← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1066

الاختيار لتعليل المختار

ابن مودود الموصلي

Полный текст (834 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بِخِلَافِ مَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَيَجُوزُ حَبْسُ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ وَلَا تَمْلِيكُهُ، وَيَبْدَأُ مِنِ ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهَا الْوَاقِفُ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَنِيٍّ عَمَّرَهُ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى فُقَرَاءَ فَلَا تُقَدَّرُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَى أَوْ كَانَ فَقِيرًا آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَّرَهَا بِأُجْرَتِهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى، وَمَا انْهَدَمَ مِنْ بِنَاءِ الْوَقْفِ وَآلَتِهِ صُرِفَ فِي عِمَارَتِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِوُجُودِ التَّعَامُلِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَبِالتَّعَامُلِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ كَمَا فِي الِاسْتِصْنَاعِ، قَالَ ﵊: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» ، (بِخِلَافِ مَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ) كَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْوَقْفِ التَّأْبِيدَ كَمَا بَيَّنَّا تَرَكْنَاهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ بِالنَّصِّ، وَفِيمَا جَرَى فِيهِ التَّعَامُلُ بِالتَّعَامُلِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ (وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ) لِحَاجَةِ النَّاسِ وَتَعَامُلِهِمْ بِذَلِكَ. قَالَ: (وَيَجُوزُ حَبْسُ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ) أَيْ وَقْفُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; لِأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَقَفَ دُرُوعًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، «وَجَعَلَ رَجُلٌ نَاقَتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَ آخَرُ أَنْ يَحُجَّ عَلَيْهَا فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ» ، وَطَلْحَةُ حَبَسَ سِلَاحَهُ وَكُرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: أَيْ خَيْلَهُ، وَالْإِبِلُ كَالْخَيْلِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُقَاتِلُ عَلَيْهَا وَتَحْمِلُ عَلَيْهَا السِّلَاحَ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ وَلَا تَمْلِيكُهُ) لِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، وَلِأَنَّهُ يُبْطِلُ التَّأْبِيدَ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْوَقْفِ التَّأْبِيدُ. قَالَ: (وَيَبْدَأُ مِنِ ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهَا الْوَاقِفُ) تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِهِ، فَإِنَّهُ قَصْدُهُ وُصُولُ الثَّوَابِ إِلَيْهِ بِوُصُولِ الْمَنْفَعَةِ أَوِ الْغَلَّةِ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ وَذَلِكَ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ وَإِنَّهُ بِالْعِمَارَةِ فَكَانَتِ الْعِمَارَةُ شَرْطًا لِمُقْتَضَى الْوَقْفِ (فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَنِيٍّ عَمَّرَهُ مِنْ مَالِهِ) لِيَكُونَ الْغُنْمُ بِالْغُرْمِ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ مُطَالَبَتُهُ (وَإِنْ كَانَ عَلَى فُقَرَاءَ فَلَا تُقَدَّرُ عَلَيْهِمْ) وَغَلَّةُ الْوَقْفِ أَقْرَبُ أَمْوَالِهِمْ فَيَجِبُ فِيهَا، وَإِنْ وَقَفَ دَارَهُ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى ; لِأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ (فَإِنْ أَبَى أَوْ كَانَ فَقِيرًا آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَّرَهَا بِأُجْرَتِهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى) رِعَايَةً لِلْحَقَّيْنِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَمِّرْهَا تَفُوتُ السُّكْنَى أَصْلًا فَيَفُوتُ حَقُّهُمْ فِي السُّكْنَى وَحَقُّ الْوَاقِفِ فِي الثَّوَابِ، وَلَا يُكْرَهُ الْمُمْتَنِعُ عَنِ الْعِمَارَةِ لِأَنَّهُ يُتْلِفُ مَالَ نَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ بِامْتِنَاعِهِ رَاضِيًا بِبُطْلَانِ حَقِّهِ ; لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ، ثُمَّ الْمُسْتَحَقُّ مِنَ الْعِمَارَةِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى الْمَوْقُوفُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرِبَ يُبْنَى كَمَا كَانَ ; لَأَنَّ بِتِلْكَ الصِّفَةِ كَانَتْ غَلَّتُهُ مَصْرُوفَةً إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الزِّيَادَةِ، وَمَنْ لَهُ السُّكْنَى لَا يَجُوزُ إِجَارَتُهُ لَعَدَمُ مَالِكِيَّتِهِ. قَالَ: (وَمَا انْهَدَمَ مِنْ بِنَاءِ الْوَقْفِ وَآلَتِهِ صُرِفَ فِي عِمَارَتِهِ) مِثْلَ الْآجُرِّ وَالْخَشَبِ وَالْقَارِ وَالْأَحْجَارِ لِيَبْقَى

стр. 387

فَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ حُبِسَ لِوَقْتِ حَاجَتِهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إِعَادَةُ عَيْنِهِ بِيعَ، وَيُصْرَفُ الثَّمَنُ إِلَى عِمَارَتِهِ، وَلَا يَقْسِمُهُ بَيْنَ مُسْتَحِقِّي الْوَقْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْوَاقِفُ غَلَّةَ الْوَقْفِ أَوْ بَعْضَهَا لَهُ وَالْوِلَايَةَ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ نَزَعَهُ الْقَاضِي مِنْهُ وَوَلَّى غَيْرَهُ، وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يُفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ وَيَأْذَنَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ (س) . ــ [الاختيار لتعليل المختار] عَلَى التَّأْبِيدِ (فَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ حُبِسَ لِوَقْتِ حَاجَتِهِ) فَيُصْرَفُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعِمَارَةِ فَيَحْبِسُهُ كَيْلَا يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْحَاجَّةِ (وَإِنْ تَعَذَّرَ إِعَادَةُ عَيْنِهِ بِيعَ وَيُصْرَفُ الثَّمَنُ إِلَى عِمَارَتِهِ) صَرْفًا لَهُ إِلَى مَصْرِفِ الْأَصْلِ (وَلَا يَقْسِمُهُ بَيْنَ مُسْتَحِقِّي الْوَقْفِ) لِأَنَّ الْعَيْنَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهَذَا مِنْهَا فَلَا يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ غَيْرُ حَقِّهِمْ. قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْوَاقِفُ غَلَّةَ الْوَقْفِ أَوْ بَعْضَهَا لَهُ وَالْوِلَايَةَ إِلَيْهِ) وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ (فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ نَزَعَهُ الْقَاضِي مِنْهُ وَوَلَّى غَيْرَهُ) نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ كَإِخْرَاجِ الْوَصِيِّ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ لِمُخَالَفَتِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ، وَإِنْ مَاتَ الْقَيِّمُ فِي حَيَاةِ الْوَاقِفِ نَصَّبَ غَيْرَهُ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ وَوَصِيُّهُ بِمَنْزِلَتِهِ ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ لِلْوَقْفِ نَظَرِيَّةٌ وَهِيَ فِيمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُوصِ إِلَى أَحَدٍ فَالرَّأْيُ لِلْقَاضِي، وَلَا يَجْعَلُ الْقَيِّمَ مِنَ الْأَجَانِبِ مَا دَامَ يَجِدُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْوَاقِفِ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ إِمَّا لِأَنَّهُ أَشْفَقَ أَوْ لِأَنَّ مِنْ قَصْدِ الْوَاقِفِ نِسْبَةَ الْوَقْفِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَمِنَ الْأَجَانِبِ مَنْ يَصْلُحُ، فَإِنْ أَقَامَ أَجْنَبِيًّا ثُمَّ صَارَ مِنْ وَلَدِهِ مَنْ يَصْلُحُ صَرَفَهُ إِلَيْهِ كَمَا فِي حَقِيقَةِ الْمِلْكِ. أَرْبَابُ الْوَقْفِ الْمَعْدُودُونَ إِذَا نَصَّبُوا مُتَوَلِّيًا بِدُونِ رَأْيِ الْقَاضِي صَحَّ إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ كَمَا إِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ مَسْجِدٍ عَلَى نَصْبِ مُتَوَلٍّ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ. قَالَ: (وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يُفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ - تَعَالَى - إِلَّا بِهِ. قَالَ: (وَيَأْذَنُ بِالصَّلَاةِ فِيهِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ; لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِيرُ مَسْجِدًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَالْإِعْتَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْمَسْجِدُ، وَالتَّسْلِيمُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ جَمَاعَةً فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ; لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُنِيَتْ لِلْجَمَاعَةِ، وَلَوْ صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ وُحْدَانًا فِي رِوَايَةٍ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِمَا بَيَّنَّا، وَفِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْمَسَاجِدِ وَبِهَا يَتَحَرَّرُ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةَ اخْتِصَاصٍ كَالْكَعْبَةِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ فِيهِ شَرْطُ الْخِيَارِ وَلَا تَعْيِينُهُ الْإِمَامَ وَلَا مَنْ يُصَلِّي فِيهِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ حَيْثُ بَقِيَ مَمْلُوكًا يَنْتَفِعُ بِهِ كَسَائِرِ الْمَمْلُوكَاتِ سُكْنَى وَزِرَاعَةً حَتَّى لَوْ لَمْ يَخْلُصِ الْمَسْجِدُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِأَنْ كَانَ تَحْتَهُ سِرْدَابٌ أَوْ فَوْقَهُ بَيْتٌ، أَوْ جَعَلَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ لَا يَصِيرُ مَسْجِدًا وَيُورَثُ عَنْهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ السِّرْدَابُ أَوِ الْعُلُوُّ لِمَصَالِحِ

стр. 388

وَمَنْ بَنَى سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ خَانًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ أَوْ رِبَاطًا أَوْ حَوْضًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَقْبُرَةً أَوْ طَرِيقًا لِلنَّاسِ لَا يَلْزَمُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ أَوْ يُعَلِّقْهُ بِمَوْتِهِ، وَالْوَقْفُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ. رِبَاطٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ يُصْرَفُ وَقْفُهُ إِلَى أَقْرَبِ رِبَاطٍ إِلَيْهِ، وَلَوْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَبِجَنْبِهِ طَرِيقُ الْعَامَّةِ يُوَسَّعُ مِنْهُ الْمَسْجِدُ، وَلَوْ ضَاقَ الطَّرِيقُ وُسِّعَ مِنَ الْمَسْجِدِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَا وَقْفًا عَلَيْهِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ أَجَازَ ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ لِضِيقِ الْمَنَازِلِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلَهُ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَادَ، وَلَوْ خُرِّبَ مَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ يَعُودُ مِلْكًا، وَيُورَثُ عَنْهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَبَعْضُهُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ. قَالَ: (وَمَنْ بَنَى سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ خَانًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ أَوْ رِبَاطًا أَوْ حَوْضًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً أَوْ طَرِيقًا لِلنَّاسِ) فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ أَوْ يُعَلِّقْهُ بِمَوْتِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّهُ عَنْهُ حَتَّى جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ وَيَسْكُنَ وَيَدْفِنَ وَيَشْرَبَ مِنَ الْحَوْضِ، بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ لِمَا تَقَدَّمَ إِذِ التَّسْلِيمُ لَيْسَ بِمَشْرُوطٍ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ التَّسْلِيمُ، وَهُوَ الِاسْتِقَاءُ مِنَ السِّقَايَةِ وَالْبِئْرِ وَالدَّفْنِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالنُّزُولِ فِي الْخَانِ وَالرِّبَاطِ وَالشُّرْبِ مِنَ الْحَوْضِ وَيُكْتَفَى فِيهِ بِفِعْلِ الْوَاحِدِ لِتَعَذُّرِ الْجِنْسِ، وَلَوْ نَصَّبَ لَهُ مُتَوَلٍّ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ جَازَ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ سَلَّمَ الْمَسْجِدَ إِلَى مُتَوَلٍّ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَصُلِّ فِيهِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا إِنْ سَلَّمَهُ إِلَى الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْفُقَرَاءُ وَالْأَغْنِيَاءُ عُرْفًا لِحَاجَةِ الْكُلِّ إِلَى ذَلِكَ. قَالَ: (وَالْوَقْفُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ) ; لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فَصَارَ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ. قَالَ: (رِبَاطٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ يُصْرَفُ وَقْفُهُ إِلَى أَقْرَبِ رِبَاطٍ إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَصْلَحُ. رِبَاطٌ عَلَى بَابِهِ قَنْطَرَةٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِالرِّبَاطِ إِلَّا بِالْعُبُورِ عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهَا وَقْفٌ يَجُوزُ أَنْ تُعَمَّرَ بِمَا فَضَلَ مِنْ وَقْفِ الرِّبَاطِ ; لِأَنَّهَا مَصْلَحَةُ الْعَامَّةِ (وَلَوْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَبِجَنْبِهِ طَرِيقُ الْعَامَّةِ يُوَسَّعُ مِنْهُ الْمَسْجِدُ) ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا لِلْمُسْلِمِينَ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ (وَلَوْ ضَاقَ الطَّرِيقُ وُسِّعَ مِنَ الْمَسْجِدِ) عَمَلًا بِالْأَصْلَحِ، وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِالشَّهَادَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْوَقْفِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى مُدَّعٍ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ بِالْإِجْمَاعِ. ١ - فَصْلٌ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَلَهُ بِنْتٌ فَقِيرَةٌ صَغِيرَةٌ إِنْ وَقَفَ فِي صِحَّتِهِ يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهَا وَفِي مَرَضِهِ لَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ. اشْتَرَى الْقَيِّمُ ثَوْبًا وَأَعْطَى الْمَسَاكِينَ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الدَّرَاهِمِ. إِذَا غَرَسَ الْقَيِّمُ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ لِلْمَسْجِدِ كَالْبِنَاءِ، وَإِنْ غَرَسَ عَلَى نَهْرِ الْعَامَّةِ

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَهُوَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْعَامَّةِ، وَلَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَحْدَهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَلَا يَسْتَجْلِبُ الثَّوَابَ وَصَارَ كَالصَّدَقَةِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَهُمْ يُحْصَوْنَ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ جَازَ، وَيَكُونُ كَمَا شَرَطَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنِ انْقَرَضَ الْأَغْنِيَاءُ. وَلَوْ قَالَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَدْخُلُ فُقَرَاءُ قَرَابَتِهِ وَأَوْلَادُهُ، وَصَرْفُ الْغَلَّةِ إِلَيْهِمْ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهَا إِلَى الْأَجَانِبِ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ، ثُمَّ الصَّرْفُ إِلَى وَلَدِهِ أَفْضَلُ لِأَنَّ الصِّلَةَ فِي حَقِّهِ أَوْجَبُ وَأَجْزَلُ، ثُمَّ إِلَى قَرَابَتِهِ، ثُمَّ إِلَى مَوَالِيهِ، ثُمَّ إِلَى جِيرَانِهِ ثُمَّ إِلَى أَهْلِ مِصْرِهِ أَقْرَبِهِمْ مَنْزِلًا إِلَى الْوَاقِفِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ هِلَالُ بْنُ يَحْيَى الرَّازِيُّ ; وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى الْكُلُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ; لِأَنَّهُ إِذَا صَرَفَ الْكُلَّ إِلَيْهِمْ دَائِمًا وَقَدُمَ الْعَهْدُ رُبَّمَا اتَّخَذُوهُ مِلْكًا لِأَنْفُسِهِمْ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُعْطَى كُلُّ فَقِيرٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ; لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ فَأَشْبَهَتِ الزَّكَاةَ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا قَالَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ لِأَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ. وَإِذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ صُلْبِهِ وَوَلَدُ وَلَدِهِ الْمَوْجُودِينَ يَوْمَ الْوَقْفِ وَبَعْدَهُ، وَيَشْتَرِكُ الْبَطْنَانِ فِي الْغَلَّةِ، وَلَا يَدْخُلُ مَنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْ هَذَيْنِ الْبَطْنَيْنِ لِأَنَّهُ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ ; وَفِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ رِوَايَتَانِ تُذْكَرُ فِي الْوَصَايَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَلَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَأَوْلَادِهِمْ تَدْخُلُ الْبُطُونُ كُلُّهَا وَإِنْ سَفُلُوا، الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ فِيهِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوْلَادَهُمْ عَلَى الْعُمُومِ، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي يَدْخُلُ فِيهِ الْبُطُونُ كُلُّهَا لِعُمُومِ اسْمِ الْأَوْلَادِ، وَلَكِنْ يُقَدَّمُ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ فَإِذَا انْقَرَضَ فَالثَّانِي، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ يَشْتَرِكُ جَمِيعُ الْبُطُونِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ صِلَةُ أَوْلَادِهِ وَبِرُّهُمْ، وَالْإِنْسَانُ يَقْصِدُ صِلَةَ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ لِأَنَّ خِدْمَتَهُ إِيَّاهُ أَكْثَرُ وَهُمْ إِلَيْهِ أَقْرَبُ فَكَانَ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقُهُ أَرْجَحَ، ثُمَّ النَّافِلَةُ قَدْ يَخْدُمُونَ الْجَدَّ فَكَانَ قَصْدُ صِلَتِهِمْ أَكْثَرَ، وَمَنْ عَدَا هَذَيْنِ قَلَّ مَا يُدْرِكُ الرَّجُلُ خِدْمَتَهُمْ فَيَكُونُ قَصْدُهُ بِرَّهُمْ وَصِلَتَهُمْ لِنِسْبَتِهِمْ إِلَيْهِ لَا لِخِدْمَتِهِمْ لَهُ، وَهُمْ فِي النِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ فَاسْتَوَوْا فِي غَلَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ فَمَنْ أَثْبَتَ الْقَرَابَةَ وَالْفَقْرَ بِالْبَيِّنَةِ يَسْتَحِقُّ وَإِلَّا فَلَا، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْقَرَابَةِ إِنْ لَمْ يُفَسِّرُوهَا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِتَنَوُّعِ الْقَرَابَةِ وَاخْتِلَافِهَا، كَمَا إِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ وَارِثٌ لَا تُقْبَلُ مَا لَمْ يُفَسِّرُوا جِهَةَ الْإِرْثِ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْفَقْرِ لَا تُسْمَعُ مَا لَمْ يَقُلِ الشُّهُودُ: إِنَّهُ فَقِيرٌ مُعْدَمٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا وَلَا أَحَدًا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ; لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ نَفَقَةٌ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَا حَظَّ لَهُ فِي هَذَا الْوَقْفِ كَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ النَّفَقَةَ فَيَصِيرُونَ بِهَا أَغْنِيَاءَ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ إِلَّا بِقَضَاءٍ كَالْإِخْوَةِ وَنَحْوِهِمْ لَهُ حَظٌّ فِي هَذَا الْوَقْفِ، وَالْقَضَاءُ بِفَقْرِهِ فِي الْوَقْفِ لَا يَكُونُ قَضَاءً بِفَقْرِهِ فِي حَقِّ الدَّيْنِ، وَالْقَضَاءُ لِفَقْرِهِ فِي حَقِّ الدَّيْنِ قَضَاءٌ بِفَقْرِهِ فِي حَقِّ الْوَقْفِ ; لِأَنَّ مَنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَخَادِمٌ وَعُرُوضُ الْكِفَايَةِ فَقِيرٌ فِي حَقِّ الْوَقْفِ دُونَ الدَّيْنِ، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَقْرَبِ قَرَابَتِي فَبِنْتُ

стр. 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الاختيار لتعليل المختار] بِنْتِ الْبِنْتِ أَوْلَى مِنَ الْأُخْتِ لِأَبَوَيْنِ ; لِأَنَّهَا مِنْ صُلْبِهِ وَالْأُخْتُ مِنْ صُلْبِ أَبِيهِ وَلَا يُعْتَبَرُ الْإِرْثُ. ١ - فَصْلٌ لَا تَجُوزُ إِجَارَةُ الْوَقْفِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي شَرَطَهَا الْوَاقِفُ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُ شَرْطِ الْوَاقِفِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ أَخْرَجَهُ بِشَرْطٍ مَعْلُومٍ وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِشَرْطِهِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ مُدَّةً فَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا: يَجُوزُ إِجَارَتُهُ أَيَّ مُدَّةٍ كَانَتْ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مِلْكًا بِطُولِ الْمُدَّةِ فَتَنْدَرِسَ سِمَةُ الْوَقْفِيَّةِ وَيَتَّسِمَ بِسِمَةِ الْمِلْكِيَّةِ لِكَثْرَةِ الظَّلَمَةِ فِي زَمَانِنَا وَتَغَلُّبِهِمْ وَاسْتِحْلَالِهِمْ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الضِّيَاعِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَفِي غَيْرِ الضِّيَاعِ سَنَةً وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّهُ لَا يُرْغَبُ فِي الضِّيَاعِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا تَجُوزُ إِجَارَتُهُ إِلَّا بِأَجْرِ الْمِثْلِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْفُقَرَاءِ، فَلَوْ آجَرَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ثُمَّ ازْدَادَتْ لِكَثْرَةِ الرَّغَبَاتِ لَا تَنْقُضُ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَجْرُ الْمِثْلِ يَوْمَ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِجَارَةُ الْوَقْفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ أَوْ نَائِبًا عَنِ الْقَاضِي، وَإِذَا آجَرَهُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ أَوِ الْوَلِيُّ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ ; لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ عَنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَالْعُقُودُ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ. وَلَوْ سَكَنَهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ السُّكْنَى لَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ شَرَطَ الْغَلَّةَ لَهُ، قِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَهُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا غَيْرَهُ بِالْإِجَارَةِ فَهُوَ أَوْلَى، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا الْقَيِّمُ مِنْ غَيْرِهِ وَيُعْطِيَهُ الْأُجْرَةَ، وَلَا يَجُوزُ إِعَارَةُ الْوَقْفِ وَإِسْكَانُهُ لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ حَقِّ الْفُقَرَاءِ، وَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ فَإِنْ سَكَنَهُ الْمُرْتَهِنُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْمُتَوَلِّي مَنْزِلًا مَوْقُوفًا فَسَكَنَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ فَسَخَ الْبَيْعَ فَعَلَى الْمُشْتَرِي أَجْرُ مِثْلِهِ وَالْفَتْوَى فِي غَصْبِ عَقَارِ الْوَقْفِ وَإِتْلَافِ مَنَافِعِهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ نَظَرًا لِلْوَقْفِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَلَوِ اسْتَدَانَ الْقَيِّمُ لِلْخَرَاجِ وَالْجِنَايَاتِ إِنْ أَمَرَهُ الْوَاقِفُ بِذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالِاسْتِدَانَةِ ثُمَّ يَرْجِعَ فِي الْغَلَّةِ. قَيِّمٌ اشْتَرَى مِنْ غَلَّةِ الْمَسْجِدِ حَانُوتًا لِلْمَسْجِدِ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَلَيْسَ بِوَقْفٍ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الْوَقْفِ تَعْتَمِدُ الشَّرَائِطَ وَلَمْ تُوجَدْ فِيهِ. رَجُلٌ وَقَفَ عَلَى سَاكِنِي مَدْرَسَةٍ كَذَا مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَسَكَنَهَا مُتَعَلِّمٌ لَا يَبِيتُ فِيهَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ يَأْوِي فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا، وَلَهُ فِيهِ آلَةُ السُّكْنَى لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاكِنًا فِيهِ، وَلَوِ اشْتَغَلَ بِاللَّيْلِ بِالْحِرَاسَةِ وَبِالنَّهَارِ يُقَصِّرُ فِي التَّعْلِيمِ، فَإِنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِعَمَلٍ آخَرَ لَا يُعَدُّ بِهِ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ وَهُوَ يُعَدُّ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ حَلَّ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى سَاكِنِي مَدْرَسَةٍ كَذَا وَلَمْ يَقُلْ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَهُوَ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّعَارُفَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ طَلَبَةُ الْعِلْمِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَمَنْ كَانَ يَكْتُبُ الْفِقْهَ لِنَفْسِهِ وَلَا يَتَعَلَّمُ فَلَهُ الْوَظِيفَةُ

стр. 391

كِتَابُ الْهِبَةِ وَتَصِحُّ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، فَإِنْ قَبَضَهَا فِي الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ جَازَ، وَبَعْدَ الِافْتِرَاقِ يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِأَنَّهُ مُتَعَلِّمٌ، وَإِنْ كَتَبَ لِغَيْرِهِ بِأُجْرَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنَ الْمِصْرِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا لَا وَظِيفَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ سَاكِنًا، وَإِنْ خَرَجَ مَا دُونَ ذَلِكَ إِلَى بَعْضِ الْقُرَى وَأَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَلَا وَظِيفَةَ لَهُ، فَإِنْ أَقَامَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَطَلَبِ الْقُوتِ وَنَحْوِهِ فَلَهُ الْوَظِيفَةُ، وَإِنْ خَرَجَ لِلتَّنَزُّهِ لَا يَحِلُّ لَهُ. [كِتَابُ الْهِبَةِ] وَهِيَ الْعَطِيَّةُ الْخَالِيَةُ عَنْ تَقَدُّمِ الِاسْتِحْقَاقِ، يُقَالُ: وَهَبْتُهُ وَوَهَبْتُ مِنْهُ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] ) وَالِاتِّهَابُ: قَبُولُ الْهِبَةِ، وَلِهَذَا شُرِطَ فِيهَا الْقَبْضُ ; لِأَنَّ تَمَامَ الْإِعْطَاءِ بِالدَّفْعِ وَالتَّسْلِيمِ. وَهُوَ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ وَصَنِيعٌ مَحْمُودٌ مَحْبُوبٌ، قَالَ ﵊: «تَهَادُوا تَحَابُّوا " وَفِي رِوَايَةٍ: " تَهَابَوْا» وَقَبُولُهَا سُنَّةٌ، فَإِنَّهُ ﷺ : " قَبِلَ هَدِيَّةَ الْعَبْدِ "، وَقَالَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» ، وَقَالَ ﵊: «وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ طَعَامٌ لَقَبِلْتُ، وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ» ، وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] أَيْ طَابَتْ نُفُوسُهُنَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَوَهَبْنَهُ مِنْكُمْ ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وَهِيَ نَوْعَانِ: تَمْلِيكٌ، وَإِسْقَاطٌ، وَعَلَيْهَا الْإِجْمَاعُ. قَالَ: (وَتَصِحُّ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ) أَمَّا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْهُمَا. وَأَمَّا الْقَبْضُ فَلِأَنَّ الْمِلْكَ لَوْ ثَبَتَ بِدُونِهِ لَلَزِمَ الْمُتَبَرِّعَ شَيْءٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَهُوَ التَّسَلُّمُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَا إِلْزَامَ لِلْمَيِّتِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَلَا لِلْوَارِثِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ بِالتَّبَرُّعِ ضَعِيفٌ لَا يَلْزَمُ، وَمِلْكُ الْوَاهِبِ كَانَ قَوِيًّا فَلَا يَلْزَمُ بِالسَّبَبِ الضَّعِيفِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا «لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ إِلَّا مَقْبُوضَةً مَحُوزَةً» ، وَالْمُرَادُ الْمِلْكُ لِأَنَّ الْجَوَازَ ثَابِتٌ بِدُونِهِ إِجْمَاعًا. قَالَ: (فَإِنْ قَبَضَهَا فِي الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ جَازَ، وَبَعْدَ الِافْتِرَاقِ يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِهِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الْوَجْهَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْوَاهِبِ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّمْلِيكَ بِالْهِبَةِ تَسْلِيطٌ عَلَى الْقَبْضِ وَإِذْنٌ لَهُ فَصَارَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَأْذُونًا فِي الْقَبْضِ ضِمْنًا لِلْإِيجَابِ وَاقْتِضَاءً، وَالْإِيجَابُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ فَكَذَا مَا ثَبَتَ ضِمْنًا لَهُ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَهَاهُ عَنِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ ; لِأَنَّ الثَّابِتَ ضِمْنًا لَا يُعَارِضُ الصَّرِيحَ. أَوْ نَقُولُ: النَّهْيُ رُجُوعٌ وَالْقَبْضُ كَالْقَبُولِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ

стр. 392

وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ مَلَكَهَا بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ، وَهِبَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ تَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَيَمْلِكُ الصَّغِيرُ الْهِبَةَ بِقَبْضِ وَلِيِّهِ وَأُمِّهِ وَبِقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ وَتَنْعَقِدُ الْهِبَةُ بِقَوْلِهِ: وَهَبْتُ وَنَحَلْتُ وَأَعْطَيْتُ وَأَطْعَمْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ وَأَعْمَرْتُكَ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا نَوَى الْهِبَةَ، وَكَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، وَهِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يُقْسَمُ جَائِزَةٌ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَبْلَ الْقَبْضِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ) كَالْمُودَعِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْغَاصِبِ (مَلَكَهَا بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ) ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ قَبَضَهَا أَمَانَةً فَيَنُوبُ عَنِ الْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ ضَمَانًا فَهُوَ أَقْوَى مِنْ قَبْضِ الْهِبَةِ، وَالْأَقْوَى يَنُوبُ عَنِ الْأَدْنَى، وَلَوْ وَهَبَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا فَقَالَ: قَبَضْتُهُ صَارَ قَابِضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجَعَلَ تَمَكُّنَهُ مِنَ الْقَبْضِ كَالتَّخْلِيَةِ فِي الْبَيْعِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا بُدَّ مِنَ الْقَبْضِ بِيَدِهِ، وَلَوْ قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ صَحَّتِ الْهِبَةُ. قَالَ: (وَهِبَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ تَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ) ; لِأَنَّهَا فِي يَدِ الْأَبِ وَهُوَ الَّذِي يَقْبِضُ لَهُ فَكَانَ قَبْضُهُ كَقَبْضِهِ، وَكُلُّ مَنْ يَعُولُهُ فِي هَذَا كَالْأَبِ، وَلَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ الْكَبِيرِ وَهُوَ فِي عِيَالِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِهِ ; لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَقْبِضُ لَهُ. قَالَ: (وَيَمْلِكُ الصَّغِيرُ الْهِبَةَ بِقَبْضِ وَلَيِّهِ وَأُمِّهِ وَبِقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ) مَعْنَاهُ: إِذَا وَهَبَهُ أَجْنَبِيٌّ فَالْوَلِيُّ كَالْأَبِ وَوَصِّيهِ وَالْجَدِّ وَوَصِّيهِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الْأَبِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي حِجْرِ أَجْنَبِيٍّ يُرَبِّيهِ كَاللَّقِيطِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَالْأُمُّ لَهَا وِلَايَةُ حِفْظِهِ، وَهَذَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لَهُ بِدُونِ الْمَالِ فَاحْتَاجَتْ إِلَى وِلَايَةِ التَّحْصِيلِ وَهَذَا مِنْهُ. وَأَمَّا قَبْضُهُ بِنَفْسِهِ فَمَعْنَاهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ نَافِعٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَجُوزُ قَبْضُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ الصَّغِيرَةِ بَعْدَ مَا زُفَّتْ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَبَ فَوَّضَ أَمْرَهَا إِلَيْهِ وَذَلِكَ بَعْدَ الزِّفَافِ لَا قَبْلَهُ حَتَّى يَمْلِكَهُ بِحَضْرَةِ الْأَبِ. قَالَ: (وَتَنْعَقِدُ الْهِبَةُ بِقَوْلِهِ: وَهَبْتُ) ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ (وَنَحَلْتُ) لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِيهِ، قَالَ ﵊: «أَكُلُّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ هَكَذَا» (وَأَعْطَيْتُ) صَرِيحٌ أَيْضًا (وَأَطْعَمْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ) ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ صَرِيحٌ فِي الْهِبَةِ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمَطْعُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْعِمُهُ إِلَّا بِالْأَكْلِ وَلَا أَكْلَ إِلَّا بِالْمِلْكِ، وَلَوْ قَالَ: أَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ. فَهُوَ عَارِيَّةٌ ; لِأَنَّهَا لَا تُطْعَمُ (وَأَعْمَرْتُكَ) هَذَا الشَّيْءَ وَجَعَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ لَكَ عُمْرَى، قَالَ ﵊: «مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ» (وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا نَوَى الْهِبَةَ) ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِرْكَابُ حَقِيقَةً وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْهِبَةِ، يُقَالُ: حَمَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا عَلَى فَرَسٍ: أَيْ وَهَبَهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عَقْدُ الْهِبَةِ (وَكَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أَرَادَ تَمْلِيكَهُمُ الْكِسْوَةَ، وَيُقَالُ: كَسَاهُ ثَوْبًا إِذَا وَهَبَهُ، وَلَوْ قَالَ: مَنَحْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَهِيَ عَارِيَةٌ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْهِبَةَ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ فَهُوَ هِبَةٌ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ. قَالَ: (وَهِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يُقَسَّمُ جَائِزَةٌ،

стр. 393

وَفِيمَا يُقْسَمُ لَا تَجُوزُ (ف) ، فَإِنْ قَسَمَ وَسَلَّمَ جَازَ كَسَهْمٍ فِي دَارٍ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ، وَالتَّمْرِ عَلَى النَّخْلِ، وَالزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ، وَلَوْ وَهَبَهُ دَقِيقًا فِي حِنْطَةٍ، أَوْ سَمْنًا فِي لَبَنٍ، أَوْ دُهْنًا فِي سِمْسِمٍ فَاسْتَخْرَجَهُ وَسَلَّمَهُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ وَهَبَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ جَازَ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَجُوزُ (سم) وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرَيْنِ جَازَ، وَعَلَى غَنِيَّيْنِ لَا يَجُوزُ، وَمَنْ وَهَبَ جَارِيَةً إِلَّا حَمْلَهَا صَحَّتِ الْهِبَةُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَفِيمَا يُقَسَّمُ لَا تَجُوزُ) ; لِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ لِمَا رَوَيْنَا وَأَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الْمُشَاعِ، وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ لَكَانَ لَهُ إِجْبَارُ الْوَاهِبِ عَلَى الْقِسْمَةِ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ فَيَكُونُ إِضْرَارًا بِهِ، وَمَا لَا يُقَسَّمُ الْمُمْكِنُ فِيهِ الْقَبْضُ النَّاقِصُ فَيُكْتَفَى بِهِ ضَرُورَةً، وَلَا يَلْزَمُ ضَرَرُ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ بِبَقَاءِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْمُهَايَأَةِ. قُلْنَا: الْمُهَايَأَةُ فِي الْمَنَافِعِ وَلَمْ يَتَبَرَّعْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ صَادَفَتِ الْعَيْنَ لَا الْمَنَافِعَ. قَالَ: (فَإِنْ قَسَمَ وَسَلَّمَ جَازَ) ; لِأَنَّ بِالْقَبْضِ لَمْ يَبْقَ شُيُوعٌ وَذَلِكَ (كَسَهْمٍ فِي دَارٍ وَ) مِثْلُهُ (اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ وَالتَّمْرِ عَلَى النَّخْلِ وَالزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ) ; لِأَنَّ اتِّصَالَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَالشُّيُوعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَمْنَعُ الْقَبْضَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهُ مِنْ شَرِيكِهِ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْقَبْضِ. قَالَ: (وَلَوْ وَهَبَهُ دَقِيقًا فِي حِنْطَةٍ، أَوْ سَمْنًا فِي لَبَنٍ، أَوْ دُهْنًا فِي سِمْسِمٍ فَاسْتَخْرَجَهُ وَسَلَّمَهُ لَا يَجُوزُ) ; لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ مَعْدُومٌ فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ فَبَطَلَ الْعَقْدُ فَيَحْتَاجُ إِلَى عَقْدٍ جَدِيدٍ أَمَّا الْمُشَاعُ فَمَحَلُّ التَّمْلِيكِ حَتَّى جَازَ بَيْعُهُ دُونَ ذَلِكَ. قَالَ: (وَلَوْ وَهَبَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ جَازَ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَجُوزُ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُمَا سَلَّمَاهَا وَالْمَوْهُوبَ لَهُ قَبَضَهَا جُمْلَةً وَلَا شُيُوعَ وَلَا ضَرَرَ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَصِحُّ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا هِبَةٌ وَاحِدَةٌ وَالتَّمْلِيكُ وَاحِدٌ فَلَا شُيُوعَ، وَصَارَ كَالرَّهْنِ مِنِ اثْنَيْنِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ وَهَبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمِلْكُ فِي النِّصْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيمَا لَا يُقَسَّمُ، فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا صَحَّ فِي النِّصْفِ فَكَانَ تَمْلِيكًا لِلنِّصْفِ وَأَنَّهُ شَائِعٌ، وَأَمَّا الرَّهْنُ فَالْمُسْتَحَقُّ فِيهِ الْحَبْسُ، وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَامِلًا وَتَمَامُهُ مَرَّ فِي الرَّهْنِ. قَالَ: (وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرَيْنِ جَازَ) وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ لَهُمَا (وَعَلَى غَنِيَّيْنِ لَا يَجُوزُ) وَقَالَا: تَجُوزُ فِي الْغَنِيَّيْنِ أَيْضًا لِمَا مَرَّ وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ إِعْطَاءَ الْفَقِيرِ يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ وَاحِدٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ أَوْ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فَقِيرًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، وَالْإِعْطَاءُ لِلْغَنِيِّ يُرَادُ بِهِ وَجْهُ الْغَنِيِّ وَهُمَا اثْنَانِ فَكَانَ مُشَاعًا، وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْغَنِيِّ هِبَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: (وَمَنْ وَهَبَ جَارِيَةً إِلَّا حَمْلَهَا صَحَّتِ الْهِبَةُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَعْمَلُ فِيمَا يَعْمَلُ فِيهِ الْعَقْدُ، وَالْهِبَةُ لَا تَصِحُّ فِي الْحَمْلِ فَكَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فَكَانَ شَرْطًا فَاسِدًا ; وَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ; لِأَنَّهُ ﵊ أَجَازَ الْعُمْرَى وَأَبْطَلَ شَرْطَ الْمُعَمِّرِ

стр. 394

فَصْلٌ وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيمَا يَهَبُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ (ف) وَيُكْرَهُ، فَإِنْ عَوَّضَهُ أَوْ زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا رُجُوعَ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ; لِأَنَّهُ ﵊: «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» ، وَلَوْ دَبَّرَ الْجَنِينَ ثُمَّ وَهَبَهَا لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ وَهَبَهَا جَازَ ; وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُدَبَّرَ مَمْلُوكُ الْوَاهِبِ وَأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْأُمِّ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ، فَمَنَعَ صِحَّةَ الْقَبْضِ كَالْمُشَاعِ، وَفِي الْحُرِّ لَمْ يَبْقَ مِلْكًا لَهُ، فَالْمَوْهُوبُ غَيْرُ مَشْغُولٍ بِحَقِّهِ وَلَا مُتَّصِلٍ بِهِ فَلَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَلَوْ وَهَبَهُ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا أَوْ يَسْتَوْلِدَهَا، أَوْ عَلَى أَنْ يُدَبِّرَهَا، أَوْ دَارًا عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا أَوْ يُعَوِّضَهُ عَنْهَا شَيْئًا فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، ; لِأَنَّهَا شُرُوطٌ تُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَكَانَتْ فَاسِدَةً، وَأَنَّهَا لَا تُبْطِلُ الْهِبَةَ لِمَا مَرَّ. [فصل الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ] فَصْلٌ الْمَعَانِي الْمَانِعَةُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ: الْمَحْرَمِيَّةُ مِنَ الْقَرَابَةِ، وَالزَّوْجِيَّةُ، وَالْمُعَاوَضَةُ، وَخُرُوجُهَا مِنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَحُدُوثُ الزِّيَادَةِ أَوِ التَّغْيِيرِ فِي عَيْنِهَا، وَمَوْتُ الْوَاهِبِ أَوِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. قَالَ: (وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيمَا يَهَبُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ) لِقَوْلِهِ ﵊: «الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا» أَيْ مَا لَمْ يُعَوَّضْ عَنْهَا (وَيُكْرَهُ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَسَاسَةِ وَالدَّنَاءَةِ. وَقَالَ ﵊: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» شَبَّهَهُ لَهُ لِخَسَاسَةِ الْفِعْلِ وَدَنَاءَةِ الْفَاعِلِ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ» أَيْ لَا يَحِلُّ لَهُ الرُّجُوعُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًى إِلَّا الْوَالِدُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَهَذَا الْحَمْلُ أَوْلَى جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. قَالَ: (فَإِنْ عَوَّضَهُ أَوْ زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً) فِي نَفْسِهَا (أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا رُجُوعَ) أَمَّا إِذَا عَوَّضَهُ فَلِمَا رَوَيْنَا مِنَ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْهِبَةِ التَّعْوِيضُ عَادَةً وَقَدْ حَصَلَ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ فَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الرُّجُوعِ مَعَ الزِّيَادَةِ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَا وَرَدَ عَلَيْهَا. وَأَمَّا مَوْتُ الْوَاهِبِ فَلَا سَبِيلَ لِلْوَارِثِ عَلَيْهَا إِذْ هُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنَ الْعَقْدِ. وَأَمَّا مَوْتُ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلِلِانْتِقَالِ إِلَى وَرَثَتِهِ، وَالتَّمْلِيكُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ وَصَارَ كَمَا إِذَا انْتَقَلَ مِنْهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَأَمَّا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَهَا بِتَسْلِيطِهِ فَلَا يَمْلِكُ نَقْضَهُ كَالْوَكِيلِ، وَنُقْصَانُ الْمَوْهُوبِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِأَنِ انْتَقَصَتْ قِيمَتُهُ أَوِ انْهَدَمَ الْبِنَاءُ أَوْ وَلَدَتِ الْجَارِيَةُ،

стр. 395

وَلَا رُجُوعَ فِيمَا يَهَبُهُ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجٍ، وَلَوْ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ خُذْ هَذَا بَدَلًا عَنْ هِبَتِكَ أَوْ عِوَضَهَا أَوْ مُقَابِلَهَا أَوْ عَوَّضَهُ أَجْنَبِيٌّ مُتَبَرِّعًا فَقَبَضَهُ سَقَطَ الرُّجُوعُ، وَلَوِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْهِبَةِ رَجَعَ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] بِنِصْفِ الْعِوَضِ، وَإِنِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْعِوَضِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ (ز) ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا وَلَدُهَا، وَلَوْ وَهَبَهُ عَبْدًا فَشَبَّ فَازْدَادَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ شَاخَ فَنَقَصَتْ لَا يَرْجِعُ فِيهِ لِأَنَّهُ ازْدَادَ فِي بَدَنِهِ وَطَالَ فِي جُثَّتِهِ ثُمَّ انْتَقَصَ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ شَيْخُوخَتُهُ فَلَا يَرْجِعُ. قَالَ: (وَلَا رُجُوعَ فِيمَا يَهَبُهُ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجٍ) ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ صِلَةُ الرَّحِمِ وَزِيَادَةُ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَفِي الرُّجُوعِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَالْأُلْفَةِ ; لِأَنَّهَا تُورِثُ الْوَحْشَةَ وَالنُّفْرَةَ فَلَا يَجُوزُ صِيَانَةً لِلرَّحِمِ عَنِ الْقَطِيعَةِ وَإِبْقَاءً لِلزَّوْجِيَّةِ عَلَى الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا كَانَتِ الْهِبَةُ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَمْ يُرْجَعْ فِيهَا» ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لِشُمُولِ الْمَعْنَى، وَلَوْ وَهَبَهَا ثُمَّ أَبَانَهَا لَمْ يَرْجِعْ، وَلَوْ وَهَبَ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَهُ الرُّجُوعُ، وَالْمُعْتَبَرُ الْمَقْصُودُ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَإِنْ وَهَبَ لِأَخِيهِ وَهُوَ عَبْدٌ لَهُ الرُّجُوعُ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَ لِعَبْدِ أَخِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَقَعَ لِلْمَوْلَى فَكَانَ هِبَةً لِلْأَخِ، وَلَهُ أَنَّ الْهِبَةَ وَقَعَتْ لِلْعَبْدِ حَتَّى اعْتَبَرَ قَبُولَهُ وَرَدَّهُ، وَالْمِلْكُ يَقَعُ لَهُ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى مَوْلَاهُ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَاجَتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَدْيُونًا لَا يَنْتَقِلُ إِلَى مَوْلَاهُ وَلَا صِلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ. قَالَ: (وَلَوْ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ: خُذْ هَذَا بَدَلًا عَنْ هِبَتِكَ أَوْ عِوَضَهَا أَوْ مُقَابِلَهَا أَوْ عَوَّضَهُ أَجْنَبِيٌّ مُتَبَرِّعًا فَقَبَضَهُ سَقَطَ الرُّجُوعُ) ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا مَكَانَ هِبَتِكَ، أَوْ ثَوَابًا مِنْهَا، أَوْ كَافَأْتُكَ بِهِ، أَوْ جَازَيْتُكَ عَلَيْهِ، أَوْ أَثَبْتُكَ، أَوْ نَحَلْتُكَ هَذَا عَنْ هِبَتِكَ، أَوْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْكَ بَدَلًا عَنْ هِبَتِكَ فَهَذَا كُلُّهُ عِوَضٌ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْهِبَةِ، يَصِحُّ بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْهِبَةُ، وَيَبْطُلُ بِمَا تَبْطُلُ بِهِ، وَيَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ فِيهِ عَلَى الْقَبْضِ وَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ أَصْلًا، وَإِنْ لَمْ يُضِفِ الْعِوَضَ إِلَى الْهِبَةِ بِأَنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا وَلَمْ يَقُلْ عِوَضًا عَنْ هِبَتِكَ لَا يَكُونُ عِوَضًا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ، فَإِنْ عَوَّضَهُ عَنْ جَمِيعِ الْهِبَةِ بَطَلَ الرُّجُوعُ فِي الْجَمِيعِ قَلَّ الْعِوَضُ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ عَوَّضَهُ عَنْ نِصْفِهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا بَقِيَ لِأَنَّ الْمَانِعَ التَّعْوِيضُ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ. قَالَ: (وَلَوِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْهِبَةِ رَجَعَ بِنِصْفِ الْعِوَضِ) لِأَنَّهُ مَا عَوَّضَهُ بِهَذَا الْعِوَضِ إِلَّا لِيُسَلِّمَ لَهُ جَمِيعَ الْمَوْهُوبِ وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا نَصِفَهُ فَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مَا عَوَّضَهُ (وَإِنِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْعِوَضِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ) وَقَالَ زُفَرُ: يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْمَوْهُوبِ اعْتِبَارًا بِالْعِوَضِ الْآخَرِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ ظَهَرَ أَنَّهُ مَا عَوَّضَهُ إِلَّا بِالْبَاقِي وَهُوَ يَصْلُحُ عِوَضًا عَنِ الْكُلِّ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِي ثُمَّ يَرْجِعُ ; لِأَنَّهُ مَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ بِقَبُولِ الْعِوَضِ إِلَّا لِيُسَلِّمَ لَهُ جَمِيعَ الْعِوَضِ وَلَمْ يُسَلِّمْ فَلَهُ رَدُّهُ، وَإِذَا رَدَّهُ بَطَلَ

стр. 396

وَإِنِ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْعِوَضِ رَجَعَ بِالْهِبَةِ، وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ يُرَاعَى فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْبَيْعِ بَعْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَإِنْ هَلَكَتْ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَضْمَنْ. فَصْلٌ الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِلْمُعْمَرِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ دَارَهُ لَهُ عُمْرَهُ، فَإِذَا مَاتَ تُرَدُّ عَلَيْهِ، وَالرُّقْبَى بَاطِلَةٌ (س) ، وَهِيَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ مِتَّ فَهِيَ لِي، وَإِنْ مِتُّ فَهِيَ لَكَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] التَّعْوِيضُ فَعَادَ حَقُّ الرُّجُوعِ. قَالَ: (وَإِنِ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْعِوَضِ رَجَعَ بِالْهِبَةِ) لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ يُرَاعَى فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ) فَلَا يَصِحُّ فِي الْمُشَاعِ (وَ) حُكْمُ (الْبَيْعِ بَعْدَهُ) رِعَايَةً لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَهَبَهُ عَبْدًا عَلَى أَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْهُ ثَوْبًا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِامْتِنَاعُ مَا لَمْ يَتَقَابَضَا كَمَا فِي الْهِبَةِ، فَإِذَا تَقَابَضَا صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ يَرُدَّانِ بِالْعَيْبِ وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ، وَإِنِ اسْتَحَقَّ مَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ بِعِوَضِهِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَبِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ هَالِكًا. قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ) ; لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ مُخْتَلَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَلَهُ الِامْتِنَاعُ، وَوِلَايَةُ الْإِلْزَامِ لِلْقَاضِي، وَإِنْ تَرَاضَيَا فَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ فَيَجُوزُ (وَإِنْ هَلَكَتْ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ) بِالرَّدِّ (لَمْ يَضْمَنْ) ; لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ حَيْثُ قَبَضَهُ لَا عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ. [فصل الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى] فَصْلٌ (الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِلْمُعْمَرِ حَالَ حَيَاتِهِ وَلِوَرَثَتِهِ) مِنْ (بَعْدِ مَمَاتِهِ) وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ (وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ دَارَهُ لَهُ عُمُرَهُ، فَإِذَا مَاتَ تُرَدُّ عَلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أَجَازَ الْعُمْرَى وَأَبْطَلَ شَرْطَ الْمُعْمِرِ» ، وَلَوْ قَالَ: دَارِي لَكَ عُمْرَى سُكْنَى أَوْ نُحْلَى سُكْنَى أَوْ سُكْنَى صَدَقَةً أَوْ صَدَقَةً عَارِيَةً أَوْ عَارِيَةً هِبَةً أَوْ هِبَةً سُكْنَى أَوْ سُكْنَى هِبَةً فَهِيَ عَارِيَةٌ ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ السُّكْنَى حَقِيقَةٌ فِي الْعَارِيَةِ ; لِأَنَّ الْعَارِيَةَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ وَتَحْتَمِلُ الْهِبَةَ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى، وَلَوْ قَالَ: هِبَةٌ تَسْكُنُهَا فَهِيَ هِبَةٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَسْكُنُهَا مَشُورَةٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى الْمَقْصُودِ وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ سُكْنَى. قَالَ: (وَالرُّقْبَى بَاطِلَةٌ، وَهِيَ أَنْ تَقُولَ) دَارِي لَكَ رُقْبَى، وَمَعْنَاهُ: (إِنْ مِتَّ فَهِيَ لِي، وَإِنْ مِتُّ فَهِيَ لَكَ) ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ الْآخَرِ لِمَا رَوَى شُرَيْحٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : " أَجَازَ الْعُمْرَى وَرَدَّ الرُّقْبَى» وَمُرَادُهُ الرُّقْبَى مِنَ التَّرَقُّبِ، أَمَّا مِنَ الْإِرْقَابِ وَمَعْنَاهُ رَقَبَةُ دَارِي

стр. 397

وَالصَّدَقَةُ كَالْهِبَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا رُجُوعَ فِيهَا، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ فَهُوَ عَلَى جِنْسِ مَالِ الزَّكَاةِ (ز) ، وَبِمِلْكِهِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُمْسِكُ مَا يُنْفِقُهُ حَتَى يَكْتَسِبَ ثُمَ يَتَصَدَّقُ بِمِثْلِ مَا أَمْسَكَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] لَكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَهُوَ مَحْمَلُ حَدِيثِ جَابِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : " أَجَازَ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى» إِلَّا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَلَا تَثْبُتُ الْهِبَةُ بِالشَّكِّ فَتَكُونَ عَارِيَةً. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: دَارِي لَكَ تَمْلِيكٌ، وَقَوْلُهُ رُقْبَى شَرْطٌ فَاسِدٌ لَا يُبْطِلُ الْهِبَةَ. وَلَهُمَا حَدِيثُ شُرَيْحٍ، وَلِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْمِلْكِ بِالْخَطَرِ فَلَا يَصِحُّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ يَكُونُ عَارِيَةً عِنْدَهُمَا ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إِطْلَاقَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَالِي أَوْ كُلُّ شَيْءٍ أَمْلِكُهُ أَوْ جَمِيعُ مَا أَمْلِكُهُ لِفُلَانٍ فَهُوَ هِبَةٌ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَصِيرُ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِتَمْلِيكِهِ، وَلَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَا يُعْرَفُ بِي أَوْ يُنْسَبُ إِلَيَّ لِفُلَانٍ فَهُوَ إِقْرَارٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَهُوَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ يُعْرَفُ بِهِ وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ. قَالَ: (وَالصَّدَقَةُ كَالْهِبَةِ) فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ (إِلَّا أَنَّهُ لَا رُجُوعَ فِيهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الثَّوَابُ وَقَدْ حَصَلَ، وَكَذَا الْهِبَةُ لِلْفَقِيرِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّوَابُ، وَكَذَا لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ لِأَنَّهُ قَدْ يَطْلُبُ مِنْهُ الثَّوَابَ بِأَنْ يُعِينَهُ عَلَى النَّفَقَةِ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالصَّدَقَةِ عَنْهَا. قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ فَهُوَ عَلَى جِنْسِ مَالِ الزَّكَاةِ) ; لِأَنَّ إِيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَإِيجَابُ اللَّهِ - تَعَالَى - الصَّدَقَةَ الْمُضَافَةَ إِلَى الْمَالِ يَتَنَاوَلُ أَمْوَالَ الزَّكَاةِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] الْآيَةَ، فَكَذَا إِيجَابُ الْعَبْدِ، فَيَتَصَدَّقُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَالسَّوَائِمِ وَالْغَلَّةِ وَالثَّمَرَةِ الْعُشْرِيَّةِ وَالْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ، خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى الْكَافِرِ فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الزَّكَاةِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْوَالِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَمْوَالَ الزَّكَاةِ. وَقَالَ زُفَرُ: يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَالِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَمَلًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِلْكِهِ فَهُوَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ أَنَّهُ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ فِي الِاسْتِحْسَانِ ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَالِ وَالْمِلْكِ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ النَّسَفِيُّ عَنْهُمَا. قَالَ: وَأَبُو يُوسُفَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: لَفْظَةُ الْمِلْكِ أَعَمُّ عُرْفًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا أَضَافَ الصَّدَقَةَ إِلَى الْمَالِ لَا إِلَى الْمِلْكِ وَذَلِكَ مُوجِبُ تَخْصِيصِ الْمَالِ فَبَقِيَ الْمِلْكُ عَلَى عُمُومِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سِوَى مَالِ الزَّكَاةِ لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِالْكُلِّ بِالْإِجْمَاعِ. (وَيُمْسِكُ مَا يُنْفِقُهُ حَتَّى يَكْتَسِبَ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِمِثْلِ مَا أَمْسَكَ) ; لِأَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ بِالْجَمِيعِ احْتَاجَ أَنْ يَسْأَلَ أَوْ يَمُوتَ جُوعًا وَأَنَّهُ ضَرَرٌ فَاحِشٌ، فَيُمْسِكُ قَدْرَ حَاجَتِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَلَمْ نُقَدِّرْهُ بِشَيْءٍ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فِي النَّفَقَاتِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُمْسِكُ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ فِي نَفَقَتِهِ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَدَاءِ مِثْلِهِ، وَلَوْ قَالَ: دَارِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا أَجْزَأَهُ، وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: كُلُّ مَا يَصِلُ إِلَيَّ مِنْ مَالِكَ فَعَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَوَهَبَهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِهِ لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ ; لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا بِالْأَكْلِ، وَبَعْدَ الْأَكْلِ لَا يُمْكِنُ التَّصَدُّقُ بِهِ.

стр. 398

كِتَابُ الْعَارِيَةِ وَهِيَ هِبَةُ الْمَنَافِعِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فٍيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] [كِتَابُ الْعَارِيَةِ] وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعَاوُرِ: وَهُوَ التَّدَاوُلُ وَالتَّنَاوُبُ، يُقَالُ: تَعَاوَرْنَا الْكَلَامَ بَيْنَنَا: أَيْ تَدَاوَلْنَاهُ. وَسَمَّى الْعَقْدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَدَاوَلُونَ الْعَيْنَ وَيَتَدَافَعُونَهَا مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ. أَوْ مِنَ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ، إِلَّا أَنَّ الْعَرِيَّةَ اخْتَصَّتْ بِالْأَعْيَانِ، وَالْعَارِيَةَ بِالْمَنَافِعِ. وَسُمِّيَتْ بِهِ؛ لِتَعَرِّيهِ عَنِ الْعِوَضِ. وَهِيَ عَقْدٌ مُسْتَحَبٌّ شَرْعًا، مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] . وَقَالَ ﵊: «لَا يَزَالُ اللَّهُ فِي عَوْنِ الْمُسْلِمِ مَا دَامَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» . وَذَمَّ تَعَالَى عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] ، أَيِ الْعَوَارِي مِنَ الْقِدْرِ وَالْفَأْسِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ ﵊: «الْعَارِيَةُ مَرْدُودَةٌ» . وَاسْتَعَارَ ﷺ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ، وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ نَوْعَانِ: بِعِوَضٍ، وَغَيْرِ عِوَضٍ. وَالْأَعْيَانُ قَابِلَةٌ لِلنَّوْعَيْنِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَكَذَا الْمَنَافِعُ بِالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ. قَالَ: (وَهِيَ هِبَةُ الْمَنَافِعِ) ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: إِبَاحَةُ الْمَنَافِعِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْمُسْتَعِيرُ إِجَارَةَ مَا اسْتَعَارَ، وَلَوْ مَلَكَ الْمَنَافِعَ لَمَلَكَ إِجَارَتَهَا، وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ. وَلَوْ كَانَتْ إِبَاحَةً لَمَا مَلَكَ ذَلِكَ، كَمَنْ أُبِيحَ لَهُ الطَّعَامُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبِيحَهُ لِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ. وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزِ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُؤَقَّتٌ يَنْقَطِعُ حَقُّهُ عَنْهَا إِلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَالْعَارِيَةُ تَمْلِيكٌ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا مَتَى شَاءَ. فَلَوْ جَازَتِ الْإِجَارَةُ يَلْزَمُ الْمُعِيرُ مِنَ الضَّرَرِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَا رَضِيَ بِهِ - فَلَا يَجُوزُ. أَوْ نَقُولُ: الْإِجَارَةُ أَقْوَى وَأَلْزَمُ مِنَ الْإِعَارَةِ، وَالشَّيْءُ لَا يَسْتَتْبِعُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ. قَالَ: (وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْإِعَارَةَ نَوْعَانِ: حَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ. فَالْحَقِيقَةُ: إِعَارَةُ الْأَعْيَانِ الَّتِي يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ. وَالْمَجَازُ: إِعَارَةُ مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إِلَّا بِاسْتِهْلَاكِهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ، فَيَكُونُ إِعَارَةً صُورَةً قَرْضًا مَعْنًى ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاسْتِهْلَاكِهِ بِبَدَلٍ، فَكَانَ تَمْلِيكًا بِبَدَلٍ وَهُوَ الْقَرْضُ. وَلَوِ اسْتَعَارَ دَرَاهِمَ؛ لِيُعَايِرَ بِهَا مِيزَانَهُ، أَوْ يُزَيِّنَ بِهَا حَانُوتَهُ - لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَا سَمَّى مِنَ الْمَنْفَعَةِ. وَلَا يَكُونُ

стр. 399

وَهِيَ أَمَانَةٌ، وَتَصِحُّ بِقَوْلِهِ: أَعَرْتُكَ وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ، وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ، وَمَنَحْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَةِ- إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِمَا الْهِبَةَ. وَدَارِي لَكَ سُكْنَى أَوْ سُكْنَى عُمْرَى، وَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَهَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ، وَلَيْسَ لَهُ إِجَارَتُهَا؛ فَإِنْ آجَرَهَا، فَهَلَكَتْ - ضَمِنَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَرْضًا كَاسْتِعَارَةِ الْحُلِيِّ. قَالَ: (وَهِيَ أَمَانَةٌ) لَا يَضْمَنُهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ. قَالَ ﵊: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» ، وَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ لَا عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لُغَةً وَشَرْعًا؛ لِمَا بَيَّنَّا، فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا. وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ اسْتَعَارَ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ، فَقَالَ: أَغَصْبًا تَأْخُذُهَا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ مَضْمُونَةٌ» أَيْ وَاجِبَةُ الرَّدِّ مَضْمُونَةٌ بِمَئُونَةِ الرَّدِّ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ. قَالَ: (وَتَصِحُّ بِقَوْلِهِ: أَعَرْتُكَ) ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ. (وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ) ؛ لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ، (وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ خِدْمَتُهُ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي اسْتِخْدَامِهِ. (وَمَنَحْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، وَحَمْلَتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِمَا الْهِبَةَ) ؛ لِمَا مَرَّ فِي الْهِبَةِ. (وَدَارِي لَكَ سُكْنَى) ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ سُكْنَاهَا لَكَ، (أَوْ سُكْنَى عُمْرَى) ، أَيْ سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ. قَالَ: (وَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَهَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ، وَلَيْسَ لَهُ إِجَارَتُهَا) ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنَافِعَ، فَيُمَلِّكُهَا غَيْرَهُ كَالْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ عَلَى مَا مَرَّ. ثُمَّ الْعَارِيَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ وَالِانْتِفَاعِ، كَمَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتًا مَعْلُومًا وَلَا عَيَّنَ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ - فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، فِي أَيِّ مَنْفَعَةٍ شَاءَ. وَيُرْكِبَ وَيُلْبِسَ غَيْرَهُ عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ، فَلَوْ رَكِبَ هُوَ، أَوْ لَبِسَ - لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ. وَكَذَا لَوْ رَكِبَ غَيْرُهُ لَا يَرْكَبُ هُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْإِجَارَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِيهِمَا بِأَنِ اسْتَعَارَهُ يَوْمًا؛ لِيَسْتَعْمِلَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ غَيْرَهُ؛ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ، وَلَهُ أَنْ يُعِيرَهَا لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ. وَكَذَا لَهُ أَنْ يُعِيرَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ؛ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ. وَالثَّالِثُ: إِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ مُقَيَّدَةً فِي الِانْتِفَاعِ بِأَنِ اسْتَعَارَهَا؛ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً - فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْحِنْطَةَ مَتَى شَاءَ. وَالرَّابِعُ: إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً فِي الْوَقْتِ مُطْلَقَةً فِي الِانْتِفَاعِ، بِأَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً يَوْمًا، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا - فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا شَاءَ فِي الْيَوْمِ. فَإِنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ ضَمِنَ إِنِ انْتَفَعَ بِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَقِيلَ: يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ، وَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْهُ يُسْتَفَادُ، فَيَثْبُتُ بِقَدْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَمَا زَادَ فَالْمُسْتَعِيرُ مُسْتَعْمِلٌ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَيَضْمَنُ. قَالَ: (فَإِنْ آجَرَهَا، فَهَلَكَتْ - ضَمِنَ) ؛

стр. 400

وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَعِيرَ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. فَإِنْ قَيَّدَهَا بِوَقْتٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ أَوْ مَكَانٍ ضَمِنَ بِالْمُخَالَفَةِ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ مَنْفَعَتِهَا مَا شَاءَ مَا لَمْ يُطَالِبْهُ بِالرَّدِّ. وَلَوْ أَعَارَ أَرْضَهُ لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيُكَلِّفَهُ قَلْعَهُمَا، وَإِنْ وَقَّتَ وَأَخَذَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَيَضْمَنُ لِلْمُسْتَعِيرِ قِيمَتَهُ وَيَمْلِكُهُ. وَلِلْمُسْتَعِيرِ قَلْعُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ بِالْأَرْضِ، فَإِنْ قَلَعَهُمَا فَلَا ضَمَانَ، فَإِنْ أَعَارَهَا لِلزِّرَاعَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا قَبْلَ حَصْدِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ حَيْثُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَكَانَ غَاصِبًا. (وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَعِيرَ) ؛ لِمَا بَيَّنَّا. (وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ آجَرَهُ مِلْكَهُ. وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَأْجِرَ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، (وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ) إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَارِيَةٌ دَفْعًا لِضَرَرِ الْغَرَرِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ. قَالَ: (فَإِنْ قَيَّدَهَا بِوَقْتٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ، أَوْ مَكَانٍ - ضَمِنَ بِالْمُخَالَفَةِ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ) ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ بِتَمَامِهِ فِي الْإِجَارَةِ. (وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ مَنْفَعَتِهَا مَا شَاءَ مَا لَمْ يُطَالِبْهُ بِالرَّدِّ) عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ. قَالَ: (وَلَوْ أَعَارَ أَرْضَهُ لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَتُمْلَكُ كَذَلِكَ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ لَمْ يُقْبَضْ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ. وَقَالَ ﵊: «الْعَارِيَةُ مَرْدُودَةٌ» . قَالَ: (وَيُكَلِّفَهُ قَلْعَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ الرُّجُوعُ بَقِيَ الْمُسْتَعِيرُ شَاغِلًا مِلْكَ الْمُعِيرِ، فَعَلَيْهِ تَفْرِيغُهَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَّتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا أَصَابَ الْمُسْتَعِيرَ إِنَّمَا أَصَابَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ. (وَإِنْ وَقَّتَ، وَأَخَذَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ - كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ أَخْلَفَ وَعْدَهُ (وَيَضْمَنُ لِلْمُسْتَعِيرِ قِيمَتَهُ وَيَمْلِكُهُ) نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْأَخْذِ فَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ. وَلَنَا: أَنَّهُ غَرَّهُ بِالتَّأْقِيتِ؛ إِذِ الظَّاهِرُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ إِذَا أَخْلَفَ؛ لِأَنَّ مَا أَصَابَهُ إِنَّمَا أَصَابَهُ مِنْ جِهَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ. (وَلِلْمُسْتَعِيرِ قَلْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ بِالْأَرْضِ) فَيُخَيَّرُ الْمُعِيرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ، وَهُوَ رَاجِعٌ عَلَى التَّبَعِ. (فَإِنْ قَلَعَهُمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) ، وَقِيلَ: إِذَا كَلَّفَهُ الْمُعِيرُ قَلْعَهُمَا قَلَعَهُمَا، وَيُضَمَّنُ الْمُعِيرُ مَا نَقَصَا بِالْقَلْعِ؛ لِأَنَّهُ خَدَعَهُ حَيْثُ ضَمِنَ لَهُ الْوَفَاءَ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَهُ وَلَمْ يَفِ لَهُ. قَالَ: (فَإِنْ أَعَارَهَا؛ لِلزِّرَاعَةِ - فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا قَبْلَ حَصْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ) فَتَبْقَى بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُرَاعَاةَ الْجَانِبَيْنِ وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ الْمُسْتَعِيرِ وَمُرَاعَاةَ حَقِّ الْمُعِيرِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ مُدَّةً قَلِيلَةً بِخِلَافِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا فَيُقْلَعُ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُعِيرِ. دَخَلَ الْحَمَّامَ، وَاسْتَعْمَلَ قِصَاعَ الْحَمَّامِيِّ، فَانْكَسَرَتْ. أَوْ أَخَذَ كُوزَ الْفُقَّاعِ؛ لِيَشْرَبَ، فَانْكَسَرَ. أَوْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ بِإِذْنِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ إِنَاءً بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ أَوْ لِيَشْرَبَ

стр. 401

وَأُجْرَةُ رَدِّ الْعَارِيَةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْآجِرِ. وَإِذَا رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى اصْطَبْلِ مَالِكِهَا بَرِئَ، وَكَذَا رَدُّ الثَّوْبِ إِلَى دَارِهِ، وَمَعَ مَنْ فِي عِيَالِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ الْخَاصِّ بَرِئَ. كِتَابُ الْغَصْبِ وَهُوَ أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي، ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَوَقَعَ مِنْ يَدِهِ، فَانْكَسَرَ - فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ دَلَالَةً. اسْتَعَارَ كِتَابًا؛ لِيَقْرَأَ فِيهِ، فَوَجَدَ فِيهِ خَطَأً، إِنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَكْرَهُ إِصْلَاحَهُ أَصْلَحَهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: (وَأُجْرَةُ رَدِّ الْعَارِيَةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ؛ لِمَنْفَعَتِهِ، فَوَجَبَ الرَّدُّ عَلَيْهِ. وَالْأُجْرَةُ مَئُونَةُ الرَّدِّ (وَ) أُجْرَةُ رَدِّ (الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْآجِرِ) ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْقَبْضِ حَصَلَتْ لَهُ وَهِيَ الْأُجْرَةُ، فَلَا يَكُونُ الرَّدُّ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ. قَالَ: (وَإِذَا رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى اصْطَبْلِ مَالِكِهَا بَرِئَ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ؛ لِعَدَمِ الرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالرَّدِّ إِلَى الِاصْطَبْلِ، فَإِنَّهُ لَوْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ رَدَّهَا إِلَى الِاصْطَبْلِ، وَالْمُعْتَادُ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، وَرَدَّهُ إِلَى دَارِ مَالِكِهِ - فَكَذَلِكَ. (وَكَذَا رَدُّ الثَّوْبِ إِلَى دَارِهِ) ؛ لِمَا بَيَّنَّا. (وَ) لَوْ رَدَّ الْعَارِيَةَ (مَعَ مَنْ فِي عِيَالِهِ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ أَجِيرِهِ الْخَاصِّ - بَرِئَ) ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَصَارَتْ كَالْوَدِيعَةِ. وَكَذَا لَوْ رَدَّهَا إِلَى عَبْدِ الْمُعِيرِ، أَوْ مَنْ فِي عِيَالِهِ - بَرِئَ ; لَأَنَّ الْمَالِكَ يَحْفَظُهَا بِهَؤُلَاءِ عَادَةً. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعَبْدِ: الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهَا. وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى: لَوْ كَانَتِ الْعَارِيَةُ شَيْئًا نَفِيسًا كَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ لَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ إِلَى هَؤُلَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِطَرْحِهِ فِي الدَّارِ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى غِلْمَانِهِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي رَدِّ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَفِي الْغَصْبِ لَا يَبْرَأُ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى مَالِكِهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ وَاجِبٌ فَلَا يَسْقُطُ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ حَقِيقَةً، بِخِلَافِ الْعَارِيَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. [كِتَابُ الْغَصْبِ] ِ (وَهُوَ) فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا، يُقَالُ: غَصَبْتُهُ مِنْهُ، وَغَصَبْتُهُ عَلَيْهِ بِمَعْنًى، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أَيْ ظُلْمًا. وَيُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، يُقَالُ: غَصَبْتُ وَلَدَهُ وَزَوْجَتَهُ. وَفِي الشَّرْعِ: (أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرِمٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي) ، وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ كَوْنَ الْمَغْصُوبِ قَابِلًا لِلنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ يَدِ الْمَالِكِ. وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ. وَيَظْهَرُ فِي غَصْبِ الْعَقَارِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَلَوِ اسْتَخْدَمَ مَمْلُوكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَوْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَتِهِ، أَوْ رَكِبَ دَابَّتَهُ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا،

стр. 402

وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ فِي مَكَانِ غَصْبِهِ. فَإِنْ هَلَكَ وَهُوَ مِثْلِيٌّ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ. وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ النُّقْصَانَ، وَإِذَا انْقَطَعَ تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَضَاءَ (سم) . ــ [الاختيار لتعليل المختار] أَوْ سَاقَهَا، فَهَلَكَتْ - كَانَ غَاصِبًا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْيَدَ الْمُبْطِلَةَ الْمُفَوِّتَةَ. وَلَوْ جَلَسَ عَلَى بِسَاطِ الْغَيْرِ، أَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ بِثَوْبِ إِنْسَانٍ، فَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِهِ - لَا يَكُونُ غَاصِبًا مَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَوْ يُمْسِكْهُ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ حَرَامٌ؛ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ. قَالَ ﵊: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ» . وَقَالَ ﵊: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» ، وَعَلَى حُرْمَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ عَقْلًا؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ عَقْلًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. وَالْغَصْبُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِثْمٌ، وَهُوَ مَا وَقَعَ عَنْ جَهْلٍ كَمَنْ أَتْلَفَ مَالَ الْغَيْرِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِلْكُهُ. أَوْ مَلَكُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَتَصَرَّفَ فِيهِ، وَاسْتَهْلَكَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ - فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. قَالَ ﵊: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ، الْحَدِيثَ. مَعْنَاهُ الْإِثْمُ. وَالثَّانِي: يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِثْمُ، وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِأَخْذِهِ وَإِمْسَاكِهِ. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ فِي مَكَانِ غَصْبِهِ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذْتَ حَتَّى تَرُدَّ» ، وَقَالَ ﵊: «لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَا جَادًّا وَلَا لَاعِبًا، فَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ» ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُ الظُّلْمِ، وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا. وَيَرُدُّهُ فِي مَكَانِ غَصْبِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْأَمَاكِنِ، وَالْأَعْدَلُ مَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (فَإِنْ هَلَكَ، وَهُوَ مِثْلِيٌّ - فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ) ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وَلِأَنَّ الْمِثْلَ أَعْدَلُ؛ لِوُجُودِ الْمَالِيَّةِ وَالْجِنْسِ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا) كَالْحَيَوَانِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَفَاوِتِ وَالْمَزْرُوعِ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ دَفْعًا لِلظُّلْمِ وَإِيصَالًا لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. وَسَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ بِفِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ، أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْغَصْبِ صَارَ مُتَعَدِّيًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَقَدِ امْتَنَعَ فَيَجِبُ الضَّمَانُ، وَتَجِبُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَبِهِ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ. (وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ النُّقْصَانَ) اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ. (و) أَمَّا الْمِثْلِيُّ (إِذَا انْقَطَعَ تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَضَاءِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَوْمَ الْغَصْبِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَوْمَ الِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمِثْلُ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ بِالِانْقِطَاعِ فَيُعْتَبَرُ يَوْمَئَذٍ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ الْتَحَقَ بِذَوَاتِ الْقِيَمِ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ؛ إِذْ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِانْتِقَالَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا بِالِانْقِطَاعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَخَاصَمَا حَتَّى عَادَ الْمِثْلُ وَجَبَ. فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ عِنْدَهُ بِخِلَافِ ذَوَاتِ

стр. 403

وَإِنِ ادَّعَى الْهَلَاكَ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةً يَعْلَمُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً أَظْهَرَهَا، ثُمَّ يَقْضِي عَلَيْهِ بِبَدَلِهَا. وَالْقَوْلُ فِي الْقِيمَةِ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِذَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ مَلَكَهُ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الْغَصْبِ، وَتَسْلَمُ لَهُ الْأَكْسَابُ وَلَا تَسْلَمُ لَهُ الْأَوْلَادُ. فَإِذَا ظَهَرَتِ الْعَيْنُ وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ وَقَدْ ضَمِنَهَا بِنُكُولِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِقَوْلِ الْمَالِكِ - سَلِمَتْ لِلْغَاصِبِ. وَإِنْ ضَمِنَهَا بِيَمِينِهِ فَالْمَالِكُ إِنْ شَاءَ أَمْضَى الضَّمَانَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَيْنَ وَرَدَّ الْعِوَضَ، وَيَضْمَنُ مَا نَقَصَ الْعَقَارُ بِفِعْلِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ لَوْ هَلَكَ (م) . ــ [الاختيار لتعليل المختار] الْقِيَمِ؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِهَا مِنْ وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَصْبُ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ السَّبَبِ. قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَى الْهَلَاكَ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةً يَعْلَمُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً أَظْهَرَهَا، ثُمَّ يَقْضِي عَلَيْهِ بِبَدَلِهَا) ; لَأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهَا، وَقَدِ ادَّعَى خِلَافَهُ. وَنَظِيرُهُ إِذَا طُولِبَ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ، فَادَّعَى الْإِفْلَاسَ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْحَجْرِ، فَإِذَا حُبِسَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ قَضَى عَلَيْهِ بِالْبَدَلِ؛ لِمَا مَرَّ. قَالَ: (وَالْقَوْلُ فِي الْقِيمَةِ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ أَقَامَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الزِّيَادَةِ قَضَى بِهَا؛ لِأَنَّهَا حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ. قَالَ: (فَإِذَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ مَلَكَهُ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الْغَصْبِ) ؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إِلَى مِلْكٍ، وَقَدْ مَلَكَ الْمَالِكُ بَدَلَهُ فَيَمْلِكُ الْغَاصِبُ الْمُبْدَلَ؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ. (وَتَسْلَمُ لَهُ الْأَكْسَابُ) ؛ لِلتَّبَعِيَّةِ، (وَلَا تَسْلَمُ لَهُ الْأَوْلَادُ) ؛ لِأَنَّ تَبَعِيَّتَهُمْ فَوْقَ تَبَعِيَّةِ الْأَكْسَابِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتِبِ مُدَبَّرٌ وَمَكَاتِبٌ، وَلَا تَكُونُ أَكْسَابُهُمَا مُدَبَّرًا وَمُكَاتِبًا؟ قَالَ: (فَإِذَا ظَهَرَتِ الْعَيْنُ، وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ، وَقَدْ ضَمِنَهَا بِنُكُولِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِقَوْلِ الْمَالِكِ - سَلِمَتْ لِلْغَاصِبِ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِرِضَى الْمَالِكِ حَيْثُ ادَّعَى هَذَا الْقَدْرَ. (وَإِنْ ضَمِنَهَا بِيَمِينِهِ فَالْمَالِكُ إِنْ شَاءَ أَمْضَى الضَّمَانَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَيْنَ وَرَدَّ الْعِوَضَ) ; لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ؛ لِعَجْزِهِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى كَمَالِ حَقِّهِ كَالْمُكْرَهِ. وَكَذَا لَوْ ظَهَرَ وَقِيمَتُهُ مِثْلُ مَا ضَمِنَ أَوْ أَقَلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ حَيْثُ لَمْ يُعْطِهِ مَا ادَّعَاهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ. قَالَ: (وَيَضْمَنُ مَا نَقَصَ الْعَقَارُ بِفِعْلِهِ، وَلَا يَضْمَنُهُ لَوْ هَلَكَ) . وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ الْعَقَارَ بِالْغَصْبِ. وَصُورَتُهُ: أَنَّ مَنْ سَكَنَ دَارَ غَيْرِهِ، أَوْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، ثُمَّ خَرِبَتِ الدَّارُ أَوْ غَرِقَ الْعَقَارُ - لِمُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَحَقَّقَتِ الْيَدُ الْعَادِيَةُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ زَوَالُ يَدِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْيَدَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ مُحَالٌ، فَتَحَقَّقَ الْغَصْبُ. وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالنَّقْلِ فِيمَا يُنْقَلُ يَتَعَلَّقُ بِالتَّخْلِيَةِ فِيمَا لَا يُنْقَلُ كَدُخُولِ الْمَبِيعِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، وَالنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ الْجَزَاءَ فِي غَصْبِ الْعَقَارِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الضَّمَانَ، وَلَوْ وَجَبَ لَذَكَرَهُ. وَلِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ لَمْ يَزُلْ عَنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَتْ يَدُ الْمَالِكِ ثَابِتَةً عَلَيْهِ، وَالتَّصَرُّفُ

стр. 404

فَإِنْ نَقَصَ بِالزِّرَاعَةِ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ، وَيَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، وَكَذَا الْمُودَعُ وَالْمُسْتَعِيرُ إِذَا تَصَرَّفَا وَرَبِحَا تَصَدَّقَا بِالْفَضْلِ (س) . ــ [الاختيار لتعليل المختار] فِي الْمَالِكِ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَا لَوْ مَنَعَهُ عَنْ حِفْظِ مَالِهِ حَتَّى هَلَكَ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُ الْغَصْبِ كَالْحُرِّ. وَأَمَّا إِذَا هَدَمَ الْبِنَاءَ، وَحَفَرَ الْأَرْضَ - فَيَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ، وَأَنَّهُ إِتْلَافٌ. وَيَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ مَا لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ كَالْحُرِّ. وَمَا انْهَدَمَ بِسُكْنَاهُ فَقَدْ تَلِفَ بِفِعْلِهِ، وَالْعَقَارُ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ وَإِنْ لَمْ يُضْمَنْ بِالْغَصْبِ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْعَيْنِ. (فَإِنْ نَقَصَ بِالزِّرَاعَةِ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ) ؛ لِمَا مَرَّ، (وَيَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ) . مَعْنَاهُ: يَأْخُذُ مِنَ الزَّرْعِ مَا أَخْرَجَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَذْرِ وَغَيْرِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ. (وَكَذَا الْمُودَعُ وَالْمُسْتَعِيرُ إِذَا تَصَرَّفَا، وَرَبِحَا - تَصَدَّقَا بِالْفَضْلِ) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي ضَمَانِهِ؛ لِمِلْكِهِ الْأَصْلَ ظَاهِرًا؛ فَإِنَّ الْمَضْمُونَاتِ تُمَلَّكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَلَهُمَا أَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالْفَرْعُ يَحْصُلُ عَلَى صِفَةِ الْأَصْلِ، وَالْمِلْكُ الْخَبِيثُ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، وَلَوْ صَرَفَهُ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ جَازَ. ثُمَّ إِنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَتَصَدَّقُ. وَلَوْ لَقِيَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ، فَطَالَبَهُ بِالْمَغْصُوبِ - فَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ دَفَعَهَا إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا ثَمَنٌ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا وَهِيَ قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ أُمِرَ بِتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ بَلَدِ الْغَصْبِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَهُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ؛ لِيَأْخُذَهُ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ بِنَقْلِهِ فَيُخَيَّرُ الْمَالِكُ، بِخِلَافِ تَغَيُّرِ السِّعْرِ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا بِصُنْعِهِ بَلْ بِقِلَّةِ الرَّغَبَاتِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ وَقِيمَتِهِ أَقَلَّ فَالْمَالِكُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيمَتَهُ بِبَلَدِ الْغَصْبِ، أَوْ يَصْبِرُ؛ لِيَأْخُذَ مِثْلَهُ فِي بَلَدِهِ. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ هُنَا أَكْثَرَ فَالْغَاصِبُ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَضَرَّرُ بِالدَّفْعِ. وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ سَوَاءً فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُطَالِبَ بِالْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ. وَلَوْ تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ رَدَّهُ مَعَ قِيمَةِ النُّقْصَانِ، فَيُقَوَّمُ صَحِيحًا، وَيُقَوَّمُ وَبِهِ عَيْبٌ - فَيَضْمَنُ ذَلِكَ، هَذَا فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ؛ لِأَنَّ لِلْجَوْدَةِ قِيمَةً فِيهَا. فَأَمَّا الرِّبَوِيَّاتُ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِعَيْبِهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَتَرَكَهُ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ عَلَى مَا عُرِفَ. وَآنِيَةُ الصُّفْرِ وَالرَّصَاصِ إِنْ بِيعَتْ وَزْنًا مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ وَعَدَدًا لَا. وَلَوْ غَصَبَ عِنَبًا فَصَارَ زَبِيبًا، أَوْ عَصِيرًا فَصَارَ خَلًّا، أَوْ رُطَبًا فَصَارَ تَمْرًا - فَالْمَالِكُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ عَيْنَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مِثْلَهُ. وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً صَغِيرَةً، فَكَبِرَ - أَخَذَهُ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ مِنَ النَّفَقَةِ. قَالَ ﵊: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . وَلَوْ كَانَ شَابًّا فَصَارَ شَيْخًا، أَوْ شَابَّةً فَصَارَتْ عَجُوزًا - ضَمِنَ النُّقْصَانَ. وَالشَّلَلُ وَالْعَرَجُ وَذَهَابُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَنِسْيَانُ الْحِرْفَةِ وَالْقُرْآنِ وَالسَّرِقَةُ وَالْإِبَاقُ وَالْجُنُونُ وَالزِّنَا عَيْبٌ يُوجِبُ النُّقْصَانَ

стр. 405

وَإِذَا تَغَيَّرَ الْمَغْصُوبُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهُ وَأَكْثَرُ مَنَافِعِهِ مَلَكَهُ وَضَمِنَهُ، وَذَلِكَ كَذَبْحِ الشَّاةِ وَطَبْخِهَا أَوْ شَيِّهَا أَوْ تَقْطِيعِهَا، وَطَحْنِ الْحِنْطَةِ أَوْ زَرْعِهَا، وَخَبْزِ الدَّقِيقِ، وَجَعْلِ الْحَدِيدِ سَيْفًا وَالصُّفْرِ آنِيَةً، وَالْبِنَاءِ عَلَى السَّاجَةِ، وَاللَّبِنِ حَائِطًا. وَعَصْرِ الزَّيْتُونِ وَالْعِنَبِ وَغَزْلِ الْقُطْنِ وَنَسْجِ الْغَزْلِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهُ (ز) . وَلَوْ غَصَبَ تِبْرًا، فَضَرَبَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ آنِيَةً - لَمْ يَمْلِكْهُ (سم) . وَمَنْ خَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ، فَأَبْطَلَ عَامَّةَ مَنْفَعَتِهِ - ضَمِنَهُ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] إِنْ حَدَثَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ ضَمِنَهَا. قَالَ: (وَإِذَا تَغَيَّرَ الْمَغْصُوبُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهُ وَأَكْثَرُ مَنَافِعِهِ مَلَكَهُ وَضَمِنَهُ. وَذَلِكَ كَذَبْحِ الشَّاةِ وَطَبْخِهَا أَوْ شَيِّهَا أَوْ تَقْطِيعِهَا، وَطَحْنِ الْحِنْطَةِ أَوْ زَرْعِهَا، وَخَبْزِ الدَّقِيقِ، وَجَعْلِ الْحَدِيدِ سَيْفًا وَالصُّفْرِ آنِيَةً، وَالْبِنَاءِ عَلَى السَّاجَةِ، وَاللَّبِنِ حَائِطًا، وَعَصْرِ الزَّيْتُونِ وَالْعِنَبِ، وَغَزْلِ الْقُطْنِ وَنَسْجِ الْغَزْلِ) . وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا مِنْ وَجْهٍ؛ لِفَوَاتِ مُعْظَمِ الْمَقَاصِدِ وَتَبَدُّلِ الِاسْمِ، وَحَقُّهُ فِي الصَّنْعَةِ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَتَرَجَّحَ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ وَجْهٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَبَحَ شَاةً وَسَلَخَهَا ; لِأَنَّ الِاسْمَ بَاقٍ. (وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهُ) «لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ الْمَصْلِيَّةِ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا: " أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى» ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى زَوَالِ مِلْكِ الْمَالِكِ، وَحُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ قَبْلَ الْإِرْضَاءِ، وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ قَبْلَ الْإِرْضَاءِ فَتَحَ بَابَ الْغَصْبِ. وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ مَعَ الْحُرْمَةِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ. فَإِذَا أَدَّى بَدَلَهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ - جَازَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَاضِيًا بِالْإِبْرَاءِ وَأَخْذِ الْبَدَلِ. وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الِانْتِفَاعُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ، فَيَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُ الْمَالِكِ عَنْهُ، لَكِنَّهُ يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ بَاقِي الْغُرَمَاءِ. وَوَجْهٌ آخَرَ فِي السَّاجَةِ وَاللَّبِنِ أَنَّ ضَرَرَ الْمَالِكِ صَارَ مُنْجَبِرًا بِالْقِيمَةِ، وَضَرَرَ الْغَاصِبِ بِالْهَدْمِ لَا يَنْجَبِرُ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ، فَكَانَ أَوْلَى. وَلَوْ غَصَبَ خَيْطًا، فَخَاطَ بِهِ بَطْنَ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ، أَوْ لَوْحًا فَأَدْخَلَهُ فِي سَفِينَةٍ - انْقَطَعَ مِلْكُ الْمَالِكِ إِلَى الضَّمَانِ بِالْإِجْمَاعِ. (وَلَوْ غَصَبَ تِبْرًا، فَضَرَبَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ آنِيَةً - لَمْ يَمْلِكْهُ) ، فَيَأْخُذُهَا الْمَالِكُ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ. وَقَالَا: يَمْلِكُهَا الْغَاصِبُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ بِصُنْعِهِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ بِالْكَسْرِ فَاتَ بَعْضُ الْمَقَاصِدِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ نَظَرًا إِلَى بَقَاءِ الِاسْمِ وَالثَّمَنِيَّةِ وَالْوَزْنِ، وَجَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِ، وَالصُّنْعِ فِيهَا غَيْرَ مُتَقَوِّمَةٍ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ. قَالَ: (وَمَنْ خَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ، فَأَبْطَلَ عَامَّةَ مَنْفَعَتِهِ - ضَمِنَهُ) ; لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ مَعْنًى كَمَا إِذَا أَحْرَقَهُ. فَإِذَا ضَمَّنَهُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ تَرَكَ الثَّوْبَ لِلْغَاصِبِ؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ أَمْسَكَ الثَّوْبَ

стр. 406

وَمَنْ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ، أَوْ قَطَعَ يَدَهَا - فَإِنْ شَاءَ الْمَالِكُ ضَمَّنَهُ نُقْصَانَهَا وَأَخَذَهَا، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهَا وَضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا. وَفِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا بِقَطْعِ الطَّرَفِ. وَمَنْ بَنَى فِي أَرْضِ غَيْرِهِ أَوْ غَرَسَ لَزِمَهُ قَلْعُهُمَا وَرَدُّهَا، وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ، أَوْ سَوِيقًا، فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ - فَالْمَالِكُ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا، وَرَدَّ زِيَادَةَ الصَّبْغِ وَالسَّوِيقِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] ضَمَّنَهُ النُّقْصَانَ؛ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ وَبَعْضِ الْمَنَافِعِ. وَإِنْ كَانَ خَرْقًا قَلِيلًا يُضَمَّنُ نُقْصَانَهُ؛ لِمَا أَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ شَيْئًا، بَلْ عَيَّبَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَيْبِ الْفَاحِشِ، قِيلَ: هُوَ أَنْ يُوجِبَ نُقْصَانَ رُبْعِ الْقِيمَةِ فَمَا زَادَ، وَقِيلَ: مَا يُنْتَقَصُ بِهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَالصَّحِيحُ مَا يَفُوتُ بِهِ بَعْضُ الْمَنَافِعِ. وَالْيَسِيرُ مَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، بَلْ يَدْخُلُهُ نُقْصَانُ الْعَيْبِ. قَالَ: (وَمَنْ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ، أَوْ قَطَعَ يَدَهَا - فَإِنْ شَاءَ الْمَالِكُ ضَمَّنَهُ نُقْصَانَهَا وَأَخَذَهَا، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ وَضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا) ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِتَفْوِيتِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ مِنَ اللَّبَنِ وَالنَّسْلِ وَغَيْرِهِمَا، وَبَقَاءُ الْبَعْضِ وَهُوَ الْأَكْلُ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَمَا فِي الثَّوْبِ فِي الْخَرْقِ الْفَاحِشِ. قَالَ: (وَفِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ يُضَمَّنُ قِيمَتَهَا بِقَطْعِ الطَّرَفِ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَلَوْ غَصَبَ دَابَّةً، فَقَطَعَ رِجْلَهَا - ضَمِنَ قِيمَتَهَا. وَرَوَى هِشَامٌ: إِنْ أَخَذَهَا الْمَالِكُ لَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا، وَأَخَذَ الْقِيمَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْجُثَّةِ الْعَمْيَاءِ خِلَافًا لَهُمَا. وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَ الدَّابَّةِ فَعَلَيْهِ رُبْعُ الْقِيمَةِ اسْتِحْسَانًا، وَقِيمَةُ النُّقْصَانِ قِيَاسًا. وَفِي جِنَايَاتِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ فَقَأَ عَيْنَ بِرْذَوْنٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ عَلَيْهِ رُبْعُ قِيمَتِهِ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُعْمَلُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ، وَمَا لَا يُعْمَلُ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ. وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَفِي عَيْنِ بَقَرِ الْجَزَّارِ وَجَزُورِهِ رُبْعُ الْقِيمَةِ، وَفِي عَيْنِ شَاةِ الْقَصَّابِ مَا نَقَصَهَا، وَالْحَمَلُ وَالطَّيْرُ وَالدَّجَاجَةُ وَالْكَلْبُ مَا نَقَصَهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ فِي جَمِيعِ الْبَهَائِمِ اعْتِبَارًا بِالشَّاةِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ الْقِيمَةِ» ، وَكَذَا قَضَى عُمَرُ ﵁. وَلِأَنَّهَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ وَالْعَمَلِ، وَلَا تَقُومُ هَذِهِ الْمَصَالِحُ إِلَّا بِأَرْبَعَةِ أَعْيُنٍ: عَيْنَيْهَا، وَعَيْنَيِ الْمُسْتَعْمِلِ، فَصَارَتْ كَذَاتِ أَرْبَعَةِ أَعْيُنٍ، فَيَجِبُ فِي أَحَدِهَا رُبْعُ الْقِيمَةِ كَمَا قُلْنَا فِي أَحَدِ الْأَهْدَابِ رُبْعُ الدِّيَةِ لَمَّا كَانَتْ أَرْبَعَةً. قَالَ: (وَمَنْ بَنَى فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، أَوْ غَرَسَ - لَزِمَهُ قَلْعُهُمَا وَرَدُّهَا) عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْإِجَارَاتِ. قَالَ ﵊: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، وَلِأَنَّهُ أَشْغَلَ مِلْكَ الْغَيْرِ، فَيُؤْمَرُ بِتَفْرِيغِهِ دَفْعًا لِلظُّلْمِ وَرَدًّا لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ، أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ - فَالْمَالِكُ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا، وَرَدَّ زِيَادَةَ الصَّبْغِ وَالسَّوِيقِ. وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ

стр. 407

وَمِثْلَ السَّوِيقِ وَسَلَّمَهُمَا. فَصْلٌ زَوَائِدُ الْغَصْبِ أَمَانَةٌ، مُتَّصِلَةً كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةً، وَيَضْمَنُهَا بِالتَّعَدِّي أَوْ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ. وَمَا نَقَصَتِ الْجَارِيَةُ بِالْوِلَادَةِ مَضْمُونٌ، وَتُجْبَرُ بِوَلَدِهَا وَبِالْغُرَّةِ. وَمَنَافِعُ الْغَصْبِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ اسْتَوْفَاهَا أَوْ عَطَّلَهَا. ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَمِثْلَ السَّوِيقِ وَسَلَّمَهُمَا) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رِعَايَةَ الْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَصَاحِبُ الثَّوْبِ صَاحِبُ الْأَصْلِ فَكَانَ الْخِيَارُ لَهُ. وَقَالَ فِي الْأَصْلِ: تَجِبُ قِيمَةُ السَّوِيقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِالْقَلْيِ، فَلَمْ يَصِرْ مِثْلِيًّا، وَسَمَّاهُ هَهُنَا مِثْلِيًّا؛ لِقِيَامِ الْقِيمَةِ مَقَامَهُ، وَالْأَلْوَانُ كُلُّهَا سَوَاءٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: السَّوَادُ نُقْصَانٌ، قِيلَ: هُوَ اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، وَقِيلَ: إِنْ نَقَصَهُ السَّوَادُ فَهُوَ نُقْصَانٌ. [فصل زوائد الْغَصْبِ] فَصْلٌ (زَوَائِدُ الْغَصْبِ أَمَانَةٌ مُتَّصِلَةً كَانَتْ) كَالسِّمَنِ وَالْجَمَالِ وَالْحُسْنِ (أَوْ مُنْفَصِلَةً) كَالْوَلَدِ وَالْعُقْرِ وَالثَّمَرَةِ وَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ بِإِثْبَاتِ يَدِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ - فَلَا يُضَمَّنُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ، وَلَا غَصْبَ - مُحَالٌ. قَالَ: (وَيَضْمَنُهَا بِالتَّعَدِّي) بِأَنْ أَتْلَفَهُ أَوْ أَكَلَهُ أَوْ ذَبَحَهُ أَوْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ، (أَوْ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لِلْغَيْرِ، وَقَدْ تَعَدَّى فِيهِ فَيَضْمَنُهُ؛ لِمَا مَرَّ. وَإِنْ طَلَبَ الْمُتَّصِلَةَ لَا يَضْمَنُ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِعَدَمِ إِمْكَانِ رَدِّ الزَّوَائِدِ بِدُونِ الْأَصْلِ. وَقَالَا: يَضْمَنُهَا بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ كَالْمُنْفَصِلَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ إِخْرَاجُ الْمَحَلِّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ مَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهَا فِي حَقِّ الْمَالِكِ؛ لِعَدَمِ يَدِهِ عَلَيْهَا، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ. وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الضَّمَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ: (وَمَا نَقَصَتِ الْجَارِيَةُ بِالْوِلَادَةِ مَضْمُونٌ) ؛ لِفَوَاتِ بَعْضِهَا. (وَيُجْبَرُ بِوَلَدِهَا وَبِالْغُرَّةِ) ؛ لِانْعِدَامِ النُّقْصَانِ حُكْمًا، وَلِأَنَّ الْعُلُوقَ أَوِ الْوِلَادَةَ سَبَبٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَلَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَا إِذَا سَقَطَتْ سِنُّهَا، ثُمَّ نَبَتَتْ، أَوْ هَزِلَتْ ثُمَّ سَمِنَتْ. أَوْ رَدَّ أَرْشَ الْيَدِ فَإِنَّهُ يَنْجَبِرُ بِهِ نَقْصُ الْقَطْعِ، كَذَا هُنَا، وَصَارَ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْوَلَدِ وَفَاءٌ انْجَبَرَ بِقَدْرِهِ، وَضَمِنَ الْبَاقِيَ. وَالْغُرَّةُ كَالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَهُ؛ لِوُجُوبِهَا بَدَلًا عَنْهُ. وَلَوْ مَاتَتْ، وَبِالْوَلَدِ وَفَاءٌ بِقِيمَتِهَا - لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ مَلَكَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ النُّقْصَانَ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْجَابِرِ. قَالَ: (وَمَنَافِعُ الْغَصْبِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ اسْتَوْفَاهَا أَوْ عَطَّلَهَا) ، أَوِ اسْتَغَلَّ؛ لِعَدَمِ وُرُودِ الْغَصْبِ عَلَيْهَا، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَعْيَانِ؛ لِبَقَاءِ الْأَعْيَانِ، وَهِيَ لَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ.

стр. 408

وَمَنِ اسْتَهْلَكَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلَوْ كَانَا لِمُسْلِمٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ قِيمَتُهَا (سم) لِغَيْرِ اللَّهْوِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَإِنَّمَا تَقَوَّمَتْ بِالْإِجَارَةِ ضَرُورَةَ وُرُودِ الْعِقْدِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُوجَدْ. وَيَضْمَنُ مَا نَقَصَ بِاسْتِعْمَالِهِ؛ لِاسْتِهْلَاكِهِ بَعْضَ أَجْزَائِهِ. قَالَ: (وَمَنِ اسْتَهْلَكَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلَوْ كَانَا لِمُسْلِمٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «اتْرُكُوهُمْ وَمَا يَدِينُونَ» ، وَإِنَّهُمْ يَدِينُونَ بِمَالِيَّتِهِمَا؛ فَإِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ عِنْدَهُمْ كَالْخَلِّ وَالشَّاةِ، بَلْ هُمَا مِنْ أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ ﵊: «إِذَا قَبِلُوهَا ": يَعْنِي الْجِزْيَةَ " فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» ، وَلِلْمُسْلِمِينَ التَّضْمِينُ بِإِتْلَافِ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مَالًا، فَكَذَا يَكُونُ الذِّمِّيُّ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مَالًا فِي حَقِّهِ أَصْلًا، وَحُرْمَةُ بَدَلِهِمَا عَلَيْهِ كَحُرْمَتِهِمَا. وَالْخَمْرُ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَالْمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِهِ، فَوَجَبَتِ الْقِيمَةُ، أَمَّا الرِّبَا فَحَرَامٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى عَنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ. قَالَ: (وَيَجِبُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ قِيمَتُهَا لِغَيْرِ اللَّهْوِ) ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ كَالْبَرْبَطِ وَالطَّبْلِ وَالدُّفِّ وَالْمِزْمَارِ وَالْجُنْكِ وَالْعُودِ وَنَحْوِهَا. وَيَجُوزُ بَيْعُهَا. وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ; لِأَنَّهَا أَعُدِّتْ لِلْمَعَاصِي فَلَا تُضْمَنُ كَالْخَمْرِ. وَمُتْلِفُهَا يَتَأَوَّلُ فِيهَا النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا - فَلَا يَضْمَنُ كَإِذْنِ الْقَاضِي، وَبَلْ أَوْلَى. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَمْوَالٌ صَالِحَةٌ؛ لِلِانْتِفَاعِ فِي جِهَةٍ مُبَاحَةٍ، وَتَصْلُحُ لِمَا يَحِلُّ - فَيَضْمَنُ، وَالْفَسَادُ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، فَلَا يَسْقُطُ التَّقَوُّمُ وَجَوَازُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُمَا بِنَاءً عَلَى الْمَالِيَّةِ، وَصَارَ كَالْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ. وَتَجِبُ قِيمَتُهَا لِغَيْرِ اللَّهْوِ كَالْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ، وَالْكَبْشِ النَّطُوحِ، وَالْحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ، وَالدِّيكِ الْمُقَاتِلِ، وَالْعَبْدِ الْخَصِيِّ؛ فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهَا غَيْرَ صَالِحَةٍ لِهَذِهِ الْأُمُورِ، كَذَا هَذَا. وَلَوْ أَحْرَقَ بَابًا مَنْحُوتًا عَلَيْهِ تَمَاثِيلُ مَنْقُوشَةٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَنْقُوشٍ؛ لِأَنَّ نَقْشَ التَّمَاثِيلِ حَرَامٌ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ. وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَنْقُوشًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَرَامٍ. وَالتَّمَاثِيلُ عَلَى الْبِسَاطِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، فَيَجِبُ قِيمَتُهُ مَنْقُوشًا. وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَكَسَاهُ لِلْمَالِكِ، أَوْ طَعَامًا فَقَدَّمَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَكَلَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ - بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ أَعَادَ الشَّيْءَ إِلَى يَدِهِ، وَقَدْ تَمَكَّنَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ حَقِيقَةً، فَيَبْرَأُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» . وَلَوْ جَاءَ الْغَاصِبُ بِقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ إِلَى الْمَالِكِ فَلَمْ يَقْبَلْهَا أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى قَبُولِهَا، فَإِنْ وَضَعَهَا فِي حِجْرِهِ بَرِئَ، وَإِنْ وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَبْرَأُ. بِخِلَافِ مَا إِذَا وَضَعَ الْمَغْصُوبَ أَوِ الْوَدِيعَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ يَبْرَأُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ رَدُّ الْعَيْنِ، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِالتَّخْلِيَةِ. وَالْوَاجِبَ فِي الدَّيْنِ الْقَبْضُ؛ لِتَتَحَقَّقَ الْمُعَاوَضَةُ وَالْمُقَاصَّةُ، وَالْقَبْضُ لَا يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ. وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنَ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ إِذَا كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا، وَيَحْفَظَهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ ضَاعَ، فَجَاءَ الْمَالِكُ - فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ وَالسَّارِقَ، وَلَا يَبْرَأَ بِأَخْذِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الْغَائِبِ فِيمَا

стр. 409

كِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ الْمَوَاتُ: مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الْأَرَاضِي، وَلَيْسَ مِلْكَ مُسْلِمٍ وَلَا ذِمِّيٍّ، وَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ الْعُمْرَانِ. إِذَا وَقَفَ إِنْسَانٌ بِطَرَفِ الْعُمْرَانِ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ لَا يُسْمَعُ. مَنْ أَحْيَاهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ (سم) مَلَكَهُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا. ــ [الاختيار لتعليل المختار] يُؤَدِّي إِلَى حِفْظِهِ لَا فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى إِبْرَاءِ حُقُوقِهِ. وَلَوْ حَلَّ دَابَّةَ رَجُلٍ، أَوْ قَيْدَ عَبْدِهِ، أَوْ فَتَحَ قَفَصَهُ وَفِيهِ طُيُورٌ - لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ فِعْلِهِ، وَالتَّلَفُ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَهُوَ ذَهَابُ الدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ وَطَيَرَانُ الطَّيْرِ، وَاخْتِيَارُهُمْ صَحِيحٌ، وَتَرْكُهُ مِنْهُمْ مُتَصَوَّرٌ، وَالِاخْتِيَارُ لَا يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ الْعَقْلِ ; أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجْنُونَ يَضْمَنُ مَا يُتْلِفُهُ وَإِنْ كَانَ مَعْدُومَ الْعَقْلِ، فَيُضَافُ التَّلَفُ إِلَى الْمُبَاشَرَةِ دُونَ السَّبَبِ كَالْحَافِرِ وَالدَّافِعِ. وَلَوْ حَلَّ فَمَ زِقٍّ، وَفِيهِ دُهْنٌ، فَسَالَ - ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ لِتَلَفِهِ بِإِزَالَةِ الْمُمْسِكِ، فَلَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّلَفِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ. وَلَوْ كَانَ جَامِدًا، فَشَقَّهُ، فَذَابَ بِالشَّمْسِ، ثُمَّ سَالَ - لَمْ يُضَمَّنْ؛ لِأَنَّ الْجَامِدَ يَسْتَمْسِكُ بِنَفْسِهِ لَا بِالزِّقِّ، فَلَمْ يَكُنِ الشَّقُّ إِتْلَافًا، وَإِنَّمَا صَارَ مَائِعًا بِالشَّمْسِ لَا بِفِعْلِهِ. ذَهَبَتْ دَابَّةُ رَجُلٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِغَيْرِ إِرْسَالِ صَاحِبِهَا، فَأَفْسَدَتْ زَرْعَ رَجُلٍ - لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا ذَهَبَتْ بِاخْتِيَارِهَا، وَفِعْلُهَا هَدَرٌ. قَالَ ﵊: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» ، وَإِنْ أَرْسَلَهَا ضَمِنَ. رَجُلٌ وَجَدَ فِي زَرْعِهِ أَوْ دَارِهِ دَابَّةً، فَأَخْرَجَهَا، فَهَلَكَتْ أَوْ أَكَلَهَا الذِّئْبُ - لَمْ يُضَمَّنْ، نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْمُنْتَقَى. قَالُوا: وَالصَّحِيحُ إِنْ أَخْرَجَهَا، وَلَمْ يَسْقِهَا - لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْإِخْرَاجِ، وَإِنْ سَاقَهَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ ضَمِنَ. رَجُلٌ أَدْخَلَ دَابَّةً فِي دَارِ رَجُلٍ، فَأَخْرَجَهَا صَاحِبُ الدَّارِ، فَهَلَكَتْ - لَا يَضْمَنُ. وَإِنْ وَضَعَ ثَوْبًا فِي دَارِهِ، فَرَمَى بِهِ، فَضَاعَ - ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يَضُرُّ الدَّارَ، وَكَانَ الْإِخْرَاجُ إِتْلَافًا، وَالدَّابَّةُ تَضُرُّ بِالدَّارِ فَلَمْ يَكُنْ إِتْلَافًا. [كِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ] ِ (الْمَوَاتُ: مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الْأَرَاضِي) ؛ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهُ، أَوْ لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ، أَوْ كَوْنِهَا حَجَرًا أَوْ سَبْخَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الزِّرَاعَةَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهَا كَالْمَيِّتِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. فَمَا كَانَ كَذَلِكَ (وَلَيْسَ مِلْكَ مُسْلِمٍ وَلَا ذِمِّيٍّ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنِ الْعُمْرَانِ، إِذَا وَقَفَ إِنْسَانٌ بِطَرَفِ الْعُمْرَانِ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ لَا يُسْمَعُ - مَنْ أَحْيَاهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ مَلَكَهُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا) ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْعُمْرَانِ يَرْتَفِقُ النَّاسُ بِهِ عَادَةً، فَيَطْرَحُونَ بِهِ الْبَيَادِرَ، وَيَرْعُونَ فِيهِ الْمَوَاشِيَ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَرْتَفِقَ بِهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا، وَالْمُخْتَارُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ حَقِيقَةً أَوْ دَلَالَةً، فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُحْتَطَبًا لَهُمْ لَا يَجُوزُ

стр. 410

وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ. وَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمْ يَزْرَعْهَا - دَفَعَهَا الْإِمَامُ إِلَى غَيْرِهِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] إِحْيَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِحْيَاءِ إِذْنُ الْإِمَامِ، وَقَالَا: لَا يُشْتَرَطُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، وَلِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إِلَيْهِ كَالصَّيْدِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ» ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْمُبَاحَاتِ، إِلَّا أَنَّ الْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ وَالْمَاءَ خُصَّ عَنْهُ بِالْحَدِيثِ، فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى الْأَصْلِ. وَحَدِيثُهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِذْنِ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ وَالْغَلَبَةِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بِدُونِ إِذْنِ الْإِمَامِ كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ. وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ سَبَبُ الْمِلْكِ، فَيََسْتَوِيَانِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ. وَيَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَالْخَرَاجُ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ وَضْعٍ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَلِيقُ بِهِ. وَإِنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ يُعْتَبَرُ بِالْمَاءِ. وَالْإِحْيَاءُ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا بِنَاءً، أَوْ يَزْرَعَ فِيهَا زَرْعًا، أَوْ يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ مُسَنَّاةً وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيَكُونُ لَهُ مَوْضِعُ الْبِنَاءِ وَالزَّرْعُ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ عَمَّرَ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ كَانَ إِحْيَاءً لِجَمِيعِهَا، وَإِنْ عَمَّرَ نِصْفَهَا لَهُ مَا عَمَّرَ دُونَ الْبَاقِي. وَذَكَرَ ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، أَوْ سَاقَ إِلَيْهَا مَاءً - فَقَدْ أَحْيَاهَا زَرَعَ، أَوْ لَمْ يَزْرَعْ. وَلَوْ شَقَّ فِيهَا أَنْهَارًا لَمْ يَكُنْ إِحْيَاءً إِلَّا أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا مَاءٌ فَيَكُونَ إِحْيَاءً. (وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ) ؛ لِمَا بَيَّنَّا. وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا، ثُمَّ أَحَاطَ الْإِحْيَاءَ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى التَّعَاقُبِ - فَطَرِيقُ الْأَوَّلِ فِي الْأَرْضِ مِنَ الرَّابِعَةِ؛ لِتَعَيُّنِهَا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا، ثُمَّ تَرَكَهَا، فَزَرَعَهَا آخَرُ - قِيلَ: هِيَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَلَكَ اسْتِغْلَالَهَا لَا رَقَبَتَهَا، وَقِيلَ: هِيَ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ بِلَامِ الْمِلْكِ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ: (وَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمْ يَزْرَعْهَا - دَفَعَهَا الْإِمَامُ إِلَى غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ، وَالْإِمَامُ دَفَعَهَا؛ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ مِنَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ دَفَعَهَا إِلَى غَيْرِهِ لِيَحْصُلَ. وَسُمِّيَ تَحْجِيرًا؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنَ الْحَجْرِ، وَهُوَ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ عَنْهَا. الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَضَعُونَ الْأَحْجَارَ حَوْلَهَا تَعْلِيمًا لِحُدُودِهَا؛ لِئَلَّا يَشْرَكَهُمْ فِيهَا أَحَدٌ. وَالتَّحْجِيرُ أَنْ يُعَلِّمَهَا بِعَلَامَةٍ، بِأَنْ وَضَعَ الْحِجَارَةَ أَوْ غَرَسَ حَوْلَهَا أَغْصَانًا يَابِسَةً، أَوْ قَلَعَ الْحَشِيشَ أَوْ أَحْرَقَ الشَّوْكَ وَنَحْوَهُ، فَإِنَّهُ تَحْجِيرٌ. وَهُوَ اسْتِيَامٌ وَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْلَ ثَلَاثِ سِنِينَ مَلَكَهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْيَاهَا. كَمَا يُكْرَهُ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَوْ عَقَدَ جَازَ الْعَقْدُ. وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ سِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ

стр. 411

وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِلنَّاضِحِ (سم) وَالْعَطَنِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا مُنِعَ، وَحَرِيمُ الْعَيْنِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ. وَالْقَنَاةُ عِنْدَ خُرُوجِ الْمَاءِ كَالْعَيْنِ، وَلَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ الطَّاهِرِ (سم) إِذَا كَانَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَكَذَا لَوْ حَفَرَهُ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لَا حَرِيمَ لَهُ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَلَيْسَ لِلْمُحْجِرِ بَعْدَ ثَلَاثٍ حَقٌّ. قَالَ: (وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِلنَّاضِحِ وَالْعَطَنِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. (فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا مُنِعَ) ؛ لِأَنَّ فِي الْأَرَاضِي الرَّخْوَةِ يَتَحَوَّلُ الْمَاءُ إِلَى مَا يُحْفَرُ دُونَهَا، فَيُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَالِ حَقِّهِ. وَلِأَنَّهُ مَلَكَ الْحَرِيمَ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَتْ لِلنَّاضِحِ فَسِتُّونَ؛ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا» ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى سَيْرِ الدَّابَّةِ؛ لِلِاسْتِقَاءِ. وَقَدْ يَطُولُ الرِّشَا، وَبِئْرُ الْعَطَنِ يَسْتَقِي مِنْهَا بِيَدِهِ، فَكَانَتِ الْحَاجَةُ أَقَلَّ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مَا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِحْيَاءِ وَهُوَ الْحَفْرُ. وَإِنَّمَا تَرَكْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ اتَّفَقَ الْحَدِيثَانِ فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَا فِيهِ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُدِيرَ الدَّابَّةَ حَوْلَ الْبِئْرِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ مَسِيرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: جَعَلَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ سِتِّينَ ذِرَاعًا حَرِيمًا؛ لِمَدِّ الْحَبْلِ، لَا أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ. وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى سَبْعِينَ يَمُدُّ الْحَبْلَ إِلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ مَدُّ الْحَبْلِ لَا أَنَّهُ يَمْلِكُهُ. وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ حَرِيمَ بِئْرِ النَّاضِحِ بِقَدْرِ الْحَبْلِ سَبْعُونَ كَانَ أَوْ أَكْثَرَ. وَالْعَطَنُ: مَبْرَكُ الْإِبِلِ حَوْلَ الْمَاءِ، يُقَالُ: عَطَنَتِ الْإِبِلُ فَهِيَ عَاطِنَةٌ وَعَوَاطِنُ إِذَا سُقِيَتْ، وَتُرِكَتْ عِنْدَ الْحِيَاضِ؛ لِتُعَادَ إِلَى الشُّرْبِ، وَالنَّوَاضِحُ: الْإِبِلُ الَّتِي تُسْقِي الْمَاءَ، وَالْوَاحِدُ نَاضِحٌ، وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ مَا سُقِيَ مِنَ الزَّرْعِ نَضْحًا فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ» . قَالَ: (وَحَرِيمُ الْعَيْنِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ) ؛ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الْعَيْنَ تُسْتَخْرَجُ؛ لِلزِّرَاعَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَوْضِعِ حَوْضٍ يُجْمَعُ فِيهِ الْمَاءُ، وَسَاقِيَةٍ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْمَزَارِعِ، فَاحْتَاجَ إِلَى مَسَافَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الْبِئْرِ. قَالَ: (وَالْقَنَاةُ عِنْدَ خُرُوجِ الْمَاءِ كَالْعَيْنِ) ، وَقَبْلَهُ قِيلَ: هُوَ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْقَنَاةِ مِنَ الْحَرِيمِ؛ لِمُلْقَى طِينِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِذَا ظَهَرَ فَهُوَ كَالْعَيْنِ الْفَوَّارَةِ. قِيلَ: هُوَ قَوْلُهُمَا. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا حَرِيمَ لِلْقَنَاةِ مَا لَمْ يَظْهَرِ الْمَاءُ؛ لِأَنَّهُ نَهْرٌ مَطْوِيٌّ - فَيُعْتَبَرُ بِالنَّهْرِ الظَّاهِرِ. (وَلَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ الظَّاهِرِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (إِذَا كَانَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَكَذَا لَوْ حَفَرَهُ فِي أَرْضِ مَوَاتٍ لَا حَرِيمَ لَهُ) خِلَافًا لَهُمَا. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا: لِلنَّهْرِ حَرِيمٌ بِقَدْرِ

стр. 412

وَلَوْ غَرَسَ شَجَرَةً فِي أَرْضِ مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَمَا عَدَلَ عَنْهُ الْفُرَاتُ وَدَجْلَةُ يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ إِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ عَوْدُهُ إِلَيْهِ، وَإِنِ احْتُمِلَ عَوْدُهُ لَا يَجُوزُ. كِتَابُ الشِّرْبِ وَهُوَ النَّصِيبُ مِنَ الْمَاءَ، وَقِسْمَةُ الْمَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ لِإِلْقَاءِ الطِّينِ وَنَحْوِهِ بِالِاتِّفَاقِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَرِيمُهُ مِقْدَارُ عَرْضِ نِصْفِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْحَاجَةُ الْغَالِبَةُ، وَذَلِكَ بِنَقْلِ تُرَابِهِ إِلَى حَافَّتَيْهِ فَيَكْفِي مَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَرْضُ جَمِيعِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ إِلْقَاءُ التُّرَابِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِلْقَائِهِ فِي أَحَدِهِمَا، فَيُقَدِّرُ فِي كُلِّ طَرَفٍ بِبَطْنِ النَّهْرِ وَالْحَوْضِ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ. لَهُمَا أَنَّهُ لَا انْتِفَاعَ بِالنَّهْرِ وَالْحَوْضِ إِلَّا بِالْحَرِيمِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَشْيِ فِيهِ؛ لِتَسْيِيلِ الْمَاءِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَادَةً فِي بَطْنِهِ وَإِلَى إِلْقَاءِ الطِّينِ، وَأَنَّهُ يُحَرَّجُ بِنَقْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَرِيمٌ كَالْبِئْرِ. وَلَهُ أَنَّ الْحَرِيمَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِمَا مَرَّ، تَرَكْنَاهُ فِي الْبِئْرِ بِالْحَدِيثِ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي الْبِئْرِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِمَاءِ الْبِئْرِ بِدُونِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَا اسْتِسْقَاءَ إِلَّا بِالْحَرِيمِ. أَمَّا النَّهْرُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِمَائِهِ بِدُونِ الْحَرِيمِ. ثُمَّ قَالَ: (وَلَوْ غَرَسَ شَجَرَةً فِي أَرْضِ مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ) ، لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَغْرِسَ فِيهِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا غَرَسَ شَجَرَةً فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، فَجَاءَ آخَرُ وَأَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرَةً إِلَى جَانِبِ شَجَرَتِهِ، فَشَكَا الْأَوَّلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ شَجَرَتِهِ جَرِيدَةً فَتُذْرَعَ، فَبَلَغَ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ، فَجَعَلَ لَهُ ﷺ الْحَرِيمَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ، وَأَطْلَقَ لِلْآخَرِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ ". هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَذَكَرَ فِي رِوَايَةٍ " سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» . قَالَ فِي الْمُحِيطِ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. قَالَ: (وَمَا عَدَلَ عَنْهُ الْفُرَاتُ وَدِجْلَةُ يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ إِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ عَوْدُهُ إِلَيْهِ) ; لِأَنَّهُ كَالْمَوَاتِ، وَهُوَ فِي يَدِ الْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِعَامِرٍ. (وَإِنِ احْتَمَلَ عَوْدُهُ لَا يَجُوزُ) ؛ لِحَاجَةِ الْعَامَّةِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [كِتَابُ الشِّرْبِ] (وَهُوَ النَّصِيبُ مِنَ الْمَاءِ) لِلْأَرَاضِي وَغَيْرِهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] . قَالَ: (وَقِسْمَةُ الْمَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ جَائِزَةٌ) . وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يَفْعَلُونَهُ، فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ. وَتَعَامَلَهُ النَّاسُ إِلَى يَوْمِنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَهُوَ قِسْمَةٌ بِاعْتِبَارِ الْحَقِّ دُونَ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ فِي النَّهْرِ. وَالْقِسْمَةُ تَارَةً تَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ،

стр. 413

وَيَجُوزُ دَعْوَى الشِّرْبِ بِغَيْرِ أَرْضٍ، وَيُورَثُ، وَيُوصِي بِمَنْفَعَتِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ. وَلَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهِ، وَلَا يَصْلُحُ مَهْرًا وَلَا بَدَلًا فِي الْخُلْعِ، وَلَا بَدَلًا فِي الصُّلْحِ عَنْ دَعْوَى الْمَالِ، وَلَا فِي الْقِصَاصِ. وَالْمِيَاهُ أَنْوَاعٌ: مَاءُ الْبَحْرِ، وَهُوَ عَامٌّ، لِجَمِيعِ الْخَلْقِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِالشَّفَةِ وَسَقْيِ الْأَرَاضِي، وَشَقِّ الْأَنْهَارِ. وَالْأَوْدِيَةُ وَالْأَنْهَارُ الْعِظَامُ كَجَيْحُونَ وَسَيْحُونَ، وَالنِّيلِ، وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ - فَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ فِي الشَّفَةِ، وَسَقْيِ الْأَرَاضِي، وَنَصْبِ الْأَرْحِيَةِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الْحَقِّ كَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ دَعْوَى الشِّرْبِ بِغَيْرِ أَرْضٍ) اسْتِحْسَانًا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الشِّرْبُ حَقًّا لَهُ بِدُونِ الْأَرْضِ، بِأَنِ اشْتَرَى الْأَرْضَ وَالشِّرْبَ، ثُمَّ بَاعَ الْأَرْضَ، وَبَقِيَ الشِّرْبُ أَوْ وَرِثَهُ. وَقَدْ يُمْلَكُ بِالْإِرْثِ مَا لَا يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ كَالْقِصَاصِ وَالْخَمْرِ. وَإِذَا شَهِدُوا بِشِرْبِ يَوْمٍ مِنَ النَّهْرِ لَا تُقْبَلُ إِذَا لَمْ يَقُولُوا مِنْ كَمْ يَوْمٍ. وَلَوِ ادَّعَى أَرْضًا عَلَى نَهْرٍ شِرْبُهَا مِنْهُ، فَشَهِدُوا لَهُ بِالْأَرْضِ - قَضَى بِهَا وَبِحِصَّتِهَا مِنَ الشِّرْبِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الشِّرْبِ. وَلَوِ ادَّعَى الشِّرْبَ وَحْدَهُ، فَشَهِدُوا لَهُ - لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ: (وَيُورَثُ، وَيُوَصِي بِمَنْفَعَتِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ، فَيَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ. وَجَهَالَةُ الْمُوصَى بِهِ لَا تَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ أَوْسَعِ الْعُقُودِ حَتَّى جَازَتْ لِلْمَعْدُومِ وَبِالْمَعْدُومِ. قَالَ: (وَلَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهِ) ؛ لِلْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ، وَعَدَمِ تَصَوُّرِ الْقَبْضِ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ حَتَّى لَوْ سَقَى بِهِ غَيْرَهُ لَا يَضْمَنُ. (وَلَا يَصْلُحُ مَهْرًا) ؛ لِمَا بَيَّنَّا، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. (وَلَا بَدَلًا فِي الْخُلْعِ) حَتَّى تَرُدَّ مَا قَبَضَتْ مِنَ الْمَهْرِ، (وَلَا بَدَلًا فِي الصُّلْحِ) عَنْ دَعْوَى الْمَالِ، (وَلَا فِي الْقِصَاصِ) ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ. (وَالْمِيَاهُ أَنْوَاعٌ) : الْأَوَّلُ: (مَاءُ الْبَحْرِ، وَهُوَ عَامٌّ، لِجَمِيعِ الْخَلْقِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِالشَّفَةِ، وَسَقْيِ الْأَرَاضِي وَشَقِّ الْأَنْهَارِ) . لَا يَمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَالِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ وَالْهَوَاءِ. (وَ) الثَّانِي: (الْأَوْدِيَةُ وَالْأَنْهَارُ الْعِظَامُ كَجَيْحُونَ وَسَيْحُونَ وَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، فَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ فِي الشَّفَةِ، وَسَقْيِ الْأَرَاضِي، وَنَصْبِ الْأَرْحِيَةِ) وَالدَّوَالِي إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْعَامَّةِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يُحْيِيَ مَوَاتًا وَيَشُقَّ نَهْرًا؛ لِسَقْيِهَا، لَيْسَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي الْأَصْلِ. وَغَلَبَةُ الْمَاءِ تَمْنَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ وَاسْتِيلَاءَهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكْسِرَ ضَفَّتَهُ فَيَمِيلَ الْمَاءُ إِلَى جَانِبِهَا فَيُغْرِقَ الْأَرَاضِيَ وَالْقُرَى، وَكَذَا شَقُّ السَّاقِيَةِ لِلرَّحَى وَالدَّالِيَةِ.

стр. 414

وَمَا يَجْرِي فِي نَهْرٍ خَاصٍّ لِقَرْيَةٍ فَلِغَيْرِهِمْ فِيهِ شَرِكَةٌ فِي الشَّفَةِ، وَمَا أُحْرِزَ فِي جُبٍّ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهِ، وَلَهُ بَيْعُهُ. وَلَوْ كَانَتِ الْبِئْرُ أَوِ الْعَيْنُ أَوِ النَّهْرُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ لَهُ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ الشَّفَةَ مِنَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ إِنْ كَانَ يَجِدُ غَيْرَهُ بِقُرْبِهِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ فَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُخْرِجَ الْمَاءَ إِلَيْهِ. فَإِنْ مَنَعَهُ وَهُوَ يَخَافُ الْعَطَشَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَطِيَّتِهِ قَاتَلَهُ بِالسِّلَاحِ، وَفِي الْمُحْرَزِ بِالْإِنَاءِ يُقَاتِلُهُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ. وَالطَّعَامُ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ كَالْمَاءِ الْمُحْرَزِ بِالْإِنَاءِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] (وَ) الثَّالِثُ: (مَا يَجْرِي فِي نَهْرٍ خَاصٍّ لِقَرْيَةٍ، فَلِغَيْرِهِمْ فِيهِ شَرِكَةٌ فِي الشَّفَةِ) ، وَهُوَ الشِّرْبُ وَالسَّقْيُ لِلدَّوَابِّ. وَلَهُمْ أَخْذُ الْمَاءِ؛ لِلْوُضُوءِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ وَالْخُبْزِ وَالطَّبْخِ لَا غَيْرُ، وَإِنْ أَتَى عَلَى الْمَاءِ كُلِّهِ. رُوِيَ أَنَّهُ وَرَدَتْ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ مَسَائِلُ مِنْ خُرَاسَانَ، فَدَفَعَهَا إِلَى زُفَرَ؛ لِيَكْتُبَ فِيهَا. مِنْهَا: رَجُلٌ لَهُ مَاءٌ يَجْرِي إِلَى مَزَارِعِهِ، فَيَجِيءُ رَجُلٌ، فَيَسْقِي إِبِلَهُ وَدَوَابَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُنْفِذَهُ كُلَّهُ - هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ فَكَتَبَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. فَعَرَضَهَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، فَغَلَّطَهُ، وَقَالَ: لِصَاحِبِ الْإِبِلِ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ» الْحَدِيثَ. وَالْحَدِيثُ يَشْمَلُ الشِّرْبَ وَالشُّرْبَ، إِلَّا أَنَّ الشِّرْبَ خُصَّ فِي النَّهْرِ الْخَاصِّ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ أَهْلِهِ، وَبَقِيَ حَقُّ الشَّفَةِ لِلضَّرُورَةِ إِمَّا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُقْدَرُ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْمَاءِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَالْبِئْرُ وَالْحَوْضُ حُكْمُهُمَا حُكْمُ النَّهْرِ الْخَاصِّ. (وَ) الرَّابِعُ: (مَا أُحْرِزَ فِي جُبٍّ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهِ، وَلَهُ بَيْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِحْرَازِ، وَصَارَ كَالصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَتِهِ؛ لِقِيَامِ شُبْهَةِ الشَّرِكَةِ فِيهِ بِالْحَدِيثِ. قَالَ: (وَلَوْ كَانَتِ الْبِئْرُ أَوِ الْعَيْنُ أَوِ النَّهْرُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ لَهُ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ الشَّفَةَ مِنَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ إِنْ كَانَ يَجِدُ غَيْرَهُ بِقُرْبِهِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ) ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْسِرَ ضَفَّتَهُ، (أَوْ يُخْرِجَ الْمَاءَ إِلَيْهِ. فَإِنْ مَنَعَهُ، وَهُوَ يَخَافُ الْعَطَشَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَطِيَّتِهِ - قَاتَلَهُ بِالسِّلَاحِ) ؛ لِمَا رُوِيَ أَنْ قَوْمًا وَرَدُوا مَاءً، فَسَأَلُوا أَهْلَهُ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى الْبِئْرِ، فَأَبَوْا. فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ دَلْوًا، فَأَبَوْا، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ تَنْقَطِعُ، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁ فَقَالَ: هَلَّا وَضَعْتُمْ فِيهِمُ السِّلَاحَ؟ وَلِأَنَّهُ مَنْعُ الْمُضْطَرِّ عَنْ حَقِّهِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي الشَّفَةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ. (وَفِي الْمُحْرَزِ بِالْإِنَاءِ يُقَاتِلُهُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِحْرَازِ حَتَّى كَانَ لَهُ تَضْمِينُهُ، إِلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ قَدْرَ حَاجَتِهِ، فَبِالْمَنْعِ خَالَفَ الْأَمْرَ فَيُؤَدِّبُهُ. (وَالطَّعَامُ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ كَالْمَاءِ الْمُحْرَزِ بِالْإِنَاءِ) فِي الْإِبَاحَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ وَالضَّمَانِ؛ لِمَا بَيَّنَّا.

стр. 415

فَصْلٌ [كَرْيُ الْأَنْهَارِ] كَرْيُ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْعَامَّةِ فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ يُجْبَرُ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَلَوْ كَانَ النَّهْرُ أَوِ الْبِئْرُ فِي مَوَاتٍ قَدْ أَحْيَاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ الشَّفَةِ مِنَ الدُّخُولِ إِذَا كَانَ لَا يَكْسِرُ الْمُسَنَّاةَ؛ لِأَنَّ الْمَوَاتَ كَانَ مُشْتَرَكًا، وَالْإِحْيَاءَ لِحَقٍّ مُشْتَرَكٍ، فَلَا يَقْطَعُ حَقَّ الشَّفَةِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: " الْمُسْلِمُونَ "، وَفِي رِوَايَةٍ: «النَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلَأِ، وَالنَّارِ» . أَثْبَتَ الشَّرِكَةَ فِيهَا لِلنَّاسِ كَافَّةً، الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ فِيهِ سَوَاءٌ، فَحُكْمُ الْمَاءِ مَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا الْكَلَأُ إِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَالنَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءُ فِي الِاحْتِشَاشِ وَالرَّعْيِ كَاشْتِرَاكِهِمْ فِي مَاءِ الْبَحْرِ. وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ، وَقَدْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ - فَهُوَ كَالنَّهْرِ فِي أَرْضِهِ لَا يُمْنَعُ عَنْهُ، وَلَهُ الْمَنْعُ مِنَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَعَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْمَاءِ. وَإِنْ أَنْبَتَهُ فِي أَرْضِهِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ. وَالْكَلَأُ مَا انْبَسَطَ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا سَاقَ لَهُ كَالْإِذْخِرِ وَنَحْوِهِ. أَمَّا مَا لَهُ سَاقٌ فَهُوَ شَجَرٌ وَهُوَ مِلْكٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ ﵊ إِنَّمَا أَثْبَتَ الشَّرِكَةَ فِي الْكَلَأِ لَا فِي الشَّجَرِ، وَالْعَوْسَجُ مِنَ الشَّجَرِ. وَأَمَّا النَّارُ فَلَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي مَفَازَةٍ فَالْجَمْرُ مِلْكُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنَ الِاسْتِضَاءَةِ وَالِاصْطِلَاءِ، وَأَنْ يَتَّخِذَ مِنْهَا سِرَاجًا؛ لِأَنَّ الْجَمْرَ مِنَ الْحَطَبِ وَأَنَّهُ مَلَكَهُ، وَالنُّورَ جَوْهَرُ الْجَمْرِ. وَلِأَنَّا لَوْ أَطْلَقْنَا النَّاسَ فِي أَخْذِ الْجَمْرِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَا يَصْطَلِي بِهِ وَلَا مَا يَخْبِزُ وَيَطْبُخُ بِهِ. وَإِنْ أَوْقَدَ النَّارَ فِي مِلْكِهِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ لَا مِنَ النَّارِ كَمَا مَرَّ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ. [فصل كرى الأنهار العظام على بيت المال] فَصْلٌ [كَرْيُ الْأَنْهَارِ] (كَرْيُ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَدْخُلُ فِي الْمَقَاسَمِ كَسَيْحُونَ وَإِخْوَتِهِ جَيْحُونَ وَالنِّيلِ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، وَمَا شَابَهَهَا؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا لِلْعَامَّةِ فَيَكُونُ فِي مَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ أُجْبِرَ النَّاسُ عَلَى كَرْيِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْكَرْيِ إِحْيَاءً؛ لِحَقِّ الْعَامَّةِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ، لَكِنْ يُخْرِجُ الْإِمَامُ مَنْ يُطِيقُ الْعَمَلَ، وَيَجْعَلُ مَئُونَتَهُمْ عَلَى الْمَيَاسِيرِ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ. (وَمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْعَامَّةِ فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَهُمْ. (وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ يُجْبَرُ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ، وَهُوَ ضَرَرُ الشُّرَكَاءِ بِالضَّرَرِ الْخَاصِّ، كَيْفَ وَفِيهِ مَنْفَعَتُهُ؟ فَلَا يُعَارِضُهُ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَامٌّ بِأَنْ خَافُوا أَنْ يَنْشَقَّ النَّهْرُ، فَيَخْرُجَ الْمَاءُ إِلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرَاضِيهِمْ - فَعَلَيْهِمْ تَحْصِينُهُ بِالْحِصَصِ. وَالنَّهْرُ الْمَمْلُوكُ لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ فَكَرْيُهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ قِيلَ: يُجْبَرُ؛ لِمَا مَرَّ، وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الضَّرَرَيْنِ خَاصٌّ. وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالْكَرْيِ بِأَمْرِ الْقَاضِي، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْآبِي، وَلَا كَذَلِكَ الْأَوَّلُ.

стр. 416

وَمَئُونَةُ الْكَرْيِ إِذَا جَاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ تُرْفَعُ عَنْهُ (سم) ، وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الشَّفَةِ شَيْءٌ مِنَ الْكَرْيِ. نَهْرٌ لِرَجُلٍ يَجْرِي فِي أَرْضِ غَيْرِهِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مَنْعُهُ. نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ اخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيهِمْ، وَلَيْسَ لِلْأَعْلَى أَنْ يُسْكِرَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَمَئُونَةُ الْكَرْيِ إِذَا جَاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ تُرْفَعُ عَنْهُ) . وَقَالَا: الْكَرْيُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِحِصَصِ الشِّرْبِ وَالْأَرَاضِي؛ لِأَنَّ الْأَعْلَى يَحْتَاجُ إِلَى مَا وَرَاءَ أَرْضِهِ؛ لِتَسْيِيلِ مَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ كَيْ لَا يَغْرَقَ أَهْلُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَتَى جَاوَزَ الْكَرْيُ أَرْضَهُ تَمَكَّنَ مِنْ سَقْيِهَا، وَانْدَفَعَتْ حَاجَتُهُ - فَلَا يَلْزَمُهُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ أَمْكَنَهُ السَّقْيُ بِدُونِ الْكَرْيِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَرْيُ. وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْحَاجَةِ يَنْدَفِعُ بِسَدِّهِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْمَسِيلِ عِمَارَتُهُ كَمَنْ لَهُ عَلَى سَطْحِ آخَرَ مَسِيلُ مَاءٍ. وَإِذَا جَاوَزَ الْكَرْيُ أَرْضَ رَجُلٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْمَاءَ؟ قِيلَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَرْيَ قَدِ انْتَهَى فِي حَقِّهِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ. وَلِهَذَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْكَرْيِ مِنْ أَسْفَلِ النَّهْرِ، أَوْ بِتَرْكِ بَعْضِهِ مِنْ أَعْلَاهُ. قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الشَّفَةِ شَيْءٌ مِنَ الْكَرْيِ) ؛ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ عَامَّةٌ. قَالَ: (نَهْرٌ لِرَجُلٍ يَجْرِي فِي أَرْضِ غَيْرِهِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مَنْعُهُ) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ مُسْتَعْمِلٌ لَهُ بِإِجْرَاءِ مَائِهِ عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ، وَعَلَى هَذَا الْمَصَبُّ فِي نَهْرٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ، وَالْمِيزَابُ وَالطَّرِيقُ فِي دَارِ غَيْرِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الدَّعْوَى: مَصَبُّ مَاءِ الْوُضُوءِ أَوِ الْمَطَرِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِمَكَانِ التَّفَاوُتِ. قَالَ: (نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ اخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ فَهُوَ بَيْنُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيهِمْ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الشِّرْبِ سَقْيُ الْأَرْضِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ التَّطَرُّقَ إِلَى الدَّارِ الْوَاسِعَةِ وَالضَّيِّقَةِ سَوَاءٌ. وَلَوْ كَانَ لِبَعْضِ الْأَرَاضِي سَاقِيَةٌ، وَلِلْبَعْضِ دَالِيَةٌ، وَلَا شَيْءَ لِلْبَعْضِ، وَلَيْسَ لَهَا شِرْبٌ مَعْلُومٌ - فَالشِّرْبُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيهِمُ الَّتِي عَلَى حَافَّةِ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّهْرِ سَقْيُ الْأَرْضِ لَا اتِّخَاذُ السَّوَاقِي وَالدَّوَالِي، فَيَسْتَوِي حَالُهُمْ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ. وَلِأَنَّ الْأَرَاضِيَ فِي الْأَصْلِ لَا بُدَّ لَهَا مَنْ شِرْبٍ، وَإِنْ كَانَ لَهَا شِرْبٌ مَعْرُوفٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا النَّهْرِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي هَذَا النَّهْرِ. قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْأَعْلَى أَنْ يُسْكِرَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ، إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبَاقِينَ، وَهُوَ مَنْعُ الْمَاءِ عَنْهُمْ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْدَاثِ شَيْءٍ فِي وَسَطِ النَّهْرِ، وَرُبَّمَا يَنْكَبِسُ مَا يُحْدِثُ فِيهِ عِنْدَ السَّكْرِ. وَرَقَبَتُهُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ، لَكِنْ يَشْرَبُ بِحِصَّتِهِ. فَإِذَا رَضُوا بِذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ. وَكَذَلِكَ لَوِ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَوْبَتِهِ جَازَ؛ لِمَا قُلْنَا. لَكِنْ لَا يَسْكُرُ إِلَّا بِلَوْحٍ أَوْ بَابٍ، وَلَا يَسْكُرُ بِالطِّينِ وَالتُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ يَكْبِسُ النَّهْرَ، وَفِيهِ ضَرَرٌ. وَإِنْ

стр. 417

وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَشُقَّ مِنْهُ نَهْرًا، أَوْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحًى، أَوْ يَتَّخِذَ عَلَيْهِ جِسْرًا، أَوْ يُوَسِّعَ فَمَهُ. أَوْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ لَهَا شِرْبٌ - إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ. وَلَوْ كَانَتِ الْقِسْمَةُ بِالْكُوَى فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقْسِمَ بِالْأَيَّامِ، وَلَا مُنَاصَفَةً، وَلَا يَزِيدُ كَوَّةً، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْبَاقِينَ. كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لَمْ يَسْكُرْ بِاللَّوْحِ فَبِالتُّرَابِ. قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَشُقَّ مِنْهُ نَهْرًا، أَوْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحًى، أَوْ يَتَّخِذَ عَلَيْهِ جِسْرًا أَوْ يُوَسِّعَ فَمَهُ، أَوْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ لَهَا شِرْبٌ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ) . أَمَّا شَقُّ النَّهْرِ وَنَصْبُ الرَّحَى فَلِأَنَّ فِيهِ كَسْرَ ضَفَّةِ النَّهْرِ وَشَغْلَ مِلْكِ الْغَيْرِ بِبُنْيَانِهِ، إِلَّا أَنْ لَا تَضُرَّ الرَّحَى بِالنَّهْرِ وَلَا بِالْمَاءِ. وَيَكُونَ مَكَانُهَا لَهُ خَاصٌّ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِالْغَيْرِ. وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْجِسْرِ فَهُوَ كَطَرِيقٍ خَاصٍّ بَيْنَ قَوْمٍ، وَالْقَنْطَرَةُ كَالْجِسْرِ. وَأَمَّا تَوْسِعَةُ فَمِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكْسِرُ ضَفَّةَ النَّهْرِ، وَيَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ. وَأَمَّا سَوْقُ شِرْبِهِ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى فَلِأَنَّهُ رُبَّمَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ، فَيَدَّعِيهِ، وَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَهُ، فَإِذَا رَضُوا بِذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ. قَالَ: (وَلَوْ كَانَتِ الْقِسْمَةُ بِالْكُوَى فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقْسِمَ بِالْأَيَّامِ، وَلَا مُنَاصَفَةً) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ظَهَرَ بِذَلِكَ، فَيُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ، إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا. قَالَ: (وَلَا يَزِيدُ كُوَّةً وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْبَاقِينَ) ؛ لِمَا بَيَّنَّا، بِخِلَافِ النَّهْرِ الْأَعْظَمِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشُقَّ فِيهِ نَهْرًا مُبْتَدَأً، فَزِيَادَةُ الْكُوَّةِ أَوْلَى. [كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ] (وَهِيَ) مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزِّرَاعَةِ، وَهِيَ الْحَرْثُ وَالْفِلَاحَةُ. وَتُسَمَّى مُخَابَرَةً، مُشْتَقَّةٌ مِنْ خَيْبَرَ «فَإِنَّهُ ﷺ دَفَعَ خَيْبَرَ مُزَارَعَةً» ، فَسُمِّيَتِ الْمُزَارَعَةُ مُخَابَرَةً؛ لِذَلِكَ. أَوْ مِنَ الْخَيْبَرِ وَهُوَ الْإِكَّارُ، أَوْ مِنَ الْخُبْرَةِ بِالضَّمِّ: النَّصِيبُ، أَوْ مِنَ الْخَبَارِ: الْأَرْضُ اللَّيِّنَةُ. وَتُسَمَّى الْمُحَاقَلَةَ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْحَقْلِ، وَهُوَ الزَّرْعُ إِذَا تَشَعَّبَ قَبْلَ أَنْ يَغْلُظَ سُوقُهُ، وَقِيلَ: الْحَقْلُ: الْأَرْضُ الطَّيِّبَةُ الْخَالِصَةُ مِنْ شَائِبَةِ السَّبْخِ، الصَّالِحَةُ لِلزِّرَاعَةِ، وَتُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْقِرَاحُ. وَفِي الشَّرْعِ (عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ» ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَجِدُ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ. وَالْقَادِرُ عَلَى الْعَمَلِ

стр. 418

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ فَاسِدَةٌ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا. وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّأْقِيتِ، وَمِنْ صَلَاحِيَةِ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ، وَمِنْ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الْبَذْرِ، وَمَعْرِفَةِ جِنْسِهِ، وَنَصِيبِ الْآخَرِ، وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ. وَأَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا حَتَّى لَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مَعْلُومَةً، أَوْ مَا عَلَى السَّوَاقِي. أَوْ أَنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْبَذْرِ بَذْرَهُ أَوِ الْخَرَاجَ فَسَدَتْ. وَإِنْ شَرَطَ رَفْعَ الْعُشْرِ جَازَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] لَا يَجِدُ أَرْضًا، وَلَا مَا يَعْمَلُ بِهِ. فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى جَوَازِهَا دَفْعًا لِلْحَاجَةِ كَالْمُضَارَبَةِ. (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ فَاسِدَةٌ) ؛ لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، نَهَانَا إِذَا كَانَ لِأَحَدِنَا أَرْضٌ أَنْ نُعْطِيَهَا بِبَعْضِ الْخَارِجِ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ. وَقَالَ: " مَنْ كَانَتِ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ يَمْنَحْهَا أَخَاهُ» . وَهَذَا مُتَأَخِّرٌ عَمَّا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الْإِبَاحَةِ، وَيَعْمَلُونَهُ - فَاقْتَضَى نَسْخَهُ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُخَابَرَةِ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْمُخَابَرَةُ؟ قَالَ: أَنْ تَأْخُذَ أَرْضًا بِثُلُثٍ، أَوْ نِصْفٍ، أَوْ رُبْعٍ» . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كُنَّا نُخَابِرُ، وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى ذَكَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ "، فَتَرَكْنَاهُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ» . وَلِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ مَعْدُومَةٍ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ. وَلِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ مَا يَحْصُلُ مِنْ عَمَلِهِ فَلَا يَجُوزُ كَقَفِيزِ الطِّحَانِ. وَحَدِيثُ خَيْبَرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ، فَإِنَّهُ ﵊ لَمَّا فَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً تَرَكَ خَيْبَرَ عَلَى أَهْلِهَا بِوَظِيفَةٍ وَظَّفَهَا عَلَيْهِمْ، وَهِيَ نِصْفُ مَا يَخْرُجُ مِنْ نَخِيلِهِمْ وَأَرَاضِيهِمْ. (وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا) ؛ لِحَاجَةِ النَّاسِ. وَقَدْ تَعَامَلَ بِهَا السَّلَفُ، فَصَارَتْ شَرِيعَةً مُتَوَارَثَةً، وَقَضِيَّةً مُتَعَارَفَةً. قَالَ الْحَصِيرِيُّ: وَأَبُو حَنِيفَةَ هُوَ الَّذِي فَرَّعَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَلَى أُصُولِهِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ لَا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ. قَالَ: (وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّأْقِيتِ) ؛ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ إِجَارَةً ابْتِدَاءً، وَشَرِكَةً انْتِهَاءً. وَلِأَنَّهَا تُرَدُّ عَلَى مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْمُدَّةِ كَالْإِجَارَةِ. قَالَ: (وَمِنْ صَلَاحِيَةِ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ) ؛ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ؛ إِذْ هِيَ الْمَحَلُّ. قَالَ: (وَمِنْ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الْبَذْرِ) قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، (وَمَعْرِفَةِ جِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْأُجْرَةُ، (وَنَصِيبِ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عِوَضًا بِالشَّرْطِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا. قَالَ: (وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ) ؛ لِمَا مَرَّ فِي الْمُضَارَبَةِ. (وَأَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا) ؛ لِمَا مَرَّ فِي الْمُضَارَبَةِ. فَكُلُّ شَرْطٍ يُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ يُفْسِدُهَا، (حَتَّى لَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مَعْلُومَةً، أَوْ مَا عَلَى السَّوَاقِي، أَوْ أَنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْبَذْرِ بَذْرَهُ، أَوِ الْخَرَاجَ - فَسَدَتْ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْمُضَارَبَةِ. قَالَ: (وَإِنْ شَرَطَ رَفْعَ الْعُشْرِ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى بَعْدَهُ تِسْعَةُ أَعْشَارٍ، فَتَبْقَى الشَّرِكَةُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْخَرَاجِ وَالْبَذْرِ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَخْرُجُ

стр. 419

وَإِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ لِوَاحِدٍ، وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ لِآخَرَ. أَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ وَالْبَاقِي لِآخَرَ، أَوْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَاقِي لِآخَرَ - فَهِيَ صَحِيحَةٌ. وَإِذَا صَحَّتِ الْمُزَارَعَةُ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْوُجُوهَ فَاسِدَةٌ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] إِلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ، فَيُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فَيَبْطُلُ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ لِوَاحِدٍ، وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ لِآخَرَ. أَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ، وَالْبَاقِي لِآخَرَ. أَوْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ، وَالْبَاقِي لِآخَرَ - فَهِيَ صَحِيحَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ لِلْأَرْضِ أَوْ لِلْعَامِلِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ لِلْعَامِلِ، وَالْبَقَرُ آلَةُ الْعَمَلِ، فَكَانَتْ تَابِعَةً لَهُ لَا يُقَابِلُهَا أُجْرَةٌ كَإِبْرَةِ الْخَيَّاطِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِبَعْضٍ مَعْلُومٍ، فَصَارَ كَالدَّرَاهِمِ الْمَعْلُومَةِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ اسْتِئْجَارٌ لِلْعَامِلِ؛ لِيَعْمَلَ بِآلَةِ الْمُسْتَعْمِلِ، كَمَا إِذَا شَرَطَ عَلَى الْخَيَّاطِ أَنْ يَخِيطَ بِإِبْرَةِ صَاحِبِ الثَّوْبِ. (وَإِذَا صَحَّتِ الْمُزَارَعَةُ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ) عَمَلًا بِالْتِزَامِهِمَا، قَالَ ﵊: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ) ؛ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ فِي الْخَارِجِ، وَلَا خَارِجَ، وَصَارَ كَالْمُضَارِبِ إِذَا لَمْ يَرْبَحْ. وَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةً فَقَدْ عَيَّنَ الْأُجْرَةَ فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهَا، بِخِلَافِ الْفَاسِدَةِ؛ لِأَنَّ أَجْرَ الْمِثْلِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، فَلَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْخَارِجِ. قَالَ: (وَمَا عَدَا هَذِهِ الْوُجُوهَ فَاسِدَةٌ) ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا: وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْبَقَرُ وَالْآلَاتُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ. أَوْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْبَاقِي مِنَ الْآخَرِ. أَوْ تَكُونَ الْأَرْضُ مِنْ وَاحِدٍ، وَالْبَقَرُ مِنْ آخَرَ وَالْبَذْرُ مِنْ آخَرَ وَالْعَمَلُ مِنْ آخَرَ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَذْكُورُ رِوَايَةِ الْأَصْلِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، فَيَجُوزُ، وَيُجْعَلُ الْبَقَرُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ كَمَا تُجْعَلُ تَبَعًا لِلْعَامِلِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْبَقَرِ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ عَمَلٌ، فَأَمْكَنَ جَعْلُهَا تَبَعًا لِلْعَامِلِ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ قُوَّةٌ فِي طَبْعِهَا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يَحْصُلُ بِهَا النَّمَاءُ، فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهَا تَبَعًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ شَرِكَةٌ بَيْنَ الْبَذْرِ وَالْعَمَلِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِمَا رُوِيَ أَنَّ أَرْبَعَةً اشْتَرَكُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مِنْ قِبَلِ أَحَدِهِمُ الْأَرْضُ، وَمِنْ قِبَلِ الْآخَرِ الْبَذْرُ، وَمِنْ قِبَلِ الْآخَرِ الْبَقَرُ، وَمِنْ قِبَلِ الْآخَرِ الْعَمَلُ - فَأَبْطَلَهَا ﵊. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الْآثَارِ: فَزَرَعُوا، ثُمَّ حَصَدُوا، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ «فَجَعَلَ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ أَجْرًا مَعْلُومًا، وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْفَدَّانِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا، وَأَلْغَى الْأَرْضَ فِي ذَلِكَ» . وَوَجْهٌ آخَرُ فَاسِدٌ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْعَمَلُ وَالْأَرْضُ مِنْ جَانِبٍ؛ لِمَا مَرَّ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي.

стр. 420

وَإِذَا فَسَدَتْ فَالْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَلِلْآخَرِ أَجْرُ عَمَلِهِ أَوْ أَجْرُ أَرْضِهِ لَا يُزَادُ عَلَى قَدْرِ الْمُسَمَّى (م) . وَلَوْ شَرَطَا التِّبْنَ لِرَبِّ الْبَذْرِ صَحَّ، وَإِنْ شَرَطَاهُ لِلْآخَرِ لَا يَصِحُّ. وَإِنْ عَقَدَاهَا، فَامْتَنَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ - لَمْ يُجْبَرْ. وَإِنِ امْتَنَعَ الْآخَرُ أُجْبِرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عُذْرٌ تُفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةُ، فَتُفْسَخُ بِهِ الْمُزَارَعَةُ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَإِذَا فَسَدَتْ فَالْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ) ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَالْآخَرُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَقَدْ فَسَدَتْ. (وَلِلْآخَرِ أَجْرُ عَمَلِهِ) إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، (أَوْ أَجْرُ أَرْضِهِ) إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ. (لَا يُزَادُ عَلَى قَدْرِ الْمُسَمَّى) ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِقَدْرِ الْمُسَمَّى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: تَجِبُ بَالِغَةً مَا بَلَغَ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْإِجَارَةِ. وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ طَابَ لَهُ جَمِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ فِي أَرْضِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَامِلِ طَابَ لَهُ قَدْرُ بَذْرِهِ وَقَدْرُ أَجْرِ الْأَرْضِ، وَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْ بَذْرِهِ لَكِنْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْغَيْرِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ أَوْجَبَ خُبْثًا، فَمَا كَانَ عِوَضَ مَالِهِ طَابَ لَهُ وَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ. وَإِنْ شَرَطَا عَمَلَهُمَا جَمِيعًا فَهِيَ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ إِنْ كَانَ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَقَدْ شَرَطَ عَمَلَهُ، لَمْ تُوجَدِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا شَرْطٌ. وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَامِلِ فَالْعَامِلُ قَدِ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ، فَإِذَا شَرَطَ عَمَلَ صَاحِبِهَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ مَا اسْتَأْجَرَ فَيَبْطُلُ. وَلَوْ شَرَطَا الْخَارِجَ كُلَّهُ لِأَحَدِهِمَا، وَالْبَذْرَ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ - جَازَ، فَإِنْ شَرَطَاهُ لَهُ يَكُونُ مُسْتَعِينًا بِالْعَامِلِ؛ لِيَزْرَعَ أَرْضَهُ، وَإِنْ شَرَطَاهُ لِلْعَامِلِ يَكُونُ إِجَارَةً لِلْأَرْضِ وَإِقْرَاضًا لِلْبَذْرِ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ، فَإِنْ شَرَطَاهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ فَسَدَتْ. وَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْبَذْرِ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ أَجْرِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلْأَرْضِ بِجَمِيعِ الْخَارِجِ، وَأَنَّهُ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ. وَإِنْ شَرَطَاهُ لِلْعَامِلِ جَازَ، وَيَكُونُ مُعِيرًا أَرْضَهُ مِنْهُ. قَالَ: (وَلَوْ شَرَطَا التِّبْنَ لِرَبِّ الْبَذْرِ صَحَّ) ، مَعْنَاهُ بَعْدَ شَرْطِ الْحَبِّ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ التِّبْنَ مِنَ الْبَذْرِ. (وَإِنْ شَرَطَاهُ لِلْآخَرِ لَا يَصِحُّ) ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَخْرُجُ إِلَّا التِّبْنُ، وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْطِ. وَلَوْ شَرَطَا الْحَبَّ نِصْفَيْنِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلتِّبْنِ - صَحَّتِ الشَّرِكَةُ فِي الْمَقْصُودِ، وَالتِّبْنُ لِرَبِّ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا تَبَعًا لِلْحَبِّ. وَلَوْ شَرَطَا التِّبْنَ لِأَحَدِهِمَا، وَالْحَبَّ لِلْآخَرِ - فَهِيَ فَاسِدَةٌ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُصِيبُهُ آفَةٌ، فَلَا يَنْعَقِدُ الْحَبُّ. قَالَ: (وَإِنْ عَقَدَاهَا، فَامْتَنَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ - لَمْ يُجْبَرْ) ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْكِرَابِ فِي الْقَضَاءِ. وَيَلْزَمُهُ دِيَانَةً أَنْ يُرْضِيَهُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْبَذْرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَفَاءُ بِالْعَقْدِ إِلَّا بِإِتْلَافِ مَالِهِ وَهُوَ الْبَذْرُ، وَهِيَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْآخَرِ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَامِلِ أَوْ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلْآخَرِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا. قَالَ: (وَإِنِ امْتَنَعَ الْآخَرُ أُجْبِرَ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الْوَفَاءِ بِهِ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ عُذْرٌ تُفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةُ، فَتُفْسَخُ بِهِ الْمُزَارَعَةُ) ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ. وَإِذَا لَزِمَ رَبُّ الْأَرْضِ دَيْنٌ، وَاحْتَاجَ

стр. 421

وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ الْكِرَابِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ، وَأُجْرَةُ الْحَصَادِ وَالرِّفَاعِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ عَلَيْهِمَا بِالْحِصَصِ. وَلَوْ شَرَطَا ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ لَا يَجُوزُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ جَوَازُهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَطَلَتْ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] إِلَى بَيْعِهَا فِيهِ بَاعَهَا الْحَاكِمُ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ. (وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ الْكِرَابِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ) ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ إِنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا قُوِّمَتْ بِالْخَارِجِ وَقَدِ انْعَدَمَ. وَلَوْ نَبَتَ الزَّرْعُ، وَلَمْ يُحْصَدْ؛ لِاتِّبَاعِ الْأَرْضِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْمُزَارِعِ، وَتَأْخِيرُ حَقِّ رَبِّ الدَّيْنِ أَهْوَنُ. وَلَا يَحْبِسُهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِظَالِمٍ، وَالْحَبْسُ جَزَاءُ الظُّلْمِ. قَالَ: (وَأُجْرَةُ الْحَصَادِ وَالرِّفَاعِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ عَلَيْهِمَا بِالْحِصَصِ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْتَهَى بِانْتِهَاءِ الزَّرْعِ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَبَقِيَ مَالًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ عَقْدٍ، فَتَكُونُ مَئُونَتُهُ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْآخَرِ وَلَا أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ؛ إِذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ. (وَلَوْ شَرَطَا ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ لَا يَجُوزُ) ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُ مَتَى شُرِطَ فِي الْمُزَارَعَةِ مَا لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِهَا فَسَدَتْ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِهِمَا، فَصَارَ كَاشْتِرَاطِ الْحَمْلِ عَلَيْهِ. (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ جَوَازُهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) ؛ لِلتَّعَامُلِ كَالِاسْتِصْنَاعِ. وَلَوْ شَرَطَا ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ. وَإِنْ شَرَطَا مَا هُوَ مِنْ أَعْمَالِ الزِّرَاعَةِ لَا يُفْسِدُهَا، وَهُوَ كُلُّ عَمَلٍ يُنْبِتُ وَيَزِيدُ فِي الْخَارِجِ، وَمَا لَا يُنْبِتُ وَلَا يَزِيدُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهَا. وَكُلُّ شَرْطٍ يَنْتَفِعُ بِهِ رَبُّ الْأَرْضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ يُفْسِدُهَا، كَكَرْيِ الْأَنْهَارِ، وَطَرْحِ السِّرْقِينَ فِي الْأَرْضِ، وَبِنَاءِ الْحَائِطِ، وَتَثْنِيَةِ الْكِرَابِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَتِ الْمُزَارَعَةُ سَنَتَيْنِ لَا تَفْسُدُ فِي التَّثْنِيَةِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَا تَبْقَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي الْخُضْرَةِ لَا تَفْسُدُ أَيْضًا ; لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَا تَبْقَى بَعْدَهَا، فَإِنَّهُ لَوْ كَرَبَ مِرَارًا لَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ بِسَقْيٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ بَقِيَتْ فَسَدَتْ. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّثْنِيَةِ، قِيلَ: هُوَ أَنْ يَكْرِبَهَا مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِيهِ الْكَلَامُ. وَقِيلَ: أَنْ يَكْرِبَهَا بَعْدَ الْحَصَادِ، وَيُسَلِّمَ الْأَرْضَ مَكْرُوبَةً، وَهَذَا فَاسِدٌ بِكُلِّ حَالٍ. فَكُلُّ عَمَلٍ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الْخَارِجُ كَالْحِفْظِ وَالسَّقْيِ عَلَى الْعَامِلِ ; لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ الْعَمَلُ، وَمَا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا كَالْحَصَادِ وَإِخْوَتِهِ، وَمَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَالْحَمْلِ وَالطِّحْنِ عَلَيْهِمَا بِالْإِجْمَاعِ. وَلَوْ أَرَادَ فَصْلَ الزَّرْعِ قَصِيلًا، أَوْ جِذَاذَ الثَّمَرَةِ بُسْرًا، أَوِ الْتِقَاطَ الرُّطَبِ - فَهُوَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُمَا أَنْهَيَا الْعَقْدَ بِعَزْمِهِمَا، فَصَارَ كَمَا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ. قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدِينَ بَطَلَتْ) ؛ لِمَا مَرَّ فِي الْإِجَارَةِ. وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالزَّرْعُ لَمْ يُسْتَحْصَدْ تُرِكَ حَتَّى يُحْصَدَ مُرَاعَاةً لِلْحَقَّيْنِ، وَيَنْتَقِضُ فِيمَا بَقِيَ إِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ

стр. 422

وَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يُدْرِكِ الزَّرْعُ - فَعَلَى الْمُزَارِعِ أُجْرَةُ نَصِيبِهِ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ، وَنَفَقَةُ الزَّرْعِ عَلَيْهِمَا حَتَّى يُسْتَحْصَدَ. كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ وَهِيَ كَالْمُزَارَعَةِ فِي الْخِلَافِ وَالْحُكْمِ، وَفِي الشُّرُوطِ إِلَّا الْمُدَّةَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] بَقَاءَهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنَ الْعُذْرِ وَقَدْ زَالَ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْعَامِلِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ مَا كَرَبَ، وَحَفَرَ - انْتَقَضَتْ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، وَقَدْ مَرَّ. قَالَ: (وَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يُدْرِكِ الزَّرْعُ - فَعَلَى الْمُزَارِعِ أُجْرَةُ نَصِيبِهِ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ) ؛ لِأَنَّ إِبْقَاءَ الزَّرْعِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ. قَالَ: (وَنَفَقَةُ الزَّرْعِ عَلَيْهِمَا حَتَّى يُسْتَحْصَدَ) ؛ لِانْتِهَاءِ الْعَقْدِ، فَصَارَ عَمَلًا فِي مَالٍ مُشْتَرَكٍ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا. وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ، وَالزَّرْعُ بَقْلٌ - فَالْعَمَلُ عَلَى الْعَامِلِ؛ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ بِبَقَاءِ مُدَّتِهِ. ١ - فَصْلٌ [التَّعَدِّي بِالسَّقْيِ] وَمَنْ سَقَى أَرْضَهُ، فَسَالَ مِنْ مَائِهِ إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ، فَغَرَّقَهَا أَوْ نَزَّتْ إِلَيْهَا - فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. مَعْنَاهُ: إِذَا سَقَاهُ سَقْيًا مُعْتَادًا، أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُعْتَادٍ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ لِتَغْرِيقِ أَرْضِ الْغَيْرِ غَالِبًا. وَلَوْ كَانَ فِي أَرْضِهِ جُحْرُ فَأْرَةٍ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَاءُ إِلَى أَرْضِ جَارِهِ، فَغَرِقَتْ - إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِعَدَمِ التَّعَدِّي، وَإِنْ عَلِمَ ضَمِنَ؛ لِلتَّعَدِّي. وَعَلَى هَذَا إِذَا فَتَحَ رَأْسَ نَهْرِهِ، فَسَالَ إِلَى أَرْضِ جَارِهِ، فَغَرِقَتْ - إِنْ كَانَ مُعْتَادًا لَا يَضْمَنُ، وَإِلَّا ضَمِنَ. وَكَذَا لَوْ أَحْرَقَ الْكَلَأَ وَالْحَصَائِدَ فِي أَرْضِهِ، فَذَهَبَتِ النَّارُ، فَأَحْرَقَتْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ - إِنْ كَانَ إِيقَادًا مُعْتَادًا لَا يَضْمَنُ، وَإِلَّا ضَمِنَ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يَوْمَ رِيحٍ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّارَ تَتَعَدَّى - ضَمِنَ. [كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ] وَتُسَمَّى مُعَامَلَةً، مُفَاعَلَةٌ مِنَ السَّقْيِ وَالْعَمَلِ، وَهِيَ أَنْ يَقُومَ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الشَّجَرُ مِنْ تَلْقِيحٍ وَعَسْفٍ، وَتَنْظِيفِ السَّوَاقِي وَسَقْيٍ وَحِرَاسَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَهِيَ كَالْمُزَارَعَةِ فِي الْخِلَافِ وَالْحُكْمِ) وَقَدْ مَرَّ. قَالَ: (وَفِي الشُّرُوطِ إِلَّا الْمُدَّةَ) ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُذْكَرَ الْمُدَّةُ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْإِجَارَةِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهَا. وَتَقَعُ عَلَى أَوَّلِ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ إِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ، وَالتَّفَاوُتَ فِيهِ قَلِيلٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُتَيَقَّنُ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، رَبِيعًا وَخَرِيفًا وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَفِي الرَّطْبَةِ إِدْرَاكُ بَذْرِهَا؛ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةً مَعْلُومَةً، مَعْنَاهُ: إِذَا دَفَعَهَا بَعْدَ مَا تَنَاهَى نَبَاتُهَا، وَلَمْ تُخْرِجِ الْبَذْرَ فَيَقُومُ عَلَيْهَا؛ لِيَخْرُجَ الْبَذْرُ.

стр. 423

وَإِنْ سَمَّيَا مُدَّةً لَا تَخْرُجُ الثَّمَرَةُ فِي مِثْلِهَا فَهِيَ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ دَفَعَ نَخْلًا أَوْ أَصُولَ رَطْبَةٍ؛ لِيَقُومَ عَلَيْهَا، وَأَطْلَقَ - لَا يَجُوزُ فِي الرَّطْبَةِ إِلَّا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ. وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الشَّجَرِ وَالْكَرْمِ وَالرِّطَابِ وَأُصُولِ الْبَاذِنْجَانِ إِذَا كَانَتْ تَزِيدُ بِالسَّقْيِ وَالْعَمَلِ وَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] أَمَّا إِذَا دَفَعَهَا وَقَدْ نَبَتَتْ، أَوْ دَفَعَ الْبَذْرَ؛ لِيَبْذُرَهُ - فَهِيَ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُ جَزِّهَا مَعْلُومًا جَازَ. وَيَقَعُ عَلَى الْجِزَّةِ الْأُولَى كَالثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرِ. وَلَوْ دَفَعَ غَرْسَ شَجَرٍ أَوْ كَرْمٍ قَدْ عَلِقَ، وَلَمْ تَبْلُغِ الثَّمَرَةُ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ، وَالْخَارِجُ نِصْفَانِ - فَهِيَ فَاسِدَةٌ؛ لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِقُوَّةِ الْأَرْضِ وَضَعْفِهَا، وَلَا يَدْرِي مَتَى تَحْمِلُ. فَإِنْ سَمَّيَا مُدَّةً يُعْلَمُ أَنَّهَا تُثْمِرُ فِيهِ جَازَ. قَالَ: (وَإِنْ سَمَّيَا مُدَّةً لَا تَخْرُجُ الثَّمَرَةُ فِي مِثْلِهَا فَهِيَ فَاسِدَةٌ) ؛ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ، وَهِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ. وَإِنَّ شَرَطَا وَقْتًا قَدْ تُدْرِكُ الثَّمَرَةُ فِيهِ، وَقَدْ تَتَأَخَّرُ عَنْهُ - فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ؛ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ بِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ. فَإِنْ أَدْرَكَتْ فِيهِ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ جَائِزَةً، وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ فَفَاسِدَةٌ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِفَسَادِ الْعَقْدِ. وَكَذَلِكَ إِنْ أَخْرَجَتْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مَا لَا يَرْغَبُ فِيهِ، وَإِنْ أَحَاكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، فَلَمْ تُخْرِجْ شَيْئًا - فَهِيَ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ خُرُوجُ الثَّمَرَةِ مَوْهُومًا انْعَقَدَتْ مَوْقُوفَةً فَلَا تَنْقَلِبُ فَاسِدَةً. قَالَ: (وَإِنْ دَفَعَ نَخْلًا أَوْ أُصُولَ رَطْبَةٍ؛ لِيَقُومَ عَلَيْهَا، وَأَطْلَقَ - لَا يَجُوزُ فِي الرَّطْبَةِ إِلَّا بِمُدَّةِ مَعْلُومَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ ; لِأَنَّهَا تَنْمُو مَا تُرِكَتْ فِي الْأَرْضِ فَجُهِلَتِ الْمُدَّةُ، وَمَعْنَاهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمُ وَقْتُ جَوَازِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ: (وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الشَّجَرِ وَالْكَرْمِ وَالرِّطَابِ وَأُصُولِ الْبَاذِنْجَانِ) ؛ لِأَنَّ لِعَمَلِهِ تَأْثِيرًا فِي نَمَائِهِ وَجَوْدَتِهِ؛ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ فِي الْكُلِّ. وَأَهْلُ خَيْبَرَ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الْأَشْجَارِ وَالرِّطَابِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ (إِذَا كَانَتْ تَزِيدُ بِالسَّقْيِ وَالْعَمَلِ) كَالطَّلْعِ وَالْبَلَحِ وَالْبُسْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا مِنَ الْخَارِجِ. حَتَّى لَوْ دَفَعَهَا، وَقَدِ انْتَهَتِ الثَّمَرَةُ فِي الْعَظْمِ، وَلَا تَزِيدُ بِعَمَلِهِ - لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ. وَمَتَى فَسَدَتِ الْمُسَاقَاةُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَعَلَى هَذَا الزَّرْعِ إِنْ دَفَعَهُ، وَهُوَ بَقْلٌ - جَازَ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَحْصَدَ لَا يَجُوزُ. قَالَ: (وَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ) ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ، وَقَدْ مَرَّ. فَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ، وَالْخَارِجُ بُسْرٌ - فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ حَتَّى تُدْرِكَ الثَّمَرَةُ. وَإِنْ أَبَى الْوَرَثَةُ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ قَطْعَهُ، وَإِدْخَالَ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ - فَالْوَرَثَةُ بِالْخِيَارِ؛ إِمَّا أَنْ يُقَسِّمُوا الْبُسْرَ عَلَى الشَّرْطِ، أَوْ يُعْطُوهُ قَيمَةَ نَصِيبِهِ بُسْرًا، أَوْ يُنْفِقُوا عَلَى الْبُسْرِ، وَيَرْجِعُوا بِهِ عَلَى الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِمْ، وَدَفْعُهُ مُتَعَيِّنٌ بِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقُومُوا مَقَامَهُ، وَإِنْ كَرِهَ رَبُّ الْأَرْضِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْجَانِبَيْنِ. وَإِنْ أَرَادُوا قَطْعَهُ بُسْرًا فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْخِيَارَاتُ الثَّلَاثُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَإِنْ مَاتَا فَوَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ كَالْمُوَرِّثِ. وَنَظِيرُهُ فِي الْمُزَارَعَةِ إِذَا مَاتَ الْمُزَارِعُ وَقَدْ نَبَتَ الزَّرْعُ

стр. 424

كِتَابُ النِّكَاحِ ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقُومُوا مَقَامَهُ، وَإِنْ أَبَى رَبُّ الْأَرْضِ؛ لِمَا بَيَّنَّا. وَإِنْ أَرَادُوا قَلْعَهُ فَلِلْمَالِكِ الْخِيَارَاتُ الثَّلَاثُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ فَهُوَ كَالْمَوْتِ، وَلِلْعَامِلِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا حَتَّى تُدْرِكَ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الشَّجَرِ. وَالْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْعَامِلِ، بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ حَيْثُ تَكُونُ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ هُنَا، فَيَكُونُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ. أَمَّا فِي الْمُزَارَعَةِ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْأَرْضِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْعَمَلَ، وَتُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ. وَمِمَّا يَخْتَصُّ بِهَا مِنَ الْأَعْذَارِ كَوْنُ الْعَامِلِ سَارِقًا يَسْرِقُ السَّعَفَ وَالْخَشَبَ وَالثَّمَرَةَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْمَالِكَ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ. وَمِنْهَا مَرَضُ الْعَامِلِ إِذَا أَعْجَزَهُ عَنِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْجَارُ بِزِيَادَةِ أَجْرٍ، وَأَنَّهُ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الْفَسْخُ بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمُزَارَعَةِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَلْزَمُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ. [كِتَابُ النِّكَاحِ] وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: أَنْكَحْنَا الْفَرَا فَسَنَرَى: أَيْ جَمَعْنَا بَيْنَ حِمَارِ الْوَحْشِ وَالْأَتَانِ؛ لِنَنْظُرَ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا، يُضْرَبُ مَثَلًا لِقَوْمٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَى أَمْرٍ لَا يَدْرُونَ مَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ. وَحَكَى الْمُبَرِّدُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ وَغُلَامُ ثَعْلَبٍ عَنِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ النِّكَاحَ عِبَارَةٌ عَنِ الْجَمْعِ وَالضَّمِّ. وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ضَمٍّ وَجَمْعٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْوَطْءُ ; لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ حَالَةَ الْوَطْءِ يَجْتَمِعَانِ، وَيَنْضَمُّ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَصِيرَا كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْدِ مَجَازًا؛ لِمَا أَنَّهُ يَئُولُ إِلَى الضَّمِّ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ. فَمَتَى أُطْلِقَ النِّكَاحُ فِي الشَّرْعِ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ» أَيْ مِنْ وَطْءٍ حَلَالٍ، وَقَوْلِهِ: «يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ أَيْضًا. قَالَ الْأَعْشَى: وَمَنْكُوحَةٍ غَيْرِ مَمْهُورَةٍ ... وَأُخْرَى يُقَالُ لَهُ فَادِهَا يَعْنِي مَسْبِيَّةً مَوْطُوءَةً بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا مَهْرٍ. وَقَالَ آخَرُ: وَمِنْ أَيِّمٍ قَدْ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا ... وَأُخْرَى عَلَى عَمٍّ وَخَالٍ تَلَهَّفُ

стр. 425

النِّكَاحُ حَالَةَ الِاعْتِدَالِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرْغُوبَةٌ، وَحَالَةَ التَّوَقَانِ وَاجِبٌ، وَحَالَةَ الْخَوْفِ مِنَ الْجَوْرِ مَكْرُوهٌ. وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ. وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ مَاضِيَيْنِ، أَوْ بِلَفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا مَاضٍ وَالْآخَرُ مُسْتَقْبَلٌ. كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي، فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] يَعْنِي وَطْءَ الْمَسْبِيَّةِ بِالرِّمَاحِ. إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَشْعَارِ الْكَثِيرَةِ. وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْعَقْدُ بِقَرِينَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ الْأَهْلِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] الْآيَةَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ هُوَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْعَدَدِ دُونَ الْوَطْءِ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشُهُودٍ» ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا يَكُونُونَ عَلَى الْوَطْءِ، وَلِأَنَّهُمَا حَالَةَ الْعَقْدِ مُفْتَرِقَانِ. وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الضَّمِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، ثَبَتَتْ شَرْعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] . وَبِالسُّنَّةِ، قَالَ ﷺ : «تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا؛ فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَقَالَ: «النِّكَاحُ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَالْآثَارُ فِيهِ غَزِيرَةٌ، وَعَلَى شَرْعِيَّتِهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ. قَالَ: (النِّكَاحُ حَالَةَ الِاعْتِدَالِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرْغُوبَةٌ، وَحَالَةَ التَّوَقَانِ وَاجِبٌ، وَحَالَةَ الْخَوْفِ مِنَ الْجَوْرِ مَكْرُوهٌ) . أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النُّصُوصِ، فَبَعْضُهَا أَمْرٌ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّرْغِيبَ وَالتَّأْكِيدَ عَلَى فِعْلِهِ. وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الثَّانِي نَاطِقٌ بِكَوْنِهِ سُنَّةً، ثُمَّ أَكَّدَهُ حَيْثُ عَلَّقَ بِتَرْكِهِ أَمْرًا مَحْذُورًا، وَأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ، وَلِأَنَّهُ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهِ مُدَّةَ عُمُرِهِ وَأَنَّهُ آيَةُ التَّأْكِيدِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ حَالَةَ التَّوَقَانِ يُخَافُ عَلَيْهِ، أَوْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُهُ فِي مُحَرَّمِ الزِّنَا، وَالنِّكَاحُ يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَانَ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنِ الْحَرَامِ فَرْضٌ وَاجِبٌ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ إِنَّمَا شُرِعَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِينِ النَّفْسِ، وَمَنْعِهَا عَنِ الزِّنَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ، وَتَحْصِيلِ الثَّوَابِ الْمُحْتَمَلِ بِالْوَلَدِ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُوَحِّدُهُ. وَالَّذِي يَخَافُ الْجَوْرَ وَالْمَيْلَ يَأْثَمُ بِالْجَوْرِ وَالْمَيْلِ، وَيَرْتَكِبُ الْمَنْهِيَّاتِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَيَنْعَدِمُ فِي حَقِّهِ الْمَصَالِحُ؛ لِرُجْحَانِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ عَلَيْهَا، وَقَضِيَّتُهُ الْحُرْمَةُ إِلَّا أَنَّ النُّصُوصَ لَا تُفَصِّلُ، فَقُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فِي حَقِّهِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ. (وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُوجَدُ بِهِمَا، وَرُكْنُ الشَّيْءِ مَا يُوجَدُ بِهِ كَأَرْكَانِ الْبَيْتِ. قَالَ: (وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ مَاضِيَيْنِ) كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ، وَقَوْلِ الْآخَرِ: تَزَوَّجْتُ، أَوْ قَبِلْتُ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِنْشَاءِ شَرْعًا؛ لِلْحَاجَةِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ. (أَوْ بِلَفْظَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَاضٍ، وَالْآخَرُ مُسْتَقْبَلٌ، كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي، فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكَ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: زَوِّجْنِي - تَوْكِيلٌ، وَالْوَكِيلُ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ النِّكَاحِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ. وَرَوَى الْمُعَلَّى
следующие страницы →