← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1066

الاختيار لتعليل المختار

ابن مودود الموصلي

Полный текст (834 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وَقَدْ يَأْثَمُ بِهِ إِذَا فَعَلَهُ فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ وَهُوَ يَعْمَلُهُ، وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِ لِلِاعْتِبَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَلِيَشْتَغِلُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْفِسْقِ فَحَسَنٌ وَيُكْرَهُ فِعْلُهُ لِلتَّاجِرِ عِنْدَ فَتْحِ مَتَاعِهِ، وَيُكْرَهُ التَّرْجِيعُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي ذَلِكَ (وَقَدْ يَأْثَمُ بِهِ إِذَا فَعَلَهُ فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ وَهُوَ يَعْمَلُهُ) لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ وَالْمُخَالَفَةِ لِمُوجِبِهِ. (وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِ لِلِاعْتِبَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَلِيَشْتَغِلُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْفِسْقِ فَحَسَنٌ) وَكَذَا مَنْ سَبَّحَ فِي السُّوقِ بِنِيَّةِ أَنَّ النَّاسَ غَافِلُونَ مُشْتَغِلُونَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِالتَّسْبِيحِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَحْدَهُ فِي غَيْرِ السُّوقِ، قَالَ ﵊: «ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . قَالَ: (وَيُكْرَهُ فِعْلُهُ لِلتَّاجِرِ عِنْدَ فَتْحِ مَتَاعِهِ) وَكَذَلِكَ الْفَقَّاعِي عِنْدَ فَتْحِ الْفُقَّاعِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ لِذَلِكَ ثَمَنًا، بِخِلَافِ الْغَازِي أَوِ الْعَالِمِ إِذَا كَبَّرَ عِنْدَ الْمُبَارَزَةِ وَفِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ التَّفْخِيمَ وَالتَّعْظِيمَ وَإِشْعَارَ شَعَائِرِ الدِّينِ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ التَّرْجِيعُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِفِعْلِ الْفَسَقَةِ حَالَ فِسْقِهِمْ وَهُوَ التَّغَنِّي وَلَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَلِهَذَا كُرِهَ فِي الْأَذَانِ، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمُ» وَعَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ «كَرِهَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْجِنَازَةِ وَالزَّحْفِ وَالتَّذْكِيرِ» : أَيِ الْوَعْظِ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْغِنَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ وَجْدًا؟ . وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقُبُورِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵊، وَلَا يَكْرَهُهُ مُحَمَّدٌ، وَبِهِ نَأْخُذُ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِلْمَيِّتِ لِوُرُودِ الْآثَارِ بِقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَالْفَاتِحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ الْقُبُورِ. وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ وَيَصِلُ لِحَدِيثِ الْخَثْعَمَيَّةِ وَقَدْ مَرَّ فِي الْحَجِّ، وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ» أَيْ جَعَلَ ثَوَابَهُ عَنْ أُمَّتِهِ. وَرُوِيَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكَ» «وَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيَّهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ " أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» وَالْآثَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ، وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا يَصِلُ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَبِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» الْحَدِيثَ. الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا سِيقَتْ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: ٣٦] . ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]

стр. 702

وَمِنْهُ مَا لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا وِزْرَ كَقَوْلِكَ: قُمْ وَاقْعُدْ، وَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ الْإِثْمَ كَالْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتِيمَةِ، ثُمَّ الْكَذِبُ مَحْظُورٌ إِلَّا فِي الْقِتَالِ لِلْخُدْعَةِ، وَفِي الصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَفِي إِرْضَاءِ الرَّجُلِ الْأَهْلَ، وَفِي دَفْعِ الظَّالِمِ عَنِ الظُّلْمِ وَيُكْرَهُ التَّعْرِيضُ بِالْكَذِبِ إِلَّا لِحَاجَةٍ؛ ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَيَكُونُ إِخْبَارًا عَمَّا فِي شَرِيعَتِهِمَا فَلَا يَلْزَمُنَا، كَيْفَ وَقَدْ رُوِينَا عَنْ نَبِيِّنَا ﵊ خِلَافُهُ؟ . قَالَ عَلِيٌّ ﵁: هَذَا لِقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ لَهُمْ مَا سَعَوْا وَسُعِيَ لَهُمْ. الثَّانِي أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] أَدْخَلَ الذُّرِّيَّةَ الْجَنَّةَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الثَّالِثُ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هُنَا الْكَافِرُ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ لَهُ أَجْرُ مَا سَعَى وَسُعِيَ لَهُ. الرَّابِعُ تُجْعَلُ اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى وَأَنَّهُ جَائِزٌ. قَالَ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَنْ لَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى صَحِيحٌ لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَا يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ. الْخَامِسُ أَنَّهُ سَعَى فِي جَعْلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ لَهُ مَا سَعَى عَمَلًا بِالْآيَةِ. السَّادِسُ أَنَّ السَّعْيَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ، وَمِنْهَا بِسَبَبِ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهَا بِصَدِيقٍ سَعَى فِي خُلَّتِهِ، وَمِنْهَا بِمَا يَسْعَى فِيهِ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَأُمُورِ الدِّينِ الَّتِي يُحِبُّهُ النَّاسُ بِسَبَبِهَا فَيَدْعُونَ لَهُ وَيَجْعَلُونَ لَهُ ثَوَابَ عَمَلِهِمْ وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ سَعْيِهِ، فَقَدْ قُلْنَا بِمُوجِبِ الْآيَةِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْنَا. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي انْقِطَاعَ عَمَلِهِ وَلَا كَلَامَ فِيهِ إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي وُصُولِ ثَوَابِ عَمَلِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ لَا يَنْفِيهِ، عَلَى أَنَّ النَّاسَ عَنْ آخِرِهِمْ قَدِ اسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ فَيَكُونُ حَسَنًا بِالْحَدِيثِ. قَالَ: (وَمِنْهُ مَا لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا وِزْرَ كَقَوْلِكَ: قُمْ وَاقْعُدْ وَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، ثُمَّ قِيلَ لَا يُكْتَبُ لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ وَلَا عِقَابَ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَقَدْ رَوَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَكْتُبُ إِلَّا مَا كَانَ فِيهِ أَجْرٌ أَوْ وِزْرٌ، وَقِيلَ يُكْتَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] الْآيَةَ، ثُمَّ يُمْحَى مَا لَا جَزَاءَ فِيهِ وَيَبْقَى مَا فِيهِ جَزَاءٌ، ثُمَّ قِيلَ يُمْحَى فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ وَفِيهِمَا تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا تُمْحَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: (وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ الْإِثْمَ كَالْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتِيمَةِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ حَرَامٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ. (ثُمَّ الْكَذِبُ مَحْظُورٌ إِلَّا فِي الْقِتَالِ لِلْخُدْعَةِ، وَفِي الصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَفِي إِرْضَاءِ الرَّجُلِ الْأَهْلَ، وَفِي دَفْعِ الظَّالِمِ عَنِ الظُّلْمِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: فِي الصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَفِي الْقِتَالِ، وَفِي إِرْضَاءِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ» وَدَفْعُ الظَّالِمِ عَنِ الظُّلْمِ مِنْ بَابِ الصُّلْحِ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ التَّعْرِيضُ بِالْكَذِبِ إِلَّا لِحَاجَةٍ)

стр. 703

وَلَا غِيبَةَ لِظَالِمٍ يُؤْذِي النَّاسَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَلَا إِثْمَ فِي السَّعْيِ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ لِيَزْجُرَهُ وَلَا غِيبَةَ إِلَّا لِمَعْلُومِينَ، فَلَوِ اغْتَابَ أَهْلَ قَرْيَةٍ فَلَيْسَ بِغِيبَةٍ؛ وَإِذَا أَدَّى الْفَرَائِضَ وَأَحَبَّ أَنْ يَتَنَعَّمَ بِمَنْظَرٍ حَسَنٍ وَجَوَارٍ جَمِيلَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ قَنِعَ بِأَدْنَى الْكِفَايَةِ، وَصَرَفَ الْبَاقِي إِلَى مَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ أَوْلَى. ــ [الاختيار لتعليل المختار] كَقَوْلِكَ لِرَجُلٍ كُلْ، فَيَقُولُ: أَكَلْتُ يَعْنِي أَمْسَ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي قَصْدِهِ. وَقِيلَ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ كَذِبٌ فِي الظَّاهِرِ. قَالَ: (وَلَا غِيبَةَ لِظَالِمٍ يُؤْذِي النَّاسَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ) ؛ قَالَ ﵊: «اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ لِكَيْ تَحْذَرَهُ النَّاسُ» (وَلَا إِثْمَ فِي السَّعْيِ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ لِيَزْجُرَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وْمَنْعِ الظُّلْمِ. قَالَ: (وَلَا غِيبَةَ إِلَّا لِمَعْلُومِينَ، فَلَوِ اغْتَابَ أَهْلَ قَرْيَةٍ فَلَيْسَ بِغِيبَةٍ) لِأَنَّ الْمُرَادَ مَجْهُولٌ فَصَارَ كَالْقَذْفِ، وَكَرِهَ مُحَمَّدٌ إِرْخَاءَ السِّتْرِ عَلَى الْبَيْتِ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَكَبُّرٍ وَفِيهِ زِينَةٌ، وَلَا بَأْسَ بِسَتْرِ حِيطَانَ الْبَيْتِ بِاللُّبُودِ وَنَحْوِهِ لِدَفْعِ الْبَرْدِ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً، وَيُكْرَهُ لِلزِّينَةِ وَقَدْ مَرَّ. قَالَ: (وَإِذَا أَدَّى الْفَرَائِضَ وَأَحَبَّ أَنْ يَتَنَعَّمَ بِمَنْظَرٍ حَسَنٍ وَجِوَارٍ جَمِيلَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ) فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﵊ تَسَرَّى مَارِيَةَ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ مَعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْحَرَائِرِ» ، وَعَلِيٌّ ﵁ اسْتَوْلَدَ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْحَرَائِرِ؛ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الْآيَةَ. قَالَ: (وَمَنْ قَنَعَ بِأَدْنَى الْكِفَايَةِ وَصَرَفَ الْبَاقِي إِلَى مَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ أَوْلَى) لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَدْنَى مَا يَكْفِيهِ عَزِيمَةٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنَعُّمِ وَنَيْلِ اللَّذَّاتِ رُخْصَةٌ؛ وَقَدْ قَالَ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» ، وَقَالَ ﵊: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ وَلَمْ أُبْعَثْ بِالرَّهْبَانِيَّةِ الصَّعْبَةِ» ؛ وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِي مَاذَا صَرَفَهُ؟» . وَالَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِخِصَالٍ: مِنْهَا التَّحَرُّزُ عَنِ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ؛ وَمِنْهَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ فِي أَوْقَاتِهَا بِوَاجِبَاتِهَا تَامَّةً كَمَا أَمَرَ بِهَا؛ وَمِنْهَا التَّحَرُّزُ عَنِ السُّحْتِ وَاكْتِسَابِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ؛ وَمِنْهَا التَّحَرُّزُ عَنْ ظُلْمِ كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا الْأَمْرَ فِيهِ، فَلَا نُضَيِّقُهُ عَلَيْنَا وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَعَظَ النَّاسَ يَوْمًا وَذَكَرَ الْقِيَامَةَ، فَرَقَّ لَهُ النَّاسُ وَبَكَوْا، فَاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ فِي بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبُو ذَرٍّ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَالْمِقْدَادُ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَمَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ،

стр. 704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَتَرَهَّبُوا وَيَجُبُّوا مَذَاكِيرَهُمْ وَيَلْبَسُوا الْمُسُوحَ وَيَصُومُوا الدَّهْرَ وَيَقُومُوا اللَّيْلَ وَلَا يَنَامُوا عَلَى الْفُرُشِ وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَالْوَدَكَ وَلَا يَقْرَبُوا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَيَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: " أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلَى كَذَا وَكَذَا؟ قَالُوا: بَلَى وَمَا أَرَدْنَا إِلَّا خَيْرًا، فَقَالَ ﵊: إِنِّي لَمْ آمُرْ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لِأَنْفُسِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَقُومُوا وَنَامُوا، فَإِنِّي أَقُومُ وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَآكُلُ اللَّحْمَ وَالدَّسَمَ وَآتِي النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) . ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ وَالطِّيبَ وَالنَّوْمَ وَشَهَوَاتِ الدُّنْيَا، أَمَا إِنِّي لَسْتُ آمُرُكُمُ أَنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي دِينِي تَرْكُ اللَّحْمِ وَالنِّسَاءِ وَلَا اتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ، فَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الصَّوْمُ، وَرَهْبَانِيَّتَهُمُ الْجِهَادُ، اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَاسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ لَكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] ﴿جَعَلَ﴾ [المائدة: ٩٧] . تَمَّ الْجُزْءُ الرَّابِعُ مِنْ " الِاخْتِيَارِ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ " وَيَلِيهِ: الْجُزْءُ الْخَامِسُ، وَأَوَّلُهُ: كِتَابُ الصَّيْدِ.

стр. 705

«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [حَدِيثٌ شَرِيفٌ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الصَّيْدِ وَهُوَ جَائِزٌ بِالْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ وَالسِّهَامِ الْمُحَدَّدَةِ لِمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَكْلِهِ، وَمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ، وَالْجَوَارِحُ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَذُو مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] [كِتَابُ الصَّيْدِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الصَّيْدِ وَهُوَ مَصْدَرُ صَادَ يَصِيدُ وَيَنْطَلِقُ عَلَى الْمَفْعُولِ، يُقَالُ: صَيْدُ الْأَمِيرِ، وَصَيْدٌ كَثِيرٌ، وَيُرَادُ بِهِ الْمَصْيُودُ، وَيُنْشَدُ: صَيْدُ الْمُلُوكِ أَرَانِبٌ وَثَعَالِبُ وَمِثْلُهُ الْخَلْقُ وَالْعِلْمُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَالْمَعْلُومِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أَيْ: مَخْلُوقُهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا إِذَا قَالَ: "وَعِلْمِ اللَّهِ" لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ الْمُرَادَ مَعْلُومُهُ. قَالَ: (وَهُوَ جَائِزٌ بِالْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ وَالسِّهَامِ الْمُحَدَّدَةِ لِمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَكْلِهِ، وَمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ) أَمَّا الْجَوَازُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالِي: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] . وَقَوْلِهِ ﵊: «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» وَقَوْلِهِ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكْرَتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَإِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» . قَالَ: (وَالْجَوَارِحُ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَذُو مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ يَكْتَسِبُ بِنَابِهِ أَوْ مِخْلَبِهِ وَيَمْتَنِعُ بِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ مِنَ الْجَوَارِحِ الَّتِي تَجْرَحُ، وَقِيلَ الْكَوَاسِبُ. وَمُكَلِّبِينَ:

стр. 706

وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْجُرْحِ، وَكَوْنِ الْمُرْسِلِ أَوِ الرَّامِي مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، وَذِكْرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْإِرْسَالِ وَالرَّمْيِ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا، وَلَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ، وَلَا يَقْعُدُ عَنْ طَلَبِهِ، وَتَعْلِيمُ ذِي النَّابِ كَالْكَلْبِ وَنَحْوِهِ تَرْكُ الْأَكْلِ; وَذِي الْمِخْلَبِ كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهِمَا الِاتِّبَاعُ إِذَا أُرْسِلَ، وَالْإِجَابَةُ إِذَا دُعِيَ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] أَيْ مُسَلَّطِينَ، وَاسْمُ الْكَلْبِ لُغَةً يَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ سَبُعٍ حَتَّى لِلْأَسَدِ، فَيَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ لِعُمُومِ الْآيَةِ، إِلَّا مَا كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ. وَلَا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ فَإِنَّهُمَا لَا يَتَعَلَّمَانِ، وَكَذَلِكَ الدُّبُّ حَتَّى لَوْ تَعَلَّمُوا جَازَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ابْنِ عُرْسٍ: إِذَا عُلِّمَ فَتَعَلَّمَ جَازَ. قَالَ: (وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْجُرْحِ وَكَوْنِ الْمُرْسِلِ أَوِ الرَّامِي مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْإِرْسَالِ وَالرَّمْيِ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا، وَلَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ، وَلَا يَقْعُدُ عَنْ طَلَبِهِ) أَمَّا الْجُرْحُ لِيَتَحَقَّقَ اسْمَ الْجَارِحِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِرَاقَةِ الدَّمِ كَالذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَلَوْ قَتَلَهُ صَدْمًا أَوْ جَثْمًا أَوْ خَنْقًا لَمْ يُؤْكَلْ لِعَدَمِ الْجُرْحِ; وَأَمَّا صِفَةُ الْمُرْسَلِ فَلِأَنَّهُ كَالذَّبْحِ وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ غَيْرِهِمَا; وَأَمَّا ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ» شَرَطَ التَّسْمِيَةَ لِحِلِّ الْأَكْلِ ; وَأَمَّا كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا فَلِأَنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْمُمْتَنِعِ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ إِنَّمَا جُعِلَ ذَكَاةَ ضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنِ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَالْعَجْزُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُمْتَنِعِ حَتَّى لَوْ رَمَى ظَبْيًا مَرْبُوطًا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ صَيْدٌ فَأَصَابَ ظَبْيًا آخِرَ لَمْ يُؤْكَلْ، لِأَنَّ بِالرَّبْطِ لَمْ يَبْقَ صَيْدًا، وَلَوْ رَمَى بَعِيرًا نَادًّا فَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ أَكَلَ لِأَنَّهُ لَمَّا نَدَّ صَارَ صَيْدًا; وَقَوْلُهُ: " لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ وَلَا يَقْعُدُ عَنْ طَلَبِهِ "، فَإِنَّهُ ﷺ كَرِهَ أَكْلَ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنِ الرَّامِي وَقَالَ: «لَعَلَّ هَوَامَّ الْأَرْضِ قَتَلَتْهُ» وَلِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَوْتِ بِسَبَبٍ آخَرَ مَوْجُودٌ فَلَا يَحِلُّ بِهِ، وَالْمَوْهُومُ كَالْمُتَحَقِّقِ لِمَا مَرَّ، إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ إِذَا لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ» أَصَمَيْتَ الصَّيْدَ: إِذَا رَمَيْتَهُ فَقَتَلْتَهُ وَأَنْتَ تَرَاهُ، وَقَدْ صَمَى الصَّيْدُ يَصْمِي: إِذَا مَاتَ وَأَنْتَ تَرَاهُ، وَرَمَيْتُ الصَّيْدَ فَأَنْمَيْتُهُ إِذَا غَابَ عَنْكَ ثُمَّ مَاتَ، هَكَذَا فَسَّرَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ. قَالَ: (وَتَعْلِيمُ ذِي النَّابِ كَالْكَلْبِ وَنَحْوِهِ تَرْكَ الْأَكْلِ، وَذِي الْمِخْلَبِ كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهِمَا الِاتِّبَاعَ إِذَا أُرْسِلَ وَالْإِجَابَةَ إِذَا دُعِيَ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ بِتَرْكِ الْعَادَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَعَادَةُ ذِي الْمِخْلَبِ النِّفَارُ، فَإِذَا أَجَابَ إِذَا دُعِيَ فَقَدْ تَرَكَ عَادَتَهُ وَصَارَ مُعَلَّمًا، وَعَادَةُ ذِي النَّابِ الِافْتِرَاسُ وَالْأَكْلُ، فَإِذَا تَرَكَ الْأَكْلَ فَقَدْ تَرَكَ عَادَتَهُ فَصَارَ مُعَلَّمًا ; وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ بِتَرْكِ الْأَكْلِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالضَّرْبِ حَالَةَ الْأَكْلِ وَجُثَّةُ الطَّيْرِ لَا تَحْتَمِلُ الضَّرْبَ، أَمَّا الْكَلْبُ يَحْتَمِلُهُ فَأَمْكَنَ تَعْلِيمُهُ بِالضَّرْبِ

стр. 707

وَيُرْجَعُ فِي مَعْرِفَةِ التَّعْلِيمِ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ، وَلَا تَأْقِيتَ فِيهِ، فَإِنْ أَكَلَ أَوْ تَرَكَ الْإِجَابَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِتَعْلِيمِهِ حُكِمَ بِجَهْلِهِ وَحَرُمَ (سم) مَا بَقِيَ مِنْ صَيْدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا حَلَّ، وَلَوْ رَمَى بِسَهْمٍ وَاحِدٍ صُيُودًا، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صُيُودٍ فَأَخَذَهَا أَوْ أَحَدَهَا، أَوْ أَرْسَلَهُ إِلَى صَيْدٍ فَأَخَذَ غَيْرَهُ حَلَّ مَا دَامَ فِي جِهَةِ إِرْسَالِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] عَلَى ذَلِكَ، وَالْفَهْدُ وَنَحْوُهُ يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ وَعَادَتُهُ الِافْتِرَاسُ وَالنِّفَارُ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ تَرْكُ الْأَكْلِ وَالْإِجَابَةِ جَمِيعًا. قَالَ: (وَيَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ التَّعْلِيمِ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ وَلَا تَأْقِيتَ فِيهِ) لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ اجْتِهَادًا بَلْ سَمَاعًا وَلَا سَمْعَ فَيُفَوَّضُ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طِبَاعِهَا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَأْكُلْ أَوَّلَ مَا يَصِيدُهُ وَلَا الثَّانِي وَكُلِ الثَّالِثَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا تَرَكَ الْأَكْلَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ صَارَ مُعَلَّمًا وَلَا يُؤْكَلُ الثَّالِثُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَثْبُتُ بِالتَّرْكِ مَرَّةً لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَهُ شِبَعًا أَوْ خَوْفًا مِنَ الضَّرْبِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْمَرَّاتِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهَا لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ، وَلَا يُؤْكَلُ الثَّالِثُ لِأَنَّ بَعْدَهَا حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ عَالِمًا، وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يُؤْكَلُ لِأَنَّ بِالثَّالِثَةِ عَلِمْنَا أَنَّهُ عَالِمٌ فَكَانَ صَيْدَ جَارِحَةٍ مُعَلَّمَةٍ فَيُؤْكَلُ. قَالَ: (فَإِنْ أَكَلَ أَوْ تَرَكَ الْإِجَابَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِتَعْلِيمِهِ حُكِمَ بِجَهْلِهِ وَحَرُمَ مَا بَقِيَ مِنْ صَيْدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ) وَقَالَا: لَا يَحْرُمُ إِلَّا الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِحَلِّ صَيْدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ. وَلَهُ أَنَّ بِالْأَكْلِ عَلِمْنَا جَهْلَهُ، لِأَنَّ الصَّيْدَ حِرْفَةٌ قَلَّمَا تُنْسَى، فَلَمَّا أَكَلَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَيَحْرُمُ جَمِيعُ مَا صَادَهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ صَيْدُ كَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ، وَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَيْدِهِ، لِأَنَّ مَا أُكِلَ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْحُكْمِ، وَالِاجْتِهَادُ يُتْرَكُ بِمِثْلِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْأَكْلُ كَاجْتِهَادِ الْقَاضِي إِذَا تَبَدَّلَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَمَا كَانَ فِي الْمَفَازَةِ مِنْ صَيْدٍ فَحَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ: (وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا حَلَّ) لِقَوْلِهِ ﵊: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» الْحَدِيثَ. قَالَ: (وَلَوْ رَمَى بِسَهْمٍ وَاحِدٍ صُيُودًا، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صُيُودٍ فَأَخَذَهَا أَوْ أَحَدَهَا، أَوْ أَرْسَلَهُ إِلَى صَيْدٍ فَأَخَذَ غَيْرَهُ حَلَّ مَا دَامَ فِي جِهَةِ إِرْسَالِهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ حُصُولُ الصَّيْدِ وَالذَّبْحُ يَقَعُ بِالْإِرْسَالِ وَهُوَ فِعْلٌ وَاحِدٌ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ مَنْ ذَبَحَ الشَّاتَيْنِ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مَذْبُوحَةٌ بِفِعْلٍ آخَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةٍ أُخْرَى حَتَّى لَوْ أَضْجَعَ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى وَذَبَحَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهُ تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ مُضَافٌ إِلَى الْإِرْسَالِ وَفِي تَعْيِينِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ نَوْعُ حَرِجٍ فَلَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهُ، وَلَوْ أَرْسَلَ الْفَهْدَ فَكَمَنَ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنَ الصَّيْدِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ حَلَّ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ لِيَتَمَكَّنَ مَنْ أَخَذِ الصَّيْدِ، وَكَذَا الْكَلْبُ إِذَا تَعَوَّدَ هَذِهِ الْعَادَةَ بِمَنْزِلَةِ الْفَهْدِ، وَلَوْ عَدَلَ عَنِ الصَّيْدِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً وَتَشَاغَلَ فِي غَيْرِ طَلَبِ

стр. 708

وَلَوْ أَرْسَلَهُ وَلَمْ يُسَمِّ ثُمَّ زَجَرَهُ وَسَمَّى، أَوْ أَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَالْمُعْتَبَرُ حَالَةُ الْإِرْسَالِ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَلَوْ شَرِبَ دَمَهُ أُكِلَ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ قِطْعَةً فَرَمَاهَا ثُمَّ أَخَذَ الصَّيْدَ وَقَتَلَهُ ثُمَّ أَكَلَ مَا أَلْقَاهُ أُكِلَ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْبَازِي يُؤْكَلُ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ وَكَذَلِكَ فِي الرَّمْيِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] الصَّيْدِ وَفَتَرَ عَنْ سُنَنِهِ ثُمَّ اتَّبَعَ صَيْدًا فَأَخَذَهُ لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرْسَلٍ، وَالْإِرْسَالُ شَرْطٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] " أَيْ مُسَلِّطِينَ، فَإِنْ زَجَرَهُ صَاحِبُهُ فَانْزَجَرَ حَلَّ، لِأَنَّ الزَّجْرَ كَإِرْسَالٍ مُسْتَأْنَفٍ، وَلَوِ انْفَلَتَ فَصَاحَ بِهِ وَسَمَّى، فَإِنِ انْزَجَرَ بِصِيَاحِهِ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: (وَلَوْ أَرْسَلَهُ وَلَمْ يُسَمِّ ثُمَّ زَجَرَهُ وَسَمَّى، أَوْ أَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَالْمُعْتَبَرُ حَالَةُ الْإِرْسَالِ) وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ فَزَجَرَهُ مُرْتَدٌّ أَوْ مُحْرِمٌ فَانْزَجَرَ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا ثُمَّ زَجَرَهُ مُسْلِمٌ وَسَمَّى لَمْ يَحِلَّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ مُضَافٌ إِلَى الْإِرْسَالِ الْأَوَّلِ وَبِهِ تُسَلَّطُ وَتُكَلَّبُ وَمَا بَعْدَهُ تَقْوِيَةٌ لِلْإِرْسَالِ وَتَحْرِيضٍ لِلْكَلْبِ فَيَعْتَبِرُ حَالَةَ الْإِرْسَالِ، فَإِذَا صَدَرَ صَحِيحًا لَا يَنْقَلِبُ فَاسِدًا، وَإِذَا صَدَرَ فَاسِدًا لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِالزَّجْرِ، وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ الْمُعَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الصَّيْدَ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ أَوْ غَيْرُ مُرْسَلٍ فَأَخَذَهُ الْأَوَّلُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَلَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ آدَمِيٌّ أَوْ دَابَّةٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ حَلَّ، لِأَنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَبْحٌ حُكْمًا وَلَا يَصْلُحُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ مُشَارِكًا إِيَّاهُ فِي الذَّبْحِ، وَالْكَلْبُ الْجَاهِلُ يَصْلُحُ مُشَارِكًا لِأَنَّهُ جَارِحٌ بِنَفْسِهِ فَاجْتَمَعَ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ فَيَحْرُمُ كَمَا لَوْ مَدَّ الْقَوْسَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فَأَصَابَا صَيْدًا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ وَلَوْ لَمْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ شَدَّ عَلَيْهِ وَاتَّبَعَ أَثَرَ الْمُرْسَلِ حَتَّى قَتَلَهُ الْأَوَّلُ أَكَلَ، لِأَنَّ الثَّانِي مُحَرِّضٌ لَا مُشَارِكٌ. قَالَ: (فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ لَمْ يُؤْكَلْ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لِمَا بَيَّنَّا، وَلِقَوْلِهِ ﵊: «فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» . (وَلَوْ شَرِبَ دَمَهُ أُكِلَ) لِأَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ التَّعْلِيمِ. (وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ قِطْعَةً فَرَمَاهَا ثُمَّ أَخَذَ الصَّيْدَ وَقَتَلَهُ ثُمَّ أَكَلَ مَا أَلْقَاهُ أُكِلَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ صَيْدًا، حَتَّى لَوْ أَكَلَ مِنْ نَفْسِ الصَّيْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَضُرُّهُ فَهَذَا أَوْلَى. قَالَ: (فَإِنْ أَكْلَ مِنْهُ الْبَازِي يُؤْكَلُ) وَقَدْ مَرَّ. قَالَ: (وَإِنْ أَدْرَكْهُ حَيًّا لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الرَّمْيِ) لِأَنَّهُ قُدِّرَ عَلَى الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَلَا تُجْزِئُ الِاضْطِرَارِيَّةُ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ وَهَذَا إِذَا قَدَرَ عَلَى ذَبْحِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ إِمَّا لِفَقْدِ آلَةٍ أَوْ لِضِيقِ الْوَقْتِ وَفِيهِ مِنَ الْحَيَاةِ فَوْقَ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ لَمْ يُؤْكَلْ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُؤْكَلُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الذَّكَاةِ حَقِيقَةً فَصَارَ كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ ; وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ وَبِهِ حَيَاةٌ لَمْ يَبْقَ فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَهَذَا إِذَا كَانَ بِحَالٍ يَتَوَهَّمُ حَيَاتَهُ؛ أَمَّا إِذَا بَقِيَ فِيهِ مِنَ الْحَيَاةِ مِثْلُ الْمَذْبُوحِ أَوْ بَقَرَ بَطْنَهُ وَأَخْرَجَ مَا فِيهَا ثُمَّ أَخَذَهُ وَبِهِ حَيَاةٌ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِأَنَّهُ مَيْتٌ حُكْمًا،

стр. 709

وَإِنْ شَارَكَ كَلْبَهُ كَلْبٌ لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، أَوْ كَلْبُ مَجُوسِيٍّ، أَوْ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لَمْ يُؤْكَلْ ; وَلَوْ سَمِعَ حِسًّا فَظَنَّهُ آدَمِيًّا فَرَمَاهُ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ أُكِلَ; وَإِذَا وَقَعَ الصَّيْدُ فِي الْمَاءِ أَوْ عَلَى سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ سِنَانِ رُمْحٍ، ثُمَّ تَرَدَّى إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يُؤْكَلْ; وَلَوْ وَقَعَ ابْتِدَاءً عَلَى الْأَرْضِ أُكِلَ ; وَفِي طَيْرِ الْمَاءِ إِنْ أَصَابَ الْمَاءُ الْجُرْحَ لَمْ يُؤْكَلْ وَإِلَّا أُكِلَ، وَلَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَتْهُ الْبُنْدُقَةُ وَالْحَجَرُ وَالْعَصَا وَالْمِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ. فَإِنْ خَزَقَ ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي الْمَاءِ لَا يَحْرُمُ كَمَا إِذَا وَقَعَ وَهُوَ مَيْتٌ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَخَذَهُ حَيًّا فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَلَوْ أَنَّهُ ذَكَّاهُ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَعَلَى هَذَا الْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ والَّذِي بَقَرَ الذِّئْبُ بَطْنَهَا وَفِيهَا حَيَاةٌ خَفِيفَةٌ أَوْ ظَاهِرَةٌ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِمَا تَلَوْنَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ إِذَا كَانَ بِحَالٍ يَعِيشُ فَوْقَ مَا يَعِيشُ الْمَذْبُوحُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا، إِذْ لَا اعْتِبَارَ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إِذَا كَانَ بِحَالٍ لَا يَعِيشُ مِثْلُهُ لَا يَحِلُّ، لِأَنَّ مَوْتَهُ لَا يَحْصُلُ بِالذَّبْحِ. قَالَ: (وَإِنْ شَارَكَ كَلْبَهُ كَلْبٌ لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، أَوْ كَلْبُ مَجُوسِيٍّ، أَوْ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لَمْ يُؤْكَلْ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «وَإِنْ شَارَكَ كَلْبَكَ كَلْبٌ آخَرُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ» وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ فَيَغْلِبُ الْمُحَرِّمُ الْمُبِيحَ احْتِيَاطًا. قَالَ: (وَلَوْ سَمِعَ حِسًّا فَظَنَّهُ آدَمَيًّا فَرَمَاهُ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ أَكَلَ) لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِظَنِّهِ مَعَ كَوْنِهِ صَيْدًا حَقِيقَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَنَّهُ حِسَّ صَيْدٍ فَتَبَيَّنَ كَذَلِكَ حَلَّ، لِأَنَّهُ صَيْدٌ وَقَدْ قَصَدَهُ فَيَحِلُّ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى الْخِنْزِيرَ لِشِدَّةِ حُرْمَتِهِ، حَتَّى لَا تَثْبُتَ إِبَاحَةُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَغَيْرُهُ مِنَ السِّبَاعِ تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ فِي جِلْدِهِ ; وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حِسُّ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ أَهْلِيٍّ مِمَّا يَأْوِي الْبُيُوتَ لَمْ يُؤْكَلِ الْمُصَابُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ. قَالَ: (وَإِذَا وَقَعَ الصَّيْدُ فِي الْمَاءِ، أَوْ عَلَى سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ سِنَانِ رُمْحٍ، ثُمَّ تَرَدَّى إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يُؤْكَلْ) لِأَنَّهُ مُتَرَدِّيَةٌ، قَالَ ﵊ لِعَدِيٍّ: «وَإِنْ وَقَعَتْ رَمِيَّتُكَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَمْ سَهْمُكَ؟» فَقَدِ اجْتَمَعَ دَلِيلَا الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ ; وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ قَصَبَةٍ أَوْ حَرْفِ آجُرَّةٍ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ. (وَلَوْ وَقَعَ ابْتِدَاءً عَلَى الْأَرْضِ أُكِلَ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَاهُ مُحَرَّمًا انْسَدَّ بَابُ الصَّيْدِ، فَمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالْعَدَمِ. قَالَ: (وَفِي طَيْرِ الْمَاءِ إِنْ أَصَابَ الْمَاءُ الْجُرْحَ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِلَّا أُكِلَ) لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَتْهَ الْبُنْدُقَةُ وَالْحَجَرُ وَالْعَصَا وَالْمِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَعْنَى الْمَوْقُوذَةِ. (فَإِنْ خَزَقَ

стр. 710

الْمِعْرَاضُ الْجِلْدَ بِحَدِّهِ أُكِلَ، وَإِنْ رَمَاهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ فَأَبَانَ عُضْوًا مِنْهُ أُكِلَ الصَّيْدُ، وَلَا يُؤْكَلُ الْعُضْوُ، وَإِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ أُكِلَ، وَإِنْ قَطَعَهُ أَثْلَاثًا أُكِلَ الْكُلُّ إِنْ كَانَ الْأَقَلُّ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ; وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَيَضْمَنُ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ قِيمَتَهُ غَيْرَ نُقْصَانِ جِرَاحَتِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] الْمِعْرَاضُ الْجِلْدَ بِحَدِّهِ أُكِلَ) قَالَ ﵊ فِيهِ: «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ» وَإِنْ جَرَحَتْهُ الْحَجَرُ إِنْ كَانَ ثَقِيلًا لَمْ يُؤْكَلْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا وَبِهِ حَدٌّ لَا يَحِلُّ لِأَنَّهَا قَتَلَتْهُ بِحَدِّهَا ; وَلَوْ رَمَاهُ بِهَا فَأَبَانَ رَأْسَهُ أَوْ قَطَعَ الْعُرُوقَ لَا يُؤْكَلُ، لِأَنَّ الْعُرُوقَ قَدْ تَنْقَطِعُ بِالثِّقَلِ فَوَقَعَ الشَّكُّ، وَلَعَلَّهُ مَاتَ قَبْلَ قَطْعِ الْعُرُوقِ، وَلَوْ كَانَ لِلْعَصَا حَدٌّ فَجُرِحَتْ يُؤْكَلُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُحَدَّدِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَوْتَ إِنْ كَانَ بِجُرْحٍ بِيَقِينٍ حَلَّ، وَإِنْ كَانَ بِالثِّقَلِ لَا يَحِلُّ، وَكَذَا إِنْ وَقَعَ الشَّكُّ احْتِيَاطًا. قَالَ: (وَإِنْ رَمَاهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ فَأَبَانَ عُضْوًا مِنْهُ أُكِلَ الصَّيْدُ) لِوُجُودِ الْجُرْحِ فِي الصَّيْدِ وَهُوَ ذَكَاتُهُ (وَلَا يُؤْكَلُ الْعُضْوُ) قَالَ ﵊: «مَا أُبِينَ مِنَ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ» . قَالَ: (وَإِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ أُكِلَ) لِأَنَّ الْمُبَانَ مِنْهُ لَيْسَ بِحَيٍّ، إِذْ لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ حَيَاتِهِ. قَالَ: (وَإِنْ قَطَعَهُ أَثْلَاثًا أُكِلَ الْكُلُّ إِنْ كَانَ الْأَقَلُّ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ) لِمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْأَقَلُّ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ، لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ حَيَاتُهُ فَلَا يُؤْكَلُ ; وَإِنْ رَمَاهُ بِسَيْفٍ أَوْ بِسِكِّينٍ فَإِنْ جَرَحَهُ بِالْحَدِّ حَلَّ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِقَفَا السِّكِّينِ أَوْ بِمَقْبَضِ السَّيْفِ لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ وَقْذٌ لَا جُرْحٌ؛ وَلَوْ رَمَاهُ فَجَرَحَهُ وَأَدْمَاهُ حَلَّ، وَإِنْ لَمْ يُدْمِهِ لَا يَحِلُّ لِأَنَّ الْإِدْمَاءَ شَرْطٌ. قَالَ ﵊: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلْ» شَرَطَ الْإِنْهَارَ، وَقِيلَ يَحِلُّ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يَنْحَبِسُ لِغِلَظِهِ وَضِيقِ الْمَنْفَذِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا عُلِّقَتِ الشَّاةُ بِالْعُنَّابِ فَذُبِحَتْ وَلَمْ يَسِلْ مِنْهَا الدَّمُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحَةُ كَبِيرَةٌ حَلَّ بِدُونِ الْإِدْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا بُدَّ مِنَ الْإِدْمَاءِ. قَالَ: (وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ) لِأَنَّ بِالْإِثْخَانِ صَارَتْ ذَكَاتُهُ اخْتِيَارِيَّةً فَصَارَ بِالْجُرْحِ الثَّانِي مَيْتَةً، وَهَذَا إِذَا كَانَ بِحَالٍ يَنْجُو مِنَ الرَّمْيَةِ الْأُولَى لِيَكُونَ مَوْتُهُ مُضَافًا إِلَى الثَّانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْأُولَى بِأَنْ قَطَعَ رَأْسَهُ أَوْ بَقَرَ بَطْنَهُ وَنَحْوِهِ يَحِلُّ لِأَنَّ وُجُودَ الثَّانِيَةِ كَعَدَمِهَا. قَالَ: (وَيَضْمَنُ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ قِيمَتَهُ غَيْرَ نُقْصَانِ جِرَاحَتِهِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَهُ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ حَيْثُ أَثْخَنَهُ فَخَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَلَا يُطِيقُ

стр. 711

وَإِنْ لَمْ يُثْخِنْهُ الْأَوَّلُ أَكَلَ وَهُوَ لِلثَّانِي. كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَالذَّكَاةُ اخْتِيَارِيَّةٌ، وَهِيَ الذَّبْحُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ. وَاضْطِرَارِيَّةٌ، وَهِيَ الْجُرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ اتَّفَقَ؛ وَشَرْطُهُمَا التَّسْمِيَةُ، وَكَوْنُ الذَابِحِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، ــ [الاختيار لتعليل المختار] بَرَاحًا وَهُوَ مَعِيبٌ بِالْجِرَاحَةِ، وَالْقِيمَةُ تَجِبُ عِنْدَ الْإِتْلَافِ. قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يُثْخِنْهُ الْأَوَّلُ أُكِلَ) لِأَنَّهُ صَيْدٌ عَلَى حَالِهِ (وَهُوَ لِلثَّانِي) لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَخَذَهُ، قَالَ ﵊: «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» . [كِتَابُ الذَّبَائِحِ] وَهُوَ جَمْعُ ذَبِيحَةٍ، وَالذَّبِيحَةُ: الْمَذْبُوحَةُ، وَكَذَلِكَ الذَّبْحُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ، وَالذَّبْحُ مَصْدَرُ ذَبَحَ يَذْبَحُ، وَهُوَ الذَّكَاةُ أَيْضًا، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أَيْ ذَبَحْتُمْ. (وَالذَّكَاةُ) نَوْعَانِ: (اخْتِيَارِيَّةٌ، وَهِيَ الذَّبْحُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ) قَالَ ﵊: «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ» أَيْ مَوْضِعُ الذَّكَاةِ، وَهِيَ قَطْعُ عُرُوقٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى مَا يَأْتِيكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. قَالَ: (وَاضْطِرَارِيَّةٌ: وَهِيَ الْجُرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ اتَّفَقَ) ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ حَالَةَ الْعَجْزِ عَنِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَذَلِكَ مِثْلَ الصَّيْدِ وَالْبَعِيرِ النَّادِّ، فَلَوْ رَمَاهُ فَقَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ لِأَنَّ الْجُرْحَ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ أُقِيمَ مَقَامَ الذَّبْحِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الذَّبْحِ لِلْحَاجَةِ، وَالْبَقْرُ وَالْبَعِيرُ لَوْ نَدَّا فِي الصَّحْرَاءِ أَوِ الْمِصْرِ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ، وَكَذَلِكَ الشَّاةُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَوْ نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَا تَحِلُّ بِالْعَقْرِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهَا، أَمَّا الْبَقَرُ وَالْبَعِيرُ فَرُبَّمَا عَضَّهُ الْبَعِيرُ وَنَطَحَهُ الْبَقَرُ فَتَحَقَّقَ الْعَجْزُ فِيهَا، وَالْمُتَرَدِّي فِي بِئْرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَكَاتِهِ فِي الْعُرُوقِ كَالصَّيْدِ إِذْ لَا يُتَوَهَّمُ مَوْتُهُ بِالْمَاءِ. قَالَ: (وَشَرْطُهُمَا التَّسْمِيَةُ، وَكَوْنُ الذَّابِحِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا) أَمَّا التَّسْمِيَةُ فَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وَالْمُرَادُ حَالَةُ النَّحْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أَيْ سَقَطَتْ بَعْدَ النَّحْرِ، وَمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ فِي الصَّيْدِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: «فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ» ، فَلَوْ تَرَكَهَا عَامِدًا لَا تَحِلُّ ; لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ نَاسِيًا، فَالْقَوْلُ بِإِبَاحَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِهِ لَا يَنْفُذُ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْكِتَابِيُّ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ النُّصُوصِ مِنْهَا أَمْرٌ بِالتَّسْمِيَةِ، وَمِنْهَا جَعْلُهَا شَرْطًا لِحِلِّ الْأَكْلِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ

стр. 712

فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا حَلَّ، وَإِنْ أَضْجَعَ شَاةً وَسَمَّى فَذَبَحَ غَيْرَهَا بِتِلْكَ التَسْمِيَةِ لَمْ تُؤْكَلْ، وَإِنْ ذَبَحَ بِشَفْرَةٍ أُخْرَى أُكِلَ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - اسْمَ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] الْمَتْرُوكِ عَامِدًا، وَأَمَّا كَوْنُ الذَّابِحِ مُسْلِمًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي طَعَامِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴿حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وَقَالَ ﵊ فِي الْمَجُوسِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» ; فَدَلَّ عَلَى حِلِّ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ سَمَّى النَّصْرَانِيُّ الْمَسِيحَ وَسَمِعَهُ الْمُسْلِمُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَهُوَ يَعْنِي الْمَسِيحَ يَأْكُلُ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ وَيَضْبُطُهَا وَيَقْدِرُ عَلَى الذَّبْحِ، فَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ وَالصَّبِيِّ إِذَا قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ، وَالْمُرْتَدُّ لَا مِلَّةَ لَهُ فَلَا تَجُوزُ ذَبِيحَتُهُ، وَيَجُوزُ صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ ; لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ فَحِلُّهُ غَيْرُ مَنُوطٍ بِالتَّسْمِيَةِ. قَالَ: (فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةِ نَاسِيًا حَلَّ) ; لِأَنَّ فِي تَحْرِيمِهِ حَرَجًا عَظِيمًا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَخْلُو عَنِ النِّسْيَانِ فَكَانَ فِي اعْتِبَارِهِ حَرَجٌ. وَسُئِلَ ﵊ عَمَّنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ، فَقَالَ: «اسْمُ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ كُلِّ مُسْلِمٍ» ، وَلِأَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِمَا نَسِيَهُ بِالْحَدِيثِ فَلَمْ يَتْرُكْ فَرْضًا عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ بِخِلَافِ الْعَامِدِ. قَالَ: (وَإِنْ أَضْجَعَ شَاةً وَسَمَّى فَذَبَحَ غَيْرَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ تُؤْكَلْ، وَإِنْ ذَبَحَ بِشَفْرَةٍ أُخْرَى أَكَلَ) ، وَلَوْ أَخَذَ سَهْمًا وَسَمَّى ثُمَّ وَضَعَهُ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يُسَمِّ لَا يَحِلُّ، وَلَوْ سَمَّى عَلَى سَهْمٍ فَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ حَلَّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّبْحِ مَشْرُوطَةٌ عَلَى الذَّبِيحَةِ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] فَإِذَا تَبَدَّلَتِ الذَّبِيحَةُ ارْتَفَعَ حُكْمُ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهَا، وَفِي الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ التَّسْمِيَةِ مَشْرُوطَةٌ عَلَى الْآلَةِ، قَالَ ﵊: «إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» ، وَقَالَ: «فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ» ، فَمَا لَمْ تَتَبَدَّلِ الْآلَةُ فَالتَّسْمِيَةُ بَاقِيَةٌ، وَإِذَا تَبَدَّلَتِ ارْتَفَعَ حُكْمُهَا فَاحْتَاجَ إِلَى تَسْمِيَةٍ أُخْرَى. قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - اسْمَ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ) ; لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الذِّكْرُ الْخَالِصُ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: جَرِّدُوا التَّسْمِيَةَ، فَإِذَا ذُكِرَ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَعَ اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَأَمَّا إِنْ ذَكَرَهُ مَوْصُولًا بِهِ أَوْ مَفْصُولًا، فَإِنْ فَصَلَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ أَوْ قَبْلَ الْإِضْجَاعِ أَوْ بَعْدَ الذَّبِيحَةِ ; لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الذَّبِيحَةِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «قَالَ بَعْدَ الذَّبْحِ: " اللَّهْمَ تَقَبَّلْ هَذِهِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِمَّنْ شَهِدَ لَكَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِيَ بِالْبَلَاغِ» ، وَإِنْ ذَكَرَهُ مَوْصُولًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مَعْطُوفًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا حُرِّمَتْ ; لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ بِأَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ فُلَانٍ، أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ وَفُلَانٍ، أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ بِكَسْرِ الدَّالِ، وَلَوْ رَفَعَهَا لَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ كَلَامٌ

стр. 713

وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَإِنْ عَكَسَ فَذَبَحَ الْإِبِلَ وَنَحَرَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ كُرِهَ وَيُؤْكَلُ. وَالْعُرُوقُ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الذَكَاةِ: الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَالْوَدَجَانِ، فَإِنْ قَطَعَهَا حَلَّ الْأَكْلُ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَطَعَ ثَلَاثَةً (س) مِنْهَا، ــ [الاختيار لتعليل المختار] مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالذَّبِيحَةِ، وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ بِأَنْ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْطِفُ لَمْ تُوجَدِ الشَّرِكَةُ فَيَقَعُ الذَّبْحُ خَالِصًا لِلَّهِ - تَعَالَى - إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ; لِأَنَّهُ صُورَةُ الْمُحَرَّمِ مِنْ حَيْثُ الْقِرَانِ فِي الذِّكْرِ، وَلَوْ قَالَ عِنْدَ الذَّبْحِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَلَوْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، يَنْوِي التَّسْمِيَةَ حَلَّ، وَالْمَنْقُولُ الْمُتَوَارَثُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَكَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَوْلَهُ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] . قَالَ: (وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَإِنْ عَكَسَ فَذَبَحَ الْإِبِلَ وَنَحَرَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ كُرِهَ وَيُؤْكَلُ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ، قَالُوا: الْمُرَادُ نَحْرُ الْجَزُورِ. وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، وَقَالَ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] . وَالذَّبْحُ: مَا يُذْبَحُ وَكَانَ كَبْشًا، وَهُوَ الْمُتَوَارَثُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَإِنَّمَا كُرِهَ إِذَا عَكَسَ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ، وَيُؤْكَلُ لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِلِّ وَهُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ وَإِنْهَارُ الدَّمِ. قَالَ: (وَالْعُرُوقُ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الذَّكَاةِ: الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَالْوَدَجَانِ) ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: الذَّكَاةُ فِي الْأَوْدَاجِ: وَالْأَوْدَاجُ أَرْبَعَةٌ: الْحُلْقُومُ، وَالْمَرِيءُ، وَالْعِرْقَانِ اللَّذَانِ بَيْنَهُمَا، وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ ﵊: «أَفْرِ الْأَوْدَاجَ بِمَا شِئْتَ» ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ فَيَتَنَاوَلُ ثَلَاثَةً، وَهُوَ الْمَرِيءُ وَالْوَدَجَانِ، وَلَا يُمْكِنُ قَطْعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ فَثَبَتَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ اقْتِضَاءً، (فَإِنْ قَطَعَهَا حَلَّ الْأَكْلُ) لِوُجُودِ الذَّكَاةِ، (وَكَذَلِكَ إِذَا قَطَعَ ثَلَاثَةً مِنْهَا) أَيَّ ثَلَاثَةٍ كَانَتْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ عِرْقٍ. وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَحَمَلَ الْكَرْخِيُّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ قَطَعَ أَكْثَرَهَا حَلَّ عَلَى مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ بِفَرْيِ الْعُرُوقِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مُنْفَصِلٌ عَنِ الْبَاقِينَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ أَكْثَرُهُ فَكَأَنَّهُ قَطَعَهُ إِقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِقَطْعِ الْأَكْثَرِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ مَا يَخْرُجُ بِقَطْعِ جَمِيعِهِ، وَلِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ يُبْقِي الْيَسِيرَ مِنَ الْعُرُوقِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقْصَدُ بِقَطْعِهِ غَيْرُ مَا يُقْصَدُ بِقَطْعِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْحُلْقُومَ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءَ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالْوَدَجَيْنِ مَجْرَى الدَّمِ، فَإِذَا قَطَعَ أَحَدَ الْوَدَجَيْنِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِقَطْعِهِمَا، وَإِذَا تَرَكَ الْحُلْقُومَ أَوِ الْمَرِيءَ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ قَطْعِهِ بِقَطْعِ مَا سِوَاهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي الْأُصُولِ، فَبِقَطْعِ أَيِّ حَادِثٍ كَانَ حَصَلَ قَطْعُ الْأَكْثَرِ،

стр. 714

وَيَجُوزُ الذَبْحُ بِكُلِّ مَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّا السِّنَّ الْقَائِمَةَ وَالظُّفُرَ الْقَائِمَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحِدَّ شَفْرَتَهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْلُغَ بِالسِّكِّينِ النُّخَاعَ، أَوْ يَقْطَعَ الرَّأْسَ وَتُؤْكَلُ، وَيُكْرَهُ سَلْخُهَا قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ، وَمَا اسْتَأْنَسَ مِنَ الصَّيْدِ فَذَكَاتُهُ اخْتِيَارِيَّةٌ، وَمَا تَوَحَّشَ مِنَ النَّعَمِ فَاضْطِرَارِيَّةٌ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَهُوَ إِنْهَارُ الدَّمِ وَالتَّسْبِيبُ إِلَى إِزْهَاقِ الرُّوحِ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْيَا بَعْدَ قَطْعِ مَجْرَى النَّفَسِ وَالطَّعَامِ، وَالدَّمُ يَجْرِي بِقَطْعِ أَحَدِ الْوَدَجَيْنِ فَيُكْتَفَى بِهِ تَحَرُّزًا عَنْ زِيَادَةِ التَّعْذِيبِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ الذَّبْحُ بِكُلِّ مَا أَفَرَى الْأَوْدَاجَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّا السِّنَّ الْقَائِمَةَ وَالظُّفْرَ الْقَائِمَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَفْرِ الْأَوْدَاجَ بِمَا شِئْتَ وَكُلْ» ، وَقَوْلُهُ: «أَنْهِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ» ، وَقَالَ ﵊: «كُلُّ مَا أَنَهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الْأَوْدَاجَ، مَا خَلَا السِنَّ وَالظُّفُرَ فَإِنَّهُمَا مُدَى الْحَبَشَةِ» ، وَالْحَبَشَةُ كَانُوا يَذْبَحُونَ بِهِمَا قَائِمَيْنِ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِهِمَا قَائِمَيْنِ يَحْصُلُ بِقُوَّةِ الْآدَمِيِّ وَثِقَلِهِ فَأَشْبَهَ الْمُنْخَنِقَةَ، وَلَوْ ذَبَحَ بِهِمَا مَنْزُوعَيْنِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَيُكْرَهُ. أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِجُزْءِ الْآدَمِيِّ وَأَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَا بَأْسَ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَى وَلِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ إِنْهَارُ الدَّمِ وَقَطْعُ الْأَوْدَاجِ. وَنَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْبُوحَ بِهِمَا قَائِمَيْنِ مَيْتَةٌ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ نَصًّا، وَمَا لَا يَجِدُ فِيهِ نَصًّا يَتَحَرَّى فَيَقُولُ فِي الْحِلِّ لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي الْحُرْمَةِ لَا يُؤْكَلُ أَوْ يُكْرَهُ. قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحِدَّ شَفْرَتَهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» ، وَرَأَى ﵊ «رَجُلًا أَضْجَعَ شَاةً وَهُوَ يُحِدُّ شَفْرَتَهُ، فَقَالَ: هَلَا حَدَدْتَهَا قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا؟» قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْلُغَ بِالسِّكِّينِ النُّخَاعَ أَوْ يَقْطَعَ الرَّأْسَ وَتُؤْكَلُ) وَالنُّخَاعُ عِرْقٌ أَبْيَضُ فِي عَظْمِ الرَّقَبَةِ ; لِأَنَّهُ ﵊: «نَهَى أَنْ تُنْخَعَ الشَّاةُ إِذَا ذُبِحَتْ» ، وَفَسَّرُوهُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَفِي قَطْعِ الرَّأْسِ زِيَادَةُ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِلَا فَائِدَةٍ وَيُؤْكَلُ لِوُجُودِ الْمَقْصُودِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ لِمَعْنًى زَائِدٍ وَهُوَ زِيَادَةُ الْأَلَمِ فَلَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ سَلْخُهَا قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ) أَيْ يَسْكُنَ اضْطِرَابُهَا، وَكَذَا يُكْرَهُ كَسْرُ عُنُقِهَا قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأَلُّمِ الْحَيَوَانِ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا أَلَمَ فَلَا يُكْرَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَلَا لَا تَنْخَعُوا الذَّبِيحَةَ حَتَّى تَجِبَ» أَيْ لَا تَقْطَعُوا رَقَبَتَهَا وَتَفْصِلُوهَا حَتَّى تَسْكُنَ حَرَكَتُهَا، وَإِنْ ذَبَحَ الشَّاةَ مِنْ قَفَاهَا إِنْ مَاتَتْ قَبْلَ قَطْعِ الْعِرْقِ فَهِيَ مَيْتَةٌ لِوُجُودِ الْمَوْتِ بِدُونِ الذَّكَاةِ، وَإِنْ قُطِعَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ حَلَّتْ لِأَنَّهَا مَاتَتْ بِالذَّكَاةِ، كَمَا إِذَا جَرَحَهَا ثُمَّ ذَبَحَهَا، إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ فِعْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْأَلَمِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ. قَالَ: (وَمَا اسْتَأْنَسَ مِنَ الصَّيْدِ فَذَكَاتُهُ اخْتِيَارِيَّةٌ) لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهَا (وَمَا تَوَحَّشَ مِنَ النَّعَمِ فَاضْطِرَارِيَّةٌ) لِلْعَجْزِ عَنِ الِاخْتِيَارِيَّةِ.

стр. 715

وَإِذَا كَانَ فِي بَطْنِ الْمَذْبُوحِ جَنِينٌ مَيِّتٌ لَمْ يُؤْكَلْ (سم) ، وَإِذَا ذُبِحَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَهُرَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ إِلَّا الْخِنْزِيرَ وَالْآدَمِيَّ. فَصْلٌ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَإِذَا كَانَ فِي بَطْنِ الْمَذْبُوحِ جَنِينٌ مَيِّتٌ لَمْ يُؤْكَلْ) وَقَالَا: إِذَا تَمَّ خَلْقُهُ أُكِلَ وَإِلَّا فَلَا، لِقَوْلِهِ ﵊: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» ، وَلِأَنَّهُ جُزْءُ الْأُمِّ مُتَّصِلٌ بِهَا يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا وَيَتَنَفَّسُ بِتَنَفُّسِهَا وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا وَيُعْتَقُ بِإِعْتَاقِهَا، فَيَتَذَكَّى بِذَكَاتِهَا كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَيَوَانٌ بِانْفِرَادِهِ حَتَّى يُتَصَوَّرَ حَيَاتُهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَيُفْرَدُ بِالذَّكَاةِ، وَلِهَذَا يُعْتَقُ بِإِعْتَاقٍ مُفْرَدٍ، وَتَجِبُ فِيهِ الْغِرَّةُ وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَلَهُ دُونَهَا، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ دَمَوِيٌّ لَمْ يَخْرُجْ دَمُهُ فَصَارَ كَالْمُنْخَنِقَةِ ; لِأَنَّ بِذَكَاةِ الْأُمِّ لَا يَخْرُجُ دَمُهُ بِخِلَافِ الصَّيْدِ ; لِأَنَّ الْجَرْحَ مُوجِبٌ لِخُرُوجِ الدَّمِ، وَلِأَنَّهُ احْتَمَلَ مَوْتُهُ بِذَبْحِ الْأُمِّ وَاحْتَمَلَ قَبْلَهُ فَلَا يَحِلُّ بِالشَّكِّ، وَالْحَدِيثُ رُوِيَ بِالنَّصْبِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ فَدَلَّ عَلَى تَسَاوِيهِمَا فِي الذَّكَاةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ احْتَمَلَ التَّشْبِيهَ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا، وَلِهَذَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَبْحَ الشَّاةِ الْحَامِلِ الَّتِي قَرُبَتْ وِلَادَتُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَاعَةِ الْوَلَدِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ عِنْدَهُمَا. قَالَ: (وَإِذَا ذُبِحَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَهُرَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ إِلَّا الْخِنْزِيرَ وَالْآدَمِيَّ) فَإِنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهِمَا ; لِأَنَّ الذَّكَاةَ تُزِيلُ الرُّطُوبِاتِ وَتُخْرِجُ الدِّمَاءَ السَّائِلَةَ، وَهِيَ الْمُنَجَّسَةُ لَا ذَاتَ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ فَيَطْهُرُ كَمَا فِي الدِّبَاغِ. أَمَّا الْآدَمِيُّ فَلِكَرَامَتِهِ وَحُرْمَتِهِ، وَالْخِنْزِيرُ لِنَجَاسَتِهِ وَإِهَانَتِهِ فَلَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهِمَا كَمَا لَا يَعْمَلُ الدِّبَاغُ فِي جِلْدِهِمَا وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّهَارَةِ، وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً مَرِيضَةً فَلَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا فَمُهَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: إِنْ فَتَحَتْ فَاهَا وَعَيْنَهَا وَمَدَّتْ رِجْلَهَا وَنَامَ شَعْرُهَا لَمْ تُؤْكَلْ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ أُكِلَتْ. [فصل مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ] فَصْلٌ (وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) ; لِأَنَّهُ ﵊: «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» ، وَقَوْلُهُ عَقِيبَ النَّوْعَيْنِ مِنَ السِّبَاعِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِمَا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَا لَهُ مِخْلَبٌ وَنَابٌ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَالسَّبُعُ كُلُّ جَارِحٍ قَتَّالٍ مُنْتَهِبٍ مُتَعَدٍّ عَادَةً كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالذِّئْبِ وَالثَّعْلَبِ وَالدُّبِّ وَالْفِيلِ وَالْقِرْدِ وَالْيَرْبُوعِ وَابْنِ عُرْسٍ وَالسِّنَّوْرِ الْبَرِّيِّ وَالْأَهْلِيِّ، وَذُو الْمِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ: الصَّقْرُ

стр. 716

وَلَا تَحِلُّ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَلَا الْبِغَالُ وَلَا الْخَيْلُ (سم) ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَالْبَازِيُّ وَالنَّسْرُ وَالْعُقَابُ وَالشَّاهِينُ وَالْحِدَأَةُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الدَّلَقُ وَالسِّنْجَابُ وَالْفَنَكُ وَالسُّمُّورُ وَمَا شَابَهَهُ سَبُعٌ، وَلَا يُؤْكَلُ ابْنُ عُرْسٍ لِأَنَّهَا ذَاتُ أَنْيَابٍ فَدَخَلَتْ تَحْتَ النَّصِّ، وَفِي الْحَدِيثِ: «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْخَطْفَةِ وَالنُّهْبَةِ وَالْمُجَثَّمَةِ» ; فَالْخَطْفَةُ: الَّتِي تَخْتَطِفُ فِي الْهَوَاءِ كَالْبَازِيِّ وَنَحْوِهِ، وَالنُّهْبَةُ: الَّذِي يَنْتَهِبُ عَلَى الْأَرْضِ كَالذِّئْبِ وَالْكَلْبِ وَنَحْوِهِ، وَالْمُجَثَّمَةُ: فَقَدْ رُوِيَ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، فَبِالْفَتْحِ كُلُّ صَيْدٍ جَثَمَ عَلَيْهِ الْكَلْبُ حَتَّى مَاتَ غَمًّا، وَبِالْكَسْرِ كُلُّ حَيَوَانٍ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَجْثُمَ عَلَى الصَّيْدِ كَالذِّئْبِ وَالْكَلْبِ، وَمَعْنَى تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَرَامَةٌ لبَنِي آدَمَ لِئَلَّا يَتَعَدَّى إِلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ بِالْأَكْلِ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ حَرَامٌ إِلَّا الْجَرَادَ، مِثْلُ الذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقَارِبِ، وَكَذَا سَائِرُ هَوَامِّ الْأَرْضِ وَمَا يَدِبُّ عَلَيْهَا وَمَا يَسْكُنُ تَحْتَهَا، وَهِيَ الْحَشَرَاتُ كَالْفَأْرَةِ وَالْوَزَغَةِ وَالْيَرْبُوعِ وَالْقُنْفُذِ وَالْحَيَّةِ وَنَحْوِهَا ; لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ الْخَبَائِثِ فَيَحْرُمُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . قَالَ: (وَلَا تَحِلُّ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَلَا الْبِغَالُ وَلَا الْخَيْلُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] خَرَجَتْ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ، فَلَوْ جَازَ أَكْلُهَا لَذَكَرَهُ ; لِأَنَّ نِعْمَةَ الْأَكْلِ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَةِ الرُّكُوبِ. وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَعَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ» . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَحْمُ الْخَيْلِ حَلَالٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَكَلْنَا لَحْمَ فَرَسٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊» ، وَرُوِيَ: " أَنَّهُ ﵊ «نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي الْخَيْلِ» . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا تَلَوْنَا مِنَ الْآيَةِ. وَمَا رَوَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» ، وَرَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ عَدِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: «حَرَامٌ عَلَيْكُمُ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَخَيْلُهَا وَبِغَالُهَا وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» ، وَلِأَنَّ الْبَغْلَ وَهُوَ نِتَاجُهُ لَا يُؤْكَلُ فَلَا يُؤْكَلُ الْفَرَسُ ; لِأَنَّ أَكْلَ النِّتَاجِ مُعْتَبَرٌ بِأُمِّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ لَوْ نَزَا عَلَى الْأَتَانِ الْأَهْلِيَّةِ لَا يُؤْكَلُ؟ فَكَذَا هَذَا.

стр. 717

وَيُكْرَهُ الرَّخَمُ وَالْبُغَاثُ وَالْغُرَابُ وَالضَّبُّ وَالسُّلَحْفَاةُ وَالْحَشَرَاتُ، وَيَجُوزُ غُرَابُ الزَّرْعِ وَالْعَقْعَقُ وَالْأَرْنَبُ وَالْجَرَادُ وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ إِلَّا السَّمَكُ، وَلَا يُؤْكَلُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَيُكْرَهُ الرُّخُمُ وَالْبُغَاثُ وَالْغُرَابُ) ; لِأَنَّهَا تَأْكُلُ الْجِيَفَ فَكَانَتْ مِنَ الْخَبَائِثِ، إِذِ الْمُرَادُ الْغُرَابُ الْأَسْوَدُ وَكَذَلِكَ الْغِدَافُ. قَالَ: (وَالضَّبُّ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂: «أَنَّهُ أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ ضَبٌّ فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ، فَجَاءَتْ سَائِلَةٌ فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُطْعِمَهَا، فَقَالَ لَهَا: أَتُطْعِمِينَ مَا لَا تَأْكُلِينَ؟» وَلَوْلَا حُرْمَتُهُ لَمَا مَنَعَهَا عَنِ التَّصَدُّقِ كَمَا فِي شَاةِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: (وَالسُّلَحْفَاةُ) ; لِأَنَّهَا مِنَ الْفَوَاسِقِ (وَالْحَشَرَاتُ) بِدَلِيلِ جَوَازِ قَتْلِهَا لِلْمُحْرِمِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ غُرَابُ الزَّرْعِ وَالْعَقْعَقُ وَالْأَرْنَبُ وَالْجَرَادُ) قَالَ أَبُو يُوسُفَ: غُرَابُ الزَّرْعِ لَهُ هَيْئَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْغُرَابِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهِ، وَأَنَّهُ يَدَّخِرُ فِي الْمَنَازِلِ وَيُؤْلَفُ كَالْحَمَامِ وَيَطِيرُ وَيَرْجِعُ، وَالْعَقْعَقُ يَخْلِطُ فِي أَكْلِهِ فَأَشْبَهَ الدَّجَاجَ، وَالْأَرْنَبَ، لِمَا رَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ قَالَ: «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵊ أَرْنَبَةٌ مَشْوِيَّةٌ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا» . قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَمَّا الْوَبَرُ فَلَا أَحْفَظُ فِيهِ شَيْئًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ عِنْدِي كَالْأَرْنَبِ وَهُوَ يَعْتَلِفُ الْبُقُولَ وَالنَّبْتَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْإِبَاحَةِ إِلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْحَظْرِ، وَأَمَّا الْجَرَادُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» ، وَسَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ كَالْمَطَرِ وَنَحْوِهِ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ. قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ إِلَّا السَّمَكُ) لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ فَيَحْرُمُ بِالنَّصِّ، وَإِنَّمَا حَلَّ السَّمَكُ بِمَا رُوِّينَا مِنَ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ الْجِرِّيثَ وَالْمَارَمَاهِي وَغَيْرِهِمَا. وَعَنِ النَّبِيِّ ﵊: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الضُّفْدَعِ يُجْعَلُ شَحْمُهُ فِي الدَّوَاءِ فَنَهَى عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ وَقَالَ: خَبِيثَةٌ مِنَ الْخَبَائِثِ» . قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ) وَهُوَ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ أَكْلِ الطَّافِي» ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: لَا تَبِيعُوا فِي أَسْوَاقِنَا الطَّافِيَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا دَسَرَهُ الْبَحْرُ فَكُلْهُ، وَمَا وَجَدْتَهُ مَطْفُوًّا عَلَى الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْهُ. وَمَا مَاتَ مِنَ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ أَوْ كَدِرِ الْمَاءِ رُوِيَ أَنَّهُ يُؤْكَلُ ; لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ كَمَا لَوْ أَلْقَاهُ الْمَاءُ عَلَى الْيُبْسِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ; لَأَنَّ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ مِنْ صِفَاتِ الزَّمَانِ وَلَيْسَا مِنْ حَوَادِثِ الْمَوْتِ عَادَةً، وَلَوِ ابْتَلَعَتْ سَمَكَةٌ سَمَكَةً تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ حَادِثٌ لِلْمَوْتِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ:

стр. 718

كِتَابُ الْأُضْحِيَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ مُقِيمٍ مُوسِرٍ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] تُحْبَسُ الْجَلَّالَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَمْ يُوَقِّتْ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ وَقْتًا وَقَالَ: تُحْبَسُ حَتَّى تَطِيبَ وَالْجَلَّالَةُ: الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ، فَإِنْ خَلَطَتْ فَلَيْسَتْ بِجَلَّالَةٍ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: الدَّجَاجَةُ لَا تَكُونُ جَلَّالَةً لِأَنَّهَا تَخْلِطُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا أَنْتَنَ وَتَغَيَّرَ وَوُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ فَهِيَ جَلَّالَةٌ لَا يُشْرَبُ لَبَنُهَا وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا، وَإِذَا حُبِسَتْ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ مَا فِي جَوْفِهَا يَزُولُ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلتَّغَيُّرِ وَالنَّتْنُ، وَلَمْ يُوَقِّتْ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَقَّفَ عَلَى زَوَالِ النَّتْنِ وَجَبَ اعْتِبَارُ هَذَا الْمَعْنَى، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ قَدَّرَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ مِنْ حَالِهَا، وَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَ يَأْكُلُهُ» وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ التَّقْدِيرِ بِالثَّلَاثَةِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ. [كِتَابُ الْأُضْحِيَةِ] وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا: اسْمٌ لِمَا يُذْبَحُ أَيَّامَ النَّحْرِ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ لِلَّهِ - تَعَالَى -، وَكَذَلِكَ الضَّحِيَّةُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا، وَيُقَالُ أَيْضًا أَضْحَاةٌ، قَالَ ﵊: «عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ» ، فَالْأَضْحَاةُ مَا يُذْبَحُ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَالْعَتِيرَةُ شَاةٌ كَانَتْ تُذْبَحُ لِلصَّنَمِ فِي رَجَبٍ نُسِخَتْ وَبَقِيَتِ الْأُضْحِيَّةُ، وَهِيَ مِنْ أَضْحَى يُضْحِي إِذَا دَخَلَ فِي الضُّحَى ; لِأَنَّهَا تُذْبَحُ وَقْتَ الضُّحَى فَسُمِّي الْوَاجِبُ بِاسْمِ وَقْتِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. قَالَ: (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ مُقِيمٍ مُوسِرٍ) ، أَمَّا الْوُجُوبُ فَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا وَاخْتَارَهُ رَضِيُّ الدَّيْنِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهَا سُنَّةً قَوْلُهُ ﵊: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: الْوِتْرُ وَالضُّحَى وَالْأَضْحَى» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ» ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يَرَاهَا النَّاسُ وَاجِبَةً، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَتْ عَلَى الْمُسَافِرِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالزَّكَاةِ، إِذِ الْوَاجِبَاتُ الْمَالِيَّةُ لَا تَأْثِيرَ لِلسَّفَرِ فِيهَا، وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أَمَرَ بِنَحْرٍ مَقْرُونٍ بِالصَّلَاةِ وَلَا ذَلِكَ إِلَّا الْأُضْحِيَّةَ، فَلَئِنْ قَالَ: الْمُرَادُ أَخْذُ الْيَدِ بِالْيَدِ عَلَى النَّحْرِ فِي الصَّلَاةِ. قُلْنَا هَذَا أَمْرٌ وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَا وُجُوبَ فِيمَا ذَكَرْتُمْ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُهُ ﵊: «ضَحُّوا فَإِنَّهَا سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» أَمْرٌ وَأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ ﵊: «مَنْ وَجَدَ سَعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» عَلَّقَ الْوَعِيدَ بِتَرْكِ

стр. 719

وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ. وَإِنِ اشْتَرَكَ سَبْعَةٌ فِي بَقَرَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ جَازَ إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ وَيُرِيدُونَهَا. ــ [الاختيار لتعليل المختار] الْأُضْحِيَّةِ وَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ إِضَافَةَ الْيَوْمِ إِلَيْهِ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتْ فِيهِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا وُجُودَ إِلَّا بِالْوُجُوبِ فَيَجِبُ تَصْحِيحًا لِلْإِضَافَةِ وَكَمَا فِي يَوْمِ الْفِطْرِ وَصَدَقَتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: «وَلَمْ تُكَتَبْ عَلَيْكُمْ» قُلْنَا نَفْيُ الْكِتَابَةِ نَفْيُ الْفَرِيضَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكِتَابَةِ الْفَرْضُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أَيْ فَرْضًا مُوَقَّتًا، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ مَكْتُوبَةً، فَكَأَنَّ النَّصَّ يَنْفِي الْفَرْضِيَّةَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ: «وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ» أَيْ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُّنَّةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعَارُضِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ، وَمَا وَجَبَ بِالسُّنَّةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السُّنَنِ وَهُوَ كَثِيرُ النَّظِيرِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَانَا فَقِيرَيْنِ فَخَافَا أَنْ يَظُنَّهَا النَّاسُ وَاجِبَةً عَلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا احْتِجَاجَ بِقَوْلِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ وَالتَّرْجِيحُ لَنَا ; لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مُوجِبٌ وَمَا ذَكَرُوهُ نَافٍ وَالْمُوجِبُ رَاجِحٌ وَتَمَامُهُ عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ عَلَى الْمُسَافِرِ ; لِأَنَّهَا اخْتَصَّتْ بِأَسْبَابٍ شَقَّ عَلَى الْمُسَافِرِ تَحْصِيلُهَا وَتَفُوتُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ فَلَمْ تَجِبْ كَالْجُمُعَةِ، بِخِلَافِ الْفِطَرِ وَالزَّكَاةِ حَيْثُ لَا تَفُوتُ بِالْوَقْتِ، وَيَجُوزُ فِيهِمَا التَّأْخِيرُ وَدَفْعُ الْقِيَمَ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: لَيْسَ عَلَى الْمُسَافِرِ جُمُعَةٌ وَلَا أُضْحِيَّةٌ، وَاخْتِصَاصُهَا بِالْمُسْلِمِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَقُرْبَةٌ، وَبِالْحُرِّ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَبِالْمُقِيمِ لِمَا مَرَّ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُقِيمُ بِالْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْبَوَادِي لِأَنَّهُ مُقِيمٌ، وَبِالْغِنَى لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَالْمُرَادُ الْغِنَى الْمَشْرُوطُ لِوُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَعَنْهُ لَا تَجِبُ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْقُرْبَةُ لَا تُتَحَمَّلُ بِسَبَبِ الْغَيْرِ، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّهَا مَئُونَةٌ وَسَبَبُهَا رَأَسٌ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ، وَصَارُوا كَالْعَبِيدِ يُؤَدِّي عَنْهُمْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَلَا يُضَحِّي عَنْهُمْ، وَلَوْ كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ ضَحَّى عَنْهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَقِيلَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ فَلَا يُخَاطَبُ بِهَا، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِرَاقَةُ وَالتَّصَدُّقُ بِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْلِ جَمِيعِهَا عَادَةً وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَلَا تَجِبُ. وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا تَجِبُ وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهَا لِأَنَّهُ تَطَوَّعَ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْهَا الصَّغِيرُ وَعِيَالُهُ وَيَدَّخِرُ لَهُ مَا يُمْكِنُهُ وَيَبْتَاعُ لَهُ بِالْبَاقِي، وَمَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ كَمَا يَجُوزُ لِلْبَالِغِ ذَلِكَ فِي الْجِلْدِ. وَالْجَدُّ مَعَ الْحَفَدَةِ كَالْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ (وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ) لِأَنَّهُ أَدْنَى الدَّمِ كَمَا قُلْنَا فِي الْهَدَايَا. قَالَ: (وَإِنِ اشْتَرَكَ سَبْعَةٌ فِي بَقَرَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ جَازَ إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ) يَعْنِي مُسْلِمِينَ (وَيُرِيدُونَهَا)

стр. 720

وَلَوِ اشْتَرَى بَقَرَةً لِلْأُضْحِيَةِ ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهَا سِتَّةً أَجْزَأَهُ، وَيَقْتَسِمُونَ لَحْمَهَا بِالْوَزْنِ، وَتَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَيُجْزِئُ فِيهَا مَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] يَعْنِي يُرِيدُونَ الْقُرْبَةَ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ كَافِرًا أَوْ أَرَادَ اللَّحْمَ لَا الْقُرْبَةَ لَا يُجْزِئُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَأَنَّ الدَّمَ لَا يَتَجَزَّأُ لِيَكُونَ بَعْضُهُ قُرْبَةً وَبَعْضُهُ لَا، فَإِذَا خَرَجَ الْبَعْضُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً خَرَجَ الْبَاقِي، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الشَّرِكَةِ مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» ، وَتُجْزِئُ عَنْ أَقَلِّ مِنْ سَبْعَةٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا تُجْزِئَ إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ إِرَاقَةٌ وَاحِدَةٌ، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِمَا رُوِّينَا وَأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالسَّبْعَةِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ. وَتَجُوزُ الْبَدَنَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعٍ فَلَأَنْ يَجُوزَ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَقَلَّ مِنَ السُّبْعِ لَا يُجْزِئُهُ. (وَلَوِ اشْتَرَى بَقَرَةً لِلْأُضْحِيَّةِ ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهَا سِتَّةً أَجْزَأَهُ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ ; لِأَنَّهُ أَعَدَّهَا لِلْقُرْبَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَفِي الشَّرِكَةِ بَيْعُهَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ إِلَّا بَقَرَةً وَلَا يَجِدُ شُرَكَاءَ فَيَشْتَرِيهَا ثُمَّ يَطْلُبُ الشُّرَكَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَوَّزْنَاهُ لِلْحَاجَةِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَطْلُبَ الشُّرَكَاءَ قَبْلَ الشِّرَاءِ لِئَلَّا يَكُونَ رَاجِعًا عَنِ الْقُرْبَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَقِيلَ لَوْ أَرَادَ الِاشْتِرَاكَ وَقْتَ الشِّرَاءِ لَا يُكْرَهُ. وَقِيلَ إِنْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا بِالشِّرَاءِ، فَإِنْ أَشْرَكَ جَازَ وَيَضْمَنُ حِصَّةَ الشُّرَكَاءِ، وَقِيلَ الْغَنِيُّ إِذَا شَارَكَ يَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ ; لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى السُّبْعِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ وَبِالشِّرَاءِ قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ. قَالَ: (وَيَقْتَسِمُونَ لَحْمَهَا بِالْوَزْنِ) ; لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ وَلَا يَتَقَاسَمُونَهُ جُزَافًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ الْأَكَارِعُ وَالْجِلْدُ فَيَجُوزُ كَمَا قُلْنَا فِي الْبَيْعِ. (وَتَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) لِمَا مَرَّ فِي الْهَدْيِ، وَلِقَوْلِ الصَّحَابَةِ: الضَّحَايَا مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَذَلِكَ اسْمٌ لِلْكِبَارِ دُونَ الصِّغَارِ. قَالَ: (وَيُجْزِئُ فِيهَا مَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ) وَهُوَ الثَّنِيُّ مِنَ الْكُلِّ، وَهُوَ مِنَ الْغَنَمِ مَا لَهُ سَنَةٌ، وَمِنَ الْبَقَرِ سَنَتَانِ، وَمِنِ الْإِبِلِ خَمْسُ سِنِينَ، وَلَا يَجُوزُ الْجَذَعُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ، لِمَا رَوَى أَبُو بُرْدَةَ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ضَحَّيْتُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَعِنْدِي عَتُودٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ أَفَيُجْزِئُنِي أَنْ أُضَحِّيَ بِهِ؟ قَالَ: يَجْزِيكَ وَلَا يُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ» ، وَالْعَتُودُ مِنَ الْمَعْزِ كَالْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْحَوْلِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الضَّأْنِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِقَوْلِهِ ﵊: «نِعْمَ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ» ، ثُمَّ الِاسْمُ يَتَنَاوَلُ السَّالِمَ مِنْهَا وَلَا يَجُوزُ الْمَعِيبُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ فِي بَابِ الْهَدْيِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْعَيْبِ عَفْوٌ ; لِأَنَّهُ قَلَّمَا

стр. 721

وَتَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: عَاشِرُ ذِي الْحِجَّةِ وَحَادِي عَشَرِهِ وَثَانِي عَشَرِهِ أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يَذْبَحْ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَقَدِ اشْتَرَاهَا تَصَدَّقَ بِهَا حَيَّةً، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا اشْتَرَاهَا أَوْ لَا، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ أَوَّلَ أَيَّامِ النَّحْرِ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْمِصْرِ لَا يُضَحُّونَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] يَسْلَمُ الْحَيَوَانُ مِنْهُ فَكَانَ فِي اعْتِبَارِهِ حَرَجٌ فَيَنْتَفِي وَالشَّقُّ فِي الْأُذُنِ وَالْوَسْمُ قَلِيلًا لَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا، وَلَا يُعْطِي أَجْرَ الْجَزَّارِ مِنْهَا وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْهَدْيِ. قَالَ: (وَتَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: عَاشِرُ ذِي الْحِجَّةِ وَحَادِي عَشَرِهِ وَثَانِي عَشَرِهِ، أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا، وَهَذَا لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعَقْلُ فَكَانَ طَرِيقُهُ السَّمْعَ فَكَأَنَّهُمْ قَالُوهُ عَنِ النَّبِيِّ ﵊، وَأَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا لِمَا رُوِّينَاهُ، لِكَوْنِهِ مُسَارَعَةً إِلَى الْخَيْرِ وَالْقُرْبَةِ، وَأَدْنَاهَا آخِرُهَا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّأْخِيرِ عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، وَيَجُوزُ ذَبْحُهَا فِي أَيَّامِهَا وَلَيَالِيهَا لِأَنَّ الْأَيَّامَ إِذَا ذُكِرَتْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهَا مِنَ اللَّيَالِي كَمَا فِي النَّذْرِ لِمَا عُرِفَ مِنْ قِصَّةِ زَكَرِيَّا ﵇. قَالَ: (فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يَذْبَحْ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَقَدِ اشْتَرَاهَا تَصَدَّقَ بِهَا حَيَّةً) ; لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْفَقِيرِ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ تَعَيَّنَتْ لِلْوُجُوبِ، وَالْإِرَاقَةُ إِنَّمَا عُرِفَتْ قُرْبَةً فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ وَقَدْ فَاتَ فَيَتَصَدَّقُ بِعَيْنِهَا. (وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا اشْتَرَاهَا أَوْ لَا) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَاتَ وَقْتُ الْقُرْبَةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ تَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ إِخْرَاجًا لَهُ عَنِ الْعُهْدَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْجُمُعَةِ إِذَا فَاتَتْ تُقْضَى الظُّهْرَ وَالْفِدْيَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الصَّوْمِ إِخْرَاجًا لَهُ عَنِ الْعُهْدَةِ. قَالَ: (وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ أَوَّلَ أَيَّامِ النَّحْرِ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْمِصْرِ لَا يُضَحُّونَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ ذَبِيحَتَهُ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ» ، وَقَالَ ﵊: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ الصَّلَاةُ ثُمَّ الْأُضْحِيَّةُ» ، وَهَذَا الشَّرْطُ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، أَمَّا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَهُمْ أَهْلُ السَّوَادِ فَيَجُوزُ ذَبْحُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا يَخْتَلِفُ وَقْتُهَا بِالْمِصْرِ وَعَدَمِهِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. أَمَّا شَرْطُهَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الظُّهْرَ يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فِي السَّوَادِ كَذَا هَذَا، وَلَوْ ضَحَّى بَعْدَ صَلَاةِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ قَبْلَ صَلَاةِ أَهْلِ الْجَبَّانَةِ لَا يَجُوزُ قِيَاسًا لِأَنَّهُ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَجَازَ اسْتِحْسَانًا لِحُصُولِهَا بَعْدَ صَلَاةٍ مُعْتَبَرَةٍ فَإِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِهَا جَائِزٌ، وَلَوْ ضَحَّى بِهَا بَعْدَ أَهْلِ الْجَبَّانَةِ قَبْلَ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، قَالَ الْكَرْخِيُّ: كَذَلِكَ، وَقِيلَ يَجُوزُ بِكُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ وَصَلَاةُ أَهْلِ الْمِصْرِ لِعُذْرٍ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِكُلِّ وَجْهٍ ;

стр. 722

وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِهَا، وَيُطْعِمُ الْأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ وَيَدَّخِرُ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا الْكِتَابِيُّ؛ ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِأَنَّ صَلَاةَ أَهْلِ الْمِصْرِ هِيَ الْأَصْلُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَخُرُوجُ الْآخَرِينَ بِعُذْرِ ضِيقِ الْمَسْجِدِ عَنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِعُذْرٍ لَا يُضَحِّي حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي تَجُوزُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا، رَوَاهُ الْقُدُورِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَالْمُعْتَبَرُ مَكَانُ الْأُضْحِيَّةِ لِإِمْكَانِ الْمَالِكِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ اعْتُبِرَ مَكَانُ الْمَالِكِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَلَوْ كَانَ بِالْمِصْرِ وَأَهْلُهُ بِالسَّوَادِ جَازَ أَنْ يُضَحُّوا عَنْهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبِالْعَكْسِ لَا، وَعِنْدَ الْحَسَنِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَيَتَأَكَّدُ وُجُوبُهَا آخَرَ أَيَّامِ النَّحْرِ حَتَّى لَوِ افْتَقَرَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ سَقَطَتْ عَنْهُ، وَإِنِ افْتَقَرَ بَعْدَهَا لَا تَسْقُطُ وَيَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ كَمَا بَيَّنَّا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ سَقَطَتْ وَبَعْدَهَا لَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَصِيَ بِالتَّصَدُّقِ بِثَمَنِهَا، وَلَوِ اشْتَرَى الْفَقِيرُ وَضَحَّى ثُمَّ أَيْسَرَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، قِيلَ يُعِيدُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِآخِرِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ لَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ أَوَّلَ الْأَيَّامِ. قَالَ: (وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِهَا، وَيُطْعِمُ الْأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ وَيَدَّخِرُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ، وَقَالَ ﵊: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا، وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا» ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ وَهُوَ غَنِيٌّ فَكَذَا غَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ الصَّدَقَةُ عَنِ الثُّلُثِ لِأَنَّ النُّصُوصَ قِسْمَتُهَا بَيْنَ الْأَكْلِ وَالتَّصَدُّقِ وَالِادِّخَارِ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ الثُّلُثُ وَيَنْتَفِعُ بِجِلْدِهَا فِيمَا يَفْرِشُ وَيَنَامُ عَلَيْهِ، أَوْ يَعْمَلُ مِنْهُ آلَةً تُسْتَعْمَلُ كَالْقِرْبَةِ وَالدَّلْوِ وَالسُّفْرَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ اتَّخَذَتْ مِنْ جِلْدِ أُضْحِيَّتِهَا سِقَاءً، أَوْ يَشْتَرِي بِهِ آلَةً كَالْمُنْخُلِ وَالْغِرْبَالِ وَلَا يَشْتَرِي بِهِ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا بِالِاسْتِهْلَاكِ كَالْأَبَازِيرِ وَنَحْوِهَا ; لِأَنَّ الْمَأْثُورَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ أَوْ بِبَدَلِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَلَا يَبِيعُهُ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلَا أُضْحِيَّةَ لَهُ» ، فَإِنْ بَاعَهُ بِشَيْءٍ مِنَ النُّقُودِ يَتَصَدَّقُ بِهِ لِأَنَّ وَقْتَ الْقُرْبَةِ قَدْ فَاتَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا الْكِتَابِيُّ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَإِنْ ذَبَحَهَا جَازَ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّذْكِيَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَذْبَحَهَا بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الذَّبْحُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَإِذَا فَعَلَهَا بِنَفْسِهِ كَانَ أَفْضَلَ كَمَا فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَالنَّبِيُّ ﵊: «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ يَذْبَحُ وَيُكَبِّرُ وَيُسَمِّي» رَوَاهُ أَنَسٌ، وَرَوَى جَابِرٌ: " أَنَّهُ «﵊ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ وَقَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُ أَكْبَرُ» ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الذَّبْحَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُوَلِّيَهَا غَيْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَهَا إِنْ لَمْ يَذْبَحْهَا، لِقَوْلِهِ ﵊: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ

стр. 723

وَلَوْ ذَبَحَ أُضْحِيَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ جَازَ (ز) ، وَلَوْ غَلِطَا فَذَبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَةَ الْآخَرِ جَازَ، وَيَأْخُذُ كُلُّ وًاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَتَهُ مِنْ صَاحِبِهِ مَذْبُوحَةً وَمَسْلُوخَةً وَلَا يُضَمِّنُهُ، فَإِنْ أَكَلَاهَا ثُمَّ عَلِمَا فَلْيَتَحَلَّلَا وَيُجْزِيهِمَا وَإِنْ تَشَاجَرَا ضَمِنَ كُلٌّ لِصَاحِبِهِ قِيمَةَ لَحْمِهِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] قُومِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكِ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا إِلَى الْأَرْضِ كُلُّ ذَنْبٍ، أَمَا إِنَّهُ يُجَاءُ بِدَمِهَا وَلَحْمِهَا فَيُوضَعُ فِي مِيزَانِكِ وَسَبْعُونَ ضِعْفًا» ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا لِآلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً فَإِنَّهُمْ أَهْلٌ لِمَا خُصُّوا بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، أَمْ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: لِآلِ مُحَمَّدٍ وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» . قَالَ: (وَلَوْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ جَازَ) اسْتِحْسَانًا وَلَا يَجُوزُ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ; لِأَنَّهُ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَيَضْمَنُ، كَمَا إِذَا ذَبَحَ شَاةَ قَصَّابٍ، وَإِذَا ضَمِنَ لَا يَجْزِيهِ عَنِ الْأُضْحِيَّةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهَا لِلْأُضْحِيَّةِ فَقَدْ تَعَيَّنَتْ لِلذَّبْحِ أُضْحِيَّةً حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا فَصَارَ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلذَّبْحِ عَلَى ذَبْحِهَا آذِنًا لَهُ دَلَالَةً ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْ إِقَامَتِهَا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ فَصَارَ كَمَا إِذَا ذَبَحَ شَاةً شَدَّ الْقَصَّابُ رِجْلَهَا لِيَذْبَحَهَا، وَإِنْ كَانَ تَفُوتُهُ الْمُبَاشَرَةُ وَحُضُورُهَا، لَكِنْ يَحْصُلُ لَهُ تَعْجِيلُ الْبِرِّ وَحُصُولُ مَقْصُودِهِ بِالتَّضْحِيَةِ بِمَا عَيَّنَهُ فَيَرْضَى بِهِ ظَاهِرًا. قَالَ: (وَلَوْ غَلِطَا فَذَبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَّةَ الْآخَرِ جَازَ) وَفِيهِ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَّتَهُ مِنْ صَاحِبِهِ مَذْبُوحَةً وَمَسْلُوخَةً وَلَا يُضَمِّنُهُ) ; لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ دَلَالَةً كَمَا مَرَّ. (فَإِنْ أَكَلَاهَا ثُمَّ عَلِمَا فَلْيَتَحَلَّلَا وَيُجْزِيِهمَا) ; لِأَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحَبَهُ ابْتِدَاءً جَازَ. (وَإِنْ تَشَاجَرَا ضَمِنَ كُلٌّ لِصَاحِبِهِ قِيمَةَ لَحْمِهِ) ; لِأَنَّ التَّضْحِيَةَ لَمَّا وَقَعَتْ لِصَاحِبِهِ كَانَ اللَّحْمُ لَهُ، وَمَنْ أَتْلَفَ لَحْمَ أُضْحِيَّةِ غَيْرِهِ ضَمِنَهُ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا أَخَذَ مِنَ الْقِيمَةِ ; لِأَنَّهُ بَدَّلَ لَحْمَ الْأُضْحِيَّةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ أُضْحِيَّتَهُ. فَقِيرٌ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَضَاعَتْ فَاشْتَرَى أُخْرَى ثُمَّ وَجَدَ الْأُولَى فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِمَا ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْفَقِيرِ بِالشِّرَاءِ بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ النَّذْرِ عُرْفًا، وَالشِّرَاءُ قَدْ تَعَدَّدَ، بِخِلَافِ الْغَنِيِّ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَذَكَرَ الزَّعْفَرَانِيُّ: إِنْ أَوْجَبَ الثَّانِيَةَ إِيجَابًا مُسْتَأْنِفًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِمَا، وَإِنْ أَوْجَبَهَا بَدَلًا عَنِ الْأُولَى فَلَهُ أَنْ يَذْبَحَ أَيَّهُمَا شَاءَ ; لِأَنَّ الْإِيجَابَ مُتَّحِدٌ فَاتَّحَدَ الْوَاجِبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 724

كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْقَتْلُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَحْكَامِ خَمْسَةٌ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] [كِتَابُ الجنايات] ِ، وَهِيَ جَمْعُ جِنَايَةٍ، وَالْجِنَايَةُ: كُلُّ فِعْلٍ مَحْظُورٍ يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا، وَيَكُونُ تَارَةً عَلَى نَفْسِهِ، وَتَارَةً عَلَى غَيْرِهِ، يُقَالُ: جَنَى عَلَى نَفْسِهِ وَجَنَى عَلَى غَيْرِهِ، فَالْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ تَكُونُ عَلَى النَّفْسِ وَعَلَى الطَّرَفِ وَعَلَى الْعِرْضِ وَعَلَى الْمَالِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ تُسَمَّى قَتْلًا أَوْ صَلْبًا أَوْ حَرْقًا، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الطَّرَفِ تُسَمَّى قَطْعًا أَوْ كَسْرًا أَوْ شَجًّا، وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ هَاتَيْنِ الْجِنَايَتَيْنِ وَمَا يَجِبُ بِهِمَا. وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعِرْضِ نَوْعَانِ: قَذْفٌ وَمُوجَبُهُ الْحَدُّ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. وَغِيبَةٌ وَمُوجَبُهَا الْإِثْمُ، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ. وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَالِ تُسَمَّى غَصْبًا أَوْ خِيَانَةً أَوْ سَرِقَةً وَقَدْ بَيَّنَّاهَا وَمُوجَبُهَا فِي كِتَابَيِ السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ الْقِصَاصُ مَشْرُوعٌ ثَبَتَتْ شَرْعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] أَيْ أَثْبَتْنَا لِوَلِيِّهِ سَلْطَنَةَ الْقَتْلِ. وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ قَتَلَ قَتَلْنَاهُ» ، وَقَوْلُهُ ﵊: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ وَالْعَقْلُ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي شَرْعِيَّتَهُ أَيْضًا، فَإِنَّ الطِّبَاعَ الْبَشَرِيَّةَ وَالْأَنْفُسَ الشِّرِّيرَةَ تَمِيلُ إِلَى الظُّلْمِ وَالِاعْتِدَاءِ وَتَرْغَبُ فِي اسْتِيفَاءِ الزَّائِدِ عَلَى الِابْتِدَاءِ سِيَّمَا سُكَّانُ الْبَوَادِي وَأَهْلُ الْجَهْلِ الْعَادِلِينَ عَنْ سُنَنِ الْعَقْلِ وَالْعَدْلِ كَمَا نُقِلَ مِنْ عَادَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ تُشْرَعِ الْأَجْزِيَةُ الزَّاجِرَةُ عَنِ التَّعَدِّي وَالْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا انْتِقَاصٍ لَتَجَرَّأَ ذَوُو الْجَهْلِ وَالْحَمِيَّةِ وَالْأَنْفُسِ الْأَبِيَّةِ عَلَى الْقَتْلِ وَالْفَتْكِ فِي الِابْتِدَاءِ وَإِضْعَافِ مَا جُنِيَ عَلَيْهِمْ فِي الِاسْتِيفَاءِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى التَّفَانِي، وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ شَرْعَ الْعُقُوبَاتِ الزَّاجِرَةِ عَنِ الِابْتِدَاءِ فِي الْقَتْلِ وَالْقِصَاصِ الْمَانِعِ مِنِ اسْتِيفَاءِ الزَّائِدِ عَلَى الْمِثْلِ فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ حَسْمًا عَنْ مَادَّةِ هَذَا الْبَابِ فَقَالَ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] . قَالَ: (الْقَتْلُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَحْكَامِ خَمْسَةٌ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ) ، وَمَعْنَاهُ الْقَتْلُ الْوَاقِعُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ حَقِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ هَذِهِ الْخَمْسَةُ، وَبَيَانُ الْحَصْرِ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَخْلُو إِمَّا إِنْ كَانَ مُبَاشَرَةً أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاشَرَةً فَهُوَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ، وَإِنْ كَانَ مُبَاشَرَةً، فَإِمَّا إِنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا،

стр. 725

فَالْعَمْدُ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ: كَالسَّيْفِ وَاللِّيطَةِ وَالْمَرْوَةِ وَالنَّارِ، وَحُكْمُهُ الْمَأْثَمُ وَالْقَوَدُ، إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ، أَوْ وُجُوبُ الْمَالِ عِنْدَ الْمُصَالَحَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَإِمَّا إِنْ كَانَ بِسِلَاحٍ وَمَا شَابَهَهُ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنْ كَانَ فَهُوَ الْعَمْدُ، إِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً، فَإِمَّا إِنْ كَانَ حَالَةَ الْيَقَظَةِ أَوْ حَالَةَ النَّوْمِ، فَإِنْ كَانَ حَالَةَ الْيَقَظَةِ فَهُوَ الْخَطَأُ، وَإِنْ كَانَ حَالَةَ النَّوْمِ فَهُوَ الَّذِي أُجْرِيَ مَجْرَاهُ، وَلَئِنْ قِيلَ قَتْلُ الْمُكْرَهِ لَيْسَ مُبَاشَرَةً مِنَ الْمُكْرَهِ وَقَدْ جَعَلْتُمُوهُ عَمْدًا حَتَّى أَوْجَبْتُمْ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ. قُلْنَا لَمَّا كَانَ الْمُكْرَهُ مَطْلُوبَ الِاخْتِيَارِ لَمْ يُضِفِ الْفِعْلَ إِلَيْهِ فَجَعَلْنَاهُ كَالْآلَةِ فِي يَدِ الْمُكْرَهِ وَانْتَقَلَ فِعْلُهُ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّ الْمُكْرَهَ قَتَلَهُ بِآلَةٍ أُخْرَى فَصَارَ مُبَاشَرَةً تَقْدِيرًا وَشَرْعًا، وَتَمَامُهُ يُعْرَفُ فِي الْإِكْرَاهِ. قَالَ: (فَالْعَمْدُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَالسَّيْفِ وَاللِّيطَةِ وَالْمَرْوَةِ وَالنَّارِ) ; لِأَنَّ الْعَمْدَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ الْقَصْدُ، وَذَلِكَ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلِهِ وَهُوَ مُبَاشَرَةُ الْآلَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ عَادَةً، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَكَانَ عَمْدًا، وَلَوْ قَتَلَهُ بِحَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ كَالْعَمُودِ وَالسَّنْجَةِ وَنَحْوِهِمَا فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ عَمْدٌ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ أَصْلُ الْآلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ لَيْسَ بِعَمْدٍ لِأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ، وَلَوْ طَعَنَهُ بِرُمْحٍ لَا سِنَانَ لَهُ فَجَرَحَهُ فَهُوَ عَمْدٌ لِأَنَّهُ إِذَا فَرَّقَ الْأَجْزَاءَ فَهُوَ كَالسَّيْفِ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِإِبْرَةٍ وَمَا يُشْبِهُهُ عَمْدًا فَمَاتَ لَا قَوْدَ فِيهِ، وَفِي الْمِسَلَّةِ وَنَحْوِهَا الْقَوَدُ لِأَنَّ الْإِبْرَةَ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ عَادَةً وَيُقْصَدُ بِالْمِسَلَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِنْ غَرَزَ بِالْإِبْرَةِ فِي الْمَقْتَلِ قَتَلَ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: (وَحُكْمُهُ الْمَأْثَمُ وَالْقَوَدُ) ، أَمَّا الْمَأْثَمُ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] ، وَقَالَ ﵊: «الْآدَمِيُّ بُنْيَانُ الرَّبِّ مَلْعُونٌ مَنْ هَدَمَهُ» وَالنُّصُوصُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا الْقَوَدُ فَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَمْدُ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي غَيْرِهِ، وَقَوْلَهُ ﵊: «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ حُكْمُهُ وَمُوجَبُهُ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ. قَالَ: (أَوْ وُجُوبُ الْمَالِ عِنْدَ الْمُصَالَحَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَإِذَا صَالَحَ عَنْهُ بِعِوَضٍ وَرِضَى غَرِيمِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا جَازَ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَيَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُعْقَلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا صُلْحًا» ، وَهَذَا عَمْدٌ وَصُلْحٌ فَلَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ فَيَجِبُ فِي مَالِهِ عَلَى مَا شَرَطَا مِنَ التَّأْجِيلِ وَالتَّعْجِيلِ وَالتَّنْجِيمِ، قَالَ ﵊: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا شَيْئًا فَهُوَ حَالٌّ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَالْمُرَادُ بِهِ الصُّلْحُ، وَهَذَا لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ عَيْنًا فَلَا يَجِبُ الْمَالُ إِلَّا بِالصُّلْحِ بِرِضَا الْقَاتِلِ، بَيَانُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ، فَلَوْ وَجَبَ الْمَالُ أَوْ أَحَدُهُمَا

стр. 726

أَوْ صُلْحُ بَعْضِهِمْ أَوْ عَفْوُهُ، فَتَجِبُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ. وَشِبْهُ الْعَمْدِ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يُفَرِّقُ (سم) الْأَجْزَاءَ: كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالْيَدِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لَا يَكُونُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَشَرِيعَةُ مَنْ تَقَدَّمَنَا تُلْزِمُنَا إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ النَّسْخُ، وَجَمِيعُ أَحَادِيثِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا يُنْسَخُ بِهَا الْكِتَابُ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ لُغَةً، وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالنَّفْسِ لَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَالِ، أَوْ نَقُولُ ذَكَرَ الْقِصَاصَ وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّيَةَ، فَلَوْ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ أَوِ الدِّيَةُ لَثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ وَالْكِتَابُ لَا يُنْسَخُ بِهِ. وَقَالَ ﵊: «الْعَمْدُ قَوَدٌ» ، وَقَالَ: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» وَقَدْ مَرَّ التَّمَسُّكُ بِهِ. قَالَ: (أَوْ صُلْحُ بَعْضِهِمْ أَوْ عَفْوُهُ، فَتَجِبُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ «وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِهِ» ، وَإِذَا كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمْ فَلِكُلٍّ مِنْهُمُ الْعَفْوُ عَنْ نَصِيبِهِ، وَالصُّلْحُ عَنْهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ، فَإِذَا صَالَحَ الْبَعْضُ أَوْ عَفَا تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَقَدْ سَقَطَ الْبَعْضُ فَيَسْقُطُ الْبَاقِي ضَرُورَةً، وَإِذَا سَقَطَ انْقَلَبَ نَصِيبُ الْبَاقِي مَالًا لِئَلَّا يَسْقُطَ لَا إِلَى عِوَضٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ وَلَا الْتَزَمَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنَ الْقَاتِلِ فَصَارَ كَالْخَطَأِ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي مِنْهُ شَيْءٌ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِعَفْوِهِ. قَالَ (أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) وَهَذَا لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِابْنِهِ، قَالَ ﵊: «لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» ، وَلِأَنَّهُ جُزْؤُهُ، فَأُورِثَ شُبْهَةً فِي الْقِصَاصِ فَسَقَطَ، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ) لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُوجِبْهَا فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهَا وَلَوْ وَجَبَتْ لَذَكَرَهَا كَمَا ذَكَرَهَا فِي الْخَطَأِ وَلِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَا يُقَاسُ عَلَى الْخَطَأِ فَإِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ أَعْظَمُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِهَا لِلْأَدْنَى رَفْعُهَا لِلْأَعْلَى. قَالَ: (وَشِبْهُ الْعَمْدِ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالْيَدِ) وَقَالَا: إِذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ خَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ قَاصِرَةٌ فِيهِمَا لِمَا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ عَادَةً، وَيُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ الْقَتْلِ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ، أَمَّا الَّذِي لَا يَلْبَثُ وَلَا يَتَقَاصَرُ عَنْ عَمَلِ السَّيْفِ

стр. 727

وَمُوجَبُهُ الْإِثْمُ وَالْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَالْخَطَأُ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، أَوْ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ، أَوْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا، وَمُوجَبُهُ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] فِي إِزْهَاقِ الرُّوحِ فَيَكُونُ عَمْدًا. وَرُوِيَ «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ جَارِيَةٍ بِالْحَجَرِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵊ بِالْقِصَاصِ» . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: «أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ عَصَا وَعَصَا. وَرَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إِلَّا السَّيْفَ، وَفِي كُلِّ خَطَأٍ أَرْشٌ» ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: شِبْهُ الْعَمْدِ: الْحَذْفَةُ بِالْعَصَا وَالْقَذْفَةُ بِالْحَجَرِ، «فَالنَّبِيُّ ﵊ سَمَّاهُ خَطَأَ الْعَمْدِ» ; لِأَنَّهُ عَمْدٌ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ آلَتَهُ لَيْسَتْ آلَةَ الْعَمْدِ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ فِيهِ قَاصِرٌ لِكَوْنِهِ آلَةً غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَتْلُهُ بِهَا عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، بِخِلَافِ السَّيْفِ وَأَخَوَاتِهِ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى غِرَّةٍ مِنَ الْمَقْتُولِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ الصَّغِيرَيْنِ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ إِفْسَادُ الْآدَمِيِّ صُورَةً وَمَعْنًى، أَمَّا صُورَةٌ فَبِنَقْضِ التَّرْكِيبِ، وَأَمَّا مَعْنًى فَإِفْسَادُ الْمَنَافِعِ، وَقَدْ وُجِدَ الْقَتْلُ هَهُنَا مَعْنًى لَا صُورَةً، فَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ وَأَنَّهُ يَجِبُ بِالسَّيْفِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ يَكُونُ قَتْلًا صُورَةً وَمَعْنًى فَلَا تُوجَدُ الْمُمَاثَلَةُ الْوَاجِبَةُ بِالنُّصُوصِ، وَأَمَّا الْيَهُودِيُّ فَالنَّبِيُّ ﵊ قَتَلَهُ سِيَاسَةً، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ اعْتَادَ ذَلِكَ، وَعِنْدَنَا مَتَى تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ سِيَاسَةً. قَالَ: (وَمُوجَبُهُ الْإِثْمُ) لِأَنَّهُ قَتْلٌ عَنْ قَصْدٍ. (وَالْكَفَّارَةُ) لِشِبْهِهِ بِالْخَطَأِ، وَفِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَحْتَاطُ فِي إِيجَابِهَا. (وَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ) ; لِأَنَّ كُلَّ دِيَةٍ تَجِبُ بِالْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ صُلْحٍ وَلَا عَفْوٍ لِبَعْضٍ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ، وَسَنُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ وُجُوبِهَا وَالتَّغْلِيظَ وَقَدْرَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) ; لِأَنَّ إِتْلَافَ النَّفْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ، وَمَا دُونَهَا لَا يَخْتَصُّ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ، فَبَقِيَ الْمُعْتَبَرُ تَعَمُّدَ الضَّرْبِ وَقَدْ وُجِدَ فَكَانَ عَمْدًا. قَالَ: (وَالْخَطَأُ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ) وَهُوَ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ. (أَوْ يَرْمِي غَرَضًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا) وَهُوَ خَطَأٌ فِي الْفِعْلِ. (وَمُوجَبُهُ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] . (وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) قَالَ ﵊: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» الْحَدِيثَ، وَقِيلَ الْمَنْفِيُّ إِثْمُ الْقَتْلِ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ مِنْ حَيْثُ تَرَكَ الِاحْتِرَازَ وَالتَّثَبُّتَ حَالَةَ الرَّمْيِ، وَلِهَذَا وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ.

стр. 728

وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ: مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ فَيَقْتُلُهُ فَهُوَ كَالْخَطَأِ. وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ: كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَفِنَائِهِ فَيَعْطَبُ بِهِ إِنْسَانٌ، وَمُوجَبُهُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا غَيْرَ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إِلَّا الْقَتْلَ بِسَبَبٍ، وَلَوْ مَاتَ فِي الْبِئْرِ غَمًّا أَوْ جُوعًا فَهُوَ هَدَرٌ (سم) ، وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَبِالْعَبْدِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ: مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ فَيَقْتُلُهُ فَهُوَ كَالْخَطَأِ) فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا قَصْدَ لَهُ فَلَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالْعَمْدِ وَلَا بِالْخَطَأِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ لِحُصُولِ الْمَوْتِ بِفِعْلِهِ كَالْخَاطِئِ. قَالَ: (وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَفِنَائِهِ فَيَعْطَبُ بِهِ إِنْسَانٌ، وَمُوجَبُهُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا غَيْرَ) ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيمَا وَضَعَهُ وَحَفَرَهُ فَجُعِلَ دَافِعًا مُوَقِّعًا فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلَا يَأْثَمُ فِيهِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا أَلْحَقْنَاهُ بِالْقَاتِلِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِعُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ، بِذَلِكَ قَضَى شُرَيْحٌ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ سَقَاهُ سُمًّا فَقَتَلَهُ فَهُوَ مُسَبِّبٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ مُبَاشَرَةً وَلَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْقَتْلِ، وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ، وَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ فَشَرِبَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ ; لِأَنَّ الشَّارِبَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا تَعَمَّدَ الْوُقُوعَ فِي الْبِئْرِ. قَالَ: (وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إِلَّا الْقَتْلَ بِسَبَبٍ) قَالَ ﵊: «لًا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ» ، وَالْمُسَبِّبُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ وَلَا مُتَّهَمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثَهُ يَقَعُ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي الْخَطَأِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ. قَالَ: (وَلَوْ مَاتَ فِي الْبِئْرِ غَمًّا أَوْ جُوعًا فَهُوَ هَدَرٌ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ الْحَافِرُ فِيهِمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَضْمَنُ فِي الْغَمِّ دُونَ الْجُوعِ ; لِأَنَّ الْغَمَّ بِسَبَبِ الْبِئْرِ وَالْوُقُوعِ فِيهَا، أَمَّا الْجُوعُ بِسَبَبِ فَقْدِ الطَّعَامِ وَلَا مَدْخَلِ لِلْبِئْرِ فِي ذَلِكَ. وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْجُوعَ أَيْضًا بِسَبَبِ الْوُقُوعِ إِذْ لَوْلَاهُ لَكَانَ الطَّعَامُ قَرِيبًا مِنْهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِالْوُقُوعِ فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنَّمَا مَاتَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْجُوعُ وَالْغَمُّ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَى الْحَافِرِ فَلَا يَكُونُ مُسَبِّبًا. قَالَ: (وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا الطَّعَامُ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ لَا تُعْلَمُ إِلَّا نَصًّا وَلَا نَصَّ فِيهِ. [فصل يقتل الحر بالحر وبالعبد] فَصْلٌ (وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَبِالْعَبْدِ) أَمَّا الْحُرُّ بِالْحُرِّ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]

стр. 729

وَالرّجُّلُ بِالْمَرْأَةِ، وَالصَّغِيرُ بِالْكَبِيرِ، وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ (ف) وَلَا يُقْتَلَانِ بِالْمُسْتَأْمَنِ، وَيُقْتَلُ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْتَأْمَنِ، وَيُقْتَلُ الصَّحِيحُ بِالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَبِالْمَجْنُونِ وَبِنَاقِصِ الْأَطْرَافِ، وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ، وَلَا بِعَبْدِهِ، وَلَا بِعَبْدِ وَلَدِهِ، وَلَا بِمُكَاتَبِهِ، وَمَنْ وَرِثَ قِصَاصًا عَلَى أَبِيهِ سَقَطَ، وَالْأُمُّ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا كَالْأَبِ، وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا عَمْدًا فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَأَمَّا الْحُرُّ بِالْعَبْدِ فَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَقَالَ ﵊: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي عِصْمَةِ الدَّمِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْمُسَاوَاةِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ ; لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا سِوَاهُ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ وَالذَّكَرُ بِالْأُنْثَى وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَنَحْنُ نَعْمَلُ بِهِ وَبِقَوْلِهِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَبِالْحَدِيثِ فَكَانَ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِهِ خَاصَّةً. قَالَ: (وَالرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَالصَّغِيرُ بِالْكَبِيرِ) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ. قَالَ: (وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ» وَلِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْعِصْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ، وَلِأَنَّ عَدَمَ الْقِصَاصِ تَنْفِيرُ لَهُمْ عَنْ قَبُولِ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» الْحَرْبِيُّ ; لِأَنَّ الْكَافِرَ مَتَى أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْحَرْبِيِّ عَادَةً وَعُرْفًا فَيَنْصَرِفُ إِلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. (وَلَا يُقْتَلَانِ) يَعْنِي الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ. (بِالْمُسْتَأْمَنِ) لِعَدَمِ التَّسَاوِي فَإِنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَحِرَابُهُ يُوجِبُ إِبَاحَةَ دَمِهِ، فَإِنَّهُ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ وَالْمُحَارَبَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ اعْتِبَارًا بِالْعَهْدِ وَصَارَ كَالذِّمِّيِّ وَجَوَابُهُ مَرَّ. (وَيُقْتَلُ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْتَأْمَنِ) لِلْمُسَاوَاةِ. وَقِيلَ: لَا يُقْتَلُ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ لِقِيَامِ الْمُبِيحِ. قَالَ: (وَيُقْتَلُ الصَّحِيحُ بِالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَبِالْمَجْنُونِ وَبِنَاقِصِ الْأَطْرَافِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعُمُومَاتِ، وَلِأَنَّا لَوِ اعْتَبَرْنَا التَّفَاوُتَ فِيمَا وَرَاءَ الْعِصْمَةِ مِنَ الْأَطْرَافِ وَالْأَوْصَافِ لَامْتَنَعَ الْقِصَاصُ وَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى التَّقَاتُلِ وَالتَّفَانِي. قَالَ: (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ، وَلَا بِعَبْدِهِ، وَلَا بِعَبْدِ وَلَدِهِ، وَلَا بِمُكَاتَبِهِ) قَالَ ﵊: «لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ وَلَا سَيِّدٌ بِعَبْدِهِ» ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجِبُ لِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ قِصَاصٌ، وَلَا لِوَلَدِهِ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْعَبْدِ، وَكَذَا لَا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ مَلَكَ بَعْضَهُ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَزَّأُ. قَالَ: (وَمَنْ وَرِثَ قِصَاصًا عَلَى أَبِيهِ سَقَطَ) ; لِأَنَّ الِابْنَ لَا يَثْبُتُ لَهُ قِصَاصٌ عَلَى الْأَبِ لِمَا مَرَّ. (وَالْأُمُّ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا كَالْأَبِ) لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْجُزْئِيَّةِ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا السَّبَبَ فِي إِيجَادِهِ فَصَارُوا كَالْأَبِ. قَالَ: (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا عَمْدًا فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) مَعْنَاهُ إِذَا مَاتَ مِنْهَا بِأَنْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ عَارِضٌ آخَرُ يُضَافُ الْمَوْتُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ

стр. 730

وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ وَالْمَوْلَى وَالْخَاطِئِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَكُلِّ مَنْ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ، وَإِذَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّهْنِ فَلَا قِصَاصَ حَتَى يَجْتَمِعَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ، وَإِذَا قُتِلَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءٍ وَلَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ أَصْلًا، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَالْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى، وَإِنْ قُتِلَ عَنْ وَفَاءٍ وَلَا وَارِثَ لَهُ إِلَّا الْمَوْلَى فَلَهُ الْقِصَاصُ (م) ، وَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ بَيْنَ كِبَارٍ وَصِغَارٍ فَلِلْكِبَارِ الِاسْتِيفَاءُ (سم) ــ [الاختيار لتعليل المختار] عَمْدًا فَيَجِبُ الْقِصَاصُ. قَالَ: (وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إِلَّا بِالسَّيْفِ) قَالَ ﵊: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ» ، وَالْمُرَادُ بِهِ السِّلَاحُ. قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ وَالْمَوْلَى وَالْخَاطِئِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَكُلِّ مَنْ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ) ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ حَصَلَ بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَوْدِ وَهُوَ لَا يَتَجَزَّى فَلَا يَجِبُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّمَاءِ الْحُرْمَةُ، وَالنُّصُوصُ الْمُوجِبَةُ لِلْقِصَاصِ مُخْتَصَّةٌ بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ وَمَوْضِعٍ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ هُنَا لِعَدَمِ التَّجَزِّي فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ، ثُمَّ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوِ انْفَرَدَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ لِمَا رُوِّينَا، وَنِصْفُهَا الْآخَرُ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ إِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ خَطَأً ; لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِيهِ بِنَفْسِ الْقَتْلِ، فَإِنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ، قَالَهُ عَلِيٌّ ﵁، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ فَفِي مَالِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ: (وَإِذَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّهْنِ فَلَا قِصَاصَ حَتَّى يَجْتَمِعَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ) ; لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْمُرْتَهِنُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ فَلَا يَلِيهِ، وَالرَّاهِنُ مَلَكَهُ لَكِنْ لَوْ قَتَلَهُ بَطَلَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فَاشْتَرَطَ اجْتِمَاعَهُمَا لِيَسْقُطَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ. قَالَ: (وَإِذَا قُتِلَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءٍ وَلَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ أَصْلًا) لِاشْتِبَاهِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ إِنْ مَاتَ عَبْدًا فَالْمَوْلَى وَلِيُّهُ فَإِنْ مَاتَ حُرًّا فَالْوَارِثُ وَلِيُّهُ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَاشْتَبَهَ الْوَلِيُّ فَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ. (وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَالْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى) لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا بِالْإِجْمَاعِ. (وَإِنْ قُتِلَ عَنْ وَفَاءٍ وَلَا وَارِثَ لَهُ إِلَّا الْمَوْلَى فَلَهُ الْقِصَاصُ) ; لِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِيفَاءِ لَهُ حُرًّا مَاتَ أَوْ عَبْدًا، وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْقَوَدُ، وَاخْتِلَافُ السَّبَبِ لَا يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا قِصَاصَ لِاشْتِبَاهِ سَبَبِ الِاسْتِيفَاءِ بِالْوِلَايَةِ أَوْ بِالرِّقِّ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ بَيْنَ كِبَارٍ وَصِغَارٍ فَلِلْكِبَارِ الِاسْتِيفَاءُ) وَقَالَا: لَيْسَ لِلْكِبَارِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمْ فَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمْ كَالْحَاضِرِ مَعَ الْغَائِبِ وَأَحَدِ الْمَوْلَيَيْنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَزَّى لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِسَبَبٍ لَا يَتَجَزَّى وَهِيَ الْقَرَابَةُ، فَثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَلاً كَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ وَالْمُوَلَّيَانِ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْعَفْوُ مِنَ الصَّغِيرِ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ، وَفِي انْتِظَارِ بُلُوغِهِ تَفْوِيتُ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ، بِخِلَافِ الْكَبِيرَيْنِ وَالْغَائِبِ ; لِأَنَّ احْتِمَالَ الْعَفْوِ

стр. 731

وَإِذَا قُتِلَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ فَلِلْأَبِ أَوِ الْقَاضِي أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يُصَالِحَ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ، وَالْوَصِيُّ يُصَالِحُ لَا غَيْرَ، وَلَا قِصَاصَ فِي التَّخْنِيقِ وَالتَّغْرِيقِ (سم) ، وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ، وَيُقْتَلُ الْوَاحِدُ بِالْجَمَاعَةِ اكْتِفَاءً وَإِنْ قَتَلَهُ وَلِيُّ أَحَدِهِمْ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ، وَمَنْ رَمَى إِنْسَانًا عَمْدًا فَنَفَذَ مِنْهُ إِلَى آخَرَ وَمَاتَا فَالْأَوَّلُ عَمْدٌ وَالثَّانِي خَطَأٌ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] مِنْهُ ثَابِتٌ فَافْتَرَقَا، وَلَوْ كَانَ الْكُلُّ صِغَارًا قِيلَ: يَسْتَوْفِي السُّلْطَانُ، وَقِيلَ: يَنْتَظِرُ بُلُوغُ أَحَدِهِمْ، وَالْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ كَالصَّبِيِّ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ مَوْلَى عَلَيْهِ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ الْكَبِيرُ كَانَ بَعْضُهُ أَصَالَةً وَبَعْضُهُ نِيَابَةً. قَالَ: (وَإِذَا قُتِلَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ فَلِلْأَبِ أَوِ الْقَاضِي أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يُصَالِحَ وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ، وَالْوَصِيُّ يُصَالِحُ لَا غَيْرُ) ، أَمَّا الْأَبُ فَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَى النَّفْسِ، وَهَذَا مِنْ بَابِهِ شُرِعَ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إِلَيْهَا وَهُوَ التَّشَفِّي فَيَثْبُتُ لَهُ التَّشَفِّي بِالْقَتْلِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَإِذَا ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الْقَتْلَى ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الصُّلْحِ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلصَّبِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ لِأَنَّهُ إِبْطَالُ الْحَقِّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَعَلَى هَذَا قَطْعُ يَدِ الْمَعْتُوهِ عَمْدًا، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السُّلْطَانِ. وَمَنْ قُتِلَ وَلَا وَلِيَّ لَهُ فَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ، فَكَذَلِكَ الْقَاضِي، وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا الْقِصَاصَ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى النَّفْسِ فَتَعَيَّنَ الصُّلْحُ صِيَانَةً لِلْحَقِّ عَنِ الْبُطْلَانِ. قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ فِي التَّخْنِيقِ وَالتَّغْرِيقِ) خِلَافًا لَهُمَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ سِيَاسَةً لِأَنَّهُ سَعَى فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ. قَالَ: (وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ) لِمَا مَرَّ مِنَ الْعُمُومَاتِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ سَبْعَةً مِنْ صَنْعَاءَ قَتَلُوا وَاحِدًا فَقَتَلَهُمْ عُمَرُ ﵁ وَقَالَ: " لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ "، وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَطْعِ يَدٍ حَيْثُ لَا يُقْطَعُونَ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ يَجِبُ بِإِزْهَاقِ الرُّوحِ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ كَالْمُنْفَرِدِ فِي إِتْلَافِهَا. أَمَّا الْقَطْعُ يَتَبَعَّضُ، فَيَكُونُ الْوَاحِدُ مُتْلِفًا بَعْضَ الْيَدِ، وَلِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الْقَتْلِ أَكْثَرُ فَكَانَ شَرْعُ الزَّاجِرِ فِيهِ دَفْعًا لِأَغْلَبِ الْجِنَايَتَيْنِ وَأَعْظَمِهِمَا فَلَا يَلْزَمُ شَرْعُهُ لِدَفْعِ أَدْنَاهُمَا. قَالَ: (وَيُقْتَلُ الْوَاحِدُ بِالْجَمَاعَةِ اكْتِفَاءً) وَصُورَتُهُ: رَجُلٌ قَتَلَ جَمَاعَةً فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ ; لِأَنَّهُمْ إِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ وَزُهُوقَ الرُّوحِ لَا يَتَبَعَّضُ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُسْتَوْفِيًا جَمِيعَ حَقِّهِ لِمَا بَيَّنَّا، فَلَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَرْشِ (وَإِنْ قَتَلَهُ وَلِيُّ أَحَدِهِمْ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ) ; لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْقِصَاصِ وَقَدْ فَاتَ، وَصَارَ كَمَا إِذَا مَاتَ الْقَاتِلُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ كَذَا هَذَا وَصَارَ كَمَوْتِ الْعَبْدِ الْجَانِي. قَالَ: (وَمَنْ رَمَى إِنْسَانًا عَمْدًا فَنَفَذَ مِنْهُ إِلَى آخَرَ وَمَاتَا فَالْأَوَّلُ عَمْدٌ) ; لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ رَمْيَهُ، وَفِيهِ الْقِصَاصُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَالثَّانِي خَطَأٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ فَكَانَ خَطَأً لِمَا مَرَّ. وَمَنْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ وَعَقَرَهُ سَبُعٌ

стр. 732

فَصْلٌ وَلَا يَجْرِي الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ إِلَّا بَيْنَ مُسْتَوِي الدِّيَةِ إِذَا قُطِعَتْ مِنَ الْمَفْصِلِ وَتَمَاثَلَتْ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَشَجَّ نَفْسَهُ وَشَجَّهُ آخَرُ، فَعَلَى الشَّاجِّ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَالْبَاقِي هَدَرٌ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: جِنَايَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهِيَ فِعْلُ الْأَجْنَبِيِّ، وَجِنَايَةٌ هَدَرٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهِيَ فِعْلُ السَّبُعِ وَالْحَيَّةِ، وَجِنَايَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْآخِرَةِ هَدَرٌ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ فِعْلُهُ، فَيَكُونُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ ثُلُثَ دِيَةِ النَّفْسِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ الثُّلُثَ. [فصل الْقصاص في الْأَطْرَافِ] فَصْلٌ (وَلَا يَجْرِي الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ إِلَّا بَيْنَ مُسْتَوِي الدِّيَةِ إِذَا قُطِعَتْ مِنَ الْمَفْصِلِ وَتَمَاثَلَتْ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ، وَلِأَنَّ الْأَطْرَافَ يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ، وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ الصَّحِيحُ بِالْأَشَلِّ وَالْكَامِلُ بِالنَّاقِصَةِ الْأَصَابِعِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْقِيمَةِ، بِخِلَافِ النَّفْسِ عَلَى مَا مَرَّ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَنْتَفِي الْمُمَاثَلَةُ بِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَالِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةُ مَعْلُومَةٌ بِتَقْدِيرِ الشَّرْعِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ التَّسَاوِي فِيهَا، وَلَا يُمْكِنُ التَّسَاوِي فِي الْقَطْعِ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنَ الْمَفْصِلِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْقِيمَةِ وَهِيَ الدِّيَةُ، وَلَا بَيْنَ الْعَبِيدِ لِأَنَّهُمْ إِنْ تَفَاوَتَتْ قِيمَتُهُمْ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ تَسَاوَتْ فَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحَزْرِ وَالظَّنِّ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ. وَنَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الشِّجَاجِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشِّجَاجِ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ إِلْحَاقُ شَيْنٍ وَقَدِ اسْتَوَيَا فِيهِ، وَفِي الطَّرَفِ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَا فِيهَا، وَيَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الدِّيَةِ. ثُمَّ النُّقْصَانُ نَوْعَانِ: نَقْصٌ مُشَاهَدٌ كَالشَّلَلِ فَيَمْنَعُ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْكَامِلِ بِالنَّاقِصِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِيفَاءِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ. وَنَقْصٌ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ كَالْيَمِينِ مَعَ الْيَسَارِ، فَيَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ بِالْآخَرِ. وَكَذَا الْأَصَابِعُ لَا يُقْطَعُ إِلَّا بِمِثْلِهَا الْيَمِينُ بِالْيَمِينِ وَالْيَسَارُ بِالْيَسَارِ، وَكَذَا الْعَيْنُ الْيَمِينُ بِالْيَمِينِ وَالْيَسَارُ بِالْيَسَارِ، وَالنَّابُ بِالنَّابِ، وَالثَّنِيَّةُ بِالثَّنِيَّةِ، وَالضِّرْسُ بِالضِّرْسِ، وَلَا يُؤْخَذُ الْأَعْلَى بِالْأَسْفَلِ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُنْبِئُ عَنِ الْمُسَاوَاةِ وَلَا مُسَاوَاةَ إِلَّا بِالتَّسَاوِي فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْقِيمَةِ وَالْعُضْوِ، وَقِسْ عَلَى هَذَا أَمْثَالَهُ، فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمَفْصِلِ قُطِعَتْ يَدُهُ لِمَا مَرَّ، وَلَا مُعْتَبِرَ بِكِبَرِ الْيَدِ وَصِغَرِهَا لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْيَدِ لَا تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ كُلُّ عُضْوٍ يُقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ كَالرِّجْلِ وَمَارِنِ الْأَنْفِ وَهُوَ

стр. 733

وَلَا قِصَاصَ فِي اللِّسَانِ وَلَا فِي الذَّكَرِ وَلَا أَنْ تُقْطَعَ الْحَشَفَةُ، وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إِلَّا السِّنَّ، فَإِنْ قُلِعَ يُقْلَعُ، وَإِنْ كُسِرَ يُبْرَدُ بِقَدْرِهِ، وَلَا قِصَاصَ فِي الْعَيْنِ إِلَّا أَنْ يَذْهَبَ ضَوْءُهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَنْ يُوضَعَ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ وَتُقَابَلُ عَيْنُهُ بِالْمِرْآةِ الْمُحْمَاةِ حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْءُهُا، وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي بِالْيَدِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَمَنْ قَطَعَ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ قَطَعَا يَمِينَهُ وَأَخَذَا مِنْهُ دِيَةَ الْأُخْرَى بَيْنَهُمَا، فَإِنْ قَطَعَهَا أَحَدُهُمَا مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ فَلِلْآخَرِ دِيَةُ يَدِهِ، وَإِذَا كَانَ الْقَاطِعُ أَشَلَّ أَوْ نَاقِصَ الْأَصَابِعِ، فَالْمَقْطُوعُ إِنْ شَاءَ قَطَعَ الْمَعِيبَةَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةَ يَدِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] مَا لَانَ مِنْهُ، وَالْأُذُنُ بِالْأُذُنِ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْقَطْعِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥] . قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ فِي اللِّسَانِ وَلَا فِي الذَّكَرِ إِلَّا أَنْ تُقْطَعَ الْحَشَفَةُ) ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْقَبِضُ وَيَنْبَسِطُ فَلَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْقَطْعِ فَلَا قِصَاصَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَطَعَ الْحَشَفَةَ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ كَالْمَفْصِلِ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَهَا وَبَعْضَ الذَّكَرِ فَلَا قِصَاصَ لِتَعَذُّرِ الْمُسَاوَاةِ. أَمَّا الْأُذُنُ لَا تَنْقَبِضُ فَيُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ سَوَاءٌ قَطَعَهَا أَوْ بَعْضَهَا. وَأَمَّا الشَّفَةُ إِنْ قَطَعَهَا جَمِيعَهَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ الْمُسَاوَاةِ، وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَهَا لَا قِصَاصَ لِتَعَذُّرِهَا. قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إِلَّا السِّنَّ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ وَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مُتَعَذِّرَةٌ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْعِظَامِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كُسِرَ مَوْضِعٌ يَنْكَسِرُ مَوْضِعٌ آخَرُ لِأَنَّهُ أَجْوَفُ كَالْقَارُورَةِ مُمْكِنَةٌ فِي السِّنِّ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] . (فَإِنْ قَلَعَ يُقْلَعُ) سِنُّهُ. (وَإِنْ كُسِرَ يُبْرَدُ بِقَدْرِهِ) تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ السِّنُّ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ بَرْدُهُ لَا قِصَاصَ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَنْفَعَةِ. قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ فِي الْعَيْنِ) لِتَعَذُّرِ الْمُسَاوَاةِ. (إِلَّا أَنْ يَذْهَبَ ضَوْءُهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ) فَيُمْكِنُ الْقِصَاصُ. (بِأَنْ يُوضَعَ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ وَتُقَابَلُ عَيْنُهُ بِالْمِرْآةِ الْمُحْمَاةِ حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْءُهَا) ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَيُسْلَكُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا قِصَاصَ فِي الْأَحْوَلِ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي الْعَيْنِ كَالشَّلَلِ فِي الْيَدِ. قَالَ: (وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي بِالْيَدِ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. (وَتَجِبُ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ تَجِبُ الدِّيَةُ لِئَلَّا تَخْلُوَ الْجِنَايَةُ عَنْ مُوجَبٍ. قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ قَطَعَا يَمِينَهُ وَأَخَذَا مِنْهُ دِيَةَ الْأُخْرَى بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ كَالْغُرَمَاءِ فِي التَّرِكَةِ. (فَإِنْ قَطَعَهَا أَحَدُهُمَا مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ فَلِلْآخَرِ دِيَةُ يَدِهِ) لِأَنَّ الْحَاضِرَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَبَقِيَ حَقُّ الْغَائِبِ وَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فَيُصَارُ إِلَى الدِّيَةِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْقَاطِعُ أَشَلَّ أَوْ نَاقِصَ الْأَصَابِعِ، فَالْمَقْطُوعُ إِنْ شَاءَ قَطَعَ الْمَعِيبَةَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةَ يَدِهِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ كَمَلاً، فَإِنْ رَضِيَ

стр. 734

وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ، وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ فَالْمَشْجُوجُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ بِقَدْرِ شَجَّتِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَهَا، وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ خَطَأً بَعْدَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا بَعْدَ الْبُرْءِ أُخِذَ بِالْأَمْرَيْنِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] بِدُونِ حَقِّهِ أَخَذَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعِوَضَ وَهُوَ الْأَرْشُ، كَمَنْ غَصَبَ مِثْلِيًّا فَأَتْلَفَهُ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ كَذَا هَذَا، وَلَوْ سَقَطَتِ الْيَدُ الْمَعِيبَةُ أَوْ قُطِعَتْ ظُلْمًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَعَيُّنِ حَقِّهِ فِي الْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَالًا بِاخْتِيَارِهِ فَيَسْقُطُ بِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَلَوْ قُطِعَتْ فِي قِصَاصٍ أَوْ سَرِقَةٍ فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ لِأَنَّهُ أَوْفَى بِهَا حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَهِيَ سَالِمَةٌ لَهُ مَعْنًى. (وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ كَمَلاً لِأَنَّهُ إِنْ أَخَذَ بِقَدْرِ شَجَّتِهِ مِسَاحَةً يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ حَقِّهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا شَجَّ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَمَا بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّاجِّ أَقَلَّ مِسَاحَةً، فَإِذَا اسْتَوْفَى مِقْدَارَ شَجَّتِهِ وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ فَقَدْ تَعَدَّى إِلَى غَيْرِ حَقِّهِ فَيَتَخَيَّرُ كَمَا قُلْنَا. (وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ فَالْمَشْجُوجُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ بِقَدْرِ شَجَّتِهِ، وَإِنْ شَاءٍ أَخَذَ أَرْشَهَا) ; لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مَا بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّاجِّ يَزْدَادُ شَيْنُ الشَّاجِّ بُطُولِ الشَّجَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَيَتَخَيَّرُ لِمَا مَرَّ، وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَوْعَبَتِ الشَّجَّةُ مِنْ جَبْهَتِهِ إِلَى قَفَاهُ، وَلَا يَبْلُغُ قَفَا الشَّاجِّ يُخَيَّرُ كَمَا قُلْنَا. قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأٍ ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ خَطَأٍ بَعْدَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا بَعْدَ الْبُرْءِ أَخَذَ بِالْأَمْرَيْنِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجِرَاحَاتِ تُجْمَعُ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ غَالِبًا إِنَّمَا يَقَعُ بِجِرَاحَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَا كُلَّ جِرَاحَةٍ عَلَى حِدَةٍ أَدَّى إِلَى الْحَرَجِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنُ يُعْطَى كُلُّ جِرَاحَةٍ حُكْمُهَا، وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِتَغَايُرِ الْفِعْلَيْنِ وَتَغَايُرِ حُكْمِهِمَا، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَالرَّابِعَةُ فَلِتَخَلُّلِ الْبُرْءِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّهُ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُكْتَفَى بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْخَطَأَيْنِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا فِي الْعَمْدَيْنِ بِأَنْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ الْبُرْءِ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ مُتَّحِدٌ وَلَمْ يَتَخَلَّلِ الْبُرْءَ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْخَطَأِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَالَ لَهُمْ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ اقْتُلُوهُ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ لَهُمْ: اقْتُلُوهُ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْقَوَدُ وَهُوَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ بِالْقَطْعِ وَالْقَتْلُ بِالْقَتْلِ فَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، أَوْ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَمْنَعُ إِضَافَةَ السَّرَايَةِ إِلَى الْقَطْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ وَجَدَا مِنْ شَخْصَيْنِ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ فَصَارَ كَمَا إِذَا تَخَلَّلَ الْبُرْءُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا سَرَى الْقَطْعُ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ، وَبِخِلَافِ الْخَطَأَيْنِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الدِّيَةُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُسَاوَاةُ.

стр. 735

وَمَنْ قَطَعَ يَدَ غَيْرِهِ فَعَفَا عَنِ الْقَطْعِ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَى الْقَاطِعِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقَطْعِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ عَنِ النَّفْسِ، وَالشَجَّةُ كَالْقَطْعِ (سم) . وَإِذَا حَضَرَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَتْلِ ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ (سم) الْبَيِّنَةَ. رَجُلَانِ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ فَقَالَ الْوَلِيُّ: قَتَلْتُمَاهُ فَلَهُ قَتْلُهُمَا، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْإِقْرَارِ شَهَادَةٌ فَهُوَ بَاطِلٌ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ غَيْرِهِ فَعَفَا عَنِ الْقَطْعِ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَى الْقَاطِعِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ عَنِ النَّفْسِ، وَالشَّجَّةُ كَالْقَطْعِ) . وَقَالَا: هُوَ عَفْوٌ عَنِ النَّفْسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا ; لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الْقَطْعِ أَوْ عَنِ الشَّجَّةِ عَفْوٌ عَنْ مُوجِبِهِ، وَمُوجِبُهُ الْقَطْعُ لَوْ بَرَأَ، وَالْقَتْلُ لَوْ سَرَى، فَكَانَ عَفْوًا عَنْ أَيِّهِمَا تَحَقَّقَ وَصَارَ كَمَا إِذَا عَفَا عَنِ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْجِنَايَةَ الْمُقْتَصِرَةَ وَالسَّارِيَةَ كَذَا هَذَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً عَمْدًا، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ قِيَاسًا، وَالْعَفْوُ وَقَعَ عَنِ الْقَطْعِ لَا عَنِ الْقَتْلِ، إِلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا وَقُلْنَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِوُجُودِ صُورَةِ الْعَفْوِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ شُبْهَةً وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقِصَاصِ، بِخِلَافِ الْعَفْوِ عَنِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ يَعُمُّ اسْمَ جِنْسٍ، وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْعَفْوِ عَنِ الْقَتْلِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ خَطَأً يُعْتَبَرُ عَفْوُهُ مِنَ الثُّلُثِ لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْمَالُ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَمِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ; لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ. قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَتْلِ ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْبَيِّنَةَ) وَقَالَا: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً لَا يُعِيدُهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحَاضِرَ لَا يَقْتَصُّ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ. لَهُمَا أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْمَيِّتِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ عَفْوِهِ حَالَ حَيَاتِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ، وَلَوِ انْقَلَبَ مَالًا يُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ وَيُورَثُ عَنْهُ فَيَقُومُ الْوَاحِدُ مَقَامَ الْجَمِيعِ فِي إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْمَقْتُولِ مِنْ وَجْهٍ لِمَا قَالَا، وَحَقُّ الْوَرَثَةِ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنَّ الْوَارِثَ لَوْ عَفَا عَنِ الْجَارِحِ حَالَ حَيَاةِ الْمَجْرُوحِ صَحَّ عَفْوُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقُّهُ لَمَا صَحَّ كَإِبْرَاءِ الْغَرِيمِ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِعَادَةِ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمَالُ وَهُوَ حَقُّ الْمَقْتُولِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ يُصْرَفُ فِي حَوَائِجِهِ أَوَّلًا، وَلَيْسَ مَبْنَاهُ عَلَى التَّغْلِيظِ حَتَّى يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَبِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَمْدُ. قَالَ: (رَجُلَانِ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ فَقَالَ الْوَلِيُّ قَتَلْتُمَاهُ فَلَهُ قَتْلُهُمَا، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْإِقْرَارِ شَهَادَةٌ فَهُوَ بَاطِلٌ) وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّ زَيْدًا قَتَلَهُ وَآخَرَانِ أَنَّ عَمْرًا قَتَلَهُ، فَقَالَ الْوَلِيُّ: قَتَلَاهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ كَذَّبَ الشُّهُودَ حَيْثُ قَالَ: قَتَلَاهُ، وَكَذَّبَ الْمُقِرِّينَ حَيْثُ قَالَ: قَتَلْتُمَاهُ، وَتَكْذِيبُ الشُّهُودِ تَفْسِيقٌ لَهُمْ، وَالْفِسْقُ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةَ، وَتَكْذِيبُ الْمُقِرِّ فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يُبْطِلُ إِقْرَارَهُ فِي الْبَاقِي فَافْتَرَقَا.

стр. 736

وَلَوْ رَمَى مُسْلِمًا فَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ (سم) ، وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَلَوْ رَمَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ فَفِيهِ الْقِيمَةُ (م) . ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَلَوْ رَمَى مُسْلِمًا فَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَلَوْ رَمَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ فَفِيهِ الْقِيمَةُ) أَمَّا الْأُولَى فَمَذْهَبُهُ، وَقَالَا: لَا شَيْءَ فِيهِ لِأَنَّهُمَا يُعْتَبَرَانِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ لِأَنَّهَا حَالَةُ التَّلَفِ الْمُوجِبَةُ لِلْعُقُوبَةِ، وَحَالَةُ التَّلَفِ أَسْقَطَ عِصْمَةَ نَفْسِهِ بِالرِّدَّةِ، فَكَأَنَّهُ أَبْرَأَ الرَّامِيَ فَصَارَ كَمَا إِذَا أَبْرَأَهُ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلَهُ أَنَّهُ صَارَ قَاتِلًا بِرَمْيِهِ وَأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ مَعْصُومٌ عِنْدَ الرَّمْيِ لِوُجُودِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ. وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ إِلَّا أَنَّ بِاعْتِبَارِ حَالَةِ الْقَتْلِ أَوْرَثَ شُبْهَةً لِرِدَّتِهِ فَسَقَطَ الْقِصَاصُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ. فَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ حَالَةَ الرَّمْيِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ السَّهْمُ حَلَّ، وَكَذَا إِذَا رَمَى إِلَى صَيْدٍ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ أَصَابَهُ حَلَّ وَيَكُونُ لَهُ، وَلَوْ كَفَرَ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَبِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الرَّمْيَ مَا وَقَعَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ لِأَنَّ الْمَرْمِيَّ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ فَلَا يَنْقَلِبُ سَبَبًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا إِذَا رَمَى حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ السَّهْمُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَاهُ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجِبُ فَضْلُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَرْمِيًّا إِلَى غَيْرِ مَرْمِيٍّ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ فَبَقِيَ الرَّمْيُ جِنَايَةً يَنْتَقِصُ بِهَا قِيمَةَ الْمَرْمِيِّ إِلَيْهِ فَيَجِبُ النُّقْصَانُ. وَلَهُمَا مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ فَيَصِيرُ قَاتِلًا مِنْ وَقْتِ الرَّمْيِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَطَعَ طَرَفَ عَبْدٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشُ الْيَدِ مَعَ النُّقْصَانِ الَّذِي نَقَصَهُ الْقَطْعُ إِلَى أَنْ عُتِقَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ النَّفْسِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بَعْضَ الْمَحَلِّ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ لِلْمَوْلَى، وَلَوْ وَجَبَ بَعْدَ السَّرَايَةِ شَيْءٌ لَوَجَبَ لِلْعَبْدِ، فَتَصِيرُ نِهَايَةُ الْجِنَايَةِ مُخَالِفَةً لِابْتِدَائِهَا، وَهُنَا الرَّمْيُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ وَإِنَّمَا تَقِلُّ بِهِ الرَّغَبَاتُ فَلَا تَخْتَلِفُ نِهَايَتُهُ وَبِدَايَتُهُ.

стр. 737

كِتَابُ الدِّيَاتِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَمِثْلُهَا بِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ (م) ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] [كِتَابُ الدِّيَاتِ] ِ الدِّيَةُ مَا يُؤَدَّى، وَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ يُوجِبُ مَالًا يُدْفَعُ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ سُمِّيَ دِيَةً، وَإِنَّمَا خُصَّ بِمَا يُؤَدَّى بَدَلَ النَّفْسِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْمُتْلَفَاتِ ; لِأَنَّ الِاسْمَ يُشْتَقُّ لِلتَّعْرِيفِ بِالتَّخْصِيصِ وَلَا يَطْرُدُونَهُ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَهِيَ صَوْنُ بُنْيَانِ الْآدَمِيِّ عَنِ الْهَدْمِ وَدَمِهِ عَنِ الْهَدَرِ، وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ، وَقَوْلُهُ ﵊: «فِي النَفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» أَيْ تَجِبُ بِسَبَبِ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ. قَالَ: (الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَمِثْلُهَا بِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ) ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: ثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَأَرْبَعُونَ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامٍ كُلُّهَا خَلِفَاتٌ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ، وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ أَغْلَظُ فَتَجِبُ كَمَا قُلْنَا. وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊: «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» ، وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ أَرْبَاعًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهِ الْخَطَأُ، فَبَقِيَ الْمُرَادُ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَلَوْ أَوْجَبْنَا الْحَوَامِلَ وَجَبَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمِائَةِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ التَّغْلِيظَ أَرْبَاعٌ كَمَا قُلْنَا وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا سَمَاعًا فَكَانَ مُعَارِضًا لِمَا رُوِيَ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّغْلِيظِ، وَلَوْ كَانَ مَا رُوِّينَاهُ ثَابِتًا لَارْتَفَعَ خُصُوصًا وَقَدْ وَرَدَ عَلَى زَعْمِكُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَعَ تَكَاثُرِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ يَشْتَهِرُ، وَلَوِ اشْتُهِرَ لَاحْتَجَّ بِهِ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ، وَلَوِ احْتَجَّ لَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، وَلَمَّا لَمْ يَرْتَفِعْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِيجَابُ الْحَامِلِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ الْحَمْلُ حَقِيقَةً فَيَكُونُ

стр. 738

وَغَيْرُ الْمُغَلَّظَةِ عِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ وَمِثْلُهَا بَنَاتُ مَخَاضٍ وَبَنَاتُ لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ (سم) ، وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ ذَلِكَ، وَلَا تَغْلِيظَ إِلَّا فِي الْإِبِلِ، وَدِيَةُ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ. قَالَ: (وَغَيْرُ الْمُغَلَّظَةِ عِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ وَمِثْلُهَا بَنَاتُ مَخَاضٍ وَبَنَاتُ لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ) فَهِيَ أَخْمَاسٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عِشْرُونَ هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى فِي قَتِيلٍ قُتِلَ خَطَأً بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ أَخْمَاسًا» كَمَا قُلْنَا، وَلِأَنَّ الْخَطَأَ أَخَفُّ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفَ فِي مُوجَبِهِ وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ) كُلُّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ لِمَا رَوَى مَرَّارُ بْنُ حَارِثَةَ قَالَ: «قُطِعَتْ يَدٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضَى عَلَى الْقَاطِعِ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ» ، وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَضَى فِي الدِّيَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَمِنَ الدَّنَانِيرِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَرُوِيَ: «أَنَّهُ ﵊ قَضَى فِي قَتِيلٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ» ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَضَى بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: كَانَ وَزْنُ سِتَّةٍ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا. (وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ) وَقَالَا: تَجِبُ مِنَ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ وَمِنَ الْغَنَمِ أَلْفَا شَاةٍ وَمِنَ الْحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ ثَوْبَانِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، لِمَا رَوَى عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى فِي الدِّيَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الدَّنَانِيرِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْإِبِلِ بِمِائَةٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ بِمِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَمِنَ الْغَنَمِ بِأَلْفَيْ شَاةٍ، وَمِنَ الْحُلَلِ بِمِائَتَيْ حُلَّةٍ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ قَدَّرَ الدِّيَةَ بِهَذِهِ الْمَقَادِيرِ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊: «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ لَا يَجِبَ مَا سِوَاهَا إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى الذَهَبِ وَالْفِضَّةِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَضَائِهِ ﵊. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ قَوْلِهِمَا، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا صَالَحَ الْوَلِيُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ أَوْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا آيَةُ التَّقْدِيرِ. قَالَ: (وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ ذَلِكَ) هَكَذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَذَلِكَ أَيْضًا وَلِأَنَّهَا فِي الْمِيرَاثِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ فَكَذَلِكَ الدِّيَةُ. قَالَ: (وَلَا تَغْلِيظَ إِلَّا فِي الْإِبِلِ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدِ النَّصُّ بِالتَّغْلِيظِ إِلَّا فِيهَا وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا نَصًّا. قَالَ: (وَدِيَةُ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «دِيَةُ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ» . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَضَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵃ فِي دِيَةِ الذِّمِّيِّ بِمِثْلِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. وَقَالَ ﵊: «إِذَا قَبِلُوهَا فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» ، وَلِلْمُسْلِمِينَ إِذَا قُتِلَ قَتِيلُهُمْ أَلْفُ دِينَارٍ فَيَكُونُ لَهُمْ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ دِيَةُ الْمُسْتَأْمَنِ لِمَا «رَوَى

стр. 739

وَفِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَنْفِ وَالذَّكَرِ وَالْحَشَفَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، وَبَعْضِهِ إِذَا مُنِعَ الْكَلَامُ، وَالصُّلْبُ إِذَا مُنِعَ الْجِمَاعُ، أَوِ انْقَطَعَ مَاؤُهُ أَوِ احْدَوْدَبَ، وَكَذَا إِذَا أَفْضَاهَا فَلَمْ تَسْتَمْسِكِ الْبَوْلَ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ جَاءَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَسَاهُمَا وَحَمَلَهُمَا وَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ فَقَتَلَهُمَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَمَانِهِمَا، فَوَدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بِدِيَتَيْ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ» . [فصل في النفس الدية] فَصْلٌ (وَفِي النَّفْسِ الدِّيَةُ) لِمَا رُوِّينَا، وَالْمُرَادُ نَفْسُ الْحُرِّ وَيَسْتَوِي فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْوَضِيعُ وَالشَّرِيفُ وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْحُرْمَةِ وَالْعِصْمَةِ وَكَمَالِ الْأَحْوَالِ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ فِي الْأَنْفِ وَالذَّكَرِ وَالْحَشَفَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، وَبَعْضِهِ إِذَا مُنِعَ الْكَلَامُ، وَالصُّلْبُ إِذَا مُنِعَ الْجِمَاعُ، أَوِ انْقَطَعَ مَاؤُهُ، أَوِ احْدَوْدَبَ، وَكَذَا إِذَا أَفَضَاهَا فَلَمْ تَسْتَمْسِكِ الْبَوْلَ) . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى أَزَالَ الْجَمَالَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ أَوْ أَذْهَبَ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ أَصْلًا تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً ; لِأَنَّ تَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ إِتْلَافٌ لِلنَّفْسِ مَعْنًى فِي حَقِّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ ; لِأَنَّ قِيَامَ النَّفْسِ مَعْنًى بِقِيَامِ مَنَافِعِهَا، فَكَانَ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ كَتَفْوِيتِ الْحَيَاةِ، وَالْجَمَالُ مَقْصُودٌ فِي الْحَيَوَانَاتِ كَالْمَنْفَعَةِ، وَلِهَذَا تَزْدَادُ قِيمَةُ الْمَمْلُوكِ بِالْجَمَالِ، وَتَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ إِنَّمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِلْآدَمِيِّ وَشَرَفُهُ بِالْجَمَالِ كَشَرَفِهِ بِالْمَنَافِعِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: «فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ، وَفِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ» ، وَهَكَذَا كَتَبَ ﵊ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِذَا قُطِعَ الْأَنْفُ أَزَالَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ، وَكَذَا الْمَارِنُ وَالْأَرْنَبَةُ وَالْكُلُّ عُضْوٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَجِبُ بِقَطْعِ الْكُلِّ إِلَّا دِيَةً وَاحِدَةً، وَفِي قَطْعِ الذَّكَرِ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةِ الْوَطْءِ وَاسْتِمْسَاكِ الْبَوْلِ وَرَمْيِ الْمَاءِ وَدَفْقِهِ وَالْإِيلَاجِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الْعُلُوقِ عَادَةً. وَأَمَّا الْحَشَفَةُ فَهِيَ الْأَصْلُ فِي مَنْفَعَةِ الْإِيلَاجِ وَالدَّفْقِ وَالْقَصَبَةُ تَبَعٌ لَهُ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَمَنْفَعَتُهُ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ وَبِهِ يَنْتَفِعُ لِدُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَمَنَافِعُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ مَنَافِعُ مَقْصُودَةٌ. وَعُمَرُ ﵁ قَضَى فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ حَيْثُ ذَهَبَ بِهَا الْعَقْلُ وَالْكَلَامُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ، وَفِي قَطْعِ اللِّسَانِ إِزَالَةُ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ وَهِيَ مَنْفَعَةُ النُّطْقِ، وَكَذَلِكَ إِذَا زَالَتْ بِقَطْعِ الْبَعْضِ لِوُجُودِ الْمُوجِبِ. وَلَوْ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْأَكْثَرِ تَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ مَنْفَعَةُ الْكَلَامِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَكْثَرِهَا فَحُكُومَةُ عَدْلٍ

стр. 740

وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ خَطَأً فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَا فِي الْبَدَنِ اثْنَانِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَمَا فِيهِ أَرْبَعَةٌ فَفِي أَحَدِهَا رُبُعُ الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعِ عُشْرُ الدِّيَةِ وَتُقْسَمُ عَلَى مَفَاصِلِهَا، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِحُصُولِ الْإِفْهَامِ لَكِنْ مَعَ خَلَلٍ، وَالْجِمَاعُ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ جَمَّةٌ، فَإِذَا مَاتَ وَجَبَ بِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَبِانْقِطَاعِ الْمَاءِ يَفُوتُ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ، وَبِالْحَدَبَةِ يَزُولُ الْجَمَالُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، فَلَوْ زَالَتِ الْحَدَبَةُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ لِزَوَالِ الْمُوجِبِ، وَاسْتِمْسَاكُ الْبَوْلِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فَتَجِبُ الدِّيَةُ بِزَوَالِهَا. قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ خَطَأً فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ: (وَمَا فِي الْبَدَنِ اثْنَانِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) وَهِيَ الْأُذُنَانِ وَالْعَيْنَانِ إِذَا ذَهَبَ نُورُهُمَا سَوَاءٌ ذَهَبَتِ الشَّحْمَةُ أَوْ بَقِيَتْ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِالنُّورِ لَا بِالشَّحْمَةِ، وَاللَّحْيَانِ وَالشَّفَتَانِ وَالْحَاجِبَانِ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَسَمْعُ الْأُذُنَيْنِ وَثَدْيَا الْمَرْأَةِ وَحَلَمَتَاهُمَا ; لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَسْتَمْسِكُ دُونَهُمَا، وَبِفَوَاتِهِمَا تَفُوتُ مَنْفَعَةُ الْإِرْضَاعِ، وَالْأُنْثَيَانِ وَالْأَلْيَتَانِ إِذَا اسْتُؤْصِلَ لَحْمُهُمَا حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى الْوَرِكِ لَحْمٌ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: «فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ» ، وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ» ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَفُوتُ بِفَوَاتِهِمَا أَوِ الْجَمَالَ كَامِلًا، وَبِفَوَاتِ أَحَدِهِمَا يَفُوتُ النِّصْفُ. وَإِذَا قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ مَعَ الذَّكَرِ، أَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ أَوَّلًا ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ فَفِيهِمَا دِيَتَانِ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأُنْثَيَيْنِ بَعْدَ قَطْعِ الذَّكَرِ قَائِمَةٌ وَهِيَ إِمْسَاكُ الْمَنْيِ وَالْبَوْلِ، فَإِنْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ الذَّكَرَ فَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةُ عَدْلٍ ; لِأَنَّ بِقَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ صَارَ خَصِيًّا، وَفِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ حُكُومَةٌ وَلِأَنَّهُ اخْتَلَّتْ مَنْفَعَتُهُ بِقَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ وَهِيَ مَنْفَعَةُ الْإِيلَاجِ فَصَارَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ. قَالَ: (وَمَا فِيهِ أَرْبَعَةٌ فَفِي أَحَدِهَا رُبْعُ الدِّيَةِ) ، وَهِيَ أَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ وَأَهْدَابُهَا ; لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِهِ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ وَجِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ دَفْعُ الْقَذَى عَنِ الْعَيْنِ، فَإِنْ قَطَعَ الْأَشْفَارَ وَحْدَهَا وَلَيْسَ فِيهَا أَهْدَابٌ فَفِيهَا الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهَا رُبْعُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَهْدَابُ، وَإِنْ قَطَعَهَا مَعًا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ كَالْمَارِنِ مَعَ الْأَنْفِ. قَالَ: (وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ) يَعْنِي مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، قَالَ ﵊: «فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ» وَالْأَصَابِعُ كُلُّهَا سَوَاءٌ، وَفِي قَطْعِ الْكُلِّ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ فَتَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَهِيَ عَشْرٌ فَيُقْسَمُ عَلَيْهَا. (وَتُقْسَمُ) دِيَةُ الْأُصْبُعِ. (عَلَى مَفَاصِلِهَا) فَمَا فِيهَا مَفْصِلَانِ فَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ دِيَتِهَا، وَمَا فِيهَا ثَلَاثُ مَفَاصِلَ فَفِي أَحَدِهَا ثُلُثُهَا اعْتِبَارًا بِانْقِسَامِ دِيَةِ الْيَدِ عَلَى أَصَابِعِهَا.
следующие страницы →