Полный текст (834 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَالْإِبْرَادُ (ف) بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ، وَتَقْدِيمُهَا فِي الشِّتَاءِ، وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ، وَتَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ، وَتَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ آخِرُ اللَّيْلِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِالِانْتِبَاهِ أَوْتَرَ أَوَّلَهُ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَوْمَ الْغَيْمِ.
فَصْلٌ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (ف) وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ (ف) عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا وَغُرُوبِهَا
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
جَمْعًا بَيْنَ أَحَادِيثِ التَّغْلِيسِ وَالْإِسْفَارِ.
(وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ) لِمَا رَوَيْنَا.
(وَتَقْدِيمُهَا فِي الشِّتَاءِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ أَبْرَدَ بِهَا» .
قَالَ: (وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ» . وَرَوَى خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَيْءٍ كَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى تَأْخِيرِ الْعَصْرِ، وَالتَّبْكِيرِ بِالْمَغْرِبِ، وَالتَّنْوِيرِ بِالْفَجْرِ» ، وَالْمُعْتَبَرُ تَغَيُّرُ الْقُرْصِ لَا الضَّوْءُ الَّذِي عَلَى الْحِيطَانِ.
قَالَ: (وَتَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ) وَفِي الزَّمَانِ كُلِّهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» .
قَالَ: (وَتَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ) قَالَ ﵊: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَتَأْخِيرُهَا إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مُبَاحٌ، وَإِلَى مَا بَعْدَهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ يُقَلِّلُ الْجَمَاعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ آخِرُ اللَّيْلِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِالِانْتِبَاهِ أَوْتَرَ أَوَّلَهُ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِرَهُ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةُ الْمَلَائِكَةِ» ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ.
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَوْمَ الْغَيْمِ) أَمَّا الْفَجْرُ فَلِمَا رَوَيْنَا، وَأَمَّا الظُّهْرُ فَلِئَلَّا يَقَعَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلِئَلَّا يَقَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَأَمَّا تَعْجِيلُ الْعَصْرِ فَلِئَلَّا يَقَعَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَلِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ لِمَجِيءِ الْمَطَرِ وَالثَّلْجِ.
[فصل الْأَوْقَاتُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ]
فَصْلٌ (لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ، وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا وَغُرُوبِهَا)
стр. 37
إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَلَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ (ف) الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَلَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ (ف) ، وَلَا إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ (ف)
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهَا وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا: عَنَدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ زَوَالِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَنْ نَقْبُرَ: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ مِنَ السَّاعَاتِ سَاعَاتٌ أَفْضَلُ مِنَ الْأُخْرَى؟ قَالَ: " جَوْفُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ فَإِنَّهَا مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ انْتَهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَمَا دَامَتْ كَالْحَجَفَةِ فَأَمْسِكْ حَتَّى تُشْرِقَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ وَيَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّهَا مَشْهُودَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى يَقُومَ الْعَمُودُ عَلَى ظِلِّهِ ثُمَّ انْتَهِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ يُسَجَّرُ فِيهَا الْجَحِيمُ ثُمَّ صَلِّ إِذَا زَالَتْ إِلَى الْعَصْرِ ثُمَّ انْتَهِ فَإِنَّهَا تَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَيَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ» .
قَالَ: (إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ الْغُرُوبِ) لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنَ الْوَقْتِ كَمَا بَيَّنَّا فَقَدْ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ. قَالَ ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» .
وَقَالَ: (وَلَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» : وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ وَيَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ وَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ شَغْلُ جَمِيعِ الْوَقْتِ بِالْفَرْضِ، إِذْ ثَوَابُ الْفَرْضِ أَعْظَمُ، فَلَا يَظْهَرُ النَّهْيُ فِي حَقِّ فَرْضٍ مِثْلِهِ، وَظَهَرَ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ لِأَنَّهُ دُونَهُ، قَالَ: (وَلَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَفِي الثَّانِي تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ.
(وَلَا إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» .
قَالَ: (وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أَيْ مُؤَقَّتًا، وَفِي الْجَمْعِ تَغْيِيرُ الْوَقْتِ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ فِعْلًا لَا وَقْتًا، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَا رُوِيَ: «أَنَّهُ ﷺ -
стр. 38
إِلَّا بعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ.
بَابُ الْأَذَانِ وَصِفَتُهُ مَعْرُوفَةٌ وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ، وَالْإِقَامَةُ مِثْلُهُ (ف) ، وَيَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ» ، وَتَفْسِيرُهُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى آخَرِ وَقْتِهَا، وَيُقَدِّمُ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا.
قَالَ: (إِلَّا بِعَرَفَةَ) بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
(وَالْمُزْدَلِفَةُ) بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَسَيَأْتِيكَ فِي الْمَنَاسِكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[بَابُ الْأَذَان والإقامة]
بَابُ الْأَذَانِ
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مُطْلَقُ الْإِعْلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] .
وَفِي الشَّرْعِ: الْإِعْلَامُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ بِأَلْفَاظٍ مَعْلُومَةٍ مَأْثُورَةٍ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهُوَ سُنَّةٌ مُحْكَمَةٌ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْمٍ صَلُّوا فِي الْمِصْرِ بِجَمَاعَةٍ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ: خَالَفُوا السُّنَّةَ وَأَثِمُوا، وَقِيلَ: هُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ: لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ لَقَاتَلْتُهُمْ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْوَاجِبِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ كَالْوَاجِبِ فِي الْإِثْمِ بِتَرْكِهَا، وَإِنَّمَا يُقَاتِلُ عَلَى تَرْكِهِ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ وَشَعَائِرِهِ.
(وَصِفَتُهُ مَعْرُوفَةٌ) وَهِيَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. هَكَذَا حَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ أَذَانَ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلِّمْهُ بِلَالًا فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا» وَعَلَّمَهُ فَكَانَ يُؤَذِّنُ بِهِ.
قَالَ: (وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ) لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ رَوَوْا أَذَانَ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْأَذَانِ لَمْ يَرْوُوا التَّرْجِيعَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ قَالْوا: ثُمَّ صَبَرَ هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِيهِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا تَرْجِيعَ فِي الْإِقَامَةِ إِجْمَاعًا، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ لَقَّنَ أَبَا مَحْذُورَةَ الْأَذَانَ وَأَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ» فَإِنَّهُ كَانَ تَعْلِيمًا، وَالتَّعْلِيمُ غَالِبًا يَرْجِعُ فِيهِ لِلْحِفْظِ فَظَنَّهُ مِنَ الْأَذَانِ، وَالتَّرْجِيعُ أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ بِهِمَا صَوْتَهُ.
قَالَ: " وَالْإِقَامَةُ مِثْلُهُ، وَيَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ
стр. 39
الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ، وَهُمَا سُنَّتَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ، يَزِيدُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ، وَيُرَتِّلُ الْأَذَانَ، وَيَحْدُرُ الْإِقَامَةَ، وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ، وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا بِالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ، وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إِلَّا فِي الْمَغْرِبِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَذَانَ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ: أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ.
قَالَ: (وَهُمَا سُنَّتَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ) ; لِأَنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِمَا فِيهَا، وَلِأَنَّ لَهَا أَوْقَاتًا مَعْلُومَةً، وَتُؤَدَّى فِي الْجَمَاعَاتِ فَتَحْتَاجُ إِلَى الْإِعْلَامِ وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُهَا. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ جَازَ، وَإِنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ. أَمَّا الْجَوَازُ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ذَلِكَ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي دَارِهِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ وَيَقُولُ: يَجْزِينَا أَذَانُ الْمُقِيمِينَ حَوْلَنَا وَفِعْلُهُ أَفْضَلٌ لِأَنَّهُمَا أَذْكَارٌ تَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَذْكَارِ.
قَالَ: (وَيَزِيدُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ بِلَالًا أَتَى بَابَ حُجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُعْلِمَهُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ رَاقِدٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَقَالَ ﷺ : مَا أَحْسَنَ هَذَا، اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ» ، وَتَوَارَثَتْهُ الْأُمَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَا تَثْوِيبَ فِي غَيْرِ أَذَانِ الْفَجْرِ لِقَوْلِ بِلَالٍ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا بِلَالُ ثَوِّبْ بِالْفَجْرِ وَلَا تُثَوِّبْ فِي غَيْرِهَا» ، وَلِأَنَّ الْفَجْرَ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلْأُمَرَاءِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ نَصَبَ مَنْ يُعْلِمُهُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ; قِيلَ: وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَكُلُّ مَنْ يَشْتَغِلُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ; وَقِيلَ: فِي زَمَانِنَا يُثَوِّبُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَالتَّثْوِيبُ: زِيَادَةُ الْإِعْلَامِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِمَا يَتَعَارَفُهُ أَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ.
قَالَ: (وَيُرَتِّلُ الْأَذَانَ وَيَحْدُرُ الْإِقَامَةَ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا.
(وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ) لِحَدِيثِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ اسْتَقْبَلَ بِهِمَا الْقِبْلَةَ.
(وَيَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِلَالًا وَقَالَ: «إِنَّهُ أَنْدَى لِصَوْتِكَ» .
(وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا بِالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ) وَقَدَمَاهُ مَكَانَهُمَا هَكَذَا نُقِلَ مِنْ فِعْلِ بِلَالٍ، وَلِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلنَّاسِ فَيُوَاجِهُهُمْ بِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ تَكْبِيرٌ وَتَهْلِيلٌ.
قَالَ: (وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إِلَّا فِي الْمَغْرِبِ)
стр. 40
وَيُكْرَهُ التَّلْحِينُ فِي الْأَذَانِ، وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَامَ الْإِمَامُ وَالْجَمَاعَةُ، وَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ كَبَّرُوا، وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ غَائِبًا أَوْ هُوَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَحْضُرَ، وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ، وَلَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ عَلَى طَهَارَةٍ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَقَالَا: يَجْلِسُ فِي الْمَغْرِبِ جِلْسَةً خَفِيفَةً؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا سُنَّةٌ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتَفِي فِي الْمَغْرِبِ بِالْجِلْسَةِ الْخَفِيفَةِ تَحَرُّزًا عَنِ التَّأْخِيرِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْمُبَادَرَةُ وَفِي الْجِلْسَةِ التَّأْخِيرُ، وَالْفَصْلُ يَحْصُلُ بِالسُّكُوتِ بَيْنَهُمَا مِقْدَارَ ثَلَاثِ آيَاتٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ يَحْصُلُ بِاخْتِلَافِ الْمَوْقِفِ وَالنَّغَمَةِ. (وَيُكْرَهُ التَّلْحِينُ فِي الْأَذَانِ) لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ.
(وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَامَ الْإِمَامُ وَالْجَمَاعَةُ) إِجَابَةً لِلدُّعَاءِ.
(وَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ كَبَّرُوا) تَصْدِيقًا لَهُ، إِذْ هُوَ أَمِينُ الشَّرْعِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا يُكَبِّرُوا حَتَّى يَفْرُغَ لِيُدْرِكَ الْمُؤَذِّنُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ.
(وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ غَائِبًا أَوْ هُوَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَحْضُرَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قُمْتُ مَقَامِي» وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْقِيَامِ.
(وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ.
قَالَ: (وَلَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا) لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ وَفِي ذَلِكَ تَضْلِيلٌ، وَإِنْ أَذَّنَ أَعَادَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُعِيدُ فِي الْفَجْرِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ لِبِلَالٍ: «لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ الْفَجْرُ هَكَذَا وَمَدَّ يَدَهُ عَرْضًا» ، وَأَذَانُ بِلَالٍ لَمْ يَكُنْ لِلصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيَرْكَعَ قَائِمُكُمْ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ، وَيَتَسَحَّرَ صِائِمُكُمْ» ، وَالْكَلَامُ فِي الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ وَيُغَيِّرُ النَّظْمَ.
(وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ عَلَى طَهَارَةٍ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، فَتُسْتَحَبُّ فِيهِ الطَّهَارَةُ كَالْقُرْآنِ، فَإِذَا أَذَّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَيُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا تُكْرَهُ الْإِقَامَةُ أَيْضًا; وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُكْرَهُ؛ لِئَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يُعِيدُ، وَيُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ أَذَانِ الْجُنُبِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَرْأَةِ لِيَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ، وَلَا تُعَادُ الْإِقَامَةُ لِأَنَّ تَكْرَارَهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَيُكْرَهُ الْأَذَانُ قَاعِدًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَوَارَثِ، وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ فَاجِرًا، أَوْ يَأْخُذَ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَالِحًا تَقَيًّا عَالِمًا بِالسُنَّةِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، مُوَاظِبًا عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 41
بَابُ مَا يُفْعَلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَهِيَ سِتُّ فَرَائِضَ: طَهَارَةُ الْبَدَنِ مِنَ النَّجَاسَتَيْنِ، وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ، وَطَهَارَةُ الْمَكَانِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةُ، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا تَحْتَ سُرَّتِهِ إِلَى تَحْتِ رُكْبَتَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَبَطْنُهَا وَظَهْرُهَا عَوْرَةٌ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ مَا يُفْعَلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ]
ِ (وَهِيَ سِتُّ فَرَائِضَ: طَهَارَةُ الْبَدَنِ مِنَ النَّجَاسَتَيْنِ، وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ، وَطَهَارَةُ الْمَكَانِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةُ) أَمَّا طَهَارَةُ الْبَدَنِ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ» الْحَدِيثَ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَقَوْلُهُ ﵊: «اغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» ، يُوجِبُ الطَّهَارَةَ عَنِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
وَأَمَّا طَهَارَةُ الثَّوْبِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] . وَأَمَّا الْمَكَانُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] . وَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] قَالَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: هُوَ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصٍ وَإِزَارٍ وَعِمَامَةٍ، وَلَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَتَوَشَّحُ بِهِ جَازَ. قَالَ ﵊: «أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟» حِينَ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ» ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا أَنْ تَسْتُرَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ رَأْسَهَا وَجَمِيعَ بَدَنِهَا. وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي السَّرَاوِيلِ وَحْدَهُ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ ﵊ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الصَّلَاةُ فِي السَّرَاوِيلِ يُشْبِهُ فِعْلَ أَهَّلِ الْجَفَاءِ، وَفِي الثَّوْبِ يُتَوَشَّحُ بِهِ أَبْعَدُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَفِي قَمِيصٍ وَرِدَاءٍ عَادَةُ النَّاسِ.
قَالَ: (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا تَحْتَ سُرَّتِهِ إِلَى تَحْتِ رُكْبَتِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا دُونَ سُرَّتِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ رُكْبَتَيْهِ» ، وَقَوْلُهُ ﵊: «الرُّكْبَةُ مِنَ الْعَوْرَةِ» وَلِأَنَّ الرُّكْبَةَ مُلْتَقَى عَظْمِ السَّاقِ وَالْفَخِذِ، فَقُلْنَا بِكَوْنِهَا عَوْرَةً احْتِيَاطًا.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ) بَلْ أَوْلَى.
(وَبَطْنُهَا وَظَهْرُهَا عَوْرَةٌ) لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مُشْتَهًى، فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ
стр. 42
وَجَمِيعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا ; وَفِي الْقَدَمِ رِوَايَتَانِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ صَلَّى مَعَهَا وَلَمْ يُعِدْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا مُومِيًا، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْقِيَامِ، وَمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْكَعْبَةِ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَ نَائِيًا عَنْهَا يَتَوَجَّهُ إِلَى جِهَتِهَا، وَإِنْ كَانَ خَائِفًا يُصَلِّي إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالرُّكْبَةِ، وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ.
قَالَ: (وَجَمِيعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ) قَالَ ﵊: «الْحُرَّةُ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ» .
قَالَ: (إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ. وَمِنْ ضَرُورَةِ إِبْدَاءِ الزِّينَةِ إِبْدَاءُ مَوْضِعِهَا، فَالْكُحْلُ زِينَةُ الْوَجْهِ، وَالْخَاتَمُ زِينَةُ الْكَفِّ، وَلِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى كَشْفِ ذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ.
(وَفِي الْقَدَمِ رِوَايَتَانِ) الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَعَوْرَةٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَلَوِ انْكَشَفَ ذِرَاعُهَا جَازَتْ صَلَاتُهَا، لِأَنَّهَا مِنَ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ وَهُوَ السُّوَارُ، وَتَحْتَاجُ إِلَى كَشْفِهِ فِي الْخِدْمَةِ كَالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ، وَسَتْرُهُ أَفْضَلُ. وَالْعَوْرَةُ عَوْرَتَانِ: غَلِيظَةٌ وَهِيَ السَّوْءَتَانِ، وَخَفِيفَةٌ وَهِيَ مَا سِوَاهُمَا، فَالْمَانِعُ مِنَ الْغَلِيظَةِ مَا تَبْدُو زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَفِي الْخَفِيفَةِ رُبُعُ الْعُضْوِ كَمَا فِي النَّجَاسَاتِ، وَالذَّكَرُ عُضْوٌ بِانْفِرَادِهِ، وَكَذَلِكَ الْأُنْثَيَانِ.
قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ صَلَّى مَعَهَا وَلَمْ يُعِدْ) لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، فَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ رُبُعَ الثَّوْبِ أَوْ أَكْثَرَ صَلَّى فِيهِ وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا؛ لِأَنَّ الرُّبُعَ قَائِمٌ مَقَامِ الْكُلِّ شَرْعًا عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الرُّبُعِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا وَاحِدًا، وَالْعُرْيَانُ يَتْرُكُ فُرُوضًا. وَقَالَا: يَتَخَيَّرُ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا وَمَعَ النَّجَاسَةِ مَانِعٌ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا فَكَانَ أَوْلَى.
قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا مُومِيًا، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْقِيَامِ) لِأَنَّهُ ابْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَيَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ، إِلَّا أَنَّ الْقُعُودَ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْإِيمَاءَ خَلَفٌ عَنِ الْأَرْكَانِ وَلَا خَلَفَ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْا كَذَلِكَ.
(وَ) أَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَكُلُّ.
(مَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْكَعْبَةِ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَ نَائِيًا عَنْهَا يَتَوَجَّهُ إِلَى جِهَتِهَا) لِقِيَامِ الْجِهَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ مَقَامَ عَيْنِهَا ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ خَائِفًا يُصَلِّي إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وَيَسْتَوِي فِيهِ الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ وَالسَّبُعِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَشَبَةٍ فِي الْبَحْرِ يَخَافُ إِنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ غَرِقَ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ
стр. 43
وَإِنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ اجْتَهَدَ وَصَلَّى وَلَا يُعِيدُ (ف) وَإِنْ أَخْطَأَ، فَإِنْ عَلِمَ بِالْخَطَأِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ وَبَنَى، وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَأَخْطَأَ أَعَادَ، وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا نِيَّةً مُتَّصِلَةً بِالتَّحْرِيمَةِ، وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ هِيَ وَلَا مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِالْعُذْرِ، وَالْقِبْلَةُ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ وَالْهَوَاءُ مِنْ هُنَاكَ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْبِنَاءِ لِأَنَّهُ يُنْقَلُ، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إِلَى حِجَارَتِهِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ أَعْلَى مِنَ الْكَعْبَةِ جَازَ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْبِنَاءِ.
قَالَ: (وَإِنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُ اجْتَهَدَ وَصَلَّى، وَلَا يُعِيدُ وَإِنْ أَخْطَأَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ الْقِبْلَةُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى جِهَةٍ وَخَطَّ بَيْنَ يَدَيْهِ خَطًّا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَجَدُوا الْخُطُوطَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: تَمَّتْ صَلَاتُكُمْ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا إِعَادَةَ عَلَيْكُمْ» ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي إِذِ التَّكْلِيفُ بِقَدْرِ الْوُسْعِ.
قَالَ: (فَإِنْ عَلِمَ بِالْخَطَأِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ وَبَنَى) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمَّا بَلَغَهُمْ نَسَخُ الْقِبْلَةِ وَهُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرَ اسْتَدَارُوا إِلَيْهَا» ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِالْقِبْلَةِ صَارَ فَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهَا فَيَسْتَدِيرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْسَنَ فِعْلَ أَهْلِ قُبَاءَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَأَخْطَأَ أَعَادَ) وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ فَلَمْ يَسْأَلْهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبَ الِاسْتِدْلَالِ بِالتَّحَرِّي وَالسُّؤَالِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَلَوْ شَرَعَ لَا بِالتَّحَرِّي ثُمَّ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ أَصَابَ يَسْتَأْنِفُ التَّحْرِيمَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَمْضِي فِيهَا، لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهَا يَسْتَأْنِفُ إِلَى هَذِهِ الْجِهَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَلَهُمَا أَنَّ حَالَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ أَقْوَى لِتَيَقُّنِهِ بِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَبِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ لَا يَجُوزُ، وَلِهَذَا قُلْنَا: الْمُومِي إِذَا قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يَبْنِي، لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ كَذَا هُنَا، وَمَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ فَصَلَّى إِلَى غَيْرِهَا فَسَدَتْ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جَائِزَةٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ إِصَابَةُ الْقِبْلَةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا لَزِمَهُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَهُوَ الصَّلَاةُ إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي، فَصَارَ كَمَا إِذَا تَرَكَ النِّيَّةَ وَنَحْوَهَا. وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» ، وَلِأَنَّهُ لَا إِخْلَاصَ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْإِخْلَاصِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] .
قَالَ: (وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا نِيَّةً مُتَّصِلَةً بِالتَّحْرِيمَةِ، وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيُّ صَلَاةٍ هِيَ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ
стр. 44
وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْمُتَابَعَةَ.
بَابُ الْأَفْعَالِ فِي الصَّلَاةِ
وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَخْشَعَ فِي صَلَاتِهِ وَيَكُونَ نَظَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَمَلُ الْقَلْبِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ، وَذِكْرُهَا بِاللِّسَانِ سُنَّةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ ; وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْوِيَ مُقَارِنًا لِلشُّرُوعِ: أَيْ مُخَالِطًا لِلتَّكْبِيرِ كَمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الْفَرْضَ فِي جَمَاعَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْإِمَامِ كَبَّرَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى نِيَّتِهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا نَوَى، ثُمَّ إِنْ كَانَ يُرِيدُ التَّطَوُّعَ يَكْفِيهِ نِيَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَفِي الْقَضَاءِ يُعَيِّنُ الْفَرْضَ، وَفِي الْوَقْتِيَّةِ يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ أَوْ ظَهْرَ الْوَقْتِ.
(وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْمُتَابَعَةَ) أَوْ يَنْوِي الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ يَنْوِي الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ فِي صَلَاتِهِ.
[بَابُ الْأَفْعَالِ فِي الصَّلَاةِ]
ِ قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَخْشَعَ فِي صَلَاتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] «وَكَانَ ﷺ إِذَا صَلَّى كَانَ لِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ» .
(وَيَكُونُ نَظَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ فِي صَلَاتِهِ مَوْضِعَ سُجُودِهِ تَخَشُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى» ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْظِيمِ مِنْ إِرْسَالِ الطَّرْفِ يَمِينًا وَشِمَالًا.
قَالَ: (وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] وَقَالَ ﵊: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ» ، وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِنِ افْتَتَحَ بِلَفْظٍ آخَرَ يَشْتَمِلُ عَلَى الثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ كَالتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ أَوْ بِاسْمٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ الْأَكْبَرُ، اللَّهُ الْكَبِيرُ، اللَّهُ كَبِيرٌ، إِلَّا أَنْ لَا يُحْسِنُهُ ; لِأَنَّ الْمُتَوَارَثَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَأَفْعَلُ وَفَعِيلٌ سَوَاءٌ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى. وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] نَزَلَتْ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَقَدِ اعْتَبَرَ مُطْلَقَ الذِّكْرِ، وَتَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ. وَلَوِ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ اللَّهُ أَوِ الرَّحْمَنُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِوُجُودِ الذِّكْرِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ الصِّفَةَ كَقَوْلِهِ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ، وَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَمَعْنَاهُ: يَا اللَّهُ، وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ خَلَفٌ عَنِ النِّدَاءِ، وَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْظِيمٍ خَالِصٍ، وَلَوِ افْتَتَحَ الْأَخْرَسُ وَالْأُمِّيُّ بِالنِّيَّةِ جَازَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُكَبِّرَ
стр. 45
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ لِيُحَاذِيَ إِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ (ف) أُذُنَيْهِ، وَلَا يَرْفَعُهُمَا (ف) فِي تَكْبِيرَةٍ سِوَاهَا، ثُمَّ يَعْتَمِدُ بِيَمِينِهِ عَلَى رُسْغِ يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ (ف) وَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ (سف) اللَّهُمَّ إِلَى آخِرِهِ، وَيَتَعَوَّذُ
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْمَأْمُومُ مُقَارِنًا لِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَهُ، وَفِي السَّلَامِ بَعْدَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّكْبِيرَ شُرُوعٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَالْمُسَارَعَةُ إِلَيْهِ أَفْضَلُ، وَالسَّلَامُ خُرُوجٌ مِنْهَا، فَالْإِبْطَاءُ أَفْضَلُ، وَيَحْذِفُ التَّكْبِيرَ وَهُوَ السُّنَّةُ، وَلِأَنَّ الْمَدَّ فِي أَوَّلِهِ كُفْرٌ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا، وَفِي آخِرِهِ لَحْنٌ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ لِيُحَاذِي إِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ فَارْفَعْ يَدَيْكَ حِذَاءَ أُذُنَيْكَ» ، وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَهُمَا مَنْصُوبَتَيْنِ حَتَّى تَكُونَ الْأَصَابِعُ مَعَ الْكَفِّ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَلَا يُفَرِّجُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَهَكَذَا تَكْبِيرَةُ الْقُنُوتِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ.
(وَلَا يَرْفَعُهُمَا فِي تَكْبِيرَةٍ سِوَاهَا) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» ، وَذَكَرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ، وَأَرْبَعًا فِي الْحَجِّ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (ثُمَّ يَعْتَمِدُ بِيَمِينِهِ عَلَى رُسْغِ يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ» وَالْمَرْأَةُ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَيَقْبِضُ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى رُسْغَ الْيُسْرَى كُلَّمَا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّعْظِيمِ، وَهَكَذَا فِي تَكْبِيرَةِ الْقُنُوتِ وَالْجِنَازَةِ لِأَنَّهُ قِيَامٌ مُمْتَدٌّ كَالْقِرَاءَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْإِرْسَالَ فِيهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِنَا ﵏، لِأَنَّهَا قَوْمَةٌ لَا قِرَاءَةَ فِيهَا كَمَا بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ يُرْسِلُهُمَا لِأَنَّ الْوَضْعَ لَا يُفِيدُ لِتَتَابُعِ التَّكْبِيرَاتِ.
قَالَ: (وَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِلَى آخِرِهِ) وَزَادَ مُحَمَّدٌ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - وَجَّهْتُ وَجْهِيَ - إِلَى آخِرِهِ ; لِأَنَّ الْأَخْبَارَ وَرَدَتْ بِهِمَا فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَلَهُمَا مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّهُ كَانَ إِذَا كَبَّرَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ قَرَأَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ» إِلَى آخِرِهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ التَّوَجُّهِ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا شُرِعَ التَّسْبِيحُ نُسِخَ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرُّكُوعِ: «رَكَعَ لَكَ ظَهْرِي» ، وَفِي السُّجُودِ: «سَجَدَ لَكَ وَجْهِي» ، فَلَمَّا نَزَلَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] " جَعَلُوهُ فِي الرُّكُوعِ وَنَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فَجَعَلُوهُ فِي السُّجُودِ وَنُسِخَ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ قَبْلَهُ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.
قَالَ: (وَيَتَعَوَّذُ) إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أَيْ إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَا يَتَعَوَّذُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَعَوَّذُ ; لِأَنَّ التَّعَوُّذَ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ وَهُوَ لِلصَّلَاةُ عِنْدَهُ فَإِنَّ التَّعَوُّذَ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ صِيَانَةً لِلْعِبَادَةِ عَنِ الْخَلَلِ
стр. 46
وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيُخْفِيهَا (ف) ، ثُمَّ إِنْ كَانَ إِمَامًا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَا يَقْرَأُ (ف) ، وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: آمِينَ، وَيَقُولُهَا الْمَأْمُومُ وَيُخْفِيهَا (ف) ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْوَاقِعِ فِيهَا بِسَبَبِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَالصَّلَاةُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَفْعَالِ فَكَانَتْ أَوْلَى. وَعِنْدَهُمَا الِافْتِتَاحُ الْقِرَاءَةُ بِالنَّصِّ وَلَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قَامَ الْمَسْبُوقُ لِلْقَضَاءِ يَتَعَوَّذُ عِنْدَهُمَا لِحَاجَتِهِ إِلَى الْقِرَاءَةِ، وَعِنْدَهُ لَا لِأَنَّهُ تَعَّوَذَ بَعْدَ الثَّنَاءِ. وَفِي صَلَاةِ الْعِيدِ يَتَعَوَّذُ الْإِمَامُ عِنْدَهُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَهُ، وَيُخْفِي التَّعَوُّذَ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «خَمْسٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ: التَّعَوُّذُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَالتَّأْمِينُ، وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَالتَّشَهُّدُ» .
قَالَ (وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَؤُهَا.
قَالَ: (وَيُخْفِيهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانُوا يُخْفُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁: «أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَجْهَرُ بِهَا فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ، صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِالتَّسْمِيَةِ، فَإِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ فَقُلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] » .
قَالَ: (ثُمَّ إِنْ كَانَ إِمَامًا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَالْأَوَّلَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْمُتَوَارَثُ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَيُخْفِي فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» ، وَلِأَنَّهُ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ.
(وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إِنْ شَاءَ جَهَرَ) لِأَنَّهُ إِمَامُ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ صَلَّى خَلْفَهُ صُفُوفٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» .
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَا يَقْرَأُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً حِينِ كَانُوا يَقْرَءُونَ خَلْفَهُ ﵊ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» ، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ كَانَ مَأْمُومًا فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» . وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا قِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ» .
(وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: آمِينَ، وَيَقُولُهَا الْمَأْمُومُ وَيُخْفِيهَا) قَالَ ﷺ : «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ - فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا» . وَرَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْإِخْفَاءَ، وَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ
стр. 47
فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ كَبَّرَ وَرَكَعَ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ، وَلَا يَرْفَعُ رَأَسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (سم ف) ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁.
قَالَ: (فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ كَبَّرَ) «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» .
قَالَ: (وَرَكَعَ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ: ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ» ، وَالرُّكُوعُ يَتَحَقَّقُ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ; لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الِانْحِنَاءِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ إِلَى حَالِ الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ إِلَى حَالِ الرُّكُوعُ أَقْرَبَ جَازَ.
قَالَ: (وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِأَنَسٍ ﵁: «إِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَفَرِّقْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ» ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي أَخْذِ الرُّكْبَةِ.
(وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ) لِأَنَّهُ ﷺ : «كَانَ إِذَا رَكَعَ لَوْ وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ قَدَحُ مَاءٍ لَاسْتَقَرَّ» . (وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ) كَمَا فَعَلَ ﷺ ، وَلِنَهْيِهِ عَنْ تَدْبِيحٍ كَتَدْبِيحِ الْحِمَارِ ".
(وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ ﷺ : «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ وَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ» ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ التَّطْوِيلُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْفِيرِ الْجَمَاعَةِ.
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) أَوِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَبِهِمَا وَرَدَ الْأَثَرُ، وَلَا يَجْمَعُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَا: يَجْمَعُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَارِكًا مَا خَصَّ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ لَنَا ذِكْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْمَأْمُومُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﷺ : «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» ، قَسَّمَ الذِّكْرَيْنِ بَيْنَهُمَا فَيُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَتَى بِالتَّحْمِيدِ يَتَأَخَّرُ عَنْ قَوْلِ الْمَأْمُومِ فَيَصِيرُ الْإِمَامُ تَبَعًا وَلَا يَجُوزُ، وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ لَا غَيْرَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ: بِالتَّحْمِيدِ لَا غَيْرَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ) كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَنْفِ جَازَ وَقَدْ أَسَاءَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَبْهَةِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا إِسَاءَةَ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ
стр. 48
وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ (زف) ، وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ، وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جَازَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَجْلِسُ، فَإِذَا جَلَسَ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَنْهَضُ (ف) قَائِمًا وَيَفْعَلُ كَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِلَّا الِاسْتِفْتَاحَ وَالتَّعَوُّذَ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْوَجْهِ، وَالْكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ» ، وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﷺ : «مَكِّنْ جَبْهَتَكَ وَأَنْفَكَ مِنَ الْأَرْضِ» ، وَلَهُ أَنَّ الْأَنْفَ مَحَلُّ السُّجُودِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ السُّجُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُذْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لَمَا جَازَ كَالْخَدِّ وَالذَّقَنِ، فَإِذَا سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ يَكُونُ سَاجِدًا، فَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ السُّجُودِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَلِأَنَّ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ عَظْمٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ السُّجُودُ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ يَجُوزُ فَكَذَا الْآخَرُ.
قَالَ: (وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) هَكَذَا نُقِلَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(وَيُبْدِي ضَبُعَيْهِ، وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُجَافِي فِي سُجُودِهِ حَتَّى إِنَّ بَهْمَةً لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ لَمَرَّتْ» .
(وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ) «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنِ افْتِرَاشِ الثَّعْلَبِ» .
(وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا) لِأَنَّهُ «لَمَّا نَزَلْ قَوْله تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قَالَ ﷺ : " اجْعَلُوهُ فِي سُجُودِكُمْ» .
(وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهُ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جَازَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ» . وَقَالَ أَيْضًا: «إِنَّهُ ﵊ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَتَّقِي بِفُضُولِهِ حَرَّ الْأَرْضِ وَبَرْدَهَا» ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى السَّرِيرِ وَالْعِرْزَالِ، جَازَ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْحَشِيشِ وَالْقُطْنِ إِنْ وُجِدَ حَجْمُهُ بِجَبْهَتِهِ كَالطَّنْفَسَةِ وَاللِّبَدِ وَالْحَصِيرِ جَازَ.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَجْلِسُ) وَالْوَاجِبُ مِنَ الرَّفْعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْفَصْلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْقُعُودِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا.
(فَإِذَا جَلَسَ كَبَّرَ وَسَجَدَ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَسْتَوِيَ جَالِسًا» .
(ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَنْهَضُ قَائِمًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» .
قَالَ: (وَيَفْعَلُ كَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِرِفَاعَةَ: " ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» .
قَالَ: (إِلَّا الِاسْتِفْتَاحَ) لِأَنَّ مَحَلَّهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ.
(وَالتَّعَوُّذَ) لِأَنَّهُ لِابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُشْرَعَا إِلَّا مَرَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ لَيْسَ بِفَرْضٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَرْضٌ، وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِتْمَامُ الْقِيَامِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالْقَعْدَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
стр. 49
فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ.
وَالتَّشَهُّدُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ (ف) وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (ف) ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَهُ «قَوْلُهُ ﷺ لِأَعْرَابِيٍّ حِينَ أَخَفَّ صَلَاتَهُ: " أَعِدْ صَلَاتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ، وَلَهُمَا أَنَّهُ أَتَى بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] . وَالطُّمَأْنِينَةُ دَوَامٌ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي الدَّوَامَ عَلَيْهِ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَا رَوَاهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا حَتَّى يَجِبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا سَاهَيًا; وَقِيلَ: هِيَ سُنَّةٌ.
قَالَ: (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ) هَكَذَا حَكَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَعَائِشَةُ قُعُودَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ.
(وَالتَّشَهُّدُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ، وَهُوَ تَشَهُّدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، لِمَا رُوِيَ: " أَنَّ حَمَّادًا أَخَذَ بِيَدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَقَالَ: أَخَذَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ بِيَدِي وَعَلَّمَنِي، وَأَخَذَ عَلْقَمَةُ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَّمَهُ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِيَدِ عَلْقَمَةَ وَعَلَّمَهُ، «وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، فَقَالَ: قُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» ، إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا، وَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ أَخْذَهُ بِيَدِهِ وَأَمْرَهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ التَّأْكِيدِ. وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي التَّشَهُّدِ أَحْسَنُ مِنْ إِسْنَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ; وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ وَاوِ الْعَطْفِ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ تَعَدُّدَ الثَّنَاءِ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَتَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ثَنَاءٌ وَاحِدٌ بَعْضُهُ صِفَةٌ لِبَعْضٍ، وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ، وَقِيلَ: هِيَ وَاجِبَةٌ حَتَّى يَجِبَ بِتَرْكِهَا سَاهِيًا سُجُودُ السَّهْوِ، وَقِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ فِيهَا سُنَّةٌ; وَقِيلَ: وَاجِبٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَوْجَبَ سُجُودَ السَّهْوِ بِتَرْكِهِ، وَلَا يَجِبُ الْوَاجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ.
قَالَ: (وَلَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» .
(ثُمَّ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا) لِأَنَّهُ
стр. 50
وَيَقْرَأُ فِيهِمَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَيَجْلِسُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ مِمَّا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ.
فَصْلٌ
الْوِتْرُ وَاجِبٌ (سم ف) ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَتَمَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ الشَّفْعُ الثَّانِي فَيَنْتَقِلُ إِلَيْهِ.
(وَيَقْرَأُ فِيهِمَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ) وَهِيَ سُنَّةٌ بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ، وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَاجِبَةٌ، وَلَوْ تَرَكَهَا سَاهِيًا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ. وَفِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ لَوْ سَكَتَ فِيهِمَا عَامِدًا كَانَ مُسِيئًا، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَا سَهْوَ عَلَيْهِ.
(وَيَجْلِسُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ) كَمَا بَيَّنَّا فِي الْأَوَّلِ لِمَا رَوَيْنَا.
(وَيَتَشَهَّدُ) كَمَا قُلْنَا.
(وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) وَهُوَ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ لِابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ: «إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلَتْ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» ، عَلَّقَ التَّمَامَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَيَتِمُّ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا خَارِجَ الصَّلَاةِ عَمَلًا بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ بِهَا فِي الْقُرْآنِ فَلَا يَلْزَمُنَا الْعَمَلُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ مِمَّا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «ثُمَّ اخْتَرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَطْيَبَهُ» وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فَرْضٌ وَالتَّشَهُّدُ فِيهَا وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ: «إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنْ آخَرِ سَجْدَةٍ وَقَعَدْتَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» عَلَّقَ التَّمَامَ بِالْقَعْدَةِ دُونَ التَّشَهُّدِ، وَمِقْدَارُ الْفَرْضِ فِي الْقُعُودِ مِقْدَارُ التَّشَهُّدِ.
قَالَ: (ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) لِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ : «كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» وَيَنْوِي بِالْأُولَى مِنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ، وَبِالْأُخْرَى كَذَلِكَ لِأَنَّهُ خِطَابُ الْحَاضِرِينَ، وَيَنْوِي الْإِمَامُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ حِذَاءَهُ يَنْوِيهِ فِيهِمَا، وَقِيلَ فِي الْيَمِينِ، وَالْمُنْفَرِدُ يَنْوِي الْحَفَظَةَ لَا غَيْرَ. وَالْخُرُوجُ بِلَفْظِ السَّلَامِ لَيْسَ بِفَرْضٍ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَّهُ يُنَافِي الْفَرْضِيَّةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: «تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ السُّنَّةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ.
[بَابُ صَلَاةِ الْوِتْرِ]
فَصْلٌ (الْوَتْرُ وَاجِبٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً إِلَى صَلَاتِكُمُ
стр. 51
وَهِيَ ثَلَاثُ (ف) رَكَعَاتٍ كَالْمَغْرِبِ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهُنَّ، وَيَقْرَأُ فِي جَمِيعِهَا، وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ (ف) ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقْنُتُ، وَلَا قُنُوتَ فِي غَيْرِهَا (ف) .
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْخَمْسِ أَلَا وَهِيَ الْوَتْرُ فَحَافِظُوا عَلَيْهَا» وَالزِّيَادَةُ تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ، وَقَضِيَّتُهِ الْفَرْضِيَّةُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ فَقُلْنَا بِالْوُجُوبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هِيَ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ: الْوَتْرُ، وَالضُّحَى، وَالْأَضْحَى» ، قُلْنَا الْكِتَابَةُ هِيَ الْفَرْضُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أَيْ فَرْضًا مُوَقَّتًا، وَيُقَالُ لِلْفَرَائِضَ الْمَكْتُوبَاتِ، فَكَانَ نَفْيُ الْكِتَابَةِ نَفِيَ الْفَرْضِيَّةِ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْفَرْضِيَّةِ بَلْ بِالْوُجُوبِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ» أَيْ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُنَّةٌ ; لِأَنَّهُ ﷺ هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهَا وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَهِيَ عِنْدَهُمَا أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ جَمِيعِ السُّنَنِ حَتَّى لَا تَجُوزَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَلَا عَلَى رَاحِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَتُقْضَى ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ.
قَالَ: (وَهِيَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ كَالْمَغْرِبِ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهُنَّ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» .
قَالَ: (وَيَقْرَأُ فِي جَمِيعِهَا) وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِهَا وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، هَكَذَا نَقَلَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَتْ فِي وُجُوبِهَا وَجَبَتِ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهَا احْتِيَاطًا. قَالَ: (وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِمَا رَوَيْنَا.
(وَيُكَبِّرُ) لِمَا مَرَّ (ثُمَّ يَقْنُتُ) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ» وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَاللَّهُمَّ اهْدِنَا» ، قَالْوا: وَمَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ غَيْرُ ذَلِكَ. وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الدُّعَاءَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مِرَارًا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] الْآيَةَ. وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّخَعِيِّ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ لِعَدَمِ وُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ.
قَالَ: (وَلَا قُنُوتَ فِي غَيْرِهَا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَّا شَهْرًا لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ» . وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» . وَمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ» ، مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبِمَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نُسِخَ، فَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ خَلْفَ إِمَامٍ يَقْنُتُ يُتَابِعُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِئَلَّا يُخَالِفَ إِمَامَهُ. وَعِنْدَهُمَا لَا يُتَابِعُهُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مَنْسُوخٌ،
стр. 52
فَصْلٌ
الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ سُنَّةٌ (ف) فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِمَا أَجْزَأَهُ (ف) ، وَمِقْدَارُ الْفَرْضِ آيَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (سم ف) ، وَالْوَاجِبُ الْفَاتِحَةُ وَالسُّورَةُ أَوْ ثَلَاثُ آيَاتٍ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَفِي الْمَغْرِبِ قِصَارُهُ، وَفِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالسَّفَرِ يُقْرَأُ بِقَدْرِ الْحَالِ
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَصَارَ كَالتَّكْبِيرَةِ الْخَامِسَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَسْكُتُ قَائِمًا، وَلَوْ سَهَا عَنِ الْقُنُوتِ فَرَكَعَ ثُمَّ ذَكَرَ لَا يَعُودُ، وَعَنْ أْبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْقُنُوتِ ثُمَّ يَرْكَعُ.
[بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ (الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَلَا يُفْتَرَضُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنُ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ ﵊: «الْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَيَيْنِ قِرَاءَةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ» ، أَيْ تَنُوبُ عَنْهَا كَقَوْلِهِمْ: لِسَانُ الْوَزِيرِ لِسَانُ الْأَمِيرِ.
(سُنَّةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِمَا أَجْزَأَهُ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
قَالَ: (وَمِقْدَارُ الْفَرْضِ آيَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) وَقَالَا: ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ تَعْدِلُهَا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِلْمُعْجِزِ وَلَا مُعْجِزَ دُونَ ذَلِكَ. وَلَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَمَا دُونَ الْآيَةِ خَارِجٌ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ، وَلَا يُفْتَرَضُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا، وَقَوْلُهُ ﵊: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا يَجُوزُ نَسْخُ إِطْلَاقِ الْكِتَابِ بِهِمَا فَيُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ دُونَ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا قُلْنَا.
(وَالْوَاجِبُ الْفَاتِحَةُ وَالسُّورَةُ أَوْ ثَلَاثُ آيَاتٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهِ سَاهِيًا.
(وَالسُّنَّةُ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَفِي الْمَغْرِبِ قِصَارُهُ) هَكَذَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا تَوْقِيفًا، وَقِيلَ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ. وَرَوَى ابْنُ زِيَادٍ: مِنْ سِتِّينَ إِلَى مِائَةٍ بِكُلِّ ذَلِكَ وَرَدَتِ الْآثَارُ; وَقِيلَ: الْمِائَةُ لِلزُّهَّادِ وَالسِتُّونَ فِي الْجَمَاعَاتِ الْمَعْهُودَةِ، وَالْأَرْبَعُونَ فِي مَسَاجِدِ الشَّوَارِعِ، وَفِي الظُّهْرِ ثَلَاثُونَ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ عِشْرُونَ. وَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِمَامَ يَقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَ فِي حَالَةِ الْحَضَرِ الْأَكْثَرَ تَحْصِيلًا لِلثَّوَابِ.
(وَفِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالسَّفَرِ يَقْرَأُ بِقَدْرِ الْحَالِ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَالسُنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةً تَامَّةً مَعَ الْفَاتِحَةِ، وَيُسْتَحِبُّ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَإِنْ فَعَلَ لَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ سُورَةٌ فِي رَكْعَتَيْنِ.
стр. 53
وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَيُكْرَهُ تَعْيِينُهُ.
فَصْلٌ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ أَقْرَؤُهُمْ، ثُمَّ أَوْرَعُهُمْ، ثُمَّ أَسَنُّهُمْ، ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا، وَلَا يُطَوِّلُ بِهِمُ الصَّلَاةَ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ.
(وَيُكْرَهُ تَعْيِينُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ هُجْرَانِ الْبَاقِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَيْسَرَ عَلَيْهِ، أَوْ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ، وَيُطَوِّلُ الْأُولَى مِنَ الْفَجْرِ عَلَى الثَّانِيَةِ إِعَانَةً لِلنَّاسِ عَلَى الْجَمَاعَاتِ، وَيُكْرَهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، كَذَا نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قُلْنَا: الرَّكْعَتَانِ اسْتَوَتَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْقِرَاءَةِ فَلَا وَجْهَ إِلَى التَّفْضِيلِ بِخِلَافِ الصُّبْحِ فَإِنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطْوِيلِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَلَا اعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ.
[بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]
فَصْلٌ (الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) قَالَ ﵊: «الْجَمَاعَةُ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى» ، وَقَالَ ﵊: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقُ إِلَى قَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجَمَاعَةِ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» ، وَهَذَا أَمَارَةُ التَّأْكِيدِ، وَقَدْ وَاظَبَ عَلَيْهَا ﷺ فَلَا يَسْعُ تَرْكُهَا إِلَّا لِعُذْرٍ، وَلَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مِصْرٍ يُؤْمَرُونَ بِهَا، فَإِنْ قَبِلُوا وَإِلَّا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ: (وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) إِذَا كَانَ يُحْسِنُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَيَجْتَنِبُ الْفَوَاحِشَ الظَّاهِرَةَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَقْرَؤُهُمْ لِقَوْلِهِ ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» ، قُلْنَا: الْحَاجَةُ إِلَى الْعِلْمِ أَكْثَرُ فَكَانَ أَوْلَى وَفِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْقُرْآنَ بِأَحْكَامِهِ فَكَانَ أَقْرَؤُهُمْ أَعْلَمَهُمْ.
(ثُمَّ أَقْرَؤُهُمْ) لِلْحَدِيثِ.
(ثُمَّ أَوْرَعُهُمْ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِمٍ تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» .
(ثُمَّ أَسَنُّهُمْ) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَإِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلِيَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا» .
(ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا) . وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ كَانَ وَصْفُهُ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَمَاعَةِ كَانَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ كُلَّمَا كَثُرَتْ كَانَ أَفْضَلَ حَتَّى قَالْوا يُكْرَهُ لِمَنْ يُكْثِرُ التَّنَحْنُحَ فِي الْقِرَاءَةِ أَنْ يَؤُمَّ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَقِفُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْوَقْفِ، وَلَا يَقِفُ فِي مَوَاضِعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ: (وَلَا يُطَوِّلُ بِهِمُ الصَّلَاةَ) عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إِلَى التَّنْفِيرِ، بَلْ يُخَفِّفُ تَخْفِيفًا عَنْ تَمَامٍ لِحَدِيثِ
стр. 54
وَيُكْرَهُ إِمَامَةُ الْعَبْدِ (ف) وَالْأَعْرَابِيِّ وَالْأَعْمَى (ف) وَالْفَاسِقِ وَوَلَدِ الزِّنَا (ف) وَالْمُبْتَدِعِ، وَلَوْ تَقَدَّمُوا وَصَلَّوْا جَازَ، وَلَا تَجُوزُ إِمَامَةُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (ف) لِلرِّجَالِ، وَمَنْ صَلَّى بِوَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنْ صَلَّى بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَفُّ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْخَنَاثَى ثُمَّ النِّسَاءُ، وَلَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ فِي صَلَاةِ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا (ف) الْإِمَامُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مُعَاذٍ فَإِنَّهُ كَانَ يُطَوِّلُ بِهِمُ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ ﵊: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ صَلِّ بِالْقَوْمِ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» .
قَالَ: (وَيُكْرَهُ إِمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَالْأَعْمَى وَالْفَاسِقِ وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْمُبْتَدِعِ) لِأَنَّ إِمَامَتَهُمْ تُقَلِّلُ الْجَمَاعَاتِ، لِسُقُوطِ مَنْزِلَةِ الْعَبْدِ عِنْدَ النَّاسِ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ الْجَهْلُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] وَالْفَاسِقِ لِفِسْقِهِ، وَالْأَعْمَى لَا يَجْتَنِبُ النَّجَاسَاتِ، وَوَلَدِ الزِّنَا يُسْتَخَفُّ بِهِ عَادَةً، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ.
(وَلَوْ تَقَدَّمُوا وَصَلَّوْا جَازَ) قَالَ ﵊: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» ، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّهِمْ لِمَا ذُكِرَ مِنَ النَّقَائِصِ، وَلَوْ عَدِمَتْ بِأَنْ كَانَ الْعَرَبِيُّ أَفْضَلَ مِنَ الْحَضَرِيِّ، وَالْعَبْدُ مِنَ الْحُرِّ، وَوَلَدُ الزِّنَا مِنْ وَلَدِ الرِّشْدَةِ، وَالْأَعْمَى مِنَ الْبَصِيرِ فَالْحُكْمُ بِالضِّدِّ. وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُ فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامُ الْقَوْمِ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَوْ هَوًى. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ إِمَامَةُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لِلرِّجَالِ) أَمَّا النِّسَاءُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» ، وَإِنَّهُ نُهِيَ عَنِ التَّقْدِيمِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّ صَلَاتَهُ تَقَعُ نَفْلًا فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي التَّرَاوِيحِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ نَفْلَهُ أَضْعَفُ مِنْ نَفْلِ الْبَالِغِ فَلَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى بِوَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَقَفْتُ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذَ بِذُؤَابَتِي فأَدَارَنِي إِلَى يَمِينِهِ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ أَوْلَى، وَأَنَّ الْقِيَامَ عَنْ يَسَارِهِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّ الْفِعْلَ الْيَسِيرَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ.
قَالَ: (فَإِنْ صَلَّى بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «أَقَامَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ وَرَاءَنَا» ، وَلِقَوْلِهِ ﵊: «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» . قَالَ: (وَيُصَفُّ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْخَنَاثَى ثُمَّ النِّسَاءُ) أَمَّا الرِّجَالُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «لِيَلِنِي أُولُو الْأَحْلَامِ مِنْكُمْ» ، وَأَمَّا الصِّبْيَانُ فَلِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَمَّا الْخَنَاثَى فَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِمْ إِنَاثًا، وَأَمَّا تَقْدِيمُهُمْ عَلَى النِّسَاءِ فَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِمْ ذُكُورًا.
قَالَ: (وَلَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ فِي صَلَاةِ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا الْإِمَامُ) وَقَالَ زُفَرُ: تَدْخُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالرَّجُلِ. وَلَنَا أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مِنْ جِهَتِهَا ضَرَرٌ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ بِأَنْ تَقِفَ فِي جَنْبِهِ
стр. 55
وَإِذَا قَامَتْ إِلَى جَانِبِ رَجُلٍ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ فَسَدَتْ (ف) صَلَاتُهُ، وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ حُضُورُ الْجَمَاعَاتِ، وَأَنْ يُصَلِّينَ جَمَاعَةً (ف) ، فَإِنْ فَعَلْنَ وَقَفَتِ الْإِمَامُ وَسْطَهُنَّ، وَلَا يَقْتَدِي الطَّاهِرُ بِصَاحِبِ عُذْرٍ (ف) ، وَلَا الْقَارِئُ بِالْأُمِّيِّ، وَلَا الْمُكْتَسِي (ف) بِالْعُرْيَانِ، وَلَا مَنْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ (ف) بِالْمُومِي وَلَا الْمُفْتَرِضُ (ف) بِالْمُتَنَفِّلِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَتُفْسِدُ صَلَاتَهُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ ذَلِكَ بِتَرْكِ النِّيَّةِ.
قَالَ: (وَإِذَا قَامَتْ إِلَى جَانِبِ رَجُلٍ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَفْسَدُ كَمَا لَا تَفْسَدُ صَلَاتُهَا. وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمَقَامِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَأْخِيرِهَا وَهُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْأَمْرِ دُونَهَا فَتَفْسُدُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ قَامَتْ فِي الصَّفِّ أَفْسَدَتْ صَلَاةَ مَنْ عَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا وَخَلْفَهَا بِحِذَائِهَا، وَالثِّنْتَانِ تُفْسِدَانِ صَلَاةَ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَنْ يَمِينِ إِحْدَاهُمَا وَيَسَارِ الْأُخْرَى وَاثْنَيْنِ خَلْفَهُمَا، وَالثَّلَاثُ يُفْسِدْنَ صَلَاةَ خَمْسَةٍ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: يُفْسِدْنَ صَلَاةَ ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ إِلَى آخِرِ الصُّفُوفِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَرْأَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ صَفًّا تَامًّا فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُنَّ مِنَ الصُّفُوفِ وَشَرْطُ الْمُحَاذَاةِ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُشْتَرَكَةٌ وَأَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةٌ، وَالِاسْتِوَاءُ فِي الْبُقْعَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ، وَأَدْنَاهُ مِثْلُ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ حُضُورُ الْجَمَاعَاتِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ وَهَذَا فِي الشَّوَابِّ بِالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْعَجَائِزُ فَيَخْرُجْنَ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَقَالَ: يَخْرُجْنَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي حَقِّهِنَّ. وَلَهُ أَنَّ الْفُسَّاقَ يَنْتَشِرُونَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ يَشْتَغِلُونَ بِالْعِشَاءِ، وَفِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ يَكُونُونَ نِيَامًا، وَلِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ، وَالْمُخْتَارُ فِي زَمَانِنَا أَنْ لَا يَجُوزَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَالتَّظَاهُرِ بِالْفَوَاحِشِ.
قَالَ: (وَأَنْ يُصَلِّينَ جَمَاعَةً) لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ نَقْصٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُنَّ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ وَتَقَدُّمُ الْإِمَامِ عَلَيْهِنَّ.
(فَإِنْ فَعَلْنَ وَقَفَتِ الْإِمَامُ وَسَطَهُنَّ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ.
قَالَ: (وَلَا يَقْتَدِي الطَّاهِرُ بِصَاحِبِ عُذْرٍ، وَلَا الْقَارِئُ بِالْأُمِّيِّ، وَلَا الْمُكْتَسِي بِالْعُرْيَانِ، وَلَا مَنْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِالْمُومِي، وَلَا الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ) وَأَصْلُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي تَنْبَنِي عَلَى صَلَاةِ
стр. 56
وَلَا الْمُفْتَرِضُ بِمَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ (ف) . وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ (م) بِالْمُتَيَمِّمِ، وَالْغَاسِلِ بِالْمَاسِحِ، وَالْقَائِمِ (م) بِالْقَاعِدِ، وَالْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ إِمَامَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادَ (ف) وَيَجُوزُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إِمَامِهِ
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا لِقَوْلِهِ ﵊: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» أَيْ ضَامِنٍ بِصَلَاتِهِ صَلَاةَ الْمُؤْتَمِّ، وَبِنَاءُ النَّاقِصِ عَلَى الْكَامِلِ يَجُوزُ، وَالْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَصْلُحُ أَسَاسًا لِلْقَوِيِّ، لِأَنَّهُ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ يَكُونُ بِنَاءً عَلَى الْمَعْدُومِ وَإِنَّهُ مُحَالٌ.
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: حَالُ الطَّاهِرِ أَقْوَى مِنْ حَالِ صَاحِبِ الْعُذْرِ، وَحَالُ الْقَارِئِ أَقْوَى مِنْ حَالِ الْأُمِّيِّ، وَحَالُ الْمُكْتَسِي أَقْوَى مِنْ حَالِ الْعُرْيَانِ، وَحَالُ الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَقْوَى مِنْ حَالِ الْمُومِي، وَحَالُ الْمُفْتَرِضِ أَقْوَى مِنَ الْمُتَنَفِّلِ، فَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ خَلْفَهُمْ.
قَالَ: (وَلَا الْمُفْتَرِضُ بِمَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ) لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ مُشَارِكٌ لِلْإِمَامِ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاتِّحَادِ، فَإِنْ أَمَّ أُمِّيٌّ قَارِئِينَ وَأُمِّيِّينَ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ; وَقَالَا: تَجُوزُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بِحَالِهِ لِاسْتِوَائِهِمْ كَمَا إِذَا انْفَرَدُوا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجَمِيعَ قَادِرُونَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِتَقْدِيمِ الْقَارِئِ، إِذْ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُمْ بِالْحَدِيثِ، فَقَدْ تَرَكُوا الْقِرَاءَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ، وَعَلَى هَذَا الْعَاجِزُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، قَالْوا: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَؤُمَّ غَيْرَهُ لِمَا بَيَّنَّا وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ ; فَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ إِنْ كَانَ لَا يَجِدُ آيَاتٍ تَخْلُو عَنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ وَجَدَ وَقَرَأَ بِمَا فِيهِ تِلْكَ الْحُرُوفُ قِيلَ: يَجُوزُ كَالْأَخْرَسِ يُصَلِّي وَحْدَهُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ كَالْقَارِئِ إِذَا صَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ إِمَامًا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ) .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ كَطَهَارَةِ صَاحِبِ الْعُذْرِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ: «أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ» . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، فَكَانَ اقْتِدَاءَ طَاهِرٍ بِطَاهِرٍ.
قَالَ: (وَالْغَاسِلِ بِالْمَاسِحِ) لِأَنَّ الْخُفَّ يَمْنَعُ وُصُولَ الْحَدَثِ إِلَى الرِّجْلِ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ وَقَدِ ارْتَفَعَ بِالْمَسْحِ.
قَالَ: (وَالْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ) خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ أَقْوَى حَالًا. وَلَنَا أَنَّهُ ﷺ صَلَّى آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ، وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ.
قَالَ: (وَالْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرَضِ) لِأَنَّهُ أَضْعَفُ حَالًا وَبِنَاءُ الْأَضْعَفِ عَلَى الْأَقْوَى جَائِزٌ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الْمُفْتَرِضَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَإِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَإِنَّهُ مَعْدُومٌ فِي الْمُتَنَفِّلِ.
قَالَ: (وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ إِمَامَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادَ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مُتَعَلِّقَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ سَهْوُ الْإِمَامِ، وَيَكْتَفِي بِقِرَاءَتِهِ لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ ; وَإِذَا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِصَلَاتِهِ يَفْسُدُ بِفَسَادِهَا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إِمَامِهِ)
стр. 57
وَإِنْ فَتَحَ عَلَى غَيْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَمَنْ حُصِرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ جَازَ (سم) ، وَإِنْ قَنَتَ إِمَامُهُ فِي الْفَجْرِ سَكَتَ (سف) .
فَصْلٌ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَعْبَثَ بِثَوْبِهِ،. . أَوْ يُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ، أَوْ يَتَخَصَّرَ، أَوْ يَعْقِصَ شَعْرَهُ، أَوْ يُسْدِلَ ثَوْبَهُ، أَوْ يُقْعِيَ أَوْ يَلْتَفِتَ، أَوْ يَتَرَبَّعَ بِغَيْرِ عُذْرٍ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا اسْتَطْعَمَكَ الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ» ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْتَحَ مِنْ سَاعَتِهِ لَعَلَّ الْإِمَامَ يَتَذَكَّرُ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِئَهُ إِلَى الْفَتْحِ، فَإِنْ كَانَ قَرَأَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ يَرْكَعُ.
قَالَ: (وَإِنْ فَتَحَ عَلَى غَيْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي إِمَامِهِ إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَا، وَفِيهِ إِصْلَاحُ صَلَاتِهِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَمَنْ حُصِرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ جَازَ) وَقَالَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ ; وَلَهُ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لِعِلَّةِ الْعَجْزِ عَنِ التَّمَامِ وَقَدْ وُجِدَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ نَادِرٌ; وَلَوْ قَرَأَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَنَتَ إِمَامُهُ فِي الْفَجْرِ سَكَتَ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
[بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي]
فَصْلٌ (يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَعْبَثَ بِثَوْبِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمُ الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ» ، وَلِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْخُشُوعِ، «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ: " أَمَّا هَذَا لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» .
(أَوْ يُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ) لِمَا ذَكَرْنَا وَلِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ.
(أَوْ يَتَخَصَّرَ) لِأَنَّ فِيهِ تَرْكُ الْوَضْعِ الْمَسْنُونِ، وَلِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ.
(أَوْ يَعْقِصَ شَعْرَهُ) وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَهُ وَسَطَ رَأْسِهِ أَوْ يَجْعَلَهُ ضَفِيرَتَيْنِ فَيَعْقِدُهُ فِي مُؤَخِّرِ رَأْسِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ، لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَرَأَسُهُ مَعْقُوصٌ» .
(أَوْ يَسْدِلَ ثَوْبَهُ) لِنَهْيِهِ ﵊ عَنِ السَّدْلِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُ أَطْرَافَهُ مِنْ جَوَانِبِهِ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
(أَوْ يُقْعِي) لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: «نَهَانِي خَلِيلِي ﷺ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ أَنْ أَنْقُرَ نَقْرَ الدِّيكِ، أَوْ أُقْعِيَ إِقْعَاءَ الْكَلْبِ، أَوْ أَفْتَرِشَ افْتِرَاشَ الثَّعْلَبِ» .
وَالْإِقْعَاءُ: أَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصِبَ فَخِذَيْهِ وَيَضُمَّ رُكْبَتَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ.
(أَوْ يَلْتَفِتَ) لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ: " تِلْكَ خِلْسَةٌ يَخْتَلِسُهَا الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاتِكُمْ» .
(أَوْ يَتَرَبَّعَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْقُعُودِ الْمَسْنُونِ،
стр. 58
أَوْ يَقْلِبَ الْحَصَى إِلَّا لِضَرُورَةٍ، أَوْ يَرُدَّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ أَوْ بِيَدِهِ (ف) ، أَوْ يَتَمَطَّى، أَوْ يَتَثَاءَبَ، أَوْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ، أَوْ يَعُدَّ التَّسْبِيحَ أَوِ الْآيَاتِ (سم) وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ قَرَأَ مِنَ الْمُصْحَفِ (سم) فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَنَّ أَوْ تَأَوَّهَ أَوْ بَكَى بِصَوْتٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلِأَنَّهَا جِلْسَةُ الْجَبَابِرَةِ حَتَّى قَالْوا: يُكْرَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ أَيْضًا.
(أَوْ يَقْلِبَ الْحَصَى) لِأَنَّهُ عَبَثٌ.
(إِلَّا لِضَرُورَةٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يَا أَبَا ذَرٍّ مَرَّةً أَوْ ذَرْ» .
(أَوْ يَرُدَّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ.
(أَوْ بِيَدِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السَّلَامِ.
(أَوْ يَتَمَطَّى أَوْ يَتَثَاءَبَ) لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنِ التَّثَاؤُبِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ غَلَبَهُ كَظَمَ مَا اسْتَطَاعَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ» ، بِذَلِكَ أَمَرَ ﵊.
(أَوْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ) لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْهُ.
(أَوْ يَعُدَّ التَّسْبِيحَ أَوِ الْآيَاتِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْهُ مِثْلَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِقِرَاءَةِ آيَاتٍ مَعْدُودَاتٍ فِي الصَّلَاةِ وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْعَدِّ ; وَعَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ سُومِحَ فِيهِ مَا لَا يَتَسَامَحُ فِي الْفَرْضِ ; وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَدَّهُ بِيَدِهِ يُخِلُّ بِالْوَضْعِ الْمَسْنُونِ فَأَشْبَهَ الْعَبَثَ ; وَقَدْ قَالَ ﵊: «كَفُّوا أَيْدِيَكُمْ فِي الصَّلَاةِ» ، وَإِنْ عَدَّهُ بِقَلْبِهِ يَشْغَلُهُ عَنِ الْخُشُوعِ فَأَشْبَهَ التَّفَكُّرَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا. وَأَمَّا الْعَدَدُ الْمَسْنُونُ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَعُدَّهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَيَقْرَأَ فِيهَا، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْعَدَدِ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «اقْتُلُوهُمَا وَلَوْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ» .
قَالَ: (وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ قَرَأَ مِنَ الْمُصْحَفِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) أَمَّا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فَلِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ لَيْسَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْكَلَامُ فَلِقَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ مِنَ الْمُصْحَفِ، فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا تُفْسِدُ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ فَلَا يُفْسِدُهَا إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ تَشَبَّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ. وَلَهُ إِنْ كَانَ يَحْمِلُهُ فَهُوَ عَمَلٌ كَثِيرٌ لِأَنَّهُ حَمْلٌ وَتَقْلِيبُ الْأَوْرَاقِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهُ تَعَلُّمٌ وَإِنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَيُفْسِدُهَا كَمَا لَوْ تَعَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِذَا أَنَّ أَوْ تَأَوَّهَ أَوْ بَكَى بِصَوْتٍ) لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ) لِأَنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ الْخُشُوعِ.
стр. 59
وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ تَوَضَّأَ وَبَنَى (ف) ، وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ إِمَامًا اسْتَخْلَفَ (ف) ، وَإِنْ جُنَّ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَ، وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ (ف) ، وَإِنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ تَمَّتْ (ف) صَلَاتُهُ.
فَصْلٌ
وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ إِذَا ذَكَرَهَا كَمَا فَاتَتْ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[حكم من سبقه الحدث وهو في الصلاة]
فَصْلٌ
(وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ تَوَضَّأَ وَبَنَى) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فلِيَنْصَرِفْ وَلِيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» ، فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إِنْ شَاءَ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَتَمَّهَا فِي مَنْزِلِهِ، وَالْمُقْتَدِي وَالْإِمَامُ يَعُودَانِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ فَيَتَخَيَّرَانِ. (وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) لِخُرُوجِهِ عَنِ الْخِلَافِ، وَلِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بِأَفْعَالٍ لَيْسَتْ مِنْهَا; وَقِيلَ إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مُقْتَدِيًا فَالْبِنَاءُ أَوْلَى إِحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَإِنْ كَانَ إِمَامًا اسْتَخْلَفَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا إِمَامٍ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَنْظُرْ رَجُلًا لَمْ يَسْبِقْ بشيءٍ فَلْيُقَدِّمْهُ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ» ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ إِذَا فَعَلَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْمَشْيِ وَالِاغْتِرَافِ حَتَّى لَوِ اسْتَقَى أَوْ خَرَزَ دَلْوَهُ، أَوْ وَصَلَ إِلَى نَهْرٍ فَجَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ.
قَالَ: (وَإِنْ جُنَّ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَ) لِأَنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نَادِرٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَلِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلصَّلَاةِ، وَكَذَا إِذَا نَظَرَ فَأَنْزَلَ.
قَالَ: (وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ سِوَى السَّلَامِ.
(وَإِنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْبِنَاءُ لِمَكَانِ التَّعَمُّدِ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ; وَلَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ خَارِجٍ أَوْ شُجَّ رَأْسُهُ لَا يَبْنِي. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَبْنِي كَمَا إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ. قُلْنَا هَاهُنَا يَنْصَرِفُ مَعَ قِيَامِ الْوُضُوءِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
[بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ]
فَصْلٌ (وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ إِذَا ذَكَرَهَا كَمَا فَاتَتْ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا لِقَوْلِهِ ﵊:
стр. 60
وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْوَقْتِيَّةِ إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَهَا، وَيُرَتِّبُ الْفَوَائِتَ فِي الْقَضَاءِ وَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِالنِّسْيَانِ، وَخَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِيَّةِ، وَأَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسٍ (ز) وَإِذَا سَقَطَ التَّرْتِيبُ لَا يَعُودُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتَهَا لَا وَقْتَ لَهَا غَيْرُهُ» ، وَقَوْلُهُ: كَمَا فَاتَتْ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ.
قَالَ: (يُقَدِّمُهَا عَلَى الْوَقْتِيَّةِ إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَهَا، وَيُرَتِّبَ الْفَوَائِتَ فِي الْقَضَاءِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ بَيْنَ الْفَائِتَةِ وَالْوَقْتِيَّةِ وَبَيْنَ الْفَوَائِتِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْأَمَامِ ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ» ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّرْتِيبُ شَرْطًا لَمَا أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ فَاتَتْهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ وَقَالَ: " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
قَالَ: (وَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِالنِّسْيَانِ، وَخَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِيَّةِ، وَأَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسٍ) أَمَّا النِّسْيَانُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» الْحَدِيثَ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ وَقْتَ الْفَائِتَةَ وَقْتُ التَّذَكُّرِ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا فَهُمَا صَلَاتَانِ لَمْ يَجْمَعْهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ، وَأَمَّا خَوْفُ فَوْتِ الْوَقْتِيَّةِ فَلِأَنَّ الْحِكْمَةَ لَا تَقْتَضِي إِضَاعَةَ الْمَوْجُودِ فِي طَلَبِ الْمَفْقُودِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْوَقْتِيَّةِ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالتَّرْتِيبُ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ عَمِلَ بِهَا وَإِنْ ضَاقَ فَالْعَمَلُ بِالْكِتَابِ أَوْلَى; وَأَمَّا كَثْرَةُ الْفَوَائِتِ فَحَدُّهُ دُخُولُ وَقْتِ السَّابِعَةِ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ بِالتَّكْرَارِ، وَالتَّكْرَارُ بِوُجُوبِ السَّادِسَةِ، وَوُجُوبُهَا بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّكْرَارُ بِدُخُولِ وَقْتِ السَّابِعَةِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا أَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسٍ، لِأَنَّهُ مَتَى زَادَتِ الْفَوَائِتُ عَلَى خَمْسٍ تَكُونُ سِتًّا، وَمَتَى صَارَتْ سِتًّا دَخَلَ وَقْتُ السَّابِعَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا دَخَلَ وَقْتُ السَّادِسَةِ سَقَطَ التَّرْتِيبُ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ كَثِيرٌ، وَجِنْسُ الصَّلَاةِ خَمْسٌ، وَهَذَا فِي الْفَوَائِتِ الْحَدِيثَةِ، أَمَّا الْقَدِيمَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُضَمُّ إِلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ، وَقِيلَ تُضَمُّ عُقُوبَةً لَهُ.
(وَإِذَا سَقَطَ التَّرْتِيبُ) بِالْكَثْرَةِ هَلْ يَعُودُ إِذَا قَلَّتْ؟ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ: (لَا يَعُودُ) لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ بِاعْتِبَارِهَا فَلَأَنْ يَسْقُطَ فِي نَفْسِهَا أَوْلَى. وَصُوَرَتُهُ لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ شَهْرٍ فَقَضَى ثَلَاثِينَ فَجْرًا ثُمَّ ثَلَاثِينَ ظُهْرًا وَهَكَذَا صَحَّ الْجَمِيعُ، وَلَا يَعُودُ التَّرْتِيبُ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ، وَكَذَا لَوْ قَضَى جَمِيعَ الشَّهْرِ إِلَّا صَلَاةَ يَوْمٍ ثُمَّ صَلَّى الْوَقْتِيَّةَ وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهَا جَازَ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَا تُعَدُّ
стр. 61
وَيَقْضِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْوِتْرَ، وَسُنَّةَ الْفَجْرِ إِذَا فَاتَتْ مَعَهَا، وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ يَقْضِيهَا بَعْدَهَا.
بَابُ النَّوَافِلِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءَ» . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْوَتْرُ فِي الْفَوَائِتِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَرَائِضَ، وَلِأَنَّهَا لَوْ عَدَدْنَاهَا كَمَّلَتِ السِّتَّ، وَلَا يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ فِي الْكَثْرَةِ.
(وَيَقْضِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ) لِمَا رَوَيْنَا.
(وَالْوَتْرُ) لِمَا بَيَّنَا مِنْ وُجُوبِهَا، وَقَالَ ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ وَتْرٍ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ أَوْ إِذَا اسْتَيْقَظَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ نَامَ عَنْ وَتْرٍ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ» ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ.
(وَسُنَّةَ الْفَجْرِ إِذَا فَاتَتْ مَعَهَا) «لِأَنَّهُ ﵊ قَضَاهَا مَعَهَا لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ» . وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقْضِيهَا وَإِنْ فَاتَتْ وَحْدَهَا، لِأَنَّهُ ﵊ قَضَاهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ السُّنَنِ فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ.
(وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ يَقْضِيهَا بَعْدَهَا) قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ إِذَا فَاتَتْهُ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ قَضَاهَا بَعْدَ الظُّهْرِ» ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَهِيَ سُنَّةُ الظُّهْرِ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِيهَا قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ قَبْلَهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَعْدَهَا لِأَنَّهَا فَاتَتْ عَنْ مَحَلِّهَا، فَلَا يُفَوِّتُ الثَّانِيَةَ عَنْ مَحَلِّهَا أَيْضًا، وَهَذَا بِخِلَافِ سُنَّةِ الْعَصْرِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِثْلَهَا فِي التَّأْكِيدِ، وَلِنَهْيِهِ ﵊ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
[بَابُ النَّوَافِلِ]
ِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ» .
فَهَذِهِ مُؤَكَّدَاتٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا، فَقَدْ «قَالَ ﵊ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: " صَلُّوهمَا وَلَوْ أَدْرَكَتْكُمُ الْخَيْلُ» ، وَقَالَ: «هُمَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، رَوَتْهُ عَائِشَةُ حَتَّى كَرِهَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَقَالَ ﵊: «مَنْ تَرَكَ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» .
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا) قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ،
стр. 62
وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتًّا، وَقَبْلَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا (س) ، وَيَلْزَمُ التَّطَوُّعُ بِالشُّرُوعِ مُضِيًّا (ف) وَقَضَاءً (ف) ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» .
(وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَكْعَتَيْنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ ﵊.
(وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتًّا) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بشيءٍ عَدَلْنَ لَهُ عِبَادَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٍ» ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقِيَامِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَضْلٌ كَثِيرٌ، وَقِيلَ هِيَ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ وَتُسَمَّى صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» .
(وَقَبْلَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا) وَقِيلَ: رَكْعَتَيْنِ.
(وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا) وَقِيلَ: رَكْعَتَيْنِ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﵊ «كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا أَرْبَعًا ثُمَّ يَضْطَجِعُ» .
(وَيُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا) هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا» أَرْبَعًا، وَقِيلَ: بَعْدَهَا سِتًّا بِتَسْلِيمَتَيْنِ مَرُوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ مَذُهَبُ أَبِي يُوسُفَ، وَكُلُّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا سُنَّةٌ يُكْرَهُ الْقُعُودُ بَعْدَهَا، بَلْ يَشْتَغِلُ بِالسُّنَّةِ لِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْمَكْتُوبَةِ، وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْعُدُ مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ وَإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى السُّنَّةِ» ، وَلَا يَتَطَوَّعُ مَكَانَ الْفَرْضِ لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ بِسُبْحَتِهِ» ، وَكَذَا يُسُتَحَبُّ لِلْجَمَاعَةِ كَسْرُ الصُّفُوفِ لِئَلَّا يَظُنُّ الدَّاخِلُ أَنَّهُمُ فِي الْفَرْضِ.
قَالَ: (وَيَلْزَمُ التَّطَوُّعُ بِالشُّرُوعِ مُضِيًّا وَقَضَاءً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَقِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ فَيَجِبُ الْمُضِيُّ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ الْفَصْلِ، وَلِقَوْلِهِ ﵊ لِلصَّائِمِ: «أَجِبْ أَخَاكَ وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» ، «وَقَالَ ﵊ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَقَدْ أَفْطَرَتَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ: اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا تَعُودَا» ، وَيَجُوزُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ ﵊ -
стр. 63
فَإِنِ افْتَتَحَهُ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ لِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ (سم) وَيُكْرَهُ. وَصَلَاةُ اللَّيْلِ رَكْعَتَانِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ أَرْبَعٌ أَوْ سِتٌّ (سم ف) أَوْ ثَمَانٍ، وَيُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي النَّهَارِ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعٌ (ف) ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْأَرْبَعُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يُصَلِّي قَاعِدًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ آيَاتٍ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقُعُودِ» ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَرُبَّمَا شَقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَجَاز لَهُ ذَلِكَ إِحُرَازًا لِلْخَيْرِ، وَهَذَا مِمَّا لَم يُنْقَلُ فِيهِ خِلَافٌ.
قَالَ: (فَإِنِ افْتَتَحَهُ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ لِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ، وَيُكْرَهُ) وَقَالَا: لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالنَّذْرِ. وَلَهُ أَنَّ فَوَاتَ الْقِيَامِ لَا يُبْطِلُ التَّطَوُّعَ ابْتِدَاءً فَكَذَا بَقَاءً، وَهَذَا لِأَنَّ الْقِيَامَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ فَلَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالْتِزَامِهِ صَرِيحًا كَالتَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ، وَلِهَذَا خَالَفَ النَّذْرَ.
قَالَ: (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ رَكْعَتَانِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ أَرْبَعٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ ثَمَانٍ) وَكُلُّ ذَلِكَ نُقِلَ فِي تَهَجُّدِهِ ﵊.
(وَيُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ كَالثَّمَانِ.
قَالَ: (وَفِي النَّهَارِ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعٌ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْأَرْبَعُ) وَقَالَا: الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ الْمَثْنَى اعْتِبَارًا بِالتَّرَاوِيحِ، وَلِقَوْلِهِ ﵊: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَبَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَسَلِّمْ، وَلَهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: «كَانَ ﵊ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا لَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ أَرْبَعًا لَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ» . وَكَانَ ﵊ يُوَاظِبُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَلِأَنَّهَا أَدْوَمُ تَحْرِيمَةٍ، فَكَانَ أَشَقَّ فَتَكُونُ أَفْضَلَ. قَالَ ﵊: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا. أَمَّا التَّرَاوِيحُ فَتُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَكَانَ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: «مَثْنَى مَثْنَى» مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ عَلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَسَمَّاهُ مَثْنَى لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
стр. 64
وَلَا يَزِيدُ فِي النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ، وَطُولُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ، وَالْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ.
فَصْلٌ
التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِتَشَهُّدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ: " أَنَّهُ ﵊ «كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْنَاهُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالتَّشَهُّدِ.
(وَلَا يَزِيدُ فِي النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ.
قَالَ: (وَطُولُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " طُولُ الْقُنُوتِ» ; لِأَنَّهُ أَشَقُّ وَلِأَنَّ فِيهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ. قَالَ: (والْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ) لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ صَلَاةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ سِوَى شَفْعٍ وَاحِدٍ، وَالْقِيَامُ إِلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ حَتَّى قَالْوا يُسْتَحَبُّ الِاسْتِفْتَاحُ فِي الثَّالِثَةِ. وَيَجُوزُ لِلرَّاكِبِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ يُومِئُ إِيمَاءً إِذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ يُومِئُ إِيمَاءً» . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَنْزِلُ لِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لِأَنَّهُمَا آكَدُ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ أَيْضًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الرُّكُوبِ فِيهِ أَغْلَبُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْمِصْرُ.
[بَابُ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ]
فَصْلٌ (التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَهَا فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، وَبَيَّنَ الْعُذْرَ فِي تَرْكِ الْمُوَاظَبَةِ وَهُوَ خَشْيَةُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْنَا، وَوَاظَبَ عَلَيْهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. قَالَ ﵊: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» .
وَرَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ التَّرَاوِيحِ وَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ؟ فَقَالَ: التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَمْ يَتَخَرَّصْهُ عُمَرُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبْتَدِعًا، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ إِلَّا عَنْ أَصْلٍ لَدَيْهِ وَعَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَقَدْ سَنَّ عُمَرُ هَذَا وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصَلَّاهَا جَمَاعَةً وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ:
стр. 65
وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءَ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ، كُلُّ تَرْوِيحَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بتَسْلِيمَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارَ تَرْوِيحَةٍ، وَكَذَا بَعْدَ الْخَامِسَةِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ، وَلَا يُصَلَّى الْوِتْرُ بِجَمَاعَةٍ إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيُكْرَهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ. وَالسُّنَّةُ خَتْمُ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ مَرَةً وَاحِدَةً،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْعَبَّاسُ وَابْنُهُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَمُعَاذٌ وَأُبَيٌّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَا رَدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمُ، بَلْ سَاعَدُوهُ وَوَافَقُوهُ وَأَمَرُوا بِذَلِكَ. وَالسُنَّةُ إِقَامَتُهَا بِجَمَاعَةٍ لَكِنْ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَلَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مَسْجِدٍ أَسَاءُوا، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَفْرَادٌ وَصَلَّوْا فِي مَنَازِلِهِمُ لَمْ يَكُونُوا مُسِيئِينَ.
قَالَ: (وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ كُلُّ تَرْوِيحَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، يَجْلِسُ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارَ تَرْوِيحَةٍ، وَكَذَا بَعْدَ الْخَامِسَةِ ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ) هَكَذَا صَلَّى أُبَيٌّ بِالصَّحَابَةِ، وَهُوَ عَادَةُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ.
(وَلَا يُصَلَّى الْوِتْرُ بِجَمَاعَةٍ إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا قَنَتَ فِي الْوَتْرِ لَا يَجْهَرُ، وَيَقْنُتُ الْمُقْتَدِي أَيْضًا لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِ الْإِخْفَاءُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجْهَرُ الْإِمَامُ وَيُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ، وَلَا يَقْرَأُ لِشَبَهِهِ بِالْقُرْآنِ، وَاخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَمْ لَا؟ وَالْمُنْفَرِدُ إِنْ شَاءَ جَهَرَ، وَإِنْ شَاءَ خَفَتَ، وَالْمَسْبُوقُ فِي الْوَتْرِ إِذَا قَنَتَ مَعَ الْإِمَامِ لَا يَقْنُتُ ثَانِيًا فِيمَا يَقْضِي لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مَعَ الْإِمَامِ مُتَابَعَةً لَهُ فَصَارَ مَوْضِعًا لَهُ، فَلَوْ قَنَتَ ثَانِيًا يَكُونُ تَكْرَارًا لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ فِي التَّرَاوِيحِ عَلَى التَّشَهُّدِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُثْقِلُ عَلَى الْجَمَاعَةِ يَزِيدُ، وَيَأْتِي بِالدُّعَاءِ وَيَأْتِي بِالثَّنَاءِ عَقِيبَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ هُوَ الصَّحِيحُ حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ لَا يَجُوزُ، وَبَعْدَ الْوَتْرِ يَجُوزُ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْعِشَاءِ دُونَ الْوَتَرِ، وَالْأَفْضَلُ اسْتِيعَابُ أَكْثَرَ اللَّيْلِ بِهَا لِأَنَّهَا قِيَامُ اللَّيْلِ، وَيَنْوِي التَّرَاوِيحَ أَوْ سُنَّةَ اللَّيْلِ أَوْ قِيَامَ رَمَضَانَ. (وَيُكْرَهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) لِزِيَادَةِ تَأَكُّدِهَا.
(وَالسُنَّةُ خَتْمُ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ لِيَقَعَ لَهُ
стр. 66
وَالْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ الْمَنْزِلُ إِلَّا التَّرَاوِيحَ.
فَصْلٌ
صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَانِ كَهَيْئَةِ (ف) النَّافِلَةِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَجْهَرُ (ف) وَلَا يَخْطُبُ (ف) ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا، وَيَدْعُونَ بَعْدَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ، وَفِي خُسُوفِ الْقَمَرِ يُصَلِّي كُلٌّ وَحْدَهُ (ف) ، وَكَذَا فِي الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَخَوْفِ الْعَدُوِّ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْخَتْمُ، وَالْأَفْضَلُ فِي زَمَانِنَا مِقْدَارُ مَا لَا يُؤَدِّي إِلَى تَنْفِيرِ الْقَوْمِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَالْأَفْضَلُ تَعْدِيلُ الْقِرَاءَةِ بَيْنَ التَّسْلِيمَاتِ، وَكَذَا بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي التَّسْلِيمَةِ.
(وَالْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ الْمَنْزِلُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» .
قَالَ: (إِلَّا التَّرَاوِيحَ) لِأَنَّهَا شُرِعَتْ فِي جَمَاعَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ]
فَصْلٌ
(صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَانِ كَهَيْئَةِ النَّافِلَةِ) لِمَا رَوَى جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَسَمُرَةُ وَالْأَشْعَرِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ كَهَيْئَةِ صَلَاتِنَا وَلَمْ يَجْهَرْ فِيهِمَا» ، وَاعْتِبَارًا لَهَا بِغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ. وَقَالَ ﵊ «لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ: " إِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ» ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: (وَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُ الْجُمُعَةِ) لِأَنَّهُ اجْتِمَاعٌ فَيُشْتَرَطُ نَائِبُ الْإِمَامِ تَحَرُّزًا عَنِ الْفِتْنَةِ كَالْجُمُعَةِ.
(وَلَا يَجْهَرُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَخْطُبُ) لِأَنَّهَا لَمْ تُنْقَلْ، وَيُطَوِّلُ بِهِمُ الْقِرَاءَةَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَامَ فِي الْأُولَى بِقَدْرِ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِقَدْرِ آلِ عِمْرَانَ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْفُرَادَى، وَتَحَرُّزًا عَنِ الْفِتْنَةِ.
(وَيَدْعُونَ بَعْدَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ) هَكَذَا فِعْلُهُ ﷺ .
وَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَفْزَاعِ فَارْغَبُوا إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ» .
(وَفِي خُسُوفِ الْقَمَرِ يُصَلِّي كُلٌّ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ يَكُونُ لَيْلًا فَيُتَعَذَّرُ الِاجْتِمَاعُ. (وَكَذَا فِي الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَخَوْفِ الْعَدُوِّ) لِمَا رَوَيْنَا.
стр. 67
فَصْلٌ لَا صَلَاةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ (ف سم) ، لَكِنِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَإِنْ صَلَّوْا فُرَادَى فَحَسَنٌ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فصل لا صَلَاةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ]
ِ، لَكِنِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَإِنْ صَلَّوْا فُرَادَى فَحَسَنٌ) قَالَ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] عَلَّقَ إِرْسَالَ الْمَطَرِ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: «أَنَّ أَعْرَابَيًّا دَخَلَ عَلَيْهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْكُرَاعُ وَالْمَوَاشِي، وَأَجْدَبَتِ الْأَرْضُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا، قَالَ أَنَسٌ: وَالسَّمَاءُ كَأَنَّهَا زُجَاجَةٌ لَيْسَ بِهَا قَزَعَةٌ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَمَطَرَتْ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ لَتَهُمُّهُ نَفْسُهُ حَتَّى عَادَ إِلَى بَيْتِهِ، وَمُطِرْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ الْقَابِلَةِ» ، وَلِأَنَّهُ ﵊ صَلَّاهَا مَرَةً وَتَرَكَهَا أُخْرَى فَلَا تَكُونُ سُنَّةً.
стр. 68
وَلَا يَخْرُجُ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ.
بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ وَيَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ (ف) سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَسْقَى بِدُعَاءِ الْعَبَّاسِ، وَقَالَ: لَقَدِ اسْتَسْقَيْتُ لَكُمْ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي يُسْتَنْزَلُ بِهَا الْغَيْثُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ مُتَنَكِّبًا قَوْسًا أَوْ مُعْتَمِدًا عَلَى سَيْفِهِ. وَرَوَى ابْنُ كَاسٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكَبِّرُ كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵊ «صَلَّى فِي الِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ» .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُكَبِّرُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ لَمْ يُكَبِّرْ إِلَّا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ» ، وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْأَفْزَاعِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِالدُّعَاءِ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الدُّعَاءِ وَيَقْلِبُ رِدَاءَهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَلَبَ رِدَاءَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسَنُّ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْعِيَةِ، وَتَقْلِيبُ الرِّدَاءِ أَنْ يَجْعَلَ جَانِبَ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَالْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَدْعُو قَائِمًا وَالنَّاسُ قُعُودٌ مُسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ. وَرُوِيَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَلَا يَخْرُجُ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَهَى عَنْهُ، وَلِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْكُفَّارِ مَظِنَّةُ نُزُولِ اللَّعْنَةِ فَلَا يَخْرُجُونَ عِنْدَ طَلَبِ الرَّحْمَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] .
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
ِ سُجُودُ السَّهْوِ وَاجِبٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ سُنَّةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ شُرِعَ لِنَقْصِ تَمَكُّنٍ فِي الصَّلَاةِ وَرَفْعُهُ وَاجِبٌ فَيَكُونُ وَاجِبًا، وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ دُونَ السُّنَّةِ، وَوَجَبَ نَظَرًا لِلْمَعْذُورِ بِالسَّهْوِ لَا لِلْمُتَعَمِّدِ.
قَالَ: (وَيَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) قَالَ ﵊: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» . وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: «أَنَّهُ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ» ، ثُمَّ قِيلَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ، وَقِيلَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً وَهُوَ الْأَحْسَنُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ سَاجِدًا وَيُسَبِّحُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَيَفْعَلُ
стр. 69
وَيَجِبُ إِذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا، أَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ بِهِ أَوْ عَكَسَ (ف) ، وَلَا يَلْزَمُ لِتَرْكِ ذِكْرٍ إِلَّا الْقِرَاءَةَ وَالتَّشَهُّدَيْنِ وَالْقُنُوتَ وَتَكْبِيرَاتِ (ف) الْعِيدَيْنِ، وَإِنْ قَرَأَ فِي الرُّكُوعِ أَوِ الْقُعُودِ سَجَدَ للسَّهْوِ، وَإِنْ تَشَهَّدَ فِي الْقِيَامِ أَوِ الرُّكُوعِ لَا يَسْجُدُ، وَمَنْ سَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَكْفِيهِ سَجْدَتَانِ، وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فَسَجَدَ سَجَدَ الْمَأْمُومُ وَإِلَا فَلَا (ف) ، وَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَا يَسْجُدَانِ، وَالْمَسْبُوقُ يَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقْضِي، وَمَنْ سَهَا عَنِ الْقَعْدَةِ الْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَهُوَ إِلَى الْقُعُودِ أَقْرَبُ عَادَ وَتَشَهَّدَ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ذَلِكَ ثَانِيًا، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيَأْتِي بِالدُّعَاءِ ; لِأَنَّ مَوْضِعَ الدُّعَاءِ آخِرُ الصَّلَاةِ، وَهَذَا آخِرُهَا.
قَالَ: (وَيَجِبُ إِذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا) كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَحَلِّهِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلسَّهْوِ، لِأَنَّهُ ﵊ قَامَ إِلَى الْخَامِسَةِ فَسُبِّحَ بِهِ فَعَادَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ.
قَالَ: (أَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ بِهِ أَوْ عَكَسَ) لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ وَاجِبٌ فِي مَوْضِعِهمَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مِقْدَارُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ قَلِيلٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
قَالَ: (وَلَا يَلْزَمُ لِتَرْكِ ذِكْرٍ إِلَّا الْقِرَاءَةَ وَالتَّشَهُّدَيْنِ وَالْقُنُوتَ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَذْكَارِ كَالتَّكْبِيرَاتِ وَالتَّسْبِيحِ سُنَّةٌ.
(وَإِنْ قَرَأَ فِي الرُّكُوعِ أَوِ الْقُعُودِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ تَشَهَّدَ فِي الْقِيَامِ أَوِ الرُّكُوعِ لَا يَسْجُدُ) ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقُعُودَ وَالرُّكُوعَ لَيْسَا مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ فَكَانَ تَغْيِيرًا فَيَجِبُ، وَالْقِيَامُ مَحَلُّ الثَّنَاءِ فَلَا تَغْيِيرَ فَلَا يَجِبُ. وَقِيلَ إِنْ بَدَأَ فِي الْقُعُودِ بِالتَّشَهُّدِ ثُمَّ بِالْقِرَاءَةِ فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَلَّمَ سَاهِيًا قَبْلَ التَّمَامِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوْضِعِهِ.
(وَمَنْ سَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَكْفِيهِ سَجْدَتَانِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ يُجْزِيَانِ عَنْ كُلِّ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ» قَالَ: (وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فَسَجَدَ سَجَدَ الْمَأْمُومُ وَإِلَّا فَلَا) تَحْقِيقًا لِلْمُوَافَقَةِ وَنَفْيًا لِلْمُخَالَفَةِ.
(وَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَا يَسْجُدَانِ) وَلَا أَحَدُهُمَا، لِأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ الْمُؤْتَمُّ فَقَدْ خَالَفَ إِمَامَهُ، وَإِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ الْمَوْضُوعِ وَهُوَ تَبَعِيَّةُ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ.
قَالَ: (وَالْمَسْبُوقُ يَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ) لِلْمُوَافَقَةِ.
(ثُمَّ يَقْضِي) مَا عَلَيْهِ; وَلَوْ سَهَا فِي الْقَضَاءِ يَسْجُدُ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ، وَلَوْ سَهَا اللَّاحِقُ فِي الْقَضَاءِ لَا يَسْجُدُ لِأَنَّهُ مُؤْتَمٌّ كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلَوْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ يَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَيَسْجُدُ إِذَا فَرَغَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ آخِرُ الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ، وَالْمُقِيمُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْبُوقِ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ.
قَالَ: (وَمَنْ سَهَا عَنِ الْقَعْدَةِ الْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَهُوَ إِلَى الْقُعُودِ أَقْرَبُ عَادَ وَتَشَهَّدَ) لِأَنَّ مَا يَقْرُبُ مِنَ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ هُوَ
стр. 70
وَإِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يَعُدْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ سَهَا عَنِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَامَ عَادَ مَا لَمْ يَسْجُدْ، فَإِنْ سَجَدَ ضَمَّ إِلَيْهَا سَادِسَةً (ف) وَصَارَتْ نَفْلًا، وَإِنْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ قَامَ عَادَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ سَجَدَ فِي الْخَامِسَةِ تَمَّ فَرْضُهُ، فَيَضُمُّ إِلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً وَيَسْجُدُ لِلسَّهُوِ وَالرَّكْعَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ. وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى وَهُوَ أَوَّلُ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَقْبَلَ (ف) ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ الشَّكُّ كَثِيرًا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (ف) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الصَّحِيحُ كَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ.
(وَإِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يَعُدْ) لِأَنَّهُ كَالْقَائِمِ.
(وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَلِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَ كَذَلِكَ.
قَالَ: (وَإِنْ سَهَا عَنِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَامَ عَادَ مَا لَمْ يَسْجُدْ) لِمَا رُوِّينَا: «أَنَّهُ ﵊ قَامَ إِلَى الْخَامِسَةِ فَسُبِّحِ بِهِ فَعَادَ» وَلِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ رُكْنٌ وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فَيَعُودُ لِيَأْتِيَ بِهِ فِي مَحَلِّهِ لِيَتِمَّ فَرْضُهُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِمَا بَيَّنَّا.
(فَإِنْ سَجَدَ ضَمَّ إِلَيْهَا سَادِسَةً وَصَارَتْ نَفْلًا) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى النَّفْلِ بِالسَّجْدَةِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ صَلَاةٌ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ خُرُوجُهُ مِنَ الْفَرْضِ، فَقَدْ خَرَجَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ رُكْنٌ فَبَطَلَ فَرْضُهُ فَيَضُمُّ إِلَيْهِ سَادِسَةً؛ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِالْخَمْسِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: بَطَلَتِ الصَّلَاةُ أَصْلًا بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى بَطَلَتِ الْفَرْضِيَّةُ بَطَلَ أَصْلُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ فَيَبْطُلُ بِبُطْلَانِهِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَصْفِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِصَلَاةٍ هِيَ فَرْضٌ.
قَالَ: (وَإِنْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ قَامَ عَادَ وَسَلَّمَ) لِأَنَّهُ بَقِيَ ﵇ وَمَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَيَعُودُ.
(وَإِنْ سَجَدَ فِي الْخَامِسَةِ تَمَّ فَرْضُهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلْتَهُ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» . (فَيَضُمُّ إِلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَالرَّكْعَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ) لِأَنَّهُ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي النَّفْلِ بَعْدَ إِتْمَامِ الْفَرْضِ فَيَضُمُّ السَّادِسَةَ لِلنَّهْيِ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ وَقَدْ بَقِيَ ﵊ فِي الْفَرْضِ وَقَدْ أَخَّرَهُ عَنْ مَحَلِّهِ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
قَالَ: (وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى وَهُوَ أَوَّلُ مَا عُرِضَ لَهُ اسْتَقْبَلَ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ الشَّكُّ كَثِيرًا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ مُخْتَلِفَةٌ، رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا سَهَا اسْتَقْبَلَ» وَأَنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْهُ ﷺ التَّحَرِّيَ عِنْدَ الشَّكِّ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى كَثْرَةِ الشَّكِّ. وَرَوَى ابْنُ عَوْفٍ وَالْخُدْرِيُّ عَنْهُ الْبِنَاءَ عَلَى الْيَقِينِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ كُلِّهَا، ثُمَّ إِذَا بَنَى يَقْعُدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ الصَّلَاةِ تَحَرُّزًا عَنْ تَرْكِ فَرْضِ الْقَعْدَةِ.
стр. 71
بَابُ سُجُودِ التلاوة وَهُوَ وَاجِبٌ (ف) عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ، وَهِيَ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ، وَالْأُولَى (ف) فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ، وَالم تَنَزِيلُ، وَص (ف) ، وَحم السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ، وَالْعَلَقِ. وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِ الصَّلَاةِ وَتُقْضَى (ف) ، فَإِنْ تَلَاهَا الْإِمَامُ سَجَدَهَا وَالْمَأْمُومُ، وَإِنْ تَلَاهَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدَاهَا (م) ، وَإِنْ سَمِعَهَا مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا، وَإِنْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ سُجُودِ التلاوة]
(وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ) قَالَ ﵊: «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ تَلَاهَا، السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا» وَعَلَى لِلْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ بَعْضَ السَّجَدَاتِ أَمْرٌ فَيَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَبَعْضُهَا ذَمٌّ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَتَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّالِي كَافِرًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ صَبِيًّا عَاقِلًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ سَكْرَان؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَفْصِلْ، وَمَنْ لَا يَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَلَا قَضَاؤُهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَهِيَ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ، وَالْأُولَى فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ، وَالم تَنْزِيلُ، وَص، وَحم السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ، وَالْعَلَقِ) هَكَذَا هِيَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ.
(وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْهَا.
(وَتُقْضَى) لِمَكَانِ الْوُجُوبِ، وَيُكْرَهُ لِلسَّامِعِ إِذَا سَجَدَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ التَّالِي ; لِأَنَّ التَّالِيَ كَالْإِمَامِ وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ الْأَمْرُ عَلَى الْقَوْمِ، فَرُبَّمَا رَكَعَ بَعْضُهُمْ; وَلَوْ قَرَأَهَا وَسَجَدَهَا سَجَدَ الْقَوْمُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوهَا حُكْمًا لِلْمُتَابَعَةِ كَمَا يَلْزَمُهُمْ سَهْوُهُ.
قَالَ: (فَإِنْ تَلَاهَا الْإِمَامُ سَجَدَهَا وَالْمَأْمُومُ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَلَوْ تَلَاهَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدَاهَا) لِمَا بَيَّنَّا فِي السَّهْوِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْجُدُونَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَهُوَ السَّمَاعُ وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ. قُلْنَا هُوَ مَحْجُورٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَا حُكْمَ لِتَصَرُّفِ الْمَحْجُورِ بِخِلَافِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَإِنَّهُمَا مَنْهِيَّانِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَجْرُ لَا، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا.
قَالَ: (وَإِنْ سَمِعَهَا مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا) لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ وَالْحَجْرُ لَا يَعْدُوهُمْ.
قَالَ: (وَإِنْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي مِمَّنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ)
стр. 72
وَمَنْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا سَقَطَتْ، وَمَنْ كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ (ف) وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ.
بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ مُومِيًا إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا (ف) ، أَوْ عَلَى جَنْبِهِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ، وَإِنْ سَجَدُوهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِهِمْ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَاقِصَةً لِلنَّهْيِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا الْكَامِلُ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّهَا لَا تُنَافِي الصَّلَاةَ وَيُعِيدُونَهَا لِمَا بَيَّنَّا وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ تَعَمَّدُوهَا.
قَالَ: (وَمَنْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا سَقَطَتْ) لِأَنَّهَا صَلَاتِيَّةٌ وَهِيَ أَقْوَى مِنَ الْخَارِجِيَّةِ فَلَا تَتَأَدَّى بِهَا، وَلَوْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ رَكَعَ بِهَا وَإِنْ شَاءَ سَجَدَهَا ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ أَفْضَلُ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْخُضُوعَ فِي السُّجُودِ أَكْمَلُ، وَتَتَأَدَّى بِالسَّجْدَةِ الصَّلَاتِيَّةِ لِأَنَّهَا تُوَافِقُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيَنْوِي أَدَاءَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَتَى بِعَيْنِ الْوَاجِبِ، وَلَوْ نَوَاهَا فِي الرُّكُوعِ قِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التِّلَاوَةِ. وَقِيلَ لَا وَتَنُوبُ عَنْهَا السَّجْدَةُ الَّتِي عَقِبَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَهُمَا أَظْهَرُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ: (وَمَنْ كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّكْرَارِ لِلْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ، وَفِي تَكْرَارِ الْوُجُوبِ حَرَجٌ بِهِمْ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّبِيُّ يُسْمِعُهَا أَصْحَابَهُ وَلَا يَسْجُدُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
قَالَ: (وَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ وَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ) اعْتِبَارًا بِالصَّلَاتِيَّةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا تَشَهُّدَ عَلَيْهِ وَلَا سَلَامَ، لِأَنَّهُمَا لِلتَّحْلِيلِ وَلَا تَحْرِيمَ هُنَاكَ.
[بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ]
ِ (إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، أَوْ مُومِيًا إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا) وَقَدَمَاهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ.
(أَوْ عَلَى جَنْبِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إِيمَاءً فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» . وَقَالَ ﵊ -
стр. 73
فَإِنْ رَفَعَ إِلَى رَأْسِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ إِنْ خَفَضَ رَأْسَهُ جَازَ وَإِلَا فَلَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْمَأَ قَاعِدًا (ف) ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ، وَلَا يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ (زف) ، وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبِهِ (زف) ، وَلَوْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ كَالْعَجْزِ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَلَوْ شَرَعَ مُومِيًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَقْبَلَ (زف) وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا (ف) ، وَلَا يَقْضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِكَ» ، وَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَالْأَفْضَلُ الِاسْتِلْقَاءُ لِيَقَعَ إِيمَاؤُهُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَيَجْعَلُ الْإِيمَاءَ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ اعْتِبَارًا بِهِمَا.
(فَإِنْ رَفَعَ إِلَى رَأْسِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ إِنْ خَفَضَ رَأْسَهُ جَازَ) لِحُصُولِ الْإِيمَاءِ.
(وَإِلَّا فَلَا) يَجُوزُ لِعَدَمِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْمَأَ قَاعِدًا) لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الْقِيَامِ لِأَجْلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ; لِأَنَّ نِهَايَةَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ فِيهِمَا، وَلِهَذَا شُرِعَ السُّجُودُ بِدُونِ الْقِيَامِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالسَّهْوِ وَلَمْ يُشْرَعِ الْقِيَامُ وَحْدَهُ، وَإِذَا سَقَطَ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّةِ الْقِيَامِ سَقَطَ الْقِيَامُ; وَلَوْ صَلَّى قَائِمًا مُومِيًا جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ.
قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ) لِمَا رَوَيْنَا، فَإِنْ مَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَرِئَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا غَيْرَ نَفْيًا لِلْحَرَجِ كَمَا فِي الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ بِخِلَافِ النَّوْمِ حَيْثُ يَقْضِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَدُّ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ غَالِبًا.
قَالَ: (وَلَا يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) لِأَنَّ فَرْضَ السُّجُودِ لَا يَتَأَدَّى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا يَجُوزُ بِهَا الْإِيمَاءُ كَمَا لَوْ أَوْمَأَ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ بِخِلَافِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ السُّجُودِ. وَقَالَ زُفَرُ: يُومِئُ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ بَعْضُ الْفَرَائِضِ وَهُوَ النِّيَّةُ وَالْإِخْلَاصُ فَيُؤَدَّى بِهِ الْبَاقِي. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِيمَاءَ بِالْقَلْبِ النِّيَّةُ وَلَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ الْجَوَارِحِ كَالْحَجِّ.
قَالَ: (وَلَوْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ كَالْعَجْزِ قَبْلَ الشُّرُوعِ) مَعْنَاهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ أَتَمَّهَا قَاعِدًا، وَإِنْ عَجَزَ فَمُسْتَلْقِيًا لِأَنَّهُ بِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ، وَإِنْ شَرَعَ قَاعِدًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بَنَى خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ تَجُوزُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ. (وَلَوْ شَرَعَ مُومِيًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَقْبَلَ) لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَلَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا، وَلَا يَقْضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) نَفْيًا لِلْحَرَجِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْكَثْرَةِ بِالتَّكْرَارِ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَالْخُدْرِيِّ.
مَرِيضٌ مَجْرُوحٌ تَحْتَهُ ثِيَابٌ نَجِسَةٌ وَكُلَّمَا بُسِطَ تَحْتَهُ شَيْءٌ تَنَجَّسَ مِنْ سَاعَتِهِ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ مُسْتَلْقِيًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ لَا يَتَنَجَّسُ لَكِنَّهُ يَزْدَادُ مَرَضُهُ
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِتَحْرِيكِهِ بِأَنْ بَزَغَ الْمَاءُ مِنْ عَيْنِهِ دَفْعًا لِزِيَادَةِ الْحَرَجِ.
مَرِيضٌ رَاكِبٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْ يُنَزِّلُهُ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ رَاكِبًا بِإِيمَاءٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّزُولِ لِمَرَضٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ طِينٍ أَوْ عَدُوٍّ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ فِي مَسِيرٍ فَانْتَهَوْا إِلَى مَضِيقٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَمُطِرُوا السماء مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبَلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَأَذَّنَ ﷺ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَقَامَ، فَتَقَدَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً، فَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ» ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّزُولِ سَقَطَ عَنْهُ كَحَالَةِ الْخَوْفِ، وَإِذَا جَازَ لَلصَّلَاةِ رُكْبَانًا، فَفَرْضُهُمُ الْإِيمَاءُ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلِمَا رُوِّينَا، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَجْلِ الطِّينِ صَلَّى قَائِمًا بِإِيمَاءٍ لِلْعَجْزِ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِذَا صَلَّى رَاكِبًا يُوقِفُ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّ فِي السَّيْرِ انْتِقَالًا وَاخْتِلَافًا لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِيقَافُهَا جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَ السَّيْرِ كَمَا فِي حَالَةِ الْخَوْفِ.
وَمَنْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الشَّطِّ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْخُرُوجُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ أَجْزَأَهُ لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُوثَقَةً بِالشَّطِّ صَلَّى قَائِمًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مُسْتَقِرٌّ فِي أَرْضِ السَّفِينَةِ فَيَأْتِي بِالْأَرْكَانِ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً يُصَلِّي قَائِمًا، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ وَقَالَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَتْ مَرْبُوطَةً.
وَلَهُ مَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ قَالَ: أَمَّنَا أَنَسٌ فِي نَهْرِ مَعْقِلٍ عَلَى بِسَاطِ السَّفِينَةِ جَالِسًا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ، وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ كَمَا فِي السَّفَرِ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ الْمَشَقَّةَ كَانَ كَالْمُتَحَقِّقِ فِي حَقِّ الرُّخْصَةِ كَذَا هُنَا، بِخِلَافِ الْمَرْبُوطَةِ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ حُكْمَ الْأَرْضِ، فَإِنِ اسْتَدَارَتِ السَّفِينَةُ وَهِيَ سَائِرَةٌ اسْتَدَارَ إِلَى الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَتْ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَلَا يَسْقُطُ كَالْمُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ يَقْطَعُهُ عَنْ طَرِيقِهِ فَيَسْقُطُ لِلْعُذْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 75
بَابُ صَلَاةِ الْمسافر وَفَرْضُهُ فِي كُلِّ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَانِ (ف) ، وَيَصِيرُ مُسَافِرًا إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْمِصْرِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَلِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِي الْبَحْرِ اعْتِدَالُ الرِّيَاحِ، وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ (ف) يَوُمًا فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ صَلَاةِ المسافرِ]
ِ (وَفَرْضُهُ فِي كُلِّ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَانِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْأَصْلِ رَكْعَتَيْنِ، فَزِيدَتْ فِي الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ فِي السَّفَرِ» وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا تَوْقِيفًا. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: «صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ » - ". وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيكُمُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ. أَمَّا الْفَجْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْوَتْرُ فَلَا قَصْرَ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ أَتَمَّ الْأَرْبَعَ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ، لِأَنَّهُ ﷺ «لَمَّا صَلَّى بِأَهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: " أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» ، فَإِنْ قَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ أَجْزَأَهُ اثْنَتَانِ عَنِ الْفَرْضِ، وَقَدْ أَسَاءَ لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَرَكْعَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ لِزِيَادَتِهَا عَلَى الْفَرْضِ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ بَطَلَ فَرْضُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَهُوَ الْقَعْدَةُ آخِرَ الصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَيَصِيرُ مُسَافِرًا إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْمِصْرِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا إِلَّا إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمِصْرِ، وَقَدْ قَالَتِ الصَّحَابَةُ لَوْ فَارَقْنَا هَذَا الْخُصَّ لَقَصَرْنَا. وَأَمَّا التَّقْدِيرُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ حُكْمِ جَمِيعِ الْمُسَافِرِينَ لِيَكُونَ أَعَمَّ فَائِدَةً، فَيَتَنَاوَلُ كُلُّ مُسَافِرٍ سَفَرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْتَوْعِبَ الْحُكْمُ الْجَمِيعَ، وَلَوْ كَانَ السَّفَرُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَبَقِيَ مِنَ الْمُسَافِرِينَ مَنْ لَمْ يُبَيَّنْ حُكْمُهُ، وَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْجِنْسِ فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ كُلُّ مُسَافِرٍ، وَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا.
قَالَ: (بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ) لِأَنَّهُ الْوَسَطُ الْمُعْتَادُ، فَإِنَّ السَّيْرَ فِي الْمَاءِ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ، وَعَلَى الْعَجَلِ فِي غَايَةِ الْإِبْطَاءِ، فَاعْتَبَرْنَا الْوَسَطَ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ.
قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَلِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِي الْبَحْرِ اعْتِدَالُ الرِّيَاحِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْوَسَطُ، وَهُوَ أَنْ لَا تَكُونَ الرِّيَاحُ غَالِبَةً وَلَا سَاكِنَةً، فَيَنْظُرُ كَمْ يَسِيرُ فِي مِثْلِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيُجْعَلُ أَصْلًا.
قَالَ: (وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ) لِأَنَّ السَّفَرَ إِذَا صَحَّ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ إِلَّا بِالْإِقَامَةِ، وَالْإِقَامَةُ
следующие страницы →