← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1066

الاختيار لتعليل المختار

ابن مودود الموصلي

Полный текст (834 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بَابُ سُجُودِ التلاوة وَهُوَ وَاجِبٌ (ف) عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ، وَهِيَ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ، وَالْأُولَى (ف) فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ، وَالم تَنَزِيلُ، وَص (ف) ، وَحم السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ، وَالْعَلَقِ. وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِ الصَّلَاةِ وَتُقْضَى (ف) ، فَإِنْ تَلَاهَا الْإِمَامُ سَجَدَهَا وَالْمَأْمُومُ، وَإِنْ تَلَاهَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدَاهَا (م) ، وَإِنْ سَمِعَهَا مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا، وَإِنْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] [بَابُ سُجُودِ التلاوة] (وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ) قَالَ ﵊: «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ تَلَاهَا، السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا» وَعَلَى لِلْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ بَعْضَ السَّجَدَاتِ أَمْرٌ فَيَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَبَعْضُهَا ذَمٌّ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَتَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّالِي كَافِرًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ صَبِيًّا عَاقِلًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ سَكْرَان؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَفْصِلْ، وَمَنْ لَا يَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَلَا قَضَاؤُهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ. قَالَ: (وَهِيَ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ، وَالْأُولَى فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ، وَالم تَنْزِيلُ، وَص، وَحم السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ، وَالْعَلَقِ) هَكَذَا هِيَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ. (وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْهَا. (وَتُقْضَى) لِمَكَانِ الْوُجُوبِ، وَيُكْرَهُ لِلسَّامِعِ إِذَا سَجَدَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ التَّالِي ; لِأَنَّ التَّالِيَ كَالْإِمَامِ وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ الْأَمْرُ عَلَى الْقَوْمِ، فَرُبَّمَا رَكَعَ بَعْضُهُمْ; وَلَوْ قَرَأَهَا وَسَجَدَهَا سَجَدَ الْقَوْمُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوهَا حُكْمًا لِلْمُتَابَعَةِ كَمَا يَلْزَمُهُمْ سَهْوُهُ. قَالَ: (فَإِنْ تَلَاهَا الْإِمَامُ سَجَدَهَا وَالْمَأْمُومُ) لِمَا بَيَّنَّا. (وَلَوْ تَلَاهَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدَاهَا) لِمَا بَيَّنَّا فِي السَّهْوِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْجُدُونَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَهُوَ السَّمَاعُ وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ. قُلْنَا هُوَ مَحْجُورٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَا حُكْمَ لِتَصَرُّفِ الْمَحْجُورِ بِخِلَافِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَإِنَّهُمَا مَنْهِيَّانِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَجْرُ لَا، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا. قَالَ: (وَإِنْ سَمِعَهَا مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا) لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ وَالْحَجْرُ لَا يَعْدُوهُمْ. قَالَ: (وَإِنْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي مِمَّنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ)

стр. 72

وَمَنْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا سَقَطَتْ، وَمَنْ كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ (ف) وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ. بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ مُومِيًا إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا (ف) ، أَوْ عَلَى جَنْبِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ، وَإِنْ سَجَدُوهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِهِمْ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَاقِصَةً لِلنَّهْيِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا الْكَامِلُ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّهَا لَا تُنَافِي الصَّلَاةَ وَيُعِيدُونَهَا لِمَا بَيَّنَّا وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ تَعَمَّدُوهَا. قَالَ: (وَمَنْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا سَقَطَتْ) لِأَنَّهَا صَلَاتِيَّةٌ وَهِيَ أَقْوَى مِنَ الْخَارِجِيَّةِ فَلَا تَتَأَدَّى بِهَا، وَلَوْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ رَكَعَ بِهَا وَإِنْ شَاءَ سَجَدَهَا ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ أَفْضَلُ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْخُضُوعَ فِي السُّجُودِ أَكْمَلُ، وَتَتَأَدَّى بِالسَّجْدَةِ الصَّلَاتِيَّةِ لِأَنَّهَا تُوَافِقُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيَنْوِي أَدَاءَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَتَى بِعَيْنِ الْوَاجِبِ، وَلَوْ نَوَاهَا فِي الرُّكُوعِ قِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التِّلَاوَةِ. وَقِيلَ لَا وَتَنُوبُ عَنْهَا السَّجْدَةُ الَّتِي عَقِبَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَهُمَا أَظْهَرُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ: (وَمَنْ كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّكْرَارِ لِلْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ، وَفِي تَكْرَارِ الْوُجُوبِ حَرَجٌ بِهِمْ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّبِيُّ يُسْمِعُهَا أَصْحَابَهُ وَلَا يَسْجُدُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. قَالَ: (وَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ وَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ) اعْتِبَارًا بِالصَّلَاتِيَّةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا تَشَهُّدَ عَلَيْهِ وَلَا سَلَامَ، لِأَنَّهُمَا لِلتَّحْلِيلِ وَلَا تَحْرِيمَ هُنَاكَ. [بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ] ِ (إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، أَوْ مُومِيًا إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا) وَقَدَمَاهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ. (أَوْ عَلَى جَنْبِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إِيمَاءً فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» . وَقَالَ ﵊ -

стр. 73

فَإِنْ رَفَعَ إِلَى رَأْسِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ إِنْ خَفَضَ رَأْسَهُ جَازَ وَإِلَا فَلَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْمَأَ قَاعِدًا (ف) ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ، وَلَا يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ (زف) ، وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبِهِ (زف) ، وَلَوْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ كَالْعَجْزِ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَلَوْ شَرَعَ مُومِيًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَقْبَلَ (زف) وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا (ف) ، وَلَا يَقْضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِكَ» ، وَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَالْأَفْضَلُ الِاسْتِلْقَاءُ لِيَقَعَ إِيمَاؤُهُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَيَجْعَلُ الْإِيمَاءَ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ اعْتِبَارًا بِهِمَا. (فَإِنْ رَفَعَ إِلَى رَأْسِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ إِنْ خَفَضَ رَأْسَهُ جَازَ) لِحُصُولِ الْإِيمَاءِ. (وَإِلَّا فَلَا) يَجُوزُ لِعَدَمِهِ. قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْمَأَ قَاعِدًا) لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الْقِيَامِ لِأَجْلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ; لِأَنَّ نِهَايَةَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ فِيهِمَا، وَلِهَذَا شُرِعَ السُّجُودُ بِدُونِ الْقِيَامِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالسَّهْوِ وَلَمْ يُشْرَعِ الْقِيَامُ وَحْدَهُ، وَإِذَا سَقَطَ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّةِ الْقِيَامِ سَقَطَ الْقِيَامُ; وَلَوْ صَلَّى قَائِمًا مُومِيًا جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ. قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ) لِمَا رَوَيْنَا، فَإِنْ مَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَرِئَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا غَيْرَ نَفْيًا لِلْحَرَجِ كَمَا فِي الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ بِخِلَافِ النَّوْمِ حَيْثُ يَقْضِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَدُّ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ غَالِبًا. قَالَ: (وَلَا يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) لِأَنَّ فَرْضَ السُّجُودِ لَا يَتَأَدَّى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا يَجُوزُ بِهَا الْإِيمَاءُ كَمَا لَوْ أَوْمَأَ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ بِخِلَافِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ السُّجُودِ. وَقَالَ زُفَرُ: يُومِئُ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ بَعْضُ الْفَرَائِضِ وَهُوَ النِّيَّةُ وَالْإِخْلَاصُ فَيُؤَدَّى بِهِ الْبَاقِي. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِيمَاءَ بِالْقَلْبِ النِّيَّةُ وَلَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ الْجَوَارِحِ كَالْحَجِّ. قَالَ: (وَلَوْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ كَالْعَجْزِ قَبْلَ الشُّرُوعِ) مَعْنَاهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ أَتَمَّهَا قَاعِدًا، وَإِنْ عَجَزَ فَمُسْتَلْقِيًا لِأَنَّهُ بِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ، وَإِنْ شَرَعَ قَاعِدًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بَنَى خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ تَجُوزُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ. (وَلَوْ شَرَعَ مُومِيًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَقْبَلَ) لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَلَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا، وَلَا يَقْضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) نَفْيًا لِلْحَرَجِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْكَثْرَةِ بِالتَّكْرَارِ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَالْخُدْرِيِّ. مَرِيضٌ مَجْرُوحٌ تَحْتَهُ ثِيَابٌ نَجِسَةٌ وَكُلَّمَا بُسِطَ تَحْتَهُ شَيْءٌ تَنَجَّسَ مِنْ سَاعَتِهِ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ مُسْتَلْقِيًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ لَا يَتَنَجَّسُ لَكِنَّهُ يَزْدَادُ مَرَضُهُ

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الاختيار لتعليل المختار] أَوْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِتَحْرِيكِهِ بِأَنْ بَزَغَ الْمَاءُ مِنْ عَيْنِهِ دَفْعًا لِزِيَادَةِ الْحَرَجِ. مَرِيضٌ رَاكِبٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْ يُنَزِّلُهُ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ رَاكِبًا بِإِيمَاءٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّزُولِ لِمَرَضٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ طِينٍ أَوْ عَدُوٍّ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ فِي مَسِيرٍ فَانْتَهَوْا إِلَى مَضِيقٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَمُطِرُوا السماء مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبَلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَأَذَّنَ ﷺ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَقَامَ، فَتَقَدَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً، فَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ» ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّزُولِ سَقَطَ عَنْهُ كَحَالَةِ الْخَوْفِ، وَإِذَا جَازَ لَلصَّلَاةِ رُكْبَانًا، فَفَرْضُهُمُ الْإِيمَاءُ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلِمَا رُوِّينَا، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَجْلِ الطِّينِ صَلَّى قَائِمًا بِإِيمَاءٍ لِلْعَجْزِ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِذَا صَلَّى رَاكِبًا يُوقِفُ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّ فِي السَّيْرِ انْتِقَالًا وَاخْتِلَافًا لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِيقَافُهَا جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَ السَّيْرِ كَمَا فِي حَالَةِ الْخَوْفِ. وَمَنْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الشَّطِّ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْخُرُوجُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ أَجْزَأَهُ لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُوثَقَةً بِالشَّطِّ صَلَّى قَائِمًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مُسْتَقِرٌّ فِي أَرْضِ السَّفِينَةِ فَيَأْتِي بِالْأَرْكَانِ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً يُصَلِّي قَائِمًا، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ وَقَالَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَتْ مَرْبُوطَةً. وَلَهُ مَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ قَالَ: أَمَّنَا أَنَسٌ فِي نَهْرِ مَعْقِلٍ عَلَى بِسَاطِ السَّفِينَةِ جَالِسًا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ، وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ كَمَا فِي السَّفَرِ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ الْمَشَقَّةَ كَانَ كَالْمُتَحَقِّقِ فِي حَقِّ الرُّخْصَةِ كَذَا هُنَا، بِخِلَافِ الْمَرْبُوطَةِ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ حُكْمَ الْأَرْضِ، فَإِنِ اسْتَدَارَتِ السَّفِينَةُ وَهِيَ سَائِرَةٌ اسْتَدَارَ إِلَى الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَتْ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَلَا يَسْقُطُ كَالْمُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ يَقْطَعُهُ عَنْ طَرِيقِهِ فَيَسْقُطُ لِلْعُذْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 75

بَابُ صَلَاةِ الْمسافر وَفَرْضُهُ فِي كُلِّ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَانِ (ف) ، وَيَصِيرُ مُسَافِرًا إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْمِصْرِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَلِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِي الْبَحْرِ اعْتِدَالُ الرِّيَاحِ، وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ (ف) يَوُمًا فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] [بَابُ صَلَاةِ المسافرِ] ِ (وَفَرْضُهُ فِي كُلِّ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَانِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْأَصْلِ رَكْعَتَيْنِ، فَزِيدَتْ فِي الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ فِي السَّفَرِ» وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا تَوْقِيفًا. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: «صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ » - ". وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيكُمُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ. أَمَّا الْفَجْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْوَتْرُ فَلَا قَصْرَ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ أَتَمَّ الْأَرْبَعَ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ، لِأَنَّهُ ﷺ «لَمَّا صَلَّى بِأَهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: " أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» ، فَإِنْ قَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ أَجْزَأَهُ اثْنَتَانِ عَنِ الْفَرْضِ، وَقَدْ أَسَاءَ لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَرَكْعَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ لِزِيَادَتِهَا عَلَى الْفَرْضِ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ بَطَلَ فَرْضُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَهُوَ الْقَعْدَةُ آخِرَ الصَّلَاةِ. قَالَ: (وَيَصِيرُ مُسَافِرًا إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْمِصْرِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا إِلَّا إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمِصْرِ، وَقَدْ قَالَتِ الصَّحَابَةُ لَوْ فَارَقْنَا هَذَا الْخُصَّ لَقَصَرْنَا. وَأَمَّا التَّقْدِيرُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ حُكْمِ جَمِيعِ الْمُسَافِرِينَ لِيَكُونَ أَعَمَّ فَائِدَةً، فَيَتَنَاوَلُ كُلُّ مُسَافِرٍ سَفَرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْتَوْعِبَ الْحُكْمُ الْجَمِيعَ، وَلَوْ كَانَ السَّفَرُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَبَقِيَ مِنَ الْمُسَافِرِينَ مَنْ لَمْ يُبَيَّنْ حُكْمُهُ، وَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْجِنْسِ فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ كُلُّ مُسَافِرٍ، وَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا. قَالَ: (بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ) لِأَنَّهُ الْوَسَطُ الْمُعْتَادُ، فَإِنَّ السَّيْرَ فِي الْمَاءِ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ، وَعَلَى الْعَجَلِ فِي غَايَةِ الْإِبْطَاءِ، فَاعْتَبَرْنَا الْوَسَطَ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ. قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَلِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِي الْبَحْرِ اعْتِدَالُ الرِّيَاحِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْوَسَطُ، وَهُوَ أَنْ لَا تَكُونَ الرِّيَاحُ غَالِبَةً وَلَا سَاكِنَةً، فَيَنْظُرُ كَمْ يَسِيرُ فِي مِثْلِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيُجْعَلُ أَصْلًا. قَالَ: (وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ) لِأَنَّ السَّفَرَ إِذَا صَحَّ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ إِلَّا بِالْإِقَامَةِ، وَالْإِقَامَةُ

стр. 76

وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُسَافِرٌ وَإِنْ طَالَ مُقَامُهُ. وَمَنْ لَزِمَهُ طَاعَةُ غَيْرِهِ كَالْعَسْكَرِ وَالْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ يَصِيرُ مُسَافِرًا بِسَفَرِهِ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِ، وَالْمُسَافِرُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِالنِّيَّةِ إِلَّا الْعَسْكَرَ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ أَوْ حَاصَرَ مَوْضِعًا، وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ صَحِيحَةٌ، وَلَوْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعَيْنِ لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَبِيتَ بِأَحَدِهِمَا، وَالْمُعْتَبَرُ فِي تَغَيُّرِ الْفَرْضِ قَصْرًا وَإِتْمَامًا آخِرُ الْوَقْتِ، وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ خَارِجَ الْوَقْتِ، فَإِنِ اقْتَدَى بِهِ فِي الْوَقْتِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، فَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمَ سَلَّمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَأَتَمَّ الْمُقِيمُ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] بِالنِّيَّةِ أَوْ بِدُخُولِ وَطَنِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ تَرْكُ السَّفَرِ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِالنِّيَّةِ أَتَمَّ، بِخِلَافِ الْمُقِيمِ حَيْثُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ إِنْشَاءُ الْفِعْلِ فَلَا يَصِيرُ فَاعِلًا بِالنِّيَّةِ. وَأَمَّا دُخُولُ وَطَنِهِ فَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلِارْتِفَاقِ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ بِوَطَنِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَكَذَا نُقِلَ أَنَّ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ وَيَعُودُونَ إِلَى أَوْطَانِهِمْ مُقِيمِينَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَأَمَّا الْمُدَّةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَنْقُولَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا تَوْقِيفًا ; وَلِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَخْلُو عَنِ اللُّبْثِ الْقَلِيلِ، فَاعْتَبَرْنَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ كَثِيرًا فَاصِلًا اعْتِبَارًا بِمُدَّةِ الطُّهْرِ، إِذْ لَهَا أَثَرٌ فِي إِيجَابِ الصَّلَاةِ وَإِسْقَاطِهَا. قَالَ: (وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُسَافِرٌ وَإِنْ طَالَ مُقَامُهُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسُّوسِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. قَالَ: (وَمَنْ لَزِمَهُ طَاعَةُ غَيْرِهِ كَالْعَسْكَرِ وَالْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ يَصِيرُ مُسَافِرًا بِسَفَرِهِ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُخَالَفَتُهُ. قَالَ: (وَالْمُسَافِرُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِالنِّيَّةِ) لِمَا بَيَّنَّا. (إِلَّا الْعَسْكَرَ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ أَوْ حَاصَرَ مَوْضِعًا) لِأَنَّ إِقَامَتَهُمْ لَا تَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَوْ نَوَوُا الْإِقَامَةَ ثُمَّ انْهَزَمُوا انْصَرَفُوا فَلَا تَصِحُّ نِيَّتُهُمْ. (وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ صَحِيحَةٌ) كَالْأَكْرَادِ وَالتُّرْكُمَانِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْكَلَأِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إِقَامَتِهِمْ عَادَةً، فَهُوَ فِي حَقِّهِمْ كَالْأَمْصَارِ وَالْقُرَى لِأَهْلِهَا. قَالَ: (وَلَوْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعَيْنِ لَا يَصِحُّ) إِذْ لَوْ صَحَّ فِي مَوْضِعَيْنِ لَصَحَّ فِي أَكْثَرَ وَأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ. (إِلَّا أَنْ يَبِيتَ بِأَحَدِهِمَا) فَتَصِحُّ النِّيَّةُ ; لِأَنَّ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ مَوْضِعُ الْبُيُوتَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّوقِيَّ يَكُونُ فِي النَّهَارِ فِي حَانُوتِهِ وَيُعَدُّ سَاكِنًا فِي مَحَلَّةٍ فِيهَا بَيْتُهُ. قَالَ: (وَالْمُعْتَبَرُ فِي تَغَيُّرِ الْفَرْضِ قَصْرًا وَإِتْمَامًا آخِرُ الْوَقْتِ) لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ سَافَرَ آخِرَ الْوَقْتِ قَصَرَ، وَإِنْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ آخِرَ الْوَقْتِ تَمَّمَ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ خَارِجَ الْوَقْتِ) لِتَقَرُّرِ فَرْضِهِمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ. (فَإِنِ اقْتَدَى بِهِ فِي الْوَقْتِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُتَابَعَتَهُ. قَالَ ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ إِمَامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ» ، وَصَيْرُورَتُهُ مُتَابِعًا أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا. (فَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمَ سَلَّمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّهُ تَمَّ فَرْضُهُ. (وَأَتَمَّ الْمُقِيمُ) لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ

стр. 77

وَالْعَاصِي (ف) وَالْمُطِيعُ فِي الرُّخَصِ سَوَاءٌ. بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْأَحْرَارِ الْأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] صَلَاتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: (وَالْعَاصِي وَالْمُطِيعُ فِي الرُّخَصِ سَوَاءٌ) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] . وَقَوْلُهُ ﵊: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي مُبَاحٍ ثُمَّ نَوَى الْمَعْصِيَةَ بَعْدَهُ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أَيْ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ فِي أَكْلِهَا وَلَا مُتَجَاوِزٍ قَدْرَ الضَّرُورَةِ، وَنَحْنُ لَا نَجْعَلُ الْمَعْصِيَةَ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ لُحُوقُ الْمَشَقَّةِ النَّاشِئَةِ مِنْ نَقْلِ الْأَقْدَامِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَحْظُورُ مَا يُجَاوِرُهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، فَكَانَ السَّفَرُ مِنْ حَيْثُ إِفَادَتِهِ الرُّخْصَةَ مُبَاحًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَلُ الِانْفِصَالَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْطَانَ ثَلَاثَةٌ: أَصْلِيٌّ وَيُسَمَّى أَهْلِيًّا، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَقِرُّ الْإِنْسَانُ فِيهِ مَعَ أَهْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَبْطُلُ إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ بِأَهْلِهِ بِعَزْلِ الْقَرَارِ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ بَعْدَ انْتِقَالِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ سَمَّى نَفْسَهُ مُسَافِرًا بِمَكَّةَ حَيْثُ قَالَ: «فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» . وَالثَّانِي وَطَنُ إِقَامَةٍ، وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُهُ الْمُسَافِرُ فَيَنْوِي أَنْ يُقِيمَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيَبْطُلُ بِالْأَصْلِيِّ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ، وَبِالْمُمَائِلِ لِطَرَيَانِهِ عَلَيْهِ، وَبِإِنْشَاءِ السَّفَرِ لِمُنَافَاتِهِ الْإِقَامَةَ. وَالثَّالِثُ وَطَنٌ سَكَنِيٌّ، وَهُوَ أَنْ يُقِيمَ الْإِنْسَانُ فِي مَرْحَلَةٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيَبْطُلُ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِأَنَّهُمَا فَوْقَهُ، وَبِمِثْلِهِ لِطَرَيَانِهِ عَلَيْهِ، وَبَيَانُ ضَعْفِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَإِتْمَامِ الصَّلَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] ِ اعْلَمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا إِلَّا لِعُذْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . وَقَالَ ﵊ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، فِي عَامِي هَذَا، فِي مَقَامِي هَذَا، فَرِيضَةً وَاجِبَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . قَالَ: (وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْأَحْرَارِ الْأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ) قَالَ ﵊: «تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ

стр. 78

وَلَا تُقَامُ إِلَّا فِي الْمِصْرِ (ف) أَوْ مُصَلَّاهُ، وَالْمِصْرُ مَا لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُهُ فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِ لَمْ يَسَعْهُمْ. وَلَا بُدَّ مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ (ف) وَوَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَا تَجُوزُ إِلَّا بِالْخُطْبَةِ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ خَفِيفَةٍ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] إِلَّا امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا» . وَقَالَ ﵊: «أَرْبَعَةٌ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ: الْعَبْدُ، وَالْمَرِيضُ، وَالْمُسَافِرُ، وَالْمَرْأَةُ» وَلِأَنَّ الْعَبِيدَ مَشْغُولُونَ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى، وَالْمَرْأَةَ بِخِدْمَةِ زَوْجِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا الْعُذْرَ فِي تَرْكِ خُرُوجِهَا إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَلِلْعَجْزِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَعْمَى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَقَالَا: تَجِبُ إِذَا وَجَدَ قَائِدًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى السَّعْيِ فَصَارَ كَالضَّالِّ وَلَهُ أَنَّهُ عَاجِزٌ بِنَفْسِهِ كَالْمَرِيضِ فَلَا يَصِيرُ قَادِرًا بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْقَائِدَ قَدْ يَتْرُكُهُ فِي الطَّرِيقِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» . قَالَ: (وَلَا تُقَامُ إِلَّا فِي الْمِصْرِ) لِمَا رَوَيْنَا. (أَوْ مُصَلَّاهُ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِهِ. (وَالْمِصْرُ مَا لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُهُ فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِ لَمْ يَسَعْهُمْ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثَّلْجِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ ; وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَعِيشَ كُلُّ صَانِعٍ بِحِرْفَتِهِ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: مَا أُقِيمَتْ فِيهِ الْحُدُودُ، وَنُفِّذَتْ فِيهِ الْأَحْكَامُ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ: وَيُوجَدُ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي مَعَايِشِهِمْ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ مَصَّرَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ مِصْرٌ، فَلَوْ بَعَثَ إِلَى قَرْيَةٍ نَائِبًا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ صَارَ مِصْرًا، فَلَوْ عَزَلَهُ وَدَعَاهُ الْتَحَقَ بِالْقُرَى. قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ) لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَاخْتَارَ كُلُّ جَمَاعَةٍ إِمَامًا فَلَا يَتَّفِقُونَ عَلَى وَاحِدٍ فَتَقَعُ بَيْنَهُمُ الْمُنَازَعَةُ، فَرُبَّمَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَا يُصَلُّونَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الْفِتْنَةِ، وَمَعَ وُجُودِ السُّلْطَانِ لَا. (وَوَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «كَنَّا نُصْلِي الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ» وَلِأَنَّهَا خَلَفٌ عَنِ الظُّهْرِ وَقَدْ سَقَطَتِ الظُّهْرُ فَتَكُونُ فِي وَقْتِهَا. قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ إِلَّا بِالْخُطْبَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَلَا يَجِبُ السَّعْيُ إِلَّا إِلَى الْوَاجِبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ بِدُونِهَا. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا قُصِرَتِ الصَّلَاةُ لِمَكَانِ الْخُطْبَةِ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَهِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، هَكَذَا فَعَلَهُ ﵊ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. (يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ) قَائِمًا يَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ. (يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ خَفِيفَةٍ) هُوَ الْمَأْثُورُ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ -

стр. 79

وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ (ف سم) ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا طَاهِرًا، فَإِنْ خَطَبَ قَاعِدًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا صَلَّاهَا أَجْزَأَتْهُ عَنِ الظُّهْرِ وَإِنْ أَمَّ فِيهَا جَازَ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ. قَالَ: (وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ) وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحَةُ وَنَحْوُهَا، وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَسَاءَ وَأَخْطَأَ السُّنَّةَ. وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ. وَالتَّسْبِيحَةُ وَالتَّحْمِيدَةُ لَا تُسَمَّى خُطْبَةً. وَلَهُ أَنَّ التَّسْبِيحَةَ وَالتَّحْمِيدَةَ خُطْبَةٌ. لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَعَانٍ جَمَّةٍ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي: «وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ: " لَئِنْ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ» سُمِّيَ هَذَا الْقَدْرُ خُطْبَةً، وَالْخُطْبَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَيَتَعَلَّقُ الْجَوَازُ بِالْأَدْنَى، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَهَذَا ذِكْرٌ فَتَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِهِ. (وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا طَاهِرًا) هُوَ الْمَأْثُورُ. (فَإِنْ خَطَبَ قَاعِدَا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَسَنَّ كَانَ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَلِأَنَّ الطِّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْخُطْبَةِ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ كَالتِّلَاوَةِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ، وَقَدْ أَسَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ. قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمَاعَةِ) لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْهَا، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَمِّيَّتِهَا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ سِوَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ وَالثَّلَاثَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: اثْنَانِ سِوَى الْإِمَامِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَقَدْ وُجِدَ. وَلَهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ الصَّحِيحَ ثَلَاثَةٌ وَمَا دُونَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَتَأَدَّى بِالْمُخْتَلِفِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِصْرَ إِذَا بَعُدَتْ أَطْرَافُهُ شَقَّ عَلَى أَهْلِهِ الْمَشْيُ مِنْ طَرَفٍ إِلَى طَرَفٍ فَيَجُوزُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَأَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِالثَّلَاثِ فَلَا حَرَجَ بَعْدَهَا، وَلِهَذَا كَانَ عَلَيٌّ ﵁ يُصَلِّي الْعِيدَ فِي الْجَبَّانَةِ، أَيِ الْمُصَلَّى، وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ، وَالْجَبَّانَةُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَالْخِلَافُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَاحِدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ الْمُتَوَارَثُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ فِي مَوْضِعَيْنِ لَجَازَ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ كَغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ وَأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ نَهْرٌ فَاصِلٌ كَبَغْدَادَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَمِصْرَيْنَ. وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَأْمُرُ بِقَطْعِ الْجِسْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةَ لِتَنْقَطِعَ الْوَصْلَةُ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ فَالْجُمُعَةُ لِمَنْ سَبَقَ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا بِشَرَائِطِهَا، وَتَفْسُدُ جُمُعَةُ الْآخَرِينَ وَيَقْضُونَ الظُّهْرَ، فَإِنْ صَلَّى أَهْلُ الْمَسْجِدَيْنِ مَعًا، أَوْ لَا يَدْرِي مَنْ سَبَقَ فَصَلَاةُ الْكُلِّ فَاسِدَةٌ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَلَا يُخْرَجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِالشَّكِّ. قَالَ: (وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) الْجُمُعَةُ، (إِذَا صَلَّاهَا أَجْزَأَتْهُ عَنِ الظُّهْرِ، وَإِنَّ أَمَّ فِيهَا جَازَ) لِأَنَّهَا وُضِعَتْ عَنْهُمْ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً لِمَكَانِ الْعُذْرِ، فَإِذَا حَضَرُوا زَالَ الْعُذْرُ

стр. 80

وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ (ز) وَيُكْرَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِالسَّعْيِ (سم) ، وَيُكْرَهُ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَمَاعَةً فِي الْمِصْرِ، وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ وَاسْتَمَعُوا وَأَنْصَتُوا، وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَإِذَا أَذَّنَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ تَوَجَّهُوا إِلَى الْجُمُعَةِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَتَجُوزُ صَلَاتُهُمْ كَالْمُسَافِرِ إِذَا صَامَ، وَإِذَا حَضَرُوا صَارَتْ صَلَاتُهُمْ فَرْضًا فَتَجُوزُ إِمَامَتُهُمْ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مُسَافِرٌ. قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ وَيُكْرَهُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ، وَأَصْلُهُ الِاخْتِلَافُ فِي فَرْضِ الْوَقْتِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: هُوَ الظُّهْرُ، لَكِنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِإِسْقَاطِهِ عَنْهُ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْفَرْضُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَلَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ بِالظُّهْرِ رُخْصَةً. وَعَنْهُ أَنَّ الْفَرْضَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِأَدَائِهِ؛ لِأَنَّ أَيَّهُمَا أَدَّى سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، فَدَلَّ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهُمَا. وَعِنْدَ زُفَرَ هُوَ الْجُمُعَةُ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْجُمُعَةِ مَنْهِيٌّ عَنِ الظُّهْرِ، فَإِذَا فَاتَتِ الْجُمُعَةُ أُمِرَ بِالظُّهْرِ، وَهَذَا آيَةُ الْبَدَلِيَّةِ. وَلَنَا أَنَّ التَّكْلِيفَ يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ، وَالْعَبْدُ إِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الظُّهْرِ بِنَفْسِهِ دُونَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شَرَائِطَ تَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِ الْغَيْرِ، وَلِهَذَا لَوْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ أُمِرَ بِقَضَاءِ الظُّهْرِ لَا الْجُمُعَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ الظُّهْرَ، وَيُؤْمَرُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ كَإِنْجَاءِ الْغَرِيقِ آخِرَ الْوَقْتِ قَبْلَ الصَّلَاةِ. قَالَ: (فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِالسَّعْيِ) وَقَالَا: لَا تَبْطُلُ مَا لَمْ يَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ شَرْطٌ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَةِ. وَلَهُ أَنَّ السَّعْيَ مِنْ فَرَائِضِ الْجُمُعَةِ وَخَصَائِصِهَا لِلْأَمْرِ، وَالِاشْتِغَالُ بِفَرَائِضِ الْجُمُعَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا يُبْطِلُ الظُّهْرَ كَالتَّحْرِيمَةِ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَمَاعَةً فِي الْمِصْرِ) لِأَنَّ فِيهِ إِخْلَالًا بِالْجُمُعَةِ، فَرُبَّمَا يَقْتَدِي بِهِمْ غَيْرُهُمْ، بِخِلَافِ الْقُرَى لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ جَرَى التَّوَارُثُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ بِغَلْقِ الْمَسَاجِدِ وَقْتَ الْجُمُعَةِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ، وَلَوْلَا الْكَرَاهَةُ لَمَا أَغْلَقُوهَا. قَالَ: (وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ) بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ. (وَاسْتَمَعُوا وَأَنْصَتُوا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] . قَالُوا: نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ. وَمَنْ كَانَ بَعِيدًا لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ قِيلَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْكُتُ لِلْأَمْرِ. (وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ الِاسْتِمَاعُ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» . وَلَوْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ قَبْلَ خُرُوجِهِ سَلَّمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي أَتَمَّهُ، وَلَوْ كَانَ شَرَعَ فِي الْأَرْبَعِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَتَمَّهَا. قَالَ: (فَإِذَا أَذَّنَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ تَوَجَّهُوا إِلَى الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] .

стр. 81

وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَذَانَ الثَّانِيَ، فَإِذَا أَتَمَّ الْخُطْبَةَ أَقَامُوا. بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَتَجِبُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِهَا إِلَّا الْخُطْبَةَ. وَيُسْتَحَبُّ يَوْمَ الْفِطْرِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَسْتَاكَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] (وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَذَانَ الثَّانِي) وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُثْمَانَ، وَكَثُرَ النَّاسُ وَتَبَاعَدَتِ الْمَنَازِلُ زَادَ مُؤَذِّنًا آخَرَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا جَلَسَ أَذَّنَ الْأَذَانَ الثَّانِي، فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ، فَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَتَرْكِ الْبَيْعِ؟ وَقِيلَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ الْأَوَّلُ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: (٣٠ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] (فَإِذَا أَتَمَّ الْخُطْبَةَ أَقَامُوا) . [بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (وَتَجِبُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ) أَمَّا الْوُجُوبُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قَالُوا: الْمُرَادُ صَلَاةُ الْعِيدِ، وَلِمُوَاظَبَتِهِ ﵊ عَلَيْهَا وَلِقَضَائِهِ إِيَّاهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ إِنَّهَا سُنَّةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؟ وَقَوْلُهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ: الْأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي فَرِيضَةٌ. مَعْنَاهُ وَجَبَ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلَا يَتْرُكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا دَلِيلَ الْوُجُوبِ. وَقَوْلُهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةِ لِمَا بَيَّنَّا فِيهَا. قَالَ: (وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِهَا) يَعْنِي السُّلْطَانَ وَالْجَمَاعَةَ وَالْمِصْرَ وَالْوَقْتَ وَغَيْرَ ذَلِكَ لِمَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ. وَقَالَ ﵊: «لَا جُمْعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا فِطْرَ وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» . قَالَ: (إِلَّا الْخُطْبَةَ) فَإِنَّهُ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، كَذَا الْمَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ تَرَكَهَا جَازَ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَقَدْ أَسَاءَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ ; وَكَذَلِكَ إِنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَجُوزُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ تَعْلِيمُهُمْ وَظِيفَةَ الْيَوْمِ، وَيُكْرَهُ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَا أَذَانَ لَهَا وَلَا إِقَامَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ. [فصل ما يستحب في يوم الفطر وفي يوم الأضحى] قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ يَوْمَ الْفِطْرِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَغْتَسِلَ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ. (وَيَسْتَاكَ) لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ جُبَّةُ فَنَكٍ يَلْبَسُهَا فِي الْجُمَعِ

стр. 82

وَيَتَطَيَّبَ وَيَأْكُلَ شَيْئًا حُلْوًا تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ نَحْوَهُ، وَيُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ثُمَّ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُصَلَّى، وَوَقْتُ الصَّلَاةِ مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا. وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَثَلَاثًا (ف) ، بَعْدَهَا ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ، وَيَبْدَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِالْقِرَاءَةِ (ف) ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَأُخْرَى لِلرُّكُوعِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الزَّوَائِدِ، وَيَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَالْأَعْيَادِ. (وَيَتَطَيَّبَ) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَطَيَّبُ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَوْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الصَّلَاةِ. (وَيَأْكُلَ شَيْئًا حُلْوًا تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ نَحْوَهُ) هَكَذَا نُقِلَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ وَلِأَنَّهُ يُحَقِّقُ مَعْنَى الِاسْمِ، وَمُبَادَرَةٌ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ. (وَيُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ) فَيَضَعَهَا فِي مَصْرِفِهَا، هَكَذَا فَعَلَ ﷺ وَفِيهِ تَفْرِيغُ بَالِ الْفَقِيرِ لِلصَّلَاةِ. قَالَ ﵊: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» وَإِنْ أَخَّرَهَا جَازَ. وَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ. (ثُمَّ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُصَلَّى) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ رَاجِلًا، هَكَذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَكَبِّرُ جَهْرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ; وَقَالَا: يُكَبِّرُ اعْتَبَارًا بِالْأَضْحَى. وَلَهُ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَ النَّاسَ يُكَبِّرُونَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَقَالَ لِقَائِدِهِ: أَكَبَّرَ الْإِمَامُ؟ قَالَ لَا، قَالَ: أَفَجُنَّ النَّاسُ؟ وَلِأَنَّ الذِّكْرَ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِخْفَاءِ. وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي الْأَضْحَى فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُتَطَوَّعُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ نَعْهَدْهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: (وَوَقْتُ الصَّلَاةِ مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ وَالشَّمْسُ عَلَى قَدْرِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ ; وَلَمَّا شَهِدُوا عِنْدَهُ بِالْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّى الْعِيدَ مِنَ الْغَدِ، وَلَوْ بَقِيَ وَقْتُهَا لَمَا أَخَّرَهَا. قَالَ: (وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ: يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَثَلَاثًا بَعْدَهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ، وَيَبْدَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَأُخْرَى لِلرُّكُوعِ) وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى: «أَنَّهُ ﵊ كَبَّرَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَرْبَعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَرْبَعٌ كَأَرْبَعِ الْجِنَازَةِ» . وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، وَخَنَسَ إِبْهَامَهُ. فَفِيهِ عَمَلٌ وَقَوْلٌ وَإِشَارَةٌ وَتَأْكِيدٌ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَسْكُتُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ قَدْرَ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ. قَالَ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الزَّوَائِدِ) لِمَا رَوَيْنَا. (وَيَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ

стр. 83

فَإِنْ شُهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّوْهَا مِنَ الْغَدِ، وَلَا يُصَلُّوهَا بَعْدَ ذَلِكَ. يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى مَا يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ إِلَّا أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْأَكْلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَيُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى جَهْرًا، وَيُصَلِّيهَا كَصَلَاةِ الْفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا الْأُضْحِيَةَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ لَمْ يُصَلُّوهَا أَوَّلَ يَوْمٍ صَلَّوْهَا مِنَ الْغَدِ وَبَعْدَهُ، وَالْعُذْرُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ. وَتَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا كَالْجُمُعَةِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِأَصْحَابِ الْعِلَلِ فِي الْمِصْرِ، لِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ جَازَ. قَالَ: (فَإِنْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّوْهَا مِنَ الْغَدِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا يُصَلُّوهَا بَعْدَ ذَلِكَ) لِأَنَّهَا صَلَاةُ الْفِطْرِ فَتَخْتَصُّ بِيَوْمِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْضَى، لَكِنْ خَالَفْنَاهُ بِمَا رُوِّينَا أَنَّهُ ﵊ قَضَاهَا مِنَ الْغَدِ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ. ١ - فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى مَا يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ) مِنَ الْغُسْلِ وَالتَّطَيُّبِ وَالسِّوَاكِ وَاللِّبْسِ. (إِلَّا أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْأَكْلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ لَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ» . قَالَ: (وَيُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى جَهْرًا) هَكَذَا فَعَلَ ﷺ فَإِذَا وَصَلَ الْمُصَلَّى قَطَعَ ; وَقِيلَ: إِذَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ قَطَعَ. قَالَ: (وَيُصَلِّيهَا كَصَلَاةِ الْفِطْرِ) كَذَا النَّقْلُ. (ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ) كَمَا تَقَدَّمَ. (يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا الْأُضْحِيَّةَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ) لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ. (فَإِنْ لَمْ يُصَلُّوهَا أَوَّلَ يَوْمٍ صَلَّوْهَا مِنَ الْغَدِ وَبَعْدِهِ، وَالْعُذْرُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ) لِأَنَّهَا صَلَاةُ الْأَضْحَى، فَتَتَقَدَّرُ بِأَيَّامِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ. [فَصْلُ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ] فَصْلٌ (وَتَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ)

стр. 84

وَهُوَ وَاجِبٌ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فِي جَمَاعَاتِ الرِّجَالِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ (سم) مِنْ عَقِيبِ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى عَقِيبِ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوَّلَ أَيَّامِ النَّحْرِ ثَمَانِ صَلَوَاتٍ. بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةً أَمَامَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ ﵇ أَنَّ الْخَلِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، لَمَّا أَخَذَ فِي مُقَدَّمَاتِ الذَّبْحِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِالْفِدَاءِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا خَافَ عَلَيْهِ الْعَجَلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَسَمِعَهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ بِالْفِدَاءِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَسَمِعَ الذَّبِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَصَارَتْ سُّنَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: (وَهُوَ وَاجِبٌ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فِي جَمَاعَاتِ الرِّجَالِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ) أَمَّا الْوُجُوبُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . قِيلَ: الْمُرَادُ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ. وَقَوْلُهُ ﵊: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا فِطْرَ، وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» . وَالتَّشْرِيقُ: هُوَ التَّكْبِيرُ نَقْلًا عَنِ الْخَلِيلِ وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ; وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ نَفَاهُ ثُمَّ أَوْجَبَهُ، وَمِثْلُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ كَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الشَّرَائِطِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُؤَدِّيهَا ; وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ خِلَافُ الْأَصْلِ، إِذِ الْأَصْلُ الْإِخْفَاءُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] . وَقَالَ ﵊: «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ، وَالسُّنَّةُ وَرَدَتْ بِالْجَهْرِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهَا عَلَى الْأَصْلِ وَيَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ إِذَا اقْتَدَيْنَ بِالرَّجُلِ، وَالْمُسَافِرِ إِذَا اقْتَدَى بِالْمُقِيمِ تَبَعًا. قَالَ: (مِنْ عَقِيبِ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوَّلَ أَيَّامِ النَّحْرِ ثَمَانِ صَلَوَاتٍ) وَقَالَا: إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَمَذْهَبُهُ، وَمَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِخْفَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْمَصِيرُ إِلَى الْأَقَلِّ جَهْرًا أَوْلَى. وَلَهُمَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالِاحْتِيَاطُ فِيهَا الْوُجُوبُ، وَقِيلَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا. [بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] ِ (وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةً أَمَامَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً:

стр. 85

إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَرَكْعَتَيْنِ إِنْ كَانَ مُقِيمًا وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ، وَتَمْضِي إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَجِيءُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ فَيُصَلِّي بِهِمْ بَاقِيَ الصَّلَاةِ وَيُسَلِّمُ وَحْدَهُ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُولَى فَيُتَمِّمُونَ صَلَاتَهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيُسَلِّمُونَ وَيَذْهَبُونَ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ وَيُسَلِّمُونَ. وَمَنْ قَاتَلَ أَوْ رَكِبَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا وُحْدَانًا يُومِئُونَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرُوا، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَاشِيًا، وَخَوْفُ السَّبُعِ كَخَوْفِ الْعَدُوِّ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] إِنْ كَانَ مُسَافِرًا) ؛ لِأَنَّهَا شَطْرُ صَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْفَجْرِ. (وَرَكْعَتَيْنِ إِنْ كَانَ مُقِيمًا) لِأَنَّهُمَا الشَّطْرُ. (وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ) لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ التَّنْصِيفَ فَكَانُوا أَوْلَى لِلسَّبْقِ. (وَتَمْضِي إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَتَجِيءُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] . (فَيُصَلِّي بِهِمْ بَاقِيَ الصَّلَاةِ وَيُسَلِّمُ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ. (وَيَذْهَبُونَ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُولَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ، وَيَتَحَرَّوْنَ أَنْ يَقِفُوا مِقْدَارَ مَا وَقَفَ الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُمْ خَلْفَهُ. (وَيُسَلِّمُونَ وَيَذْهَبُونَ) وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ. (وَيُسَلِّمُونَ) هَكَذَا رَوَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ أَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ كَالْمُنْفَرِدِ فَلَمْ يَبْقَوْا فِي حُكْمِ الْإِمَامِ. قَالَ: (وَمَنْ قَاتَلَ أَوْ رَكِبَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ كَثِيرٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ شُغِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ حَتَّى قَضَاهَا لَيْلًا، وَقَالَ: «مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمُ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى» وَلَوْ جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَ الْقِتَالِ لَمَا أَخَّرَهَا؛ لِأَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَ بَعْدَ شَرْعِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَهِيَ قَبْلَ الْخَنْدَقِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ لِأَنَّهَا مُخَالَفَةٌ لِلْأُصُولِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْهَا بِطَبَرِسْتَانَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا. قَالَ: (فَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا وُحْدَانًا يُومِئُونَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرُوا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وَعَدَمُ التَّوَجُّهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَلَا يَسَعُهُمْ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَهُمُ الصَّلَاةُ ; وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ لِلرَّاكِبِ إِذَا كَانَ طَالِبًا، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٩] إِشَارَةً إِلَيْهِ، فَإِنَّ الطَّالِبَ لَا يَخَافُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ بِجَمَاعَةٍ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَطَرِ فِي بَابِ الْمَرِيضِ، وَالْفَتْوَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُخَالَفَةِ فِي الْمَكَانِ. (وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَاشِيًا) لِأَنَّ الْمَشْيَ فِعْلٌ كَثِيرٌ. قَالَ: (وَخَوْفُ السَّبُعِ كَخَوْفِ الْعَدُوِّ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَلَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا

стр. 86

بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ يَجُوزُ فَرْضُ الصَّلَاةِ وَنَفْلُهَا فِي الْكَعْبَةِ وَفَوْقَهَا، فَإِنْ قَامَ الْإِمَامُ فِي الْكَعْبَةِ وَتَحَلَّقَ الْمُقْتَدُونَ حَوْلَهَا جَازَ، وَإِنْ كَانُوا مَعَهُ جَازَ، إِلَّا مَنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى وَجْهِ الْإِمَامِ، وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَحَلَّقَ النَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ. بَابُ الْجَنَائِزِ وَمَنِ احْتُضِرَ وُجِّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] صَلَاةَ الْخَوْفِ وَكَانَ إِبِلًا جَازَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْمُنَافِيَ وُجِدَ فِي صَلَاتِهِمْ خَاصَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ] (يَجُوزُ فَرْضُ الصَّلَاةِ وَنَفْلُهَا فِي الْكَعْبَةِ وَفَوْقَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «صَلَّى دَاخِلَ الْبَيْتِ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِطِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ اسْتَجْمَعَتْ شَرَائِطَهَا، فَتَجُوزُ، وَالِاسْتِيعَابُ فِي التَّوَجُّهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ النَّاسِ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا، وَلِأَنَّ الْقِبْلَةَ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ وَالْهَوَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، لَا نَفْسُ الْبِنَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ; وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ لِمَا بَيَّنَّا، وَمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ. قَالَ: (فَإِنْ قَامَ الْإِمَامُ فِي الْكَعْبَةِ وَتَحَلَّقَ الْمُقْتَدُونَ حَوْلَهَا جَازَ) إِذَا كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا؛ لِأَنَّهُ كَقِيَامِهِ فِي الْمِحْرَابِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانُوا مَعَهُ جَازَ) لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْكَعْبَةِ. (إِلَّا مَنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى وَجْهِ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَى إِمَامِهِ. قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَحَلَّقَ النَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ) هَكَذَا تَوَارَثَ النَّاسُ الصَّلَاةَ فِيهِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ; وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ مِنَ الْإِمَامِ جَازَتْ صَلَاتُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ إِنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجَانِبِ، أَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهِ فَلَا. [بَابُ الْجَنَائِزِ] ِ (وَمَنِ احْتُضِرَ) أَيْ قَرُبَ مِنَ الْمَوْتِ (وُجِّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) هُوَ السُّنَّةِ وَاعْتِبَارًا

стр. 87

وَلُقِّنَ الشَّهَادَةَ، فَإِنْ مَاتَ شَدُّوا لَحْيَيْهِ وَغَمَّضُوا عَيْنَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ دَفْنِهِ. وَيَجِبُ غَسْلُهُ وُجُوبَ كِفَايَةٍ، وَيُجَرَّدُ لِلْغُسْلِ وَيُوضَعُ عَلَى سَرِيرٍ مُجَمَّرٍ وِتْرًا، وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ، وَيُوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ إِلَّا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَيُغْلَى الْمَاءُ بِالسِّدْرِ أَوْ بِالْحُرْضِ إِنْ وُجِدَ وَيُغْسَلُ رَأْسُهُ ــ [الاختيار لتعليل المختار] بِحَالَةِ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ الِاسْتِلْقَاءَ، قَالُوا: لِأَنَّهُ أَيْسَرُ لِخُرُوجِ الرُّوحِ. (وَلُقِّنَ الشَّهَادَةَ) قَالَ ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَالْمُرَادُ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا لَكِنْ تُذْكَرُ عِنْدَهُ وَهُوَ يَسْمَعُ. قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ شَدُّوا لِحْيَيْهِ وَغَمَّضُوا عَيْنَيْهِ) هَكَذَا فَعَلَ ﵊ بِأَبِي سَلَمَةَ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَحْسِينَهُ. (وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ دَفْنِهِ) قَالَ ﵊: «عَجِّلُوا مَوْتَاكُمْ " فَإِنْ كَانَ خَيْرًا قَدَّمْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ» وَكَرِهَ بَعْضُهُمُ النِّدَاءَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِيهِ إِعْلَامُ النَّاسِ فَيُؤَدُّونَ حَقَّهُ، وَفِيهِ تَكْثِيرُ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ. [فَصْلٌ غسل الميت] فَصْلٌ (وَيَجِبُ غُسْلُهُ وُجُوبَ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ " وَعَدَّ مِنْهَا: وَأَنْ يُغَسِّلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» حَتَّى لَوْ تَرَكُوا غُسْلَهُ أَثِمُوا جَمِيعًا، وَلَوْ تَعَيَّنَ وَاحِدٌ لِغُسْلِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ تَغْسِيلُ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِآدَمَ ﵇ وَقَالُوا لِوَلَدِهِ: هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ. قَالَ: (وَيُجَرَّدُ لِلْغُسْلِ) لِيُتَمَكَّنَ مِنْ تَنْظِيفِهِ وَوُصُولِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَاعْتِبَارًا بِغَسْلِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ غُسِّلَ فِي ثِيَابِهِ فَذَلِكَ خُصَّ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قَالَ: (وَيُوضَعُ عَلَى سَرِيرٍ مُجَمَّرٍ وِتْرًا) أَمَّا السَّرِيرُ لِيَنْصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا التَّجْمِيرُ فَلِدَفْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ. وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ وِتْرًا» . (وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهَا كَالْحَيِّ ; وَقِيلَ يُكْتَفَى بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ، وَتُغْسَلُ عَوْرَتُهُ مِنْ تَحْتِ السُّرَّةِ بَعْدَ أَنْ يَلُفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً لِئَلَّا يَلْمِسَهَا. قَالَ: (وَيُوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا سُنَّةُ الْغُسْلِ. وَقَالَ ﵊ لِلَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» ، قَالَ: (إِلَّا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ) لِتَعَذُّرِ إِخْرَاجِ الْمَاءِ وَلِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ مِنَ الْمَيِّتِ. قَالَ: (وَيُغْلَى الْمَاءُ بِالسِّدْرِ أَوْ بِالْحُرْضِ إِنْ وُجِدَ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ وَهِيَ الْمَقْصُودُ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ الْحَارَّ أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الدَّرَنِ. قَالَ: (وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ

стр. 88

وَلِحْيَتُهُ بِالْخِطْمِيِّ مِنْ غَيْرِ تَسْرِيحٍ، وَيُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيُغْسَلُ حَتَّى يُعْلَمَ وُصُولُ الْمَاءِ تَحْتَهُ، ثُّمَ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ كَذَلِكَ، ثُّمَ يُجْلِسُهُ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ، وَلَا يُعِيدُ غَسْلَهُ، ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِخِرْقَةٍ، وَيَجْعَلُ الْحَنُوطَ عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَالْكَافُورَ عَلَى مَسَاجِدِهِ. ثُمَّ يُكَفِّنُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ مُجَمَّرَةٍ: قَمِيصٍ، وَإِزَارٍ، وَلِفَافَةٍ، وَهَذَا كَفَنُ السُّنَّةِ. وَصِفَتُهُ: أَنْ تُبْسَطَ اللِّفَافَةُ ثُمَّ الْإِزَارُ فَوْقَهَا ثُمَّ يُقَمَّصُ، وَهُوَ مِنَ الْمَنْكِبِ إِلَى الْقَدَمِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَلِحْيَتَهُ بِالْخَطْمِيِّ) تَنْظِيفًا لَهُمَا. (مِنْ غَيْرِ تَسْرِيحٍ) إِذْ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفُرِهِ، وَلَا يُخْتَنُ لِأَنَّهَا لِلزِّينَةِ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: " عَلَامَ تَنْصُونَ مَيِّتَكُمْ؟ " أَيْ تَسْتَقْصُونَ. قَالَ: (وَيُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيُغْسَلُ حَتَّى يُعْلَمَ وُصُولُ الْمَاءِ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ كَذَلِكَ) لِأَنَّ الْبِدَايَةَ بِالْمَيَامِنِ سُنَّةٌ. (ثُمَّ يُجْلِسُهُ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ) لَعَلَّهُ بَقِيَ فِي بَطْنِهِ شَيْءٌ فَيَخْرُجُ فَتَتَلَوَّثُ بِهِ الأَكْفَانُ. وَرُوِيَ أَنْ عَلِيًّا لَمَّا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْنَدَهُ إِلَى صَدْرِهِ وَمَسَحَ بَطْنَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ: طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. (فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ) إِزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ. (وَلَا يُعِيدُ غُسْلَهُ) لِأَنَّ الْغُسْلَ عُرِفَ بِالنَّصِّ وَقَدْ حَصَلَ. (ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِخِرْقَةٍ) لِئَلَّا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ فَيَصِيرَ مُثْلَةً. (وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ) لِأَنَّهُ طِيبُ الْمَوْتَى. (وَالْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ) لِأَنَّ التَّطْيِيبَ سُنَّةٌ، وَتَخْصِيصُ مَوَاضِعِ السُّجُودِ تَشْرِيفًا لَهَا. [فَصْلٌ صفة الكفن] فَصْلٌ قَالَ: (ثُمَّ يُكَفِّنُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ مَجْمَّرَةٍ: قَمِيصٍ، وَإِزَارٍ، وَلِفَافَةٍ ; وَهَذَا كَفَنُ السُّنَّةِ) لِمَا «رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ مِنْهَا قَمِيصُهُ» . «وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَفَّنَتْ آدَمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ يَا بَنِي آدَمَ» . (وَصِفَتُهُ أَنْ تُبْسَطَ اللِّفَافَةُ ثُمَّ الْإِزَارُ فَوْقَهَا، ثُمَّ يُقَمَّصُ وَهُوَ مِنَ الْمَنْكِبِ إِلَى الْقَدَمِ،

стр. 89

وَيُوضَعُ الْإِزَارُ وَهُوَ مِنَ الْقَرْنِ إِلَى الْقَدَمِ، وَيُعْطَفُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ ثُمَ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ، فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى إِزَارٍ وَلِفَافَةٍ جَازَ، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى وَاحِدٍ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَيُعْقَدُ الْكَفَنُ إِنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ، وَلَا يُكَفَّنُ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لَهُ، وَكَفَنُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ، وَتُزَادُ خِمَارًا وَخِرْقَةً تُرْبَطُ فَوْقَ ثَدْيَيْهَا، فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَوْبَيْنِ وَخِمَارٍ جَازَ، وَيُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَ الْقَمِيصِ تَحْتَ اللِّفَافَةِ. فَصْلٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَيُوضَعُ الْإِزَارُ وَهُوَ مِنَ الْقَرْنِ إِلَى الْقَدَمِ، وَيُعْطَفُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ ثُمَّ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ) اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ، ثُمَّ اللِّفَافَةُ كَذَلِكَ، وَهِيَ مِنَ الْقَرْنِ إِلَى الْقَدَمِ. قَالَ: (فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى إِزَارٍ وَلِفَافَةٍ جَازَ) اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ؟ وَلِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁: اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ وَكَفَّنُونِي فِيهِمَا، وَهَذَا كَفَنُ الْكِفَايَةِ. قَالَ: (وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى وَاحِدٍ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتُشْهِدَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. قَالَ: (وَيُعْقَدُ الْكَفَنُ إِنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ) تَحَرُّزَا عَنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ. (وَلَا يُكَفَّنُ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ لِبْسُهُ لَهُ) اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ. قَالَ: (وَكَفَنُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ وَتُزَادُ خِمَارًا وَخِرْقَةً تُرْبَطُ فَوْقَ ثَدْيَيْهَا) تُلْبَسُ الْقَمِيصَ أَوَّلًا ثُمَّ الْخِمَارَ فَوْقَهُ، ثُمَّ تُرْبَطُ الْخِرْقَةُ فَوْقَ الْقَمِيصِ ثُمَّ الْإِزَارُ ثُمَّ اللِّفَافَةُ اعْتِبَارًا بِلِبْسِهَا حَالَ الْحَيَاةِ وَهُوَ كَفَنُ السُّنَّةِ، لِمَا رَوَتْ أَمُّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَاوَلَهَا فِي كَفَنِ ابْنَتِهِ ثَوْبًا ثَوْبًا حَتَّى نَاوَلَهَا خَمْسَةَ أَثْوَابٍ آخِرُهَا خِرْقَةٌ تَرْبِطُ بِهَا ثَدْيَيْهَا» . (فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَوْبَيْنِ وَخِمَارٍ جَازَ) وَهُوَ كَفَنُ الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مَا تُسْتَرُ بِهِ حَالَ الْحَيَاةِ، وَيُكْرَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَكْفِيهَا إِزَارٌ وَلِفَافَةٌ لِحُصُولِ السِّتْرِ بِهِمَا. قَالَ: (وَيُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَ الْقَمِيصِ تَحْتَ اللِّفَافَةِ) مِنَ الْجَانِبَيْنِ لِأَنَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ يُجْعَلُ وَرَاءَ ظَهْرِهَا لِلزِّينَةِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ رُبَّمَا انْتَشَرَ الْكَفَنُ فَيُجْعَلُ عَلَى صَدْرِهَا لِذَلِكَ، وَالْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ وَغَيْرِ الْمُرَاهِقِ فِي خِرْقَتَيْنِ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَإِذَا مَاتَتِ الْمَرْأَةُ وَلَا كَفَنَ لَهَا فَكَفَنُهَا عَلَى زَوْجِهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا بِكِسْوَتِهَا حَالَ الْحَيَاةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ مِنْ مُؤَنِ النِّكَاحِ وَقَدْ زَالَ. [فَصْلٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ] فَصْلٌ (الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) قَالَ ﵊: «الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ» .

стр. 90

وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا السُّلْطَانُ، ثُمَّ الْقَاضِي، ثُمَّ إِمَامُ الْحَيِّ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، إِلَّا الْأَبَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ، وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُصَلِّيَ إِنْ صَلَّى غَيْرُ السُّلْطَانِ أَوِ الْقَاضِي، فَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ، وَإِنْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ صَلَّوْا عَلَى قَبْرِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ تَفَسُّخُهُ، وَيَقُومُ الْإِمَامُ حِذَاءَ الصَّدْرِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. وَالصَّلَاةُ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى وَلَا يَرْفَعُ بَعْدَهَا. ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَقَالَ ﵊: «صَلُّوا عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» وَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ صَلَّوْا عَلَى آدَمَ وَقَالُوا: هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ. قَالَ: (وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا السُّلْطَانُ) لِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ ازْدِرَاءً بِهِ. وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهُ الْحَسَنُ قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَكَانَ أَمِيرًا بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ: لَوْلَا السُّنَّةُ لَمَّا قَدَّمْتُكَ. (ثُمَّ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. ثُمَّ إِمَامُ الْحَيِّ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِمَامَتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ. (ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، إِلَّا الْأَبَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ) لِأَنَّ لَهُ فَضِيلَةً عَلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: الْوَلِيُّ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْقُرْبِ فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَلِلْأَقْرَبِ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ. (وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُصَلِّيَ إِنْ صَلَّى غَيْرُ السُّلْطَانِ أَوِ الْقَاضِي) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ. قَالَ: (فَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ) لِأَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ تَأَدَّى بِالْوَلِيِّ، فَلَوْ صَلَّوْا بَعْدَهُ يَكُونُ نَفْلًا وَلَا يُتَنَفَّلُ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ لَأَعَادَهَا النَّاسُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَلَمْ يَفْعَلُوا، وَلِقَوْلِهِ ﵊ لِعُمَرَ: «إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ لَا تُعَادُ» . قَالَ: (وَإِنْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ صَلَّوْا عَلَى قَبْرِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ تَفَسُّخُهُ) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، فَإِذَا تَفَسَّخَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالتُّرْبَةِ وَلَوْ عَلِمُوا بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَمْ يُغَسَّلْ غَسَّلُوهُ وَأَعَادُوا الصَّلَاةَ، وَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ بَعْدَ الدَّفْنِ لَا يُنْبَشُ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَلَا يُعِيدُهَا. وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: يُخْرِجُونَهُ مَا لَمْ يُهِيلُوا التُّرَابَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَبْشٍ. قَالَ: (وَيَقُومُ الْإِمَامُ حِذَاءَ الصَّدْرِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) لِمَا «رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ بِحِذَاءِ صَدْرِهَا» ، وَلِأَنَّ الصَّدْرَ مَحَلُّ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَمَعْدِنُ الْحِكْمَةِ، فَيَكُونُ الْقِيَامُ بِحِذَائِهِ إِشَارَةً إِلَى الشَّفَاعَةِ لِإِيمَانِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقِفُ لِلرَّجُلِ حِذَاءَ الصَّدْرِ، وَلِلْمَرْأَةِ حِذَاءَ وَسَطِهَا؛ لِأَنَّ أَنَسًا ﵁ فَعَلَ كَذَلِكَ، وَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ. قَالَ: (وَالصَّلَاةُ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ: «أَرْبَعٌ كَأَرْبَعِ الْجَنَائِزِ» . (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى) لِأَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ. (وَلَا يَرْفَعُ بَعْدَهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ -

стр. 91

يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ الْأُولَى، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﵊ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَيُسَلِّمُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَيَقُولُ فِي الصَّبِيِّ بَعْدَ الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَذُخْرًا شَافِعًا مُشَفَّعًا، وَلَا قِرَاءَةَ فِيهَا وَلَا تَشَهُّدَ ; وَمَنِ اسْتَهَلَّ وَهُوَ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ صَوْتٌ سُمِّيَ، وَغُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا أُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. فَإِذَا حَمَلُوهُ عَلَى سَرِيرِهِ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ ــ [الاختيار لتعليل المختار] «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَلَمْ يَذْكُرْهَا. (يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ الْأُولَى) لِأَنَّ سُنَّةَ الدُّعَاءِ الْبِدَايَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ. (وَيُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ ﵊ بَعْدَ الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ ذِكْرَهُ ﵊ يَلِي ذِكْرَ رَبِّهِ تَعَالَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] قِيلَ: لَا أُذْكَرُ إِلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي. (وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الدُّعَاءُ، وَقَدْ قُدِّمَ ذِكْرُ اللَّهِ وَذِكْرُ رَسُولِهِ فَيَأْتِي بِالْمَقْصُودِ فَهُوَ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ. (وَيُسَلِّمُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ هَكَذَا آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا ﷺ وَهُوَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى زَمَانِنَا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ دَعَوْتَ بِبَعْضِ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَحَسَنٌ، وَإِنْ دَعَوْتَ بِمَا يَحْضُرُكَ فَحَسَنٌ. (وَيَقُولُ فِي الصَّبِيِّ بَعْدَ الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَذُخْرًا شَافِعًا مُشَفَّعًا) لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى غَائِبٍ لِأَنَّهُ إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ مَعَ الْغَيْبَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَصَلَّى النَّاسُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ، وَلَوْ صَلَّوْا لَنُقِلَ وَلَمْ يُنْقَلْ. وَأَمَّا صَلَاتُهُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَإِنَّهُ كُشِفَ لَهُ حَتَّى أَبْصَرَ سَرِيرَهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ يَوْمَ مَاتَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «هَذَا أَخُوكُمُ النَّجَاشِيُّ قَدْ مَاتَ قُومُوا نُصَلِّي عَلَيْهِ» ، فَصَلَّى وَهُوَ يَرَاهُ وَصَلَّتِ الصَّحَابَةُ بِصَلَاتِهِ. قَالَ: (وَلَا قِرَاءَةَ فِيهَا وَلَا تَشَهُّدَ) أَمَّا التَّشَهُّدُ فَإِنَّ مَحَلَّهُ الْقُعُودُ وَلَا قُعُودَ فِيهَا. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ قِرَاءَةً، لَا فِعْلًا، وَلَا قَوْلًا، كَبِّرْ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ، وَاخْتَرْ مِنْ أَطْيَبِ الْكَلَامِ مَا شِئْتَ، وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا بَأْسَ بِهِ، أَمَّا بِنِيَّةِ التِّلَاوَةِ مَكْرُوهٌ. قَالَ: (وَمَنِ اسْتَهَلَّ وَهُوَ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ صَوْتٌ سُمِّيَ وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا أُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنِ اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَوُرِّثَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوَرَّثْ» رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. [فَصْلٌ حمل الميت والسير به ودفنه] فَصْلٌ (فَإِذَا حَمَلُوهُ عَلَى سَرِيرِهِ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُحْمَلَ

стр. 92

وَأَسْرَعُوا بِهِ دُونَ الْخَبَبِ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَى قَبْرِهِ كُرِهَ لَهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ، وَيُحْفَرُ الْقَبْرُ وَيُلْحَدُ، وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيَقُولُ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُوَجِّهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُسَجَّى قَبْرُ الْمَرْأَةِ بِثَوْبٍ حَتَّى يُجْعَلَ اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، وَلَا يُسَجَّى قَبْرُ الرَّجُلِ وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، ثُّمَ يُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهَا، وَيُسَنَّمُ الْقَبْرُ، وَيُكْرَهُ بِنَاؤُهُ بِالْجِصِّ وَالْآجُرِّ وَالْخَشَبِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا ــ [الاختيار لتعليل المختار] الْجِنَازَةُ مِنْ جَوَانِبِهَا الْأَرْبَعِ» ، وَفِيهِ تَعْظِيمُ الْمَيِّتِ وَصِيَانَتُهُ عَنِ السُّقُوطِ وَتَخْفِيفٌ عَنِ الْحَامِلِينَ. قَالَ: (وَأَسْرَعُوا بِهِ دُونَ الْخَبَبِ) لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «سَأَلْنَا نَبِيَّنَا ﷺ عَنْ سَيْرِ الْجِنَازَةِ فَقَالَ: دُونَ الْخَبَبِ، الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا» . قَالَ: (فَإِذَا وَصَلُوا إِلَى قَبْرِهِ كُرِهَ لَهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْأَرْضِ) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُومُ حَتَّى يُسَوَّى عَلَيْهِ التُّرَابُ وَلِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى لَوْ عَلِمُوا اسْتِغْنَاءَهُمْ عَنْهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. (وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ) لِمَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاتِّعَاظِ، وَالْأَحْسَنُ فِي زَمَانِنَا الْمَشْيُ أَمَامَهَا لِمَا يَتْبَعُهَا مِنَ النِّسَاءِ. قَالَ: (وَيُحْفَرُ الْقَبْرُ وَيُلْحِدُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» وَلِأَنَّهُ صَنِيعُ الْيَهُودِ وَالسُّنَّةُ مُخَالَفَتُهُمْ. قَالَ: (وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيَقُولُ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُوَجِّهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَاتَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، فَشَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: " يَا عَلِيُّ، اسْتَقْبِلْ بِهِ الْقِبْلَةَ اسْتِقْبَالًا وَقُولُوا جَمِيعًا: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَضَعُوهُ لِجَنْبِهِ وَلَا تُكِبُّوهُ لِوَجْهِهِ وَلَا تُلْقُوهُ» وَذُو الرَّحِمِ أَوْلَى بِوَضْعِ الْمَرْأَةِ فِي قَبْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْأَجَانِبُ، وَلَا يَدْخُلُ الْقَبْرَ امْرَأَةٌ. قَالَ: (وَيُسَجَّى قَبْرُ الْمَرْأَةِ بِثَوْبٍ حَتَّى يُجْعَلَ اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ) وَلَا يُسَجَّى قَبْرُ الرَّجُلِ لِأَنَّ مَبْنَى أَمْرِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ حَتَّى اسْتَحْسَنُوا التَّابُوتَ لِلنِّسَاءِ. (وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ) كَذَا فُعِلَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ . (ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ. (وَيُسَنَّمُ الْقَبْرُ) مُرْتَفِعًا قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ أَوْ شِبْرٍ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا، وَلَا يُسَطَّحُ لِأَنَّ التَّسْطِيحَ صَنِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ. (وَيُكْرَهُ بِنَاؤُهُ بِالْجِصِّ وَالْآجُرِّ وَالْخَشَبِ) لِأَنَّهَا لِلْبَقَاءِ وَالزِّينَةِ، وَالْقَبْرُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا. قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا

стр. 93

تُرَابٌ، وَيُكْرَهُ وَطْءُ الْقَبْرِ وَالْجُلُوسُ وَالنَّوْمُ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عِنْدَهُ، وَإِذَا مَاتَ لِلْمُسْلِمِ قَرِيبٌ كَافِرٌ غَسَّلَهُ غَسْلَ الثَّوْبِ النَّجِسِ، وَيَلُفُّهُ فِي ثَوْبٍ وَيُلْقِيهِ فِي حَفِيرَةٍ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ إِلَى أَهْلِ دِينِهِ. بَابُ الشَّهِيدِ وَهُوَ مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ وُجِدَ بِالْمَعْرَكَةِ جَرِيحًا، أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا، وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ مَالٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ إِنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا طَاهِرًا، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] تُرَابٌ) لِيَصِيرَ كَقَبْرَيْنِ. (وَيُكْرَهُ وَطْءُ الْقَبْرِ وَالْجُلُوسُ وَالنَّوْمُ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عِنْدَهُ) لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِهَانَةٌ بِهِ. قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ لِلْمُسْلِمِ قَرِيبٌ كَافِرٌ غَسَلَهُ غَسْلَ الثَّوْبِ النَّجِسِ، وَيَلُفُّهُ فِي ثَوْبٍ وَيُلْقِيهِ فِي حَفِيرَةٍ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصِلَتِهِ وَهَذَا مِنْهُ، وَلِئَلَّا يَتْرُكَهُ طُعْمَةً لِلسِّبَاعِ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ لِأَنَّهَا شَفَاعَةٌ لَهُ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. (وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ إِلَى أَهْلِ دِينِهِ) لِيَفْعَلُوا بِهِ مَا يَفْعَلُونَ بِمَوْتَاهُمْ. [بَابُ الشَّهِيدِ] ِ (وَهُوَ مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ وُجِدَ بِالْمَعْرَكَةِ جَرِيحًا، أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا، وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ مَالٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ إِنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا طَاهِرًا، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) وَالْأَصْلُ فِي أَحْكَامِ الشَّهِيدِ شُهَدَاءُ أُحُدٍ. قَالَ ﷺ فِيهِمْ: «زَمِّلُوهُمُ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، وَلَا تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» فَكُلُّ مَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِمْ، أَوْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ بِأَنْ قُتِلَ ظُلْمًا، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَلَهُ حُكْمُهُمْ. وَقَوْلُهُ: أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا، يَدْخُلُ فِيهِ الْبُغَاةُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُغَسِّلْ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِصِفِّينَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ كَصَلَاتِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ، حَتَّى «رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ ﵁ سَبْعِينَ صَلَاةً» ، وَفِي رِوَايَةٍ «سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً» فَإِنَّهُ كَانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُؤْتَى بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ، حَتَّى ظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى حَمْزَةَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَقَوْلُهُ: إِنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا طَاهِرًا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ يُغَسَّلُ الصَّبِيُّ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا اسْتُشْهِدُوا. وَقَالَا: لَا يُغَسَّلُ الصَّبِيُّ قِيَاسًا عَلَى الْبَالِغِ، وَلَا الْجُنُبُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ سَقَطَ بِالْمَوْتِ، وَمَا يَجِبُ بِالْمَوْتِ مُنْعَدِمٌ فِي حَقِّهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ صَحَّ أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ عَامِرٍ قُتِلَ جُنُبًا فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ،

стр. 94

وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ، وَيُنْقَصُ وَيُزَادُ مُرَاعَاةً لِكَفَنِ السُّنَّةِ، وَيُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالسِّلَاحُ وَالْخُفُّ وَالْقَلَنْسُوَةُ، فَإِنْ أَكَلَ (ف) ، أَوْ شَرِبَ (ف) ، أَوْ تَدَاوَى، أَوْ أَوْصَى (ف) بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، أَوْ بَاعَ، أَوِ اشْتَرَى، أَوْ صَلَّى، أَوْ حُمِلَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا، أَوْ آوَتْهُ خَيْمَةٌ، أَوْ عَاشَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَهُوَ يَعْقِلُ غُسِّلَ (ف) ، وَالْمَقْتُولُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ; وَالْبُغَاةُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَكَانَ تَعْلِيمًا، وَهُوَ مَخْصُوصٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْعَامِّ ; وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ مِثْلُهُ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مَوْتَى بَنِي آدَمَ الْغُسْلُ، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِشَهَادَةِ تَكْفِيرِ الذَّنْبِ لِيَبْقَى أَثَرُهَا لِمَا رَوَيْنَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الصَّبِيِّ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ; وَمَنْ قُتِلَ بِالْمُثَقِّلِ يَجِبُ غُسْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا الْقَتْلُ، وَمَنْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ مَيِّتًا لَا جِرَاحَةَ بِهِ غُسِّلَ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي شَهَادَتِهِ. قَالَ: (وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ وَيُنْقَصُ وَيُزَادُ مُرَاعَاةً لِكَفَنِ السُّنَّةِ) لِأَنَّ «حَمْزَةَ لَمَّا اسْتُشْهِدَ كَانَ عَلَيْهِ نَمِرَةٌ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ قَدَمَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَتْ قَدَمَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُغَطَّى بِهَا رَأْسُهُ وَأَنْ يُوضَعَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ» . وَأَنَّهُ زِيَادَةٌ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهَا. (وَيُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالسِّلَاحُ وَالْخُفُّ وَالْقَلَنْسُوَةُ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَثْوَابِ الْكَفَنِ، وَالنَّبِيُّ ﵊ أَمَرَ بِنَزْعِهَا عَنِ الشَّهِيدِ. قَالَ: (فَإِنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ تَدَاوَى، أَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، أَوْ بَاعَ، أَوِ اشْتَرَى، أَوْ صَلَّى، أَوْ حُمِلَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا، أَوْ آوَتْهُ خَيْمَةٌ، أَوْ عَاشَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَهُوَ يَعْقِلُ غُسِّلَ) لِأَنَّهُ نَالَ مَرَافِقَ الْحَيَاةِ فَخَفَّ عَنْهُ أَثَرُ الظُّلْمِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَإِنَّهُمْ مَاتُوا عِطَاشًا وَالْكَأْسُ يُدَارُ عَلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ نَقْصِ الشَّهَادَةِ ; وَلَوْ حُمِلَ مِنْ بَيْنِ الصَّفَيْنِ كَيْلَا تَطَأَهَ الْخَيْلُ لَا لِلتَّدَاوِي، لَا يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنَلْ مَرَافِقَ الْحَيَاةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِذَا مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ غُسِّلَ لِأَنَّهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ وَذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَإِنْ أَوْصَى بِأَمْرٍ دِينِيِّ لَمْ يُغَسَّلْ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَوْصَى الْأَنْصَارَ فَقَالَ: لَا عُذْرَ لَكُمْ إِنْ قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرَفُ، وَمَاتَ وَلَمْ يُغَسَّلْ. قَالَ: (وَالْمَقْتُولُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ ظُلْمًا فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ. قَالَ: (وَالْبُغَاةُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُمْ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا. وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [المائدة: ٣٣] وَالصَّلَاةُ شَفَاعَةٌ فَلَا يَسْتَحِقُّونَهَا،

стр. 95

كِتَابُ الزَّكَاةِ وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ (ف) الْبَالِغِ (ف) إِذَا مَلَكَ نِصَابًا خَالِيًا عَنِ الدَّيْنِ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِلْكًا تَامًّا فِي طَرَفَيِ الْحَوْلِ ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَعَلِيٌّ ﵁ مَا صَلَّى عَلَى الْبُغَاةِ وَهُوَ الْقُدْوَةُ فِي الْبَابِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا. [كِتَابُ الزَّكَاةِ] ِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ، يُقَالُ: زَكَا الْمَالُ: إِذَا نَمَا وَازْدَادَ، وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ زَكِيُّ الْعِرْضِ: أَيْ طَاهِرُهُ. وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ إِيجَابِ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَالِ فِي مَالٍ مَخْصُوصٍ لِمَالِكٍ مَخْصُوصٍ، وَفِيهَا مَعْنَى اللُّغَةِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ طَهَارَةً عَنِ الْآثَامِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] أَوْ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ فِي الْمَالِ النَّامِي إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا ; وَسَبَبُ وُجُوبِهَا مِلْكُ مَالٍ مُقَدَّرٍ مَوْصُوفٍ لِمَالِكٍ مَوْصُوفٍ فَإِنَّهُ يُقَالُ زَكَاةُ الْمَالِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالتَّأْخِيرِ وَلَوْ هَلَكَ. وَعَنِ الْكَرْخِيِّ عَلَى الْفَوْرِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، وَهِيَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ لَا يَسَعُ تَرْكُهَا، وَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا، ثَبَتَتْ فَرْضِيَتُهَا بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَقَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وَبِالسُّنَّةِ وَهُوَ مَا رَوَيْنَا مِنَ الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ. قَالَ: (وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ، وَالْكَافِرُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْفُرُوعِ لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ بِالْعِبَادَاتِ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهَا أَحَدُ مَبَانِي الْإِسْلَامِ وَأَرْكَانِهِ وَلِقَوْلِهِ ﵊: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» . وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ. قَالَ: (إِذَا مَلَكَ نِصَابًا خَالِيًا عَنِ الدَّيْنِ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِلْكًا تَامًّا فِي طَرَفَيِ الْحَوَلِ) أَمَّا الْمِلْكُ فَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ كَاللُّقَطَةِ. وَأَمَّا النِّصَابُ

стр. 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَلِأَنَّهُ ﵊ قَدَّرَهُ بِهِ، فَقَالَ ﵊: «لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ» وَكَذَا وَرَدَ فِي سَائِرِ النُّصُبِ. وَأَمَّا خُلُوُّهُ عَنِ الدَّيْنِ فَلِأَنَّ الْمَشْغُولَ بِالدَّيْنِ مَشْغُولٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ فَرَاغَ ذِمَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَهَمُّ الْحَوَائِجِ، فَصَارَ كَالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ نَاقِصٌ لِأَنَّ لِلْغَرِيمِ أَخْذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا وَالزَّكَاةُ وَجَبَتْ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ الْكَامِلَةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مَصْرِفًا لِلزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] وَبَيْنَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَجَوَازِ أَخْذِهَا تَنَافٍ وَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ فَاضِلٌ عَنِ الدَّيْنِ زَكَّاهُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَالْمُرَادُ دَيْنٌ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، وَمَا لَا مُطَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لَا يَمْنَعُ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَوُجُوبِ الْحَجِّ وَنَحْوِهِ، وَالنَّفَقَةُ مَا لَمْ يُقْضَ بِهَا لَا تَمْنَعُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ، فَإِذَا قُضِيَ بِهَا صَارَتْ دَيْنًا فَمَنَعَتْ. وَاخْتَلَفُوا فِي دَيْنِ الزَّكَاةِ. قَالَ زُفَرُ: لَا يَمْنَعُ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ لِلْمَالِكِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ الدَّيْنُ فِي الذِّمَّةِ بِأَنِ اسْتَهْلَكَ مَالَ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَبَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَلَكَ مَالًا آخَرَ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يَمْنَعُ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْوُجُوبِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ فِي الْعَيْنِ كَمَنْ لَهُ نِصَابٌ فَمَضَى عَلَيْهِ سُنُونَ، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِجَمِيعِ مَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ خِلَافًا لِزُفَرَ ; وَعِنْدَهُمَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَيَمْنَعُ الدَّيْنُ سَوَاءً كَانَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ كَانَ لِلْإِمَامِ، وَعُثْمَانُ ﵁ فَوَّضَهُ إِلَى الْمُلَّاكِ، وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ طَلَبِ الْإِمَامِ حَتَّى لَوْ عَلِمَ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ لَا يُؤَدُّونَ زَكَاتَهُمْ طَالَبَهُمْ بِهَا، وَلَوْ مرَّ بِهَا عَلَى السَّاعِي كَانَ لَهُ أَخْذُهَا، فَكَانَ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فَيَمْنَعُ، وَالدَّيْنُ الْمُعْتَرِضِ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ يَمْنَعُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. وَالْمَهْرُ يَمْنَعُ مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ مُعَجَّلًا ; وَقِيلَ يَمْنَعُ الْمُعَجَّلُ دُونَ الْمُؤَجَّلِ. وَقَوْلُهُ: فَائِضًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊: «الْمَرْءُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ» وَقَوْلُهُ ﵊: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَقَدُّمِ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةَ وَهِيَ: دُورُ السُّكْنَى، وَثِيَابُ الْبَدَنِ، وَأَثَاثُ الْمَنْزِلِ، وَسِلَاحُ الِاسْتِعْمَالِ، وَدَوَابُّ الرُّكُوبِ، وَكُتُبُ الْفُقَهَاءِ، وَآلَاتُ الْمُحْتَرِفِينَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَعَاشِهِ. وَأَمَّا الْمِلْكُ التَّامُّ فَاحْتِرَازٌ عَنْ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ الْكَامِلَةِ، وَأَنَّهَا نِعْمَةٌ نَاقِصَةٌ، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَعْتِقَ» وَقَوْلُهُ فِي طَرَفَيِ الْحَوَلِ؛ لِأَنَّ الْحَوَلَ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ ﵊: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» . وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي النِّصَابِ مُدَّةً يَحْصُلُ مِنْهُ النَّمَاءُ، فَقَدَّرْنَاهُ بِالْحَوْلِ

стр. 97

وَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِعَزْلِ الْوَاجِبِ أَوْ لِلْأَدَاءِ؟ وَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ سَقَطَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا وَلَا زَكَاةَ فِي الْمَالِ الضِّمَارِ (ز ف) ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْأَسْعَارُ غَالِبًا، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ كَمَالِ النِّصَّابِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ لِلِانْعِقَادِ، وَفِي آخِرِهِ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَمَا بَيْنَهُمَا حَالَةُ الْبَقَاءِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهَا حَرَجًا عَظِيمًا، فَإِنَّ بِالتَّصَرُّفَاتِ فِي النَّفَقَاتِ يَتَنَاقَصُ وَيَزْدَادُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ دَفْعًا لِهَذَا الْحَرَجِ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِعَزْلِ الْوَاجِبِ أَوْ لِلْأَدَاءِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ مِنْهَا لِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ. وَالزَّكَاةُ تُؤَدَّى مُتَفَرِّقًا، فَرُبَّمَا يُحْرَجُ فِي النِّيَّةِ عِنْدَ أَدَاءِ كُلِّ دُفْعَةٍ، فَاكْتَفَيْنَا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْعَزْلِ تَسْهِيلًا وَتَيْسِيرًا. قَالَ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ سَقَطَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَسْقُطَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِعَدَمِ النِّيَّةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءُ النِّصَابِ. قَالَ ﵊: «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» . وَقَالَ ﵊: «فِي عِشْرِينَ مِثْقَالًا نِصْفُ مِثْقَالٍ» إِلَى غَيْرِهِ مِنَ النُّصُوصِ، وَالرُّكْنُ هُوَ التَّمْلِيكُ عَلَى وَجْهِ الْمَبَرَّةِ، وَقَدْ وُجِدَ لِحُصُولِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَدَّى الْكُلَّ فَقَدْ أَدَّى الْجُزْءَ، وَالنِّيَّةُ شُرِطَتْ لِلتَّعْيِينِ، وَالْوَاجِبُ قَدْ تَعَيَّنَ بِإِخْرَاجِ الْكُلِّ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالْبَعْضِ سَقَطَتْ زَكَاةُ ذَلِكَ الْبَعْضِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْمَالِ الضِّمَارِ) وَهُوَ الْمَالُ الضَّائِعُ وَالسَّاقِطُ فِي الْبَحْرِ، وَالْمَدْفُونُ فِي الْمَفَازَةِ إِذَا نَسِيَ الْمَالِكُ مَكَانَهُ، وَالْعَبْدُ الْآبِقُ وَالْمَغْصُوبُ، وَالدَّيْنُ الْمَجْحُودُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا بَيِّنَةٌ، وَالْمُودَعُ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالْمَدْفُونُ فِي الْبُسْتَانِ وَالْأَرْضِ فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ، وَالْمَدْفُونُ بِالْبَيْتِ لَيْسَ بِضِمَارٍ. وَقَالَ زُفَرَ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الضِّمَارِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ، وَالسَّبَبُ مُتَحَقِّقٌ وَهُوَ الْمِلْكُ، وَلَا يَضُرُّهُ زَوَالُ الْيَدِ كَابْنِ السَّبِيلِ. وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: «لَا زَكَاةَ فِي الْمَالِ الضِّمَارِ» وَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - لَمَّا رَدَّ الْأَمْوَالَ عَلَى أَصْحَابِهَا - أَفَلَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ زَكَاتَهَا لِمَا مَضَى؟ قَالَ: لَا إِنَّهَا كَانَتْ ضِمَارًا. وَالْعِبَادَاتُ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ فِي إِيجَابِهَا وَإِسْقَاطِهَا فَكَانَ تَوْقِيفًا، وَلِأَنَّهُ مَالٌ غَيْرُ نَامٍ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ بِالِاسْتِنْمَاءِ غَالِبًا وَهُوَ عَاجِزٌ، بِخِلَافِ ابْنِ السَّبِيلِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ

стр. 98

وَتَجِبُ فِي الْمُسْتَفَادِ الْمُجَانِسِ وَيُزَكِّيهِ مَعَ الْأَصْلِ وَتَجِبُ فِي النِّصَابِ دُونَ الْعَفْوِ (م ز) ، وَتَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ (ف) ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهُ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ، وَيَجُوزُ فِيهَا دَفْعُ الْقِيمَةِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] بِنَائِبِهِ. قَالَ: (وَتَجِبُ فِي الْمُسْتَفَادِ الْمُجَانِسِ وَيُزَكِّيهِ مَعَ الْأَصْلِ) وَهُوَ مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْهِبَةِ أَوِ الْإِرْثِ أَوِ الْوَصِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «اعْلَمُوا أَنَّ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تُؤَدُّونَ فِيهِ الزَّكَاةَ، فَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَجِيءَ رَأْسُ السَّنَةِ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الْأَصْلِ وَالْحَادِثِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَجِيءُ رَأْسِ السَّنَةِ، وَهَذَا رَاجِحٌ عَلَى مَا يُرْوَى: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» لِأَنَّهُ عَامٌّ، وَمَا رَوَيْنَاهُ خَاصٌّ فِي الْمُسْتَفَادِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ الْمُجَانِسِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ، وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ لِكُلِّ مُسْتَفَادٍ مَشَقَّةً وَعَنَاءً، فَإِنَّ الْمُسْتَفَادَاتِ قَدْ تَكْثُرُ فَيَعْسُرُ عَلَيْهِ مُرَاقَبَةُ ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ وَانْتِهَائِهِ لِكُلِّ مُسْتَفَادٍ وَالْحَوْلُ لِلتَّيْسِيرِ، وَصَارَ كَالْأَوْلَادِ وَالْأَرْبَاحِ ; أَمَّا الْمُسْتَفَادُ الْمُخَالِفُ لَا يُضَمُّ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ: (وَتَجِبُ فِي النِّصَابِ دُونَ الْعَفْوِ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ فِيهِمَا. وَصُورَتُهُ لَوْ كَانَ لَهُ ثَمَانُونَ مِنَ الْغَنَمِ فَهَلَكَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ نِصْفُ شَاةٍ. وَلَوْ كَانَ لَهُ تِسْعٌ مِنَ الْإِبِلِ هَلَكَ مِنْهَا أَرْبَعٌ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ. لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ: أَنَّ الْعَفْوَ مَالٌ نَامٍ وَنِعْمَةٌ كَامِلَةٌ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ بِسَبَبِهِ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ وَالْمَالِ النَّامِي. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ، وَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ عَشْرًا» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي الْعَفْوِ، وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلنِّصَابِ فَيَنْصَرِفُ الْهَلَاكُ إِلَيْهِ كَالرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ. قَالَ: (وَتَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهُ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءُ النِّصَابِ لِمَا مَرَّ، فَكَانَ النِّصَابُ مَحَلًّا لِلزَّكَاةِ ; وَالشَّيْءُ لَا يَبْقَى بَعْدَ مَحَلِّهِ كَالْعَبْدِ الْجَانِي إِذَا مَاتَ وَلَمْ يُوجَدِ الطَّلَبُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِفَقِيرٍ بِعَيْنِهِ، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ بَعْدَ طَلَبِ السَّاعِي يُضَمْنُ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَتُضْمَنُ بِالْهَلَاكِ بَعْدَ الطَّلَبِ كَالْوَدِيعَةِ. وَقَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ: لَا تُضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ إِنْ شَاءَ دَفَعَ الْعَيْنَ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ الْقِيمَةَ مِنَ النَّقْدَيْنِ وَالْعُرُوضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الدَّفْعَ لِيَحْصُلَ الْعِوَضُ، وَأَمَّا بِالِاسْتِهْلَاكِ فَقَدْ تَعَدَّى فَيُضْمَنُ عُقُوبَةً لَهُ. قَالَ: (وَيَجُوزُ فِيهَا دَفْعُ الْقِيمَةِ) وَكَذَا فِي الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْعُشُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَأْخُوذِ صَدَقَةٌ، وَكُلَّ جِنْسٍ يَأْخُذُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ: «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ فَغَضِبَ وَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ أَخْذِ كَرَائِمِ أَمْوَالِ النَّاسِ) ؟ فَقَالَ الْمُصَدِّقُ: إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِبَعِيرَيْنِ فَسَكَتَ» . وَأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْبَابِ. «وَقَوْلُ مُعَاذٍ لِأَهْلِ

стр. 99

وَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ وَسَطَ الْمَالِ ; وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا فَعَجَّلَ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ لِسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ لِنُصُبٍ جَازَ (ز) . ــ [الاختيار لتعليل المختار] الْيَمَنِ حِينَ بَعَثَهُ ﷺ إِلَيْهِمْ: ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفَعُ لِمَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ» وَكَانَ يَأْتِي بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: «خُذْ مِنَ الْإِبِلِ الْإِبِلَ» الْحَدِيثَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّيْسِيرِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ عَلَى أَصْحَابِهَا أَسْهَلُ، وَأَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَجْنَاسِ ; وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ إِيصَالُ الرِّزْقِ الْمَوْعُودِ إِلَى الْفَقِيرِ وَقَدْ حَصَلَ. قَالَ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ قُوتَ الْفُقَرَاءِ وَسَمَّاهُ زَكَاةً» وَصَارَ كَالْجِزْيَةِ بِخِلَافِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا؛ لِأَنَّ إِرَاقَةَ الدَّمِ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى. قَالَ: " وَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ وَسَطَ الْمَالِ " لِقَوْلِهِ ﵊: «خُذْ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالَهِمْ» أَيِ الْوَسَطِ، وَلِأَنَّ أَخْذَ الْجَيِّدِ إِضْرَارٌ بِرَبِّ الْمَالِ، وَأَخْذَ الرَّدِيءِ إِضْرَارٌ بِالْفُقَرَاءِ، فَقُلْنَا بِالْوَسَطِ تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا، وَلَا يَأْخُذُ الرَّبِيَّ وَلَا الْمَاخِضَ، وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ، وَلَا الْأَكُولَةَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِقَوْلِهِ ﵊: «إِيَّاكُمْ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» وَقَالَ عُمَرُ ﵁: عُدَّ عَلَيْهُمُ السَّخْلَةَ وَلَوْ جَاءَ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدَيْهِ، أَلَسْنَا تَرَكْنَا لكم الرَّبِيَّ وَالْأَكُولَةَ وَالْمَاخِضَ وَفَحْلَ الْغَنَمِ؟ . قَالَ: (وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا فَعَجَّلَ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ لِسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ لِنُصُبٍ جَازَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «اسْتَسْلَفَ الْعَبَّاسَ زَكَاةَ عَامَيْنِ» ، وَلِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ السَّبَبِ وَهُوَ الْمَالُ. وَالْحَوْلُ الْأَوَّلُ وَمَا بَعْدَهُ سَوَاءٌ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ إِتْمَامِ النِّصَابِ لِأَنَّهُ أَدَّى قَبْلَ السَّبَبِ فَلَا يَجُوزُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلِأَنَّ النَّصَّابَ الْأَوَّلَ سَبَبٌ لِوُجُودِ

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الاختيار لتعليل المختار] الزَّكَاةِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ النُّصُبِ، أَلَا يَرَى أَنَّهَا تُضَمُّ إِلَيْهِ فَكَانَتْ تَبَعًا لَهُ. وَقَالَ زُفَرُ: إِذَا أَدَّى عَنْ نُصُبٍ لَا يُجْزِيهِ إِلَّا عَنِ النِّصَابِ الَّذِي فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى قَبْلَ السَّبَبِ وَهُوَ الْمِلْكُ، وَلَنَا مَا بَيَّنَّا، وَلِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ تَبَعُ الْأَصْلِ فِي حَقِّ الْوُجُوبِ، فَيَكُونُ تَبَعًا فِي حُكْمِ الْحَوْلِ أَيْضًا، فَكَأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ عَلَى الْجَمِيعِ. ١ - فَصْلٌ وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ أَخَذَهَا الْإِمَامُ كَرْهًا وَوَضَعَهَا مَوْضِعَهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَقَوْلِهِ ﵊: «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ» وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ كَانَ لِلْإِمَامِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ إِلَى زَمَانِ عُثْمَانَ ﵁ بِهَذِهِ النُّصُوصِ، فَفَوَّضَهَا فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ إِلَى أَرْبَابِهَا مَخَافَةَ تَفْتِيشِ الظَّلَمَةِ إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، فَصَارَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ كَالْوُكَلَاءِ عَنِ الْإِمَامِ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُؤَدُّونَ طَالَبَهُمْ بِهَا ; وَمَا أَخَذَهُ الْخَوَارِجُ وَالْبُغَاةُ مِنَ الزَّكَاةِ لَا يُثَنَّى عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ حِمَايَتِهِمْ، وَالْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ، وَيُفْتَى أَهْلُهَا بِالْإِعَادَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهَا بِطَرِيقِ الصَّدَقَةِ وَلَا يَصْرِفُونَهَا مَصَارِفَهَا. وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيمَا يَأْخُذُهُ الظَّلَمَةُ مِنَ السَّلَاطِينِ فِي زَمَانِنَا. قَالَ مَشَايِخُ بَلْخَ: يُفْتَوْنَ بِالْإِعَادَةِ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ: يُفْتَوْنَ بِإِعَادَةِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّهَا حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَلَا يَصْرِفُونَهَا إِلَيْهِمْ، وَلَا يُفْتَوْنَ فِي الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْمُقَاتِلَةِ وَهُمْ مِنْهُمْ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ عَدُوٌّ قَاتَلُوهُ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ: الْأَصَحُّ أَنَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ إِذَا نَوَوْا عِنْدَ الدَّفْعِ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَكَذَا جَمِيعُ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الرَّجُلِ مِنَ الْجِبَايَاتِ وَالْمُصَادَرَاتِ؛ لِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمْ أَمْوَالُ النَّاسِ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ التَّبِعَاتِ فَوْقَ مَالِهِمْ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَارِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ، حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: يَجُوزُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ وَالِي خُرَاسَانَ. وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ أَوْ صَدَقَةُ فِطْرٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الْوَرَثَةُ جَازَ، وَإِنْ أَوْصَى بِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَا تَتَأَدَّى إِلَّا بِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ شُرِعَتْ لِلِابْتِلَاءِ لِيَتَبَيَّنَ الطَّائِعُ مِنَ الْعَاصِي، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَقَصْدِهِ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِيتَاءِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ جَبْرًا، وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ وَارِثِهِ عَنْهُ إِلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُ اسْتِحْسَانًا، وَقُلْنَا بِسُقُوطِهِ عَنْهُ بِأَدَاءِ الْوَارِثِ، لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ حَيْثُ قَالَ ﵊: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَوْلَى» .

стр. 101

بَابُ زَكَاةِ السَّوَائِمِ السَّائِمَةُ الَّتِي تَكْتَفِي بِالرَّعْيِ فِي أَكْثَرَ حَوْلِهَا، فَإِنْ عَلَفَهَا نِصْفَ الْحَوْلِ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ. وَالْإِبِلُ تَتَنَاوَلُ الْبُخْتَ وَالْعِرَابَ. وَالْبَقَرُ يَتَنَاوَلُ الْجَوَامِيسَ أَيْضًا ; وَالْغَنَمُ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ. فصل لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، وَفِي الْخَمْسِ شَاةٌ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ ــ [الاختيار لتعليل المختار] [بَابُ زَكَاةِ السَّوَائِمِ] ِ (السَّائِمَةُ الَّتِي تَكْتَفِي بِالرَّعْيِ فِي أَكْثَرِ حَوْلِهَا، فَإِنْ عَلَفَهَا نِصْفَ الْحَوْلِ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ) لِأَنَّ أَرْبَابَهَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَلَفِ أَيَّامَ الثَّلْجِ وَالشِّتَاءِ، فَاعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ لِيَكُونَ غَالِبًا؛ لِأَنَّ السَّوْمَ إِنَّمَا أَوْجَبَ الزَّكَاةَ لِحُصُولِ النَّمَاءِ وَخِفَّةِ الْمَئُونَةِ، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَتْ تُسَامُ أَكْثَرَ الْمُدَّةِ ; أَمَّا إِذَا عُلِفَتْ فَالْمَئُونَةُ تَكْثُرُ وَكَثْرَتُهَا تُؤَثِّرُ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ كَالْمَعْلُوفَةِ دَائِمًا فَاعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ، وَهِيَ الَّتِي تُسَامُ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالنَّمَاءِ ; أَمَّا لَوْ سِيمَتْ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِعَدَمِ النَّمَاءِ. (وَالْإِبِلُ تَتَنَاوَلُ الْبُخْتَ وَالْعِرَابَ) لِأَنَّ الِاسْمَ يَنْتَظِمُهَا لُغَةً. قَالَ: (وَالْبَقَرُ يَتَنَاوَلُ الْجَوَامِيسَ أَيْضًا) لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهَا (وَالْغَنَمُ: الضَّأْنُ وَالْمَعِزُ) لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِاسْمِ الْغَنَمِ فِيهِمَا وَاللَّفْظُ يَنْتَظِمُهُمَا لُغَةً. [فَصْلٌ نصاب الإبل] فَصْلٌ (لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ صَدَقَةٌ» وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ وَاحِدَةٌ، وَالصِّفَةُ إِذَا قُرِنَتْ بِاسْمِ الْعَلَمِ صَارَ كَالْعِلَّةِ. قَالَ: (وَفِي الْخَمْسِ شَاةٌ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ

стр. 102

فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الْخَامِسَةِ، وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إِلَى مَائَةِ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ فِي الْخَمْسِ شَاةٌ (ف) كَالْأَوَّلِ إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ، وَبِنْتُ مَخَاضٍ إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ، ثُمَّ فِي الْخَمْسِ شَاةٌ كَالْأَوَّلِ إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَثَمَانِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ أَرْبَعُ حِقَاقٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ (ف) أَبَدًا كَمَا اسْتُؤْنِفَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الْخَامِسَةِ وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ) وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهَا اتَّفَقَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ كُتُبِ الصَّدَقَاتِ الَّتِي كَتَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: (ثُمَّ فِي الْخَمْسِ شَاةٌ كَالْأَوَّلِ، إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ، إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ ; ثُمَّ فِي الْخَمْسِ شَاةٌ كَالْأَوَّلِ، إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَثَمَانِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ أَرْبَعُ حِقَاقٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ أَبَدًا كَمَا اسْتُؤْنِفَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ) وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَهَكَذَا كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁. وَقَالَ ﵊ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «فَإِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ اسْتُؤْنِفَتِ الْفَرِيضَةُ، فَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَفِيهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ» وَهَذَا تَقْدِيرٌ لِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْفَرِيضَةِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ تَغْيِيرِهِ وَمُخَالَفَتِهِ.

стр. 103

فَصْلٌ لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْءٌ، وَفِي ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنٌّ أَوْ مُسِنَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَمَا زَادَ بِحِسَابِهِ (ف) إِلَى سِتِّينَ، وَفِي سِتِّينَ تَبِيعَانِ أَوْ تَبِيعَتَانِ، وَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ، وَعَلَى هَذَا يَنْتَقِلُ الْفَرْضُ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ مِنْ تَبِيعٍ إِلَى مُسِنَّةٍ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] [فَصْلٌ نِصَابُ الْبَقَرِ] فَصْلٌ (لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقْرِ شَيْءٌ، وَفِي ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنٌّ أَوْ مُسِنَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذًا وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ. قَالَ: (وَمَا زَادَ بِحِسَابِهِ إِلَى سِتِّينَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ; وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ: فَفِي الْوَاحِدَةِ رُبُعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثُ عُشْرِ تَبِيعٍ، وَفِي اثْنَيْنِ نِصْفُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثَا عُشْرِ تَبِيعٍ، وَعَلَى هَذَا لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ نَصْبُ النُّصُبِ بِالرَّأْيِ فَيَجِبُ بِحِسَابِهِ. وَرَوَى ابْنُ زِيَادٍ عَنْهُ: لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ، فَفِيهَا مُسِنَّةٌ وربع مسنة أَوْ ثُلُثُ تَبِيعٍ لِأَنَّ الْأَوْقَاصَ فِي الْبَقَرِ تَبِيعٌ كَمَا قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَبَعْدَ السِّتِّينَ، وَرَوَى أَسَدُ بْنُ عُمَرَ عَنْهُ: لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِقَوْلِ مُعَاذٍ فِي الْبَقَرِ: «لَا شَيْءَ فِي الْأَوْقَاصِ، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . (وَفِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ أَوْ تَبِيعَتَانِ، وَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ، وَعَلَى هَذَا يَنْتَقِلُ الْفَرْضُ، فِي كُلِّ عَشَرَةٍ مِنْ تَبِيعٍ إِلَى مُسِنَّةٍ) وَمِنْ مُسِنَّةٍ إِلَى تَبِيعٍ، عَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَبِهِ وَرَدَتِ الْآثَارُ.

стр. 104

فَصْلٌ لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً صَدَقَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إِلَى أَرْبَعِمَائَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَأَدْنَى مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَيُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ الثَّنِيُّ (ف) ، وَهُوَ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ. فَصْلٌ مَنْ كَانَ لَهُ خَيْلٌ سَائِمَةٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، أَوْ إِنَاثٌ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى عَنْ كُلِّ فَرَسٍ (سم) دِينَارًا، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَعْطَى عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (سم) خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] [فَصْلٌ نِصَابُ الْغَنَمِ] فَصْلٌ (لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً صَدَقَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ شَاةً إِلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَفِيهَا شَاتَانِ، إِلَى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) بِذَلِكَ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ. قَالَ: (وَأَدْنَى مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَيُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ الثَّنِيُّ، وَهُوَ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يُجزي فِي الزَّكَاةِ إِلَّا الثَّنِيُّ» وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: «لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ إِلَّا الثَّنِيُّ فَصَاعِدًا» . وَرُوِيَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّنَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا، أَمَّا الْمَعْزُ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا الثَّنِيُّ اعْتِبَارًا بِالْأُضْحِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْإِبِلِ إِلَّا الْإِنَاثُ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِلَفْظِ الْإِنَاثِ بِقَوْلِهِ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَحِقَّةٌ، وَجَذَعَةٌ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِلَفْظِ الْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَأَنَّهُ يَعُمُّهُمَا. [فَصْلٌ نِصَابُ الْخَيْلِ] فَصْلٌ (مَنْ كَانَ لَهُ خَيْلٌ سَائِمَةٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، أَوْ إِنَاثٌ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى عَنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَعْطَى عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]

стр. 105

وَلَا زَكَاةَ فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَلَا فِي الْعَوَامِلِ وَالْعَلُوفَةِ، وَلَا فِي الْفُصْلَانِ وَالْحُمْلَانِ وَالْعَجَاجِيلِ (زس) إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كِبَارٌ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ. وَقَالَ ﵊: «فِي كُلِّ فَرَسٍ سَائِمَةٍ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ فِي الرَّابِطَةِ شَيْءٌ» رَوَاهُ جَابِرٌ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنْ خُذْ مِنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ السَّوَائِمِ. وَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ فَرَسَ الْغَازِي. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لَا شَيْءَ فِي الْإِنَاثِ الْخُلَّصِ لِعَدَمِ النَّمَاءِ وَالتَّوَالُدِ، وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِاسْتِعَارَةِ الْفَحْلِ ; وَعَنْهُ فِي الذُّكُورِ رِوَايَتَانِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ لَا نَمَاءَ بِالْوِلَادَةِ وَلَا بِالسِّمَنِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا ; وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْوُجُوبِ أَنَّ زَكَاةَ السَّوَائِمِ لَا تَخْتَلِفُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ; وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّمَاءَ يَحْصُلُ فِيهِمَا بِزِيَادَةِ اللَّحْمِ وَهُوَ مَقْصُودٌ، بِخِلَافِ الْخَيْلِ لِمَا مَرَّ. قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ) لِأَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنْهَا، فَقَالَ: «لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيَّ فِيهَا شيء إِلَّا الْآيَةُ الْجَامِعَةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] » . قَالَ: (وَلَا فِي الْعَوَامِلِ وَالْعَلُوفَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنِ اشْتِرَاطِ السَّوْمِ. وَقَالَ ﵊: «لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ النَّمَاءَ مُنْعَدِمٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَئُونَةَ تَتَضَاعَفُ بِالْعَلْفِ فَيَنْعَدِمُ النَّمَاءُ مَعْنًى، وَالسَّبَبُ الْمَالُ النَّامِي. قَالَ: (وَلَا فِي الْفُصْلَانِ وَالْحُمْلَانِ وَالْعَجَاجِيلِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فِيهَا وَاحِدَةٌ مِنْهَا. وَقَالَ زُفَرُ: فِيهَا مَا فِي الْكِبَارِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊: «فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَقَوْلَهُ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ فِي إِيجَارِ الْمُسِنَّةِ إِجْحَافًا بِالْمَالِكِ، وَفِي عَدَمِ الْوُجُوبِ أَصْلًا إِضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ، فَيَجِبُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا كَالْمَهَازِيلِ. وَلَهُمَا حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " فِي عَهْدِي أَنْ لَا آخُذَ مِنْ رَاضِعِ اللَّبَنِ شَيْئًا» وَلِأَنَّ النُّصُبَ لَا تُنْصَبُ إِلَّا تَوْقِيفًا أَوِ اتِّفَاقًا وَقَدْ عُدِمَا فِي الصِّغَارِ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ أَسْنَانًا مُرَتَّبَةً فِي نُصُبٍ مَرْتَبَةٍ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الصِّغَارِ تِلْكَ الْأَسْنَانُ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كِبَارٌ) وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً لِأَنَّهَا تَسْتَتْبِعُ الصِّغَارَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ عُدَّ عَلَيْهِمُ السَّخْلَةَ، وَلَوْ جَاءَ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ. ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي أَرْبَعِينَ حَمَلًا حَمَلٌ، وَفِي مِائَةٍ وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ اثْنَانِ، وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثَةٌ، وَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعٌ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ وَاحِدَةٌ كَالْكِبَارِ. وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ عِجْلًا عِجْلٌ، فَفِي الثَّلَاثِينَ وَاحِدٌ، وَفِي السِتِّينَ اثْنَانِ، وَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةٌ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَرْبَعَةٌ وَهَكَذَا

стр. 106

وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ نَصِيبُ كُلِّ شَرِيكٍ نِصَابًا وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنٌّ فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ أُخِذَ مِنْهُ أَعْلَى مِنْهُ وَرُدَّ الْفَضْلُ، أَوْ أَدْنَى مِنْهُ وَأُخِذَ الْفَضْلُ. بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَجِبُ فِي مَضْرُوبِهِمَا وَتِبْرِهِمَا وَحُلِيِّهِمَا وَآنِيَتِهِمَا نَوَى التِّجَارَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ نِصَابًا، ــ [الاختيار لتعليل المختار] أَمَّا الْفُصْلَانُ ; فَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَتَجِبُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، ثُمَّ لَا يَجِبُ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَدَدًا لَوْ كَانَتْ كِبَارًا يَجِبُ ثِنْتَانِ وَهُوَ سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ فَيَكُونُ فِيهَا فَصِيلَانِ، ثُمَّ لَا يَجِبُ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَدَدًا لَوْ كَانَتْ كِبَارًا يَجِبُ فِيهَا ثَلَاثَةٌ وَهِيَ مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ فَيَجِبُ ثَلَاثُ فُصْلَانٍ وَهَكَذَا. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْخَمْسِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ شَاةٍ وَمِنْ خُمْسِ فَصِيلٍ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَقَلُّ مِنْ شَاتَيْنِ وَخُمْسِ فَصِيلٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْخَمْسِ خُمْسُ فَصِيلٍ، وَفِي الْعَشْرِ خُمْسَا فَصِيلٍ وَهَكَذَا ; وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ لِرَجُلٍ لَهُ نِصَابٌ مِنَ السَّائِمَةِ مَضَى عَلَيْهَا بَعْضُ السَّنَةِ فَوَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَتِ الْأُمَّهَاتُ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْأَولاد، فَعِنْدَهُمَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْحَوْلِ وَالزَّكَاةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ لَا يَنْقَطِعُ. قَالَ: (وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ نَصِيبُ كَلِّ شَرِيكٍ نِصَابًا) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا انْتَقَصَ شِيَاهُ الرَّجُلِ مِنْ أَرْبَعِينَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا» وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا تَجِبُ بِاعْتِبَارِ الْغِنَى وَلَا غِنَى إِلَّا بِالْمِلْكِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ غَنِيًّا بِمِلْكِ شَرِيكِهِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ شَرِكَةُ الْأَمْلَاكِ وَالْعُقُودِ، فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ أَرْبَعُونَ شَاةً فَلَا شَيْءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ ثَمَانُونَ شَاةً فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ، وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ صَبِيٍّ وَبَالِغٍ فَعَلَى الْبَالِغِ شَاةٌ. قَالَ: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنٌّ فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ أُخِذَ مِنْهُ أَعْلَى مِنْهُ وَرُدَّ الْفَضْلُ أَوْ أَدْنَى مِنْهُ وَأُخِذَ الْفَضْلُ) وَهَذَا يُبْنَى عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الْقِيمَةِ، ثُمَّ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الْمَالِ هُوَ الصَّحِيحُ، إِنْ شَاءَ أَدَّى الْقِيمَةَ، وَإِنْ شَاءَ أَدَّى النَّاقِصَ وَفَضْلَ الْقِيمَةِ أَوِ الزَّائِدَ وَأَخَذَ الْفَضْلَ، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَدَّاهُ الْمَالِكُ؛ لِأَنَّ التَّيْسِيرَ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ مُرَاعًى. [بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] ِ (وَتَجِبُ فِي مَضْرُوبِهِمَا وَتِبْرِهِمَا وَحُلِيِّهِمَا وَآنِيَتِهِمَا نَوَى التِّجَارَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ نِصَابًا) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] الْآيَةَ. عَلَّقَ الْوُجُوبَ بِاسْمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَنْزِ عَدَمُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ

стр. 107

وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ بِالْقِيمَةِ (سم) ، وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا وَفِيهَا نِصْفُ مِثْقَالٍ، ثُّمَ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ قِيرَاطَانِ (سم) . وَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ فِي كُلِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «كُلُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا، وَمَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنَ الذَّهَبِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَنْزٌ هِيَ؟ فَقَالَ: " إِنْ أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَالَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَتَيْنِ عَلَيْهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: " أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ " قَالَتَا: لَا، قَالَ: " فَأَدِّيَا زَكَاتَهُمَا» أَلْحَقَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِتَرْكِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنَّهُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ. قَالَ: (وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ) لِأَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ وَالزَّكَاةُ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ فَيُضَمُّ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ، بِخِلَافِ السَّوَائِمِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَعَلَّقَتْ بِهَا بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ وَالصُّورَةِ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ ; ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ (بِالْقِيمَةِ) وَعِنْدَهُمَا بِالْأَجْزَاءِ. وَصُورَتُهُ مَنْ لَهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ وَإِنَاءُ فِضَّةٍ أَقَلُّ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِمَا الْقَدْرُ لِأَنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْه. وَلَهُ أَنَّ الضَّمَّ بِاعْتِبَارِ الْمُجَانَسَةِ، وَالْمُجَانَسَةُ بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا تَمَّتِ الْقِيمَةُ نِصَابًا مِنْ أَحَدِهِمَا وُجِدَ السَّبَبُ. قَالَ: (وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا وَفِيهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يَا عَلِيُّ لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الذَّهَبِ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَإِذَا بَلَغَ فَفِيهَا نِصْفُ مِثْقَالٍ» . قَالَ: (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ قِيرَاطَانِ وَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «لَيْسَ فِي الرِّقَةِ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» . قَالَ: (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ مِنْهُمَا فَالزَّكَاةُ بِحِسَابِهِ، حَتَّى يَجِبَ عِنْدَهُمَا فِي الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ عَلَى الْمِائَتَيْنِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ الْقِيرَاطُ الزَّائِدُ عَلَى الْعِشْرِينَ دِينَارًا، بِقَوْلِهِ ﵊: «فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» رَوَاهُ عَلِيٌّ ﵁. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ» وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الِابْتِدَاءَ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مَا بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ نِصَابٌ لَهُ عَفْوٌ فِي الِابْتِدَاءِ، فَكَذَا فِي الِانْتِهَاءِ كَالسَّائِمَةِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْحَرَجِ بِحِسَابِ رُبُعُ عُشْرِ الذُّرَةِ وَالْحَبَّةِ وَالدَّانِقِ وَالدِّرْهَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ.

стр. 108

وَتُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْغَلَبَةُ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْغِشِّ فَهِيَ عُرُوضٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْفِضَّةِ فَهِيَ فِضَّةُ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدَّرَاهِمِ كُلُّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ وَلَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَتَبْلُغَ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَتُضَمَّ قِيمَتُهَا إِلَيْهِمَا. ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَتُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْغَلَبَةُ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْغِشِّ فَهِيَ عُرُوضٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْفِضَّةِ فَهِيَ فِضَّةٌ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْطَبِعُ إِلَّا بِقَلِيلِ الْغِشِّ، فَلَا يَخْلُو مِنْهُ وَيَخْلُو عَنْ كَثِيرِهِ، فَجَعَلْنَا الْفَاصِلَ الْغَلَبَةَ، وَذَلِكَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ، فَيَجِبُ فِي الزُّيُوفِ وَالْنبَهْرَجَةِ لِأَنَّ الْغَالِبَ عليهما الفضة ولا تجب في الستوقة لأن الغالب عَلَيْهَا الْغِشُّ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ مَا فِيهَا مِنَ الْفِضَّةِ نِصَابًا أَوْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَتَبْلُغَ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَتَجِبَ حِينَئِذٍ وَإِنْ تَسَاوَيَا لَا تَجِبْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي السَّبَبِ وَهُوَ النِّصَابُ فَلَا تَجِبُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الصَّرْفِ، وَنَظَرًا لِلْمَالِكِ كَمَا فِي السَّوْمِ، وَسَقْيِ الْأَرَاضِي سَيْحًا وَدَالِيَةً عَلَى مَا يَأْتِي. (وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدَّرَاهِمِ كُلُّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَاعْتَبَرَ عُمَرُ ﵁ بَعْضَهَا اثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا، وَبَعْضَهَا عَشَرَةَ قَرَارِيطَ، وَبَعْضَهَا عِشْرِينَ قِيرَاطًا، وَكَانَ النَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي مُعَامَلَتِهِمْ، فَشَاوَرَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ ﵃ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خُذْ مَنْ كُلِّ نَوْعٍ، فَأَخَذَ مِنْ كَلِّ دِرْهَمٍ ثُلُثَهُ فَبَلَغَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا فَجَعَلَهُ دِرْهَمًا، فَجَاءَتِ الْعَشَرَةُ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ قِيرَاطًا، وَذَلِكَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ؛ لِأَنَّ الْمِثْقَالَ عِشْرُونَ قِيرَاطًا. قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَتَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَتُضَمُّ قِيمَتُهَا إِلَيْهِمَا) لِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي مَالٍ نَامٍ زَائِدٍ عَلَى الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ. وَالنَّمَاءُ يَكُونُ إِمَّا بِإِعْدَادِ اللَّهِ تَعَالَى كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَعَدَّهُمَا لِلنَّمَاءِ حَيْثُ خَلَقَهُمَا ثَمَنَ الْأَشْيَاءِ فِي الْأَصْلِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِمَا وَالْمُعَامَلَةِ بِهِمَا إِلَى التَّقْوِيمِ وَالِاسْتِبْدَالِ، وَتَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِعَيْنِهِ كَيْفَ كَانَ أَوْ يَكُونُ مُعَدًّا بِإِعْدَادِ الْعَبْدِ، وَهُوَ إِمَّا الْإِسَامَةُ أَوْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، فَيَتَحَقَّقُ النَّمَاءُ ظَاهِرًا أَوْ غَالِبًا، وَلَيْسَ فِي الْعُرُوضِ نِصَابٌ مُقَدَّرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِذَلِكَ فَيُرْجَعُ إِلَى الْقِيمَةِ، وَإِذَا قُوِّمَتْ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ صَارَ الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةَ فَتُضَمُّ إِلَى التَّقْدِيرِ لِمَا مَرَّ وَتُقَوَّمُ بِأَيِّ النَّقْدَيْنِ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، وَالتَّقْوِيمُ يُعَرِّفُ الْمَالِيَّةَ، وَالنَّقْدَانِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَيُخَيَّرُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يَقَوِّمُهَا بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ نِصَابًا نَظَرًا لَهُمْ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 109

بَابُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا فَفِيهِ الْعُشْرُ (سم) قَلَّ أَوْ كَثُرَ، إِلَّا الْقَصَبَ الْفَارِسِيَّ وَالْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ، وَمَا سُقِيَ بِالدُّولَابِ وَالدَّالِيَةِ فَنِصْفُ الْعُشْرِ، وَلَا شَيْءَ فِي التِّبْنِ وَالسَّعَفِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] [بَابُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ] ِ (مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا فَفِيهِ الْعُشْرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ) وَيَسْتَوِي فِيهِ مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى، وَقَالَا: لَا يَجِبُ الْعُشْرُ إِلَّا فِيمَا يَبْقَى إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَالْوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعًا، فَلَا يَجِبُ فِي الْبُقُولِ وَالرَّيَاحِينِ، لَهُمَا قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» وَقَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ فِي الْخُضْرَاوَاتِ عُشْرٌ» وَلِأَنَّهُ صَدَقَةٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ نِصَابٌ لِيَتَحَقَّقَ الْغِنَى كَسَائِرِ الصَّدَقَاتِ، وَلَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وَلَا وَاجِبَ فِيهِ إِلَّا الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْعُشْرَ، وَلَمْ يُفْصَلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَمَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ. وَقَوْلُهُ ﵊: «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» وَلِأَنَّ الْعُشْرَ مَئُونَةُ الْأَرْضِ كَالْخَرَاجِ، وَالْخَرَاجُ يَجِبُ بِمُطْلَقِ الْخَارِجِ فَكَذَا الْعُشْرُ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّكَاةِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَنْصَرِفُ إِلَيْهَا، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِالْأَوْسَاقِ، وَكَانَ قِيمَةُ الْوَسْقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، فَيَكُونُ قِيمَةُ الْخَمْسَةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الثَّانِي صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ: أَيْ يَأْخُذُهَا الْعَاشِرُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ يَدْفَعُهَا الْمَالِكُ إِلَى الْفُقَرَاءِ ; وَقَوْلُهُمَا يُشْتَرَطُ النِّصَابُ لِلْغِنَى قُلْنَا لَا اعْتِبَارَ بِالْمَالِكِ حَتَّى يَجِبَ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ وَصْفُهُ ; وَكَذَا لَا يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ لِأَنَّهُ لِتُحَقِّقِ النَّمَاءِ وَكُلُّهُ نَمَاءٌ. قَالَ: (إِلَّا الْقَصَبَ الْفَارِسِيَّ وَالْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ) لِأَنَّهَا تُنَقَّى مِنَ الْأَرْضِ، حَتَّى لَوِ اتَّخَذَ أَرْضَهُ مَقْصَبَةً أَوْ مَشْجَرَةً لِلْحَطَبِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَالْقُنْبُ كَالْحَشِيشِ. قَالَ: (وَمَا سُقِيَ بِالدُّولَابِ وَالدَّالِيَةِ فَنِصْفُ الْعُشْرِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِغرب أو دالِيَةِ فَنِصْفُ الْعُشْرِ» وَلِأَنَّ الْمَئُونَةَ تَكْثُرُ، وَلَهُ أَثَرٌ فِي التَّخْفِيفِ كَالسَّائِمَةِ وَالْعَلُوفَةِ، وَإِنْ سُقِيَ سَيْحًا وَبِدَالِيَةٍ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ السَّنَةِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ نَظَرًا لِلْمَالِكِ كَالسَّائِمَةِ. قَالَ: (وَلَا شَيْءَ فِي التِّبْنِ وَالسَّعَفِ)

стр. 110

وَلَا تُحْسَبُ مَؤُونَتُهُ وَالْخَرْجُ عَلَيْهِ. وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إِذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ، وَالْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ إِذَا اشْتَرَاهَا ذِمِّيٌّ صَارَتْ خَرَاجِيَّةً (سم) ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِأَنَّهُمَا لَا يُقْصَدَانِ، وَكَذَلِكَ بَذْرُ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّمَرَةُ دُونَ الْبَذْرِ. قَالَ: (وَلَا تُحْسَبُ مَئُونَتُهُ وَالْخَرْجُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ ﵊ أَوْجَبَ فِيهِ الْعُشْرَ فَيَتَنَاوَلُ عُشْرَ الْجَمِيعِ، وَلِأَنَّهُ ﵊ خَفَّفَ الْوَاجِبَ مَرَّةً بِاعْتِبَارِ الْمَئُونَةِ مِنَ الْعُشْرِ إِلَى نِصْفِهِ فَلَا يُخَفَّفُ ثَانِيًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيمَا لَا يُوَسَّقُ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْقُطْنِ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِمَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى نَصْبِ النِّصَابِ بِالرَّأْيِ، فَيُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَمَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَاعْتَبَرْنَا بِالْأَدْنَى نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا بَلَغَ الْخَارِجُ خَمْسَةَ أَمْثَالِ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ وَجَبَ الْعُشْرُ، فَفِي الْقُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ، كُلُّ حِمْلٍ ثَلَاثُمِائَةٍ مَنٍّ، وَيُرْوَى ثَلَاثُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ مَنًّا، وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَالسُّكَّرِ خَمْسَةُ أَمْنَانٍ، كَمَا اعْتُبِرَ فِي الْمَنْصُوصِ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ وَهُوَ الْوَسْقُ، فَكَانَ مَعْنًى جَامِعًا فَصَحَّ الْقِيَاسُ. وَوَقْتُ الْوُجُوبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عِنْدَ الْإِدْرَاكِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إِذَا حَصَلَ فِي الْحَظِيرَةِ ; وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إِذَا اسْتَهْلَكَهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ يُضَمَّنُ الْعُشْرَ وَقَبْلَهُ لَا، وَعِنْدَهُمَا فِي هَذَا وَفِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ. قَالَ: (وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إِذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرُ» . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: الْعُشْرُ فِي الْعَسَلِ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ فَفِيهِ رَطْلٌ. وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الزَّكَاةِ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ. وَفَسَّرَهُ الْقُدُورِيُّ بِقِيمَةِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لِأَنَّهُ لَا يُكَالُ، فَاعْتَبَرَ الْقِيمَةَ عَلَى أَصْلِهِ ; وَعَنْهُ أَيْضًا عَشْرُ قِرَبٍ، كَذَا أَخَذَ ﷺ مِنْ بَنِيَ سَيَّارَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: خَمْسُ قِرَبٍ ; وَفِي رِوَايَةٍ: خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ كَمَا مَرَّ مِنْ أَصْلِهِ ; وَالْفِرْقُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رَطْلًا، وَلَا شَيْءَ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ: (وَالْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ إِذَا اشْتَرَاهَا ذِمِّيٌّ صَارَتْ خَرَاجِيَّةً) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ: عَلَيْهِ عُشْرَانِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عُشْرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْأَرْضِ فَلَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْمَالِكِ كَالْخَرَاجِ. ثُمَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَمَاعَةَ: يُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ. وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ السِّيَرِ: مَوْضِعَ الصَّدَقَاتِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَا يَجِبُ أَخْذُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ يُضَاعَفُ عَلَى الذِّمِّيِّ كَمَا إِذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ ; وَيُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ كَالتَّغْلِبِيِّ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَرَاضِيَ النَّامِيَةَ لَا تَخْلُو مِنَ الْعُشْرِ أَوِ الْخَراجِ، وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعُشْرِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ،
следующие страницы →