← Сира

Сира · id 1067

كيف تنصر نبيك صلى الله عليه وسلم

نوال العيد

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله ذي القدرة والجلال، والنعم السابغة والإفضال، الذي منّ علينا بمعرفته، وهدانا إلى الإقرار بألوهيته، وجعلنا من أمة خاتم النبيين، السامي بفضله على سائر العالمين، الطاهر الأعراق، الشريف الأخلاق، الذي قال الله الكريم مخاطبة له في الذكر الحكيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال عن نصرته لدينه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ﷺ ، وأزلف منزلته لديه، وعلى إخوانه وأقربيه، وصحابته الأخيار، وتابعيه، وسلم عليه وعليهم أجمعين إلى يوم الدين .. أما بعد،، فإن الله هدانا بنبيّه محمد ﷺ ، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وآتانا ببركة رسالته، ويُمن سفارته خيري الدنيا والآخرة، وكان من ربه بالمنزلة العليا، وفي كتاب الله العزيز آيات كثيرة مفصحة بجميل ذكره ﷺ ، وعدِّ محاسنه، وتعظيم أمره وتنويه قدره، فمن ذلك ما قاله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ وقد جمع له سبحانه في هذه الآية ضروبًا من رُتب الأثرة، وجملة أوصاف

стр. 2

من المِدْحة، فجعله شاهدًا على أمّته بإبلاغهم الرسالة، فتحملها في الدنيا، ويؤديها في الآخرة، يقول تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ومبشّرًا لأهل طاعته، ونذيرا لأهل معصيته، وداعيًا إلى توحيده وعبادته، وسراجًا منيرًا يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، ويهتدي بأنواره إلى مناهج الرشد والهداية، وقد وصفه ربه بهذه الآية في التوراة وزيادة، «حرز للأميّين (١)، أنت عبدي ورسولي سميّتك المتوكّل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخاب (٢) في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو، ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا «لا إله إلا الله» ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبنا غلفًا». بل من فضيلته عند الله أن جعل طاعته طاعة لله، فقال ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وأقسم ربه بحياة رسوله ﷺ ، وله سبحانه أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس ذلك لأحد منهم، يقول ابن عبّاس: «ما خلق الله، وما ذرأ، وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي

стр. 3

سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾» وقد تضمنت سورة الضحى من كرامة الله تعالى لمحمد ﷺ ، وتنويهه به، وتعظيمه إياه خمسة وجوه: الأول: القسم له عمّا أخبره به من حاله بقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أي: وربّ الضحى، وهذا من أعظم درجات المبرّة .. الثاني: بيان مكانته عنده، وحظوته لديه بقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي: ما تركك وأبغضك بعد أن اصطفاك وأحبّك .. الثالث: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ أي: كل حالة متأخرة من أحوالك فإن لها الفضل على الحالة السابقة، فلم يزل ﷺ يصعد في درجات المعالي، ويُمكّن له من دينه، ويُنصر على أعداءه، ويسدد في أحواله حتى مات، وقد وصل إلى حال ما وصل إليها الأولون والآخرون من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب ثم بعد هذا لا تسأل عن حاله في الآخرة من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام ولقد من ربه عليه بالكوثر … الرابع: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة، وأنواع السعادة، وثبات الإنعام في الدارين وزيادة ..

стр. 4

الخامس: تعداده سبحانه لوجوه امتنانه عليه ﷺ بقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ وقد زكّاه سبحانه في خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وزكّى بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ وزكّى منطقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ورفع ذكره فلا يذكر إلا ويذكر معه كما في الأذان، والتشهد، والخطب، والمجامع والأعياد، وذاك قوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ صاحب الوسيلة (١)، والفضيلة (٢)، والمقام المحمود (٣)، والحوض المورود، ولواء الحمد الذي تحته كل حماد، أكرم خلق الله عليه، وسيد ولد آدم وهذا كله، إنما هو غيض من فيض، وقليل من كثير فضله ﷺ ، ولما أوجب الله علينا من تعزيره، ونصره بكل طريق ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل مؤذ، وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصرة

стр. 5

الخلق ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، ولكن ليبلوا بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسوله بالغيب؛ ليحق الجزاء على الأعمال كما سبق في أم الكتاب، أحببت أن أضرب بسهمي في بيان نزر قليل من تفاصيل وجوب محبته، ولزوم نصرته، وإخلاص نصيحته، وحقه على أمته عليه أفضل الصلاة والتسليم .. واعلم. نور الله قلبك وقلبي، وضاعف في هذا النبي الكريم حبي وحبك. أن لرسول الله عليك ﷺ حقوقًا عظيمة منها: ١ - ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فإن على كل مؤمن وجوب الإيمان به ﷺ وتصديقه فيما أتى به، وهذا معنى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع .. يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: - «ويجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي ﷺ ، فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلمة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ ، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله، شهد

стр. 6

أنه صادق فيما يخبر به عن الله، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة» ويقول ابن القيم في مدارج السالكين: «فرأس الأدب مع الرسول ﷺ : كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يحمله معارضة بخيال باطل يسميه معقولا، أو يحمله شبهة أوشكّا، أو يقدّم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل» وقد تكرر الأمر بالإيمان برسول الله ﷺ بل وقرنه بالإيمان بالله، يقول تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعل الرب شرط الإيمان به الإيمان برسوله ﷺ وبما يدعو إليه، كيف وقد أيده بالآيات الظاهرات الدالة على صدق ما جاء به، ولذا جاء عقب هذا الآية: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ

стр. 7

الصَّادِقُونَ﴾ وتأمل حصر الإيمان بأداة الحصر ﴿إِنَّمَا﴾ في من آمن بالله ورسوله، ثم لم يشك أو يتزلزل بل ثبت على حال واحده وهي التصديق المحض، ثم جاء بذل المال والنفس في سبيل الله، فكان الجزاء أن أشار إليهم: ﴿أُولَئِكَ﴾ لما فيه من معنى بعدهم في الفضل والأجر، وعقبه التزكية ﴿هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي الذين صدق فعلهم قولهم .. بل حكم الله بكفر من لم يؤمن برسوله وحذره من سعيره فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ وأخرج مسلم (١) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» .. وأخرج أيضا (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم أموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»

стр. 8

وانظر إلى المنزلة الرفيعة والمكانة العظيمة التي بلغها صديق هذه الأمة، حين صدق رسول الله حق تصديقه، وآمن به حق الإيمان، فعن عائشة ﵂ قالت: «لما أسري بالنبي إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقال: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟. قال: نعم! قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدق أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم إني لأصدق فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوه أو روحة «فلذلك سمي الصديق .. أخرجه الحاكم (١)، وصححه الألباني (٢). ومن لطائف هذا الباب التي تدل على منزلة الشيخين الجليلة، أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبها حتى استنقذها، فالتفت إليه الذئب، فقال له: من لها يوم السبع، ليس لها راع غيري؟! وبينما رجل يسوق بقرة وقد حمل عليها، فالتفتت إليه، فكلمته فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني

стр. 9

خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! قال النبي ﷺ «فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب» أخرجه البخاري (١) .. وانظر. رحمك الله. إلى مبلغ الإيمان برسول الله ﷺ عند الصحابة ومدى التصديق، فيما أخرجه مسلم (٢) من حديثه النواس بن سمعان في قصة المسيح الدجال وفيه: «إنه خارج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم، قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا؛ اقدروا له قدره» فها هو يخبرهم ﷺ بطول يوم في عصر الدجال حتى يغدو كسنة، فلا يسأل أصحابه إلا عن الصلاة وما ذاك إلا لسرعة استجابتهم، ورسوخ فضلهم، ولا غروفهم من زكاهم ربهم … وفي يوم الأحزاب حين تمايزت الصفوف عن أصناف ثلاثة لا رابع لها إما مؤمن خالص، أو كافر جاهر بكفره، أو منافق كشف خبث سريرته يوم أصاب المسلمين ما أصابهم من جوع، وخوف، وتكالب

стр. 10

أعداؤهم عليهم، واعترض أثناء حفر الخندق للمسلمين صخرة بيضاء صلدة شق عليهم كسرها، فذهب سلمان ﵁. ليخبر رسول الله لا فقام ﷺ بأبي هو أمي. وهو لها، فأخذ المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة صدغها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيّ المدينة كأنها مصباح في ليل مظلم، فكبر رسول الله ﷺ وكبّر صحابته، فضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة .. فسألوا رسول الله ﷺ ، فقال: «إني حين ضربت الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني، قال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ديارهم، ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله ﷺ ﷺ بذلك، ثم ضربت الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني، فقالوا: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ديارهم، ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله ﷺ بذلك، ثم ضربت الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني. قال رسول الله ﷺ عند ذلك: دعوا الحبشة ما ودعوكم». أخرجه النسائي وحسنه الألباني (١) ..

стр. 11

وارع سمعك وبصرك لما تقرأ ترى ما بثه رسول الله ﷺ من روح الأمل والبشارة في زمن جوع شكي فيه الصحابة إلى رسول الله الجوع، فرفعوا عن بطوهم عن حجر، فرفع رسول الله عن حجرين، وفي خوف شديد، ومع ذلك يؤمن صحابة رسول الله ﷺ ما أخبرهم به في هذا الزمن الحرج ولا ريب فحكمه عدل، وخبره صدق، ولذلك كان أبو هريرة ﵁. يقول حين فتحت هذه الأمصار: افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة، ولا تفتحوها إلى يوم القيامة، إلا وقد أعطى الله محمد ﷺ مفاتيحها قبل ذلك .. ومما مضى عليك بالمسارعة في الإيمان برسول الله ﷺ ، واحذر أن تورد الشبهة على الأحاديث النبوية، ولا تجعل قلبك كالإسفنجة تتلقى ما يرد عليها، واجتنب إثارة الشبهة وإيرادها على نفسك أو غيرك، فالشبهة خطّافة، والقلوب ضعيفة، وأكثر من يلقيها حمّالة الحطب. المبتدعة وأذنابهم. فتوقّهم، ولك في سلفك الصالح قدوة، فبهداهم اقتده ..

стр. 12

٢ - حتى يحبك الله .. ادعى قوم على عهد رسول الله أنهم يحبون الله، فنزلت آية المحنة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ يقول ابن كثير: «هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين المحمدي في جميع أقواله وأفعاله» (١) وقال ابن القيم: «يحبكم الله، إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فليست محبتكم له حاصلة، ومحبّته لكم منتفية» (٢)، فمحبة الله تكون ثابتة بمتابعة رسول الله ﷺ في أعماله وأقواله وأخلاقه .. وتأمل. وفقك الله. ثمرة متابعة رسول الله: محبة الله، ومغفرة الذنوب واحذر من ترك طاعته ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾

стр. 13

تعصي الإله وأنت تزعم حبه … هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع يقول الإمام أحمد - رحمة الله -: «نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول ﷺ في ثلاثة وثلاثين موضعا» (١) ويقول شيخ الإسلام: «وقد أمر الله بطاعة رسوله ﷺ في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن، وقرن طاعته بطاعته، وقرن بين مخالفته ومخالفته، كما قرن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا وذكر معه» فطاعة الله ورسوله ﷺ رحمة ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .. وطاعة الله ورسوله ﷺ فوز ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ..

стр. 14

وطاعة الله ورسوله ﷺ سبب دخول الجنة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .. بل إن طاعة الله ورسوله سبب عظيم في اللحاق بأولي الدرجات العلى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ .. واحذر - هداك الله - مخالفة الله ورسوله فإن المخالفة سبب الشقاء في الدنيا والآخرة يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ وفي هذه الآية بيان حال مخالف الرسول ﷺ حين يقوم الناس لرب العالمين فيعض الظالم على يديه أسفا وحسرة لمخالفة الرسول ﷺ لكن أنى له الذكرى .. ؟! ويقول سبحانه: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾

стр. 15

وقارن بين حال المتبع والمخالف أو المبتدع، فالمتبعون في جنات فائزون مهتدون مرحومون، والمخالفون قد بلغ منهم الأسى مبلغه وعضوا الأنامل حسرات، وشروا في جهنم جماعات يلعن بعضهم بعضا، ويدعو بعضهم على بعض. ومن أدل الآيات الموجبة للتسليم لحكمه ﷺ ، والانقياد له قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وفي هذه الآية أقسم سبحانه بأجل مقسم به - وهو نفسه على أنه لا يثبت لهم إيمان، ولا يكونون من أهله، حتى يحكموا رسول الله في جميع موارد النزاع وفي جميع أبواب الدين فإن لفظه (ما) من صيغ العموم، ولم يقتصر الأمر على مجرد التحاكم، بل ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه حيث لا يجدون في أنفسهم حرجا. ضيقا. من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإن هذا مناف للإيمان، ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فذكر الفعل مؤكدة بمصدره القائم على ذكره مرتين، وهو التسليم والخضوع والانقياد طوعًا ورضًا، وتسليمًا لا قهرًا ومصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره كرهًا، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده

стр. 16

الذي هو أحب شيء إليه، يعلم أن سعادته وخلاصه في تسليمه إليه، وليعلم بأنه أولى به من نفسه، وأبر به منها، وأقدر على تخليصها، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ومتى أراد العبد أن يعلم قبوله لحكم رسول الله ﷺ ، وتسليمه له، فلينظر في حاله، ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار والصغار ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ فسبحان الله كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير النصوص بودهم أن لولم ترد!! وكم من حرارة في أكبادهم منها!! وكم من شجي في حلوقهم منها ومن موردها!! ستبدولهم تلك السرائر بالذي يسود ويخزي يوم تبلى السرائر ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ وأخرج البخاري (١) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد

стр. 17

أبى»، وأخرج - أيضا من حديث جابر قال: «جاءت الملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم. فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة، وإن القلب يقظان. فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها له يفقهها. فقال بعضهم: الدار الجنة، والداعي محمد ﷺ ، فمن أطاع محمد ﵊ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس» وفي حديث العرباض بن ساريه. ﵁. قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا

стр. 18

عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» أخرجه أبو داوود، وصححه الألباني (١) .. يقول الإمام الخطابي: - إنما أراد بذلك الجد في لزوم السنة، فعل من أمسك بشيء بين أضراسه، وعض عليه مانعا له أن ينتزع، وذلك أشد ما يكون التمسك بالشيء، إذ كان ما يمسكه بمقاديم فمه أقرب تناولا وأسهل نزعا» وقد حوى الحديث ركيزتين أساسيتين: ١/ الإتباع .. ٢/ وذم الابتداع .. وكل ما تركه الرسول ﷺ من جنس العبادات، ولم يفعله مع وجود المقتضي لفعله على عهده ﷺ ففعله بدعه، وتركه سنه، كالاحتفال بالمولد، وإحياء ليلة الإسراء والمعراج، وإحياء ليلة الهجرة، ورأس السنة وغيرها، لقول رسول الله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» (٢).

стр. 19

يقول الإمام مالك: «فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا» (١)، ويقول شيخ الإسلام: «والترك الراتب سنة، كما أن الفعل الراتب سنّة» (٢) وتعال لنقف على حال السلف الصالح في اتباعهم، وسرعة اقتدائهم بحبيبهم ﷺ .. أخرج البخاري (٣) عن البراء ﵁ قال: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلّى نحو بيت المقدس ستّة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحبّ أن يُوَجّه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ فتوجه نحو الكعبة، وصلّى معه رجل العصر ثم خرج فمرّ على قوم من الأنصار فقال: «هو يشهد أنه صلى مع النبي ﷺ ، وأنه قد وجه إلى الكعبة»، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر .. فما أسرع تأسيهم فلم يترددوا في التمسك بما جاء به، بل لم ينتظروا رفع رؤوسهم من الركوع، وبادروا بالتوجه إلى حيث توجه

стр. 20

الحبيب ﷺ إلى الكعبة المشرفة وهم ركوع .. وأخرج أبوداود وصحح الألباني (١) من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: «كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية فقال رسول الله ﷺ إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض» حتى يقال: «لو بسط عليهم ثوب لعمهم» فبمجرد أن طرق الأمر أسماعهم، كان فعلهم يترجم قوله ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ويأتي الراوي ليصف حالهم بعد الأمر «لو بسط عليهم ثوب لوسعهم» … وقد يخفى على المسلمة الحكم الشرعي في أمر من أمور حياتها، ومسألة في دينها، ويعزّ عليها الإجتهاد والتماس النصوص الشرعية، فالمتعين هنا التورع عن العمل بلا علم وسؤال الراسخين في العلم؛ لمعرفة الحق المبين، أخرج مسلم (٢) من حديث أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عريسا،

стр. 21

أصابتها حصبة، فتمزق شعرها، أفأصله؟ قال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» .. وتأمل. أعانك الله على طاعته. لهجة الأم الحنون التي تفيء بظلال العاطفة والمحبة الوارفة، وهي تستأذن رسول الله ﷺ في وصل شعر ابنتها الناقهة من المرض، حديثة العهد بالعرس، إن المشاعر الجياشة التي تضطرب في فؤاد تلك الوالدة، والرغبة الجامحة لتزيين بنيتها، وتحقيق فرحتها، لم تسوغ لها ارتكاب المنكر .. فلم تطب نفسا بالوصل بحجّة الجهل بالحكم، أو احتياج العروس إليه، بل أتت تستفتي رسول الله، راضية بحكمه، مسلمة لأمره .. وما أحوجنا في هذا العصر الذي شاع فيه حب الملذات، وإرضاء الشهوات بالمحرمات، أن نطوع أنفسنا لما يرضي ربنا وبجعل هوانا تبعا لسنة نبينا ﷺ حتى نحب ما يحبه وندع ما يبغضه مقتدين في ذلك بسلفنا الصالح … ولا يظنن أحد أن الامتثال كان سمة أفراد من هذا العصر المشرق فحسب بل كان صبغة جميع أفراده، أخرج أبو داوود وصحح

стр. 22

الألباني (١) من حديث أبي أسيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال: " استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق» فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها يتعلق بالجدار من التصاقها به .. وقال إبراهيم بن مجمع: «كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به» وقال أحمد بن حنبل: «ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به، حتى مرّ بي أن النبي ﷺ «احتجم وأعطى أبا شيبة دينارًا، فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارًا» (٢) فابذل وسعك في حفظ العلم حفظ رعاية بالعلم والإتباع لا على فعل الواجبات وترك المحرمات فحسب، بل في الحرص على فعل المسنونات، وترك المكروهات، وتميز في عامة أمرك باستعمال آثار

стр. 23

رسول الله ما أمكنك ووظف السنن على نفسك، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فاشتر نفسك اليوم فإن السوق قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوما لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير، ذلك يوم التغابن، يوم يعض الظالم على يديه .. ٣ - حتى من نفسك .. اعلم. وفقك الله. أن حبّ رسول الله ﷺ من الإيمان، بل إنه مقدم على حب النفس، كما روى البخاري (١) من حديث عبد الله بن هشام. ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر. ﵁. فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» فقال له عمر: «فإنه الآن والله!! لأنت أحب إليّ من نفسي» قال: «الآن يا عمر» ومما يلاحظ في قوله «والذي نفسي بيده» أنه لا أقسم وهو الصادق المصدوق، فالقسم للتأكيد، وقوله «الآن يا عمر» يعني: كمل

стр. 24

إيمانك (١) .. مصداق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، ومقدم على حب الوالد والولد كما أخرج البخاري (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فوالّذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده». بل لا بدّ أن تكون محبته مقدّمة على الأهل والمال والناس أجمع، أخرج مسلم (٣) من حديث أنس ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله، والناس أجمعين» فالمتأمل فيما تقدم من الأحاديث يجد أنواع المحبّة؛ فالمحبة إما محبة إجلال وتعظيم كمحبة الوالد، وإما محبة تحنن وود كمحبة الولد، وإما محبة لأجل الإحسان وصفات الكمال كمحبة الناس بعضهم بعضا، وإما محبة غنا كمحبة المال، وإما محبة بقاء كمحبة النفس، ولا يؤمن العبد حتى يكون حب الرسول ﷺ عنده أشد من هذا المحابّ كلها،

стр. 25

ولقد هدد الله من كان شيء من الخلق أحب إليه من الله ورسوله فقال ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يقول مجاهد والحسن (١) - رحمهما الله - في تفسير قوله تعالى ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ «بعقوبة آجلة أو عاجلة، ثم فسقهم الله بتمام الآية، وأعلمهم أفهم ممن ضل ولم يهده الله». يقول الزمخشري (٢): - «وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها» ويقول القرطبي (٣): - «وفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله ولا خلاف في ذلك، وأن ذلك مقدم على كل محبوب» ولن تجد حلاوة الإيمان التي تعني استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، الذي يعني سلامة

стр. 26

قلبك وصحتك حتى تكمل محبة الله ورسوله لا تكتفي منها بأصل الحب، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليك من مما سواهما، وبفرع المحبة بأن لا يحب المرء إلا لله، ولا بد أن يدفع المرء ضدها بأن يكره أن يعود إلى الكفر أو الفسق بعد أن هداه الله، أخرج الشيخان (١) من حديث أنس مرفوعا: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» وأبشر أيها المحب بمرافقتك من أحببت، فقد روى مسلم (٢) من حديث أنس بن مالك ﵁. قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت للساعة؟» قال: حب الله ورسوله، قال: «فإنك مع من أحببت» قال أنس ﵁.: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ «فإنك مع من أحببت» قال أنس: «فانا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر ﵄ فأرجو الله أن أكون معهم، وأن أعمل بأعمالهم»

стр. 27

ومحبة الله ورسوله على درجتين: محبة واجبة، وهي درجة المقتصدين وتقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بحيث لا يبغض شيئا يبغضه وإنما يحب جميع ما أوجبه الله ورسوله، ويبغض ما حرمه الله ورسوله، يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ وأما المستحبة وهي درجة السابقين وتكون بمحبة ما أحبه الله من النوافل والفضائل محبة تامة، وهذا حال المقربين الذين قربهم الله إليه، جعلني الله وإياك منهم (١) .. وانقسم الناس في محبة رسول الله ﷺ إلى أقسام ثلاثة: - أهل إفراط، وأهل تفريط، ووسط بينهما وكذلك جعل الله أمة محمد أمة وسطا .. أما الأوائل منهم فهم الذين ابتدعوا أمورا لم يشرعها الله ورسوله، ظنا منهم أن فعل هذه الأمور هو علامة المحبة وبرهانها، ونسوا قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فاحتفلوا بمولده ولو كان

стр. 28

خيرًا ما سبقوه إليه، وبالغوا في مدحه، ووقعوا في الغلو الذي نهاهم عنه، فوا عجبي لمحبتهم المزعومة، وفي ذلك يقول قائلهم: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به … سواك عند حلو الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي … فضلا وإلا فقل يا زلة القدم (١) واشتغلوا بحفظ المدائح النبوية عن حفظ سنته، فسار القوم ووقفوا، ووصل القوم وانقطعوا، حتى بلغ الحال ببعضهم أن صار يدعو رسول الله من دون الله، ويحلف به، ويتمسح بالحجرة التي فيها قبره إلى غير ذلك من الشركيّات التي تفعل بدعوى محبة رسول الله ﷺ وهي منافية لها بعيدة عنها .. أما المفرط فهو الذي لم يرع حق رسول الله ﷺ في وجوب تقديم محبته على محبة النفس والأهل والمال .. ولم يعزره، ويجله، ويطيع أمره، ويتبع سنته، وما ذاك إلا بسبب ذنبه، وإغراقه في شهوات نفسه، وتقديم هواه على ما جاء في شرع ربه، ثم أنه اعتقد جاهل

стр. 29

قومه أن مجرد التصديق يكفي في تحقيق الإيمان، حاله كحال أهل الإرجاء الذين يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان، ويقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو تصديق القلب وإقرار اللسان، وما أكثر هؤلاء. لا كثرهم الله. في هذا الزمان .. وأما القسم الثالث وهم من وفق الله فالذين توسطوا بين الطرفين وأصحاب هذا القسم هم السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، فأحبوا النبي ﷺ فوق محبة النفس والولد والأهل وجميع الخلق، وتابعوه، وعزروه، ونصروه، وحفظوا سنته رعاية ورواية، واعتقدوا أنه ليس من المحبة في شيء الغلوفي حقه، وقدره، ووصفه بأمور قد اختص الله بها وحده، بل علموا أن هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .. ومن علامات هذه المحبة: الحرص على رؤيته، والإكثار من ذكره بالصلاة والسلام عليه، ولزوم طاعته، وحفظ ونصر سنته و، والذب عن عرضه، ومحبة من أحب، وبغض من أبغض. وقد مضى بعضها، وسيأتي البعض الآخر بشيء من الذكر. إن شاء الله …

стр. 30

وللسلف الصالح في محبة رسول الله ﷺ أعطر الذكر، وإليك بعضا من سير القوم في صدق المحبة، وعظيم العاطفة: سئل علي بن أبي طالب ﵁ كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ ؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ (١) .. وقد سأل أبو سفيان بن حرب. وهو على الشرك يومئذ. زيد بن الدثنة ﵁ حينما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقتلوه، أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي .. قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدة كحب أصحاب محمد محمدا (٢) … وجاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ، فقال: لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي ولولا أني آتيك فأراك لظننت

стр. 31

أني سأموت، وبكى الأنصاري. فقال له رسول الله ﷺ : - «ما أبكاك» قال: ذكرت أنك ستموت، ونموت فترفع مع النبيين، ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك. فلم يخبره النبي ﷺ بشيء فأنزل الله على رسوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) فقال له الرسول ﷺ : «أبشر» (١) وروى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص قال: «مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها، وأخوها، وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير إليه حتى رأته. قالت: كل مصيبة بعدك جلل (٢) .. وما هذا الإيثار الذي تضمنته هذه الكلمات إلا تعبيرا عما تكنه نفوسهم من المحبة له ﷺ

стр. 32

واسمع إلى قول قيس بن صرمة الأنصاري إذ يقول حين قدم النبي ﷺ المدينة: ثوى في قريش بضع عشر حجة … يذكر لو يلقى حبيبا مؤاتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا واستقرت به النوى … وأصبح مسرورا بطيبة راضيا بذلنا له الأموال من حل مالنا … وأنفسنا عند الوغى والتأسيا نفادي الذي عادي من الناس كلهم … جميعا وإن كان الحبيب المصافيا ونعلم أن الله لا رب غيره … وأن رسول الله أصبح هاديا فهل رأيت حبا أعظم من حب أصحاب محمد ﷺ له، وبعد ما تقدم؛ تذكر كم مرة قدمت محبة نفسك ووالدك وولدك وزوجك على محبة رسول الله ﷺ ، وكم مرة أطعتهم وعصيته، وحكمتهم

стр. 33

في مالك، وسلمتهم نفسك، فما أعجب حالك، كيف تستبدل الذي هو أدني بالذي هو خير، وتقرأ ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ واعلم أنك متى أرضيت الله أرضى عنك الناس كلهم ولو سخطوا، وإن ابتغيت رضاهم بغضب الله غضب الله عليك وأغضب عليك الناس ولو رضوا، فأحكم معيارك، واجعله رضا ربك، تفز بإذن مولاك، بوركت، وبورك عملك. ٤ - هل اشتقت له؟! وتمنيت صحبته؟! لا ريب أن غاية المحب أن يرى محبوبه، وأن يحظى بصحبته، وأن يكحل عينه برؤيته حتى ولو كانت هذه الرؤيا مقابل بذل المال والأهل، ولقد نص على هذه العلامة رسولنا ﷺ فيما أخرجه مسلم (١) من حديث أبي هريرة ﵁. أن رسول الله ﷺ قال: «من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله» .. وقد وصف رسول ﷺ أهل هذه العلامة من الأمة بأنهم من أشد الناس محبة الرسول الله، ولا يقدر حق هذه الأمنية إلا

стр. 34

صاحب الإيمان الذين ترسخ في قلبه حب رسول الله ﷺ ، وضربت شجرة المحبة بعروقها في قلبه، فأينعت ثمارها، وطاب أكلها، ولا يبالي أحدهم أن يبذل أهله وماله للحظوة برؤيته ﷺ ، ولسان حال أحدهم يقول: ما أعظم الأمنية، وما أرخص الثمن .. فحريّ بهذه النفوس أن تنال شهادة النبي ﷺ لها بأنها أشد القلوب محبة له، ولا تعجب لمن اشتاق لرؤية من اصطفاه الله، وهداه الله به، من حاز على خصال الكمال التي هي في جبلة الحلقة، وأحاط بشتات محاسنها دون خلاف بين نقله الأخبار لذلك، فلم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق (١) ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط ولا بالسبط (٢)، مربوعًا بعيد مابين المنكبين، ششن (٣) الكتفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس (٤)، وطويل المسربة (٥)، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج (٦) الحواجب سوابغ في

стр. 35

غير قرن (١)، بينهما عرق يكره الغضب، أقنى العرنين (٢)، أهدب الأشفار (٣)، أدعج العينين (٤)، له نور يعلوه، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم (٥)، مفلج الأسنان (٦)، أحسن الناس عنقا كأن عنقه جيد دمية في صفاء فضة (٧)، خافض الطرف الطرف نظرة إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، إذا ضحك ضحك عن مثل سنا البرق، وعن مثل حب الغمام، وإذا تكلم رؤي كالنور يخرج من ثناياه .. قال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله كأن الشمس تحري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الحدر .. وقالت أم معبد: أجمل الناس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب ..

стр. 36

وقال علي: من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ (١) .. هذا في خَلْقِه، أما خُلُقه فقد كان القرآن، وزكاه ربه فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فهل بعد هذا الكمال الخَلقي والخُلُقي لا تشتاق إليه بل تبذل دون رؤيته الأهل والمال .. وقد كان لسلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - عظيم الشوق للقياه، والحرص على صحبته. وإليك مواقف خلّدها التاريخ، وحفظتها السير: أخرج البخاري (٢) عن عائشة ﵂ قالت: «بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا» (٣) - في ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبوبكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبوبكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول

стр. 37

الله قال: فإني قد أذن لي في الخروج، فقال أبوبكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله: نعم «لم يفكر أبوبكر ﵁ في مخاوف السفر ومخاطره، وإنما كان مولعًا بشرف صحبته وإن ترك أهله وماله، فجاءته البشارة فانحدرت دمعته على لحيته الشريفة فرحا بالظفر، وجذلا بالفوز، يقول الحافظ: زاد إسحاق في روايته: «قالت عائشة ﵂: فرأيت أبا بكر يبكي، وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح» (١) وقد انتظر الأنصار مقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد خروجه من مكة، أخرج البخاري (٢) من حديث عروة قال: «وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يقعدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردّهم حر الظهيرة» وفي رواية ابن سعد (٣): «فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم»

стр. 38

ويحدّثنا الإمام أحمد (١) في حديث أنس أن عدد من استقبل رسول الله ﷺ كان زهاء خمسمائة من الأنصار انتهوا إلى رسول الله وأبي بكر، فقالوا: «انطلقنا آمنين مطيعين» وأمّا أهل المدينة فاسمع الصدّيق يحدثك عن استقبالهم لخير ضيف نزل عليهم: " ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتّى قدمنا المدينة، فتلقاه الناس، فخرجوا في الطريق وعلى الأجاجير (٢)، فاشتدّ الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر؛ جاء رسول الله، جاء محمد ﷺ ، قال: وتنازع القوم أيهم ينزل عليه .. يقول أنس: «فما رأيت يوما قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر المدينة» (٣) .. ويقول البراء: «فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ » (٤) .. وإليك أن تتخيل انتظارهم من أحبّوه في حرّ الهجيرة يترقبون

стр. 39

مرآه الجميل، وحديثه العذب النمير حتى تحرقهم الشمس فيرجعون إلى بيوتهم على أمل لقياه في الغد، فإذا أنارت المدينة بقدومه خرج خمسمائة من الرجال يستقبلونه، وامتلأت سكك المدينة وسطوحها بالنساء والخدم والصبيان يكبرون لمقدمه، ويهنئون أنفسهم أن اصطفاهم الله لشرف إقامته بينهم، يا له من موقف يغبط أهل المدينة عليه!!!. بل كان هم الواحد منهم أن ينال شرف الصحبة في الدنيا والآخرة ولا يتردد في طلب رسول الله ﷺ أن يدعو له أن يرافقه، فتأتي الإجابة التي تحث أصحابها على العمل والمتابعة، والاستمرار على النوافل، أخرج مسلم (١) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: «كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود» بل كان الواحد منهم حريصًا على اللحاق به، شوقًا للقياه، أخرج أحمد في المسند (٢) من حديث عائشة قالت: «إن أبا بكر لما

стр. 40

حضرته الوفاة قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين، قال: فإن متّ من ليلتي فلا تنتظروا في الغد، فإن أحب الأيام والليالي إلى أقربها من رسول الله ﷺ » ولما حضرت بلال ﵁. الوفاة، نادت امرأته: واحزناه، فقال: واطرباه، غدا ألقى الأحبة؛ محمد وحزبه .. وجاء مثل هذا عن حذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر. رضوان الله عليهم .. وبعد هذا، هل أنت مشتاق إلى رؤياه، حريص على شرف صحبته، والأنس بالقرب منه، فما بالي أراك عن هديه معرض، قدمت غيره عليه، تلهث لرضاه، وتحاول كسب مبتغاه، ثم تزعم محبة نبيك وشوقك له، إن الحب والشوق ليست شعارات تُرددّ، ولا دعاوى تخلو من الحقائق، بل هما واقع يترجم صدق صاحبه، ولهف اللحاق به، مطيع لأمره حافظ لحديثه، متابع لهديه، مداوم على طاعته، مشتغل بنشر سننه، وليبشر؛ فقد اشتاق الحبيب ﷺ لرؤية من كان هذا حاله، وسمّاه أخاه، وودّ لقاءه، أخرج مسلم (١) من حديث أبي
следующие страницы →