Полный текст (834 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَإِنِ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ جَازَ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ. عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ فَصَالَحَهُ الْآخَرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ لَمْ يَجُزْ، وَيَجُوزُ صُلْحُ الْمُدَّعِي الْمُنْكِرِ عَلَى مَالٍ لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعَيْنِ، وَالْفُضُولِيُّ إِنْ صَالَحَ عَلَى مَالٍ وَضَمِنَهُ أَوْ سَلَّمَهُ أَوْ قَالَ: عَلَى أَلْفِي هَذِهِ صَحَّ، وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَلْفٍ لِفُلَانٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ، وَالصُّلْحُ عَمَّا اسْتُحِقَّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ أَخْذٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ وَإِسْقَاطٌ لِلْبَاقِي وَلَيْسَ مُعَاوَضَةً،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
جَعْلُهُ زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْجَوَازِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهَا الْمَالَ لِتَتْرُكَ الدَّعْوَى، فَإِنْ تَرَكَتْهَا وَكَانَ فُرْقَةً فَهُوَ لَا يُعْطِي فِي الْفُرْقَةِ الْبَدَلَ، وَإِنْ لَمْ تَتْرُكِ الدَّعْوَى فَمَا حَصَلَ لَهُ غَرَضُهُ فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ جَازَ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ) ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِجَعْلِهِ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي كَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، وَفِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ ; لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِإِنْكَارِهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَبْدُهُ لَمْ تُقْبَلْ ; لِأَنَّ مِنْ زَعْمِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ، وَأَنَّ الْعَبْدَ اشْتَرَى نَفْسَهُ بِهَذَا الْمَالِ، لَكِنْ يَثْبُتُ الْوَلَاءُ عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ.
قَالَ: (عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ فَصَالَحَهُ الْآخَرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ لَمْ يَجُزِ) الْفَضْلُ ; لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، قَالَ ﷺ : «قُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ» فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى عِوَضٍ جَازَ لِعَدَمِ الْجِنْسِيَّةِ فَلَا رِبًا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ صُلْحُ الْمُدَّعِي الْمُنْكِرِ عَلَى مَالٍ لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعَيْنِ) ، وَصُورَتُهُ: رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَأَنْكَرَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ لِيَعْتَرِفَ لَهُ بِالْعَيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَكُونُ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ كَالْبَيْعِ، وَفِي حَقِّ الْمُدَّعِي كَالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ.
قَالَ: (وَالْفُضُولِيُّ إِنْ صَالَحَ عَلَى مَالٍ وَضَمِنَهُ أَوْ سَلَّمَهُ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَلْفِي هَذِهِ صَحَّ) وَلَزِمَهُ تَسْلِيمُ الْمَالِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَإِنَّمَا صَحَّ الصُّلْحُ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ أَوْ إِلَى مَالِهِ. وَالْحَاصِلُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَرَاءَةُ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَيَصِحُّ، وَصَارَ كَالْكَفَالَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَدْيُونِ (وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَلْفٍ لِفُلَانٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ) إِنْ أَجَازَهُ جَازَ وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ بَطَلَ كَالْخُلْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ، وَلَوْ قَالَ: صَالَحْتُكَ عَلَى أَلْفٍ وَسَكَتَ قِيلَ: يَنْفُذُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعَقْدَ إِلَى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: اشْتَرَيْتُ، وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ كَمَا يَقَعُ لِنَفْسِهِ يَقَعُ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ وَاقِعًا لَهُ إِذَا كَانَ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ هُنَا وَإِنَّمَا الْمَنْفَعَةُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَاعْتُبِرَ وَاقِعًا لَهُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ صَالِحْنِي ; لِأَنَّ الْيَاءَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَفْعُولِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَفْعُولَ الصُّلْحِ فَيَقَعُ لَهُ.
قَالَ: (وَالصُّلْحُ عَمَّا اسْتُحِقَّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ أَخْذٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ وَإِسْقَاطٌ لِلْبَاقِي وَلَيْسَ مُعَاوَضَةً) لِأَنَّا لَوِ اعْتَبَرْنَاهُ
стр. 352
فَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ بِخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ عَنْ أَلْفٍ جِيَادٍ بِخَمْسِمِائَةٍ زُيُوفٍ، أَوْ عَنْ حَالَّةٍ بِمِثْلِهَا مُؤَجَّلَةً جَازَ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُوَجَّلَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَنْ أَلْفٍ سُودٍ بِخَمْسِمِائَةٍ بِيضٍ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: أَدِّ إِلَيَّ غَدًا خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ، فَلَمْ يُؤَدِّهَا إِلَيْهِ فَالْأَلْفُ بِحَالِهَا (س) .
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مُعَاوَضَةً يَكُونُ رِبًا، وَتَصْحِيحُ تَصَرُّفِهِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَارُ إِلَيْهِ.
(فَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ بِخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ عَنْ أَلْفٍ جِيَادٍ بِخَمْسِمِائَةٍ زُيُوفٍ، أَوْ عَنْ حَالَّةٍ بِمِثْلِهَا مُؤَجَّلَةٍ جَازَ) فَفِي الْأُولَى أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْضَهُ وَالصِّفَةَ، وَفِي الثَّالِثَةِ تَعَذَّرَ جَعْلُهُ مُعَاوَضَةَ النَّقْدِ بِالنَّسِيئَةِ لِحُرْمَتِهِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى تَأْجِيلِ نَفْسِ الْحَقِّ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَقُّهُ فَلَهُ إِسْقَاطُهُ.
(وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ لَمْ يَجُزْ) ; لِأَنَّهُ بَيْعُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ نَسِيئَةً، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ لِيَكُونَ إِسْقَاطًا لِبَعْضِهِ وَتَأْجِيلًا لِبَعْضِهِ فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ بِخَمْسِمِائَةٍ حَالَّةٍ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنِ الْأَجَلِ، وَلَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْمُعَجَّلَةَ خَيْرٌ مِنَ الْمُؤَجَّلَةِ، فَيَكُونُ التَّعْجِيلُ بِإِزَاءِ مَا حَطَّ عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ: (وَلَوْ صَالَحَهُ عَنْ أَلْفٍ سُودٍ بِخَمْسِمِائَةٍ بِيضٍ لَا يَجُوزُ) ; لِأَنَّ الْبِيضَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ فَيَكُونُ مُعَاوَضَةً وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهُ: أَدِّ إِلَيَّ غَدًا خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ فَلَمْ يُؤَدِّهَا إِلَيْهِ فَالْأَلْفُ بِحَالِهَا) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: سَقَطَ خَمْسُمِائَةٍ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ أَدَّى خَمْسَمِائَةٍ غَدًا بَرِئَ، لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إِبْرَاءٌ مُطْلَقٌ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَدَاءَ عِوَضًا عَنِ الْإِبْرَاءِ نَظَرًا إِلَى كَلِمَةِ عَلَى، وَالْأَدَاءُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ فَصَارَ ذِكْرُهُ كَعَدَمِهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ إِبْرَاءٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ غَرَضٌ صَالِحٌ حَذَرًا مِنْ إِفْلَاسِهِ أَوْ لِيَتَوَسَّلَ بِهَا إِلَى مَا هُوَ الْأَنْفَعُ مِنْ تِجَارَةٍ رَابِحَةٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ دَفْعِ حَبْسٍ، فَإِذَا فَاتَ الشَّرْطُ بَطَلَ الْإِبْرَاءُ، وَكَلِمَةُ عَلَى تَحْتَمِلُ الشَّرْطَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُعَاوَضَةِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ وَعَمَلًا بِالْعُرْفِ.
وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْأَلْفِ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْخَمْسَمِائَةٍ غَدًا صَحَّ الْإِبْرَاءُ، أَعْطَى الْخَمْسَمِائَةٍ أَوْ لَمْ يُعْطِ ; لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْإِبْرَاءَ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي تَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ فَلَا يَتَقَيَّدُ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا يَقَعُ مُطْلَقًا، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَصْلُحُ شَرْطًا لَا يَقَعُ مُطْلَقًا فَلَا يَثْبُتُ الْإِطْلَاقُ بِالشَّكِّ.
وَلَوْ قَالَ: أَدِّ إِلَيَّ خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنَ الْفَضْلِ وَلَمْ يُوَقِّتْ فَهُوَ إِبْرَاءٌ مُطْلَقٌ ; لِأَنَّ الْأَدَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فَلَمْ يَصْلُحْ عِوَضًا فَلَمْ يَتَقَيَّدْ.
وَلَوْ قَالَ: صَالَحْتُكَ مِنَ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ تَدْفَعُهَا إِلَيَّ غَدًا وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الْبَاقِي عَلَى أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَدْفَعْهَا غَدًا فَالْأَلْفُ عَلَيْكَ فَهُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّقْيِيدِ. وَلَوِ ادَّعَى عَبْدًا فَصَالَحَهُ عَلَى غَلَّتِهِ شَهْرًا لَمْ يَجُزْ، وَعَلَى خِدْمَتِهِ شَهْرًا يَجُوزُ ; لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ،
стр. 353
وَلَوْ صَالَحَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَنْ نَصِيبِهِ بِثَوْبٍ، فَشَرِيكُهُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ الثَّوْبِ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ رُبْعَ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْمَدْيُونَ بِنِصْفِهِ، وَلَا يَجُوزُ صُلْحُ أَحَدِهِمَا فِي السَّلَمِ عَلَى أَخْذِ نَصِيبِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ صَالَحَ الْوَرَثَةُ بَعْضَهُمْ عَنْ نَصِيبِهِ بِمَالٍ أَعْطَوْهُ وَالتَّرِكَةُ عُرُوضٌ جَازَ قَلِيلًا أَعْطَوْهُ أَوْ كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ فَأَعْطَوْهُ خِلَافَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ نَقْدَيْنِ فَأَعْطَوْهُ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَتْ نَقْدَيْنِ وَعُرُوضًا
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالْغَلَّةُ مَجْهُولَةٌ غَيْرُ مَقْدُورَةِ التَّسْلِيمِ ; لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الْإِجَارَةِ وَالْعَمَلِ.
قَالَ: (وَلَوْ صَالَحَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَنْ نَصِيبِهِ بِثَوْبٍ فَشَرِيكُهُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ الثَّوْبِ) ; لِأَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُشَارَكَةِ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ دَيْنِهِ، فَإِذَا اخْتَارَ ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازَ فِعْلَ الشَّرِيكِ (إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ رُبْعَ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ حَقُّهُ فِي الدَّيْنِ لَا فِي الثَّوْبِ (وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْمَدْيُونَ بِنِصْفِهِ) لِبَقَاءِ حِصَّتِهِ فِي ذِمَّتِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالدَّفْعِ إِلَى غَيْرِهِ، وَالدَّيْنُ الْمُشْتَرَكُ كَالْمَوْرُوثِ وَقِيمَةِ عَيْنٍ مُسْتَهْلَكَةٍ بَيْنَهُمَا وَثَمَنِ مَبِيعٍ وَنَحْوِهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ صُلْحُ أَحَدِهِمَا فِي السَّلَمِ عَلَى أَخْذِ نَصِيبِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ شَرِيكِهِ، فَإِنْ رَدَّ بَطَلَ أَصْلًا وَبَقِيَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ بَيْنَهُمَا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ أَجَازَ نَفَذَ عَلَيْهِمَا فَيَكُونُ نِصْفُ رَأْسِ الْمَالِ بَيْنَهُمَا، وَبَاقِي الطَّعَامِ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُ قِسْمَةُ الدَّيْنِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَلَا يَجُوزُ، كَمَا إِذَا كَانَ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمُ وَعَلَى آخَرَ دَنَانِيرُ، فَتَصَالَحَا عَلَى أَنَّ لِهَذَا الدَّرَاهِمَ وَلِهَذَا الدَّنَانِيرَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَبَيَانُ كَوْنِهِ قِسْمَةً أَنَّهُ يَمْتَازُ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ عَنِ الْآخَرِ وَلِأَنَّهُ فَسَخَ عَلَى شَرِيكِهِ عَقْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ صَدَرَ مِنْهُمَا، وَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ إِذَا تَوَى الْبَاقِي عَلَى الْمَطْلُوبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: جَازَ الصُّلْحُ وَلَهُ نِصْفُ رَأْسِ الْمَالِ، وَصَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ شَارَكَهُ فِيمَا قَبَضَ وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْمَطْلُوبَ بِنِصْفِهِ، إِلَّا إِذَا تَوَى عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ، لَهُ الِاعْتِبَارُ بِسَائِرِ الدُّيُونِ، وَبِمَا إِذَا اشْتَرَيَا عَبْدًا فَأَقَالَ أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ صَالَحَ الْوَرَثَةُ بَعْضُهُمْ عَنْ نَصِيبِهِ بِمَالٍ أَعْطَوْهُ وَالتَّرِكَةُ عُرُوضٌ جَازَ قَلِيلًا أَعْطَوْهُ أَوْ كَثِيرًا) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، وَعُثْمَانُ ﵁ صَالَحَ تُمَاضِرَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ رُبْعِ الثَّمَنِ، وَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِينَارٍ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ فَأَعْطَوْهُ خِلَافَهُ) ; لِأَنَّ بَيْعَ الْجِنْسِ بِخِلَافِهِ جَائِزٌ (وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ نَقْدَيْنِ فَأَعْطَوْهُ مِنْهُمَا) وَيَصْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى خِلَافِ جِنْسِهِ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْبُيُوعِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ، إِنْ كَانَ مُقِرًّا بِهِ يَكُونُ أَمَانَةً، فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ الْقَبْضِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ قَبْضِ الصُّلْحِ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لَهُ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصُّلْحِ (وَلَوْ كَانَتْ نَقْدَيْنِ وَعُرُوضًا
стр. 354
فَصَالَحُوهُ عَلَى أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلُ الصُّلْحِ عَرَضًا جَازَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ دُيُونٌ فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ شَرَطُوا بَرَاءَةَ الْغُرَمَاءِ جَازَ.
كِتَابُ الشَّرِكَةِ
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَصَالَحُوهُ عَلَى أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ) لِيَكُونَ نَصِيبُهُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِحَقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ تَحَرُّزًا عَنِ الرِّبَا (وَلَوْ كَانَ بَدَلُ الصُّلْحِ عَرَضًا جَازَ مُطْلَقًا) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الرِّبَا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ يُقَابِلُ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ بِالْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ صَرْفٌ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ دُيُونٌ فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ لَا يَجُوزُ) ; لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ (وَإِنْ شَرَطُوا بَرَاءَةَ الْغُرَمَاءِ جَازَ) ; لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لَا يُصَالِحُونَ وَلَا يُقَسِّمُونَ حَتَّى يَقْضُوا دَيْنَهُ لِتَقَدُّمِ حَاجَتِهِ، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] وَإِنْ قَسَّمُوهَا، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِلتَّرِكَةِ بَطَلَتْ ; لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُمْ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ جَازَ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الشَّرِكَةِ]
ِ الشِّرْكُ: النَّصِيبُ، قَالَ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ» أَيْ نَصِيبًا. قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ:
وَشَارَكْنَا قُرَيْشًا فِي تُقَاهَا ... وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ
أَيْ أَخَذْنَا نَصِيبًا مِنَ التُّقَى وَالْحَسَبِ مِثْلَ نَصِيبِ قُرَيْشٍ مِنْهُمَا، كَشَرِكَةِ الْعِنَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ نَصِيبٌ مِنَ الْمَالِ وَالْكَسْبِ، وَسُمِّيَ الشَّرِيكَانِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شِرْكًا فِي الْمَالِ: أَيْ نَصِيبًا.
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ: الْخُلْطَةُ وَثُبُوتُ الْحِصَّةِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِالنُّصُوصِ، قَالَ ﵊: «يَدُ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبُهُ رَفَعَهَا عَنْهُمَا» وَقَالَ ﵊: «الشَّرِيكَانِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا مَا لَمْ يَخُونَا، فَإِذَا خَانَا مُحِيَتِ الْبَرَكَةُ بَيْنَهُمَا» وَكَانَ قَيْسُ بْنُ السَّائِبِ شَرِيكَ رَسُولِ اللَّهِ فِي تِجَارَةِ الْبَزِّ وَالْأَدَمِ. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أُسَامَةَ بْنَ شَرِيكٍ، وَقَالَ ﵊ فِي صِفَتِهِ: «كَانَ شَرِيكِي وَكَانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُشَارِي وَلَا يُمَارِي وَلَا يُدَارِي» أَيْ لَا يُلِحُّ وَلَا يُجَادِلُ وَيُدَافِعُ عَنِ الْحَقِّ، وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَهَا
стр. 355
الشَّرِكَةُ نَوْعَانِ: شَرِكَةُ مِلْكٍ، وَشَرِكَةُ عَقْدٍ، فَشَرِكَةُ الْمِلْكِ نَوْعَانِ: جَبْرِيَّةٌ، وَاخْتِيَارِيَّةٌ، وَشَرِكَةُ الْعُقُودِ نَوْعَانِ: شَرِكَةٌ فِي الْمَالِ، وَشَرِكَةٌ فِي الْأَعْمَالِ، فَالشَّرِكَةُ فِي الْأَمْوَالِ أَنْوَاعٌ: مُفَاوَضَةٌ، وَعِنَانٌ، وَوُجُوهٌ، وَشَرِكَةٌ فِي الْعُرُوضِ، وَالشَّرِكَةُ فِي الْأَعْمَالِ نَوْعَانِ: جَائِزَةٌ وَهِيَ شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ، وَفَاسِدَةٌ وَهِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْمُبَاحَاتِ، أَمَّا الْمُفَاوَضَةُ فَهُوَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي التَّصَرُّفِ وَالدَّيْنِ (س) وَالْمَالِ الَذِي تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ وَتَعَامَلُوا بِهَا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
قَالَ: (الشَّرِكَةُ نَوْعَانِ: شَرِكَةُ مِلْكٍ، وَشَرِكَةُ عَقْدٍ. فَشَرِكَةُ الْمِلْكِ نَوْعَانِ: جَبْرِيَّةٌ، وَاخْتِيَارِيَّةٌ. وَشَرِكَةُ الْعُقُودِ نَوْعَانِ: شَرِكَةٌ فِي الْمَالِ، وَشَرِكَةٌ فِي الْأَعْمَالِ. فَالشَّرِكَةُ فِي الْأَمْوَالِ أَنْوَاعٌ: مُفَاوَضَةٌ، وَعِنَانٌ، وَوُجُوهٌ، وَشَرِكَةٌ فِي الْعُرُوضِ. وَالشَّرِكَةُ فِي الْأَعْمَالِ نَوْعَانِ: جَائِزَةٌ وَهِيَ شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ، وَفَاسِدَةٌ وَهِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْمُبَاحَاتِ) وَسَيَأْتِيكَ بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
أَمَّا شَرِكَةُ الْأَمْلَاكِ، أَمَّا الْجَبْرِيَّةُ بِأَنْ يَخْتَلِطَ مَالَانِ لِرَجُلَيْنِ اخْتِلَاطًا لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَرِثَانِ مَالًا.
وَالِاخْتِيَارِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَا عَيْنًا أَوْ يَتَّهِبَا أَوْ يُوصَى لَهُمَا فَيَقْبَلَانِ أَوْ يَسْتَوْلِيَا عَلَى مَالٍ أَوْ يَخْلِطَا مَالَهُمَا، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ لِعَدَمِ إِذْنِهِ لَهُ فِيهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ نَصِيبِهِ مِنْ شَرِيكِهِ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِ فَمَا ثَبَتَتِ الشَّرِكَةُ فِيهِ بِالْخَلْطِ أَوِ الِاخْتِلَاطِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّ الْخَلْطَ اسْتِهْلَاكُ مَعْنًى فَأَوْرَثَ شُبْهَةَ زَوَالِ مِلْكِ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ.
وَفِيمَا يَثْبُتُ بِالْمِيرَاثِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ ; لِأَنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ فِي نَصِيبِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَأَمَّا شَرِكَةُ الْعُقُودِ فَرُكْنُهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: شَارَكْتُكَ فِي كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ الْآخَرُ: قَبِلْتُ.
وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَابِلًا لِلْوَكَالَةِ حَتَّى لَا يَجُوزَ عَلَى الِاحْتِطَابِ وَأَشْبَاهِهِ لِيَكُونَ الْحَاصِلُ بِالتَّصَرُّفِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا إِذْ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ عَقْدِ الشَّرِكَةِ.
(أَمَّا الْمُفَاوَضَةُ فَهُوَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي التَّصَرُّفِ وَالدَّيْنِ وَالْمَالِ الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ) ; لِأَنَّهَا فِي اللُّغَةِ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ، يُقَالُ: فَاوَضَ يُفَاوِضُ: أَيْ سَاوَى يُسَاوِي، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
أَمَّا الْمَالُ ; فَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الشَّرِكَةِ وَمِنْهُ يَكُونُ الرِّبْحُ. وَأَمَّا التَّصَرُّفُ ; فَلِأَنَّهُ مَتَى تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا تَصَرُّفًا لَا يَقْدِرُ الْآخَرُ عَلَيْهِ فَاتَتِ الْمُسَاوَاةُ، وَكَذَا فِي الدَّيْنِ ; لِأَنَّ الذِّمِّيَّ يَمْلِكُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَشِرَائِهِمَا مَا لَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ فَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا، فَلِهَذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ بَيْنَهُمَا مُفَاوَضَةٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: تَنْعَقِدُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ الذِّمِّيُّ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ بِالتَّوْكِيلِ فَتَحَقَّقَتِ الْمُسَاوَاةُ، قُلْنَا: الذِّمِّيُّ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ
стр. 356
وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْبَالِغَيْنِ الْعَاقِلَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ أَوِ الذِّمِّيَّيْنِ، وَلَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ، أَوْ تَبْيِينِ جَمِيعِ مُقْتَضَاهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ الْمَالِ وَلَا خَلْطُهُمَا، وَتَنْعَقِدُ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ، فَمَا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ إِلَّا طَعَامَ أَهْلِهِ وَإِدَامَهُمْ وَكِسْوَتَهُمْ وَكِسْوَتَهُ، وَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بِالثَّمَنِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَبِنَائِبِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُسْلِمُ فَانْتَفَتِ الْمُسَاوَاةُ، فَإِذَا عَقَدَا الْمُفَاوَضَةَ صَارَتْ عِنَانًا عِنْدَهُمَا لِفَوَاتِ شَرْطِ الْمُفَاوَضَةِ وَوُجُودِ شَرْطِ الْعِنَانِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فَاتَ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الْمُفَاوَضَةِ يُجْعَلُ عِنَانًا إِذَا أَمْكَنَ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِمَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
قَالَ: (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْبَالِغَيْنِ الْعَاقِلَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ أَوِ الذِّمِّيَّيْنِ) وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا لِتَسَاوِيهِمَا فِي التَّصَرُّفِ وَلَا تَصِحُّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ ; وَلَا بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْحُرَّ وَالْبَالِغَ يَمْلِكَانِ الْكَفَالَةَ وَالتَّبَرُّعَاتِ، وَلَا كَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ، أَوْ يَمْلِكَانِهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَالْمَوْلَى، وَلَا تَصِحُّ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ وَلَا بَيْنَ الصَّبِيَّيْنِ وَلَا بَيْنَ الْمُكَاتَبَيْنِ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ وَأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْكَفَالَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا قَوْلُهُ ﷺ : «فَاوِضُوا فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» ; وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ وَالشَّرِكَةِ فِي الرِّبْحِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا جَائِزٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ.
قَالَ: (وَلَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ) ; لِأَنَّ الْعَوَامَّ قَلَّمَا يَعْلَمُونَ شَرَائِطَهَا، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَتَضَمَّنُ شَرَائِطَهَا وَمَعْنَاهَا (أَوْ تَبْيِينُ جَمِيعِ مُقْتَضَاهَا) ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعَانِي.
قَالَ: (وَلَا يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ الْمَالِ) ; لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعُقُودِ. قَالَ: (وَلَا خَلْطُهُمَا) ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخَلْطُ فِي الْمُشْتَرَى، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَرِي بِمَا فِي يَدِهِ بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّسْلِيمِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الشِّرَاءِ، وَيُشْتَرَطُ حُضُورَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ عِنْدَ الْمُشْتَرَى ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَتِمُّ بِالشِّرَاءِ لِأَنَّ الرِّبْحَ بِهِ يَحْصُلُ. قَالَ: (وَتَنْعَقِدُ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ) ; لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ بِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطَالَبًا بِمَا طُولِبَ بِهِ صَاحِبُهُ بِالتِّجَارَةِ وَهُوَ الْكَفَالَةُ، وَأَنْ يَكُونَ الْحَاصِلُ فِي التِّجَارَةِ بِفِعْلِ أَيِّهِمَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَهِيَ الْوَكَالَةُ، فَكَانَ مَعْنَى الْمُفَاوَضَةِ وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ يَقْتَضِي الْكَفَالَةَ وَالْوَكَالَةَ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَّضَ إِلَى الْآخَرِ أَمْرَ الشَّرِكَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَرَضِيَ بِفِعْلِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْوَكَالَةَ وَالْكَفَالَةَ أَيْضًا.
قَالَ: (فَمَا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ) عَمَلًا بِعَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ (إِلَّا طَعَامَ أَهْلِهِ وَإِدَامَهُمْ وَكِسْوَتَهُمْ وَكِسْوَتَهُ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الشَّرِكَةِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، إِلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ، فَإِنَّ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ مِنَ اللَّوَازِمِ، وَلَا يُمْكِنُ إِيجَادُهَا مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَيَجِبُ فِي مَالِهِ ضَرُورَةً.
قَالَ: (وَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بِالثَّمَنِ) بِمُقْتَضَى الْكَفَالَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِنِصْفِ
стр. 357
وَإِنْ تَكَفَّلَ بِمَالٍ عَنْ أَجْنَبِيٍّ لَزِمَ صَاحِبَهُ (سم) ، فَإِنْ مَلَكَ أَحَدُهُمَا مَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ صَارَتْ عِنَانًا، وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ فِيهِ الْمُفَاوَضَةُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعِنَانِ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْمُفَاوَضَةُ وَالْعِنَانُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَتِبْرَيْهِمَا إِنْ جَرَى التَّعَامُلُ بِهِ، وَبِالْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَا أَدَّى لِأَنَّهُ كَفِيلٌ أَدَّى عَنْهُ بِأَمْرِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ تَكَفَّلَ بِمَالٍ عَنْ أَجْنَبِيٍّ لَزِمَ صَاحِبَهُ) وَقَالَا: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ حَتَّى لَا يَصِحَّ مِنَ الصَّبِيِّ وَالْمَأْذُونِ وَصَارَ كَالْإِقْرَاضِ، وَلَهُ أَنَّهُ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً لِمَا ذُكِرَ مُعَاوَضَةً انْتِهَاءً لِأَنَّهُ يَجِبُ لَهُ الضَّمَانُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ حَتَّى لَوْ كَفَلَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى الْمُعَاوَضَةِ يَلْزَمُ شَرِيكَهُ، وَالْإِقْرَاضُ مَمْنُوعٌ أَوْ يَقُولُ هُوَ إِعَارَةٌ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّأْجِيلُ، وَلِلْمَرْدُودِ فِي الْإِعَارَةِ حُكْمُ الْعَيْنِ لَا حُكْمُ الْبَدَلِ، فَلَمْ تُوجَدِ الْمُعَاوَضَةُ وَضَمَانُ الْغَصْبِ وَالِاسْتِهْلَاكُ كَالْكَفَالَةِ ; لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَكَذَا مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنَ الدُّيُونِ بِسَبَبٍ تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ، وَمَا لَزِمَ بِسَبَبٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ لَا يَلْزَمُ كَالنِّكَاحِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ مَلَكَ أَحَدُهُمَا مَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ صَارَتْ عِنَانًا) لِزَوَالِ الْمُسَاوَاةِ، وَذَلِكَ مِثْلَ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَالِاتِّهَابِ، وَالْمُسَاوَاةُ فِي الْعِنَانِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَتَصِيرُ عِنَانًا لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا (وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ فِيهِ الْمُفَاوَضَةُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعِنَانِ) فَتَصِيرُ عِنَانًا وَإِنْ مَلَكَ شَيْئًا لَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ كَالْعَقَارِ وَالْعُرُوضِ، فَالْمُفَاوَضَةُ بِحَالِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُهَا فِي الِابْتِدَاءِ فَكَذَا حَالَةُ الْبَقَاءِ.
قَالَ: (وَلَا تَنْعَقِدُ الْمُفَاوَضَةُ وَالْعِنَانُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَتِبْرَيْهِمَا إِنْ جَرَى التَّعَامُلُ بِهِ وَبِالْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ) ، أَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فَلِأَنَّهُمَا ثَمَنُ الْأَشْيَاءِ خِلْقَةً وَوَضْعًا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا التِّبْرُ فَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ خُلِقَا ثَمَنَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالتَّعَامُلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّهُمَا وَإِنْ خُلِقَا لِلثَّمَنِيَّةِ لَكِنْ بِوَصْفِ الضَّرْبِ حَتَّى لَا يَنْصَرِفَ الِاسْمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِلَى التِّبْرِ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى الْمَضْرُوبِ، إِلَّا أَنَّا أَجْرَيْنَا التَّعَامُلَ مَجْرَى الضَّرْبِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ فَأَلْحَقْنَاهُ بِهِمَا عِنْدَ التَّعَامُلِ.
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ وَلِلْآخَرِ دَنَانِيرُ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا سُودٌ وَلِلْآخَرِ بِيضٌ جَازَتِ الْمُفَاوَضَةُ إِنِ اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا ; لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةِ، وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْقِيمَةِ لَا تَصِحُّ مُفَاوَضَةً وَتَصِيرُ عِنَانًا لِمَا تَقَدَّمَ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقِيمَةِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تُنْبِئُ عَنِ الْخُلْطَةِ، وَلَا اخْتِلَاطَ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةِ نَظَرًا إِلَى الْمَقْصُودِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَأَمَّا الْفُلُوسُ فَلِأَنَّهَا إِذَا رَاجَتِ الْتَحَقَتْ بِالْأَثْمَانِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ ثَمَنِيَّتَهَا تَتَعَيَّنُ بِالِاصْطِلَاحِ وَمُحَمَّدٌ
стр. 358
وَلَا تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ (ف) إِلَّا أَنْ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ عُرُوضِهِ بِنِصْفِ عُرُوضِ الْآخَرِ إِذَا كَانَتْ قِيمَتَاهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، ثُمَّ يَعْقِدَانِ الشَّرِكَةَ، وَشَرِكَةُ الْعِنَانِ تَصِحُّ مَعَ التَّفَاضُلِ فِي الْمَالِ، وَتَصِحُّ مَعَ التَّفَاضُلِ فِي الْمَالِ وَالتَّسَاوِي فِي الرِّبْحِ إِذَا عَمِلَا أَوْ شَرَطَا زِيَادَةَ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ فِي ثَمَنِيَّتِهَا حَتَّى لَا تَتَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ حَالَةَ النِّفَاقِ وَالرَّوَاجِ.
قَالَ: (وَلَا تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ) ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيْعِهَا، فَإِذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا عُرُوضَهُ بِأَلْفٍ وَبَاعَ الْآخَرُ عُرُوضَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَمُقْتَضَى الْعَقْدِ الشَّرِكَةُ فِي الْكَيْلِ، فَمَا يَأْخُذُهُ صَاحِبُ الْأَلْفِ زِيَادَةً عَلَى الْأَلْفِ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ» .
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ عُرُوضِهِ بِنِصْفِ عُرُوضِ الْآخَرِ إِذَا كَانَتْ قِيمَتَاهُمَا عَلَى السَّوَاءِ) فَتَنْعَقِدُ شَرِكَةُ أَمْلَاكٍ (ثُمَّ يَعْقِدَانِ الشَّرِكَةَ) عَلَى قِيمَتِهَا وَهَذِهِ شَرِكَةُ الْعُرُوضِ.
وَإِنِ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُرُوضَهُ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمَا لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ الْمُتَفَاوِتِ إِذَا خَلَطَا وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ، وَمَا رَبِحَا لَهُمَا وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِمَا. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: هِيَ شَرِكَةُ أَمْلَاكٍ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَثْمَانٍ فَلَا يَصِحُّ التَّفَاضُلُ فِي الرِّبْحِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: تَصِحُّ شَرِكَةُ عَقْدٍ بِالْخَلْطِ ; لِأَنَّهَا تَصْلُحُ ثَمَنًا لِوُجُوبِهَا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، إِلَّا أَنَّ قَبْلَ الْخَلْطِ لَا تَتَحَقَّقُ الْوَكَالَةُ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ بِحِنْطَتِكَ شَيْئًا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْغَيْرِ بِبَيْعِ مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ، وَبَعْدَ الْخَلْطِ تَتَحَقَّقُ الْوَكَالَةُ فَصَحَّتِ الشَّرِكَةُ.
قَالَ: (وَشَرِكَةُ الْعِنَانِ تَصِحُّ مَعَ التَّفَاضُلِ فِي الْمَالِ) إِلَّا أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي عُمُومِ التِّجَارَاتِ وَفِي خُصُوصِهَا وَبِبَعْضِ مَالِهِ ; لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنِ الْحَبْسِ، يُقَالُ: عَنَّ الرَّجُلُ إِذَا حُبِسَ، وَالْعِنِّينُ مَحْبُوسٌ عَنِ النِّسَاءِ، وَالْعِنَانِ يَحْبِسُ الدَّابَّةَ عَنْ بَعْضِ الْإِطْلَاقِ، فَكَأَنَّ شَرِيكَ الْعِنَانِ حَبَسَ بَعْضَ مَالِهِ عَنِ الشَّرِكَةِ، أَوْ حَبَسَ شَرِيكَهُ عَنْ بَعْضِ التِّجَارَاتِ فِي مَالِهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ رَأْسِ الْمَالَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ يَوْمَ الشَّرِكَةِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ زِيَادَةَ الرِّبْحِ بِالشَّرْطِ يَوْمَ الشَّرِكَةِ، وَيَعْتَبِرُ قِيمَتَهُمَا يَوْمَ الشِّرَاءِ لِيَعْرِفَ مِقْدَارَ مِلْكِهِمَا فِي الْمُشْتَرَى ; لِأَنَّ حَقَّهُمَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرَى بِالشِّرَاءِ، وَيَعْتَبِرُ قِيمَتَهُمَا يَوْمَ الْقِسْمَةِ أَيْضًا ; لِأَنَّ عِنْدَ الْقِسْمَةِ يَظْهَرُ الرِّبْحُ.
قَالَ: (وَتَصِحُّ مَعَ التَّفَاضُلِ فِي الْمَالِ وَالتَّسَاوِي فِي الرِّبْحِ إِذَا عَمِلَا أَوْ شَرَطَا زِيَادَةَ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ) ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَصِحُّ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَالِ وَالتَّفَاوُتُ فِي الرِّبْحِ وَلَا عَلَى الْعَكْسِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ كَالْمُفَاوَضَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْوَضِيعَةِ هَكَذَا فَكَذَا الرِّبْحُ. وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁: الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَطَ الْمُتَعَاقِدَانِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ. وَلِأَنَّ الرِّبْحَ كَمَا يُسْتَحَقُّ بِالْمَالِ يُسْتَحَقُّ بِالْعَمَلِ
стр. 359
وَإِذَا تَسَاوَيَا فِي الْمَالِ وَشَرَطَا التَّفَاوُتَ فِي الرِّبْحِ وَالْوَضِيعَةِ فَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَتَنْعَقِدُ عَلَى الْوَكَالَةِ، وَلَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْكَفَالَةِ وَلَا تَصِحُّ فِيمَا لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِهِ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ، وَمَا جَمَعَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ لَهُ، فَإِنْ أَعَانَهُ الْآخَرُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَإِنْ هَلَكَ الْمَالَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ قَبْلَ الشِّرَاءِ بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ.
وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِمَالِهِ ثُمَّ هَلَكَ مَالُ الْآخَرِ فَالْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا، وَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا فَالْمُشْتَرَى لِصَاحِبِ الْمَالِ خَاصَّةً،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
كَالْمُضَارِبِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ أَعْرَفَ بِأُمُورِ التِّجَارَاتِ وَأَهْدَى إِلَى الْبَيَاعَاتِ فَلَا يَرْضَى بِالْمُسَاوَاةِ.
(وَإِذَا تَسَاوَيَا فِي الْمَالِ وَشَرَطَا التَّفَاوُتَ فِي الرِّبْحِ وَالْوَضِيعَةِ، فَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَا وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ) قَالَ ﷺ : «الرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَا وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلِأَنَّا جَوَّزْنَا اشْتِرَاطَ زِيَادَةِ الرِّبْحِ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ تَقْدِيرًا. أَمَّا زِيَادَةُ الْوَضِيعَةِ فَلَا وَجْهَ لَهَا، وَصَارَ كَمَا إِذَا شَرَطَا الْوَضِيعَةَ عَلَى الضَّارِبِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَذَلِكَ هُنَا.
قَالَ: (وَتَنْعَقِدُ عَلَى الْوَكَالَةِ) لِمَا مَرَّ (وَلَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْكَفَالَةِ) ; لِأَنَّهَا إِنَّمَا ثَبَتَتْ فِي الْمُفَاوَضَةِ قَضِيَّةً لِلْمُسَاوَاةِ وَلَا مُسَاوَاةَ هُنَا.
قَالَ: (وَلَا تَصِحُّ فِيمَا لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِهِ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ) ; لِأَنَّ الْوَكَالَةَ فِي ذَلِكَ بَاطِلَةٌ ; لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ ; لِأَنَّ الْآخِذَ يَمْلِكُهُ بِدُونِ التَّوْكِيلِ فَيَكُونُ فَاعِلًا لِنَفْسِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ اجْتِنَاءُ الثِّمَارِ مِنَ الْجِبَالِ وَالِاصْطِيَادُ وَحَفْرُ الْمَعَادِنِ وَأَخْذُ الْمِلْحِ وَالْجِصِّ وَالْكُحْلِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُبَاحَاتِ (وَمَا جَمَعَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ لَهُ) دُونَ صَاحِبِهِ ; لِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَعَانَهُ الْآخَرُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) بَالِغًا مَا بَلَغَ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ مَتَى فَسَدَتْ صَارَتْ إِجَارَةً فَاسِدَةً، وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ فِي ذَلِكَ بِنِصْفِ الْمَجْمُوعِ كَانَ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ كَذَلِكَ هُنَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ الثَّمَنِ تَحْقِيقًا لِلْفَائِدَةِ، وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ.
قَالَ: (وَإِنْ هَلَكَ الْمَالَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ قَبْلَ الشِّرَاءِ بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ) أَمَّا إِذَا هَلَكَا فَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَالُ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَقَدْ هَلَكَ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ كَالْبَيْعِ، وَأَمَّا إِذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا فَلِأَنَّ الْآخَرَ مَا رَضِيَ بِشَرِكَةٍ فِي مَالِهِ إِلَّا لِيُشْرِكَهُ فِي مَالِهِ أَيْضًا، وَقَدْ فَاتَتِ الشَّرِكَةُ فِي الْهَالِكِ فَيَفُوتُ الرِّضَى فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ.
قَالَ: (وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِمَالِهِ ثُمَّ هَلَكَ مَالُ الْآخَرِ فَالْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا) ; لِانْعِقَادِ الشَّرِكَةِ وَقْتَ الشِّرَاءِ (وَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ) ; لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ بِالْوَكَالَةِ وَنَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ.
(وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا فَالْمُشْتَرَى لِصَاحِبِ الْمَالِ خَاصَّةً) ; لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بَطَلَتْ بِهَلَاكِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ
стр. 360
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَا لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً مِنَ الرِّبْحِ، وَلِشَرِيكِ الْعِنَانِ وَالْمُفَاوِضِ أَنْ يُوَكِّلَ وَيُبْضِعَ وَيُضَارِبَ وَيُودِعَ وَيَسْتَأْجِرَ عَلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ أَمِينٌ فِي الْمَالِ، وَشَرِكَةُ الصَّنَائِعِ: أَنْ يَشْتَرِكَ صَانِعَانِ اتَّفَقَا فِي الصَّنْعَةِ أَوِ اخْتَلَفَا عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَا الْأَعْمَالَ وَيَكُونُ الْكَسْبُ بَيْنَهُمَا فَيَجُوزُ، وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُمَا، فَيُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَمَلِ وَيُطَالَبُ بِالْأَجْرِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَا نَصَّا عَلَى الْوَكَالَةِ فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ كَانَ الْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا وَتَكُونُ شَرِكَةَ أَمْلَاكٍ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَطَلَتْ لِمَا بَيَّنَّا، وَالْمُشْتَرَى بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ الْمُصَرَّحِ بِهَا لَا بِحُكْمِ الشَّرِكَةِ الْمَعْقُودَةِ فَكَانَتْ شَرِكَةَ أَمْلَاكٍ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ لِمَا مَرَّ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَا لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً مِنَ الرِّبْحِ) ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَرْبَحُ مَا سَمَّيَا أَوْ يَرْبَحُ ذَلِكَ لَا غَيْرُ فَتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ فَكَانَ شَرْطًا مُبْطِلًا لِلشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ.
قَالَ: (وَلِشَرِيكِ الْعِنَانِ وَالْمُفَاوِضِ أَنْ يُوَكِّلَ وَيُبْضِعَ وَيُضَارِبَ وَيُودِعَ وَيَسْتَأْجِرَ عَلَى الْعَمَلِ) ; لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ التُّجَّارِ (وَهُوَ أَمِينٌ فِي الْمَالِ) ; لِأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنَ الْمَالِكِ بِإِذْنِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ، فَلَوْ شَارَكَ الْمُفَاوِضُ عِنَانًا جَازَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ دُونَ الْمُفَاوَضَةِ، وَلَوْ فَاوَضَهُ جَازَ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ يَنْعَقِدُ عِنَانًا ; لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ، فَإِذَا أَجَازَ الْمُفَاوَضَةَ كَانَتْ شَرِكَةً مُبْتَدَأَةً، وَإِلَّا فَهِيَ عِنَانٌ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا دُونَهُ فَيَجُوزُ كَالْمُضَارِبِ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَارِبَ.
قَالَ: (وَشَرِكَةُ الصَّنَائِعِ) وَتُسَمَّى شَرِكَةَ التَّقَبُّلِ، وَهِيَ (أَنْ يَشْتَرِكَ صَانِعَانِ اتَّفَقَا فِي الصَّنْعَةِ أَوِ اخْتَلَفَا عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَا الْأَعْمَالَ وَيَكُونُ الْكَسْبُ بَيْنَهُمَا فَيَجُوزُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِ الْعَمَلِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تُنْبِئُ عَنِ الْخُلْطَةِ وَلَا اخْتِلَاطَ مَعَ الِاخْتِلَافِ. وَلَنَا أَنَّهَا شَرِكَةٌ فِي ضَمَانِ الْعَمَلِ وَفِيمَا يُسْتَفَادُ بِهِ وَهُوَ الْأَجْرُ لَا فِي نَفْسِ الْعَمَلِ، وَالْوَكَالَةُ فِيهِ مُمْكِنَةٌ ; لِأَنَّ مَا يَتَقَبَّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْعَمَلِ فَهُوَ أَصِيلٌ فِي نِصْفِهِ وَكِيلٌ فِي نِصْفِهِ، وَبِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ، وَلَوِ اسْتَوَيَا فِي الْعَمَلِ وَتَفَاضَلَا فِي الْمَالِ جَازَ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْأُجْرَةَ بَدَلُ عَمَلِهِمَا، وَأَنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا أَجْوَدَ عَمَلًا وَأَحْسَنَ صِنَاعَةً فَيَجُوزُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ; لِأَنَّ الضَّمَانَ بِقَدْرِ الْعَمَلِ فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ زِيَادَةُ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ. قُلْنَا: الْمَأْخُوذُ هُنَا لَيْسَ بِرِبْحٍ ; لِأَنَّ الرِّبْحَ يَقْتَضِي الْمُجَانَسَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا مُجَانَسَةَ ; لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُوَ الْعَمَلُ وَالرِّبْحُ مَالٌ، فَكَانَ بَدَلَ الْعَمَلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُمَا فَيُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَمَلِ وَيُطَالَبُ بِالْأَجْرِ) اسْتِحْسَانًا. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْمُفَاوَضَةِ، وَالشَّرِكَةُ هُنَا مُطْلَقَةٌ ; وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الضَّمَانَ حَتَّى كَانَ
стр. 361
وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ جَائِزَةٌ، وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِوُجُوهِهِمَا وَيَبِيعَا، وَتَنْعَقِدُ عَلَى الْوَكَالَةِ، وَإِنْ شَرَطَا أَنَّ الْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا فَالرِّبْحُ كَذَلِكَ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ، وَإِنِ اشْتَرَكَا وَلِأَحَدِهِمَا بَغْلٌ وَلِلْآخَرِ رَاوِيَةٌ يَسْتَقِي الْمَاءَ لَا يَصِحُّ، وَالْكَسْبُ لِلْعَامِلِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ بَغْلِ الْآخَرِ أَوْ رَاوِيَتِهِ، وَالرِّبْحُ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ وَيَبْطُلُ شَرْطُ الزِّيَادَةِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِ الْآخَرِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فَأَدَّيَا مَعًا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، وَإِنْ أَدَّيَا مُتَعَاقِبًا ضَمِنَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ عَلِمَ بِأَدَائِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونًا عَلَى الْآخَرِ، وَيَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِمَا تَقَبَّلَهُ شَرِيكُهُ فَكَانَ كَالْمُفَاوَضَةِ فِي ضَمَانِ الْأَعْمَالِ وَالْمُطَالَبَةِ بِالْأَبْدَالِ.
قَالَ: (وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ جَائِزَةٌ) وَتُسَمَّى شَرِكَةَ الْمَفَالِيسِ (وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِوُجُوهِهِمَا وَيَبِيعَا) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الشِّرَاءَ بِالنَّسِيئَةِ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ لَهُ وَجَاهَةٌ عِنْدَ النَّاسِ، وَالتَّعَامُلُ بِذَلِكَ جَائِزٌ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
قَالَ: (وَتَنْعَقِدُ عَلَى الْوَكَالَةِ) ; لِأَنَّ التَّصَرُّفَ عَلَى الْغَيْرِ إِنَّمَا يَجُوزُ بِوَكَالَتِهِ إِذْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَوْ شَرَطَ الْكَفَالَةَ أَيْضًا جَازَ وَتَكُونُ مُفَاوَضَةً لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، لَكِنْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُصْرَفُ إِلَى الْعِنَانِ لِأَنَّهُ أَدْنَى.
قَالَ: (وَإِنْ شَرَطَا أَنَّ الْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا فَالرِّبْحُ كَذَلِكَ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ) ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرِّبْحِ بِالضَّمَانِ، وَالضَّمَانُ يَتْبَعُ الْمِلْكَ فِي الْمُشْتَرَى فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.
قَالَ: (وَإِنِ اشْتَرَكَا وَلِأَحَدِهِمَا بَغْلٌ وَلِلْآخَرِ رَاوِيَةٌ يَسْتَقِي الْمَاءَ لَا يَصِحُّ، وَالْكَسْبُ لِلْعَامِلِ) ; لِأَنَّ الْمَاءَ مُبَاحٌ وَأَخْذُهُ لَا يُسْتَفَادُ بِالْوَكَالَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ بَغْلِ الْآخَرِ أَوْ رَاوِيَتِهِ) ; لِأَنَّهُ قَدِ انْتَفَعَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ.
قَالَ: (وَالرِّبْحُ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ وَيَبْطُلُ شَرْطُ الزِّيَادَةِ) ; لِأَنَّ الرِّبْحَ تَبَعٌ لِرَأْسِ الْمَالِ فَيَتْبَعُهُ فِي الْمِلْكِيَّةِ، وَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالشَّرْطِ وَقَدْ بَطَلَ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ) لِتَضَمُّنِهَا الْوَكَالَةَ، وَهِيَ تَبْطُلُ بِذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِ الْآخَرِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الشَّرِكَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ (فَإِنْ أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فَأَدَّيَا مَعًا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، وَإِنْ أَدَّيَا مُتَعَاقِبًا ضَمِنَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ عَلِمَ بِأَدَائِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعَنْهُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَا يَضْمَنْ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إِلَى الْفَقِيرِ وَقَدْ فَعَلَ. وَلَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ زَكَاةً، وَالْمَدْفُوعُ لَمْ يَقَعْ زَكَاةً فَكَانَ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَدَاءٍ يُخْرِجُهُ عَنِ الْعُهْدَةِ وَلَمْ يُوجَدْ فَكَانَ مُخَالِفًا فَيَضْمَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 362
كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ الْمُضَارِبُ شَرِيكُ رَبِّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ، وَرَأْسُ مَالِهِ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا سُلِّمَ رَأْسُ الْمَالِ إِلَيْهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ وَكِيلٌ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ]
ِ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الضَّرْبِ، وَهُوَ السَّيْرُ فِي الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] الْآيَةَ، وَسُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ مُضَارَبَةً ; لِأَنَّ فَائِدَتَهُ وَهُوَ الرِّبْحُ لَا تَحْصُلُ غَالِبًا إِلَّا بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ بِلُغَةِ الْحِجَازِ مُقَارَضَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْمُضَارَبَةَ لِمُوَافَقَتِهِ نَصَّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] أَيْ يُسَافِرُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِالْآيَةِ وَبِالسُّنَّةِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ يَدْفَعُ مَالَهُ مُضَارَبَةً، وَيَشْتَرِطُ عَلَى مُضَارِبِهِ أَنْ لَا يَسْلُكَ بِهِ بَحْرًا وَأَنْ لَا يَنْزِلَ وَادِيًا وَلَا يَشْتَرِيَ بِهِ ذَاتَ كَبِدٍ رَطْبَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَحْسَنَهُ وَأَجَازَهُ» ، وَبُعِثَ ﵊ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَهُ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ. وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ دَفَعَ مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَلِأَنَّ لِلنَّاسِ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ مِنْهُمُ الْغَنِيَّ الْغَبِيَّ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ، وَالْفَقِيرَ الذَّكِيَّ الْعَارِفَ بِأَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ، فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى شَرْعِيَّتِهِ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَتِهَا.
وَتَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ دَفَعْتُ هَذَا الْمَالَ إِلَيْكَ مُضَارَبَةً أَوْ مُقَارَضَةً أَوْ مُعَامَلَةً، أَوْ خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ فِيهِ عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَ الرِّبْحِ أَوْ ثُلُثَهُ، أَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ وَاعْمَلْ بِهَا بِالنِّصْفِ أَوْ بِالثُّلُثِ اسْتِحْسَانًا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ صَارَ مَذْكُورًا بِذِكْرِ الْعَمَلِ، وَالنِّصْفُ مَتَى ذُكِرَ عَقِيبَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يُرَادُ بِهِ النِّصْفُ مِنَ الرِّبْحِ عُرْفًا وَأَنَّهُ كَالْمَشْرُوطِ، وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ بِالنِّصْفِ كَانَ مُضَارَبَةً اسْتِحْسَانًا عَمَلًا بِالْعُرْفِ.
وَشَرَائِطُهَا خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالنَّقْدَيْنِ. الثَّانِي: إِعْلَامُ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ الْعَقْدِ، إِمَّا بِالْإِشَارَةِ أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ، وَيَكُونُ مُسَلَّمًا إِلَى الْمَضَارِبِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ شَائِعًا بَيْنَهُمَا. الرَّابِعُ: إِعْلَامُ قَدْرِ الرِّبْحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ لِلْمُضَارِبِ مِنَ الرِّبْحِ، حَتَّى لَوْ شَرَطَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْهُمَا فَسَدَتْ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (الْمُضَارِبُ شَرِيكُ رَبِّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ، وَرَأْسُ مَالِهِ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ) ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكُهُ فِي الرِّبْحِ لَا يَكُونُ مُضَارَبَةً عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: (فَإِذَا سَلَّمَ رَأْسَ الْمَالِ إِلَيْهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ) ; لِأَنَّهُ قَبْضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ (فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ وَكِيلٌ) ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ
стр. 363
فَإِذَا رَبِحَ صَارَ شَرِيكًا، فَإِنْ شُرِطَ الرِّبْحُ لِلْمُضَارِبِ فَهُوَ قَرْضٌ (ف) ، وَإِنْ شُرِطَ لِرَأْسِ الْمَالِ فَهُوَ بِضَاعَةٌ، وَإِذَا فَسَدَتِ الْمُضَارَبَةُ فَهِيَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، وَإِذَا خَالَفَ صَارَ غَاصِبًا، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مَشَاعًا، فَإِنْ شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مُسَمَّاةٌ فَسَدَتْ، وَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلِلْمُضَارِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَاشْتِرَاطُ الْوَضِيعَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ بَاطِلٌ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مُسَلَّمًا إِلَى الْمُضَارِبِ، وَلِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ وَيُوَكِّلَ وَيُسَافِرَ وَيُبْضِعَ، وَلَا يُضَارِبُ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ بِقَوْلِهِ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِيهِ بِأَمْرِهِ (فَإِذَا رَبِحَ صَارَ شَرِيكًا) ; لِأَنَّهُ مَلَكَ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ.
(فَإِنْ شُرِطَ الرِّبْحُ لِلْمُضَارِبِ فَهُوَ قَرْضٌ) ; لِأَنَّ كُلَّ رِبْحٍ لَا يُمْلَكُ إِلَّا بِمِلْكِ رَأْسِ الْمَالِ، فَلَمَّا شَرَطَ لَهُ جَمِيعَ الرِّبْحِ فَقَدْ مَلَّكَهُ رَأْسَ الْمَالِ، ثُمَّ قَوْلُهُ مُضَارَبَةً شَرْطٌ لِرَدِّهِ فَيَكُونُ قَرْضًا (وَإِنْ شُرِطَ لِرَبِّ الْمَالِ فَهُوَ بِضَاعَةٌ) هَذَا مَعْنَاهَا عُرْفًا وَشَرْعًا (وَإِذَا فَسَدَتِ الْمُضَارَبَةُ فَهِيَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ) ; لِأَنَّهُ عَمِلَ لَهُ بِأَجْرٍ مَجْهُولٍ فَيَسْتَحِقُّ أَجْرَ مِثْلِهِ لِمَا مَرَّ (وَإِذَا خَالَفَ صَارَ غَاصِبًا) لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَكَانَ غَاصِبًا، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِمَا تَصِحُّ بِهِ الشَّرِكَةُ.
قَالَ: (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مَشَاعًا، فَإِنْ شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مُسَمَّاةٌ فَسَدَتْ) لِمَا مَرَّ فِي الشَّرِكَةِ، وَكَذَا كُلُّ شَرْطٍ يُوجِبُ الْجَهَالَةَ فِي الرِّبْحِ يُفْسِدُهَا لِاخْتِلَالِ الْمَقْصُودِ (وَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ) ; لِأَنَّ الرِّبْحَ تَبَعٌ لِلْمَالِ لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ (وَلِلْمُضَارِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ) ; لِأَنَّهَا فَسَدَتْ وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ، وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ لِأَنَّ الْأَجِيرَ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ وَقَدْ سَلَّمَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ حَتَّى يَرْبَحَ كَالصَّحِيحَةِ، وَالْمَالُ أَمَانَةٌ كَالصَّحِيحَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ خَاصٌّ.
قَالَ: (وَاشْتِرَاطُ الْوَضِيعَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ بَاطِلٌ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ " وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ بِأَمْرِهِ فَصَارَ كَالْوَكِيلِ. قَالَ: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مُسَلَّمًا إِلَى الْمُضَارِبِ) ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ إِلَّا بِالْيَدِ، فَيَجِبُ أَنْ تَخْلُصَ يَدُهُ فِيهِ وَتَنْقَطِعَ عَنْهُ يَدُ رَبِّ الْمَالِ.
قَالَ: (وَلِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ وَيُوَكِّلَ وَيُسَافِرَ وَيُبْضِعَ) ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْمُضَارِبَ مَأْمُورٌ بِالتِّجَارَةِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْإِذْنِ كُلُّ مَا هُوَ تِجَارَةٌ أَوْ مَا لَا بُدَّ لِلتِّجَارَةِ مِنْهُ: كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْبَاقِي مِنْ أَعْمَالِ التِّجَارَةِ، وَكَذَلِكَ الْإِيدَاعُ؛ وَلِأَنَّهَا دُونَ الْمُضَارَبَةِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ.
قَالَ: (وَلَا يُضَارِبُ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ بِقَوْلِهِ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ) ; لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُوَّةِ فَاحْتَاجَ إِلَى التَّنْصِيصِ أَوْ مُطْلَقِ التَّفْوِيضِ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ
стр. 364
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى الْبَلَدَ وَالسِّلْعَةَ وَالْمُعَامِلَ الَذِي عَيَّنَهُ رَبُّ الْمَالِ، وَإِنْ وَقَّتَ لَهَا وَقْتًا بَطَلَتْ بِمُضِيِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدًا وَلَا أَمَةً مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَا يَشْتَرِيَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَهُ الْإِقْرَاضُ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ فِيمَا هُوَ مِنْ أُمُورِ التِّجَارَةِ لَا غَيْرُ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى الْبَلَدَ وَالسِّلْعَةَ وَالْمُعَامِلَ الَّذِي عَيَّنَهُ رَبُّ الْمَالِ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ ﵁. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَقَالَ: لَا تُسْلِفْ مَالَنَا فِي الْحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهَا وِكَالَةٌ، وَفِي التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ فَيَتَخَصَّصُ، وَلَوْ خَالَفَهُ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَرِبْحُهُ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا خَالَفَ صَارَ غَاصِبًا فَأَخَذَ حُكْمَ الْغَصْبِ، ثُمَّ قِيلَ: يُضَمَّنُ بِنَفْسِ الْإِخْرَاجِ مِنَ الْبَلَدِ لِوُجُودِ الْمُخَالَفَةِ، وَقِيلَ: لَا يُضَمَّنُ مَا لَمْ يَشْتَرِ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ إِلَى الْبَلَدِ قَبْلَ الشِّرَاءِ، فَإِذَا عَادَ زَالَ الضَّمَانُ وَصَارَ مُضَارَبَةً عَلَى حَالِهِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ كَالْمُودَعِ إِذَا خَالَفَ ثُمَّ عَادَ.
وَالْمُضَارَبَةُ نَوْعَانِ: عَامَّةٌ، وَخَاصَّةٌ. فَالْعَامَّةُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ إِلَيْهِ مُضَارَبَةً وَلَمْ يَقُلْ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، فَيَمْلِكُ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي التِّجَارَةِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الرَّهْنُ وَالِارْتِهَانُ وَالِاسْتِئْجَارُ وَالْحَطُّ بِالْعَيْبِ وَالِاحْتِيَالُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَكُلُّ مَا يَعْمَلُهُ التُّجَّارُ غَيْرَ التَّبَرُّعَاتِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْخَلْطِ وَالِاسْتِدَانَةِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِيهِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، فَيَجُوزُ لَهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْخَلْطِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ التُّجَّارُ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِقْرَاضُ وَالتَّبَرُّعَاتُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ.
وَالْخَاصَّةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَخُصَّهُ بِبَلَدٍ فَيَقُولَ: عَلَى أَنْ تَعْمَلَ بِالْكُوفَةِ أَوْ بِالْبَصْرَةِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَخُصَّهُ بِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ بِأَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تَبِيعَ مِنْ فُلَانٍ وَتَشْتَرِيَ مِنْهُ، فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ مَعَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ قَيْدٌ مُفِيدٌ لِجَوَازِ وُثُوقِهِ بِهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
الثَّالِثُ أَنْ يَخُصَّهُ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: عَلَى أَنْ تَعْمَلَ بِهِ مُضَارَبَةً فِي الْبَزِّ أَوْ فِي الطَّعَامِ أَوْ فِي الصَّرْفِ وَنَحْوِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَتَقَيَّدُ بِأَمْرِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَتُهُ ; لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ تَعْمَلَ بِسُوقِ الْكُوفَةِ فَعَمِلَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا جَازَ ; لِأَنَّ أَمَاكِنَ الْمِصْرِ كُلَّهَا سَوَاءٌ فِي السَّفَرِ وَالنَّقْدِ وَالْأَمْنِ، وَلَوْ قَالَ: لَا تَعْمَلْ إِلَّا فِي سُوقٍ فَعَمِلَ فِي غَيْرِهِ ضَمِنَ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ، وَلَوْ دَفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً فِي الْكُوفَةِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ أَهْلِهَا فَاشْتَرَى مِنْ غَيْرِهِمْ فِيهَا جَازَ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَكَانُ عُرْفًا، وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهُ مُضَارَبَةً فِي الصَّرْفِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ الصَّيَارِفَةِ وَيَبِيعَهُمْ فَاشْتَرَى مِنْ غَيْرِهِمْ جَازَ لِأَنَّ الْمُرَادَ النَّوْعُ عُرْفًا. قَالَ: (وَإِنْ وَقَّتَ لَهَا وَقْتًا بَطَلَتْ بِمُضِيِّهِ) ; لِأَنَّ التَّوْقِيتَ مُقَيَّدٌ وَهُوَ وَكِيلٌ فَيَتَقَيَّدُ بِمَا وَقَّتَهُ كَالتَّقْيِيدِ بِالنَّوْعِ وَالْبَلَدِ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدًا وَلَا أَمَةً مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ) وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي مَرَّ فِي الْمَأْذُونِ. قَالَ: (وَلَا يَشْتَرِي مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) ; لِأَنَّهُ يَعْتِقُ
стр. 365
فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ، وَلَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ فَاشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ صَحَّ الْبَيْعُ، فَإِنْ رَبِحَ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ نَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ، فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَقَالَ: مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ وَأَذِنَ لَهُ فِي الدَّفْعِ مُضَارَبَةً، فَدَفَعَ إِلَى آخَرَ بِالثُّلُثِ فَنِصْفُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ بِالشَّرْطِ، وَالسُّدُسُ لِلْأَوَّلِ، وَالثُّلُثُ لِلثَّانِي، وَإِنْ دَفَعَ الْأَوَّلُ إِلَى الثَّانِي بِالنِّصْفِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ دَفَعَهُ عَلَى أَنَّ لِلثَّانِي الثُّلُثَيْنِ ضَمِنَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي قَدْرَ السُّدُسِ مِنَ الرِّبْحِ، وَلَوْ قَالَ: مَا رَزَقَكَ اللَّهُ فَلِي نِصْفُهُ فَمَا شَرَطَهُ لِلثَّانِي فَهُوَ لَهُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ نِصْفَانِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَلَيْهِ فَتَبْطُلُ الْمُضَارَبَةُ، وَهُوَ إِنَّمَا وَكَّلَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لَا بِإِبْطَالِ الْعَقْدِ (فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ) مَعْنَاهُ صَارَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ فَيُضَمَّنُ الثَّمَنَ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إِذَا خَالَفَ.
قَالَ: (وَلَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَصِيبَهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ فَيُفْسِدُ الْبَاقِيَ أَوْ يَعْتِقُ فَيَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ فَيَضْمَنُ الثَّمَنَ ; لِأَنَّهُ أَدَّاهُ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ.
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ فَاشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ صَحَّ الْبَيْعُ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ (فَإِنْ رَبِحَ عَتَقَ نَصِيبُهُ) ; لِأَنَّهُ مَلَكَ قَرِيبَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِالرِّبْحِ لَا بِصُنْعِهِ (وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ نَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ) ; لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ صَارَتْ مَحْبُوسَةً عِنْدَهُ فَيَسْعَى كَالْعَبْدِ الْمَوْرُوثِ إِذَا عَتَقَ عَلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ يَسْعَى فِي نَصِيبِ الْبَاقِينَ.
قَالَ: (فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَقَالَ: مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ وَأَذِنَ لَهُ فِي الدَّفْعِ مُضَارَبَةً، فَدَفَعَ إِلَى آخَرَ بِالثُّلُثِ، فَنِصْفُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ بِالشَّرْطِ، وَالسُّدُسُ لِلْأَوَّلِ، وَالثُّلُثُ لِلثَّانِي) ; لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ لِنَفْسِهِ النِّصْفَ بَقِيَ النِّصْفُ لِلْمُضَارِبِ، فَلَمَّا شَرَطَ الثُّلُثَ لِلثَّانِي انْصَرَفَ تَصَرُّفُهُ إِلَى نَصِيبِهِ فَيَبْقَى لَهُ السُّدُسُ وَيُطَيَّبُ لَهُ كَأَجِيرِ الْخَيَّاطِ.
(وَإِنْ دَفَعَ الْأَوَّلُ إِلَى الثَّانِي بِالنِّصْفِ فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهُ جَعَلَ نِصْفَهُ لِلثَّانِي فَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ، كَمَنِ اسْتَأْجَرَهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ فَاسْتَأْجَرَ غَيْرَهُ لِيَخِيطَهُ بِدِرْهَمٍ (وَإِنْ دَفَعَهُ عَلَى أَنَّ لِلثَّانِي الثُّلُثَيْنِ ضَمِنَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي قَدْرَ السُّدُسِ مِنَ الرِّبْحِ) ; لِأَنَّهُ ضَمِنَ لِلثَّانِي ثُلْثَيِ الرِّبْحِ، وَبَعْضُهُ وَهُوَ النِّصْفُ مِلْكُهُ وَبَعْضُهُ وَهُوَ السُّدُسُ مِلْكُ رَبِّ الْمَالِ فَلَا يَنْفُذُ لِأَنَّهُ إِبْطَالُ مِلْكِ الْغَيْرِ لَكِنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً فِي عَقْدٍ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ ضَمِنَ لَهُ السَّلَامَةَ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ، وَصَارَ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ فَاسْتَأْجَرَ الْخَيَّاطُ غَيْرَهُ لِيَخِيطَهُ بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ.
(وَلَوْ قَالَ: مَا رَزَقَكَ اللَّهُ فَلِي نِصْفُهُ، فَمَا شَرَطَهُ لِلثَّانِي فَهُوَ لَهُ) عَمَلًا بِالشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ (وَالْبَاقِي بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ نِصْفَانِ)
стр. 366
وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَدَفَعَهُ إِلَى آخَرَ بِالنِّصْفِ فَدَفَعَهُ الثَّانِي إِلَى ثَالِثٍ بِالثُّلُثِ فَالنِّصْفُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلِلثَّالِثِ الثُّلُثُ، وَلِلثَّانِي السُّدُسُ وَلَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا رَزَقَهُ نِصْفَ الرِّبْحِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ; وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: مَا رَبِحْتَ أَوْ كَسَبْتَ أَوْ رُزِقْتَ أَوْ مَا كَانَ لَكَ فِيهِ مِنْ فَضْلٍ أَوْ رِبْحٍ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، فَإِنَّهُ يَنْطَلِقُ إِلَى مَا بَعْدَ مَا شَرَطَ لِلثَّانِي لِمَا بَيَّنَّا.
(وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَدَفَعَهُ إِلَى آخَرَ بِالنِّصْفِ فَدَفَعَهُ الثَّانِي إِلَى ثَالِثٍ بِالثُّلُثِ فَالنِّصْفُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلِلثَّالِثِ الثُّلُثُ، وَلِلثَّانِي السُّدُسُ وَلَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ) ; لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ النِّصْفَ لِلثَّانِي وَانْصَرَفَ إِلَى نَصِيبِهِ لِمَا بَيَّنَّا فَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ وَالْبَاقِي عَلَى مَا شَرَطَاهُ لِمَا بَيَّنَّا.
وَإِذَا لَمْ يُؤْذَنُ لِلْمُضَارِبِ فِي الدَّفْعِ مُضَارَبَةً فَدَفَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ مُضَارَبَةً ضَمِنَ عِنْدَ زُفَرَ لِوُجُودِ الْمُخَالَفَةِ، وَقَالَا: لَا يُضَمَّنُ مَا لَمْ يَعْمَلْ لِأَنَّ الدَّفْعَ لَا يَتَقَرَّرُ مُضَارَبَةً إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ مَا لَمْ يَرْبَحْ لِمَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ الدَّفْعَ قَبْلَ الْعَمَلِ أَمَانَةٌ وَبَعْدَ الْعَمَلِ مُبَاضَعَةٌ وَهُوَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، فَإِذَا رَبِحَ صَارَ شَرِيكًا فِي الْمَالِ فَيُضَمَّنُ كَمَا إِذَا خَلَطَ بِمَالٍ آخَرَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ فِعْلَهُ يُضَافُ إِلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَثْبَتَ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ، فَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ الثَّانِي فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ خَاصَّةً، وَعِنْدَهُمَا يُضَمَّنُ الثَّانِي وَهُوَ نَظِيرُ مُودِعِ الْمُودَعِ، وَالْأَشْهُرُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ هَهُنَا فَيُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ الْأَوَّلَ لِمَا بَيَّنَّا وَالثَّانِيَ لِإِبْطَالِهِ حَقَّ رَبِّ الْمَالِ فَكَانَ مُتَعَدِّيًا فِي حَقِّهِ، وَلَوْ كَانَتِ الْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةً لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الثَّانِيَ أَجِيرٌ فِيهِ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فَلَا يَكُونُ شَرِيكًا.
وَلَوْ دَفَعَ الْمَالَ إِلَى رَجُلَيْنِ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَقَالَ: اعْمَلَا بِرَأْيِكُمَا، أَوْ لَمْ يَقُلْ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ لِأَنَّ التِّجَارَةَ يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الرَّأْيِ، فَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا بِنِصْفِ الْمَالِ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ ضَمِنَ النِّصْفَ، وَإِنْ عَمِلَ بِأَمْرِ الْآخَرِ لَمْ يُضَمَّنْ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ عَنْهُ، وَمَا رَبِحَ نِصْفُهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَنِصْفُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
١ -
فَصْلٌ وَنَفَقَةُ الْمُضَارِبِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ مَا دَامَ فِي سَفَرِهِ حَتَّى يَعُودَ إِلَى مِصْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ إِذَا كَانَ لَا يَبِيتُ بِأَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ يَبِيتُ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ، وَكَذَا لَا نَفَقَةَ لَهُ مَا دَامَ فِي مِصْرِهِ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ، فَإِذَا كَانَ فِي مِصْرِهِ لَا يَكُونُ مُحْتَبِسًا فِي الْمُضَارَبَةِ، وَفِي السَّفَرِ يَكُونُ مُحْتَبِسًا فِيهَا، وَإِذَا اتَّخَذَ مِصْرًا آخَرَ دَارًا أَوْ تَزَوَّجَ بِهِ فَهُوَ كَمِصْرِهِ، وَنَفَقَتُهُ فِي الْحَاجَةِ الدَّارَّةِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِسْوَةِ وَفِرَاشِ النَّوْمِ وَدَابَّةِ الرُّكُوبِ وَعَلَفِهَا وَمَنْ يَطْبُخُ لَهُ وَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَأُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَدُهْنِ السِّرَاجِ وَالْحَطَبِ، وَتَجِبُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَنَفَقَةُ غِلْمَانِهِ وَدَوَابِّهِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مَعَهُ فِي الْمَالِ.
وَتُحْتَسَبُ النَّفَقَةُ مِنَ الرِّبْحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ
стр. 367
وَتَبْطُلُ الْمُضَارَبَةُ: بِمَوْتِ الْمُضَارِبِ، وَبِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ، وَبِرِدَّةِ رَبِّ الْمَالِ، وَلَحَاقِهِ مُرْتَدًّا، وَلَا تَبْطُلُ بِرِدَّةِ الْمُضَارِبِ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ، فَلَوْ بَاعَ وَاشْتَرَى بَعْدَ الْعَزْلِ قَبْلَ الْعِلْمِ نَفَذَ، فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَزْلِ وَالْمَالُ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ جِنْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَصِيرَ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِذَا افْتَرَقَا وَفِي الْمَالِ دُيُونٌ وَلَيْسَ فِيهِ رِبْحٌ وَكَّلَ رَبَّ الْمَالِ عَلَى اقْتِضَائِهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ أُجْبِرَ عَلَى اقْتِضَائِهَا، وَمَا هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَمِنَ الرِّبْحِ، فَإِنْ زَادَ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَوِ اسْتَدَانَ لِنَفَقَتِهِ رَجَعَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَوْ ضَارَبَ لِرَجُلَيْنِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ بِضَاعَةً فَالْجَمِيعُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّ السَّفَرَ وَاقِعٌ لَهَا، وَلَوْ كَانَتِ الْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةً لَا نَفَقَةَ لِلْمُضَارِبِ ; لِأَنَّهُ أَجِيرٌ وَنَفَقَةُ الْأَجِيرِ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ: (وَتَبْطُلُ الْمُضَارَبَةُ بِمَوْتِ الْمُضَارِبِ وَبِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ) ; لِأَنَّهَا وَكَالَةٌ وَأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ لِمَا مَرَّ. قَالَ: (وَبِرِدَّةِ رَبِّ الْمَالِ وَلَحَاقِهِ مُرْتَدًّا) ; لِأَنَّهُ مَوْتٌ حُكْمًا عَلَى مَا عُرِفَ (وَلَا تَبْطُلُ بِرِدَّةِ الْمُضَارِبِ) ; لِأَنَّ مِلْكَ رَبِّ الْمَالِ بَاقٍ، وَعِبَارَةَ الْمُرْتَدِّ مُعْتَبَرَةٌ.
قَالَ: (وَلَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ) كَالْوَكِيلِ (فَلَوْ بَاعَ وَاشْتَرَى بَعْدَ الْعَزْلِ قَبْلَ الْعِلْمِ نَفَذَ) لِبَقَاءِ الْوَكَالَةِ (فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَزْلِ وَالْمَالُ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ) ; لِأَنَّهُ صَارَ أَجْنَبِيًّا بِالْعَزْلِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ خِلَافَ جِنْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَصِيرَ مِنْ جِنْسِهِ) ; لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الرِّبْحِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَظْهَرُ إِذَا عَلِمَ رَأْسَ الْمَالِ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ إِذَا نَضَّ، وَإِنَّمَا يَنِضُّ بِالْبَيْعِ، فَإِذَا نَضَّ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَمَوْتُ أَحَدِهِمَا وَلَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ كَالْعَزْلِ.
قَالَ: (وَإِذَا افْتَرَقَا وَفِي الْمَالِ دُيُونٌ وَلَيْسَ فِيهِ رِبْحٌ وَكَّلَ رَبَّ الْمَالِ عَلَى اقْتِضَائِهَا) ; لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مُتَبَرِّعٌ بِالْعَمَلِ فَلَا يَلْزَمُهُ الِاقْتِضَاءُ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَاقِدًا وَالْحُقُوقُ تَرْجِعُ إِلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ وَكَالَتِهِ (وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ أُجْبِرَ عَلَى اقْتِضَائِهَا) ، لِأَنَّ الرِّبْحَ بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ فَكَانَ أَجِيرًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَمَامُ الْعَمَلِ.
قَالَ: (وَمَا هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَمِنَ الرِّبْحِ) ; لِأَنَّهُ تَبَعٌ كَالْعَفْوِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ (فَإِنْ زَادَ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) ; لِأَنَّ الْمُضَارِبَ أَمِينٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَإِنِ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ وَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ بَعْضُهُ رَجَعَ فِي الرِّبْحِ حَتَّى يُسْتَوْفَى رَأْسُ الْمَالِ ; لِأَنَّ الرِّبْحَ فَضْلٌ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يُعْرَفُ الْفَضْلُ إِلَّا بَعْدَ سَلَامَةِ رَأْسِ الْمَالِ فَلَا يَصِحُّ قِسْمَتُهُ فَيَنْصَرِفُ الْهَلَاكُ إِلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَيُبْتَدَأُ أَوَّلًا بِرَأْسِ الْمَالِ ثُمَّ بِالنَّفَقَةِ ثُمَّ بِالرِّبْحِ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَلَوْ فَسَخَا الْمُضَارَبَةَ ثُمَّ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ ثُمَّ عَقَدَا الْمُضَارَبَةَ فَهَلَكَ رَأْسُ الْمَالِ لَمْ يَتَرَادَّا
стр. 368
كِتَابُ الْوَدِيعَةِ وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِنَفْسِهِ، وَمَنْ فِي عِيَالِهِ وَإِنْ نَهَاهُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الرِّبْحَ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْمُضَارَبَةَ جَدِيدَةٌ، وَالْأُولَى قَدِ انْتَهَتْ فَانْتَهَى حُكْمُهَا، وَلَوْ مَرَّ الْمُضَارِبُ عَلَى السُّلْطَانِ فَأَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا كُرْهًا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا لِيَكُفَّ عَنْهُ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أُمُورِ التِّجَارَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ الْعَاشِرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْعُشْرَ فَصَالَحَهُ الْمُضَارِبُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ حَتَّى كَفَّ عَنْهُ ضَمِنَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْوَدِيعَةِ]
ِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ، يُقَالُ: دَعْ هَذَا: أَيِ اتْرُكْهُ ; وَمِنْهُ الْمُوَادَعَةُ فِي الْحَرْبِ ; أَيْ أَنْ يَتْرُكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ الْحَرْبَ، وَقَالَ ﵊: «لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَيُخْتَمَنَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيُكْتَبُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» أَيْ تَرْكِهِمُ الْجَمَاعَاتِ. وَمِنْهُ الْوَدَاعُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتْرُكُ صَاحِبَهُ وَيُفَارِقُهُ، أَوْ هِيَ مِنَ الْحِفْظِ، قَالَ ﵊ فِي حَدِيثِ وَدَاعِ الْمُسَافِرِ: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ» ; أَيْ أَسَتَحْفِظُ اللَّهَ: أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ حِفْظَهُمَا، فَكَأَنَّ الْوَدِيعَةَ تُتْرَكُ عِنْدَ الْمُودَعِ لِلْحِفْظِ، وَلِهَذَا لَا يُودَعُ عَادَةً إِلَّا عِنْدَ مَنْ يُعْرَفُ بِالْأَمَانَةِ وَالدِّيَانَةِ.
وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ أَمَانَةً لَا غَرَامَةً، قَالَ ﵊: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ، وَلَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» وَيَجِبُ حِفْظُهَا عَلَى الْمُودَعِ إِذَا قَبِلَهَا ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْحِفْظَ بِالْعَقْدِ، وَالْوَدِيعَةُ تَارَةً تَكُونُ بِصَرِيحِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَتَارَةً بِالدَّلَالَةِ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ أَوْدَعْتُكَ وَقَوْلُ الْآخَرِ قَبِلْتُ، وَلَا يَتِمُّ فِي حَقِّ الْحِفْظِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَيَتِمُّ بِالْإِيجَابِ وَحْدَهُ فِي حَقِّ الْأَمَانَةِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لِلْغَاصِبِ أَوْدَعْتُكَ الْمَغْصُوبَ بَرِئَ عَنِ الضَّمَانِ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ; لَأَنَّ صَيْرُورَةَ الْمَالِ أَمَانَةُ حُكْمٍ يَلْزَمُ صَاحِبَ الْمَالِ لَا غَيْرُ فَيَثْبُتُ بِهِ وَحْدَهُ ; فَأَمَّا وُجُوبُ الْحِفْظِ فَيَلْزَمُ الْمُودَعَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ، وَالدَّلَالَةُ إِذَا وَضَعَ عِنْدَهُ مَتَاعًا وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، أَوْ قَالَ: هَذَا وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ وَسَكَتَ الْآخَرُ صَارَ مُودَعًا حَتَّى لَوْ غَابَ الْمَالِكُ ثُمَّ غَابَ الْآخَرُ فَضَاعَ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ إِيدَاعٌ وَقَبُولٌ عُرْفًا.
قَالَ: (وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ لَمْ يَضْمَنْ) ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِهَا وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى، وَلِمَا رَوَيْنَا مِنَ الْحَدِيثِ.
قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِنَفْسِهِ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ وَإِنْ نَهَاهُ) ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يَحْفَظَهَا بِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَالَهُ، وَذَلِكَ بِالْحِرْزِ وَالْيَدِ.
стр. 369
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِغَيْرِهِمْ إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْحَرِيقَ فَيُسَلِّمَهَا إِلَى جَارِهِ، أَوِ الْغَرَقَ فَيُلْقِيَهَا إِلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ خَلَطَهَا بِغَيْرِهَا حَتَّى لَا تَتَمَيَّزَ ضَمِنَهَا، وَكَذَا إِنْ أَنْفَقَ بَعْضَهَا ثُمَ رَدَّ عِوَضَهُ وَخَلَطَهُ بِالْبَاقِي، وَإِنِ اخْتَلَطَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَهُوَ شَرِيكٌ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَمَّا الْحِرْزُ فَدَارُهُ وَمَنْزِلُهُ وَحَانُوتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مِلْكًا لَهُ أَوْ إِجَارَةً أَوْ إِعَارَةً. وَأَمَّا الْيَدُ فَيَدُهُ وَزَوْجَتُهُ وَزَوْجُهَا وَأَمَتُهُ وَعَبْدُهُ وَأَجِيرُهُ الْخَاصُّ وَوَلَدُهُ الْكَبِيرُ إِنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الرَّهْنِ ; وَلِأَنَّ الْمُودِعَ رَضِيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُودَعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ لِمَعَاشِهِ وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِصْحَابُ الْوَدِيعَةِ مَعَهُ فَيَتْرُكُهَا فِي مَنْزِلِهِ عِنْدَ مَنْ فِي عِيَالِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ نَهْيُهُ لَوْ قَالَ لَا تَدْفَعْهَا إِلَى شَخْصٍ عَيَّنَهُ مِنْ عِيَالِهِ مِمَّنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِيَالٌ سِوَاهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ لَهُ سِوَاهُ يَضْمَنُ ; لِأَنَّ مِنَ الْعِيَالِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِغَيْرِهِمْ) ; لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِحِفْظِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْأَمَانَاتِ وَصَارَ كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَلَا يُضَارِبَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْحَرِيقَ فَيُسَلِّمَهَا إِلَى جَارِهِ، أَوِ الْغَرَقَ فَيُلْقِيَهَا إِلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى) ; لِأَنَّ الْحِفْظَ تَعَيَّنَ بِذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ; لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ.
قَالَ: (فَإِنْ خَلَطَهَا بِغَيْرِهَا حَتَّى لَا تَتَمَيَّزَ ضَمِنَهَا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ لَا سَبِيلَ لِلْمُودِعِ عَلَيْهَا.
وَالْخَلْطُ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا الْجِنْسُ بِالْجِنْسِ كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ الْبِيضِ بِالْبِيضِ، وَالسُّودِ بِالسُّودِ. وَالثَّانِي خَلْطُ الْجِنْسِ بِغَيْرِهِ كَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ، وَالْخَلِّ بِالزَّيْتِ وَنَحْوِهِمَا. وَالثَّالِثُ خَلْطُ الْمَائِعِ بِجِنْسِهِ ; فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ اسْتِهْلَاكٌ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا فَيَضْمَنُهَا وَيَنْقَطِعُ حَقُّ الْمُودِعِ عَنْهَا، وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ صُورَةً وَمَعْنًى ; وَالْأَوَّلُ عِنْدَهُمَا إِنْ شَاءَ شَارَكَهُ فِيهَا، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُ عَيْنِ حَقِّهِ لَمْ يَتَعَذَّرِ الْمَعْنَى فَكَانَ اسْتِهْلَاكًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَجْعَلُ الْأَقَلَّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: هُوَ شَرِكَةٌ بَيْنَهُمَا بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَغْلِبُ الْجِنْسَ عِنْدَهُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِهِ فِي الرَّضَاعِ، وَخَلْطُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ بِالدَّنَانِيرِ إِذَابَةٌ مِنَ الْوَجْهِ الثَّالِثِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَائِعًا بِالْإِذَابَةِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إِلَى عَيْنِ حَقِّهِ، وَالْقِسْمَةُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الشَّرِكَةِ فَلَا تَكُونُ مُوجِبَةً لَهَا، فَلَوْ أَبْرَأَ الْمُودِعُ الْخَالِطَ بَرِئَ أَصْلًا، وَعِنْدَهُمَا يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ فَتَتَعَيَّنُ الشَّرِكَةُ فِي الْمَخْلُوطِ.
(وَكَذَا إِنْ أَنْفَقَ بَعْضَهَا ثُمَّ رَدَّ عِوَضَهُ وَخَلَطَهُ بِالْبَاقِي) فَهُوَ اسْتِهْلَاكٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَلَوِ اخْتَلَطَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَهُوَ شَرِيكٌ) بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَتَتَعَيَّنُ الشَّرِكَةُ.
стр. 370
وَلَوْ تَعَدَّى فِيهَا بِالرُّكُوبِ أَوِ اللُّبْسِ أَوِ الِاسْتِخْدَامِ أَوْ أَوْدَعَهَا ثُمَّ زَالَ التَّعَدِّي لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ أَوْدَعَهَا فَهَلَكَتْ عِنْدَ الثَّانِي فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ (سم) فَإِنْ طَلَبَهَا صَاحِبُهَا فَجَحَدَهَا ثُمَّ عَادَ اعْتَرَفَ ضَمِنَ، وَلِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ بِالْوَدِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا حَمْلٌ وَمَئُونَةٌ مَا لَمْ يَنْهَهُ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَلَوْ أَوْدَعَا عِنْدَ رَجُلٍ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ثُمَّ حَضَرَ أَحَدُهُمَا يَطْلُبُ نَصِيبَهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْآخَرُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَلَوْ تَعَدَّى فِيهَا بِالرُّكُوبِ أَوِ اللُّبْسِ أَوِ الِاسْتِخْدَامِ أَوْ أَوْدَعَهَا ثُمَّ زَالَ التَّعَدِّي لَمْ يَضْمَنْ) لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ، وَيَدُ الْأَمَانَةِ بَاقِيَةٌ بِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِعْ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ، لَكِنِ ارْتَفَعَ حُكْمُهُ لِوُجُودِ مَا يُنَافِيهِ ثُمَّ زَالَ الْمُنَافِي فَعَادَ حُكْمُ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
(وَلَوْ أَوْدَعَهَا فَهَلَكَتْ عِنْدَ الثَّانِي فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ) خَاصَّةً. وَقَالَا: يُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ خَالَفَ لِمَا بَيَّنَّا، وَالثَّانِيَ تَعَدَّى حَيْثُ قَبَضَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الثَّانِي ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مُسْتَنِدًا فَيَكُونُ مُودَعًا مِلْكَهُ، وَإِنْ ضَمِنَ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَحِقَهُ ذَلِكَ بِسَبَبِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ التَّفْرِيطَ إِنَّمَا جَرَى مِنَ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مُجَرَّدَ الدَّفْعِ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ وَالْأَوَّلُ حَاضِرٌ لَا يَضْمَنُ، فَإِذَا غَابَ الْأَوَّلُ فَقَدْ تَرَكَ الْحِفْظَ فَيَضْمَنُ وَالثَّانِي لَمْ يَتْرُكْ.
قَالَ: (فَإِنْ طَلَبَهَا صَاحِبُهَا فَجَحَدَهَا ثُمَّ عَادَ اعْتَرَفَ ضَمِنَ) ; لِأَنَّ بِالطَّلَبِ ارْتَفَعَ عَقْدُ الْوَدِيعَةِ فَصَارَ غَاصِبًا بَعْدَهُ، وَبِالِاعْتِرَافِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدِ الرَّدُّ إِلَى نَائِبِ الْمَالِكِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمُخَالَفَةِ ثُمَّ الْمُوَافَقَةِ ; لِأَنَّ يَدَ الْوَدِيعَةِ لَمْ تَرْتَفِعْ فَوَجَدَ الرَّدَّ إِلَى يَدِ النَّائِبِ، وَلَوْ جَحَدَهَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِ لَمْ يَضْمَنُ. وَقَالَ زُفَرُ: يَضْمَنُ لِأَنَّهُ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ. وَلَنَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْأَطْمَاعِ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِمَّنْ جَحَدَهَا عِنْدَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ إِذَا جَحَدَهَا عِنْدَ الْمَالِكِ، فَإِنْ جَحَدَهَا ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهَا دَعْهَا وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَهَلَكَتْ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَخْذُهَا فَلَمْ يَأْخُذْهَا لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ إِيدَاعٌ جَدِيدٌ كَأَنَّهُ أَخَذَهَا ثُمَّ أَوْدَعَهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهَا ضَمِنَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الرَّدُّ.
قَالَ: (وَلِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ بِالْوَدِيعَةِ وَإِنْ كَانَ لَهَا حَمْلٌ وَمَئُونَةٌ مَا لَمْ يَنْهَهُ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا) لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ، وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ وَالْأَبُ، بِخِلَافِ الرُّكُوبِ فِي الْبَحْرِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الْعَطَبُ.
وَقَالَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمَئُونَةٌ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الرِّضَا لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ مَئُونَةِ الْحَمْلِ. قُلْنَا: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ضَرُورَةَ امْتِثَالِ أَمْرِهِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
قَالَ: (وَلَوْ أَوْدَعَا عِنْدَ رَجُلٍ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ثُمَّ حَضَرَ أَحَدُهُمَا يَطْلُبُ نَصِيبَهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْآخَرُ) وَقَالَا: يَدْفَعُ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ عِنْدَ الطَّلَبِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ
стр. 371
فَإِنْ قَالَ الْمُودَعُ: أَمَرْتَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَى فُلَانٍ وَكَذَّبَهُ الْمَالِكُ ضَمِنَ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَنْكُلَ الْمَالِكُ عَنِ الْيَمِينِ، وَلَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ رَجُلَيْنِ شَيْئًا مِمَّا يُقْسَمُ اقْتَسَمَاهُ وَحَفِظَ كُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقْسَمُ حَفِظَهُ أَحَدُهُمَا بِأَمْرِ الْآخَرِ، وَلَوْ قَالَ احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ فَحَفِظَهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ فِي الدَّارِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ خَالَفَهُ فِي الدَّارِ ضَمِنَ، وَلَوْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إِلَى دَارِ مَالِكِهَا وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَيْهِ ضَمِنَ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
حَتَّى كَانَ لَهُ أَخْذُهُ كَالدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَهُ أَنَّ نَصِيبَهُ فِي الْمَشَاعِ وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الدَّفْعَ يَقَعُ فِي الْمُعَيَّنِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَشَاعِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ كَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ، وَوِلَايَةُ الْأَخْذِ لَا تَقْتَضِي جَوَازَ الدَّفْعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَدْيُونَ لَوْ كَانَ لَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ فَلِرَبِّ الدَّيْنِ أَخْذُهَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُودِعِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ. وَأَمَّا الدَّيْنُ الْمُشْتَرَكُ فَلِأَنَّهُ يُؤَدِّيهِ الْمَدْيُونُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِمَا عُرِفَ، وَلَا اعْتِبَارَ بِضَرَرِ الْحَاضِرِ لِأَنَّهُ لَحِقَهُ بِصُنْعِهِ حَيْثُ أَوْدَعَهُ مَشَاعًا، وَغَيْرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ نَصِيبُهُ بِالْإِجْمَاعِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ الْخِلَافَ مُطْلَقًا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَغَابَ فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَخْذُ نَصِيبِهِ فَمِنَ الْمُودَعِ أَوْلَى.
قَالَ: (فَإِنْ قَالَ الْمُودَعُ أَمَرْتَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَى فُلَانٍ وَكَذَّبَهُ الْمَالِكُ ضَمِنَ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَنْكُلَ الْمَالِكُ عَنِ الْيَمِينِ) ; لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى الدَّفْعِ وَتَجَاحَدَا فِي الْإِذْنِ فَيُضَمَّنُ بِالدَّفْعِ إِلَّا بِحُجَّةٍ.
قَالَ: (وَلَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ رَجُلَيْنِ شَيْئًا مِمَّا يُقْسَمُ اقْتَسَمَاهُ وَحَفِظَ كُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقْسَمُ حَفِظَهُ أَحَدُهُمَا بِأَمْرِ الْآخَرِ) وَقَالَا: لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَحْفَظَهُ بِأَمْرِ الْآخَرِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا، فَكَانَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى الْآخَرِ كَالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَهُ أَنَّ الدَّافِعَ أَوْدَعَ نِصْفَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُودِعِ فَيُضَمَّنُهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا فَكَانَ رَضِيَ بِأَمَانَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ ; لِأَنَّ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَيْهِمَا تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ كَالتَّمْلِيكَاتِ، إِلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ ضَرُورَةَ عَدَمِ التَّجَزِّي وَعَدَمِ إِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ قِسْمَتُهَا وَلَا الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهَا دَائِمًا كَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ دَلَالَةً، وَعَلَى هَذَا الْوَكِيلَانِ وَالْوَصِيَّانِ وَالْمُرْتَهِنَانِ وَالْعَدْلَانِ فِي الرَّهْنِ وَالْمُسْتَبْضِعَانِ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ فَحَفِظَهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ فِي الدَّارِ لَمْ يَضْمَنْ) لِعَدَمِ تَفَاوُتِهِمَا فِي الْحِرْزِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ دَارًا كَبِيرَةً مُتَبَاعِدَةَ الْأَطْرَافِ وَالْبَيْتُ الَّذِي نَهَاهُ عَنْهُ عَوْرَةٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِأَنَّهُ مُفِيدٌ.
قَالَ: (وَلَوْ خَالَفَهُ فِي الدَّارِ ضَمِنَ) ; لِأَنَّ الدُّورَ تَخْتَلِفُ فِي الْحِرْزِ فَكَانَ مُفِيدًا.
قَالَ: (وَلَوْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إِلَى دَارِ مَالِكِهَا وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَيْهِ ضَمِنَ) ; لِأَنَّ الْمَالِكَ مَا رَضِيَ بِدَفْعِهَا إِلَى دَارِهِ وَلَا إِلَى مَنْ فِي عِيَالِهِ ظَاهِرًا إِذْ لَوْ رَضِيَ بِهِمْ لَمَا أَوْدَعَهَا، وَلَوْ وَضَعَ الثِّيَابَ فِي الْحَمَّامِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا
стр. 372
كِتَابُ اللَّقِيطِ وَهُوَ حُرٌّ وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَدَخَلَ الْحَمَّامَ يَنْظُرُ إِنْ كَانَ فِي الْحَمَّامِ ثِيَابِيٌّ يَحْفَظُ الثِّيَابَ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ الْحَمَّامِيِّ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ دَلَالَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَمِنَ الْحَمَّامِيُّ، وَلَوْ قَالَ لِلْحَمَّامِيِّ: أَيْنَ أَضَعُ الثِّيَابَ؟ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ، يَضْمَنُ الْحَمَّامِيُّ دُونَ الثِّيَابِيِّ لِأَنَّ الْحَمَّامِيَّ صَارَ مُودَعًا، وَلَوْ وَضَعَ الثِّيَابَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْحَمَّامِيِّ فَخَرَجَ آخَرُ وَلَبِسَهَا وَالْحَمَّامِيُّ لَا يَدْرِي أَنَّهَا ثِيَابُهُ أَمْ لَا ضَمِنَ الْحَمَّامِيُّ، وَإِنْ نَامَ الْحَمَّامِيُّ فَسُرِقَتِ الثِّيَابُ إِنْ نَامَ قَاعِدًا لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْحِفْظَ، وَإِنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ضَمِنَ. وَالْخَانُ كَالْحَمَّامِ، وَالدَّابَّةُ كَالثِّيَابِ، وَالْخَانِيُّ كَالْحَمَّامِيِّ.
قَامَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَجْلِسِ وَتَرَكَ كِتَابَهُ أَوْ مَتَاعَهُ فَالْبَاقُونَ مُودَعُونَ حَتَّى لَوْ تَرَكُوهُ فَهَلَكَ ضَمِنُوا ; فَإِنْ قَامَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَالضَّمَانُ عَلَى آخِرِهِمْ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ حَافِظًا.
[كِتَابُ اللَّقِيطِ]
وَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ اللَّقْطِ وَالِالْتِقَاطِ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَمَعْنَاهُ الْعُثُورُ عَلَى الشَّيْءِ مُصَادَفَةً مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَلَا قَصْدٍ. قَالَ الرَّاجِزُ يَصِفُ مَاءً آجِنًا:
وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ الْتِقَاطَا ... أَخْضَرَ مِثْلَ الزَّيْتِ لَمَّا شَاطَا
أَيْ وَرَدْتُهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَلَا قَصْدٍ، شَاطَ الزَّيْتُ إِذَا نَضِجَ حَتَّى احْتَرَقَ، وَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ يُوجَدُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ.
وَالْتِقَاطُ صِغَارِ بَنِي آدَمَ مَفْرُوضٌ إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَهْلِكُ إِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِأَنْ كَانَ فِي مَفَازَةٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ مَسْبَعَةٍ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْهُ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الْهَلَاكِ بِأَنْ كَانَ فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ فَأَخْذُهُ مَنْدُوبٌ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّعْيِ فِي إِحْيَاءِ نَفْسٍ مُحْتَرَمَةٍ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُلْتَقِطِ: " لَأَنْ أَكُونَ وَلِيتُ مِنْهُ مِثْلَ مَا وَلِيتَ أَنْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا ".
قَالَ: (وَهُوَ حُرٌّ) تَبَعًا لِلدَّارِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي بَنِي آدَمَ الْحُرِّيَّةُ (وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) لِمَا رَوَى عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا عَلَى بَابِي: أَيْ لَقِيطًا، فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ لِي: " عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا، نَفَقَتُهُ عَلَيْنَا وَهُوَ حُرٌّ ". وَهَذَا مَثَلٌ
стр. 373
وَمِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ، وَدِيَتُهُ لَهُ وَوَلَاؤُهُ، وَالْمُلْتَقِطُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْقَاضِي بِشَرْطِ الرُّجُوعِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَإِنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ مَعًا ثَبَتَ مِنْهُمَا إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً فِي جَسَدِهِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يُقَالُ عِنْدَ التُّهْمَةِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: إِنَّمَا عَرَّضَ عُمَرُ بِالرَّجُلِ: أَيْ لَعَلَّكَ صَاحِبُ اللَّقِيطِ، يُرِيدُ أَنَّكَ زَنَيْتَ بِأُمِّهِ وَادَّعَيْتَهُ لَقِيطًا، فَشَهِدَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالْخَيْرِ فَتَرَكَهُ.
قَالَ: (وَمِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ، وَدِيَتُهُ لَهُ وَوَلَاؤُهُ) لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ، وَلَوْ قُتِلَ عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ صَالَحَ عَلَى الدِّيَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لَا غَيْرُ لِاحْتِمَالِ الْوَلِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ إِلَّا أَنَّهُ غَائِبٌ وَلَا يُقْتَصُّ دُونَهُ. وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» ; لِأَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي لَا يُعْرَفُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ كَالْعَدَمِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُحَدُّ قَاذِفُ اللَّقِيطِ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ أُمِّهِ ; لِأَنَّ فِي حِجْرِهَا وَلَدًا لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ فَكَانَتْ تُهْمَةُ الزِّنَا قَائِمَةً كَالْمُلَاعَنَةِ.
قَالَ: (وَالْمُلْتَقِطُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) لَسَبْقِ يَدِهِ عَلَيْهِ كَالْمُبَاحَاتِ، فَإِنْ سَأَلَ الْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَهُ إِنْ شَاءَ قَبِلَهُ وَإِنْ شَاءَ لَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَلَدُهُ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَقِيطٌ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حِفْظَهُ وَتَرْبِيَتَهُ، فَإِنْ دَفَعَهُ الْمُلْتَقِطُ إِلَى آخَرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِبْطَالِ حَقِّهِ.
قَالَ: (وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ (إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْقَاضِي بِشَرْطِ الرُّجُوعِ) لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الرُّجُوعَ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ ; لِأَنَّهُ قَضَى حَقًّا عَلَيْهِ وَاجِبًا بِأَمْرِ الْقَاضِي فَصَارَ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ بِأَمْرِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ حَقٍّ وَاجِبٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ تَرْغِيبًا لَهُ فِي إِتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ التَّبَرُّعِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ لَهُ أَدِّ عَنِّي زَكَاةَ مَالِي فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِالشَّرْطِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْقَاضِي، لَكِنْ صَدَّقَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِحَقِّهِ.
قَالَ: (وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْعِ الصَّغِيرِ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَتَشَرَّفُونَ بِالْأَنْسَابِ وَيُعَيَّرُونَ بِعَدَمِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ فَتَبْطُلُ يَدُ الْمُلْتَقِطِ.
(وَإِنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ مَعًا ثَبَتَ مِنْهُمَا) لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ (إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً فِي جَسَدِهِ) فَيَكُونَ أَوْلَى بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ أَوْ لِسَبْقٍ فِي الدَّعْوَى ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ فِي زَمَانٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ،
стр. 374
وَالْحُرُّ وَالْمُسْلِمُ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ، وَانَ ادَّعَاهُ عَبْدٌ فَهُوَ ابْنُهُ وَهُوَ حُرٌّ، وَإِنِ ادَّعَاهُ ذِمِّيٌّ فَهُوَ ابْنُهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، إِلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مِنْ بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ فَيَكُونُ ذِمِّيًّا، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِذَا كَانَ عَلَى اللَّقِيطِ مَالٌ مَشْدُودٌ فَهُوَ لَهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَيَقْبَلُ لَهُ الْهِبَةَ، وَيُسَلِّمُهُ فِي صِنَاعَةٍ، وَلَا يُزَوِّجُهُ، وَلَا يُؤَاجِرُهُ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِلَّا إِذَا أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ ; لِأَنَّهَا أَقْوَى.
قَالَ: (وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ) وَمَعْنَاهُ إِذَا ادَّعَى نَسَبَهُ حُرٌّ وَعَبْدٌ أَوْ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فَالْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمُ أَوْلَى مِنَ الذِّمِّيِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ (وَإِنِ ادَّعَاهُ عَبْدٌ فَهُوَ ابْنُهُ) ; لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ أَنْفَعُ لَهُ (وَهُوَ حُرٌّ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رِقِّ أَبِيهِ أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا ; لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَزَوَّجُ الْحُرَّةَ (وَإِنِ ادَّعَاهُ ذِمِّيٌّ فَهُوَ ابْنُهُ) لِمَا مَرَّ (وَهُوَ مُسْلِمٌ) ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ ثَبَتَ لَهُ بِالدَّارِ وَإِبْطَالُهُ إِضْرَارٌ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ الْأَبِ كَافِرًا كُفْرُ الْوَلَدِ لِاحْتِمَالِ إِسْلَامِ الْأُمِّ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مِنْ بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ فَيَكُونُ ذِمِّيًّا) ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُونَ فِي مَوَاضِعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَكَانَ دُونَ الْوَاجِدِ كَاللَّقِيطِ إِذَا وَجَدَهُ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَرَوَى أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْوَاجِدَ دُونَ الْمَكَانِ ; لِأَنَّ الْيَدَ أَقْوَى ; وَفِي رِوَايَةٍ اعْتَبَرَ الْإِسْلَامَ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ.
قَالَ: (وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَإِقْرَارُهُ بِالرِّقِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا يُقْبَلُ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ إِنْ أَجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْأَحْرَارِ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحَدِّ قَاذِفِهِ لَمْ يَصِحَّ وَقَبْلَ ذَلِكَ يَصِحُّ، وَلَوِ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ فَادَّعَى نَصْرَانِيٌّ أَنَّهُ ابْنُهُ فَهُوَ ابْنُهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ زِيُّ النَّصَارَى كَالصَّلِيبِ وَالزُّنَّارِ فَهُوَ نَصْرَانِيٌّ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْمَكَانِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ عَلَى اللَّقِيطِ مَالٌ مَشْدُودٌ فَهُوَ لَهُ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي) لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ وَيَصَّدَّقُ عَلَيْهِ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ ; وَقِيلَ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرِ الْقَاضِي ; لِأَنَّ الْمَالَ لَهُ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَلَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ فَيَشْتَرِي لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْكِسْوَةِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ: (وَيَقْبَلُ لَهُ الْهِبَةَ) لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ (وَيُسَلِّمُهُ فِي صِنَاعَةٍ) ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّثْقِيفِ وَفِيهِ مَنْفَعَتُهُ (وَلَا يُزَوِّجُهُ) ; لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَوِلَايَةُ التَّزْوِيجِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلسُّلْطَانِ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ، فَإِنْ زَوَّجَهُ السُّلْطَانُ وَلَا مَالَ لَهُ فَالْمَهْرُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي النَّوَادِرِ: إِذَا أَمَرَ الْمُلْتَقِطُ بِخِتَانِ الصَّبِيِّ فَهَلَكَ ضَمِنَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ.
قَالَ: (وَلَا يُؤَاجِرُهُ) وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِتْلَافَ مَنَافِعِهِ كَالْعَمِّ بِخِلَافِ الْأُمِّ ; لِأَنَّهَا تَمْلِكُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا إِجَارَتُهُ لِنَفَقَتِهَا وَاسْتِخْدَامُهُ.
стр. 375
كِتَابُ اللُّقَطَةِ وَأَخْذُهَا أَفْضَلُ، وَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهَا فَوَاجِبٌ، وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَهَا وَيُعَرِّفُهَا مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ]
وَهِيَ كَاللَّقِيطِ فِي الِاشْتِقَاقِ وَالْمَعْنَى، وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ: اسْمٌ لِلْمَالِ الْمَلْقُوطِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ اسْمُ الْمُلْتَقِطِ كَالضُّحَكَةِ وَاللُّمَزَةِ وَالْهُمَزَةِ. فَأَمَّا الْمَالُ الْمَلْقُوطُ فَهُوَ بِسُكُونِ الْقَافِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَالَ: (وَأَخْذُهَا أَفْضَلُ) لِئَلَّا تَصِلَ إِلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ (وَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهَا فَوَاجِبٌ) صِيَانَةً لِحَقِّ النَّاسِ عَنِ الضَّيَاعِ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّمَعَ فِيهَا وَتَرْكَ التَّعْرِيفِ وَالرَّدِّ فَالتَّرْكُ أَوْلَى صِيَانَةً لَهُ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ.
وَاللُّقَطَةُ: مَا يُوجَدُ مَطْرُوحًا عَلَى الْأَرْضِ مَا سِوَى الْحَيَوَانِ مِنَ الْأَمْوَالِ لَا حَافِظَ لَهُ. وَالضَّالَّةُ: الدَّابَّةُ تَضِلُّ الطَّرِيقَ إِلَى مَرْبِطِهَا وَأَخْذُهَا أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي زَمَانِنَا الضَّيَاعُ، فَإِنْ أَخَذَهَا وَأَشْهَدَ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا لَمْ يَضْمَنْ. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ، أَوْ رَدَّهَا بَعْدَ مَا حَوَّلَهَا ضَمِنَ ; لِأَنَّ بِالتَّحْوِيلِ الْتَزَمَ الْحِفْظَ، فَبِالرَّدِّ صَارَ مُضَيِّعًا وَلَا كَذَلِكَ قَبْلَ التَّحْوِيلِ.
قَالَ: (وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا) وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْأَخْذِ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِلرَّدِّ أَوْ يَقُولَ: مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ لُقَطَةً فَدُلُّوهُ عَلَيَّ (فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَهَا) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلرَّدِّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ الْحِسْبَةُ لَا الْمَعْصِيَةُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مُتَصَرِّفٍ عَاقِلٍ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِالْأَخْذِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ فَلَا يُصَدَّقُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ قَالَ أَخَذْتُهُ لِنَفْسِي ضَمِنَ بِالْإِجْمَاعِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا لَمْ يَضْمَنْ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا كَالْبَيِّنَةِ.
قَالَ: (وَيُعَرِّفُهَا مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ) هُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَرَّفَهَا أَيَّامًا، وَإِنْ كَانَتْ عَشَرَةً فَصَاعِدًا عَرَّفَهَا حَوْلًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: التَّقْدِيرُ بِالْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنِ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ حَوْلًا» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «وَجَدْتُ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا» ، وَالْعَشَرَةُ وَمَا فَوْقَهَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ حَيْثُ وُجُوبِ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ وَاسْتِبَاحَةِ الْفَرْجِ بِهَا وَلَا كَذَلِكَ مَا دُونَهَا.
стр. 376
فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا إِنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، فَإِنْ جَاءَ وَأَمْضَى الصَّدَقَةَ فَلَهُ ثَوَابُهُ، وَإِلَّا لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ، أَوْ يُضَمِّنَ الْمِسْكِينَ، أَوْ يَأْخُذَهَا إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَنِيٍّ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا إِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا لَا يَبْقَى عَرَّفَهُ إِلَى أَنْ يَخَافَ فَسَادَهُ، وَيُعَرِّفُهَا فِي مَكَانِ الِالْتِقَاطِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ. وَإِنْ كَانَتْ حَقِيرَةً كَالنَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ، وَلِلْمَالِكِ أَخْذُهُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهَا يُعَرِّفُهَا حَوْلًا، وَفَوْقَ الْعَشَرَةِ إِلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ شَهْرًا، وَفِي الْعَشَرَةِ جُمُعَةً، وَفِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِي دِرْهَمٍ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً وَنَحْوَهَا تَصَدَّقَ بِهَا مَكَانَهَا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا أَكَلَهَا مَكَانَهَا قُدِّرَ لِكُلِّ لُقَطَةٍ عَلَى قَدْرِهَا فَكَأَنَّهُ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. وَالتَّعْرِيفُ أَنْ يُنَادِيَ فِي الْأَسْوَاقِ وَالشَّوَارِعِ وَالْمَسَاجِدِ: مَنْ ضَاعَ لَهُ شَيْءٌ فَلْيَطْلُبْ عِنْدِي.
قَالَ: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا إِنْ شَاءَ) إِيصَالًا لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ إِيصَالُهُ إِلَى مَالِكِهِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَإِذَا تَعَذَّرَتِ الصُّورَةُ يُوَصِّلُهُ إِلَيْهِ مَعْنًى وَهُوَ الثَّوَابُ.
(وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) لِاحْتِمَالِ مَجِيءِ صَاحِبِهَا (فَإِنْ جَاءَ وَأَمْضَى الصَّدَقَةَ فَلَهُ ثَوَابُهُ) لِأَنَّهُ مَالُهُ (وَإِلَّا لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ أَوْ يَضْمَنَ الْمِسْكِينَ أَوْ يَأْخُذَهَا إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً) ، أَمَّا تَضْمِينُهُ فَلِأَنَّهُ سَلَّمَ مَالَهُ إِلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِذْنُ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الضَّمَانَ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ حَالَ الْمَخْمَصَةِ. وَأَمَّا تَضْمِينُ الْمِسْكِينِ فَلِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. وَأَمَّا أَخْذُهَا فَلِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ.
قَالَ: (وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ) أَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَلِأَنَّهُ مَلَكَهَا مِنْ وَقْتِ التَّصَدُّقِ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ، وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَلِأَنَّهُ عِوَضُ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ. قَالَ: (وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَنِيٍّ) لِقَوْلِهِ ﵊: «فَإِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَلْيَتَصَدَّقْ بِهَا» ، وَالصَّدَقَةُ لَا تَكُونُ عَلَى الْغَنِيِّ كَالْوَاجِبَاتِ.
قَالَ: (وَيَنْتَفِعُ بِهَا إِنْ كَانَ فَقِيرًا) كَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَيُعْطِيهَا أَهْلَهُ إِنْ كَانُوا فَقُرَاءَ لِمَا مَرَّ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا لَا يَبْقَى) كَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ وَنَحْوِهَا (عَرَّفَهُ إِلَى أَنْ يَخَافَ فَسَادَهُ) ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهِ خَوْفًا مِنَ الْفَسَادِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِصَاحِبِهَا بِالثَّوَابِ دُنْيَا وَأُخْرَى.
(وَيُعَرِّفُهَا فِي مَكَانِ الِالْتِقَاطِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ) فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ يَصِلَ صَاحِبُهَا. وَسَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا ﵁ فَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ وَجَدْتَهَا فَإِنْ وَجَدْتَ صَاحِبَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَتَصَدَّقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْقِيمَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ حَقِيرَةً كَالنَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ) ; لِأَنَّ رَمْيَهَا إِبَاحَةٌ لِلْأَخْذِ دَلَالَةً. قَالَ: (وَلِلْمَالِكِ أَخْذُهُ) ; لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تُسْقِطُ الْمِلْكَ عَنِ الْعَيْنِ خُصُوصًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ لِلْمُلْتَقِطِ
стр. 377
وَالسُّنْبُلُ بَعْدَ الْحَصَادِ إِذَا جَمَعَهُ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مَنْفَعَةٌ آجَرَهَا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْفَعَةٌ بَاعَهَا إِنْ كَانَ أَصْلَحَ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَهُ حَبْسُهَا حَتَّى يُعْطِيَهُ النَّفَقَةَ، فَإِنِ امْتَنَعَ بِيعَتْ فِي النَّفَقَةِ، فَإِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ الْحَبْسِ سَقَطَتِ النَّفَقَةُ وَقَبْلَ الْحَبْسِ لَا، وَلَيْسَ فِي رَدِّ اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ وَالصَّبِيِّ الْحُرِّ شَيْءٌ وَاجِبٌ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الِانْتِفَاعُ بِهِ.
قَالَ: (وَالسُّنْبُلُ بَعْدَ الْحَصَادِ إِذَا جَمَعَهُ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً) بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَنْ أَلْقَى شَاةً مَيْتَةً فَجَاءَ آخَرُ فَأَخَذَ صُوفَهَا وَجِلْدَهَا وَدَبَغَهُ فَهُوَ لَهُ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَهُ أَخْذُ الصُّوفِ وَالْجِلْدِ وَعَلَيْهِ مَا زَادَ الدَّبَّاغُ كَالْغَاصِبِ.
غَرِيبٌ مَاتَ فِي دَارِ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ وَخَلَّفَ مَالًا وَصَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَقِيرٌ فَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ) ; لِأَنَّهُ مَالٌ يُتَوَهَّمُ ضَيَاعُهُ فَيُسْتَحَبُّ أَخْذُهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ: " مَا لَكَ وَلَهَا عَلَيْهَا حِذَاؤُهَا وَمَعَهَا سِقَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ» . «وَسُئِلَ ﵊ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ: " هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» فَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ كَانَ الْخَوْفُ مِنَ الِافْتِرَاسِ لَا مِنْ أَخْذِ النَّاسِ ; أَمَّا الْيَوْمُ كَثُرَ الْفَسَادُ وَالْخِيَانَةُ وَقِلَّةُ الْأَدْيَانِ وَالْأَمَانَةِ فَكَانَ أَخْذُهُ أَوْلَى.
قَالَ: (وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا) لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَى مَالِكِهَا إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْقَاضِي فَيَكُونُ دَيْنًا عَلَى صَاحِبِهَا لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ لِلْمَالِكِ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ لَهَا مَنْفَعَةٌ آجَرَهَا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا) ; لِأَنَّ فِيهِ بَقَاءَ الْمِلْكِ عَلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ دَيْنٌ فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْآبِقِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْفَعَةٌ بَاعَهَا إِنْ كَانَ أَصْلَحَ) ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا أَمَرَ بِذَلِكَ وَجَعَلَهَا دَيْنًا عَلَى مَالِكِهَا ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ نَظَرِيَّةٌ. وَلِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً رَجَاءَ مَجِيءِ صَاحِبِهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَبِيعُهَا لِئَلَّا تَسْتَأْصِلَهَا النَّفَقَةُ فَلَا نَظَرَ حِينَئِذٍ فِي حَقِّهِ.
قَالَ: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَهُ حَبْسُهَا حَتَّى يُعْطِيَهُ النَّفَقَةَ) ; لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْمِلْكَ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّهُ صَارَ هَالِكًا مَعْنًى وَقَدْ أَحْيَاهُ بِنَفَقَتِهِ فَصَارَ كَالْبَائِعِ (فَإِنِ امْتَنَعَ بِيعَتْ فِي النَّفَقَةِ) كَالرَّهْنِ ; لِأَنَّ أَمْرَ الْقَاضِي كَأَمْرِهِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَحَبَسَهَا بِأَمْرِهِ (فَإِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ الْحَبْسِ سَقَطَتِ النَّفَقَةُ) كَالرَّهْنِ (وَقَبْلَ الْحَبْسِ لَا) ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ.
قَالَ: (وَلَيْسَ فِي رَدِّ اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ وَالصَّبِيِّ الْحُرِّ شَيْءٌ وَاجِبٌ) ; لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِي الرَّدِّ فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَالِكُ شَيْئًا فَحَسَنٌ، بِخِلَافِ الْآبِقِ لِأَنَّ جَعْلَهُ وَاجِبٌ نَصًّا لَا قِيَاسًا. وَعَنِ الْكَرْخِيِّ فِي اللُّقَطَةِ: إِذَا قَالَ مَنْ وَجَدَهَا فَلَهُ كَذَا فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ; لِأَنَّهَا إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ:
стр. 378
وَمَنِ ادَّعَى اللُّقَطَةَ يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ أَعْطَى عَلَامَتَهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ، وَلُقَطَةُ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ سَوَاءٌ.
كِتَابُ الْآبِقِ أَخْذُهُ أَفْضَلُ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الضَّالُّ وَيَدْفَعُهُمَا إِلَى السُّلْطَانِ، وَيُحْبَسُ الْآبِقُ دُونَ الضَّالِّ، وَمَنْ رَدَّ الْآبِقَ عَلَى مَوْلَاهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَلَهُ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَبِحِسَابِهِ إِنْ نَقَصَتِ الْمُدَّةُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَوْ ضَاعَتِ اللُّقَطَةُ فَوَجَدَهَا آخَرُ لَا يَكُونُ الْأَوَّلُ خِصْمًا فِيهَا ; لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَلَيْسَ كَالْمُسْتَوْدَعِ ; لِأَنَّ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ عَلَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهَا.
قَالَ: (وَمَنِ ادَّعَى اللُّقَطَةَ يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيِّنَةِ) ; لِأَنَّهَا دَعْوَى (فَإِنْ أَعْطَى عَلَامَتَهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ وَلَا يُجْبَرَ) لِجَوَازِ أَنَّهُ عَرَفَهَا مِنْ صَاحِبِهَا أَوْ رَآهَا عِنْدَهُ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْيَدِ كَالْمِلْكِ فَلَا تُسْتَحَقُّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ كَالْمِلْكِ إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ عِنْدَ الْعَلَامَةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَّفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ، وَلَوْ صَدَّقَهُ وَدَفَعَهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَلَا يَرْجِعَ الْقَابِضُ عَلَى الدَّافِعِ، وَإِنْ دَفَعَهَا بِقَضَاءٍ فَهُوَ مَجْبُورٌ فَيَرْجِعُ عَلَى الْقَابِضِ لَا غَيْرُ.
قَالَ: (وَلُقَطَةُ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» مُطْلَقًا، وَلِأَنَّهَا لُقَطَةٌ، وَفِي التَّصَدُّقِ بَعْدَ سَنَةِ إِيصَالِهَا إِلَى مَالِكِهَا بِقَدْرِ الْوُسْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيُشْرَعُ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﵊ فِي الْحَرَمِ: «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهُ إِلَّا لِمُنْشِدٍ» أَيْ لِمُعَرِّفٍ، وَالتَّخْصِيصُ بِالْحَرَمِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ السُّقُوطُ طَمَعًا أَنَّهَا لِلْغُرَبَاءِ.
[كِتَابُ الْآبِقِ]
وَهُوَ الْعَبْدُ الْهَارِبُ، أَبَقَ الْعَبْدُ إِذَا هَرَبَ وَتَأَبَّقَ إِذَا اسْتَتَرَ، وَيُقَالُ: احْتَبَسَ الْآبِقُ إِذَا هَرَبَ وَاسْتَتَرَ عَنْ مَوْلَاهُ احْتَبَسَ عَنْهُ.
قَالَ: (أَخْذُهُ أَفْضَلُ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ) ; لِأَنَّهُ إِحْيَاءٌ لَهُ وَإِبْقَاءٌ لَهُ عَلَى مِلْكِهِ (وَكَذَلِكَ الضَّالُّ) ، وَقِيلَ: تَرْكُ الضَّالِّ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ يَقِفُ مَكَانَهُ فَيَجِدُهُ صَاحِبُهُ بِخِلَافِ الْآبِقِ.
قَالَ: (وَيَدْفَعُهُمَا إِلَى السُّلْطَانِ) لِعَجْزِهِ عَنْ حِفْظِهِمَا (وَيَحْبِسُ الْآبِقَ دُونَ الضَّالِّ) ; لِأَنَّهُ يَخَافُ إِبَاقَ الْآبِقِ دُونَ الضَّالِّ.
قَالَ: (وَمَنْ رَدَّ الْآبِقَ عَلَى مَوْلَاهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَلَهُ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَبِحِسَابِهِ إِنْ نَقَصَتِ الْمُدَّةُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ
стр. 379
فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَلَهُ قِيمَتُهُ إِلَّا دِرْهَمًا (س) ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ وَالصَّبِيُّ كَالْبَالِغِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِيَرُدَّهُ، وَلَوْ أَبَقَ مِنْ يَدِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ رَهْنًا فَالْجُعْلُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ جَانِيًا فَعَلَى مَوْلَاهُ إِنْ فَدَاهُ، وَعَلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ إِنْ أَعْطَاهُ لَهُ، وَحُكْمُهُ فِي النَّفَقَةِ كَاللُّقَطَةِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَقُولُ: «جُعْلُ الْآبِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا» .
وَاجْتَمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى وُجُوبِ الْجُعْلِ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَرْبَعُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ دُونَهَا، فَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْأَرْبَعِينَ فِي مَسِيرَةِ السَّفَرِ وَمَا دُونَهَا فَمَا دُونَ تَوْفِيقًا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ ﵃، وَلِأَنَّ ذَلِكَ حَامِلٌ عَلَى رَدِّ الْآبِقِ وَصِيَانَةٌ لَهُ عَنِ الضَّيَاعِ إِذِ الْحِسْبَةُ قَلِيلَةٌ، وَقَوْلُهُ فِي نُقْصَانِ الْمُدَّةِ بِحِسَابِهِ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَقِيلَ: يَقْسِطُ لِكُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَثُلُثًا فَيُقَدِّرُ الرَّضْخَ بِقَدْرِهِ وَقِيلَ بِاصْطِلَاحِهِمَا.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَلَهُ قِيمَتُهُ إِلَّا دِرْهَمًا) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ الْجُعْلُ كَامِلًا لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْمَالِكِ فَيَنْقُصُ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمٌ لِتَحْصُلَ لَهُ الْفَائِدَةُ. قَالَ: (وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ كَالْقَنِّ) ; لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمِلْكِ (وَالصَّبِيُّ كَالْبَالِغِ) ; لِأَنَّهُ مَئُونَةُ الْمِلْكِ، وَلَوْ رَدَّهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهِ فَلَا جُعْلَ لَهُمَا ; لِأَنَّ الْحِفْظَ عَلَيْهِمَا وَهُمَا يَتَوَلَّيَانِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ الِابْنُ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالرَّدِّ مِنْ هَؤُلَاءِ تَبَرُّعًا وَاصْطِنَاعًا، وَلَوْ رَدَّ عَبْدَ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ سَائِرِ قَرَابَتِهِ لَا جُعْلَ لَهُ إِنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَهُ الْجُعْلُ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَبَقَ عَبْدِي إِنْ وَجَدْتَهُ فَخُذْهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَرَدَّهُ لَا جُعْلَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ وَعَدَهُ بِرَدِّهِ فَصَارَ مُتَبَرِّعًا. رَدَّ أَمَةً وَمَعَهَا وَلَدُهَا فَلَهُ جُعْلٌ وَاحِدٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقًا فَيَجِبُ ثَمَانُونَ دِرْهَمًا، وَلَوْ صَالَحَ عَنِ الْجُعْلِ عَلَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا جَازَ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَحُطُّ الْفَضْلَ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ أَرْبَعُونَ فَالزِّيَادَةُ رِبًا.
قَالَ: (وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِيَرُدَّهُ) عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي اللُّقَطَةِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالتَّعْلِيلِ.
قَالَ: (وَلَوْ أَبَقَ مِنْ يَدِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) ; لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي أَخْذِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ لِأَنَّهُ مَا رَدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ رَهْنًا فَالْجُعْلُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ بِجِنَايَةِ الرَّهْنِ وَهِيَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَلِأَنَّهُ أَحْيَا مَالِيَّتَهُ وَهِيَ حَقُّهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ خَالِيًا عَنِ الدَّيْنِ فَعَلَى الْمَالِكِ بِقَدْرِهِ مِنَ الْجُعْلِ كَمَا فِي الْفِدَاءِ فِي الْجِنَايَةِ، وَلِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَدْرِ الْمَضْمُونِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَالْجُعْلُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ ; لِأَنَّهُ مَئُونَةُ الْمِلْكِ (وَإِنْ كَانَ جَانِيًا فَعَلَى مَوْلَاهُ إِنْ فَدَاهُ، وَعَلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ إِنْ أَعْطَاهُ لَهُ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لِمَنْ يَسْتَقِرُّ الْمِلْكُ لَهُ وَالْجُعْلُ يَتْبَعُ الْمَنْفَعَتَيْنِ. قَالَ: (وَحُكْمُهُ فِي النَّفَقَةِ) فِي التَّبَرُّعِ وَإِذْنِ الْقَاضِي وَحَبْسِهِ بِهَا بَعْدَ الرَّدِّ (كَاللُّقَطَةِ) اشْتَرَى آبِقًا فَرَدَّهُ
стр. 380
كِتَابُ الْمَفْقُودِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ حَيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَمَيِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَيُقِيمُ الْقَاضِي مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ وَيَسْتَوْفِي غَلَّاتِهِ فِيمَا لَا وَكِيلَ لَهُ فِيهِ، وَيَبِيعُ مِنْ أَمْوَالِهِ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ، وَيُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَالَ حُضُورِهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا جُعْلَ لَهُ ; لِأَنَّهُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ إِلَّا بِالشِّرَاءِ وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ لِأَرُدَّهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ الْجُعْلُ ; لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي الثَّمَنِ، وَإِذَا حَبَسَ السُّلْطَانُ الْآبِقَ مُدَّةً وَلَمْ يَجِئْ لَهُ طَالِبٌ إِنْ شَاءَ بَاعَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَجَعَلَهَا دَيْنًا عَلَى الْمَالِكِ أَوْ فِي ثَمَنِهِ، وَلَا يُؤَاجِرُهُ خَوْفَ الْإِبَاقِ. أَمَّا الضَّالُّ يُؤَاجِرُهُ وَلَا يَبِيعُهُ.
[كِتَابُ الْمَفْقُودِ]
الْمَفْقُودُ: الْمَعْدُومُ، وَفَقَدْتَ الشَّيْءَ: إِذَا طَلَبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٢] أَيْ طَلَبْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ فَقَدَ عُدِمَ.
وَفِي الشَّرْعِ: الَّذِي غَابَ عَنْ أَهْلِهِ وَبَلَدِهِ أَوْ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ وَلَمْ يُدْرَ أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مَكَانٌ وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ زَمَانٌ فَهُوَ مَعْدُومٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ (وَحُكْمُهُ أَنَّهُ حَيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ) لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ وَلَا يُقَسَّمُ مَالُهُ وَلَا تُفْسَخُ إِجَارَتُهُ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ كَانَ ثَابِتًا فِي مَالِهِ وَزَوْجَتِهِ وَمَنَافِعِ مَا اسْتَأْجَرَهُ، وَغَيْبُوبَتُهُ لَا تُوجِبُ الْفُرْقَةَ، وَالْمَوْتُ مُحْتَمَلٌ، فَلَا يَزُولُ الثَّابِتُ بِالْيَقِينِ بِالِاحْتِمَالِ. «وَقَالَ ﵊ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: " هِيَ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ» رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: إِنَّهَا امْرَأَةٌ ابْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَأْتِيَهَا مَوْتٌ أَوْ طَلَاقٌ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُ سِنِينَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ.
قَالَ (و) هُوَ (مَيِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ) لَا يَرِثُ مِمَّنْ مَاتَ حَالَ غَيْبَتِهِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِبَقَائِهِ بِنَاءً عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ. قَالَ: (وَيُقِيمُ الْقَاضِي مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ وَيَسْتَوْفِي غَلَّاتِهِ فِيمَا لَا وَكِيلَ لَهُ فِيهِ، وَيَبِيعُ مِنْ أَمْوَالِهِ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ) ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِبَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ نَظَرًا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ كَمَا قُلْنَا فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَالْمَفْقُودُ عَاجِزٌ بِنَفْسِهِ فَيَتَصَرَّفُ لَهُ الْقَاضِي، وَالنَّظَرُ لَهُ فِيمَا ذَكَرْنَا، فَيَقْبِضُ دَيْنًا أَقَرَّ بِهِ الْغَرِيمُ وَلَا يُخَاصِمُ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي الْقَبْضِ مِنْ جِهَتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَلِي الْحِفْظَ دُونَ الْخُصُومَةِ، وَلَا يَبِيعُ مَا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ لَا فِي نَفَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا إِذْ لَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: (وَيُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَالَ حُضُورِهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ) كَزَوْجَتِهِ
стр. 381
فَإِنْ مَضَى لَهُ مِنَ الْعُمُرِ مَا لَا يَعِيشُ أَقْرَانُهُ حُكِمَ بِمَوْتِهِ.
كِتَابُ الْخُنْثَى إِذَا كَانَ لَهُ آلَةُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَإِنْ بَالَ مِنْ أَحَدِهِمَا اعْتُبِرَ بِهِ، فَإِنْ بَالَ مِنَ الذَّكَرِ فَهُوَ غُلَامٌ، وَإِنْ بَالَ مِنَ الْفَرْجِ فَهُوَ أُنْثَى، وَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا اعْتُبِرَ بِأَسْبَقِهِمَا،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَأَوْلَادِهِ وَأَبَوَيْهِ لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ لَهُمْ، وَكُلُّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا بِحَضْرَتِهِ إِلَّا بِقَضَاءٍ فَإِنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ كَالْأَخِ وَالْأُخْتِ وَنَحْوِهِمَا لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مِنْ مَالِهِ النَّقْدَانِ لِأَنَّهُمَا قِيمَةُ مَا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ دَيْنًا أَوْ وَدِيعَةً، فَإِنِ اعْتَرَفَ الْمَدْيُونُ وَالْمُوَدَعُ بِالْمَالِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالنَّسَبِ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا عِنْدَ الْقَاضِي فَلَا حَاجَةَ إِلَى اعْتِرَافِهِمْ، وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي بَعْضُ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ اعْتِرَافُهُمَا بِالْبَاقِي، وَلَوْ أَنْفَقَ الْمَدْيُونُ وَالْمُودَعُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِ الْقَاضِي ضَمِنَا لِأَنَّهُمَا مَا أَوْصَلَا الْحَقَّ إِلَى مَالِكِهِ وَلَا نَائِبِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ مَضَى لَهُ مِنَ الْعُمُرِ مَا لَا يَعِيشُ أَقْرَانُهُ حُكِمَ بِمَوْتِهِ) وَهُوَ الْأَقْيَسُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِاخْتِلَافِ الْأَعْمَارِ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِائَة سَنَةٍ، وَقِيلَ: تِسْعِينَ سَنَةً، وَهُوَ غَايَةُ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ أَعْمَارُ أَهْلِ زَمَانِنَا فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، وَهُوَ الْأَرْفَقُ لِأَنَّ فِي التَّفَحُّصِ عَنْ مَوْتِ الْأَقْرَانِ حَرَجًا، وَبَاقِي مَسَائِلِ الْمَفْقُودِ تَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[كِتَابُ الْخُنْثَى]
وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَنُّثِ وَهُوَ التَّكَسُّرُ، يُقَالُ: اطْوِ الثَّوْبَ عَلَى أَخْنَاثِهِ: أَيْ عَلَى تَكَسُّرِهِ وَمَطَاوِيهِ، وَسُمِّيَ الْخُنْثَى ; لِأَنَّهُ تَكَسَّرَ وَتَنَقَّصَ حَالُهُ عَنْ حَالِ الرِّجَالِ، وَيَفُوقُ عَلَى حَالِ النِّسَاءِ حَيْثُ كَانَ لَهُ آلَةُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَقَالَ عُمَرُ النَّسَفِيُّ: أَوَلَيْسَ لَهُ هَذَا وَلَا هَذَا وَيُخْرِجُ حَدَثَهُ مِنْ دُبُرِهِ أَوْ مِنْ سُرَّتِهِ. وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: إِذَا خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْ سُرَّتِهِ وَلَيْسَ لَهُ قُبُلٌ وَلَا ذَكَرٌ لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ فِي هَذَا.
(إِذَا كَانَ لَهُ آلَةُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَإِنْ بَالَ مِنْ أَحَدِهِمَا اعْتُبِرَ بِهِ، فَإِنْ بَالَ مِنَ الذَّكَرِ فَهُوَ غُلَامٌ، وَإِنْ بَالَ مِنَ الْفَرْجِ فَهُوَ أُنْثَى) ; لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْآلَةَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا هِيَ الْأَصْلُ وَالْأُخْرَى عَيْبٌ، «وَسُئِلَ ﷺ عَنْهُ كَيْفَ يُوَرَّثُ؟ فَقَالَ: " مِنْ حَيْثُ يَبُولُ» وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَهَكَذَا كَانَ حُكْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ.
قَالَ: (وَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا اعْتُبِرَ بِأَسْبَقِهِمَا) ;
стр. 382
فَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا مَعًا فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْكَثْرَةِ (سم) ، فَإِذَا بَلَغَ فَظَهَرَتْ لَهُ أَمَارَاتُ الرِّجَالِ فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ ظَهَرَتْ لَهُ أَمَارَاتُ النِّسَاءِ فَهُوَ امْرَأَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَظْهَرِ الْأَمَارَتَانِ أَوْ تَعَارَضَتَا فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ.
فَإِذَا حُكِمَ بِكَوْنِهِ خُنْثَى مُشْكِلًا يُؤْخَذُ فِيهِ بِالْأَحْوَطِ وَالْأَوْثَقِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَيُوَرَّثُ أَخَسَّ السَّهْمَيْنِ وَيَقِفُ بَيْنَ صَفِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ صَلَّى فِي صَفِّ النِّسَاءِ أَعَادَ، وَلَوْ صَلَّى فِي صَفِّ الرِّجَالِ يُعِيدُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَمَنْ خَلْفَهُ بِحِذَائِهِ، وَيُصَلِّي بِقِنَاعٍ، وَلَا يَلْبَسُ الْحُلِيَّ وَالْحَرِيرَ، وَلَا يَخْلُو بِهِ غَيْرُ مَحْرَمٍ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ، وَلَا يُسَافِرُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَتُبْتَاعُ لَهُ أَمَةٌ تَخْتِنُهُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ الْعُضْوُ الْأَصْلِيُّ (فَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا مَعًا فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْكَثْرَةِ) ، وَقَالَ: يُعْتَبَرُ أَكْثَرُهُمَا بَوْلًا ; لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ وَلِأَنَّهُ عَلَامَةٌ أُخْرَى عَلَى الْأَصَالَةِ وَالْقُوَّةِ، وَلَهُ أَنَّ الْكَثْرَةَ تَكُونُ لِاتِّسَاعِ الْمَخْرَجِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْأَصَالَةِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقَدْرِ فَهُوَ مُشْكِلٌ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
قَالَ: (فَإِذَا بَلَغَ فَظَهَرَتْ لَهُ أَمَارَاتُ الرِّجَالِ فَهُوَ رَجُلٌ) وَذَلِكَ كَاللِّحْيَةِ وَمُجَامَعَةِ النِّسَاءِ وَالِاحْتِلَامِ مِنَ الذَّكَرِ ; لِأَنَّ هَذِهِ عَلَامَةٌ تَخُصُّ الرِّجَالَ (وَإِنْ ظَهَرَتْ لَهُ أَمَارَاتُ النِّسَاءِ فَهُوَ امْرَأَةٌ) كَالْحَيْضِ وَالْحَبَلِ وَنُزُولِ الثَّدْيِ وَاللَّبَنِ فِيهِ وَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ ; لِأَنَّ هَذِهِ عَلَامَاتٌ تَخُصُّ النِّسَاءَ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَظْهَرِ الْأَمَارَتَانِ أَوْ تَعَارَضَتَا فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَالَ مُحَمَّدٌ: الْإِشْكَالُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَإِذَا بَلَغَ فَلَا إِشْكَالَ. قَالَ النَّسَفِيُّ: وَلَيْسَ يَخْلُو إِذَا بَلَغَ مِنْ بَعْضِ هَذِهِ الْعَلَائِمِ.
[فصل أحكام الْخُنْثَى]
فَصْلٌ (فَإِذَا حُكِمَ بِكَوْنِهِ خُنْثَى مُشْكِلًا يُؤْخَذُ فِيهِ بِالْأَحْوَطِ وَالْأَوْثَقِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ) فَلَا يُحْكَمُ بِمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي ثُبُوتِهِ، وَيُرَجَّحُ الْمُحَرِّمُ عَلَى الْمُبِيحِ (فَيُوَرَّثُ أَخَسَّ السَّهْمَيْنِ) ، وَيُعْرَفُ بَيَانُهُ فِي الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَقِفُ بَيْنَ صَفِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ) ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَجُلًا لَا يَجُوزُ وُقُوفُهُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ لِئَلَّا تَفْسُدَ صَلَاتُهُ، وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً لَا يَجُوزُ وُقُوفُهَا فِي صَفِّ الرِّجَالِ لِئَلَّا تَفْسُدَ صَلَاتُهُمْ، فَيَقِفُ بَيْنَهُمَا.
قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى فِي صَفِّ النِّسَاءِ أَعَادَ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا (وَلَوْ صَلَّى فِي صَفِّ الرِّجَالِ يُعِيدُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَمَنْ خَلْفَهُ بِحِذَائِهِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ.
قَالَ: (وَيُصَلِّي بِقِنَاعٍ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ، وَيَجْلِسُ كَمَا تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ (وَلَا يَلْبَسُ الْحُلِيَّ وَالْحَرِيرَ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ (وَلَا يَخْلُو بِهِ غَيْرُ مَحْرَمٍ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ، وَلَا يُسَافِرُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ) احْتِيَاطًا. قَالَ: (وَتُبْتَاعُ لَهُ أَمَةٌ تَخْتِنُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتِنَهُ
стр. 383
فَإِذَا خَتَنَتْهُ بَاعَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَسْتَبِنْ حَالُهُ يُمِّمَ، ثُمَّ يُكَفَّنُ وَيُدْفَنُ كَالْجَارِيَةِ.
كِتَابُ الْوَقْفِ
وَهُوَ حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمَنْفَعَةِ وَلَا يَلْزَمُ إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ (سم ف) ، أَوْ يَقُولَ: إِذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْتُهُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ لِمَا بَيَّنَّا، وَيَجُوزُ لِجَارِيَتِهِ النَّظَرُ إِلَى فَرْجِهِ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً (فَإِذَا خَتَنَتْهُ بَاعَهَا) لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ; لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يَشْتَهِي جَازَ خِتَانُهُ لِلرَّجُلِ وَلِلْمَرْأَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُزَوَّجُ امْرَأَةً، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا صَحَّ النِّكَاحُ وَحَلَّ لَهَا النَّظَرُ إِلَى فَرْجِ زَوْجِهَا، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَلَا نِكَاحَ، لَكِنْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ النَّظَرُ إِلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا يَرِثُ الْخُنْثَى مِنْ مَوْلَى أَبِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى وَلَوْ أَوْصَى لِحَمْلِ فُلَانَةَ بِأَلْفٍ إِنْ كَانَ ذَكَرًا وَبِخَمْسِمِائَةٍ إِنْ كَانَ أُنْثَى فَوَلَدَتْ خُنْثَى فَلَهُ خَمْسُمِائَةٍ احْتِيَاطًا إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ خَطَأً وَقَالَ إِنَّهُ أُنْثَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ وَلَا قِصَاصَ فِي أَطْرَافِهِ أَصْلًا، وَلَوِ ارْتَدَّ لَا يُقْتَلُ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ وَلَا تُقَرَّرُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ لَوْ كَانَ كَافِرًا، وَلَوْ أُسِرَ لَا يُقْتَلُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى، وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَجُلًا فَهُوَ كَالْمَجْبُوبِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَهِيَ كَالرَّتْقَاءِ، وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُمَا لِأَنَّ الْحَدَّ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَوْ فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَوَلَدَتْ خُنْثَى لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَسْتَبِنْ أَمْرُهُ. وَلَوْ قَالَ: كُلُّ عَبْدٍ لَهُ حُرٌّ، أَوْ كُلُّ أَمَةٍ لَهُ حُرَّةٌ لَا يَعْتِقُ الْخُنْثَى حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ، وَلَوْ بَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ عَتَقَ لِلتَّيَقُّنِ.
(وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَسْتَبِنْ حَالُهُ يُمِّمَ ثُمَّ يُكَفَّنُ) ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ غُسْلُهُ لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ احْتِيَاطًا فَقَدْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ فَيُمِّمَ، وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْجَنَائِزُ جُعِلَتْ جِنَازَتُهُ بَيْنَ جِنَازَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِمَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ فِي حَيَاتِهِ (وَيُدْفَنُ كَالْجَارِيَةِ) احْتِيَاطًا.
[كِتَابُ الْوَقْفِ]
الْوَقْفُ فِي اللُّغَةِ: الْحَبْسُ، يُقَالُ: وَقَفْتَ الدَّابَّةَ إِذَا حَبَسْتَهَا عَلَى مَكَانِهَا، وَمِنْهُ الْمَوْقِفُ لِأَنَّ النَّاسَ يُوقَفُونَ فِيهِ: أَيْ يُحْبَسُونَ لِلْحِسَابِ.
وَفِي الشَّرْعِ: حَبْسُ شَيْءٍ مَعْلُومٍ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَهُوَ حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَالتَّصَدُّقِ بِالْمَنْفَعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ، أَوْ يَقُولَ: إِذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْتُهُ) . وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ أَصْلِ الْوَقْفِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «تَصَدَّقَ بِسَبْعِ حَوَائِطَ
стр. 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي الْمَدِينَةِ» ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَقَفُوا، وَالْخَلِيلُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه - وَقَفَ وُقُوفًا هِيَ بَاقِيَةٌ جَارِيَةٌ إِلَى يَوْمِنَا. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ جَوَازِهِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ: شَرْطُ جَوَازِهِ أَنْ يَكُونَ مُوصًى بِهِ، أَوْ يَقُولَ: إِذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْتُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ لَا يَصِحُّ وَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَيُوَرَّثُ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ فَيَصِيرَ جَائِزًا وَيَتَأَبَّدَ، وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِلُزُومِهِ لَزِمَ وَنَفَذَ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فِي مُجْتَهِدٍ وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ إِبْطَالُهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُ حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ وَقَفْتُ وَالتَّصَدُّقِ بِثَمَرَتِهِ وَغَلَّتِهِ الْمَعْدُومَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَا يَصِحُّ التَّصَدُّقُ بِالْمَعْدُومِ إِلَّا بِالْوَصِيَّةِ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ إِزَالَةُ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِهِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَجَعْلُهُ مَحْبُوسًا عَلَى حُكْمِ مِلْكِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى وَجْهٍ يَصِلُ نَفْعُهُ إِلَى عِبَادِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مِلْكِهِ وَيَخْلُصَ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَيَصِيرَ مُحَرَّرًا عَنِ التَّمْلِيكِ لِيَسْتَدِيمَ نَفْعُهُ وَيَسْتَمِرَّ وَقْفُهُ لِلْعِبَادِ. لَهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى لُزُومِ الْوَقْفِ لِيَصِلَ ثَوَابُهُ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ، وَأَنَّهُ مُمْكِنٌ بِإِسْقَاطِ مِلْكِهِ وَجَعْلِهِ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَالْمَسْجِدِ فَيُجْعَلُ كَذَلِكَ.
قَالَ النَّسَفِيُّ: وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى دَخَلَ بَغْدَادَ فَسَمِعَ حَدِيثَ عُمَرَ فَرَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ: لَوْ بَلَغَ هَذَا أَبَا حَنِيفَةَ لَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ لَهُ أَرْضٌ تُدْعَى ثَمْغًا وَكَانَتْ نَخْلًا نَفِيسًا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا نَفِيسًا أَفَأَتَصَدَّقُ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُوَرَّثُ، وَلَكِنْ تُنْفَقُ ثَمَرَتُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ» ، فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَذَوِي الْقُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُؤَكِّلَ صَدِيقًا لَهُ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: «لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ» ، وَعَنْ شُرَيْحٍ جَاءَ مُحَمَّدٌ بِبَيْعِ الْحَبِيسِ. «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِضَيْعَةٍ لَهُ، فَشَكَاهُ أَبُوهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: " ارْجِعْ فِي صَدَقَتِكَ» ، وَلِأَنَّ شَرَائِطَ الْوَاقِفِ تُرَاعَى فِيهِ، وَلَوْ زَالَ عَنْ مِلْكِهِ لَمْ تُرَاعَ كَالْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّصَدُّقِ بِالْغَلَّةِ دَائِمًا، وَلَا ذَلِكَ إِلَّا بِبَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ، ثُمَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ أَرْبَعَةُ شَرَائِطَ: التَّسْلِيمُ إِلَى الْمُتَوَلِّي، وَأَنْ يَكُونَ مُفْرَزًا، وَأَلَّا يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ، وَأَنْ يَكُونَ مُؤَبَّدًا بِأَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ. لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٍ ﵃ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ إِلَّا مَحُوزَةً مَقْبُوضَةً، وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ حَقِيقَةٌ مِنَ اللَّهِ لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْأَشْيَاءِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ ضِمْنًا لِلتَّسْلِيمِ إِلَى الْعَبْدِ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهُ مَتَى كَانَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ لَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ - تَعَالَى -.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ وَصَارَ كَالْإِعْتَاقِ، وَأَخَذَ مَشَايِخُ خُرَاسَانَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَرْغِيبًا
стр. 385
وَلَا يَجُوزُ وَقْفُ الْمُشَاعِ (س) ، وَإِنْ حُكِمَ بِهِ جَازَ، وَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَجْعَلَ آخِرَهُ لِجِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ (س) أَبَدًا، وَيَجُوزُ وَقْفُ الْعَقَارِ، وَلَا يَجُوزُ وَقْفُ الْمَنْقُولِ (س) ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ جَوَازُ وَقْفِ مَا جَرَى فِيهِ التَّعَامُلُ كَالْفَأْسِ وَالْقَدُومِ وَالْمِنْشَارِ وَالْقُدُورِ وَالْجِنَازَةِ وَالْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِلنَّاسِ فِي الْوَقْفِ. قَالَ الْخَصَّافُ: ذِكْرُ الْوَقْفِ ذِكْرُ التَّأْبِيدِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَاصِمٍ: قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَقْوَى لِمُقَارَبَةٍ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْمِلْكِ إِذْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَقْرَبُ إِلَى مُوَافَقَةِ الْآثَارِ، وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ بُخَارَى.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ وَقْفُ الْمُشَاعِ) عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَثَرِ وَلِأَنَّ الْقَبْضَ عِنْدَهُ شَرْطٌ، وَيَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ (وَإِنْ حُكِمَ بِهِ جَازَ) بِالْإِجْمَاعِ لِمَا مَرَّ، وَإِنْ طَلَبَ الشَّرِيكُ الْقِسْمَةَ يُقَسَّمُ ; لِأَنَّهَا إِفْرَازٌ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ، إِلَّا أَنَّا غَلَّبْنَا جِهَةَ الْإِفْرَازِ نَظَرًا لِلْوَقْفِ، فَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ غَيْرَ الْوَاقِفِ يُقَاسِمُهُ ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ يُقَاسِمُهُ الْقَاضِي لِئَلَّا يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الدَّرَاهِمِ لِلْوَقْفِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا لِلْوَقْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ مِنَ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِلْوَقْفِ وَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ يَجُوزُ مَعَ الشُّيُوعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ، وَلَا يَجُوزُ الشُّيُوعُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تُنَافِي الْخُلُوصَ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّهَايُؤُ فِيهَا قَبِيحٌ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ يَوْمًا وَيَسْكُنَ يَوْمًا وَيَدْفِنَ فِيهِ شَهْرًا وَيَزْرَعَ شَهْرًا، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنَ الْوُقُوفِ لِأَنَّ الِاسْتِغْلَالَ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُسْتَبْشَعٍ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَجْعَلَ آخِرَهُ لِجِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَنَّهُ يَحْصُلُ بِجِهَةٍ تَنْقَطِعُ. وَلَهُمَا أَنَّ مُوجِبَهُ زَوَالُ الْمِلْكِ بِدُونِ التَّمْلِيكِ وَذَلِكَ بِالتَّأْبِيدِ كَالْعِتْقِ، فَإِذَا لَمْ يَتَأَبَّدْ لَمْ يَتَوَفَّرْ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ وَلِهَذَا يُبْطِلُهُ التَّوْقِيتُ كَمَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ. ثُمَّ قِيلَ: التَّأْبِيدُ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا اشْتَرَطَ ذِكْرَهُ ; لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ بِالْمَنْفَعَةِ أَوْ بِالْغَلَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُؤَقَّتًا وَيَكُونُ مُؤَبَّدًا كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ التَّأْبِيدُ إِلَّا بِالتَّنْصِيصِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْوَقْفِ يُنْبِئُ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ وَقْفُ الْعَقَارِ) لِمَا مَرَّ مِنَ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ (وَلَا يَجُوزُ وَقْفُ الْمَنْقُولِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا وَقَفَ ضَيْعَةً بِبَقَرِهَا وَأَكَرَتِهَا وَهُمْ عَبِيدُهُ جَازَ لِلتَّبَعِيَّةِ وَكَذَلِكَ وَقْفُ الدُّولَابِ وَمَعَهُ سَانِيَتُهُ وَعَلَيْهَا حَبْلٌ وَدَلْوٌ. وَلَوْ وَقَفَ بَيْتًا فِيهِ كُوَّارَةُ عَسَلٍ جَازَ وَصَارَ النَّحْلُ تَابِعًا لِلْعَسَلِ. وَلَوْ وَقَفَ دَارًا فِيهَا حَمَّامٌ صَارَ الْحَمَّامُ تَبَعًا لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَثْبُتُ تَبَعًا وَلَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا كَالشِّرْبِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ وَالْبِنَاءِ فِي الشُّفْعَةِ.
(وَعَنْ مُحَمَّدٍ جَوَازُ وَقْفِ مَا جَرَى فِيهِ التَّعَامُلُ كَالْفَأْسِ وَالْقَدُومِ وَالْمِنْشَارِ وَالْقُدُورِ وَالْجِنَازَةِ وَالْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ)
стр. 386
بِخِلَافِ مَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَيَجُوزُ حَبْسُ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ وَلَا تَمْلِيكُهُ، وَيَبْدَأُ مِنِ ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهَا الْوَاقِفُ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَنِيٍّ عَمَّرَهُ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى فُقَرَاءَ فَلَا تُقَدَّرُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَى أَوْ كَانَ فَقِيرًا آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَّرَهَا بِأُجْرَتِهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى، وَمَا انْهَدَمَ مِنْ بِنَاءِ الْوَقْفِ وَآلَتِهِ صُرِفَ فِي عِمَارَتِهِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِوُجُودِ التَّعَامُلِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَبِالتَّعَامُلِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ كَمَا فِي الِاسْتِصْنَاعِ، قَالَ ﵊: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» ، (بِخِلَافِ مَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ) كَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْوَقْفِ التَّأْبِيدَ كَمَا بَيَّنَّا تَرَكْنَاهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ بِالنَّصِّ، وَفِيمَا جَرَى فِيهِ التَّعَامُلُ بِالتَّعَامُلِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ (وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ) لِحَاجَةِ النَّاسِ وَتَعَامُلِهِمْ بِذَلِكَ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ حَبْسُ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ) أَيْ وَقْفُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; لِأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَقَفَ دُرُوعًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، «وَجَعَلَ رَجُلٌ نَاقَتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَ آخَرُ أَنْ يَحُجَّ عَلَيْهَا فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ» ، وَطَلْحَةُ حَبَسَ سِلَاحَهُ وَكُرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: أَيْ خَيْلَهُ، وَالْإِبِلُ كَالْخَيْلِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُقَاتِلُ عَلَيْهَا وَتَحْمِلُ عَلَيْهَا السِّلَاحَ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ وَلَا تَمْلِيكُهُ) لِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، وَلِأَنَّهُ يُبْطِلُ التَّأْبِيدَ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْوَقْفِ التَّأْبِيدُ.
قَالَ: (وَيَبْدَأُ مِنِ ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهَا الْوَاقِفُ) تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِهِ، فَإِنَّهُ قَصْدُهُ وُصُولُ الثَّوَابِ إِلَيْهِ بِوُصُولِ الْمَنْفَعَةِ أَوِ الْغَلَّةِ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ وَذَلِكَ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ وَإِنَّهُ بِالْعِمَارَةِ فَكَانَتِ الْعِمَارَةُ شَرْطًا لِمُقْتَضَى الْوَقْفِ (فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَنِيٍّ عَمَّرَهُ مِنْ مَالِهِ) لِيَكُونَ الْغُنْمُ بِالْغُرْمِ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ مُطَالَبَتُهُ (وَإِنْ كَانَ عَلَى فُقَرَاءَ فَلَا تُقَدَّرُ عَلَيْهِمْ) وَغَلَّةُ الْوَقْفِ أَقْرَبُ أَمْوَالِهِمْ فَيَجِبُ فِيهَا، وَإِنْ وَقَفَ دَارَهُ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى ; لِأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ (فَإِنْ أَبَى أَوْ كَانَ فَقِيرًا آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَّرَهَا بِأُجْرَتِهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى) رِعَايَةً لِلْحَقَّيْنِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَمِّرْهَا تَفُوتُ السُّكْنَى أَصْلًا فَيَفُوتُ حَقُّهُمْ فِي السُّكْنَى وَحَقُّ الْوَاقِفِ فِي الثَّوَابِ، وَلَا يُكْرَهُ الْمُمْتَنِعُ عَنِ الْعِمَارَةِ لِأَنَّهُ يُتْلِفُ مَالَ نَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ بِامْتِنَاعِهِ رَاضِيًا بِبُطْلَانِ حَقِّهِ ; لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ، ثُمَّ الْمُسْتَحَقُّ مِنَ الْعِمَارَةِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى الْمَوْقُوفُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرِبَ يُبْنَى كَمَا كَانَ ; لَأَنَّ بِتِلْكَ الصِّفَةِ كَانَتْ غَلَّتُهُ مَصْرُوفَةً إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الزِّيَادَةِ، وَمَنْ لَهُ السُّكْنَى لَا يَجُوزُ إِجَارَتُهُ لَعَدَمُ مَالِكِيَّتِهِ.
قَالَ: (وَمَا انْهَدَمَ مِنْ بِنَاءِ الْوَقْفِ وَآلَتِهِ صُرِفَ فِي عِمَارَتِهِ) مِثْلَ الْآجُرِّ وَالْخَشَبِ وَالْقَارِ وَالْأَحْجَارِ لِيَبْقَى
стр. 387
فَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ حُبِسَ لِوَقْتِ حَاجَتِهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إِعَادَةُ عَيْنِهِ بِيعَ، وَيُصْرَفُ الثَّمَنُ إِلَى عِمَارَتِهِ، وَلَا يَقْسِمُهُ بَيْنَ مُسْتَحِقِّي الْوَقْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْوَاقِفُ غَلَّةَ الْوَقْفِ أَوْ بَعْضَهَا لَهُ وَالْوِلَايَةَ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ نَزَعَهُ الْقَاضِي مِنْهُ وَوَلَّى غَيْرَهُ، وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يُفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ وَيَأْذَنَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ (س) .
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَلَى التَّأْبِيدِ (فَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ حُبِسَ لِوَقْتِ حَاجَتِهِ) فَيُصْرَفُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعِمَارَةِ فَيَحْبِسُهُ كَيْلَا يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْحَاجَّةِ (وَإِنْ تَعَذَّرَ إِعَادَةُ عَيْنِهِ بِيعَ وَيُصْرَفُ الثَّمَنُ إِلَى عِمَارَتِهِ) صَرْفًا لَهُ إِلَى مَصْرِفِ الْأَصْلِ (وَلَا يَقْسِمُهُ بَيْنَ مُسْتَحِقِّي الْوَقْفِ) لِأَنَّ الْعَيْنَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهَذَا مِنْهَا فَلَا يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ غَيْرُ حَقِّهِمْ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْوَاقِفُ غَلَّةَ الْوَقْفِ أَوْ بَعْضَهَا لَهُ وَالْوِلَايَةَ إِلَيْهِ) وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ (فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ نَزَعَهُ الْقَاضِي مِنْهُ وَوَلَّى غَيْرَهُ) نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ كَإِخْرَاجِ الْوَصِيِّ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ لِمُخَالَفَتِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ، وَإِنْ مَاتَ الْقَيِّمُ فِي حَيَاةِ الْوَاقِفِ نَصَّبَ غَيْرَهُ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ وَوَصِيُّهُ بِمَنْزِلَتِهِ ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ لِلْوَقْفِ نَظَرِيَّةٌ وَهِيَ فِيمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُوصِ إِلَى أَحَدٍ فَالرَّأْيُ لِلْقَاضِي، وَلَا يَجْعَلُ الْقَيِّمَ مِنَ الْأَجَانِبِ مَا دَامَ يَجِدُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْوَاقِفِ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ إِمَّا لِأَنَّهُ أَشْفَقَ أَوْ لِأَنَّ مِنْ قَصْدِ الْوَاقِفِ نِسْبَةَ الْوَقْفِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَمِنَ الْأَجَانِبِ مَنْ يَصْلُحُ، فَإِنْ أَقَامَ أَجْنَبِيًّا ثُمَّ صَارَ مِنْ وَلَدِهِ مَنْ يَصْلُحُ صَرَفَهُ إِلَيْهِ كَمَا فِي حَقِيقَةِ الْمِلْكِ. أَرْبَابُ الْوَقْفِ الْمَعْدُودُونَ إِذَا نَصَّبُوا مُتَوَلِّيًا بِدُونِ رَأْيِ الْقَاضِي صَحَّ إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ كَمَا إِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ مَسْجِدٍ عَلَى نَصْبِ مُتَوَلٍّ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ.
قَالَ: (وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يُفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ - تَعَالَى - إِلَّا بِهِ.
قَالَ: (وَيَأْذَنُ بِالصَّلَاةِ فِيهِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ; لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِيرُ مَسْجِدًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَالْإِعْتَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْمَسْجِدُ، وَالتَّسْلِيمُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ جَمَاعَةً فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ; لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُنِيَتْ لِلْجَمَاعَةِ، وَلَوْ صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ وُحْدَانًا فِي رِوَايَةٍ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِمَا بَيَّنَّا، وَفِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْمَسَاجِدِ وَبِهَا يَتَحَرَّرُ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةَ اخْتِصَاصٍ كَالْكَعْبَةِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ فِيهِ شَرْطُ الْخِيَارِ وَلَا تَعْيِينُهُ الْإِمَامَ وَلَا مَنْ يُصَلِّي فِيهِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ حَيْثُ بَقِيَ مَمْلُوكًا يَنْتَفِعُ بِهِ كَسَائِرِ الْمَمْلُوكَاتِ سُكْنَى وَزِرَاعَةً حَتَّى لَوْ لَمْ يَخْلُصِ الْمَسْجِدُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِأَنْ كَانَ تَحْتَهُ سِرْدَابٌ أَوْ فَوْقَهُ بَيْتٌ، أَوْ جَعَلَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ لَا يَصِيرُ مَسْجِدًا وَيُورَثُ عَنْهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ السِّرْدَابُ أَوِ الْعُلُوُّ لِمَصَالِحِ
стр. 388
وَمَنْ بَنَى سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ خَانًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ أَوْ رِبَاطًا أَوْ حَوْضًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَقْبُرَةً أَوْ طَرِيقًا لِلنَّاسِ لَا يَلْزَمُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ أَوْ يُعَلِّقْهُ بِمَوْتِهِ، وَالْوَقْفُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ. رِبَاطٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ يُصْرَفُ وَقْفُهُ إِلَى أَقْرَبِ رِبَاطٍ إِلَيْهِ، وَلَوْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَبِجَنْبِهِ طَرِيقُ الْعَامَّةِ يُوَسَّعُ مِنْهُ الْمَسْجِدُ، وَلَوْ ضَاقَ الطَّرِيقُ وُسِّعَ مِنَ الْمَسْجِدِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَا وَقْفًا عَلَيْهِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ أَجَازَ ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ لِضِيقِ الْمَنَازِلِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلَهُ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَادَ، وَلَوْ خُرِّبَ مَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ يَعُودُ مِلْكًا، وَيُورَثُ عَنْهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَبَعْضُهُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ.
قَالَ: (وَمَنْ بَنَى سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ خَانًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ أَوْ رِبَاطًا أَوْ حَوْضًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً أَوْ طَرِيقًا لِلنَّاسِ) فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ أَوْ يُعَلِّقْهُ بِمَوْتِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّهُ عَنْهُ حَتَّى جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ وَيَسْكُنَ وَيَدْفِنَ وَيَشْرَبَ مِنَ الْحَوْضِ، بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ لِمَا تَقَدَّمَ إِذِ التَّسْلِيمُ لَيْسَ بِمَشْرُوطٍ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ التَّسْلِيمُ، وَهُوَ الِاسْتِقَاءُ مِنَ السِّقَايَةِ وَالْبِئْرِ وَالدَّفْنِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالنُّزُولِ فِي الْخَانِ وَالرِّبَاطِ وَالشُّرْبِ مِنَ الْحَوْضِ وَيُكْتَفَى فِيهِ بِفِعْلِ الْوَاحِدِ لِتَعَذُّرِ الْجِنْسِ، وَلَوْ نَصَّبَ لَهُ مُتَوَلٍّ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ جَازَ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ سَلَّمَ الْمَسْجِدَ إِلَى مُتَوَلٍّ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَصُلِّ فِيهِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا إِنْ سَلَّمَهُ إِلَى الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْفُقَرَاءُ وَالْأَغْنِيَاءُ عُرْفًا لِحَاجَةِ الْكُلِّ إِلَى ذَلِكَ.
قَالَ: (وَالْوَقْفُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ) ; لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فَصَارَ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ.
قَالَ: (رِبَاطٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ يُصْرَفُ وَقْفُهُ إِلَى أَقْرَبِ رِبَاطٍ إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَصْلَحُ. رِبَاطٌ عَلَى بَابِهِ قَنْطَرَةٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِالرِّبَاطِ إِلَّا بِالْعُبُورِ عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهَا وَقْفٌ يَجُوزُ أَنْ تُعَمَّرَ بِمَا فَضَلَ مِنْ وَقْفِ الرِّبَاطِ ; لِأَنَّهَا مَصْلَحَةُ الْعَامَّةِ (وَلَوْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَبِجَنْبِهِ طَرِيقُ الْعَامَّةِ يُوَسَّعُ مِنْهُ الْمَسْجِدُ) ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا لِلْمُسْلِمِينَ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ (وَلَوْ ضَاقَ الطَّرِيقُ وُسِّعَ مِنَ الْمَسْجِدِ) عَمَلًا بِالْأَصْلَحِ، وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِالشَّهَادَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْوَقْفِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى مُدَّعٍ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ بِالْإِجْمَاعِ.
١ -
فَصْلٌ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَلَهُ بِنْتٌ فَقِيرَةٌ صَغِيرَةٌ إِنْ وَقَفَ فِي صِحَّتِهِ يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهَا وَفِي مَرَضِهِ لَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ.
اشْتَرَى الْقَيِّمُ ثَوْبًا وَأَعْطَى الْمَسَاكِينَ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الدَّرَاهِمِ.
إِذَا غَرَسَ الْقَيِّمُ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ لِلْمَسْجِدِ كَالْبِنَاءِ، وَإِنْ غَرَسَ عَلَى نَهْرِ الْعَامَّةِ
стр. 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَهُوَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْعَامَّةِ، وَلَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَحْدَهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَلَا يَسْتَجْلِبُ الثَّوَابَ وَصَارَ كَالصَّدَقَةِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَهُمْ يُحْصَوْنَ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ جَازَ، وَيَكُونُ كَمَا شَرَطَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنِ انْقَرَضَ الْأَغْنِيَاءُ.
وَلَوْ قَالَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَدْخُلُ فُقَرَاءُ قَرَابَتِهِ وَأَوْلَادُهُ، وَصَرْفُ الْغَلَّةِ إِلَيْهِمْ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهَا إِلَى الْأَجَانِبِ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ، ثُمَّ الصَّرْفُ إِلَى وَلَدِهِ أَفْضَلُ لِأَنَّ الصِّلَةَ فِي حَقِّهِ أَوْجَبُ وَأَجْزَلُ، ثُمَّ إِلَى قَرَابَتِهِ، ثُمَّ إِلَى مَوَالِيهِ، ثُمَّ إِلَى جِيرَانِهِ ثُمَّ إِلَى أَهْلِ مِصْرِهِ أَقْرَبِهِمْ مَنْزِلًا إِلَى الْوَاقِفِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ هِلَالُ بْنُ يَحْيَى الرَّازِيُّ ; وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى الْكُلُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ; لِأَنَّهُ إِذَا صَرَفَ الْكُلَّ إِلَيْهِمْ دَائِمًا وَقَدُمَ الْعَهْدُ رُبَّمَا اتَّخَذُوهُ مِلْكًا لِأَنْفُسِهِمْ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُعْطَى كُلُّ فَقِيرٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ; لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ فَأَشْبَهَتِ الزَّكَاةَ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا قَالَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ لِأَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ.
وَإِذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ صُلْبِهِ وَوَلَدُ وَلَدِهِ الْمَوْجُودِينَ يَوْمَ الْوَقْفِ وَبَعْدَهُ، وَيَشْتَرِكُ الْبَطْنَانِ فِي الْغَلَّةِ، وَلَا يَدْخُلُ مَنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْ هَذَيْنِ الْبَطْنَيْنِ لِأَنَّهُ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ ; وَفِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ رِوَايَتَانِ تُذْكَرُ فِي الْوَصَايَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَلَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَأَوْلَادِهِمْ تَدْخُلُ الْبُطُونُ كُلُّهَا وَإِنْ سَفُلُوا، الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ فِيهِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوْلَادَهُمْ عَلَى الْعُمُومِ، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي يَدْخُلُ فِيهِ الْبُطُونُ كُلُّهَا لِعُمُومِ اسْمِ الْأَوْلَادِ، وَلَكِنْ يُقَدَّمُ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ فَإِذَا انْقَرَضَ فَالثَّانِي، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ يَشْتَرِكُ جَمِيعُ الْبُطُونِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ صِلَةُ أَوْلَادِهِ وَبِرُّهُمْ، وَالْإِنْسَانُ يَقْصِدُ صِلَةَ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ لِأَنَّ خِدْمَتَهُ إِيَّاهُ أَكْثَرُ وَهُمْ إِلَيْهِ أَقْرَبُ فَكَانَ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقُهُ أَرْجَحَ، ثُمَّ النَّافِلَةُ قَدْ يَخْدُمُونَ الْجَدَّ فَكَانَ قَصْدُ صِلَتِهِمْ أَكْثَرَ، وَمَنْ عَدَا هَذَيْنِ قَلَّ مَا يُدْرِكُ الرَّجُلُ خِدْمَتَهُمْ فَيَكُونُ قَصْدُهُ بِرَّهُمْ وَصِلَتَهُمْ لِنِسْبَتِهِمْ إِلَيْهِ لَا لِخِدْمَتِهِمْ لَهُ، وَهُمْ فِي النِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ فَاسْتَوَوْا فِي غَلَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ فَمَنْ أَثْبَتَ الْقَرَابَةَ وَالْفَقْرَ بِالْبَيِّنَةِ يَسْتَحِقُّ وَإِلَّا فَلَا، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْقَرَابَةِ إِنْ لَمْ يُفَسِّرُوهَا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِتَنَوُّعِ الْقَرَابَةِ وَاخْتِلَافِهَا، كَمَا إِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ وَارِثٌ لَا تُقْبَلُ مَا لَمْ يُفَسِّرُوا جِهَةَ الْإِرْثِ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْفَقْرِ لَا تُسْمَعُ مَا لَمْ يَقُلِ الشُّهُودُ: إِنَّهُ فَقِيرٌ مُعْدَمٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا وَلَا أَحَدًا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ; لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ نَفَقَةٌ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَا حَظَّ لَهُ فِي هَذَا الْوَقْفِ كَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ النَّفَقَةَ فَيَصِيرُونَ بِهَا أَغْنِيَاءَ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ إِلَّا بِقَضَاءٍ كَالْإِخْوَةِ وَنَحْوِهِمْ لَهُ حَظٌّ فِي هَذَا الْوَقْفِ، وَالْقَضَاءُ بِفَقْرِهِ فِي الْوَقْفِ لَا يَكُونُ قَضَاءً بِفَقْرِهِ فِي حَقِّ الدَّيْنِ، وَالْقَضَاءُ لِفَقْرِهِ فِي حَقِّ الدَّيْنِ قَضَاءٌ بِفَقْرِهِ فِي حَقِّ الْوَقْفِ ; لِأَنَّ مَنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَخَادِمٌ وَعُرُوضُ الْكِفَايَةِ فَقِيرٌ فِي حَقِّ الْوَقْفِ دُونَ الدَّيْنِ، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَقْرَبِ قَرَابَتِي فَبِنْتُ
стр. 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِنْتِ الْبِنْتِ أَوْلَى مِنَ الْأُخْتِ لِأَبَوَيْنِ ; لِأَنَّهَا مِنْ صُلْبِهِ وَالْأُخْتُ مِنْ صُلْبِ أَبِيهِ وَلَا يُعْتَبَرُ الْإِرْثُ.
١ -
فَصْلٌ
لَا تَجُوزُ إِجَارَةُ الْوَقْفِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي شَرَطَهَا الْوَاقِفُ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُ شَرْطِ الْوَاقِفِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ أَخْرَجَهُ بِشَرْطٍ مَعْلُومٍ وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِشَرْطِهِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ مُدَّةً فَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا: يَجُوزُ إِجَارَتُهُ أَيَّ مُدَّةٍ كَانَتْ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مِلْكًا بِطُولِ الْمُدَّةِ فَتَنْدَرِسَ سِمَةُ الْوَقْفِيَّةِ وَيَتَّسِمَ بِسِمَةِ الْمِلْكِيَّةِ لِكَثْرَةِ الظَّلَمَةِ فِي زَمَانِنَا وَتَغَلُّبِهِمْ وَاسْتِحْلَالِهِمْ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الضِّيَاعِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَفِي غَيْرِ الضِّيَاعِ سَنَةً وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّهُ لَا يُرْغَبُ فِي الضِّيَاعِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا تَجُوزُ إِجَارَتُهُ إِلَّا بِأَجْرِ الْمِثْلِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْفُقَرَاءِ، فَلَوْ آجَرَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ثُمَّ ازْدَادَتْ لِكَثْرَةِ الرَّغَبَاتِ لَا تَنْقُضُ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَجْرُ الْمِثْلِ يَوْمَ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِجَارَةُ الْوَقْفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ أَوْ نَائِبًا عَنِ الْقَاضِي، وَإِذَا آجَرَهُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ أَوِ الْوَلِيُّ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ ; لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ عَنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَالْعُقُودُ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ.
وَلَوْ سَكَنَهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ السُّكْنَى لَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ شَرَطَ الْغَلَّةَ لَهُ، قِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَهُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا غَيْرَهُ بِالْإِجَارَةِ فَهُوَ أَوْلَى، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا الْقَيِّمُ مِنْ غَيْرِهِ وَيُعْطِيَهُ الْأُجْرَةَ، وَلَا يَجُوزُ إِعَارَةُ الْوَقْفِ وَإِسْكَانُهُ لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ حَقِّ الْفُقَرَاءِ، وَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ فَإِنْ سَكَنَهُ الْمُرْتَهِنُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْمُتَوَلِّي مَنْزِلًا مَوْقُوفًا فَسَكَنَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ فَسَخَ الْبَيْعَ فَعَلَى الْمُشْتَرِي أَجْرُ مِثْلِهِ وَالْفَتْوَى فِي غَصْبِ عَقَارِ الْوَقْفِ وَإِتْلَافِ مَنَافِعِهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ نَظَرًا لِلْوَقْفِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَلَوِ اسْتَدَانَ الْقَيِّمُ لِلْخَرَاجِ وَالْجِنَايَاتِ إِنْ أَمَرَهُ الْوَاقِفُ بِذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالِاسْتِدَانَةِ ثُمَّ يَرْجِعَ فِي الْغَلَّةِ.
قَيِّمٌ اشْتَرَى مِنْ غَلَّةِ الْمَسْجِدِ حَانُوتًا لِلْمَسْجِدِ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَلَيْسَ بِوَقْفٍ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الْوَقْفِ تَعْتَمِدُ الشَّرَائِطَ وَلَمْ تُوجَدْ فِيهِ. رَجُلٌ وَقَفَ عَلَى سَاكِنِي مَدْرَسَةٍ كَذَا مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَسَكَنَهَا مُتَعَلِّمٌ لَا يَبِيتُ فِيهَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ يَأْوِي فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا، وَلَهُ فِيهِ آلَةُ السُّكْنَى لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاكِنًا فِيهِ، وَلَوِ اشْتَغَلَ بِاللَّيْلِ بِالْحِرَاسَةِ وَبِالنَّهَارِ يُقَصِّرُ فِي التَّعْلِيمِ، فَإِنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِعَمَلٍ آخَرَ لَا يُعَدُّ بِهِ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ وَهُوَ يُعَدُّ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ حَلَّ.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى سَاكِنِي مَدْرَسَةٍ كَذَا وَلَمْ يَقُلْ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَهُوَ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّعَارُفَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ طَلَبَةُ الْعِلْمِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَمَنْ كَانَ يَكْتُبُ الْفِقْهَ لِنَفْسِهِ وَلَا يَتَعَلَّمُ فَلَهُ الْوَظِيفَةُ
следующие страницы →