← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1066

الاختيار لتعليل المختار

ابن مودود الموصلي

Полный текст (834 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وَلَوْ رَمَى مُسْلِمًا فَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ (سم) ، وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَلَوْ رَمَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ فَفِيهِ الْقِيمَةُ (م) . ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَلَوْ رَمَى مُسْلِمًا فَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَلَوْ رَمَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ فَفِيهِ الْقِيمَةُ) أَمَّا الْأُولَى فَمَذْهَبُهُ، وَقَالَا: لَا شَيْءَ فِيهِ لِأَنَّهُمَا يُعْتَبَرَانِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ لِأَنَّهَا حَالَةُ التَّلَفِ الْمُوجِبَةُ لِلْعُقُوبَةِ، وَحَالَةُ التَّلَفِ أَسْقَطَ عِصْمَةَ نَفْسِهِ بِالرِّدَّةِ، فَكَأَنَّهُ أَبْرَأَ الرَّامِيَ فَصَارَ كَمَا إِذَا أَبْرَأَهُ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلَهُ أَنَّهُ صَارَ قَاتِلًا بِرَمْيِهِ وَأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ مَعْصُومٌ عِنْدَ الرَّمْيِ لِوُجُودِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ. وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ إِلَّا أَنَّ بِاعْتِبَارِ حَالَةِ الْقَتْلِ أَوْرَثَ شُبْهَةً لِرِدَّتِهِ فَسَقَطَ الْقِصَاصُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ. فَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ حَالَةَ الرَّمْيِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ السَّهْمُ حَلَّ، وَكَذَا إِذَا رَمَى إِلَى صَيْدٍ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ أَصَابَهُ حَلَّ وَيَكُونُ لَهُ، وَلَوْ كَفَرَ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَبِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الرَّمْيَ مَا وَقَعَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ لِأَنَّ الْمَرْمِيَّ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ فَلَا يَنْقَلِبُ سَبَبًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا إِذَا رَمَى حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ السَّهْمُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَاهُ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجِبُ فَضْلُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَرْمِيًّا إِلَى غَيْرِ مَرْمِيٍّ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ فَبَقِيَ الرَّمْيُ جِنَايَةً يَنْتَقِصُ بِهَا قِيمَةَ الْمَرْمِيِّ إِلَيْهِ فَيَجِبُ النُّقْصَانُ. وَلَهُمَا مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ فَيَصِيرُ قَاتِلًا مِنْ وَقْتِ الرَّمْيِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَطَعَ طَرَفَ عَبْدٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشُ الْيَدِ مَعَ النُّقْصَانِ الَّذِي نَقَصَهُ الْقَطْعُ إِلَى أَنْ عُتِقَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ النَّفْسِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بَعْضَ الْمَحَلِّ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ لِلْمَوْلَى، وَلَوْ وَجَبَ بَعْدَ السَّرَايَةِ شَيْءٌ لَوَجَبَ لِلْعَبْدِ، فَتَصِيرُ نِهَايَةُ الْجِنَايَةِ مُخَالِفَةً لِابْتِدَائِهَا، وَهُنَا الرَّمْيُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ وَإِنَّمَا تَقِلُّ بِهِ الرَّغَبَاتُ فَلَا تَخْتَلِفُ نِهَايَتُهُ وَبِدَايَتُهُ.

стр. 737

كِتَابُ الدِّيَاتِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَمِثْلُهَا بِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ (م) ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] [كِتَابُ الدِّيَاتِ] ِ الدِّيَةُ مَا يُؤَدَّى، وَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ يُوجِبُ مَالًا يُدْفَعُ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ سُمِّيَ دِيَةً، وَإِنَّمَا خُصَّ بِمَا يُؤَدَّى بَدَلَ النَّفْسِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْمُتْلَفَاتِ ; لِأَنَّ الِاسْمَ يُشْتَقُّ لِلتَّعْرِيفِ بِالتَّخْصِيصِ وَلَا يَطْرُدُونَهُ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَهِيَ صَوْنُ بُنْيَانِ الْآدَمِيِّ عَنِ الْهَدْمِ وَدَمِهِ عَنِ الْهَدَرِ، وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ، وَقَوْلُهُ ﵊: «فِي النَفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» أَيْ تَجِبُ بِسَبَبِ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ. قَالَ: (الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَمِثْلُهَا بِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ) ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: ثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَأَرْبَعُونَ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامٍ كُلُّهَا خَلِفَاتٌ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ، وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ أَغْلَظُ فَتَجِبُ كَمَا قُلْنَا. وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊: «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» ، وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ أَرْبَاعًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهِ الْخَطَأُ، فَبَقِيَ الْمُرَادُ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَلَوْ أَوْجَبْنَا الْحَوَامِلَ وَجَبَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمِائَةِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ التَّغْلِيظَ أَرْبَاعٌ كَمَا قُلْنَا وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا سَمَاعًا فَكَانَ مُعَارِضًا لِمَا رُوِيَ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّغْلِيظِ، وَلَوْ كَانَ مَا رُوِّينَاهُ ثَابِتًا لَارْتَفَعَ خُصُوصًا وَقَدْ وَرَدَ عَلَى زَعْمِكُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَعَ تَكَاثُرِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ يَشْتَهِرُ، وَلَوِ اشْتُهِرَ لَاحْتَجَّ بِهِ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ، وَلَوِ احْتَجَّ لَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، وَلَمَّا لَمْ يَرْتَفِعْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِيجَابُ الْحَامِلِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ الْحَمْلُ حَقِيقَةً فَيَكُونُ

стр. 738

وَغَيْرُ الْمُغَلَّظَةِ عِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ وَمِثْلُهَا بَنَاتُ مَخَاضٍ وَبَنَاتُ لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ (سم) ، وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ ذَلِكَ، وَلَا تَغْلِيظَ إِلَّا فِي الْإِبِلِ، وَدِيَةُ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ. قَالَ: (وَغَيْرُ الْمُغَلَّظَةِ عِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ وَمِثْلُهَا بَنَاتُ مَخَاضٍ وَبَنَاتُ لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ) فَهِيَ أَخْمَاسٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عِشْرُونَ هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى فِي قَتِيلٍ قُتِلَ خَطَأً بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ أَخْمَاسًا» كَمَا قُلْنَا، وَلِأَنَّ الْخَطَأَ أَخَفُّ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفَ فِي مُوجَبِهِ وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ) كُلُّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ لِمَا رَوَى مَرَّارُ بْنُ حَارِثَةَ قَالَ: «قُطِعَتْ يَدٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضَى عَلَى الْقَاطِعِ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ» ، وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَضَى فِي الدِّيَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَمِنَ الدَّنَانِيرِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَرُوِيَ: «أَنَّهُ ﵊ قَضَى فِي قَتِيلٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ» ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَضَى بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: كَانَ وَزْنُ سِتَّةٍ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا. (وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ) وَقَالَا: تَجِبُ مِنَ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ وَمِنَ الْغَنَمِ أَلْفَا شَاةٍ وَمِنَ الْحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ ثَوْبَانِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، لِمَا رَوَى عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى فِي الدِّيَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الدَّنَانِيرِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْإِبِلِ بِمِائَةٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ بِمِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَمِنَ الْغَنَمِ بِأَلْفَيْ شَاةٍ، وَمِنَ الْحُلَلِ بِمِائَتَيْ حُلَّةٍ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ قَدَّرَ الدِّيَةَ بِهَذِهِ الْمَقَادِيرِ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊: «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ لَا يَجِبَ مَا سِوَاهَا إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى الذَهَبِ وَالْفِضَّةِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَضَائِهِ ﵊. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ قَوْلِهِمَا، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا صَالَحَ الْوَلِيُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ أَوْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا آيَةُ التَّقْدِيرِ. قَالَ: (وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ ذَلِكَ) هَكَذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَذَلِكَ أَيْضًا وَلِأَنَّهَا فِي الْمِيرَاثِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ فَكَذَلِكَ الدِّيَةُ. قَالَ: (وَلَا تَغْلِيظَ إِلَّا فِي الْإِبِلِ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدِ النَّصُّ بِالتَّغْلِيظِ إِلَّا فِيهَا وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا نَصًّا. قَالَ: (وَدِيَةُ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «دِيَةُ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ» . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَضَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵃ فِي دِيَةِ الذِّمِّيِّ بِمِثْلِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. وَقَالَ ﵊: «إِذَا قَبِلُوهَا فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» ، وَلِلْمُسْلِمِينَ إِذَا قُتِلَ قَتِيلُهُمْ أَلْفُ دِينَارٍ فَيَكُونُ لَهُمْ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ دِيَةُ الْمُسْتَأْمَنِ لِمَا «رَوَى

стр. 739

وَفِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَنْفِ وَالذَّكَرِ وَالْحَشَفَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، وَبَعْضِهِ إِذَا مُنِعَ الْكَلَامُ، وَالصُّلْبُ إِذَا مُنِعَ الْجِمَاعُ، أَوِ انْقَطَعَ مَاؤُهُ أَوِ احْدَوْدَبَ، وَكَذَا إِذَا أَفْضَاهَا فَلَمْ تَسْتَمْسِكِ الْبَوْلَ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ جَاءَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَسَاهُمَا وَحَمَلَهُمَا وَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ فَقَتَلَهُمَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَمَانِهِمَا، فَوَدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بِدِيَتَيْ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ» . [فصل في النفس الدية] فَصْلٌ (وَفِي النَّفْسِ الدِّيَةُ) لِمَا رُوِّينَا، وَالْمُرَادُ نَفْسُ الْحُرِّ وَيَسْتَوِي فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْوَضِيعُ وَالشَّرِيفُ وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْحُرْمَةِ وَالْعِصْمَةِ وَكَمَالِ الْأَحْوَالِ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ فِي الْأَنْفِ وَالذَّكَرِ وَالْحَشَفَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، وَبَعْضِهِ إِذَا مُنِعَ الْكَلَامُ، وَالصُّلْبُ إِذَا مُنِعَ الْجِمَاعُ، أَوِ انْقَطَعَ مَاؤُهُ، أَوِ احْدَوْدَبَ، وَكَذَا إِذَا أَفَضَاهَا فَلَمْ تَسْتَمْسِكِ الْبَوْلَ) . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى أَزَالَ الْجَمَالَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ أَوْ أَذْهَبَ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ أَصْلًا تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً ; لِأَنَّ تَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ إِتْلَافٌ لِلنَّفْسِ مَعْنًى فِي حَقِّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ ; لِأَنَّ قِيَامَ النَّفْسِ مَعْنًى بِقِيَامِ مَنَافِعِهَا، فَكَانَ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ كَتَفْوِيتِ الْحَيَاةِ، وَالْجَمَالُ مَقْصُودٌ فِي الْحَيَوَانَاتِ كَالْمَنْفَعَةِ، وَلِهَذَا تَزْدَادُ قِيمَةُ الْمَمْلُوكِ بِالْجَمَالِ، وَتَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ إِنَّمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِلْآدَمِيِّ وَشَرَفُهُ بِالْجَمَالِ كَشَرَفِهِ بِالْمَنَافِعِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: «فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ، وَفِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ» ، وَهَكَذَا كَتَبَ ﵊ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِذَا قُطِعَ الْأَنْفُ أَزَالَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ، وَكَذَا الْمَارِنُ وَالْأَرْنَبَةُ وَالْكُلُّ عُضْوٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَجِبُ بِقَطْعِ الْكُلِّ إِلَّا دِيَةً وَاحِدَةً، وَفِي قَطْعِ الذَّكَرِ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةِ الْوَطْءِ وَاسْتِمْسَاكِ الْبَوْلِ وَرَمْيِ الْمَاءِ وَدَفْقِهِ وَالْإِيلَاجِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الْعُلُوقِ عَادَةً. وَأَمَّا الْحَشَفَةُ فَهِيَ الْأَصْلُ فِي مَنْفَعَةِ الْإِيلَاجِ وَالدَّفْقِ وَالْقَصَبَةُ تَبَعٌ لَهُ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَمَنْفَعَتُهُ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ وَبِهِ يَنْتَفِعُ لِدُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَمَنَافِعُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ مَنَافِعُ مَقْصُودَةٌ. وَعُمَرُ ﵁ قَضَى فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ حَيْثُ ذَهَبَ بِهَا الْعَقْلُ وَالْكَلَامُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ، وَفِي قَطْعِ اللِّسَانِ إِزَالَةُ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ وَهِيَ مَنْفَعَةُ النُّطْقِ، وَكَذَلِكَ إِذَا زَالَتْ بِقَطْعِ الْبَعْضِ لِوُجُودِ الْمُوجِبِ. وَلَوْ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْأَكْثَرِ تَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ مَنْفَعَةُ الْكَلَامِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَكْثَرِهَا فَحُكُومَةُ عَدْلٍ

стр. 740

وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ خَطَأً فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَا فِي الْبَدَنِ اثْنَانِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَمَا فِيهِ أَرْبَعَةٌ فَفِي أَحَدِهَا رُبُعُ الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعِ عُشْرُ الدِّيَةِ وَتُقْسَمُ عَلَى مَفَاصِلِهَا، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لِحُصُولِ الْإِفْهَامِ لَكِنْ مَعَ خَلَلٍ، وَالْجِمَاعُ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ جَمَّةٌ، فَإِذَا مَاتَ وَجَبَ بِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَبِانْقِطَاعِ الْمَاءِ يَفُوتُ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ، وَبِالْحَدَبَةِ يَزُولُ الْجَمَالُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، فَلَوْ زَالَتِ الْحَدَبَةُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ لِزَوَالِ الْمُوجِبِ، وَاسْتِمْسَاكُ الْبَوْلِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فَتَجِبُ الدِّيَةُ بِزَوَالِهَا. قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ خَطَأً فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ: (وَمَا فِي الْبَدَنِ اثْنَانِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) وَهِيَ الْأُذُنَانِ وَالْعَيْنَانِ إِذَا ذَهَبَ نُورُهُمَا سَوَاءٌ ذَهَبَتِ الشَّحْمَةُ أَوْ بَقِيَتْ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِالنُّورِ لَا بِالشَّحْمَةِ، وَاللَّحْيَانِ وَالشَّفَتَانِ وَالْحَاجِبَانِ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَسَمْعُ الْأُذُنَيْنِ وَثَدْيَا الْمَرْأَةِ وَحَلَمَتَاهُمَا ; لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَسْتَمْسِكُ دُونَهُمَا، وَبِفَوَاتِهِمَا تَفُوتُ مَنْفَعَةُ الْإِرْضَاعِ، وَالْأُنْثَيَانِ وَالْأَلْيَتَانِ إِذَا اسْتُؤْصِلَ لَحْمُهُمَا حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى الْوَرِكِ لَحْمٌ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: «فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ» ، وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ» ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَفُوتُ بِفَوَاتِهِمَا أَوِ الْجَمَالَ كَامِلًا، وَبِفَوَاتِ أَحَدِهِمَا يَفُوتُ النِّصْفُ. وَإِذَا قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ مَعَ الذَّكَرِ، أَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ أَوَّلًا ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ فَفِيهِمَا دِيَتَانِ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأُنْثَيَيْنِ بَعْدَ قَطْعِ الذَّكَرِ قَائِمَةٌ وَهِيَ إِمْسَاكُ الْمَنْيِ وَالْبَوْلِ، فَإِنْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ الذَّكَرَ فَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةُ عَدْلٍ ; لِأَنَّ بِقَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ صَارَ خَصِيًّا، وَفِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ حُكُومَةٌ وَلِأَنَّهُ اخْتَلَّتْ مَنْفَعَتُهُ بِقَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ وَهِيَ مَنْفَعَةُ الْإِيلَاجِ فَصَارَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ. قَالَ: (وَمَا فِيهِ أَرْبَعَةٌ فَفِي أَحَدِهَا رُبْعُ الدِّيَةِ) ، وَهِيَ أَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ وَأَهْدَابُهَا ; لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِهِ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ وَجِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ دَفْعُ الْقَذَى عَنِ الْعَيْنِ، فَإِنْ قَطَعَ الْأَشْفَارَ وَحْدَهَا وَلَيْسَ فِيهَا أَهْدَابٌ فَفِيهَا الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهَا رُبْعُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَهْدَابُ، وَإِنْ قَطَعَهَا مَعًا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ كَالْمَارِنِ مَعَ الْأَنْفِ. قَالَ: (وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ) يَعْنِي مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، قَالَ ﵊: «فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ» وَالْأَصَابِعُ كُلُّهَا سَوَاءٌ، وَفِي قَطْعِ الْكُلِّ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ فَتَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَهِيَ عَشْرٌ فَيُقْسَمُ عَلَيْهَا. (وَتُقْسَمُ) دِيَةُ الْأُصْبُعِ. (عَلَى مَفَاصِلِهَا) فَمَا فِيهَا مَفْصِلَانِ فَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ دِيَتِهَا، وَمَا فِيهَا ثَلَاثُ مَفَاصِلَ فَفِي أَحَدِهَا ثُلُثُهَا اعْتِبَارًا بِانْقِسَامِ دِيَةِ الْيَدِ عَلَى أَصَابِعِهَا.

стр. 741

وَالْكَفُّ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ، وَفِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، فَإِنْ قَلَعَهَا فَنَبَتَتْ أُخْرَى مَكَانَهَا سَقَطَ الْأَرْشُ، وَفِي شَعْرِ الرَّأْسِ إِذَا حُلِقَ فَلَمْ يَنْبُتِ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ اللِّحْيَةُ وَالْحَاجِبَانِ وَالْأَهْدَابُ، وَفِي الْيَدِ إِذَا شُلَّتْ، وَالْعَيْنِ إِذَا ذَهَبَ ضَوْؤُهَا الدِّيَةُ، وَفِي الشَّارِبِ، وَلِحْيَةِ الْكَوْسَجِ، وَثَدْيِ الرَّجُلِ، وَذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ، وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَالْكَفُّ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ) لِأَنَّ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ بِالْأَصَابِعِ وَالدِّيَةِ وَجَبَتْ بِتَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ. قَالَ: (وَفِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ) ، قَالَ ﵊: «وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» ، وَالْأَسْنَانُ كُلُّهَا سَوَاءٌ الثَّنَايَا وَالْأَنْيَابُ وَالْأَضْرَاسُ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَاسْمِ السِّنِّ، يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ فَيَجِبُ فِي الْأَسْنَانِ دِيَةٌ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ دِيَةٍ ; لِأَنَّ الْأَسْنَانَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا، عِشْرُونَ ضِرْسًا وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ وَأَرْبَعُ ضَوَاحِكَ وَأَرْبَعُ ثَنَايَا. وَأَسْنَانُ الْكَوْسَجِ قَالُوا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ فَيَجِبُ دِيَةً وَخُمُسَا دِيَةٍ، وَهَذَا غَيْرُ جَارٍ عَلَى قِيَاسِ الْأَعْضَاءِ إِلَّا أَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهَا إِلَى النَّصِّ. قَالَ: (فَإِنْ قَلَعَهَا فَنَبَتَتْ أُخْرَى مَكَانَهَا سَقَطَ الْأَرْشُ) لِزَوَالِ سَبَبِهِ، وَلَوْ أَعَادَ الْمَقْلُوعَةَ إِلَى مَكَانِهَا فَنَبَتَتْ فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ وَكَذَلِكَ الْأُذُنُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعُودُ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْجَمَالِ، وَالْمَقْلُوعُ لَا يَنْبُتُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِقُ بِالْعُرُوقِ وَالْعَصَبِ فَكَانَ وُجُودُ هَذَا النَّبَاتِ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ حَتَّى لَوْ قَلَعَهُ إِنْسَانٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوِ اسْوَدَّتِ السِّنُّ مِنَ الضَّرْبَةِ أَوِ احْمَرَّتْ أَوِ اخْضَرَّتْ فَفِيهَا الْأَرْشُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهَا تَبْطُلُ مَنْفَعَتُهَا إِذَا اسْوَدَّتْ فَإِنَّهَا تَتَنَاثَرُ وَيَفُوتُ بِذَلِكَ الْجَمَالُ كَامِلًا، وَلَوِ اصْفَرَّتْ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ الصُّفْرَةَ لَا تَذْهَبُ مَنْفَعَتُهَا بَلْ تُوجِبُ نُقْصَانَهَا فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ، وَلَوْ ضَرَبَ سِنًّا فَتَحَرَّكَ يَنْتَظِرُ بِهِ حَوْلًا لِاحْتِمَالٍ أَنَّهَا تَشْتَدُّ، وَإِنْ سَقَطَ أَوْ حَدَثَ فِيهِ صِفَةٌ مِمَّا ذَكَرْنَا وَجَبَ فِيهَا مَا قُلْنَا ; لِأَنَّ الْجِنَايَاتِ تُعْتَبَرُ فِيهَا حَالُ الِاسْتِقْرَارِ، قَالَ ﵊: «يُسْتَأْنَ بِالْجِرَاحِ حَتَّى يَبْرَأَ» ، وَلِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ لَا يُعْلَمُ الْوَاجِبُ فَلَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ. قَالَ: (وَفِي شَعْرِ الرَّأْسِ إِذَا حُلِقَ فَلَمْ يَنْبُتِ الدِّيَةَ، وَكَذَلِكَ اللِّحْيَةُ وَالْحَاجِبَانِ وَالْأَهْدَابُ) ، أَمَّا الْحَاجِبَانِ وَالْأَهْدَابُ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا اللِّحْيَةُ فَلِأَنَّ فِيهَا جَمَالًا كَامِلًا لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ مَلَائِكَةَ سَمَاءِ الدُّنْيَا تَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى وَالنِّسَاءَ بِالذَّوَائِبِ» . وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ أَوْجَبَ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ إِذَا حُلِقَ فَلَمْ يَنْبُتْ دِيَةً كَامِلَةً، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي اللِّحْيَةِ. وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ يَقُولُ فِي اللِّحْيَةِ: إِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ إِذَا كَانَتْ كَامِلَةً يَتَجَمَّلُ بِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَتْ طَاقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَا يُتَجَمَّلُ بِهَا فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَفَرِّقَةٍ لَا يُتَجَمَّلُ بِهَا وَلَيْسَتْ مِمَّا تَشِينُ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ. قَالَ: (وَفِي الْيَدِ إِذَا شُلَّتْ وَالْعَيْنِ إِذَا ذَهَبَ ضَوْؤُهَا الدِّيَةُ) لِأَنَّهَا إِذَا عَدِمَتِ الْمَنْفَعَةُ فَقَدْ عَدِمَتْ مَعْنًى فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَفِي الشَّارِبِ وَلِحْيَةِ الْكَوْسَجِ وَثَدْيِ الرَّجُلِ وَذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ

стр. 742

وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَالْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ، وَالرِّجْلِ الْعَرْجَاءِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، وَعَيْنِ الصَّبِيِّ وَلِسَانِهِ وَذَكَرِهِ إِذَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَإِذَا قَطَعَ الْيَدَ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ فَفِي الْكَفِّ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الزَّائِدِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَمَنْ قَطَعَ أُصْبُعًا فَشُلَّتْ أُخْرَى، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَشُلَّتِ الْيُسْرَى فَلَا قِصَاصَ (سم) ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ وَالرِّجْلِ الْعَرْجَاءِ وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ وَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَعَيْنِ الصَّبِيِّ وَلِسَانِهِ وَذَكَرهِ إِذَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ) ، أَمَّا الشَّارِبُ فَهُوَ تَبَعٌ لِلِّحْيَةِ، وَقَدْ قِيلَ: السُّنَّةُ فِيهَا الْحَلْقُ فَلَمْ يَكُنْ جَمَالًا كَامِلًا، وَلِحْيَةُ الْكَوْسَجِ لَيْسَتْ جَمَالًا كَامِلًا، وَكُلُّ مَا يَجِبُ فِي الشَّعْرِ إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا فَسَدَ الْمَنْبَتُ، أَمَّا إِذَا عَادَ فَنَبَتَ كَمَا كَانَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ لِعَدَمِ الْوَجْبِ، وَثَدْيُ الرَّجُلِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا جَمَالَ، وَذَكَرُ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ وَالْيَدُ الشَّلَّاءُ وَلِسَانُ الْأَخْرَسِ وَالْعَيْنُ الْعَوْرَاءُ وَالرِّجْلُ الْعَرْجَاءُ لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا جَمَالِ فِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ وَلَا مَنْفَعَةَ فِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ حُكُومَةُ عَدْلٍ تَشْرِيفًا لِلْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَأَعْضَاءُ الصَّبِيِّ إِذَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهَا وَسَلَامَةُ مَنْفَعَتِهَا لَا تَجِبُ الدِّيَةُ بِالشَّكِّ وَالسَّلَامَةِ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِلْزَامِ، وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِكَلَامٍ بَلْ مُجَرَّدُ صَوْتٍ وَصِحَّةُ اللِّسَانِ تُعْرَفُ بِالْكَلَامِ، وَالذَّكَرُ بِالْحَرَكَةِ، وَالْعَيْنُ بِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى النَّظَرِ، فَإِذَا عُرِفَ صِحَّةُ ذَلِكَ فَهُوَ كَالْبَالِغِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَفِي شَعْرِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ حُكُومَةٌ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا جَمَالَ فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ. وَلَوْ ضَرَبَ الْأُذُنَ فَيَبِسَتْ فِيهَا حُكُومَةٌ، وَفِي قَلْعِ الْأَظْفَارِ فَلَمْ تَنْبُتْ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ. قَالَ: (وَإِذَا قَطَعَ الْيَدَ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ فَفِي الْكَفِّ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَفِي الزَّائِدِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا جَمَالَ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَطَعَهَا مِنَ الْمِرْفَقِ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ أُصْبُعًا فَشَلَّتْ أُخْرَى، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَشَلَّتِ الْيُسْرَى فَلَا قِصَاصَ) وَقَالَا: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْأُولَى وَالْأَرْشُ فِي الثَّانِيَةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إِذَا شَجَّهُ مُوَضَّحَةً فَذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ، وَأَجْمَعُوا لَوْ شَجَّهُ مُوَضَّحَةً فَصَارَتْ مُنَقَّلَةً، أَوْ كَسَرَ سِنَّهُ فَاسْوَدَّ الْبَاقِي، أَوْ قَطَعَ الْكَفَّ فَشُلَّ السَّاعِدُ، أَوْ قَطَعَ إِصْبَعًا فَشُلَّ الْكَفُّ، أَوْ قَطَعَ مَفْصِلًا مِنَ الْأُصْبُعِ فَشُلَّ بَاقِيهَا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْكُلِّ. لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّاتِ أَنَّهُ تَعَدَّدَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ سُقُوطِ الْقِصَاصِ فِي أَحَدِهِمَا سُقُوطُهُ فِي الْآخَرِ، كَمَا إِذَا جَنَى عَلَى عُضْوٍ عَمْدًا وَعَلَى آخَرَ خَطَأً. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ جِنَايَتَهُ وَقَعَتْ سَارِيَةً بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، وَالْمَحَلُّ مُتَّحِدٌ مِنْ حَيْثُ الِاتِّصَالِ فَتَعَذَّرَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُنْبِئُ عَنِ الْمُمَاثَلَةِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ الْقَطْعُ بِصِفَةِ السَّرَايَةِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ وَجَبَ الْمَالُ كَمَا فِي مَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ، بِخِلَافِ مَا قَاسَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِسَرَايَةٍ لِلْآخَرِ، وَلَوْ قَطَعَ كَفًّا فِيهَا أُصْبُعٌ أَوْ أُصْبُعَانِ فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْأَصَابِعِ وَلَا شَيْءَ فِي الْكَفِّ.

стр. 743

وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ. فَصْلٌ الشِّجَاجُ عَشَرَةٌ: الْخَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَخْرُصُ الْجِلْدَ، ثُمَّ الدَّامِعَةُ الَّتِي تُخْرِجَ مَا يُشْبِهُ الدَّمْعَ، ثُمَّ الدَّامِيَةُ الَّتِي تُخْرِجُ الدَمَ، ثُمَ الْبَاضِعَةُ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ ; وَهَوَ جِلْدَةٌ فَوْقَ الْعَظْمِ تَصِلُ إِلَيْهَا الشَّجَّةُ، ثُمَّ الْمُوضِحَةُ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ، ثُمَّ الْهَاشِمَةُ الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ، ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ الَّتِي تَنْقُلُ الْعَظْمَ بَعْدَ الْكَسْرِ، ثُمَّ الْآمَّةُ الَتِي تَصِلُ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَقَالَا: يَنْظُرُ إِلَى أَرْشِ الْأُصْبُعِ وَالْأُصْبُعَيْنِ وَإِلَى حُكُومَةِ الْعَدْلِ فِي الْكَفِّ، فَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَلَا يَجِبُ الْأَرْشَانِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِهْدَارِ أَحَدِهِمَا فَرَجَّحْنَا بِالْأَكْثَرِ كَالْمُوضِحَةِ إِذَا أَسْقَطَتْ بَعْضَ شَعْرِ الرَّأْسِ. وَلَهُ أَنَّ الْأَصَابِعَ أَصْلٌ وَالْكَفُّ تَبَعٌ ; لِأَنَّ الْبَطْشَ يَقُومُ بِهَا، وَلِأَنَّ قَطْعَ الْأَصَابِعِ يُوجِبُ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَلَا كَذَلِكَ قَطْعُ الْكَفِّ، وَالْأَصْلُ وَإِنْ قَلَّ يَسْتَتْبِعُ التَّبَعَ، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ تَبَعًا لِلْآخَرِ، وَلَوْ قُطِعَ الْكَفُّ وَفِيهِ ثَلَاثُ أَصَابِعَ وَجَبَ أَرْشُ الْأَصَابِعِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ هِيَ الْأَصْلُ لِمَا بَيَّنَّا، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ. قَالَ: (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «عَمْدُ الصَّبِيِّ خَطَأٌ» وَرُوِيَ أَنَّ مَجْنُونًا قَتَلَ رَجُلًا بِسَيْفٍ فَقَضَى عَلِيٌّ ﵁ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ وَلَا يَسْتَحِقَّانِ الْعُقُوبَةَ بِفِعْلِهِمَا كَالْحُدُودِ، وَكَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْعَمْدِ الْمَأْثَمُ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِمَا. [فصل في أَنْوَاعُ الشِّجَاجِ] فَصْلٌ (الشِّجَاجُ عَشْرَةٌ: الْخَارِصَةُ وَهِيَ الَّتِي تَخْرُصُ الْجِلْدَ) أَيْ تَشُقُّهُ أَوْ تَخْدِشُهُ وَلَا يَخْرُجُ الدَّمُ. (ثُمَّ الدَّامِعَةُ الَّتِي تُخْرِجُ مَا يُشْبِهُ الدَّمْعَ) وَقِيلَ: الَّتِي تُظْهِرُ الدَّمَ وَلَا تُسِيلُهُ كَالدَّمْعِ فِي الْعَيْنِ. (ثُمَّ الدَّامِيَةُ الَّتِي تُخْرِجُ الدَّمَ) وَتُسِيلُهُ. (ثُمَّ الْبَاضِعَةُ الَّتِي تُبَضِّعُ اللَّحْمَ) أَيْ تَقْطَعُهُ، وَقِيلَ: تَقْطَعُ الْجِلْدَ. (ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ) وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاضِعَةِ. (ثُمَّ السِّمْحَاقُ، وَهُوَ جِلْدَةٌ فَوْقَ الْعَظْمِ تَصِلُ إِلَيْهَا الشَّجَّةِ، ثُمَّ الْمُوضِحَةُ الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ) أَيْ تَكْشِفُهُ. (ثُمَّ الْهَاشِمَةُ الَّتِي تُهَشِّمُ الْعَظْمَ) أَيْ تُكَسِّرُهُ. (ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ الَّتِي تَنْقُلُ الْعَظْمَ بَعْدَ الْكَسْرِ، ثُمَّ الْآمَّةٌ الَّتِي تَصِلُ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ) وَهِيَ جِلْدَةٌ تَحْتَ الْعَظْمِ فِيهَا الدِّمَاغُ، قَالُوا: ثُمَّ الدَّامِغَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَخْرُقُ الْجِلْدَ وَتَصِلُ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَلَمْ يَذْكُرُهَا مُحَمَّدٌ إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَعِيشُ

стр. 744

فَفِي الْمُوضِحَةِ الْقِصَاصُ إِنْ كَانَتْ عَمْدًا، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَفِي الْمُوضِحَةِ الْخَطَأِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَفِي الْهَاشِمَةِ الْعُشْرُ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرٌ وَنِصْفٌ، وَفِي الْآمَّةِ الثُّلُثُ، وَكَذَا الْجَائِفَةُ، فَإِذَا نَفَذَتْ فَثُلُثَانِ، وَالشِّجَاجُ يَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَالْجَائِفَةُ بِالْجَوْفِ وَالْجَنْبِ وَالظَّهْرِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ جِرَاحَاتٌ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَحُكُومَةُ الْعَدْلِ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْرُوحُ عَبْدًا سَالِمًا وَسَلِيمًا فَمَا نَقَصَتِ الْجِرَاحَةُ مِنَ الْقِيمَةِ يُعْتَبَرُ مِنَ الدِّيَةِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] مَعَهَا وَلَيْسَ لَهَا حُكْمٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَارِصَةَ وَالدَّامِعَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ غَالِبًا، وَالشَّجَّةُ الَّتِي لَا أَثَرَ لَهَا لَا حُكْمَ لَهَا. قَالَ: (فَفِي الْمُوضِحَةِ الْقِصَاصُ إِنْ كَانَتْ عَمْدًا) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَأَنَّهُ مُمْكِنٌ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُنْهِيَ السِّكِّينَ إِلَى الْعَظْمِ فَتَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ، وَقَدْ قَضَى ﵊ بِالْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ. قَالَ: (وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَلَا يُمْكِنُ إِهْدَارُهَا فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ، قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ خُدُوشٌ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ: فِيمَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ الْقِصَاصُ دُونَ مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيمَا قَبْلَهَا بِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الْجِرَاحَةِ بِمِسْمَارٍ ثُمَّ تُؤْخَذُ حَدِيدَةٌ عَلَى قَدْرِهَا وَيُنْفَذُ فِي اللَّحْمِ إِلَى آخِرِهَا فَيَسْتَوْفِي مِثْلَ مَا فَعَلَ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدَهَا ; لِأَنَّ كَسْرَ الْعَظْمِ وَتَنَقُّلَهُ لَا تُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهِ. قَالَ: (وَفِي الْمُوضِحَةِ الْخَطَأُ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَفِي الْهَاشِمَةِ الْعُشْرُ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرٌ وَنِصْفٌ، وَفِي الْآمَّةِ الثُّلُثُ، وَكَذَا الْجَائِفَةُ، فَإِذَا نَفَذَتْ فَثُلُثَانِ) لِمَا «رَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَتَبَ لَهُ: " وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي الْآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» ، وَقَالَ ﵊: «فِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ حَكَمَ فِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ بِثُلُثَيِ الدِّيَةِ ; لِأَنَّهَا إِذَا نَفَذَتْ فَهِيَ جَائِفَتَانِ. قَالَ: (وَالشِّجَاجُ يَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ) لُغَةً كَالْخَدَّيْنِ وَالذَّقْنِ وَاللَّحْيَيْنِ وَالْجَبْهَةِ. (وَالْجَائِفَةُ بِالْجَوْفِ وَالْجَنْبِ وَالظَّهْرِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ جِرَاحَاتٌ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ) ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ وَلَا مُهْدَرَةٍ فَتَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ. قَالَ: (وَحُكُومَةُ الْعَدْلِ أَنْ يَقُومَ الْمَجْرُوحُ عَبْدًا سَالِمًا وَسَلِيمًا) أَيْ صَحِيحًا وَجَرِيحًا. (فَمَا نَقَصَتِ الْجِرَاحَةُ مِنَ الْقِيمَةِ يُعْتَبَرُ مِنَ الدِّيَةِ) فَإِنْ نَقَصَتْ عُشْرَ الْقِيمَةِ تَجِبُ عُشْرُ الدِّيَةِ وَعَلَى هَذَا، وَأَرَادَ بِالسَّلِيمِ الْجَرِيحَ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِلَدِيغٍ اسْتِعَارَةً؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ وَالْقَيِّمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ لِلْحُرِّ، فَمَا أَوْجَبَتْ نَقْصًا فِي أَحَدِهِمَا اعْتُبِرَ بِالْآخَرِ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يُؤْخَذُ مِقْدَارُهُ مِنَ الشَّجَّةِ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ بِالْحَزْرِ فَيُنْظَرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنَ الْمُوضِحَةِ

стр. 745

وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ دَخَلَ فِيهِ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ كَلَامُهُ لَمْ تَدْخُلْ، وَيَجِبُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ مَعَ ذَلِكَ وَلَا يُقْتَصُّ مِنَ الْمُوضِحَةِ وَالطَّرَفِ حَتَّى تَبْرَأَ، وَلَوْ شَجَّهُ فَالْتَحَمَتْ وَنَبَتَ الشَعْرُ سَقَطَ (س) الْأَرْشُ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَيَجِبُ بِقَدْرِهِ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ. قَالَ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ دَخَلَ فِيهِ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ) ; لِأَنَّ الْعَقْلَ إِذَا فَاتَ فَاتَ مَنْفَعَةُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ فَصَارَ كَمَا إِذَا شَجَّهُ فَمَاتَ، وَأَمَّا الشَّعْرُ فَلِأَنَّ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ لِفَوَاتِ بَعْضِ الشَّعْرِ حَتَّى لَوْ نَبَتَتْ سَقَطَ الْأَرْشُ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ بِفَوَاتِ جَمِيعِ الشَّعْرِ، وَقَدْ تَعَلَّقَا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ فَيَدْخُلُ الْجُزْءُ فِي الْكُلِّ كَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ فَشُلَّتْ يَدُهُ. قَالَ: (وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ كَلَامُهُ لَمْ تَدْخُلْ، وَيَجِبُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ مَعَ ذَلِكَ) لِمَا رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَضَى فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ لَا تَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الْأَعْضَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ بِخِلَافِ الْعَقْلِ فَإِنَّ مَنْفَعَتَهُ تَتَعَدَّى إِلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّجَّةَ تَدْخُلُ فِي دِيَةِ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ دُونَ الْبَصَرِ ; لِأَنَّ السَّمْعَ وَالْكَلَامَ أَمْرٌ بَاطِنٌ فَاعْتَبَرَهُ بِالْعَقْلِ، أَمَّا الْبَصَرُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ. وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَهَابِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَبَقَائِهَا اعْتِرَافُ الْجَانِي أَوْ تَصْدِيقُهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ بِنُكُولِهِ عَنِ الْيَمِينِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَيُعْرَفُ الْبَصَرُ بِأَنْ يَنْظُرَهُ عَدْلَانِ مِنَ الْأَطِبَّاءِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يُعْرَفُ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَسْتَعْلِمُ الْبَصَرَ؛ بِأَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيَّةً يَخْتَبِرُ حَالَهُ بِهَا. وَأَمَّا السَّمْعُ فَيَسْتَغْفِلُ الْمُدَّعِي ذَهَابَ سَمْعِهِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ امْرَأَةً فَادَّعَتْ ذَهَابَ سَمْعِهَا، فَاحْتَكَمَا إِلَى الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ فَتَشَاغَلَ عَنْهَا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: غَطِّي عَوْرَتَكِ فَجَمَعَتْ ذَيْلَهَا فَعَلِمَ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ، وَأَمَّا الْكَلَامُ فَيُعْرَفُ بِأَنْ يُسْتَغْفَلَ حَتَّى يُسْمَعَ كَلَامُهُ أَوَّلًا، وَأَمَّا الشَّمُّ فَيُخْتَبَرُ بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فَإِنْ جَمَعَ مِنْهَا وَجْهُهُ عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ. قَالَ: (وَلَا يُقْتَصُّ مِنَ الْمُوضِحَةِ وَالطَّرَفِ حَتَّى تَبْرَأَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَرَحَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ فَجَاءَ الْأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَطَلَبُوا الْقِصَاصَ فَقَالَ: " انْتَظِرُوا مَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِكُمْ» ، فَأَمَّا الْجِرَاحَةُ الْخَطَأُ فَلَا شُبْهَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا إِنِ اقْتَصَرَتْ فَظَاهِرٌ وَإِنْ سَرَتْ فَقَدْ أَخَذَ بَعْضَ الدِّيَةِ فَيَأْخُذُ الْبَاقِي. قَالَ: (وَلَوْ شَجَّهُ فَالْتَحَمَتْ وَنَبَتَ الشَّعْرُ سَقَطَ الْأَرْشُ) لِزَوَالِ الْمُوجِبِ وَهُوَ الشَّيْنُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ أَرْشُ الْأَلَمِ ; لِأَنَّ الشَّيْنَ وَإِنْ زَالَ فَالْأَلَمُ الْحَاصِلُ مَا زَالَ فَيَقُومُ الْأَلَمُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ.

стр. 746

وَمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَفِيهِ غُرَّةٌ خَمْسُونَ دِينَارًا عَلَى الْعَاقِلَةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ فَفِيهِ دِيَتُهَا وَالْغُرَّةُ، وَإِنْ مَاتَتْ ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَفِيهَا الدِّيَةُ وَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ مَاتَتْ ثُمَّ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَدِيَتَانِ، فَإِنْ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ مَيِّتَيْنِ فَفِيهِمَا غُرَّتَانِ، فَإِنْ أَلْقَتْ أَحَدَهُمَا مَيِّتًا وَالْآخَرَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْمَيِّتِ الْغُرَّةُ وَفِي الْحَيِّ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَتَجِبُ الْغُرَّةُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنِ اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَمْ يَتِمَّ فَفِيهِ الْغُرَّةُ ــ [الاختيار لتعليل المختار] [فصل من ضرب بطن امرأة] فَصْلٌ (وَمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَفِيهِ غُرَّةٌ خَمْسُونَ دِينَارًا عَلَى الْعَاقِلَةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَيَاتُهُ، وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ، لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ بَطْنَ ضَرَّتِهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَحَكَمَ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبَةِ بِالْغُرَّةِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ قِيمَتِهَا خَمْسِمِائَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْ خَمْسِمِائَةٍ» ، وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي الْجَنِينِ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﵊ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبَةِ بِالدِّيَةِ وَبِغُرَّةِ الْجَنِينِ "، رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ وَقَالَ: فَقَامَ عَمُّ الْجَنِينِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُشْعِرَ، وَقَامَ وَالِدُ الضَّارِبَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ أَخُوهَا عِمْرَانُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيُّ - فَقَالَ: كَيْفَ نَدِي مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَدَمُ مِثْلِ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ ﵊: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ فِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ» ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ. قَالَ: (وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَاتِلًا. (وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ فَفِيهِ دِيَتُهَا وَالْغُرَّةُ) لِمَا رُوِّينَا. (وَإِنْ مَاتَتْ ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَفِيهَا الدِّيَةُ وَلَا شَيْءَ فِيهِ) ; لِأَنَّ مَوْتَهَا سَبَبٌ لِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ يَخْتَنِقُ بِمَوْتِهَا فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَتَنَفَّسُ بِنَفَسِهَا وَاحْتَمَلَ مَوْتَهُ بِالضَّرْبَةِ فَلَا تَجِبُ الْغُرَّةُ بِالشَّكِّ. (وَإِنْ مَاتَتْ ثُمَّ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَدِيَتَانِ) لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَيْنِ. (فَإِنْ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ مَيِّتَيْنِ فَفِيهِمَا غُرَّتَانِ) لِأَنَّهُ ﵊ «قَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ» فَيَكُونُ فِي الْجَنِينَيْنِ غُرَّتَانِ، وَلِأَنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَخْصَيْنِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ضَمِنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْكَبِيرَيْنِ. (فَإِنْ أَلْقَتْ أَحَدَهُمَا مَيِّتًا وَالْآخَرَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْمَيِّتِ الْغُرَّةُ وَفِي الْحَيِّ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) اعْتِبَارًا لَهُمَا بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ. (وَتَجِبُ الْغُرَّةُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ) هَكَذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊. (وَإِنِ اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَمْ يَتِمَّ فَفِيهِ الْغُرَّةُ) لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ فَكَانَ كَالْكَامِلِ، وَالنَّبِيُّ ﵊ قَضَى فِي الْجَنِينِ بِالْغُرَّةِ

стр. 747

وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْجَنِينِ، وَمَا يَجِبُ فِيهِ مَوْرُوثٌ عَنْهُ، وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا إِنْ كَانَ ذَكَرًا، وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ أُنْثَى. فَصْلٌ وَمَنْ أَخْرَجَ إِلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ رَوْشَنًا أَوْ مِيزَابًا أَوْ كَنِيفًا أَوْ دُكَّانًا فَلِرَجُلٍ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ أَنْ يَنْتَزِعَهُ، فَإِنْ سَقَطَ عَلَى إِنْسَانٍ فَعَطِبَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ طَرَفُ الْمِيزَابِ الَذِي فِي الْحَائِطِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الْخَارِجُ ضَمِنَ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَلَمْ يَفْصِلْ وَلَمْ يَسْأَلْ. قَالَ: (وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْجَنِينِ) لِأَنَّ الْقَتْلَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ لِجَوَازِ أَنْ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ، وَلِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْغُرَّةِ لَا غَيْرَ، وَالْكَفَّارَاتُ طَرِيقُهَا التَّوْقِيفُ أَوِ الِاتِّفَاقُ. قَالَ: (وَمَا يَجِبُ فِيهِ مَوْرُوثٌ عَنْهُ) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ نَفْسِهِ فَيُورَثُ كَالدِّيَةِ وَلَا يَرِثُ الضَّارِبُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ. قَالَ: (وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا إِنْ كَانَ ذَكَرًا، وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ أُنْثَى) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ خَمْسُمِائَةٍ، وَهِيَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَالدِّيَةُ مِنَ الْحُرَّةِ كَالْقِيمَةِ مِنَ الْعَبْدِ فَيُعْتَبَرُ بِهِ، وَغُرَّةُ الْجَنِينِ فِي مَالِ الضَّارِبِ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ الْعَبِيدَ. وَفِي الْفَتَاوَى: مُعْتَدَّةٌ حَامِلٌ احْتَالَتْ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِإِسْقَاطِ الْحَمْلِ فَعَلَيْهَا الْغُرَّةُ لِلزَّوْجِ وَلَا تَرِثُ مِنْهُ، وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِيهِ. [فصل ضَمَانُ الْإِنْسَانِ فِعْلُهُ] فَصْلٌ (وَمَنْ أَخْرَجَ إِلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ رَوْشَنًا أَوْ مِيزَابًا أَوْ كَنِيفًا أَوْ دُكَّانًا فَلِرَجُلٍ مِنْ عَرْضِ النَّاسِ أَنْ يَنْتَزِعَهُ) لِأَنَّ الْمُرُورَ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ النَّاسِ بِأَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ، فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ كَمَا فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ إِذَا بَنَى فِيهِ أَحَدُهُمْ شَيْئًا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَقْضُهُ كَذَا هَذَا. قَالَ: (فَإِنْ سَقَطَ عَلَى إِنْسَانٍ فَعَطِبَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى التَّلَفِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ بِشَغْلِ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَهَوَاهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ حَقُّ الشَّغْلِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُبَاحًا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وُجِدَتْ مِنْهُ وَهِيَ بَاقِيَةٌ. قَالَ: (وَإِنْ أَصَابَهُ طَرَفُ الْمِيزَابِ الَّذِي فِي الْحَائِطِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي السَّبَبِ ; لِأَنَّ طَرَفَهُ الدَّاخِلُ مَوْضُوعٌ فِي مِلْكِهِ. (وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الْخَارِجُ ضَمِنَ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ.

стр. 748

وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ أَوْ لَا يُعْلَمُ ضَمِنَ نِصْفَ الدِّيَةِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ أَحَدٌ جَازَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَضِرُّ بِهِ أَحَدٌ يُكْرَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ الْغَيْرِ النَافِذِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرِهِمْ، وَلَوْ وَضَعَ جَمْرًا فِي الطَرِيقِ ضَمِنَ مَا أَحْرَقَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِذَا مَالَ حَائِطُ إِنْسَانٍ إِلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ فَطَالَبَهُ بِنَقْضِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَلَمْ يَنْقُضْهُ فِي مُدَّةٍ أَمْكَنَهُ نَقْضُهُ فِيهَا حَتَّى سَقَطَ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] (وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ أَوْ لَا يَعْلَمُ ضَمِنَ نِصْفَ الدِّيَةِ) ؛ لِأَنَّ إِضَافَةَ الْمَوْتِ إِلَى أَحَدِهِمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَيُضَافُ إِلَيْهِمَا. (ثُمَّ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ أَحَدٌ جَازَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقَّ الْمُرُورِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ فَيَجُوزُ. (وَإِنْ كَانَ يَسْتَضِرُّ بِهِ أَحَدٌ يُكْرَهُ) لِأَنَّ الْإِضْرَارَ بِالنَّاسِ حَرَامٌ عَقْلًا وَشَرْعًا. قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ الْغَيْرِ النَّافِذِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرِهِمْ) ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ فَصَارَ كَالدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ السُّكْنَى كَوَضْعِ الْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ نَظَرًا إِلَى الْعَادَةِ. قَالَ: (وَلَوْ وَضَعَ جَمْرًا فِي الطَّرِيقِ ضَمِنَ مَا أَحْرَقَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ) فَإِنْ حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَضْمَنْ مَا أَحْرَقَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمَ رِيحٍ، وَكَذَا صَبُّ الْمَاءِ وَرَبْطُ الدَّابَّةِ وَوَضْعُ الْخَشَبَةِ وَإِلْقَاءُ التُّرَابِ وَاتِّخَاذُ الطِّينِ وَوَضْعُ الْمَتَاعِ، وَكَذَا لَوْ قَعَدَ فِي الطَّرِيقِ لِيَسْتَرِيحَ أَوْ ضَعُفَ عَنِ الْمَشْيِ لِإِعْيَاءٍ أَوْ مَرَضٍ فَعَثَرَ بِهِ أَحَدٌ فَمَاتَ وَجَبَتِ الدِّيَةُ لِمَا قُلْنَا: إِنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي السَّبَبِ فَصَارَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنْ عَثَرَ بِذَلِكَ رَجُلٌ فَوَقَعَ عَلَى آخَرَ وَمَاتَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَاضِعِ لَا عَلَى الْعَاثِرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَدِّي فِي السَّبَبِ دُونَ الْعَاثِرِ، وَإِنْ نَحَّى رَجُلٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَعَطِبَ بِهِ إِنْسَانٌ ضَمِنَ مَنْ نَحَّاهُ وَبَرِئَ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ بِالتَّنْحِيَةِ شَغَلَ مَكَانًا آخَرَ وَأَزَالَ أَثَرَ فِعْلِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ الثَّانِي هُوَ الْجَانِي فَيَضْمَنُ، وَلَوْ رَشَّ الطَّرِيقَ أَوْ تَوَضَّأَ فِيهِ ضَمِنَ. قَالُوا: هَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمَارُّ بِالرَّشِّ بِأَنْ كَانَ أَعْمَى أَوْ لَيْلًا، وَإِنْ عَلِمَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ خَاطَرَ بِرُوحِهِ لَمَّا تَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهِ فَكَانَ مُبَاشِرًا لِلتَّلَفِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُسَبِّبِ، وَكَذَا لَوْ تَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَى الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ الْمَوْضُوعَةِ فَعَثَرَ بِهِ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَاضِعِ، وَقِيلَ: هَذَا إِذَا رَشَّ بَعْضَ الطَّرِيقِ، أَمَّا إِذَا رَشَّ جَمِيعَ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْوَاضِعَ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِي الْمُرُورِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاضِعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلَمْ يَحْرُمْ بِهِ الْمِيرَاثُ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ كَحَافِرِ الْبِئْرِ، وَقَدْ مَرَّ. قَالَ: (وَإِذَا مَالَ حَائِطُ إِنْسَانٍ إِلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ فَطَالَبَهُ بِنَقْضِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَلَمْ يَنْقُضْهُ فِي مُدَّةٍ أَمْكَنَهُ نَقْضُهُ فِيهَا حَتَّى سَقَطَ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَضْمَنَ ; لِأَنَّ الْمَيَلَانَ وَشُغْلَ الْهَوَاءِ لَيْسَ بِفِعْلِهِ فَلَمْ يُبَاشِرِ الْقَتْلَ وَلَا سَبَبَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْهَوَاءَ صَارَ مَشْغُولًا بِحَائِطِهِ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ عَلَى

стр. 749

وَإِنْ بَنَاهُ مَائِلًا ابْتِدَاءً فَسَقَطَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، وَيَضْمَنُ الرَاكِبُ مَا وَطِئَتِ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، وَلَا يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِذَنَبِهَا أَوْ رِجْلِهَا، ــ [الاختيار لتعليل المختار] مَا مَرَّ، فَإِذَا طُولِبَ بِتَفْرِيغِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يُفْرَغْ مَعَ الْإِمْكَانِ صَارَ مُتَعَدِّيًا وَقَبْلَ الطَّلَبِ لَمْ يَصِرْ مُتَعَدِّيًا ; لِأَنَّ الْمَيْلَ حَصَلَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ وَصَارَ كَثَوْبٍ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي حِجْرِهِ فَطَلَبَهُ صَاحِبُهُ بِالرَّدِّ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ مَعَ الْإِمْكَانِ فَهَلَكَ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنِ اشْتَغَلَ بِهَدْمِهِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَبِ فَسَقَطَ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ التَّعَدِّي مِنْ وَقْتِ الطَّلَبِ، وَلَوْ نَقَضَهُ فَعَثَرَ رَجُلٌ بِالنَّقْضِ ضَمِنَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ بِرَفْعِهِ ; لِأَنَّ الطَّرِيقَ صَارَ مَشْغُولًا بِتُرَابِهِ وَنَقْضِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ تَفْرِيغُهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا لَمْ يُطَالَبْ بِرَفْعِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ، وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ خَرَجَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَيُطَالَبُ الْمُشْتَرِي بِالْهَدْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ هَدْمِ الْحَائِطِ، وَالْمُطَالَبَةُ إِنَّمَا تَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْهَدْمِ حَتَّى لَا تَصِحَّ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُوَدِّعِ، وَيَصِحُّ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ فِكَاكِ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ وَالْأُمُّ فِي حَائِطِ الصَّبِيِّ لِقِيَامِ وِلَايَتِهِمْ، وَالضَّمَانِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ ; لِأَنَّ فِعْلَ هَؤُلَاءِ كَفِعْلِهِ. قَالَ: (وَإِنْ بَنَاهُ مَائِلًا ابْتِدَاءً فَسَقَطَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْبِنَاءِ فِي هَوَاءٍ مُشْتَرَكٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَيَضْمَنُ الرَّاكِبُ مَا وَطِئَتِ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا) . اعْلَمْ أَنَّ رُكُوبَ الدَّابَّةِ وَسَيْرَهَا إِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ لَا يَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْ سَيْرِهَا وَحَرَكَاتِهَا إِلَّا الْوَطْءَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَحَافِرِ الْبِئْرِ فِي مِلْكِهِ، إِلَّا أَنَّ الْوَطْءَ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِهِ لِحُصُولِ الْهَلَاكِ بِثِقَلِهِ، وَلِهَذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي الْوَطْءِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ مَرَّ، وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا جَنَتْ دَابَّتُهُ وَاقِفًا كَانَ أَوْ سَائِرًا وَطْئًا وَنَفْحًا وَكَدْمًا ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي السَّبَبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِيقَافُهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَا تَسْيِيرُهَا حَتَّى لَوْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا وَطِئَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ كَدَمَتْ أَوْ صَدَمَتْ أَوْ أَصَابَتْ بِرَأْسِهَا أَوْ خَبَطَتْ. (وَلَا يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِذَنَبِهَا أَوْ رِجْلِهَا) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمُرُورَ فِي الطَّرِيقِ عَامٌّ مُبَاحٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ ; لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا فَكَانَ مُبَاحًا وَفِيهِ حَقُّ الْعَامَّةِ لِكَوْنِهِ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمْ فَقَيَّدْنَاهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ وَمُرَاعَاةً لِلْحَقَّيْنِ، وَالْوَطْءُ وَأَخَوَاتُهُ مِمَّا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ بِمَرْأًى مِنْ عَيْنِهِ فَصَحَّ التَّقْيِيدُ فِيهَا، وَالنَّفْحَةُ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا حَالَةَ السَّيْرِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ خَلْفِهِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالسَّلَامَةِ، فَإِنْ أَوْقَفَهَا ضَمِنَ النَّفْحَةَ أَيْضًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ

стр. 750

وَإِنْ رَاثَتْ فِي الطَرِيقِ وَهِيَ تَسِيرُ أَوْ أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ لَا ضَمَانَ فِيمَا تَلِفَ بِهِ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِهِ ضَمِنَ، وَالْقَائِدُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا دُونَ رِجْلِهَا وَكَذَا السَّائِقُ، وَإِذَا وَطِئَتْ دَابَّةُ الرَاكِبِ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً فَنَخَسَهَا آخَرُ فَأَصَابَتْ رَجُلًا عَلَى الْفَوْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ، وَإِنِ اجْتَمَعَ السَائِقُ وَالْقَائِدُ أَوِ السَّائِقُ وَالرَّاكِبُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، ــ [الاختيار لتعليل المختار] بِأَنْ لَا تَقِفَ. (وَإِنْ رَاثَتْ فِي الطَّرِيقِ وَهِيَ تَسِيرُ أَوْ أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ لَا ضَمَانَ فِيمَا تَلَفَ بِهِ) ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا حَالَةُ السَّيْرِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَوْقَفَهَا لِأَنَّ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ لَا يَرُوثُ حَتَّى يَقِفَ. قَالَ: (وَإِنْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِهِ ضَمِنَ) ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ بِتَرْكِ الْإِيقَافِ، وَالرَّدِيفُ كَالرَّاكِبِ لِأَنَّ السَّيْرَ مُضَافٌ إِلَيْهِمَا، وَبَابُ الْمَسْجِدِ كَالطَّرِيقِ فِي الْإِيقَافِ، فَلَوْ جَعَلَ الْإِمَامُ لِلْمُسْلِمِينَ مَوْضِعًا لِوُقُوفِ الدَّوَابِّ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَلَا ضَمَانَ فِيمَا حَدَثَ بَيْنَ الْوُقُوفِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مِنْ وُقُوفِ الدَّابَّةِ فِي سُوقِ الدَّوَابِّ ; لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، وَكَذَلِكَ الْفَلَاةُ وَطَرِيقُ مَكَّةَ إِذَا وَقَفَ فِي غَيْرِ الْمَحَجَّةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْإِذْنِ. أَمَّا الْمَحَجَّةُ فَهِيَ كَالطَّرِيقِ. قَالَ: (وَالْقَائِدُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ يَدَهَا دُونَ رِجْلِهَا، وَكَذَلِكَ السَّائِقُ) مَرْوِيُّ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ النَّفْحَةَ، أَمَّا الْقَائِدُ فَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْوَطْءِ دُونَ النَّفْحَةِ كَالرَّاكِبِ، وَأَمَّا السَّائِقُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ مِنَ الْوَطْءِ أَيْضًا، وَأَمَّا النَّفْحَةُ قِيلَ: لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، إِذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا مِنَ النَّفْحِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ لِأَنَّ النَّفْحَةَ تَبِينُ مِنْ عَيْنِهِ فَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ بِإِبْعَادِ النَّاسِ عَنْهَا وَالتَّحْذِيرِ، وَلَا كَذَلِكَ الْقَائِدُ، وَقَائِدُ الْقِطَارِ فِي الطَّرِيقِ يَضْمَنُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَبْطَهُ وَصِيَانَتَهُ عَنِ الْوَطْءِ وَالصَّدْمَةِ. قَالَ: (وَإِذَا وَطِئَتْ دَابَّةٌ الرَّاكِبَ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الْجِنَايَاتِ. قَالَ: (وَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً فَنَخَسَهَا آخَرُ فَأَصَابَتْ رَجُلًا عَلَى الْفَوْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ) ; لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الدَّابَّةِ النَّفْحَةُ وَالْوَثْبَةُ عِنْدَ النَّخْسِ فَكَانَ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَالرَّاكِبُ مُضْطَرٌّ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَصِرْ سَيْرُهَا مُضَافًا إِلَيْهِ فَصَارَ النَّاخِسُ هُوَ الْمُسَبِّبُ، وَلَوْ سَقَطَ الرَّاكِبُ فَمَاتَ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ قَتَلَتِ الدَّابَّةُ النَّاخِسَ فَهُوَ هَدَرٌ كَحَافِرِ الْبِئْرِ إِذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ، وَلَوْ أَمَرَهُ الرَّاكِبُ بِالنَّخْسِ ضَمِنَ الرَّاكِبُ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ أَمْرُهُ فَصَارَ الْفِعْلُ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَلَوْ نَفَرَتْ مِنْ حَجَرٍ وَضَعَهُ رَجُلٌ فِي الطَّرِيقِ، فَالْوَاضِعُ كَالنَّاخِسِ ضَامِنٌ لِأَنَّ الْوَضْعَ سَبَبٌ لِنُفُورِ الدَّابَّةِ أَوْ وَثْبَتِهَا كَالنَّخْسَةِ. قَالَ: (وَإِنِ اجْتَمَعَ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ أَوِ السَّائِقُ وَالرَّاكِبُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا) ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا سَائِقٌ لِلْكُلِّ، وَالْآخَرُ قَائِدٌ لِلْكُلِّ بِحُكْمِ الِاتِّصَالِ، وَقِيلَ: الضَّمَانُ عَلَى

стр. 751

وَإِذَا اصْطَدَمَ فَارِسَانِ أَوْ مَاشِيَانِ فَمَاتَا فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ، وَلَوْ تَجَاذَبَا حَبْلًا فَانْقَطَعَ وَمَاتَا فَإِنْ وَقَعَا عَلَى ظَهْرَيْهِمَا فَهُمَا هَدَرٌ، وَإِنْ سَقَطَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةُ الْآخَرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فَدِيَةُ الْوَاقِعِ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَاقِعِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَهُدِرَ دَمُ الَذِي وَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنْ قَطَعَ آخَرُ الْحَبْلَ فَمَاتَا فَدِيَتُهُمَا عَلَى عَاقِلَتِهِ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] الرَّاكِبِ ; لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا وَالسَّائِقُ مُسَبِّبٌ وَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمُبَاشِرِ أَوْلَى، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إِنْ كَانَ الْهَالِكُ آدَمِيًّا فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ تَخْفِيفًا عَلَى الْقَاتِلِ مَخَافَةَ اسْتِئْصَالِهَا لَهُ، وَهَذَا دُونَ الْخَطَأِ فِي الْجِنَايَةِ فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّخْفِيفِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ آدَمِيٍّ كَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ فَفِي مَالِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ الْأَمْوَالَ. قَالَ: (وَإِذَا اصْطَدَمَ فَارِسَانِ أَوْ مَاشِيَانِ فَمَاتَا فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) ; لِأَنَّ قَتْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مُضَافٌ إِلَى فِعْلِ الْآخَرِ لَا إِلَى فِعْلِهِمَا ; لِأَنَّ الْقَتْلَ يُضَافُ إِلَى سَبَبٍ مَحْظُورٍ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الْمَشْيُ فِي الطَّرِيقِ مُبَاحٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مَحْظُورٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ إِذْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ فِعْلِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مُبَاحًا فَيُضَافُ قَتْلُهُ كُلُّهُ إِلَى فِعْلِ الْآخَرِ لِكَوْنِهِ مَحْظُورًا فِي حَقِّهِ وَصَارَ كَالْمَاشِي مَعَ الْحَافِرِ، فَإِنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا وَهُوَ الْحَفْرُ وَالْمَشْيُ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ التَّلَفَ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى فِعْلِ الْحَافِرِ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ لَا إِلَى فِعْلِ الْمَاشِي؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ، وَلَوْ كَانَا عَامِدَيْنِ فِي الِاصْطِدَامِ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْظُورٌ فَأُضِيفَ التَّلَفُ إِلَى فِعْلِهِمَا، وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ فَهُمَا هَدَرٌ. أَمَّا فِي الْخَطَأِ فَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَفْعًا أَوْ فِدَاءً وَقَدْ فَاتَ بِغَيْرِ فِعْلِ الْمَوْلَى لَا إِلَى بَدَلٍ فَسَقَطَ ضَرُورَةً، وَأَمَّا الْعَمْدُ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَلَكَ بَعْدَ مَا جَنَى فَسَقَطَ الْقِصَاصُ. فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ رَجُلٌ سَارٍ عَلَى دَابَّةٍ فَجَاءَ رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِهِ فَصَدَمَهُ فَعَطِبَ الْمُؤَخَّرُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُقَدَّمِ، وَإِنْ عَطِبَ الْمُقَدَّمُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُؤَخَّرِ، وَكَذَا فِي السَّفِينَتَيْنِ. وَلَوْ كَانَا دَابَّتَيْنِ وَعَلَيْهِمَا رَاكِبَانِ قَدِ اسْتَقْبَلَتَا وَاصْطَدَمَتَا فَعَطِبَتْ إِحْدَاهُمَا فَالضَّمَانُ عَلَى الْآخَرِ. قَالَ: (وَلَوْ تَجَاذَبَا حَبْلًا فَانْقَطَعَ وَمَاتَا، فَإِنْ وَقَعَا عَلَى ظَهْرَيْهِمَا فَهُمَا هَدَرٌ) ; لِأَنَّ مَوْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُضَافٌ إِلَى فِعْلِهِ وَقُوَّةِ نَفْسِهِ لَا قُوَّةِ صَاحِبِهِ. (وَإِنْ سَقَطَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةُ الْآخَرِ) ; لِأَنَّهُ سَقَطَ بِقُوَّةِ صَاحِبِهِ وَجَذْبِهِ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِدْيَةُ الْوَاقِعِ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَاقِعِ عَلَى ظَهْرِهِ) ; لِأَنَّهُ مَاتَ بِقُوَّةِ صَاحِبِهِ. (وَهُدِرَ دَمُ الَّذِي وَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ) ; لِأَنَّهُ مَاتَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ. (وَإِنْ قَطَعَ آخَرُ الْحَبْلَ فَمَاتَا فَدِيَتُهُمَا عَلَى عَاقِلَتِهِ) ; لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى فِعْلِهِ وَهُوَ الْقَطْعُ فَكَانَ مُسَبِّبًا.

стр. 752

فَصْلٌ إِذَا جَنَى الْعَبْدُ خَطَأً فَمَوْلَاهُ إِمَّا أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكُهُ أَوْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِهَا، وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَإِنْ جَنَى جِنَايَتَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِمَا يَقْتَسِمَانِهِ بِقَدْرِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِهِمَا، ــ [الاختيار لتعليل المختار] [فصل جِنَايَةُ الْعَبْدِ] فَصْلٌ (إِذَا جَنَى الْعَبْدُ خَطَأً فَمَوْلَاهُ إِمَّا أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكُهُ أَوْ يَفْدِيهِ بِأَرْشِهَا) وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ فِي النَّفْسِ أَوْ فِيمَا دُونَهَا قَلَّ أَرْشُهَا أَوْ كَثُرَ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا جَنَى الْعَبْدُ فَمَوْلَاهُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ دَفَعَهُ وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ. وَعَنْ عُمَرَ ﵁: عَبِيدُ النَّاسِ أَمْوَالُهُمْ وَجِنَايَتُهُمْ فِي رَقَبَتِهِمْ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنَ الرَّقَبَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِهَا الْجِنَايَةُ كَجِنَايَةِ الْعَمْدِ. وَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ، فَإِذَا خَلَّى الْمَوْلَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ كَمَا فِي الْعَمْدِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا خُوطِبَ بِالْجِنَايَةِ لِأَجْلِ مِلْكِهِ، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُ زَالَتِ الْمُطَالَبَةُ كَالْوَارِثِ إِذَا خَلَّى بَيْنَ التَّرِكَةِ وَبَيْنَ أَرْبَابِ الدُّيُونِ، فَإِذَا اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَحَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي الْأَرْشِ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ سَقَطَ حَقُّهُ، إِلَّا أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ حَتَّى يَسْقُطَ مُوجِبُ الْجِنَايَةِ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، إِلَّا أَنَّ لَهُ حَقَّ الْفِدَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا كَدَفْعِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ. وَلَوِ اخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ فَالْفِدَاءُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ بِالِاخْتِيَارِ انْتَقَلَ الْحَقُّ مِنَ الرَّقَبَةِ إِلَى الذِّمَّةِ فَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ كَغَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ، وَلَيْسَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ كَدَيْنِهِ فِي تَعَلُّقِهِ بِرَقَبَتِهِ ; لِأَنَّ جِنَايَةَ الْحُرِّ الْخَطَأَ يُطَالَبُ بِهَا غَيْرُهُ وَهُمُ الْعَاقِلَةُ، وَدُيُونَهُ لَا يُطَالَبُ بِهَا غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ جِنَايَتُهُ الْخَطَأُ يُطَالِبُ بِهَا غَيْرُهُ وَهُوَ الْمَوْلَى، وَدُيُونُهُ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَا يُطَالِبُ بِهَا غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ بِالدَّفْعِ لِأَنَّهُ عِوَضُ جِنَايَتِهِ فَيَمْلِكُهُ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى ثَانِيًا وَثَالِثًا) مَعْنَاهُ إِذَا جَنَى بَعْدَ الْفِدَاءِ مِنَ الْأُولَى يُخَيَّرُ الْمَوْلَى كَالْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَدَاهُ فَقَدْ طَهَرَ عَنِ الْجِنَايَةِ وَصَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ فَهَذِهِ تَكُونُ جِنَايَةً مُبْتَدَأَةً، وَكَذَا الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَغَيْرُهَا. قَالَ: (وَإِنْ جَنَى جِنَايَتَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِمَا يَقْتَسِمَانِهِ بِقَدْرِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ أَوْ يَفْدِيِهِ بِأَرْشِهِمَا) وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى جَمَاعَةٍ إِمَّا أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِمْ يَقْتَسِمُونَهُ بِالْحِصَصِ، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِجَمِيعِ أَرْشِهِمْ ; لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ مِثْلِهَا كَمَا فِي الدُّيُونِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى لَمْ يَمْنَعْ تَعَلُّقَ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ، فَحَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ

стр. 753

وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الْأَرْشِ، وَبَعْدَ الْعِلْمِ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْأَرْشِ، وَفِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِمَا وَمِنَ الْأَرْشِ، وَإِنْ عَادَ فَجَنَى وَقَدْ دَفَعَ الْقِيمَةَ بِقَضَاءٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيُشَارِكُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ الْأَوَّلَ فِيمَا أَخَذَ، وَإِنْ دَفَعَ الْمَوْلَى الْقِيمَةَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، فَإِنْ شَاءَ الثَّانِي شَارَكَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ (سم) الْمَوْلَى، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْأَوَّلِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] الْأُولَى أَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ. قَالَ: (وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الْأَرْشِ وَبَعْدَ الْعِلْمِ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْأَرْشِ) لِأَنَّ حَقَّهُ فِي أَحَدِهِمَا، فَفِي الْأُولَى خِيَارُهُ بَاقٍ فَيَخْتَارُ الْأَقَلَّ، وَفِي الثَّانِيَةِ لِمَا عَلِمَ فَقَدِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ؛ لِأَنَّ بِالْعِتْقِ امْتَنَعَ الدَّفْعُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَالْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ ; لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الدَّفْعَ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ مِنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَانَ اخْتِيَارًا، وَلَوْ وَهَبَهُ لَا لَأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَقَدْ وُجِدَ فِي الْهِبَةِ دُونَ الْبَيْعِ. قَالَ: (وَفِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِمَا وَمِنَ الْأَرْشِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَضَى بِجِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ عَلَى مَوْلَاهُ وَهُوَ أَمِيرُ الشَّامِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلِأَنَّ الْمَوْلَى صَارَ مَانِعًا مِنْ تَسْلِيمِهِ فِي الْجِنَايَةِ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ لِلْفِدَاءِ فَصَارَ كَمَا إِذَا دَبَّرَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْأَقَلُّ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ إِنْ كَانَ أَقَلَّ فَلَا حَقَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ غَيْرَ الْأَرْشِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَلَمْ يَتْلَفْ بِالتَّدْبِيرِ إِلَّا الرَّقَبَةُ. قَالَ: (وَإِنْ عَادَ فَجَنَى وَقَدْ دَفَعَ الْقِيمَةَ بِقَضَاءٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيُشَارِكُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ الْأَوَّلَ فِيمَا أَخَذَ) لِأَنَّ جِنَايَاتِ الْمُدَبَّرِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ لَا تُوجِبُ إِلَّا قِيمَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ إِلَّا رَقَبَةً وَاحِدَةً وَالضَّمَانُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ دَبَّرَهُ بَعْدَ الْجِنَايَاتِ، وَلِأَنَّ دَفْعَ الْقِيمَةِ كَدَفْعِ الْعَبْدِ، وَدَفْعَ الْعَبْدِ لَا يَتَكَرَّرُ فَكَذَا الْقِيمَةُ، وَيَتَضَارَبُونَ بِالْحِصَصِ فِي الْقِيمَةِ كَمَا مَرَّ. قَالَ: (وَإِنْ دَفَعَ الْمَوْلَى الْقِيمَةَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، فَإِنْ شَاءَ الثَّانِي شَارَكَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْمَوْلَى، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْأَوَّلِ) وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَى الْمَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ لَمْ تَكُنِ الْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ مَوْجُودَةً فَقَدْ دَفَعَ الْحَقَّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ وَصَارَ كَمَا إِذَا دَفَعَهُ بِقَضَاءٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجِنَايَاتِ اسْتَنَدَ ضَمَانُهَا إِلَى التَّدْبِيرِ الَّذِي صَارَ الْمَوْلَى بِهِ مَانِعًا، فَكَأَنَّهُ دَبَّرَ بَعْدَ الْجِنَايَاتِ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّ جَمَاعَتِهِمْ بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا دَفَعَهَا بِقَضَاءٍ فَقَدْ زَالَتْ يَدُهُ عَنْهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا، وَإِنْ دَفَعَهَا بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَقَدْ سَلَّمَ إِلَى الْأَوَّلِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الثَّانِي، فَلِلثَّانِي أَنْ يَضْمَنَ أَيَّهُمَا شَاءَ الْمَوْلَى ; لِأَنَّهُ جَنَى بِالدَّفْعِ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، وَالْأَوَّلُ لِأَنَّهُ قَبَضَ حَقَّهُ ظُلْمًا وَصَارَ كَالْوَصِيِّ إِذَا صَرَفَ التَّرِكَةَ إِلَى الْغُرَمَاءِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ، فَإِنْ دَفَعَهُ بِقَضَاءٍ شَارَكَ الْغَرِيمُ الْآخَرُ الْغُرَمَاءَ فِيمَا قَبَضُوهُ، وَإِنْ دَفَعَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ،

стр. 754

وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَا يُزَادُ (س) عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إِلَّا عَشَرَةٌ، وَلِلْأَمَةِ خَمْسَةُ آلَافٍ إِلَّا عَشَرَةً، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] إِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْوَصِيِّ، وَإِنْ شَاءَ شَارَكَ الْغُرَمَاءَ كَذَا هَذَا، فَإِنِ اتَّبَعَ الْمَوْلَى رَجَعَ الْمَوْلَى عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ إِلَيْهِ غَيْرَ حَقِّهِ، وَإِنْ شَارَكَ الْأَوَّلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ; لِأَنَّ الْحَاصِلَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمَ جَنَى عَلَيْهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّدْبِيرُ لِأَنَّ الْمَوْلَى صَارَ مَانِعًا مِنْ تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ بِالتَّدْبِيرِ السَّابِقِ فَكَأَنَّهُ جَنَى ثُمَّ دَبَّرَهُ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ حِينَئِذٍ. مِثَالُهُ: قَتَلَ قَتِيلًا خَطَأً وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَازْدَادَتْ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ فَوَلِيَ الْجِنَايَةَ الثَّانِيَةَ يَأْخُذُ مِنَ الْمَوْلَى خَمْسَمِائَةٍ، فَضْلُ الْقِيمَةِ تُحْسَبُ عَلَيْهِ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَتُقْسَمُ الْأَلْفُ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ جُزْءًا ; لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ الْأُولَى لَا حَقَّ لِوَلِيِّهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ وَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ فِي الذِّمَّةِ فَيَنْفَرِدُ بِهَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ فَيَبْقَى لَهُ مِنَ الدِّيَةِ تِسْعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ وَلِلْأَوَّلِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ عَشَرَةُ آلَافٍ، فَاجْعَلْ كُلَّ خَمْسِمِائَةٍ بَيْنَهُمَا لِلْأَوَّلِ عِشْرُونَ وَلِلثَّانِي تِسْعَةَ عَشَرَ فَاقْسِمِ الْأَلْفَ كَذَلِكَ. وَلَوْ جَنَى الْمُدَبَّرُ خَطَأً ثُمَّ مَاتَ عَقِيبَهَا بِلَا فَصْلٍ لَمْ تَبْطُلِ الْقِيمَةُ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ عَقِيبَ الْجِنَايَةِ، فَبَقَاءُ الرَّقَبَةِ وَتَلَفُهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَمِيَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لَا يَنْقُصُ شَيْءٌ مِنَ الْقِيمَةِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُدَبَّرَ الْمَوْلَى وَقَدْ جَنَى جِنَايَاتٍ لَمْ تَلْزَمْهُ إِلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْمَنْعِ بِالتَّدْبِيرِ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ بَعْدَهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ. وَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَبَّرُ بِجِنَايَةٍ خَطَأٍ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ وَلَا يَلْزَمْهُ شَيْءٌ عَتَقَ أَوْ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لِمَوْلَاهُ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى الْمَوْلَى لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ. قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَا يُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إِلَّا عَشَرَةٌ، وَلِلْأَمَةِ خَمْسَةُ آلَافٍ إِلَّا عَشَرَةً، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ تَجِبُ قِيمَتُهُ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى الْمَالِ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ كَالْبَهَائِمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلْمَوْلَى، وَالْمَوْلَى إِنَّمَا يَمْلِكُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةِ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ بَدَلَ الْمَالِيَّةِ. وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ مِثْلَ قَوْلِهِ. وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] مُطْلَقًا، وَالدِّيَةُ اسْمٌ لِلْوَاجِبِ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى نَفْسِ آدَمِيٍّ فَلَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي فِي الْعَبْدِ مَوْجُودَةٌ فِي الْحُرِّ، وَفِي زِيَادَةِ الْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الدِّيَةِ فَلِأَنْ لَا يَجِبُ فِي الْعَبْدِ مَعَ نُقْصَانِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ حَتَّى كَانَ مُكَلَّفًا، وَفِيهِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذِّرٌ، وَالْآدَمِيَّةُ أَعْلَى فَتُعْتَبَرُ، وَيَسْقُطُ الْأَدْنَى بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مَحْضٌ، وَبِخِلَافِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ إِنَّمَا يُرَدُّ عَلَى الْمَالِ فَكَانَ الْوَاجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ

стр. 755

وَمَا هُوَ مُقَدَّرٌ مِنَ الدِّيَةِ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ. بَابُ الْقَسَامَةِ الْقَتِيلُ: كُلُّ مَيِّتٍ بِهِ أَثَرٌ، فَإِذَا وُجِدَ فِي مَحِلَّةٍ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ وَادَّعَى وَلِيُّهُ الْقَتْلَ عَلَى أَهْلِهَا أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَخْتَارُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا، ثُمَّ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحِلَّةِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] مِثْلَ مَذْهَبِهِمَا. وَأَمَّا قَلِيلُ الْقِيمَةِ فَالْوَاجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ فَقَدَّرْنَاهُ بِقِيمَتِهِ رَأْيًا إِذْ هُوَ الْأَعْدَلُ، وَفِي كَثِيرِ الْقِيمَةِ نَصٌّ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحُرِّ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، إِلَّا أَنَّا نَقَصْنَا دِيَةَ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَانْحِطَاطًا لِرُتْبَةِ الْعَبْدِ عَنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ بِعَشَرَةٍ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَلِأَنَّهُ أَقَلُّ مَالٍ لَهُ خَطَرٌ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ بِهِ تُسْتَبَاحُ الْفُرُوجُ وَالْأَيْدِي فَقَدَّرْنَاهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ عَلَى الْخِلَافِ وَالتَّعْلِيلِ فِي كَثِيرِ الْقِيمَةِ وَقَلِيلِهَا. قَالَ: (وَمَا هُوَ مُقَدَّرٌ مِنَ الدِّيَةِ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ) فَفِي يَدِ الْعَبْدِ خَمْسَةُ آلَافٍ إِلَّا خَمْسَةً إِذَا كَانَ كَثِيرَ الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي نَفْسِهِ عَشَرَةُ آلَافٍ إِلَّا عَشَرَةً، وَالْيَدُ نِصْفُ الْآدَمِيِّ فَيَجِبُ نِصْفُ مَا فِي النَّفْسِ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ. [بَابُ الْقَسَامَةِ] ِ وَهِيَ مَصْدَرُ أَقْسَمَ يُقْسِمُ قَسَامَةً، وَهِيَ الْأَيْمَانُ، وَخُصَّ هَذَا الْبَابُ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْأَيْمَانِ فِي الدِّمَاءِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَحَادِيثِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ. قَالَ: (الْقَتِيلُ: كُلُّ مَيِّتٍ بِهِ أَثَرٌ) أَيْ أَثَرُ الْقَتْلِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلَيْسَ بِقَتِيلٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ يَمِينٌ وَلَا ضَمَانٌ، وَأَثَرُ الْقَتْلِ جُرْحٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ ; لِأَنَّ الدَّمَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَادَةً إِلَّا بِفِعْلٍ، أَمَّا إِذَا خَرَجَ مِنْ فَمِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ فَلَيْسَ بِقَتِيلٍ ; لِأَنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ عَادَةً، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَتِيلَ مَنْ فَاتَتْ حَيَاتُهُ بِسَبَبٍ يُبَاشِرُهُ غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ عُرْفًا، فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ قَتِيلٌ. (فَإِذَا وُجِدَ فِي مَحِلَّةٍ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ) لِأَنَّهُ إِذَا عُرِفَ قَاتِلُهُ لَا قَسَامَةَ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ (وَادَّعَى وَلِيُّهُ الْقَتْلَ عَلَى أَهْلِهَا أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَخْتَارُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَاهُ، وَإِذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقَسَمِ، فَإِذَا ادَّعَى وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ وَجَبَتِ الْيَمِينُ فَيَخْتَارُ خَمْسِينَ رَجُلًا. (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا، ثُمَّ يَقْضِي بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحِلَّةِ) أَيْ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ

стр. 756

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَجَدَ قَتِيلًا فِي قَلِيبٍ فِي خَيْبَرَ فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَمَّاهُ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ ﵊: الْكُبْرَ الْكُبْرَ، فَتَكَلَّمَ الْكَبِيرُ مِنْ عَمَّيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا وَجَدْنَا عَبْدَ اللَّهِ قَتِيلًا فِي قَلِيبٍ مِنْ قُلُبِ خَيْبَرَ، فَقَالَ ﵊: تُبَرِّئُكُمُ الْيَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا يَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ وَهُمْ مُشْرِكُونَ؟ فَقَالَ: فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ؟ قَالُوا: كَيْفَ نُقْسِمُ عَلَى مَا لَمْ نَرَهُ؟ فَوَدَّاهُ ﵊ مِنْ عِنْدِهِ» وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «أَنَّ الْقَسَامَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَتِيلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وُجِدَّ فِي جُبِّ الْيَهُودِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ إِلَى الْيَهُودِ وَكَلَّفَهُمْ قَسَامَةَ خَمْسِينَ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ لَهُ: نَحْلِفُ، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارُ: لَنْ نَحْلِفَ، فَأَلْزَمَ الْيَهُودَ دِيَتَهُ لِأَنَّهُ قُتِلَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ» ، وَرُوِيَ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَجَدْتُ أَخِي قَتِيلًا فِي بَنِي فُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: اجْمَعْ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلُوهُ وَلَا عَلِمُوا لَهُ قَاتِلًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي مِنْ أَخِي إِلَّا هَذَا؟ قَالَ: بَلَى مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى وُجُوبِ الْأَيْمَانِ وَالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحِلَّةِ، وَتَرَدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ الْبَدَاءَةِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْمَحِلَّةِ يَلْزَمُهُمْ نُصْرَةُ مَحِلَّتِهِمْ وَحِفْظُهَا وَصِيَانَتُهَا عَنِ النَّوَائِبِ وَالْقَتْلِ، وَصَوْنِ الدَّمِ الْمَعْصُومِ عَنِ السَّفْكِ وَالْهَدْرِ، فَالشَّرْعُ أَلْحَقَهُمْ بِالْقَتَلَةِ لِتَرْكِ صِيَانَةِ الْمَحِلَّةِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الدِّيَةِ صَوْنًا لِلْآدَمِيِّ الْمُحْتَرَمِ الْمَعْصُومِ عَنِ الْإِهْدَارِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا قُتِلَ بِظَهْرِهِمْ فَصَارُوا كَالْعَاقِلَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ لِلْأَنْصَارِ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ» فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ لِمَا قَالُوا: لَا نَرْضَى بِيَمِينِ الْيَهُودِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِيهِ النُّونُ، وَلَوْ كَانَ أَمْرًا لَقَالَ: احْلِفُوا تَسْتَحِقُّوا دَمَ صَاحِبِكُمْ، وَمَا رُوِيَ: «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ» فَمَعْنَاهُ أَتَحْلِفُونَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] أَيْ أَتُرِيدُونَ، وَلِأَنَّ الْبَدَاءَةَ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] الْآيَةَ، وَيَخْتَارُ الْوَلِيُّ خَمْسِينَ رَجُلًا لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ فَيَخْتَارُ مَنْ يُظْهِرُ حَقَّهُ بِاخْتِيَارِهِ، أَمَّا مَنِ اتَّهَمَهُ بِالْقَتْلِ أَوِ الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ لِيَحْتَرِزُوا عَنِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَيَظْهَرُ الْقَاتِلُ، فَإِذَا حَلَفُوا قُضِيَ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ لِمَا رُوِّينَا،

стр. 757

وَكَذَلِكَ إِنْ وُجِدَ بَدَنُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَوْ نِصْفُهُ مَعَ الرَّأْسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَمْسُونَ كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ لِتَتِمَّ خَمْسِينَ، وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَسَوَاءٌ ادَّعَى الْقَتْلَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَحِلَّةِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ مُعَيَّنِينَ أَوْ مَجْهُولِينَ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إِذَا ادَّعَى عَلَى بَعْضٍ بِأَعْيَانِهِمْ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَنِ الْبَاقِينَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً كَسَائِرِ الدَّعَاوِي. قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ وُجِدَ بَدَنُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَوْ نِصْفُهُ مَعَ الرَّأْسِ) لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْبَدَنِ، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيِّ، وَإِنْ وُجِدَ نِصْفُهُ مَشْقُوقًا بِالطُّولِ أَوْ أَقَلُّ مِنَ النِّصْفِ وَمَعَهُ الرَّأْسُ، أَوْ وُجِدَ رَأْسُهُ أَوْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ أَوْ عُضْوٌ مِنْهُ آخَرُ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ ; لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْبَدَنِ وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ لَوَجَبَتْ، لَوْ وُجِدَ عُضْوٌ آخَرُ أَوِ النِّصْفُ الْآخَرُ فَتَتَكَرَّرُ الْقَسَامَةُ أَوِ الدِّيَةُ بِسَبَبِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ نَصٌّ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَمْسُونَ كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ لِتَتِمَّ خَمْسِينَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ بَيْنَ حَيَّيْنِ بِالْيَمَنِ وَادِعَةَ وَأَرْحَبَ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ قِسْ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ فَأَيُّهُمْ كَانَ أَقْرَبَ فَأَلْزِمْهُمْ، فَكَانَ إِلَى وَادِعَةَ فَأَتَوْا عُمَرَ ﵁ وَكَانُوا تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا فَأَحْلَفَهُمْ وَأَعَادَ الْيَمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ حَتَّى تَمُّوا خَمْسِينَ ثُمَّ أَلْزَمَهُمُ الدِّيَةَ، فَقَالُوا: نُعْطِي أَمْوَالَنَا وَأَيْمَانَنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ فِيمَ يُطَلُّ دَمُ هَذَا؟ قَالَ: (وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الْقَسَامَةِ نَفْسُ الْحَقِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدِّيَةِ؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ حِينَ قَالُوا: نَبْذُلُ أَمْوَالَنَا وَأَيْمَانَنَا، أَمَا تُجْزِئُ هَذِهِ عَنْ هَذِهِ؟ قَالَ لَا، وَإِذَا كَانَتْ نَفْسَ الْحَقِّ يُحْبَسُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ، بِخِلَافِ الِامْتِنَاعِ عَنِ الْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ فِيهَا بَدَلٌ عَنِ الْحَقِّ حَتَّى يَسْقُطَ بِبَذْلِ الْمُدَّعِي، فَإِذَا نَكَّلَ لَزِمَهُ الْمَالُ وَهُوَ حَقُّهُ، فَلَا مَعْنَى لِلْحَبْسِ بِمَا لَيْسَ بِحَقٍّ. أَمَّا هُنَا لَا يَسْقُطُ الْيَمِينُ بِبَذْلِ الدِّيَةِ وَكَانَ الْحَبْسُ بِحَقٍّ فَافْتَرَقَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ بِالنُّكُولِ كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ. قَالَ: (وَلَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ) لِأَنَّ الْيَمِينَ شُرِعَتْ لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَوْجَبَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ لِلدَّفْعِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: «وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ» ، وَالْوَلِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يَشْرَعُ فِي حَقِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ الْمَالَ الْمُبْتَذَلَ الْمُهَانَ، فَلَأَنْ لَا تَسْتَحِقَّ النَّفْسُ الْمُحْتَرَمَةُ أَوْلَى.

стр. 758

وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا امْرَأَةٌ، وَإِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ (سم) عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا إِنْسَانٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ السَّائِقِ وَكَذَا الْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ إِنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ (س) إِنْ كَانُوا حُضُورًا، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونٌ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. (وَلَا عَبْدٌ وَلَا امْرَأَةٌ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِهَا. قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَلْزَمُ بِالدَّعْوَى وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ وَلَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِلَّا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ كَسَائِرِ الدَّعَاوِي فَإِنْ حَلِفَهُ بَرِئَ وَإِنْ نَكَّلَ فَعَلَى خِلَافٍ مَرَّ فِي الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَعَيَّنُوا لِلْخُصُومَةِ حَيْثُ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِيهِمْ فَصَارُوا كَالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ، وَالْوَصِيُّ إِذَا شَهِدَ بَعْدَ الْعَزْلِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْوَصِيَّةِ، وَلِأَنَّهُمْ مُتَّهَمُونَ فِي شَهَادَتِهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ. وَقَالَا: تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ فَلَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ. قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا إِنْسَانٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ السَّائِقِ) لِأَنَّ الدَّابَّةَ فِي يَدِهِ فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ فِي دَارِهِ. (وَكَذَا الْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ) وَلَوِ اجْتَمَعُوا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ لِأَنَّ الدَّابَّةَ فِي أَيْدِيهِمْ. قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ إِنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ إِنْ كَانُوا حُضُورًا) . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَخَصُّ بِالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ فَصَارَ كَأَهْلِ الْمَحِلَّةِ لَا يُشَارِكُهُمْ فِي الْقَسَامَةِ غَيْرُهُمْ. وَلَهُمَا أَنَّ بِالْحُضُورِ تَلْزَمُهُمْ نُصْرَةُ الْبُقْعَةِ كَصَاحِبِ الدَّارِ فَيُشَارِكُونَهُ فِي الْقَسَامَةِ. (وَإِنْ كَانُوا غَيْبًا كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ نِصْفُهَا لِرَجُلٍ وَعُشْرُهَا لِآخَرَ وَسُدُسُهَا لِآخَرَ وَالْبَاقِي لِآخَرَ فَالْقَسَامَةُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي التَّدْبِيرِ فَكَانُوا فِي الْحِفْظِ سَوَاءً، وَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَطَّ لَهُمُ الْإِمَامُ عِنْدَ فَتْحِهَا وَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمُ الْمُشْتَرُونَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَشْتَرِكُ الْكُلُّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِتَرْكِ الْحِفْظِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَالْوِلَايَةُ بِالْمِلْكِ، فَيَسْتَوِي أَهْلُ الْخُطَّةِ وَالْمُشْتَرُونَ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْمِلْكِ. وَلَهُمَا أَنَّ أَهْلَ الْخُطَّةِ أَخَصُّ بِنُصْرَةِ الْبُقْعَةِ، وَالْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَخَصِّ فَكَانَ الْمُشْتَرِي مَعَهُمْ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ تَعَلَّقَ فِي الْأَصْلِ بِأَهْلِ الْخُطَّةِ فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُمْ كَمَوَالِي الْأَبِ إِذَا لَزِمَهُمُ الْعَقْلُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى مَوَالِي الْأُمِّ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَقِيلَ بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ شَاهَدَ الْكُوفَةَ وَأَهْلُ الْخُطَّةِ كَانُوا يُدَبِّرُونَ أَمْرَ الْمَحِلَّةِ وَيَنْصُرُونَهَا دُونَ الْمُشْتَرِي، فَبَنَى الْأَمْرَ

стр. 759

وَإِنْ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا إِذَا كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، وَلَوْ وُجِدَ فِي السَفِينَةِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمَلَّاحِينَ وَالرُّكَّابِ، وَفِي مَسْجِدِ مَحِلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا، وَفِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا قَسَامَةَ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ أَحَدٌ وَكَانَ فِي الْمَحِلَّةِ مُشْتَرُونَ وَسُكَّانٌ، فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ دُونَ السُّكَّانِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ وَكَانُوا سُكَّانًا، وَلِأَنَّ السَّاكِنَ يَلِي التَّدْبِيرَ كَالْمَالِكِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمَالِكَ أَخَصُّ بِالْبُقْعَةِ وَنُصْرَتِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّكَّانَ يَكُونُونَ فِي وَقْتٍ وَيَنْتَقِلُونَ فِي وَقْتٍ فَتَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى مَنْ هُوَ أَخَصُّ، وَأَمَّا أَهْلُ خَيْبَرَ فَالنَّبِيُّ ﵊ أَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَكَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمُ الْخَرَاجَ. قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ فِي مِثْلِهِ بِأَنْ يُذْرَعَ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ» ، وَلِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، وَهَذَا (إِذَا كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ) لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ، فَأَمَّا إِذَا كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ أَهْلُ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى فَالْقَسَامَةُ عَلَى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ لِمَا قُلْنَا. (وَلَوْ وُجِدَ فِي السَّفِينَةِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمَلَّاحِينَ وَالرُّكَابِ) وَهَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَرَى الْقَسَامَةَ عَلَى الْمُلَّاكِ وَالسُّكَّانِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَالسَّفِينَةُ تُنْقَلُ وَتُحَوَّلُ فَتُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَدُ دُونَ الْمِلْكِ كَالدَّابَّةِ، وَلَا كَذَلِكَ الدَّارُ وَالْمَحِلَّةُ فَافْتَرَقَا. قَالَ: (وَفِي مَسْجِدٍ مَحِلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا) لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ بِنُصْرَتِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ فَكَأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَحِلَّتِهِمْ. قَالَ: (وَفِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا قَسَامَةَ) وَكَذَلِكَ الْجُسُورُ الْعَامَّةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَعْضِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَا يَجِبُ لِأَجْلِهِ يَكُونُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لِلتُّهْمَةِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي السِّجْنِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ السِّجْنِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَتْلَ وُجِدَ مِنْهُمْ. وَلَهُمَا أَنَّهُمْ مَقْهُورُونَ لَا نُصْرَةَ لَهُمْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَا يَجِبُ لِأَهْلِ النُّصْرَةِ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ السِّجْنِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ وُضِعَ لِاسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِمْ وَلِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ فَكَانَتِ النُّصْرَةُ عَلَيْهِمْ، وَهَذِهِ مِنْ فُرُوعِ الْمَالِكِ وَالسَّاكِنِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السِّجْنِ كَالسُّكَّانِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ وُجِدَ فِي السُّوقِ إِنْ كَانَ مَمْلُوكًا فَعَلَى الْمُلَّاكِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى السُّكَّانِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ أَوْ هُوَ لِلسُّلْطَانِ فَهُوَ كَالشَّارِعِ الْعَامِّ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَسُوقُ السُّلْطَانِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَا يَجِبُ فِيهِ يَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ; لِأَنَّ حُكْمَ الدِّيَةِ التَّأْجِيلُ كَمَا فِي الْعَاقِلَةِ فَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْمُقِرِّ بِقَتْلِ الْخَطَأِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؟ .

стр. 760

وَإِنْ وُجِدَ فِي بَرِّيَّةٍ أَوْ فِي وَسَطِ الْفُرَاتِ فَهُوَ هَدَرٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَبَسًا بِالشَّاطِئِ فَعَلَى أَقْرَبِ الْقُرَى مِنْهُ إِنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ. بَابُ الْمَعَاقِلِ وَهِيَ جَمْعُ مَعْقُلَةٍ وَهِيَ الدِّيَةُ، وَالْعَاقِلَةُ الَذِينَ يُؤَدُّونَهَا، ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ فِي بَرِّيَّةٍ أَوْ فِي وَسَطِ الْفُرَاتِ فَهُوَ هَدَرٌ) لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ وَلَا مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ وَلَا يَسْمَعُ الصَّوْتَ مِنْهُ أَهْلُ مِصْرٍ وَلَا قَرْيَةً فَكَانَ هَدَرًا. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مُحْتَبِسًا بِالشَّاطِئِ فَعَلَى أَقْرَبِ الْقُرَى مِنْهُ إِنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ) لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْهُ وَيُورِدُونَ عَلَيْهِ دَوَابَّهُمْ فَكَانُوا أَخَصَّ بِنُصْرَتِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ كَأَهْلِ الْمَحِلَّةِ، وَلَوْ وُجِدَ فِي نَهْرٍ صَغِيرٍ خَاصٍّ مِمَّا يُقْضَى فِيهِ بِالشُّفْعَةِ فَعَلَى عَاقِلَةِ أَرْبَابِ النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُمْ، فَهُمْ أَخَصُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَتَعَلَّقُ بِهِمْ مَا يُوجَدُ فِيهِ كَالدُّورِ وَالسُّوقِ وَالْمَمْلُوكِ، وَمَنْ وُجِدَ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ، وَقَالَا: لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ فِي يَدِهِ حَالَةَ الْجُرْحِ فَكَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَلَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ كَانَ هَدَرًا كَذَا هَذَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَسَامَةَ وَجَبَتْ لِظُهُورِ الْقَتْلِ وَحَالَةَ الظُّهُورِ الدَّارُ مِلْكُ الْوَرَثَةِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ، وَهَلْ تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِمْ؟ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا وُجِدَ الْمَكَاتَبُ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ ; لِأَنَّ الدَّارَ عَلَى مِلْكِهِ حَالَةَ ظُهُورِ الْقَتْلِ، فَكَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَهَدَرٌ. رَجُلَانِ فِي بَيْتٍ لَا ثَالِثَ مَعَهُمَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا قَتِيلًا يَضْمَنُ الْآخَرُ الدِّيَةَ عِنْدَ أَبَى يُوسُفُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ وَأَنَّهُ قَتَلَهُ صَاحِبُهُ فَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ بِالشَّكِّ. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ ظَاهِرًا فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ كَمَا إِذَا وُجِدَ فِي مَحِلَّةٍ. [بَابُ الْمَعَاقِلِ] ِ (وَهِيَ جَمْعُ مَعْقُلَةٍ وَهِيَ الدِّيَةُ) وَسُمِّيَتِ الدِّيَةُ عَقْلًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَعْقِلُ الدِّمَاءَ مِنْ أَنْ تُرَاقَ، وَالثَّانِي أَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ إِذَا أُخِذَتْ مِنَ الْإِبِلِ تُجْمَعُ فَتُعْقَلُ ثُمَّ تُسَاقُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ. (وَالْعَاقِلَةُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَهَا) وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْجَنِينِ حَيْثُ قَالَ ﵊ لِأَوْلِيَاءِ الضَّارِبَةِ: «قُومُوا فَدُوهُ» ، وَرُوِيَ: " أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَقُولَةً "، وَالْمَعْقُولُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ الْخَاطِئَ مَعْذُورٌ، وَعُذْرُهُ لَا يَعْدَمُ حُرْمَةَ النَّفْسِ بَلْ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ فَأَوْجَبَ الشَّرْعُ الدِّيَةَ صِيَانَةً لِلنَّفْسِ عَنِ الْإِهْدَارِ، ثُمَّ فِي إِيجَابِ الْكُلِّ عَلَيْهِ إِجْحَافٌ وَاسْتِئْصَالٌ بِهِ فَيَكُونُ عُقُوبَةً لَهُ، فَتُضَمُّ الْعَاقِلَةُ إِلَيْهِ دَفْعًا لِلْعُقُوبَةِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِظَهْرِ

стр. 761

وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ كُلُّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ فَهُمْ عَاقِلَتُهُ، وَتُؤْخَذُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] عَشِيرَتِهِ وَقُوَّةٍ يَجِدُهَا فِي نَفْسِهِ بِكَثْرَتِهِمْ وَقُوَّةِ أَنْصَارِهِ مِنْهُمْ، فَكَانُوا كَالْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي الْقَتْلِ فَضَمِنُوا إِلَيْهِ لِذَلِكَ كَالرِّدْءِ وَالْمُعِينِ لِأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ إِذَا قَتَلُوا وَيَتَحَمَّلُونَ عَنْهُ إِذَا قَتَلَ فَتَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَنَةِ كَعَادَةِ النَّاسِ فِي التَّعَارُفِ، بِخِلَافِ الْمُتْلَفَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكْثُرُ قِيمَتُهَا فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّخْفِيفِ، وَالدِّيَةُ مَالٌ كَثِيرٌ يُجْحِفُ بِالْقَاتِلِ فَاحْتَاجَ إِلَى التَّخْفِيفِ. قَالَ: (وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ كُلُّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ) كَالْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَهَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا وَجَبَ بِالصُّلْحِ وَالِاعْتِرَافِ أَوْ سَقَطَ الْقَتْلُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ كَالْأَبِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِحَدِيثِ الْجَنِينِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَعَمَّدَتْ ضَرْبَهَا بِالْعَمُودِ فَقَضَى ﵊ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ أُجْرِيَ كَالْخَطَأِ فِي بَابِ الدِّيَةِ فَكَذَلِكَ فِي تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ. وَقَضَى عُمَرُ ﵁ بِالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ فَهُمْ عَاقِلَتُهُ) وَهُمُ الَّذِينَ لَهُمْ رِزْقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي زَمَانِنَا هُمْ أَهْلُ الْعَسْكَرِ لِكُلِّ رَايَةٍ دِيوَانٌ عَلَى حِدَةٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَتَنَاصَرُونَ بِأَسْبَابٍ مِنْهَا الْقَرَابَةُ وَالْوَلَاءُ وَالْحِلْفُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَبَقَوْا عَلَى ذَلِكَ إِلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا جَاءَ عُمَرُ وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ صَارَ التَّنَاصُرُ بِالدَّوَاوِينِ، فَأَهْلُ كُلِّ دِيوَانٍ يَنْصُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ ﵁ فَرَضَ الْعَقْلَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى عَشِيرَةِ الرَّجُلِ فِي أَمْوَالِهِمْ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الدِّيوَانَ فَجَعَلَ الْعَقْلَ فِيهِ، وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ، وَهُوَ عَلَى وِفَاقِ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ مَعْنًى؛ فَإِنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِهِ عَلَى الْعَشِيرَةِ بِاعْتِبَارِ النُّصْرَةِ ثُمَّ الْوُجُوبِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، فَإِيجَابُهُ فِيمَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ صِلَةٌ وَهُوَ الْعَطَاءُ أَوْلَى، وَأَهْلُ كُلِّ دِيوَانٍ فِيمَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ: (وَيُؤْخَذُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا وَتُعْتَبَرُ الثَّلَاثُ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ الْقَضَاءِ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ يَوْمَ الْقَضَاءِ، وَسَوَاءٌ خَرَجَتْ فِي أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْعَطَاءِ تَخْفِيفًا، فَإِذَا حَصَلَتْ فِي أَيِّ وَقْتٍ حَصَلَ وُجِدَ الْمَقْصُودُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ، فَإِنْ تَأَخَّرَ خُرُوجُ الْعَطَاءِ لَمْ يُطَالِبُوا بِشَيْءٍ، وَإِنْ تَعَجَّلَ الثَّلَاثَ سِنِينَ أُخِذَ مِنْهَا الْجَمِيعُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِذَا وَجَبَ جَمِيعُ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ كَانَ كُلُّ ثُلُثٍ فِي سَنَةٍ فَإِذَا وَجَبَ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ كَانَ فِي سَنَةٍ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِلَى الثُّلُثَيْنِ فِي سَنَتَيْنِ، وَمَا زَادَ إِلَى تَمَامِ الدِّيَةِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِلَةُ أَصْحَابَ الرِّزْقِ أَخَذَ مِنْ أَرْزَاقِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَإِنْ خَرَجَتْ أَرْزَاقُهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَخَذَ مِنْهَا الثُّلُثَ، وَإِنْ خَرَجَتْ

стр. 762

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ، وَلَا يُزَادُ الْوَاحِدُ عَلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَيُنْقَصُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ تَتَّسِعِ الْقَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُمَّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ نَسَبًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَنَاصَرُونَ بِالْحِرَفِ فَأَهْلُ حِرْفَتِهِ، وَإِنْ تَنَاصَرُوا بِالْحِلْفِ فَأَهْلُهُ، وَيُؤَدِّي الْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أُخِذَ مِنْهَا السُّدُسُ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِحِصَّتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي كُلِّ سَنَةٍ الثُّلُثُ كَيْفَمَا خَرَجَ ; لِأَنَّ الْأَرْزَاقَ لَهُمْ كَالْأَعْطِيَةِ لِأَهْلِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَرْزَاقٌ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَأَعْطِيَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَخَذَ مِنْ أَعْطِيَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ، فَإِنَّ الرِّزْقَ يَكُونُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ لِكُلِّ شَهْرٍ أَوْ لِكُلِّ يَوْمٍ فَيَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْأَخْذُ مِنْهُ. أَمَّا الْعَطَاءُ يَكُونُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِقَدْرِ عَنَائِهِ وَاخْتِبَارِهِ فِي الْحُرُوبِ لَا بِحَاجَتِهِ فَكَانَ الْأَخْذُ مِنْهُ أَسْهَلَ. قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ) وَهُمْ عَصَبَتُهُ مِنَ النَّسَبِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ أَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلِ» ، وَلِأَنَّ تَنَاصُرَهُمْ بِالْقُرْبِ. قَالَ: (وَلَا يُزَادُ الْوَاحِدُ عَلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَيُنْقَصُ مِنْهَا) يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّ سَنَةٍ دِرْهَمٌ وَثُلُثٌ أَوْ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا التَّخْفِيفُ وَتَجِبُ صِلَةً، فَقَدَّرُوهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِالدِّرْهَمِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْمُقَدَّرَاتِ، وَيُزَادُ ثُلُثُ دِرْهَمٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِيَكُونَ الْأَكْثَرُ مِنَ الْأَقَلِّ وَمَا لَمْ يَبْلُغِ النِّصْفَ فَهُوَ فِي حُكْمِهِ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَتَّسِعِ الْقَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُمَّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ نَسَبًا) تَحَرُّزًا عَنِ الْإِجْحَافِ وَتَحْقِيقًا لِمَعْنَى التَّخْفِيفِ فَيُضَمُّ إِلَيْهِمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ؛ لِأَنَّ التَّنَاصُرَ يَقَعُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الدِّيوَانِ إِذَا لَمْ يَتَّسِعِ الدِّيوَانُ لِلدِّيَةِ يُضَمُّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ الرَّايَاتِ إِلَيْهِمْ نُصْرَةً إِذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ أَوْ دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ، وَهُوَ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ إِذْ هُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ، وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ فِي رِوَايَةٍ تَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ وَرِثَهُ بَيْتُ الْمَالِ، فَإِذَا جَنَى يَكُونُ عَلَيْهِ لِيَكُونَ الْغُنْمُ بِالْغُرْمِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي مَالِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْجَانِي إِلَّا أَنَّا أَوْجَبْنَاهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا فَإِذَا لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةً عَادَ إِلَى الْأَصْلِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَنَاصَرُونَ بِالْحِرَفِ فَأَهْلُ حِرْفَتِهِ) وَإِنْ تَنَاصَرُوا بِالْحِلْفِ فَأَهْلُهُ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ هُوَ التَّنَاصُرُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ دِيوَانٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، قِيلَ: يَعْتَبِرُ الْمَحَالَّ وَالْقُرَى وَالْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي مَالِهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُسْلِمًا تَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِاعْتِبَارِ النُّصْرَةِ، وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ يَتَنَاصَرُونَ وَيَذُبُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ اللَّقِيطُ. وَلَا تُعْقَلُ مَدِينَةٌ عَنْ مَدِينَةٍ، وَتُعْقَلُ الْمَدِينَةُ عَنْ قُرَاهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمِصْرِ يَتَنَاصَرُونَ بِدِيوَانِهِمْ وَأَهْلِ سَوَادِهِمْ وَقُرَاهُمْ، وَلَا يَتَنَاصَرُونَ بِأَهْلِ دِيوَانِ مِصْرٍ آخَرَ، وَالْبَادِيَتَانِ إِذَا اخْتَلَفَتَا كَمِصْرَيْنِ. قَالَ: (وَيُؤَدِّي الْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْكُلُّ مَخَافَةَ الْإِجْحَافِ، وَلَا إِجْحَافَ فِي هَذَا وَلِأَنَّهُ الْجَانِي فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَأَحَدِهِمْ وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِالتَّنَاصُرِ وَهُوَ أَوْلَى بِنُصْرَةِ نَفْسِهِ.

стр. 763

وَلَا عَقْلَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا عَلَى عَبْدٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُكَاتَبٍ، وَلَا يَعْقِلُ كَافِرٌ عَنْ مُسْلِمٍ وَلَا بِالْعَكْسِ، وَإِذَا كَانَ لِلذِّمِّيِّ عَاقِلَةٌ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَعَاقِلَةُ الْمُعْتَقِ قَبِيلَةُ مَوْلَاهُ، وَعَاقِلَةُ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ مَوْلَاهُ وَقَبِيلَتُهُ، وَوَلَدُ الْمُلَاعِنَةِ تَعْقِلُ عَنْهُ عَاقِلَةُ أُمِّهِ، فَإِنِ ادَّعَاهُ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ عَاقِلَةُ الْأُمِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ، وَتَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ خَمْسِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا وَمَا دُونَهَا فِي مَالِ الْجَانِي، وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الْجَانِي إِلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ. ــ [الاختيار لتعليل المختار] قَالَ: (وَلَا عَقْلَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: لَا يُعْقَلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ صَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ؛ وَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تُؤَدَّى عَلَى طَرِيقِ الصِّلَةِ وَالتَّبَرُّعِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. (وَلَا عَلَى عَبْدٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُكَاتَبٍ) لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَسْتَنْصِرُ بِهِمْ. قَالَ: (وَلَا يَعْقِلُ كَافِرٌ عَنْ مُسْلِمٍ وَلَا بِالْعَكْسِ) لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ، وَالْكُفَّارُ يَعْقِلُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ مُعَادَاةٌ وَحِرَابٌ فَلَا يَتَعَاقَلُونَ لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ لِلذِّمِّيِّ عَاقِلَةٌ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ) كَالْمُسْلِمِ لِالْتِزَامِهِمْ أَحْكَامَنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ وَلِوُجُودِ التَّنَاصُرِ بَيْنَهُمْ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ) فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. كَمَا قُلْنَا فِي الْمُسْلِمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ إِلَى الْعَاقِلَةِ إِذَا وُجِدَتْ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ. قَالَ: (وَعَاقِلَةُ الْمُعْتَقِ قَبِيلَةُ مَوْلَاهُ) قَالَ ﵊: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَلِأَنَّ نُصْرَتَهُ بِهِمْ. (وَعَاقِلَةُ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ مَوْلَاهُ وَقَبِيلَتُهُ) لِأَنَّ عَقْدَ الْمُوَالَاةِ عَقْدٌ يَتَنَاصَرُونَ بِهِ. قَالَ: (وَوَلَدُ الْمُلَاعِنَةِ تَعْقِلُ عَنْهُ عَاقِلَةُ أُمِّهِ) لِأَنَّ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِمْ فَيَنْصُرُونَهُ. (فَإِنِ ادَّعَاهُ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ عَاقِلَةُ الْأُمِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ) لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الدِّيَةُ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ حَيْثُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَبَطَلَ اللِّعَانُ وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، فَقَوْمُ الْأُمِّ تَحَمَّلُوا مُضْطَرِّينَ عَنْ قَوْمِ الْأَبِ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ فَيَرْجِعُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ حِينِ قُضِيَ لِعَاقِلَةِ الْأُمِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ. قَالَ: (وَتَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ خَمْسِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا وَمَا دُونَهَا فِي مَالِ الْجَانِي) لِمَا رُوِّينَا أَنَّهُ ﷺ قَضَى بِالْغُرَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا. وَعَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا صُلْحًا وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّ التَّحَمُّلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِنَّمَا كَانَ تَحَرُّزًا عَنِ الْإِجْحَافِ وَهُوَ فِي الْكَثِيرِ دُونَ الْقَلِيلِ. وَالْقَدْرُ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الْجَانِي إِلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ) لِمَا رُوِّينَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِمْ، إِذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا صَدَّقُوهُ فَقَدْ رَضُوا بِهِ فَيَلْزَمُهُمْ. وَلَوْ تَصَادَقَ الْقَاتِلُ وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ عَلَى أَنَّ قَاضِيًا مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ حَكَمَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالدِّيَةِ وَكَذَّبَتْهُمَا الْعَاقِلَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا

стр. 764

وَإِذَا جَنَى الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ. كِتَابُ الْوَصَايَا وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ فِي مَالِهِ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ تَقَرَّرَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِتَصَادُقِهِمْ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِمَا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ حَيْثُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ بِاعْتِرَافِهِ، وَتَعَذَّرَ إِيجَابُهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ. قَالَ: (وَإِذَا جَنَى الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّهَا بَدَلُ النَّفْسِ فَتَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا فِي الْحُرِّ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَحُمِلَ قَوْلُهُ ﵊: " وَلَا عَبْدًا " فِيمَا جَنَى عَلَيْهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا لَا تَتَحَمَّلُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ الْمَوْلَى أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُمْ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ قَدْرَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهَا ضَمَانُ النَّفْسِ، وَمَا زَادَ فِي مَالِ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْمَالِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. [كِتَابُ الْوَصَايَا] وَهِيَ جَمْعُ وَصِيَّةٍ، وَالْوَصِيَّةُ: طَلَبُ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْمُوصَى إِلَيْهِ بَعْدَ غَيْبَةِ الْوَصِيِّ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى مَصَالِحِهِ كَقَضَاءِ دُيُونِهِ وَالْقِيَامِ بِحَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِ وَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُقَالُ: فُلَانٌ سَافَرَ فَأَوْصَى بِكَذَا، وَفُلَانٌ مَاتَ وَأَوْصَى بِكَذَا. وَالِاسْتِيصَاءُ: قَبُولُ الْوَصِيَّةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ اسْتَوْصَى مِنْ فُلَانٍ: إِذَا قَبِلَ وَصِيَّتَهُ، قَالَ ﵊: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» أَيِ اقْبَلُوا وَصِيَّتِي فِيهِنَّ فَإِنَّهُنَّ أَسْرَى عِنْدَكُمْ ". (وَهِيَ) قَضِيَّةٌ مَشْرُوعَةٌ وَقُرْبَةٌ. (مَنْدُوبَةٌ) دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَهَذَا دَلِيلُ شَرْعِيَّتِهَا، وَالسُّنَّةُ مَا رُوِيَ: «أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ مَرِضَ بِمَكَّةَ فَعَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أُخَلِّفُ إِلَّا بِنْتًا أَفَأُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَبِنِصْفِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَبِثُلُثِهِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ; لَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» أَيْ يَسْأَلُونَ النَّاسَ كِفَايَتَهُمْ، وَقَالَ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ تَضَعُوهُ حَيْثُ شِئْتُمْ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: " حَيْثُ أَحْبَبْتُمْ "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا وَيَنْفِي وُجُوبَهَا، وَقَالَ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَهُ مَالٌ يُوصِي فِيهِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَصِيَّتُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى النُّدْبِيَّةِ.

стр. 765

وَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ مَئُونَةِ الْمُوصِي وَقَضَاءِ دُيُونِهِ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالثُّلُثِ تَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا بِغَيْرِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْقَاتِلِ (س) وَالْوَارِثِ تَصِحُّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَتُعْتَبَرُ إِجَازَاتُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الْمَهْدِيِّينَ وَالسَّلَفَ الصَّالِحَ أَوْصُوا، وَعَلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا؛ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ حُقُوقٍ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِذَلِكَ، فَإِذَا عَجَزَ بِنَفْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ وَالْوَصِيُّ نَائِبٌ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، فَكَأَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ احْتِيَاطًا لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا فَيُنْدَبُ إِلَيْهَا وَتُشْرَعُ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ. قَالَ: (وَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ مَئُونَةِ الْمُوصِي وَقَضَاءِ دُيُونِهِ) عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالثُّلُثِ تَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا بِغَيْرِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ) لِمَا رُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ وَهِيَ مُطْلَقَةٌ لَا تَتَقَيَّدُ بِالْمُسْلِمِ وَلَا بِغَيْرِهِ. قَالَ: (وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْقَاتِلِ وَالْوَارِثِ تَصِحُّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ لِحَدِيثِ سَعْدٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: «الْحَيْفُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ» ، قِيلَ: مَعْنَاهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْوَارِثِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ ذَلِكَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ قَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الْمَالِ وَتَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ فِي الثُّلُثِ بِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ لِيَتَدَارَكَ مَا فَرَّطَ مِنْهُ وَقَصَّرَ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا أَجَازَتِ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ فَقَدْ رَضُوا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِمْ فَيَصِحُّ. (وَتُعْتَبَرُ إِجَازَتُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهِ لَا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْحَقُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَإِذَا أَجَازُوهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَدْ أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَيَصِحُّ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِحَقِّ بَاقِي الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ، قَالَ ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا إِقْرَارَ بِدَيْنٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ تُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ» ، وَلِأَنَّهُ حَيْفٌ فِي الْوَصِيَّةِ لِمَا مَرَّ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْجَمِيعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَإِذَا خَصَّ بِهِ الْبَعْضَ يَتَأَذَّى الْبَاقِي وَيُثِيرُ بَيْنَهُمُ الْحِقْدَ وَالضَّغَائِنَ وَيُفْضِي إِلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَإِذَا أَجَازَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا حِقْدَ وَلَا ضَغَائِنَ فَيَجُوزُ، فَإِنْ أَجَازَ الْبَعْضُ وَرَدَّ الْبَعْضُ جَازَ فِي حَقٍّ الْمُجِيزِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ، وَبَطَلَ فِي الْبَاقِي لِوِلَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ فَلَا تَجُوزُ إِذَا وُجِدَ الْقَتْلُ مُبَاشَرَةً عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً. قَالَ ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِقَاتِلٍ» ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ فَقَتَلَهُ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ لِمَا قُلْنَا لِأَنَّ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِذَا أَجَازَتْهَا الْوَرَثَةُ جَازَتْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَجُوزُ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ تَجُزْ لِجِنَايَتِهِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ. وَلَنَا أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ بُطْلَانَهَا نَفْعٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ كَبُطْلَانِهَا لِلْوَارِثِ وَبِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِذَا أَجَازُوا ذَلِكَ فَقَدْ أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ فَيَسْقُطُ، وَكُلَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَأَجَازُوهُ

стр. 766

وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ لَا يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ وَبِهِ وَبِأُمِّهِ دُونَهُ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] فَالْمُوصَى لَهُ يَمْلِكُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي لِأَنَّ السَّبَبَ صَدَرَ مِنْهُ، وَالْإِجَازَةُ رَفْعُ الْمَانِعِ كَالْمُرْتَهِنِ إِذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّهْنِ. قَالَ: (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) فَلَا تَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ لَا يُقَابِلُهُ عَمَلٌ مَالِيٌّ وَلَا نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ فَصَارَ كَالْهِبَةِ وَتَنْجِيزِ الْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ ثُمَّ مَاتَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ حَالَةَ الْمُبَاشَرَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إِنْ أَدْرَكْتُ فَثُلُثِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةً لَا تَصِحُّ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَمْلِكُهُ تَنْجِيزًا وَلَا تَعْلِيقًا كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ إِذَا أَضَافَاهَا إِلَى مَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي الْحَالِ لِحَقِّ الْمَوْلَى، فَإِذَا زَالَ حَقُّ الْمَوْلَى زَالَ الْمَانِعُ فَتَصِحُّ. قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الثُّلُثِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَالثُلُثُ كَثِيرٌ» أَيْ فِي الْوَصِيَّةِ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: لِأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمُسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ، وَلِأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ، وَلِأَنَّ فِيهِ صِلَةَ الْقَرِيبِ بِتَرْكِهِ حَقَّهُ لَهُمْ، وَلَا صِلَةَ فِيمَا أُوصِي بِالثُّلُثِ تَامًّا؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَلَا صِلَةَ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ لَا يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَتَرْكُهَا أَفْضَلُ) لِمَا فِيهِ مِنَ الصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ: قَالَ ﵊: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الصَدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» ، وَقَالَ ﵊: «لَا صَدَقَةَ وَذُو رَحِمٍ مُحْتَاجٌ» ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ﵊: «صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» ; لِأَنَّهُ فَقِيرٌ فَيَكُونُ صَدَقَةً، وَقَرِيبٌ فَيَكُونُ صِلَةً، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ كَانُوا يَسْتَغْنُونَ بِمِيرَاثِهِمْ، قِيلَ: الْوَصِيَّةُ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ أَوْ مَبَرَّةٌ وَتَرْكُهَا صِلَةٌ وَالْكُلُّ خَيْرٌ. قَالَ: (وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ بِهِ وَبِأُمِّهِ دُونَهُ) أَمَّا لِلْحَمْلِ فَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ اسْتِخْلَافٌ لِلْمُوصَى لَهُ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ، وَالْحَمْلُ أَهْلٌ لِذَلِكَ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةُ أُخْتُهُ، إِلَّا أَنَّهَا تَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ إِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْحَالِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْلُ الْمِلْكِ عَنْهُ فَلَا يَنْتَقِلُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَيِّتًا، فَإِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلِّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَانْفَصَلَ حَيًّا جَازَتْ، وَإِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا لَمْ تَجُزْ ; لِأَنَّهُ يُحَالُ بِالْعُلُوقِ إِلَى أَبْعَدِ الْأَوْقَاتِ حَمْلًا لِأَمْرِهَا عَلَى الصَّلَاحِ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إِلَى سَنَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حَيًّا فَوَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّ فِي الْوَطْءِ الْحَلَالِ يُحَالُ بِالْعُلُوقِ إِلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِوُجُودِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ إِلَّا إِذَا

стр. 767

وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَالِ وَالْوَرَثَةِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَقَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الْوَصَيَّةِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَفِي الْجُحُودِ خِلَافٌ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَلَدَتْهُ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِهِ فَإِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَتَّى يَكُونَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ كَالْوَصِيَّةِ بِسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِالثَّمَرَةِ وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فَلِأَنْ تَصِحِّ بِالْمَوْجُودِ أَوْلَى. وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِأُمِّهِ دُونَهُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ إِفْرَادُهُ عَنْهَا صَحَّ إِفْرَادُهَا عَنْهُ ; لِأَنَّ مَا صَحَّ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَمَا لَا فَلَا كَمَا فِي الْمَبِيعِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ لَكِنْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتْبَعُهَا ضَرُورَةُ الِاتِّصَالِ، فَإِذَا أَفْرَدَهَا نَصًّا صَحَّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْسٌ بِانْفِرَادِهِ فِي الْأَصْلِ. قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَالِ وَالْوَرَثَةِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْمَوْتِ) حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَا مَالَ لَهُ ثُمَّ اكْتَسَبَ مَالًا وَمَاتَ أَوْ كَانَ لَهُ فَذَهَبَ أَوْ نَقَصَ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ مَالُهُ حَالَةَ الْمَوْتِ ; لِأَنَّ وَقْتَئِذٍ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ وَيَنْتَقِلُ الْمَالُ إِلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ، وَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ لَا اعْتِبَارَ لِمَنْ مَاتَ قَبْلَهُ لَا بِإِجَازَتِهِ وَلَا بِرَدِّهِ لِأَنَّ الْمَالَ إِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا اعْتِبَارَ بِغَيْرِ الْمَالِكِ. قَالَ: (وَقَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ) حَتَّى لَوْ أَجَازَهَا قَبْلَهُ أَوْ رَدَّهَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لَأَنَّ حُكْمَهُ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يُوجَدُ قَبْلَهُ كَمَا إِذَا وُجِدَ قَبْلَ الْعَقْدِ وَهُوَ إِنَّمَا يَمْلِكُهُ بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعَقْدٍ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافَةٌ عَنِ الْمَيِّتِ حَتَّى يَثْبُتَ لِلْوَارِثِ خِيَارُ الْعَيْبِ دُونَ الْمُوصَى لَهُ وَيَثْبُتُ جَبْرًا شَرْعًا مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ كَانَ لِلْمُوصِي إِلْزَامَهُ الْمِلْكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَا ذَلِكَ إِلَّا لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَأَوْصَى لَهُ بِمَا يَضُرُّهُ مِثْلَ مَا إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهُ بِمِلْكِهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِذَا كَانَ الْقَبُولُ شَرْطًا لَا يَمْلِكُهُ الْمُوصَى لَهُ إِلَّا بِالْقَبُولِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْمُوصِي قَبْلَ الْقَبُولِ فَتَمْلِكُهَا الْوَرَثَةُ، وَالْقِيَاسُ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ لِمَا بَيَّنَّا، إِلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا وَقُلْنَا: يَمْلِكُهَا الْوَرَثَةُ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمَّتْ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي تَمَامًا لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ مِنْ جِهَتِهِ، وَالتَّوَقُّفُ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ دَفْعًا لِضَرَرِ لُحُوقِ الْمِنَّةِ وَلَا يَلْحَقُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَنَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ ضَرُورَةَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ كَمَا إِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لَهُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ، فَإِنَّ الْمَبِيعَ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ كَذَا هَذَا. قَالَ: (وَلِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَفِي الْجُحُودِ خِلَافٌ) أَمَّا جَوَازُ الرُّجُوعِ؛ فَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَمْ يَتِمَّ ; لِأَنَّ تَمَامَهُ بِالْمَوْتِ وَالْقَبُولِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ قَبْلَ التَّمَامِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ قَبْلَ تَمَامِهِ لَمْ يَكُنْ تَبَرُّعًا، وَالرُّجُوعُ بِالْقَوْلِ قَوْلُهُ: رَجَعْتُ عَنِ الْوَصِيَّةِ أَوْ أَبْطَلْتُهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَالرُّجُوعُ بِالْفِعْلِ مِثْلَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنِ الْمُوصَى بِهِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةُ ; لِأَنَّهُ إِذَا زَالَ مِلْكُهُ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَنْفُذُ فِي مِلْكِهِ،

стр. 768

وَإِذَا قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ رَدَّهَا فِي وَجْهِ الْمُوصِي فَهُوَ رَدٌّ، وَإِنْ رَدَّهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهِ فَلَيْسَ بِرَدٍّ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا ضَمَّ إِلَيْهِ الْقَاضِي آخَرَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا اسْتَبْدَلَ بِهِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَسَوَاءٌ عَادَ إِلَى مِلْكِهِ أَوْ لَا، وَكَذَا إِذَا فَعَلَ فِعْلًا لَوْ فَعَلَهُ الْغَاصِبُ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ كَانَ رُجُوعًا وَكَذَلِكَ فِعْلٌ يَكُونُ اسْتِهْلَاكًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَقَدْ عُرِفَ تَمَامُهُ فِي الْغَصْبِ، وَكَذَا إِذَا فَعَلَ مَا يَزِيدُ بِهِ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهَا كَالْبِنَاءِ وَالصَّبْغِ وَالسَّمْنِ فِي السَّوِيقِ وَالْحَشْوِ بِالْقُطْنِ وَخِيَاطَةِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ وَبِالْعَكْسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى نُقْصَانِهَا لِحُصُولِهَا بِفِعْلِ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ. وَذَبْحُ الشَّاةِ رُجُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِهِ عَادَةً فَلَا يَبْقَى إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ. وَأَمَّا الْجُحُودُ فَهُوَ رُجُوعٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ; لِأَنَّ الْجُحُودَ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي، وَانْتِفَاؤُهُ فِي الْحَالَةِ لِلضَّرُورَةِ، فَإِذَا كَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ كَانَ الْجُحُودُ لَغْوًا. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الرُّجُوعَ نَفْيٌ فِي الْحَالِ، وَالْجُحُودَ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا، وَمِنَ الرُّجُوعِ قَوْلُهُ: الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ هُوَ لِفُلَانٍ آخَرَ، أَوْ أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ ; لِأَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ، وَلَوْ كَانَ فُلَانٌ الْآخَرُ مَيِّتًا لَا يَكُونُ رُجُوعًا ; لِأَنَّ الْأُولَى إِنَّمَا بَطَلَتْ ضَرُورَةُ صِحَّةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ تَصِحَّ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْمُوصِي بَطَلَتِ الْأُولَى لِصِحَّةِ الثَّانِيَةِ وَبَطَلَتِ الثَّانِيَةُ بِالْمَوْتِ، وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ بِرُجُوعٍ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ، وَاللَّفْظُ غَيْرُ قَاطِعٍ لَهَا بَلْ صَالِحٌ فَيَثْبُتُ لَهُمَا. قَالَ: (وَإِذَا قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ رَدَّهَا فِي وَجْهِ الْمُوصِي فَهُوَ رَدٌّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلْزَامُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. (وَإِنْ رَدَّهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهِ فَلَيْسَ بِرَدٍّ) لِمَا فِيهِ مِنْ خِيَانَةِ الْمَيِّتِ وَغُرُورِهِ، فَإِنَّ الْمُوصِيَ مَاتَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَاثِقًا بِخِلَافَتِهِ بَعْدَهُ فِي أُمُورِهِ وَتَرِكَتِهِ فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ حَيْثُ لَهُ الرُّجُوعُ ; لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ حَيٌّ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ، وَعَلَى أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فَافْتَرَقَا، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا حَتَّى مَاتَ الْمُوصِي فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَبِلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ ; لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَيْسَ لَهُ إِلْزَامُهُ فَيُخَيَّرُ، ثُمَّ الْقَبُولُ كَمَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ يَكُونُ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَيَنْفُذُ الْبَيْعُ لِصُدُورِهِ مِنَ الْأَهْلِ عَنْ وِلَايَةٍ، وَكَذَا إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَصْلُحُ لِلْوَرَثَةِ أَوْ قَضَى مَالًا أَوِ اقْتَضَاهُ لَزِمَتْهُ الْوَصِيَّةُ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِالْوَصِيَّةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ لِأَنَّهَا خِلَافَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إِنَّمَا تَثْبُتُ حَالَ انْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْمُوصِي فَتَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إِلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَالْإِرْثِ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا ضَمَّ إِلَيْهِ الْقَاضِي آخَرَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا اسْتَبْدَلَ بِهِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْأَوْصِيَاءَ ثَلَاثَةٌ: أَمِينٌ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا أُوصِي إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقَرِّرُ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي

стр. 769

وَإِنْ أَوْصَى إِلَى عَبْدِهِ وَفِي الْوَرَثَةِ كِبَارٌ لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا جَازَتْ (سم) ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ دُونَ صَاحِبِهِ (س) ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] عَزْلُهُ ; لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُوصِي الْقِيَامُ بِأُمُورِهِ وَمَا أَوْصَى إِلَيْهِ بِهِ، فَإِذَا حَصَلَ فَتَغْيِيرُهُ إِبْطَالٌ لِقَصْدِهِ فَلَا يَجُوزُ. وَأَمِينٌ عَاجِزٌ، فَالْقَاضِي يَضُمُّ إِلَيْهِ مَنْ يُعِينُهُ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إِلَيْهِ صَحِيحَةٌ لَا يَجُوزُ إِبْطَالُهَا، إِلَّا أَنَّ فِي انْفِرَادِهِ نَوْعُ خَلَلٍ بِبَعْضِ الْمَقْصُودِ لِعَجْزِهِ فَيُضَمُّ إِلَيْهِ آخَرُ تَكْمِيلًا لِلْمَقْصُودِ. وَفَاسِقٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ، فَيَجِبُ عَزْلُهُ وَإِقَامَةُ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ نِيَابَتُهُ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إِنَّمَا أَوْصَى إِلَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رَأْيِهِ وَأَمَانَتِهِ وَكِفَايَتِهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ. أَمَّا الْفَاسِقُ فَلِاتِّهَامِهِ بِالْخِيَانَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلِلْعَدَاوَةِ الدِّينِيَّةِ الْبَاعِثَةِ لَهُ عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلِتَوَقُّفِ تَصَرُّفِهِ عَلَى إِجَازَةِ مَوْلَاهُ وَتَمَكُّنِهِ مَنْ حَجْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُخْرِجُهُمُ الْقَاضِي وَيُقِيمُ مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِ الْمَيِّتِ ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ نَصَّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصَ إِلَى أَحَدٍ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُقِيمَ وَصِيًّا كَذَا هَذَا. قَالَ: (وَإِنْ أَوْصَى إِلَى عَبْدِهِ وَفِي الْوَرَثَةِ كِبَارٌ لَمْ تَصِحَّ) لِأَنَّ لِلْكَبِيرِ بَيْعَهُ أَوْ بَيْعَ نَصِيبِهِ فَيَعْجِزُ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْنَعُهُ فَلَا تَحْصُلُ فَائِدَةُ الْوَصِيَّةِ. (وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا جَازَتْ) وَقَالَا: لَا تَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي الْوِلَايَةَ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ وِلَايَةِ الْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَالِكِ، وَهُوَ قَلْبُ الْمَشْرُوعِ وَعَكْسُ الْمَوْضُوعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ مُخَاطَبٌ مُسْتَبِدٌّ بِالتَّصَرُّفِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْوَصِيَّةِ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ بَيْعَهُ وَإِنْ كَانُوا مُلَّاكًا، وَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ وَلَا مُنَافَاةَ وَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ. وَإِنْ أَوْصَى إِلَى صَبِيٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ فَلَمْ يُخْرِجْهُمُ الْقَاضِي حَتَّى بَلَغَ أَوْ أُعْتِقَ أَوْ أَسَلَمَ، فَالْوَصِيَّةُ مَاضِيَةٌ لِزَوَالِ الْمُوجِبِ مِنَ الْعَزْلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ أَمِينٍ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ أَوْصَى إِلَى مُكَاتَبِهِ جَازَ لِوُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إِنْفَاذِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنْ أَدَّى عُتِقَ وَهُوَ عَلَى وَصِيَّتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ رُدَّ فِي الرِّقِّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَبْدِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ دُونَ صَاحِبِهِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ خِلَافَةٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا ثَبَتَ لِلْخَلِيفَةِ مِثْلُ مَا كَانَ لِلْمُسْتَخْلَفِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمُوصِيَ مَا رَضِيَ إِلَّا بِرَأْيِهِمَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِتَفْوِيضِهِ فَيُرَاعَى وَصْفُهُ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ، وَفِي اجْتِمَاعِ رَأْيِهِمَا مَصْلَحَةٌ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُفِيدٌ، بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَثْنَاةِ لِأَنَّهَا ضَرُورِيَّاتٌ، وَالضَّرُورِيَّاتُ مُسْتَثْنَاةٌ وَهِيَ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ وَمَئُونَةُ الصِّغَارِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ وَالْخُصُومَةِ وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَعِتْقِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ بِعَيْنِهَا، أَمَّا تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ فَسَادَهُ حَتَّى كَانَ لِلْجَارِ فِعْلُهُ، وَكَذَا مَئُونَةُ الصِّغَارِ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِمْ جُوعًا وَعُرْيًا، وَالْخُصُومَةُ لَا يُمْكِنُ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهَا وَبَاقِي الصُّوَرِ الِاجْتِمَاعُ وَالِانْفِرَادُ فِيهِ سَوَاءٌ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى الرَّأْيِ، وَكَذَا رَدُّ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا

стр. 770

وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَقَامَ الْقَاضِي مَكَانَهُ آخَرَ، وَإِذَا أَوْصَى الْوَصِيُّ إِلَى آخَرَ فَهُوَ وَصِيٌّ فِي التَّرِكَتَيْنِ وَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَحْتَالَ بِمَالِ الْيَتِيمِ إِنْ كَانَ أَجْوَدَ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ (سم) لِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لِلصَّبِيِّ، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْتَرِضَ مَالَ الْيَتِيمِ، وَلِلْأَبِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُمَا إِقْرَاضُهُ، وَلِلْقَاضِي ذَلِكَ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] وَحِفْظُ الْأَمْوَالِ وَقَبُولُ الْهِبَةِ ; لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ وَقَبُولُ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ. قَالَ: (وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَقَامَ الْقَاضِي مَكَانَهُ آخَرَ) أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ عِنْدَهُمَا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّ الْوَاحِدَ وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لَكِنَّ الْمُوصِيَ قَصَدَ أَنْ يَخْلُفَهُ اثْنَانِ فِي حُقُوقِهِ، وَقَدْ أَمْكَنَ تَحْقِيقُ قَصْدِهِ بِنَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ فَيُنَصَبُ، وَلَوْ أَنَّ الْوَصِيَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إِلَى الثَّانِي فَلَهُ التَّصَرُّفُ وَحْدَهُ كَمَا إِذَا أَوْصَى إِلَى آخَرَ لِأَنَّ رَأْيَهُ بَاقٍ حُكْمًا بِرَأْيِ وَصِيِّهِ، وَلِهَذَا جَازَ أَنْ يُوَكِّلَهُ حَالَ حَيَاتِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ فَكَذَا الْوَصِيَّةُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُوصِيَ مَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوْصَى إِلَى آخَرَ ; لِأَنَّ مَقْصُودَهُ حَصَلَ بِرَأْيِ الْمُثَنَّى. قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى الْوَصِيُّ إِلَى آخَرَ فَهُوَ وَصِيٌّ فِي التَّرِكَتَيْنِ) تَرِكَتُهُ وَتَرِكَةُ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فَيَمْلِكُ الْإِيصَاءَ إِلَى غَيْرِهِ كَالْجَدِّ ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً لِلْمُوصِي ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَى الْوَصِيِّ فِي الْمَالِ، وَإِلَى الْجَدِّ فِي النَّفْسِ، وَالْجَدُّ قَامَ مَقَامَ الْأَبِ فِي وِلَايَةِ النَّفْسِ فَكَذَا الْوَصِيُّ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ ; لِأَنَّ الْإِيصَاءَ إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ كَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَابِتَةً فِي التَّرِكَتَيْنِ فَكَذَا الْوَصِيُّ تَحْقِيقًا لِلِاسْتِخْلَافِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ فِي تَرِكَةِ نَفْسِهِ وَقَدْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَصِيرُ وَصِيًّا فِي التَّرِكَتَيْنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ تَرِكَةَ مُوصِيهِ تَرِكَتُهُ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَرُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى تَرِكَتِهِ لِأَنَّهُ نُصَّ عَلَيْهَا وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ. قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَحْتَالَ بِمَالِ الْيَتِيمِ إِنْ كَانَ أَجْوَدَ) بِأَنْ كَانَ أَمْلَأَ أَوْ أَيْسَرَ قَضَاءً وَأَعْجَلَ وَفَاءً؛ لِأَنَّهُ أَنْظَرُ لِلْيَتِيمِ وَالْوِلَايَةُ نَظَرِيَّةٌ ; وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ إِذْ لَا نَظَرَ لَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَفِي اعْتِبَارِهِ سَدُّ بَابِ التَّصَرُّفَاتِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لِلصَّبِيِّ) بِأَنِ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ أَوْ بَاعَهُ بِأَقَلِّ مِنْهَا، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ قِيَاسًا عَلَى الْوَكِيلِ. وَلَهُ أَنَّهُ قُرْبَانُ مَالِ الْيَتِيمِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَيَجُوزُ بِالنَّصِّ وَصَارَ كَالْأَبِ. قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْتَرِضَ مَالَ الْيَتِيمِ وَلِلْأَبِ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ شِرَاءَ مَالِ الصَّبِيِّ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَصِيُّ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ عِنْدَ حَاجَتِهِ بِقَدَرِ حَاجَتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَصِيُّ. (وَلَيْسَ لَهُمَا إِقْرَاضُهُ، وَلِلْقَاضِي ذَلِكَ) لِأَنَّ الْقَرْضَ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، فَجُعِلَ مُعَاوَضَةً

стр. 771

وَالْوَصِيُّ أَحَقُّ بِمَالِ الْيَتِيمِ مِنَ الْجَدِّ، وَشَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ لَا تَجُوزُ، وَعَلَى الْمَيِّتِ تَجُوزُ، وَتَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ إِنْ كَانُوا كِبَارًا، وَلَا تَجُوزُ إِنْ كَانُوا صِغَارًا (سم) . ــ [الاختيار لتعليل المختار] فِي الْقَاضِي لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِخْلَاصِ بِوَاسِطَةِ الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ تَبَرُّعًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَجْزِهِ نَظَرًا وَاحْتِيَاطًا فِي مَالِ الْيَتِيمِ. قَالَ: (وَالْوَصِيُّ أَحَقُّ بِمَالِ الْيَتِيمِ مِنَ الْجَدِّ) لِأَنَّهُ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ وِلَايَةُ الْأَبِ بِالْإِيصَاءِ إِلَيْهِ، فَكَانَتْ وِلَايَةُ الْأَبِ قَائِمَةً حُكْمًا، وَلِأَنَّ اخْتِيَارَهُ الْوَصِيَّ مَعَ عِلْمِهِ بِالْجَدِّ دَلِيلٌ أَنَّ تَصَرُّفَهُ أَنْظَرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْجَدِّ فَكَانَ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يُوصِ الْأَبُ فَالْوِلَايَةُ لِلْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَأَشْفَقُ عَلَى بَنِيهِ فَانْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا مَلَكَ النِّكَاحَ مَعَ وُجُودِ الْوَصِيِّ، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ الْوَصِيُّ فِي الْمَالِ لِمَا بَيَّنَّا، وَوَصِيُّ الْجَدِّ كَوَصِيِّ الْأَبِ ; لِأَنَّ الْجَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَكَذَا وَصِيُّهُ. قَالَ: (وَشَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ لَا تَجُوزُ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِنَفْسِهِ وِلَايَةَ الْقَبْضِ. (وَعَلَى الْمَيِّتِ تَجُوزُ) إِذْ لَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ. (وَتَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ إِنْ كَانُوا كِبَارًا وَلَا تَجُوزُ إِنْ كَانُوا صِغَارًا) أَمَّا الشَّهَادَةُ لِلْكِبَارِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لَا تَجُوزُ وَفِي غَيْرِهِ تَجُوزُ. وَقَالَا: تَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ فَلَا يُثْبِتَانِ لِأَنْفُسِهِمَا وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فَلَا تُهْمَةَ، بِخِلَافِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ لَهُمَا وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ لَهُمَا وِلَايَةَ الْحِفْظِ وَوِلَايَةَ بَيْعِ الْمَنْقُولِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَارِثِ فَتَحَقَّقَتِ التُّهْمَةُ بِخِلَافِ مَا إِذَا شَهِدَا فِي غَيْرِ التَّرِكَةِ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا فِي غَيْرِهَا. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ لِلصِّغَارِ فَلَا تَجُوزُ بِحَالٍ لِلتُّهْمَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ فَإِذَا قَدِمَ فَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ وَلَدِي فَهُوَ كَمَا قَالَ ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْوِكَالَةِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُؤَقَّتَةٌ شَرْعًا بِبُلُوغِ الْأَيْتَامِ أَوْ إِينَاسِ الرُّشْدِ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً شَرْطًا، وَلَوْ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ فِي مَالِهِ كَانَ وَصِيًّا فِيهِ وَفِي وَلَدِهِ، وَالْوَصِيُّ فِي نَوْعٍ يَكُونُ وَصِيًّا فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ ; لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَاحْتَجْنَا إِلَى نَصْبِ آخَرَ، وَالْمُوصِي قَدِ اخْتَارَ هَذَا وَصِيًّا فِي بَعْضِ أُمُورِهِ فَجَعْلُهُ وَصِيًّا فِي الْكُلِّ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِتَصَرُّفِ هَذَا فِي الْبَعْضِ وَلَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفُ غَيْرِهِ فِي شَيْءٍ أَصْلًا، وَإِذَا ادَّعَى الْوَصِيُّ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ أَخْرَجَهُ الْقَاضِي مِنَ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِلُّ أَخْذَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقِيلَ: إِنِ ادَّعَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ أَخْرَجَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْقَاضِي: إِمَّا أَنْ تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ وَتَسْتَوْفِيَ أَوْ تُبَرِّئَهُ وَإِلَّا أَخْرَجْتُكَ مِنَ الْوَصِيَّةِ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ وَإِلَّا أَخْرَجَهُ وَأَقَامَ غَيْرَهُ، وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَيَعْمَلَ فِيهِ هُوَ مُضَارَبَةً ; لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ، وَلِلْأَبِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ فَكَذَا الْوَصِيُّ، فَإِنْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ، قَالَ ﵊: «ابْتَغُوا فِي مَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا» فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْجِبَ طَائِفَةً مِنَ الْمَالِ لِنَفْسِهِ بِالْمُضَارَبَةِ احْتَاجَ إِلَى الْإِشْهَادِ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ إِنْ لَمْ يَشْهَدْ فَمَا عَمِلَهُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ فَلَا يُتْرَكُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَهُوَ الْإِشْهَادُ، وَلِلْوَصِيِّ

стр. 772

وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ وَسُكْنَى دَارِهِ وَبِغَلَّتِهِمَا أَبَدًا وَمُدَّةً مَعْلُومَةً، فَإِنْ خَرَجَا مِنَ الثُّلُثِ اسْتَخْدَمَ وَسَكَنَ وَاسْتَغَلَّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمَا خَدَمَ الْوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ وَالْمُوصَى لَهُ يَوْمًا، فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ عَادَ إِلَى الْوَرَثَةِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا، وَيَرْكَبَ دَابَّتَهُ إِذَا ذَهَبَ فِي حَاجَتِهِ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ طَمِعَ السُّلْطَانُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فَصَالَحَهُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى أَقَلِّ مِمَّا طَمَعَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ مَالِ الْيَتِيمِ مَا أَمْكَنَهُ وَقَدْ أَمْكَنَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ. [فصل ما يجوز الوصية به] فَصْلٌ (وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ وَسُكْنَى دَارِهِ وَبَغْلَتِهِمَا أَبَدًا وَمُدَّةً مَعْلُومَةً) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ يَصِحُّ تَمْلِيكُهَا حَالَ الْحَيَاةِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ كَالْأَعْيَانِ، ثُمَّ إِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَتَمَلَّكُهَا عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي كَمَا قُلْنَا فِي الْوَقْفِ، وَتَجُوزُ مُؤَقَّتًا وَمُؤَبَّدًا كَمَا فِي الْإِعَارَةِ وَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ. قَالَ: (فَإِنْ خَرَجَا مِنَ الثُّلُثِ اسْتَخْدَمَ وَسَكَنَ وَاسْتَغَلَّ) لِأَنَّ الثُّلُثَ حَقُّ الْمُوصِي فَلَا تُزَاحِمُهُ الْوَرَثَةُ فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنْفَعَةِ تَمْلِيكُ الرَّقَبَةِ فِي حَقِّ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِالْعَيْنِ إِلَّا بِصَيْرُورَتِهِ أَخَصَّ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ كَالْإِجَارَةِ فَكَانَتْ وَصِيَّةً بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فِي حَقِّ الِانْتِفَاعِ لَا مُطْلَقًا. (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا بِعِوَضٍ كَالْعَارِيَةِ، هَذَا لِأَنَّ التَّمْلِيكَ بِعِوَضٍ أَقْوَى وَأَلْزَمُ، وَالْأَضْعَفُ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَقْوَى. قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمَا خَدَمَ الْوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ وَالْمُوصَى لَهُ يَوْمًا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْدِمَهُمْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَالْمُهَايَأَةُ فِيهِ تَقَعُ عَلَى الْأَيَّامِ كَمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الثُّلُثِ وَحَقَّهُمْ فِي الثُّلُثَيْنِ كَالْوَصِيَّةِ بِالْعَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَنْعُ الْجَمِيعِ عَنِ الْوَرَثَةِ كَمَا لَا يَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الْعَيْنِ، وَإِذَا تَقَرَّرَتِ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ وَجَبَتِ الْمُهَايَأَةُ بِالْحِصَصِ كَمَا قُلْنَا. قَالُوا: وَالْأَعْدَلُ فِي الدَّارِ أَنْ تُقَسَّمَ أَثْلَاثًا تَسْكُنُ الْوَرَثَةُ الثُّلُثَيْنِ وَالْمُوصَى لَهُ الثُّلُثُ ; لِأَنَّ فِيهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الِانْتِفَاعِ زَمَانًا وَذَاتًا، وَفِي الْمُهَايَأَةِ ذَاتًا لَا زَمَانًا بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَجَزَّى فَلَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ فَتَعَيَّنَتِ الْمُهَايَأَةُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ لَكِنْ لَا يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ فَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَخْدِمُ الْمُوصَى لَهُ عَلَى قَدْرِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ مِثَالُهُ: إِذَا كَانَ الْعَبْدُ نِصْفَ التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَخْدِمُ الْمُوصَى لَهُ يَوْمَيْنِ وَالْوَرَثَةَ يَوْمًا ; لِأَنَّ ثُلُثَيِ الْعَبْدِ ثُلُثُ التَّرِكَةِ فَصَارَ الْمُوصَى بِهِ ثُلُثَيِ الْعَبْدِ وَثُلُثَهُ لِلْوَرَثَةِ فَيُقْسَمُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ تَخْرُجُ بَقِيَّةُ مَسَائِلِهِ. قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ عَادَ إِلَى الْوَرَثَةِ) لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ اسْتَوْفَى مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ مِنَ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي كَمَا بَيَّنَّا، فَلَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى وَرَثَتِهِ كَانَ

стр. 773

وَمَنْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ فَلَهُ الثَّمَرَةُ الْمَوْجُودَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَبَدًا، فَلَهُ ثَمَرَتُهُ مَا عَاشَ، وَلَوْ أَوْصَى بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ فَلَهُ الْحَاضِرَةُ وَالْمُسْتَقْبَلَةُ وَإِنْ أَوْصَى بِصُوفِ غَنَمِهِ أَوْ بِأَوْلَادِهَا أَوْ بِلَبَنِهَا فَلَهُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ مَوْتِهِ، قَالَ أَبَدًا أَوْ لَمْ يَقُلْ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] ابْتِدَاءَ اسْتِحْقَاقٍ مِنْ غَيْرِ رِضًى فَلَا يَجُوزُ، وَإِذَا كَانَتْ عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي تَنْتَقِلُ إِلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِغَلَّتِهِمَا فَاسْتَخْدَمَ بِنَفْسِهِ وَسَكَنَ، قِيلَ: يَجُوزُ لِاسْتِوَاءِ الْغَلَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ فِي الْمَقْصُودِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْغَلَّةَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ وَالْوَصِيَّةُ بِهِمَا حَصَلَتْ وَهُوَ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ، وَهُمَا غَيْرُ مُتَفَاوِتَيْنِ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَى الْمُوصِي دَيْنٌ أَمْكَنَهُمُ اسْتِرْدَادُ الْغَلَّةِ وَإِيفَاءُ الدَّيْنِ، وَلَا يُمْكِنُهُمُ اسْتِرْدَادُ الْمَنْفَعَةِ بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا فَكَانَ هَذَا أَوْلَى، وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ بَيْعُ الثُّلُثَيْنِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِمْ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ ثَابِتٌ فِي سُكْنَى الْجَمِيعِ لَوْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ آخَرُ تَخْرُجُ الدَّارُ مِنَ الثُّلُثِ وَلَهُ حَقُّ الْمُزَاحَمَةِ فِي الثُّلُثَيْنِ لَوْ خَرَّبَ الثُّلُثَ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَالْبَيْعُ يُبْطِلُ ذَلِكَ فَيُمْنَعُونَ عَنْهُ. وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ وَلِآخَرَ بِرَقَبَتِهِ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ فَهُوَ كَمَا أَوْصَى لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مَعْلُومًا حَيْثُ عَطَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَصَارَ كَحَالَةِ الِانْفِرَادِ وَحُكْمِ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ مَعَ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ كَالْوَارِثِ مَعَ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ فَلَهُ الثَّمَرَةُ الْمَوْجُودَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ قَالَ أَبَدًا فَلَهُ ثَمَرَتُهُ مَا عَاشَ، وَلَوْ أَوْصَى بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ فَلَهُ الْحَاضِرَةُ وَالْمُسْتَقْبَلَةُ) ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ عُرْفًا فَلَا يَنْتَظِمُ الْمَعْدُومُ إِلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَقَوْلُهُ أَبَدًا صَرِيحٌ فِي إِرَادَتِهِ فَيَنْتَظِمُهُ، إِذْ لَوْ لَمْ يَنْتَظِمْهُ لَمْ يَبْقَ لِلتَّأْبِيدِ فَائِدَةٌ. أَمَّا الْغَلَّةُ فَيَنْتَظِمُ الْمَوْجُودُ وَمَا سَيُوجَدُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى عُرْفًا، يُقَالُ: فُلَانٌ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّةِ بُسْتَانِهِ وَأَرْضِهِ وَدَارِهِ، وَيُرَادُ بِهِ الْمَوْجُودُ وَمَا سَيُوجَدُ عُرْفًا فَافْتَرَقَا. قَالَ: (وَإِنْ أَوْصَى بِصُوفِ غَنَمِهِ أَوْ بِأَوْلَادِهَا أَوْ بِلَبَنِهَا فَلَهُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ مَوْتِهِ، قَالَ أَبَدًا أَوْ لَمْ يَقُلْ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ عِنْدَ الْمَوْتِ عَلَى مَا عُرِفَ، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى تَمْلِيكَ الْمَعْدُومِ لِعَدَمِ قَبُولِهِ لِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِوُرُودِ الْعَقْدِ عَلَى الْغَلَّةِ وَالثَّمَرَةِ الْمَعْدُومَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ فَقُلْنَا بِجَوَازِهِ فِي الْوَصِيَّةِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ، وَبَلْ أَوْلَى لِأَنَّ بَابَ الْوَصِيَّةِ أَوْسَعُ، أَمَّا الْوَلَدُ وَالصُّوفُ وَاللَّبَنُ لَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ فِي الْمَعْدُومِ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي الْمَوْجُودِ تَبَعًا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَمَقْصُودًا فِي الْخُلْعِ، فَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ يَجُوزُ فِي الْمَوْجُودِ دُونَ الْمَعْدُومِ اتِّبَاعًا لِمَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَلَوْ أَوْصَى بِغَلَّةِ عَبْدِهِ وَغَلَّةِ دَارِهِ فِي الْمَسَاكِينِ جَازَ، وَبِسُكْنَى دَارِهِ أَوْ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لَهُمْ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ سُكْنَى الدَّارِ وَاسْتِخْدَامُ الْعَبْدِ إِلَّا بِالْمِرَمَّةِ وَالنَّفَقَةِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فَبَطَلَتْ. أَمَّا الْغَلَّةُ يُمْكِنُ تَرْمِيمُ الدَّارِ وَالنَّفَقَةِ

стр. 774

وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ، وَالْهِبَةُ وَالْمُحَابَاةُ وَصِيَّةٌ، وَالْمُحَابَاةُ إِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْعِتْقِ فَهِيَ أَوْلَى، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ شَارَكَتْهُ (سم) ، وَمَنْ أَوْصَى بِحُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - قُدِّمَتِ الْفَرَائِضُ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْغَلَّةِ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهَا. قَالَ: (وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ، وَالْهِبَةُ وَالْمُحَابَاةُ وَصِيَّةٌ) تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعَاتٌ فِي الْمَرَضِ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ فَتُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَالْمُحَابَاةُ إِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْعِتْقِ فَهِيَ أَوْلَى، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ شَارَكَتْهُ) وَقَالَا: الْعِتْقُ أَوْلَى كَيْفَ كَانَ. وَصُورَةُ الْمُحَابَاةِ: أَنْ يَبِيعَ الْمَرِيضُ مَا يُسَاوِي مِائَةً بِخَمْسِينَ، أَوْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي خَمْسِينَ بِمِائَةٍ فَالزَّائِدُ عَلَى قِيمَةِ الْمِثْلِ فِي الشِّرَاءِ وَالنَّاقِصُ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ وَهِيَ كَالْهِبَةِ فِي الْمَرَضِ فَاعْتُبِرَتْ وَصِيَّةً. وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا أَنْ يُحَابِيَ ثُمَّ يُعْتِقَ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُعْتِقَ ثُمَّ يُحَابِيَ، وَالثَّالِثَةُ أَنْ يُعْتِقَ ثُمَّ يُحَابِيَ ثُمَّ يُعْتِقَ، وَالرَّابِعَةُ أَنْ يُحَابِيَ ثُمَّ يُعْتِقَ ثُمَّ يُحَابِيَ. فَإِنْ خَرَجَ الْكُلُّ مِنَ الثُّلُثِ نَفَذَتْ وَلَا كَلَامَ فِيهَا وَلَا خِلَافَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تُنَفَّذُ الْمُحَابَاةُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِلْعِتْقِ، وَقَالَا بِالْعَكْسِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ يَشْتَرِكَانِ، وَقَالَا: يُنَفَّذُ الْعِتْقُ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِلْمُحَابَاةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ يَصْرِفُ نِصْفَ الثُّلُثِ لِلْمُحَابَاةِ؛ لِأَنَّهَا تُشَارِكُ الْعِتْقَ الْأَوَّلَ عِنْدَهُ، ثُمَّ مَا أَصَابَ الْعِتْقُ الْأَوَّلُ قُسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ نِصْفَيْنِ، وَفِي الرَّابِعَةِ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُحَابَاتَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا، ثُمَّ مَا أَصَابَ الثَّانِيَةَ قُسِمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا فَيُشَارِكُهَا، وَقَالَا: الْعِتْقُ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ. لَهُمَا أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ وَيَلْحَقُ الْمُحَابَاةَ فَكَانَ أَوْلَى. وَالتَّقَدُّمُ فِي الذِّكْرِ لَا يُوجِبُ التَّقَدُّمَ فِي الثُّبُوتِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ. وَفِي أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ إِذَا كَانَ فِي الْوَصَايَا عِتْقٌ بُدِئَ بِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُحَابَاةَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَكَانَ تَبَرُّعًا مَعْنًى لَا صُورَةً، وَالْإِعْتَاقُ تَبَرُّعٌ صُورَةً وَمَعْنًى، وَالْمُعَاوَضَاتُ أَقْوَى مِنَ التَّبَرُّعَاتِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْمُحَابَاةُ أَوَّلًا وَهِيَ أَقْوَى لَا يُزَاحِمُهُ الْأَضْعَفُ بَعْدَهَا لِقُوَّتِهِ وَسَبْقِهِ، إِلَّا أَنَّ الْعِتْقَ إِذَا تَقَدَّمَ وَهُوَ لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ تَعَارَضَا فَيَسْتَوِيَانِ فَيَشْتَرِكَانِ. قَالَ زُفَرُ: مَا بَدَأَ بِهِ الْمُوصِي مِنْهُمَا فَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّ بِدَايَتَهُ دَلِيلٌ أَنَّ اهْتِمَامَهُ بِهِ أَكْثَرُ فَكَانَ غَرَضُهُ تَقَدُّمَهُ فَيَتْبَعُ غَرَضَهُ، وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ مَاتَ وَتَرَكَ عَبْدًا فَقَالَ لِلْوَارِثِ: أَعْتَقَنِي أَبُوكَ، وَقَالَ آخَرُ: لِي عَلَى أَبِيكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: صَدَقْتُمَا سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ، وَقَالَا: يُعْتَقُ مِنْ غَيْرِ سِعَايَةٍ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ وَالدَّيْنَ ظَهَرَا مَعًا فِي الصِّحَّةِ بِتَصْدِيقِ الْوَارِثِ بِكَلَامٍ وَاحِدٍ، وَالْعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ لَا يُوجِبُ السِّعَايَةَ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُعْتَقِ دَيْنٌ. وَلَهُ أَنَّ الدَّيْنَ أَقْوَى لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَأَبْطَلْنَاهُ مَعْنًى بِإِيجَابِ السِّعَايَةِ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قُدِّمَتِ الْفَرَائِضُ) لِأَنَّهَا أَهَمُّ مِنَ النَّوَافِلِ ; لِأَنَّ الْفَرَائِضَ تُخْرِجُهُ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَالنَّوَافِلُ

стр. 775

وَإِنْ تَسَاوَتْ قُدِّمَ مَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي إِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا، وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ يُقَدَّمُ مَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي. وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَلِآخَرَ بِسُدُسِهِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِهِ وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ أَوْ بِنِصْفِهِ أَوْ بِجَمِيعِهِ (سم) فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَا يَضْرِبُ (سم) الْمُوصَى لَهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِلَّا فِي الْمُحَابَاةِ وَالسِّعَايَةِ وَالدَّرَاهِمِ الْمُرْسَلَةِ، ــ [الاختيار لتعليل المختار] تُحَصِّلُ لَهُ زِيَادَةَ الثَّوَابِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْأَهَمَّ وَالْأَوْلَى. (وَإِنْ تَسَاوَتْ) بِأَنْ كَانَ الْكُلُّ فَرَائِضَ. (قُدِّمَ مَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي إِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَدَأَ بِالْأَهَمِّ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِالْحَجِّ ثُمَّ بِالزَّكَاةِ لِأَنَّهُ يُؤَدَّى بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، وَقِيلَ: بِالزَّكَاةِ ثُمَّ بِالْحَجِّ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْعِبَادِ فَكَانَتْ أَوْلَى، ثُمَّ بَعْدَهُمَا الْكَفَّارَاتُ؛ لِأَنَّهُمَا أَقْوَى مِنْهَا فِي الْفَرْضِيَّةِ وَالْوَعِيدِ عَلَى التَّرْكِ، ثُمَّ صَدَقَةُ الْفِطْرِ بَعْدَ الْكَفَّارَاتِ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ عُرِفَ وَجُوبُهَا بِالْقُرْآنِ وَصَدَقَةَ الْفِطْرِ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ الْأُضْحِيَّةُ لِأَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مُجْمَعٌ عَلَى وُجُوبِهَا وَالْأُضْحِيَّةُ مُخْتَلَفُ فِيهَا (وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ يُقَدَّمُ مَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي) لِمَا مَرَّ. [فصل أوصى بثلث ماله لرجل وبالسدس لآخر] فَصْلٌ (وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَلِآخَرَ بِسُدُسِهِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا) لِأَنَّ الثُّلُثَ ضِعْفُ السُّدُسِ، فَقَدْ أَوْصَى لِأَحَدِهِمَا بِسَهْمَيْنِ وَلِلْآخَرَ بِسَهْمٍ. (وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِهِ وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ أَوْ بِنِصْفِهِ أَوْ بِجَمِيعِهِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ. أَمَّا الْأُولَى فَبِالْإِجْمَاعِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي قَدْرِ الْوَصِيَّةِ وَالثُّلُثُ لَا يَتَّسِعُ لَهُمَا فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. (وَلَا يَضْرِبُ الْمُوصَى لَهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) عِنْدَهُ. (إِلَّا فِي الْمُحَابَاةِ وَالسِّعَايَةِ وَالدَّرَاهِمِ الْمُرْسَلَةِ) وَقَالَا: يَضْرِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا أَوْصَى لَهُ كَمَا إِذَا أَجَازَتِ الْوَرَثَةُ، فَإِنَّهُ يُقْسَمُ الْكُلُّ عَلَى قَدْرِ مَا أَوْصَى لَهُمَا كَذَلِكَ هَهُنَا، فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ عِنْدَهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى خَمْسَةٍ، ثُلُثُهُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ، وَسَهْمَانِ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ: ثَلَاثَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْجَمِيعِ، وَسَهْمٌ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُوصِيَ قَصَدَ تَفْضِيلَ الْبَعْضِ فِي الْوَصِيَّةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِطَرِيقِ الضَّرْبِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ فَيُصَارُ إِلَيْهِ. وَلَهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ بَاطِلَةٌ فِي حَقِّ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ لِكَوْنِهَا وَصِيَّةً بِمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ فَبَطَلَ حَقُّ الضَّرْبِ ضَرُورَةَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا قُصِدَ التَّفْضِيلُ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَالْإِجَازَةِ بِدَلِيلِ إِضَافَتِهِ الْوَصِيَّةَ
следующие страницы →