← Адаб

Адаб · id 10668

ربيع الأبرار ونصوص الأخيار

الزمخشري

Полный текст (2 267 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجزء الاول المقدمة : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الزمخشري (٤٦٧- ٥٣٨ ه ـ) نسبه: هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، أبو القاسم، الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان. ولد يوم الأربعاء السابع والعشرين من رجب سنة ٤٦٧ هـ بزمخشر من قرى خوارزم في عهد السلطان جلال الدين والدنيا أبي الفتح ملكشاه، الذي ازدهرت في عهده التجارة والصناعة، وزهت الآداب والفنون، وكان يعاونه في إدارة شؤون المملكة نظام الملك (قتل سنة ٤٨٥ هـ) . وهو أقدر وزراء الإسلام في عصره . عصره: عاش الزمخشري في فترة ضعف الخلافة العباسية وانحلالها، وعاصر من الخلفاء العباسيين: ١- عبد الله المقتدي بالله ابن محمد بن القائم (٤٦٧- ٤٨٧ هـ) . ٢- أحمد المستظهر بالله ابن المقتدي (٤٨٧- ٥١٢ هـ) . ٣- الفضل المسترشد بالله ابن المستظهر (٥٢٩ هـ) . ٤- المنصور الراشد بالله ابن المسترشد (٥٢٩ هـ) .

стр. 2

٥- محمد المقتفي بالله ابن المستظهر (٥٢٩- ٥٥٥ هـ) . وتعاقب في الاستيلاء على السلطة والنفوذ في بغداد كل من آل بويه والأتراك السلاجقة، وظهرت دولة الخوارزمية، من خراسان إلى ما وراء النهر، ثم الدولة الفاطمية في مصر والشام (٢٩٧- ٥٦٧ هـ) ودولة المرابطين في المغرب والأندلس (٤٤٨- ٥٤١ هـ) ثم كانت الحملة الصليبية التي انتهت بسقوط مدينة القدس سنة ٤٩٢ هـ. عاش الزمخشري في مجتمع يسوده الدين الإسلامي وتسيطر فيه اللغة العربية لكنه لم يخل من أقليات غير إسلامية لم تتخلّ عن تراثها الخاص وشخصيتها التقليدية ومزاجها المختلف ممّا أدّى إلى ظهور عادات لم يألفها المسلمون كانت سبقتها مناخات أسهمت في خلقها حركة الترجمة والتيارات الثقافية التي انعكست بمجملها على الفكر الديني في الإسلام وخروجه من بيئته الحضارية الخاصة واشتباكه بحضارات مجاورة كان لها تأثيرها المتفاوت في ظهور العديد من الفرق الإسلامية ممّا أدّى إلى كثير من الفتن والمحن التي أضعفت حركة التجارة وهدّدت الأمن والاستقرار فانتشرت الفوضى وعمّ الاضطراب الإجتماعي. وعلى الرغم من هذه الحالة المزرية التي عاشها الزمخشري كانت تلوح في الأفق حركات علمية ونهضات أدبية تجلّت في بناء المدارس بتشجيع من بعض الملوك والأمراء والوزراء، والإهتمام بالكتب والمكتبات، والإنصراف إلى حلقات التدريس في المساجد ومجالس الجدل والمناظرات، وظهور علماء وأدباء أفذاذ كانوا أئمة في العلوم النقلية والعقلية، في القراءات والتفسير والحديث وعلوم التاريخ واللغة والجغرافيا والرحلات والفلسفة والشعر والأدب والمنطق ناهيك عن الفقه والفقهاء الذين كان لهم دور كبير في تفصيل المذاهب وتطويرها وتهذيبها. اسرته: نشأ الزمخشري في عصر ازدهرت فيه الآداب والعلوم حيث بسط فيه

стр. 3

نظام الملك حمايته ورعايته للعلماء والأدباء وأهل الفضل- في قرية زمخشر ضمن عائلة فقيرة تقية ورعة نالت قسطاً من العلم والأدب على ما يظهر لنا من أبيات الزمخشري الآتية التي يرثي بها أباه: فقدته فاضلًا فاضت مآثره ... العلم والأدب المأثور والورع لم يأل ما عاش جداً في تقاه يرى ... إنّ الحريص على دنياه منخدع صام النهار وقام الليل وهو شج ... من خشية الله كابي اللون ممتقع من المروءة في علياء متّسع ... صدراً وإن لم يكن في المال متّسع وفي وفيات الأعيان، أن إحدى رجليّ الزمخشري كانت ساقطة بسبب قساوة الثلج وشدّة البرد، وفي أنباه الرواة أنه لما دخل بغداد واجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله عن سبب قطع رجله فقال: «دعاء الوالدة، وذلك إني في صباي أمسكت عصفوراً وربطته بخيط في رجله، وأفلت من يدي، فأدركته وقد دخل في خرق، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدتي لذلك وقالت: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله، فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي وعملت عليّ عملًا أوجب قطعها» . وعلى الإجمال فأسرة الزمخشري كانت أسرة متدينة ملتزمة بآداب الشرع وتعاليمه وهو ما أشاد به هو نفسه في الأبيات التالية: هات التي شبهت ظلماً بشمس ضحى ... لو عارضتها لغطّتها بإشراق استغفر الله أني قد نسبت بها ... ولم أكن لحميّاها بذوّاق ولم يذقها أبي قبلًا ولا أحداً ... من أسرتي واتفاق الناس مصداقي مراحل حياته: إذا كانت كتب التاريخ الأدبي قد أهملت أخبار الزمخشري ببعض مراحل حياته، فهو نفسه قد سدّ هذا النقص وسجّل بشعره أحداث حياته ومنها نعرف أنه نشأ فقيراً في قريته زمخشر ثم انتقل إلى بخارى أو خوارزم لطلب العلم عندما بلغ سنّ الطلب فأخذ علوم عصره من منابعها الوافرة

стр. 4

الصافية، ونعرف من شعره أنه فقد، في مرحلة التحصيل العلمي هذه، والده الذي كان يعينه فقال من قصيدة: وإن ممّا قراني حسرة وأسى ... وضاقني الكرب من جرّاه والوجع أن عاقني شحط دار عن تفقّده ... حتى مضى وهو عن ذكراي ملتذع يا حسرتا إنني لم أرو غلّته ... وغلّتي بزمان فيه نجتمع قد كنت أشكو فراقاً قبل منقطعاً ... وكيف لي بعده بالعيش منقطع هذه المرحلة، مرحلة التحصيل العلمي، كانت من أهم مراحل حياته العلمية الحافلة، حيث نضج فيها عقله، وقويت ملكاته، ووضحت شخصيته، وحصّل الكثير من العلوم الإسلامية فنبغ في الأدب: شعره ونثره حيث طارت فيها شهرته، فاتّصل بالملوك والوزراء ورجالات الدولة يمدحهم ويتقرّب إليهم لينال منصباً يضمن له المال والجاه لكنه مني بالخيبة وتحسّر من هذه الدنيا التي تضع العالم وترفع الجاهل فقال: يا حسرتا من لي بصفقة رابح ... في متجر والفضل رأس المال يا ويح أهل العلم كيف تأخروا ... والسّبق كل السّبق للجهّال فإلى إلهي المشتكى وبصنعه ... دون الأنام منوطة آمالي بعد أن تكاملت شخصية الزمخشري العلمية، بدأ بتطوير صلاته الإجتماعية التي بدأها بالتقرب من رجالات الدولة ثم أتبعها برحلاته إلى مكة واليمن وأكثر أنحاء الجزيرة والشام ليعود بعدها إلى وطنه وقد استفاد من أهل العلم والفضل وأفاد، ونستخلص من شعره أنه عاش في هذه الفترة حياة استقرار نسبي فتزوّج، غير أنه لم يوفّق في زواجه فقال: تزوّجت لم أعلم وأخطأت لم أصب ... فيا ليتني قد متّ قبل التزوّج فوالله ما أبكي على ساكني الثرى ... ولكنني أبكي على المتزوّج وقد استبدل مكتبه وتلاميذه بالحياة الزوجية فقال: وحسبي تصانيفي وحسبي رواتها ... بنين بهم سيقت إليّ مطالبي

стр. 5

ولعلّ الزمخشري لم يجد في وطنه ما تتوق إليه نفسه فتوجه ثانية، نحو سنة ٥١٦ هـ إلى بيت الله الحرام ليؤدي فريضة الحج وليقضي البقية الباقية من عمره بجوار بيت الله، وفي طريقه إليه نظم قصيدته الرائيّة التي تنضح بالزهد والتقوى والتنسّك والتمسّك بحبل الله فقال من قصيدة: سيري تماضر حيث شئت وحدّثي ... إني إلى بطحاء مكة سائر حتى أنيخ وبين أطماري فتىً ... للكعبة البيت الحرام مجاور والله أكبر رحمةٍ، والله أك ... ثر نعمةٍ، وهو الكريم القادر يا من يسافر في البلاد منقباً ... إني إلى البلد الحرام مسافر إن هاجر الإنسان عن أوطانه ... فالله أولى من إليه يهاجر سأروح بين وفود مكّة وافداً ... حتى إذا صدروا فما أنا صادر حسبي جوار الله حسبي وحده ... عن كل مفخرةٍ يعدّ الفاخر لقد استقرّ الزمخشري في مكة يصنف ويؤلف الكتب ويدرسّ بين زمزم والمقام؛ والحقيقة أن هذه المرحلة من حياته تعدّ مرحلة عطاء وإنتاج حيث كتب أشهر مؤلفاته وأنفعها، بعد أن تغيّرت نفسيته الطموحة الحاقدة الثائرة إلى نفس مطمئنة راضية قد انبسط عليها سلطان الدين الإسلامي ونقّى طبيعتها وصفّى مزاجها من كل حقدٍ وغيّ وتهالكٍ على المجد معتبراً نفسه بأنه لم يخلق إلّا للدين الإسلامي ولم يعش إلّا لخدمته، فتحلّق حوله فتيان مكة ورحّب به الأمير أبو الحسن علي بن حمزة بن وهاس ومدّ له يد العون بعد أن عرف قدره، وقصده طلاب العلم من أرجاء العالم الإسلامي يأخذون عنه حتى قال قائلهم: أمكّة هل تدرين ماذا تضمّنت ... بمقدم جار الله منك الأباطح به وإليه العلم ينمي وينتهي ... وفيه لأرباب العلوم المناجح محطّ رحال الفاضلين فلم يزل ... يحطّ إليه الرّحل غاد ورائح ولكن، على الرغم من الهدوء النفسي، وعلى الرغم من مجاورته بيت الله، وأمنه عاديات الزمن، وما حقّقه من آمال بمكة، بقي الزمخشري

стр. 6

يحن إلى وطنه ويرغب في العودة إليه، فقد نسي ما لاقاه من مرّ العيش، فوطنه الذي لم تتفتّح فيه برعمة واحدة من أماليه وأمانيه، هو وطنه الذي تتوق إليه نفسه ويخلد فيه إلى الراحة والسكينة. وتخبرنا كتب التراجم أن الزمخشري بعد أن طالت إقامته بمكة من رحلته الثانية عاود الحنين إلى وطنه مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة عاد إليه شيخاً كهلًا ليصبح فخر خوارزم ومرجع العلماء بعد أن علت شهرته في أنحاء العالم الإسلامي. وفاته: أقام الزمخشري بخوارزم بعد رجوعه من مكة المكرّمة إلى أن توفّاه الله ليلة عرفة سنة ٥٣٨ هـ بجرجانية، وكان قد أوصى بأن تكتب على قبره هذه الأبيات: يا من يرى مدّ البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى عروق نياطها في نحرها ... والمخّ في تلك العظام النّحّل اغفر لعبدٍ تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول شيوخه: تتلمذ الزمخشري على أعلام مشهورين في الفكر الإسلامي استقى من مناهلهم، ولم يأنف، حتى وهو شيخ، أن يجلس جلسة الطالب المستزيد مع ما وصل إليه من مكانة علمية عظيمة. وكان من أبرز شيوخه: - محمود بن جرير الضبي الأصفهاني: درس عليه النحو والأدب. - الشيخ أبو الحسن علي بن المظفّر النيسابوري الضرير: أخذ عنه الأدب. - الشيخ السديد الخياطي: أخذ عنه الفقه. - ركن الدين محمد الأصولي: أخذ عنه الأصول. - شيخ الإسلام أبو منصور نصر الحارث، وأبو سعد الشقاني النيسابوري، والمحدث أبو الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله البطر: أخذ عنهم الحديث.

стр. 7

ونعلم من كتب التراجم أن الزمخشري قد تنقّل في بلاد كثيرة يتلّقى العلم والأدب حتى أصبح إماماً في التفسير والنحو واللغة والأدب متفنناً في علوم شتّى حتى طارت شهرته في الآفاق، ولكن هذه الكتب لا تذكر الشيوخ الذين درس عليهم في هذه البلاد الكثيرة التي تنقل فيها. لكن بعض هذه الكتب ذكرت أنه قرأ في مكة كتاب سيبويه على عبد الله بن طلحة بن محمد بن عبد الله اليابري المتوفّى سنة ٥١٨ هـ. وبعضها الآخر ذكر أنه قرأ بعض كتب اللغة، حين مروره ببغداد سنة ٥٣٣ هـ وهو عائد إلى وطنه في رحلته الثانية إلى مكة، على أبي منصور موهوب بن أبي طاهر أحمد بن محمد الجواليقي المتوفّى سنة ٥٣٩ هـ، وهو من أقران الزمخشري. واستفاد كذلك من الشريف أبي الحسن علي بن عيسى بن حمزة بن وهاس العلوي الذي بنى له منزلًا على «باب أجياد» ولقي منه ترحيباً وحفاوة ورعاية وإكراماً، كما استفاد هو الآخر من الزمخشري أيضاً. تلامذته: ذكر السمعاني أن كثيرين من طلاب العلم تتلمذوا على الإمام الزمخشري وأصبحوا بعد ذلك أئمة في اللغة والأدب وعلوم الدين، فقد روى عنه: أبو المحاسن إسماعيل بن عبد الله الطويلي بطبرستان وعبد الرحيم البزار بابيورد، وأبو عمر عامر بن الحسن السمار بزمخشر، وأبو سعيد أحمد بن محمود الشاشي بسمرقند، وأبو طاهر سامان بن عبد الملك الفقيه بخوارزم. ومن تلاميذه: علي بن محمد العمراني الخوارزمي، ومحمد بن أبي القاسم بايجوك، وأبو يوسف يعقوب بن علي بن محمد بن جعفر البلخي أحد الأئمة في النحو والأدب. وكان ممن استجازه، أو أجازهم لرواية كتبه: الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي وكان حافظاً مكثراً لم يكن في آخر عمره في عصره مثله ومحمد بن عبد الملك البلخي، وهو

стр. 8

المعروف بالأديب رشيد الوطواط، كان بارعاً في النظم والنثر وأبو طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي، والسيدة أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن الشعري. عقيدته ومذهبه: نشأ الزمخشري متحمساً للإعتزال، مجاهراً به، فقد كان إذا قصد صاحباً له واستأذن عليه في الدخول، يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له: أبو القاسم المعتزلي بالباب. وفي ديوان الأدب، أنه كان حنفي المذهب معتزاً بمذهبه ولذلك نراه حين تقدّم به الزمن وغمرته موجة اليأس والزهد والقناعة ينقل كتبه كلها إلى مشهد أبي حنيفة ويقفها عليه ولا يبقي معه إلّا كتاب الله المبين: وأسند ديني واعتقادي ومذهبي ... إلى حنفاء اختارهم وحنائفا حنيفية أديانهم، حنفيّة ... مذاهبهم لا يبتغون الزعانفا ويختلف الزمخشري الحنفي عن الزمخشري المعتزلي، فهو متسامح مع مخالفيه في مسائل الفقه، ولم يمنعه كونه حنيفاً أن يتقبّل مذاهب الآخرين، وعلى العكس مع مخالفيه في العقيدة حيث سلك معهم أسلوب التقريع والتسفيه والتجريح. أخلاقه: كان الزمخشري أبيّ النفس شديد الإعجاب بها، يأنف الضيم، ويدافع عن آرائه ومعتقداته، وكان متواضعاً جمّ الأدب، على حظ كبير من التدين والزهد والبعد عن الشبهات والعزوف عن الدنيا حتى أن بعض مؤرخيه لم يجدوا فيه مطعناً إلّا الإعتزال، اضطرته ظروفه المعيشية الصعبة في فترة حياته الأولى إلى التكسّب بشعره فمدح واستمنح بعض الملوك والأمراء، لكنه حين وعى مغبّة صنعه آثر العزلة وأخذ على نفسه الميثاق بأن لا يطأ عتبة سلطان. وكان الزمخشري لفضله ودينه شديد الحب للعرب يرى أنهم خير أمّة

стр. 9

أخرجت للناس ويجهر بتفضيلهم على سائر الأمم، عظيم الإنكار على الشعوبيين يردّ عليهم ويسفّه آراءهم. ثناء العلماء عليه: - قال القفطي: كان الزمخشري ممن يضرب به المثل في علم الأدب والنحو واللغة، صنّف التصانيف في التفسير وغريب الحديث والنحو وغير ذلك، ودخل خراسان وورد العراق، وما دخل بلداً إلا اجتمعوا عليه وتلمذوا له واستفادوا منه، وكان علّامة الأدب ونسّابة العرب، أقام بخوارزم تضرب إليه أكباد الإبل وتحطّ بفنائه رحال الرجال وتحدى باسمه مطايا الإبل. - وقال الإمام أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي: كان الزمخشري أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه، وأكثرهم اكتساباً واطلاعاً على كتبها، وبه ختم فضلاؤهم. - وقال ابن خلكان في ترجمته: هو الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان، كان إمام عصره من غير مدافع، تشدّ إليه الرحال في فنونه. - وقال السيوطي: كان واسع العلم، كثير الفضل، غاية في الذكاء وجودة القريحة متفنناً في كل علم. مصنّفاته: قدم الزمخشري للمكتبة الإسلامية مؤلفات قيمة غلب عليها النحو واللغة والأدب والأمثال والمواعظ مع مصنّف واحد في كل من التفسير والحديث والفرائض والفقه والأصول. وقد ذكرت له المصادر إثنين وخمسين مصنفاً ذكر منها ياقوت تسعة وأربعين أتبعها بقوله: وغير ذلك. وقد وصل إلينا كثير من هذه المصنفات، طبع بعضها ولا يزال البعض الآخر منها غير مطبوع. ومن هذه المصنفات: - أساس البلاغة. وهو معجم يهتم بالإستعارة والمجاز.

стр. 10

- أطواق الذهب (أو النصائح الصغار) وهو مائة مقالة في الوعظ والنصائح والحكم. - أعجب العجب في شرح لامية العرب. - الأمالي في كل فن. - الأمكنة والجبال والمياه والبقاع المشهورة في أشعار العرب. - الأنموذج. وهو كتاب صغير في النحو اختصره من المفصّل. - تسلية الضرير. - تعليم المبتدىء وإرشاد المهتدي. وهو عبارة عن جمل مفردة عربية وترجمتها بالفارسية للناشئين. - جواهر اللغة. - خصائص العشرة الكرام البررة. - ديوان التمثيل. - ديوان الرسائل. - ديوان الزمخشري. - ديوان الشعر. - رؤوس المسائل (في الفقه الخلافي بين المذهبين الحنفي والشافعي) . - ربيع الأبرار ونصوص الأخبار (هذا هو الكتاب الذي بين أيدينا وسيأتي الكلام عنه) . - الرسالة الناصحة. - سوائر الأمثال. - شافي العي (من كلام الشافعي رحمه الله تعالى) . - شرح أبيات كتاب سيبويه. - شرح بعض مشكلات المفصل. - شرح مقامات الزمخشري (وهو كتاب النصائح الكبار) . - شقائق النعمان في حقائق النعمان (مناقب أبي حنيفة ﵀ .

стр. 11

- صميم العربية. - ضالة الناشد في علم الفرائض. - الفائق (في غريب الحديث) . - القسطاس. - القصيدة البعوضية (وأخرى في مسائل الغزالي) . - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (في التفسير) ، وقد بلغ هذا التفسير في نفوس العلماء مبلغاً عظيماً حتى وصلت شروحه وتعليقاته ومختصراته والردود عليه بما يربو على ستة وثلاثين مصنفاً. - الكشف في القراءات. - متشابه أسامي الرواة. - المحاجاة في الأحاجي والاغلوطات. - مختصر الموافقة بين أهل البيت والصحابة. - مسألة في حكمة الشهادة. - المستقصى (في أمثال العرب) . - معجم الحدود (في الفقه) . - المفرد والمركب أو المؤلف. - المفصل في تعليم النحو. - مقامات الزمخشري. - مقدمة الأدب (معجم عربي فارسي) . - المنهاج (في أصول الفقه) . - نزهة المستأنس. - النصائح الصغار والبوالغ الكبار. - نكت الأعراب في غريب الإعراب (في غريب إعراب القرآن) . - نوابغ الكلم (مجموعة حكم وأقوال) .

стр. 12

كتاب ربيع الأبرار: صنّف الزمخشري كتاب «ربيع الأبرار» بعد أن صنّف كتابه «الكشاف عن حقائق التنزيل» الذي فرغ منه بمكة المكرمة سنة ٥٢٨ هـ. قال الزمخشري في مقدمة كتاب ربيع الأبرار: «هذا كتاب قصدت به إجمام خواطر الناظرين في الكشاف عن حقائق التنزيل، وترويح قلوبهم المتعبة بإجالة الفكر في استخراج ودائع علمه وخباياه، والتنفيس عن أذهانهم المكدودة باستيضاح غوامضه وخفاياه، وأن تكون مطالعته ترفيهاً لمن ملّ، والنظر فيه إحماضاً لمن اختلّ، فأخرجته لهم روضةً مزهرة، وحديقةً مثمرة، متبّرجةً بزخارفها، ميّاسةً برفارفها، تمتّع برايع زهرها، وتلهي بيانع ثمرها، وتقرّ العيون بآنف مرآها، وتفعم الأنوف بعبق ريّاها، وتلذّ الأفواه بطيب جناها، وتستنصت الآذان إلى خرير مائها الفياض، وتطبى النفوس إلى برد ظلّها الفضفاض، وتميل الأعطاف بغصونها الأماليد، وطيورها المستملحة الأغاريد، نزهة المستأنس، ونهزة المقتبس، من خلا به استغنى عن كل جليس، ومن أنس به سلا عن كل أنيس. أين من طيب ندامه نديماً مالك وعقيل، وأين من دلّ غزله كثيرّ عزّة وجميل؛ إن أردت السمر فيا له من سمير، وإن طلبت الخبر فقد سقطت على خبير، وإن بغيت العظات المبكية ففيه ما يشرق بالدمع أجفانك، أو الملح المضحكة ففيه ما يفرّ بضاحكة أسنانك» . والكتاب مرتب على ثمان وتسعين بابا، في موضوعات مختلفة كان الزمخشري يجمع ما يتصل بكل موضوع من أحاديث الرسول ﷺ ، ثم ما ورد عنه في أقوال الصحابة ويتبعه بأقوال التابعين والعباد والزهاد والنساك، والحكماء من العرب والفرس، والشعراء إن وجد شعرا بمعناه، وأقوال أنبياء بني إسرائيل وغيرهم، وكان يسرد قصصا مسلّية وأخبارا متّصلة بتاريخ العرب وملوكهم وخلفائهم وأمرائهم وقوادهم ومغنّيهم وشعرائهم تجمل بالمتأدبين معرفتها والإطلاع عليها إذ كانت منتخلة من غرر الأخبار ومنتقاة من عيونها ومأخوذة من مظانّها، ومنقولة عن أهل الخبرة بها. وباختصار فإن

стр. 13

ما جاء في هذه الأبواب من موضوعات مهمة يعتبر ذخيرة من الأخبار عن جميع منامي حياة العرب الإجتماعية تقريبا استطاع الزمخشري أن ينتقيها لنا في دقّة الوصف وبساطة التعبير وسهولة الصياغة وروعة التصوير، خالية من كل فحش وسخف، فإذا هي صورة صادقة عن أساليب الحياة المعيشية عند العرب في عصري الجاهلية والإسلام، وهي، بهذا- التنّوع في الموضوعات، تدلّ دلالة واضحة على سعة ثقافة الزمخشري واطلاعه الواسع الشامل على ثقافة العرب وغيرهم من الأمم. ولا بدّ من الإشارة إلى أن الزمخشري نقل في هذا الكتاب عن بعض كتبه وبخاصة ديوان المنظوم، وديوان المنثور اللذين لا نعرف إذا كانا كتابين مستقلّين أم أن ديوان المنظوم هو ديوان شعره، وديوان المنثور هو ديوان الرسائل؟ وكذلك فقد نقل في هذا الكتاب عن كتبه: الرسالة الناصحة، والنصائح الصغار، ونوابغ الكلم وغيرها، وعندما ينقل من هذه الكتب يقول: قال جار الله، وقال الفقير إليه، وقال ابن أخت خالتي، وقال عبد الله الفقير إليه، وقال المصنّف ... وغيرها من العبارات التي يريد بها نفسه. وقد ذكر كتاب ربيع الأبرار في كثير من كتب المؤرخين وأصحاب التراجم، فهو في وفيات الأعيان: ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، وهو في إرشاد الأديب لياقوت: ربيع الأبرار في الأدب والمحاضرات، وهو في تاريخ الأدب العربي ل بروكلمان: ربيع الأبرار، وفي تكملته: ربيع الأبرار فيما يسرّ الخواطر والأفكار. ولربيع الأبرار مختصرات ومنتخبات. فقد اختصره المولى محي الدين بن الخطيب قاسم بن يعقوب المتوفىّ سنة ٩٤٠ هـ. وسمّاه: روض الأخبار المنتخب من ربيع الأبرار ورتّبه على خمسين روضة، كما انتخبه آخر وسماه: أنوار الربيع، واختصره غيره وسماه: نفحات أزهار ربيع الأبرار. وعلى الإجمال فربيع الأبرار من الكتب المهمة التي تتناول الشعر

стр. 14

والتاريخ والأدب وكل أصناف العلوم، ومطالبتنا لمؤلفه بأن يذهب أبعد ممّا ذهب إليه في تنظيم موسوعته وفي تيسير تناولها قد لا تكون في محلّها لأن ربيع الأبرار تجربة رائدة قصد منها الزمخشري تهذيب النفوس والإفادة من التراث الصالح للسلّف الصالح. لقد آثرت عدم ذكر المراجع التي أخذت عنها وأفدت منها أثناء شرح هذا الكتاب، فأهل العلم والتحقيق والتدقيق أقدر منّي على استيعاب ما يشاؤون من المصادر والمراجع، وهم لذلك في غنى عن إدلالي عليهم بكثرة مراجعي وتنّوعها، وإذا كان لا بدّ من ذكر أهمها فهي نسخة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العراقية المطبوعة من هذا الكتاب التي كانت أهدتنا إياها مشكورة مؤسسة الأعلمي وكلّفتنا شرحها وترجمة أعلامها، هذه المؤسسة التي ما زالت رائدة في اكتشاف كنوز المسلمين وإحياء تراثهم المجيد ونشره بأفضل الطرق وأقلّ التكاليف. آملا أن أكون وفّقت في شرح هذا الكتاب، والله الموفّق والمستعان. عبد الأمير علي مهنا بيروت ١٩٩٢

стр. 15

مقدمة المؤلف: بسم الله الرّحمن الرّحيم هو حسبي ونعم الوكيل الحمد لله الذي استحمد إلى عباده بموجبات المحامد، مما أسبغ عليهم من نعمه البوادي العوائد، حمدا ملء ذات الرجع «١» ، وطلاع ذات الصدع «٢» ، إلى أن يبلغ رضاه، ويقضي موجب حقه ومقتضاه. والصلاة على النبي المرسل رحمة للعالمين المبتعث قدوة للعالمين أدحض «٣» بآياته حجج المبطلين، ومحق بمعجزاته شبه المعطلين «٤» ،

стр. 16

والرضوان على من طاب وطهر من عشيرته وأهل قرابته، وهاجر ونصر من أحبته وصحابته، ومن كاشف دونه العجم والعرب، حتى كشف عن وجهه الكرب، والرحمة على من ابتعهم بإحسان، وعلى علماء الملة الحنيفية «١» في كل زمان. وهذا كتاب قصدت به إجمام «٢» خواطر الناظرين في الكشاف عن حقائق التنزيل «٣» ، وترويح قلوبهم المتعبة بإجالة الفكر في استخراج ودائع علمه وخباياه، والتنفيس عن أذهانهم المكدودة «٤» باستيضاح غوامضه وخفاياه، وأن تكون مطالعته ترفيها لمن ملّ، والنظر فيه إحماضا «٥» لمن راجع الملل والنحل للشهرستاني (بتحقيقنا) ٢: ٥٨٢- ٥٨٣ طبعة دار المعرفة.

стр. 17

اختلّ، فأخرجته لهم روضة مزهرة، وحديقة مثمرة، متبرجة بزخارفها، مياسة برفارفها «١» ، تمتع برايع زهرها، وتلهي بيانع ثمرها، وتقر العيون بآنق مرآها، وتفعم الأنوف بعبق رياها، وتلذ الأفواه بطيب جناها، وتستنصت الآذان إلى خرير مائها الفياض، وتطبى «٢» النفوس إلى برد ظلها الفضفاض، وتميل الأعطاف بغصونها الأماليد «٣» ، وطيورها المستملحة الأغاريد، نزهة المستأنس، ونهزة «٤» المقتبس» ، ومن خلا به استغنى عن كل جليس، ومن أنس به سلا عن كل أنيس. أين من طيب ندامه «٦» نديما مالك وعقيل «٧» ، وأين من دلّ غزله كثير عزة «٨» وجميل «٩» . إن أردت

стр. 18

السمر فياله من سمير، وإن طلبت الخبر فقد سقطت على خبير، وإن بغيت العظات المبكية ففيه ما يشرق «١» بالدمع أجفانك أو الملح «٢» المضحكة ففيه ما يفر «٣» بضاحكه أسنانك. مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات، فساعة فيها يناجي ربه، وساعة فيها يحاسب نفسه، وساعة فيها يفضي إلى إخوانه الذين يصدقونه عن عيوب نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا لتلك الساعات وإجماما للقلوب.

стр. 19

وعن علي «١» ﵁: اجموا هذه القلوب وابتغوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان، وفي رواية: إن هذه النفوس تمل، وهذه القلوب تدثر، فابتغوا لها طرائف الحكم وملاهيها. وعن ابن عباس «٢» إنه كان يقول عند ملله: أحمضوا فيخوضون عند ذلك في الأخبار والأشعار. وعن قسامة بن زهير «٣» : روحوا القلوب تع «٤» الذكر. وعن سلمان الفارسي «٥» : أنا احتسب نومتي كما أحتسب قومتي «٦»

стр. 20

وعن أردشير بن بابك «١» : إن للآذان مجة، وللقلوب ملة، ففرقوا بين الحكمتين بلهو يكن ذلك استجماما. وعن بعض العرب: روحوا الأذهان كما تروحون الأبدان. وعن آخر: نفسك راحلتك، إن رفهتها اضطلعت «٢» وإن نفهتها «٣» انقطعت. أسأل الله أن يجعل جميع ما تصوره أفكارنا في النفوس، وتسطره أيدينا في الطروس «٤» ، مبتغي به وجهه، متوخي فيه رضوانه، مأمونا معه سخطه، مرجوا عنده غفرانه، إنه المولى المولي «٥» كل حظ جسيم، الموري زناد كل خير عميم.

стр. 21

الباب الأول الأوقات وذكر الدنيا والآخرة ١- الحسن «١» : يا ابن آدم إلى متى هذا التسويف، فإنك ليومك ولست لغدك، فإن يكن غد لك فكس «٢» ، كما كست في يومك، وإن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرطته في يومك. لقد أدركت أقواما ما كان أحدهم أشح «٣» على عمره منه على درهمه ولا ديناره. ٢-[شاعر] :

стр. 22

ولا تزج «١» فعل الصالحات إلى غد ... لعلّ غدا يأتي وأنت فقيد ٣- فرعون التميمي «٢» : قل من احتلب خلف «٣» الزمان إلا رمح «٤» بقدم الحدثان «٥» . ٤- نزل النعمان بن المنذر «٦» : تحت شجرة ليلهو، فقال له عدي «٧» : أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة، ثم أنشأ يقول: رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال «٨»

стр. 23

فتنغص على النعمان يومه. ٥- قيل لبعضهم أيما أطيب الخريف أم الربيع؟ قال: الربيع للعين والخريف للفم. ٦- أنشد ابن الأعرابي «١» : يا سبعة كلهم أخوان ... ليسوا يموتون وهم شبان لم يرهم في موضع إنسان هي أيام الجمعة «٢» . ٧- الخليل «٣» : الأيام ثلاثة، معهود، ومشهود، وموعود. أراد

стр. 24

الأمس واليوم والغد. ٨- أعرابي: من أفاده الدهر أفاد منه. ٩- ابن السماك «١» : الدنيا من نالها مات منها، ومن لم ينلها مات عليها. ١٠- موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي «٢» . إذا أنا لم أقبل من الدهر كلما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر ١١- قيل لابن جريج «٣» كم صيفكم بمكة؟ قال ثلاثة عشر شهرا.

стр. 25

١٢-[شاعر] : وإني رأيت الدهر منذ صحبته ... محاسنه مقرونة بمعايبه إذا سرني في أول الأمر لم أزل ... على حذر من غمه في عواقبه ١٣- عن علي ﵁: من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع. ١٤- حكيم: الدنيا تطلب لثلاثة أشياء: للغنى، والعز، والراحة، فمن زهد فيها عز، ومن قنع استغنى، ومن قل سعيه استراح. ١٥- قال الحسن «١» لعلي: أما ترى حب الناس للدنيا، قال: هم أولادها، أفيلام المرء على حب والدته؟. ١٦- علي ﵁: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب، إذا قربت من أحدهما بعدت من الآخر. وعن علي ﵁: من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع في عقله. ١٧- بكر بن عبد الله المزني «٢» : المستغني عن الدنيا بالدنيا

стр. 26

كالمطفي النار بالتبن. ١٨- إبراهيم بن اسماعيل «١» : العجب لمن يغتر بالدنيا وإنما هي عقوبة ذنب. ١٩- الأصمعي «٢» : سمعت أبا عمرو بن العلاء «٣» يقول: كنت أدور في ضيعة لي سمعت من يقول: وإن امرأ دنياه أكبر همّه ... لمستمسك منها بحبل غرور «٤» فجعلته نقش خاتمي. ٢٠- ناسك: صاحب الدنيا مسكين يأكلها لمّا، ويوسعها ذما. ٢١- الحسن: قال: لرجل كيف طلبك للدنيا؟ قال: شديد. قال: فهل أدركت منها ما تريد؟ قال: لا. قال: فهذه التي تطلبها لم

стр. 27

تدرك منها ما تريد فكيف التي لم تطلبها؟ «١» . ٢٢- أعرابي: أطيب الزمان ما قرت به العينان. ٢٣- وهب «٢» : بينما ركب يسيرون هتف بهم هاتف «٣» : ألا إنما الدنيا مقيل لرائح ... قضى وطرا من حاجة ثم هجرا ٢٤- قيل لحكيم: ما مثل الدنيا؟ قال: هي أقل من أن يكون لها مثل. ٢٥- أعرابي: خرجت في ليلة حندس «٤» قد ألقت على الأرض أكارعها «٥» ، فمحت صور الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالأذان، فسرنا حتى أخذ الليل ينفض ضبعيه «٦» . ٢٦- قال رجل: تطاول الليل لا تسرى كواكبه ... أم حار حتى رأيت النجم حيرانا

стр. 28

فأجابه آخر: ما طال ليل ولا حارت كواكبه ... ليل المحب طويل كيف ما كانا ٢٧-[قال شاعر] : كأنما الليل الطويل بها ... قصرا وطيبا قبلة الخلس «١» ٢٨- علي بن عبيدة «٢» : عين الدهر تطرف بالمكاره والخلائق بين أجفانه. ٢٩- قيل لراهب: متى عيدكم؟ قال: كل يوم لا أعصي الله فيه فهو يوم عيد. [و] قيل لزاهد: أي خلق الله أصغر؟ قال: الدنيا إذ كانت لا تعدل عنده جناح بعوضة. فقال السائل: ومن عظم هذا الجناح كان أصغر منه. ٣٠- أراد بعض الأعراب السفر في أول السنة فقال: إن سافرت في المحرم كنت جديرا أن أحرم، وإن رحلت في صفر خشيت على يدي أن تصفر، فأخر السفر إلى شهر ربيع. فلما سافر مرض ولم يحظ بطائل، فقال: ظننته من ربيع الرياض فإذا هو من ربع «٣» الأمراض. ٣١-[شاعر] : وإن امرأ قد جرب الدهر لم يخف ... تقلّب عصريه لغير لبيب

стр. 29

٣٢-[آخر] : الآن أدبني الزمان ومن يكن ... مستمليا أخباره يتأدب ٣٣-[آخر] : الدهر لم تركد رحاه ساعة ... متلون ذو ألسن ووجوه ٣٤-[آخر] : يقولون إن العام أخلف نوؤه «١» ... وما كل عام روضة وغدير ٣٥- عن أبي زيد الأنصاري «٢» : دخلت على أبي الدقيش «٣» وهو مريض، فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا

стр. 30

أجد، وأنا في زمان سوء من وجد لم يجد، ومن جاد لم يجد. ٣٦- قيل للحسن «١» : يا أيا سعيد أما رويت عن النبي ﷺ : لا يزداد الزمان إلا شدة، ولا تقوم الساعة إلا على شرار خلقه؟ قال: بلى قيل فما بال زمن عمر بن عبد العزيز «٢» ؟ قال: لا بد للناس من تنفيس. ٣٧-[شاعر] : قد اغتدي والليل في حريمه ... معكسرا في الغر من نجومه «٣» والصبح قد نشم في أديمه ... يدعه بضفتي حيزومه «٤» دع الوصي في قفا يتيمه ٣٨- الجاحظ «٥» : يوم النيروز «٦» أسن من يوم المهرجان «٧» بعمر طويل، لأن النيروز قبل الطوفان في ملك جم «٨» ، وهو اليوم الذي ابتدأ فيه

стр. 31

في كيس موضع بأصبهان «١» كان عميقا جدا، كل من وقع فيه لم يقدر على الخروج منه، والمهرجان في زمان أفريدون «٢» ، وهو اليوم الذي قيد فيه الضحاك «٣» في جبل دنياند فاتخذه عيدا. ٣٩- أبو السمط «٤» في المتوكل «٥» :

стр. 32

بدولة جعفر حسن الزمان ... لنا في كل يوم مهرجان جعلت هويتي لك فيه وشيا ... وخير الوشي ما نسج اللسان ٤٠- جحظة البرمكي «١» : وليل في كواكبه حران ... فليس لطول مدته انتهاء «٢» عدمت تبلج الإصباح فيه ... كأن الصبح جود أو وفاء «٣» ٤١- النبي ﷺ : من أصبحت الدنيا همه وسدمه «٤» نزع الله الغنى من قلبه، وصيّر الفقر بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن أصبحت الآخرة همه وسدمه نزع الله الفقر من قلبه، وصير الغنى نصب عينيه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ٤٢- مثل الدنيا والآخرة مثل رجل له ضرتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى. ٤٣- المسيح ﵇: أنا الذي كفأت الدنيا على وجهها، فليس لي

стр. 33

زوج تموت، ولا بيت يخرب. ٤٤- وهب بن منبه: الدنيا غنيمة الأكياس «١» ، وحسرة الحمقى. ٤٥- يحيى بن معاذ «٢» : الدنيا حانوت الشيطان، فلا تسرق من حانوته شيئا فيجيء في طلبك فيأخذك. وعنه: الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها. ٤٦- النبي ﵇: ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه. ٤٧- علي بن الحسين السجاد «٣» : الدنيا سبات «٤» ، والآخرة يقظة، ونحن بينهما أضغاث «٥» .

стр. 34

٤٨- كان الحسن «١» يتمثل كثيرا بقول نهشل بن حري «٢» : وما الدنيا بباقية لحي ... ولا حي على الحدثان باقي ٤٩- قيل لمحمد بن واسع «٣» إنك لترضى بالدون «٤» . قال إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا. ٥٠- فرقد «٥» : اتخذوا الدنيا ظئرا «٦» ، واتخذوا الآخرة أما، ألم تروا إلى الصبي إذا ترعرع وعقل رمى بنفسه على أمه، وترك ظئره. ٥١- هرم بن حبّان «٧» : ما آثر الدنيا على الآخرة حكيم، ولا عصى

стр. 35

الله كريم. ٥٢-[شاعر] : ولم أر مثل الليل جنّة فاتك ... إذا هم أمضى أو غنيمة ناسك «١» ٥٣-[آخر] : ماذا يريني الليل من أهواله ... أنا ابن عم الليل وابن خاله» إذا دجا دخلت في سرباله ... لست كمن يغرق من خياله «٣» ٥٤- يزيد الرقاشي «٤» : أيامك ثلاثة، يومك الذي ولدت فيه، ويوم نزولك قبرك، ويوم خروجك إلى ربك، فياله من يوم قصير خبىء له يومان طويلان. ٥٥- اجتمعت عند رابعة «٥» : عدة من الفقهاء والزهاد، فذموا الدنيا، وهي ساكتة، فلما فرغوا قالت لهم: من أحب شيئا أكثر من ذكره، إمّا بحمد وإما بذم، فإن كانت الدنيا في قلوبكم لا شيء فلم تذكرون لا شيء؟. ٥٦-[شاعر] : إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر «٦»

стр. 36

٥٧- كان زبيد اليامي «١» وعلقمة «٢» وجماعة من الزهاد إذا كان يوم النيروز أو المهرجان إعتكفوا في مساجدهم، وقالوا: اللهم إن هؤلاء اعتكفوا على كفرهم وجورهم، اللهم وإنا اعتكفنا على إيماننا فاغفر لنا. ٥٨- أهدى النعمان بن المرزبان جد أبي حنيفة الفالوذج إلى علي ﵁ يوم النيروز، فقال: نورزونا كل يوم. وقيل يوم المهرجان، فقال: مهرجونا كل يوم. ٥٩- داوود الطائي «٣» : إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة بعد مرحلة، حتى تنتهي بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب، والأمر أعجل من ذاك، وكأنك قد بغتك. وعنه: لا تمهر الدنيا دينك، فأن من أمهر الدنيا دينه زفت إليه الندم. وسأله رجل أراد أن يتعلم الرمي، فقال: إن الرمي حسن، ولكنها أيامك فانظر بم تقطعها.

стр. 37

٦٠- الثوري «١» : إذا أردت أن تعرف الدنيا، فانظر في يد من هي. ٦١- عمر بن ذر الهمداني «٢» : أمس واليوم أخوان نزل بك أحدهما، فأسات نزله وقراه «٣» فرحل عنك وهو ذام، ثم نزل بك أخوه، فقال: إمح إساءتك إلى أخي بإحسان إلي، فما أخلقك إن ألحقتني في الإساءة بأخي إن تعطب بشهادتنا عليك. ٦٢- محمد بن سوقة «٤» : مثل الدنيا والآخرة ككفتي الميزان بقدر ما ترجح إحداهما تخف الأخرى. ٦٣-[شاعر] : صبحتهم والفجر ينفض رأسه ... قد همّ بالأسفار أو لم يسفر والليل منهزم الظلام يشلّه ... ضوء كناصية الحصان الأشقر «٥» ٦٤- البعيث «٦» :

стр. 38

تطاول هذا الليل حتى كأنه ... إذا ما مضى تثنى عليه أوائله ٦٥- ابن الدمينة «١» : نهاري نهار الناس حتى إذا دنا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع أقضي نهاري بالأحاديث والمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع «٢» ٦٦- ابن دريد «٣» : يا ليل لا تبح الإصباح حوزتنا ... ولتحم جانبه أعناقك السود «٤» ٦٧- بنى ملك من بني إسرائيل مدينة فتنوّق «٥» في بنائها، ثم صنع

стр. 39

للناس طعاما، ونصب على باب المدينة من يسأل عنها، فلم يعبها أحد، إلا ثلاثة عليهم الأكسية، فأنهم قالوا: رأيا عيبين، فسألهم، فقالوا: تخرب ويموت صاحبها. فقال: هل تعلمون دارا تسلم من هذين العيبين؟ قالوا: نعم، الآخرة، فخلى ملكه وتعبد معهم زمانا، ثم ودعهم، فقالوا: هل رأيت منا ما تكرهه؟ قال: لا، ولكن عرفتموني فأنتم تكرمونني، فأصحب من لا يعرفني. ٦٨- ابن السماك: من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها. ٦٩- مجاهد «١» : ما من يوم من أيام الدنيا يمضي إلا قال: الحمد لله أراحني من الدنيا وأهلها، ثم يطوى ويختم حتى يكون الله هو الذي يفض خاتمه. ٧٠- النبي ﷺ : إذا عظمت أمتي الدنيا نزع منها هيبة الإسلام. ٧١- الفضيل «٢» : لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب عليها في الآخرة، لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها، يخاف أن تعيب ثوبه. - وعنه: تجيء الدنيا يوم القيامة تتبختر في زينتها وبهجتها، فتقول: يا رب اجعلني لأخس عبادك. فيقول: لا أرضاك له دارا، لست بشيء، فكوني هباء منثورا.

стр. 40

- وعنه: لو كانت لك، فقيل: دعها ويوسع لك في قبرك أما كنت فاعلا؟ أو قيل لك: دعها وتسقى شربة في عطش يوم القيامة، أما كنت فاعلا؟. - وعنه: جمع الخير كله في بيت، جعل مفتاحه الزهد في الدنيا. وجمع الشر كله في بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا. - وعنه: لأن أطلب الدنيا بالطبل والمزمار أحب إلي من أن أطلبها بديني. - وعنه: لأن يطلب الرجل الدنيا بأقبح ما تطلب به أحسن من أن يطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة. ٧٢- في الحديث: قال الله تعالى يا دنيا مرّي لعبدي المؤمن، ولا تحلولي «١» له. ٧٣- كان ابن عيينة «٢» يتمثل بهذين البيتين: دنيا تناولها العباد ذميمة ... شيبت بأكره من نقيع الحنظل «٣» وبنات دهر لا تزال صروفها ... فيها وقائع مثل وقع الجندل «٤» ٧٤- احتضر عابد فقال: ما تأسّفي على دار الأحزان والهموم
следующие страницы →