللّوامح إلى الله أشكو في [١] فؤادي غلّة ... شفاها برود «١» الرّود لا ماء ماتح [٢] لقد نزحت للبين دار أحبّتي ... فمن لي بهاتيك الدّيار النّوازح؟ وأنضاء أسفار سرين بمثلها [٣] ... يجبن بهم [٤] جوبا بطون [٥] الصّحاصح وركب نشاوى قد سقتهم يد الكرى ... بكأس عقار فوق قود «٢» طلائح وميل على الأكوار «٣» صيد كأنّهم ... سرى صبّحوا الصّهباء من كفّ صابح [٦] فنبّهتهم والنوم كحل عيونهم ... بمدح نظام الملك أهل المدائح ومنها في المدح [٧] :
следующие страницы →