وقال علي: من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ (١) ..
هذا في خَلْقِه، أما خُلُقه فقد كان القرآن، وزكاه ربه فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فهل بعد هذا الكمال الخَلقي والخُلُقي لا تشتاق إليه بل تبذل دون رؤيته الأهل والمال ..
وقد كان لسلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - عظيم الشوق للقياه، والحرص على صحبته. وإليك مواقف خلّدها التاريخ، وحفظتها السير:
أخرج البخاري (٢) عن عائشة ﵂ قالت: «بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا» (٣) - في ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبوبكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبوبكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول
стр. 37
الله قال: فإني قد أذن لي في الخروج، فقال أبوبكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله: نعم «لم يفكر أبوبكر ﵁ في مخاوف السفر ومخاطره، وإنما كان مولعًا بشرف صحبته وإن ترك أهله وماله، فجاءته البشارة فانحدرت دمعته على لحيته الشريفة فرحا بالظفر، وجذلا بالفوز، يقول الحافظ: زاد إسحاق في روايته: «قالت عائشة ﵂: فرأيت أبا بكر يبكي، وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح» (١)
وقد انتظر الأنصار مقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد خروجه من مكة، أخرج البخاري (٢) من حديث عروة قال: «وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يقعدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردّهم حر الظهيرة»
وفي رواية ابن سعد (٣): «فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم»
стр. 38
ويحدّثنا الإمام أحمد (١) في حديث أنس أن عدد من استقبل رسول الله ﷺ كان زهاء خمسمائة من الأنصار انتهوا إلى رسول الله وأبي بكر، فقالوا: «انطلقنا آمنين مطيعين»
وأمّا أهل المدينة فاسمع الصدّيق يحدثك عن استقبالهم لخير ضيف نزل عليهم: " ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتّى قدمنا المدينة، فتلقاه الناس، فخرجوا في الطريق وعلى الأجاجير (٢)، فاشتدّ الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر؛ جاء رسول الله، جاء محمد ﷺ ، قال: وتنازع القوم أيهم ينزل عليه ..
يقول أنس: «فما رأيت يوما قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر المدينة» (٣) ..
ويقول البراء: «فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ » (٤) ..
وإليك أن تتخيل انتظارهم من أحبّوه في حرّ الهجيرة يترقبون
стр. 39
مرآه الجميل، وحديثه العذب النمير حتى تحرقهم الشمس فيرجعون إلى بيوتهم على أمل لقياه في الغد، فإذا أنارت المدينة بقدومه خرج خمسمائة من الرجال يستقبلونه، وامتلأت سكك المدينة وسطوحها بالنساء والخدم والصبيان يكبرون لمقدمه، ويهنئون أنفسهم أن اصطفاهم الله لشرف إقامته بينهم، يا له من موقف يغبط أهل المدينة عليه!!!.
بل كان هم الواحد منهم أن ينال شرف الصحبة في الدنيا والآخرة ولا يتردد في طلب رسول الله ﷺ أن يدعو له أن يرافقه، فتأتي الإجابة التي تحث أصحابها على العمل والمتابعة، والاستمرار على النوافل، أخرج مسلم (١) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: «كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود»
بل كان الواحد منهم حريصًا على اللحاق به، شوقًا للقياه، أخرج أحمد في المسند (٢) من حديث عائشة قالت: «إن أبا بكر لما
стр. 40
حضرته الوفاة قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين، قال: فإن متّ من ليلتي فلا تنتظروا في الغد، فإن أحب الأيام والليالي إلى أقربها من رسول الله ﷺ »
ولما حضرت بلال ﵁. الوفاة، نادت امرأته: واحزناه، فقال: واطرباه، غدا ألقى الأحبة؛ محمد وحزبه ..
وجاء مثل هذا عن حذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر. رضوان الله عليهم ..
وبعد هذا، هل أنت مشتاق إلى رؤياه، حريص على شرف صحبته، والأنس بالقرب منه، فما بالي أراك عن هديه معرض، قدمت غيره عليه، تلهث لرضاه، وتحاول كسب مبتغاه، ثم تزعم محبة نبيك وشوقك له، إن الحب والشوق ليست شعارات تُرددّ، ولا دعاوى تخلو من الحقائق، بل هما واقع يترجم صدق صاحبه، ولهف اللحاق به، مطيع لأمره حافظ لحديثه، متابع لهديه، مداوم على طاعته، مشتغل بنشر سننه، وليبشر؛ فقد اشتاق الحبيب ﷺ لرؤية من كان هذا حاله، وسمّاه أخاه، وودّ لقاءه، أخرج مسلم (١) من حديث أبي
стр. 41
هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «وددت أن قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال أنتم أصحابي، وإخواننا الّذين لم يأتوا بعد، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمّتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أنّ رجلًا له خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلا، قال: فإنهم يأتون غرًّا محجلين من الوضوء ..
٥ - أكثر من الصلاة عليه ..
لقد أمرك ربك بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ بأمر بدأ فيه بنفسه ثم ثنّى بملائكته، فامتثِل أمره، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
بل ضاعف الله أجر من صلّى على رسوله، وأجزل مثوبته، أخرج الطبراني في الكبير (١) من حديث أبي بردة بن دينار قال: قال رسول الله ﷺ «ما صلّى عليّ عبد من أمتي صلاة صادقًا بها في قلب نفسه إلا صلّى الله عليه بها عشر صلوات، وكتب له بها عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات، ومحى عنه بها عشر سيئات» وقال عنه الألباني:
стр. 42
حسن صحيح (١) ..
وأخرج أحمد في المسند (٢) من حديث أبي طلحة الأنصاري قال: جاء رسول الله ﷺ ذات يوم والبشر يرى في وجهه، فقلنا: إنا لنرى البشر في وجهك؟ فقال: «إنه أتاني ملك، فقال يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك أن يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك إلا سلمت عليه عشرا؟ قال: بلى» وصححه الألباني (٣) ..
والله ملائكة سياحة خلقها الله لتبلغ رسول الله ﷺ سلام أمته، أخرج النسائي وصحح الألباني (٤) من حديث ابن مسعود مرفوعة قال: «إن لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام»
واعلم أنها سبب عرض اسم المصلي عليه ﷺ وذكره عنده، روى أبو الشيخ بن حيّان وحسّن الألباني (٥) قوله ﷺ «إن لله تبارك
стр. 43
وتعالى ملكًا أعطاه الله أسماء الخلائق، فهو قائم على قبري إذا متّ فليس أحد يصلي عليّ إلا قال: يا محمد! صلى عليك فلان ابن فلان، قال: فيصلي الرب ﵎ على ذلك الرجل بكل واحدة عشرا»
- والصلاة عليه من أسباب شفاعته ﷺ ، أخرج مسلم (١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو».
وأولى الناس به أكثرهم صلاة عليه، أخرج الترمذي (٢) من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة»، وقال الألباني: حسن لغيره (٣) ..
- والدعاء موقوف بين السماء والأرض ما لم يصلّ على رسول الله ﷺ ، أخرج الترمذي وحسن الألباني (٤) عن عمر بن الخطّاب
стр. 44
رضي الله عنه. موقوفًا قال: «إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلّي على نبيك».
ومداومة الصلاة عليه سبب تفريج الهموم، وغفران الذنوب، أخرج الترمذي من حديث أبي ابن كعب قال: «كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام، فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه، قال أبيّ: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قال: قلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك» قال الترمذي حسن صحيح، وحسنه الألباني (١) ..
قال ابن القيم: «سئل شيخنا أبو العباس بن تيمية عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي ﷺ هل يجعل له من ربعه صلاة عليه؟ قال: إن زدت فهو خير
стр. 45
لك، فقال له: النصف؟ فقال: إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها، أيّ: أجعل دعائي كله صلاة عليك، قال: «إذا تكفى همك ويغفر ذنبك» لأنه من صلّى على النبيّ ﷺ صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ومن صلّى الله عليه كفاه همّه، وغفر له ذنبه، هذا معنى كلامه» (١).
- ومجلس لا يصلّى على رسول الله ﷺ فيه؛ حسرة على صاحبه يوم القيامة، أخرج الترمذي وصحّح الألباني» (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيهم، إلّا كان عليهم ترة يوم القيامة، فإن شاء عذّبهم، وإن شاء غفر لهم»
- بل أبخل الناس من سمع ذكره الشريف، ولم يصلّ عليه ﷺ ، أخرج ابن أبي عاصم وصحّح الألباني (٣) من حديث أبي ذرّ ﵁. قال: خرجت ذات يوم، فأتيت رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم بأبخل النّاس؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من ذكرت عنده ولم
стр. 46
يصل علي فذلك أبخل الناس»
ودعى رسول الله ﷺ بالذل على من ذكر عنده ﷺ ولم يصلّ عليه، وقيل: بل هو إخبار منه، وسواء كان دعاء منه فدعاؤه مجاب، أو إخبار فخبره صدق، أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رَغِم (١) أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصلّ عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثمّ انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنّة».
ومن لم يصلّ على رسول الله ﷺ عند ذكره فقد أخطأ طريق الجنّة، أخرج الطبراني وصحّح الألباني (٢) من حديث حسين بن عليّ مرفوعًا: «من ذُكِرت عنده فخطئ الصلاة عليّ خُطِّئ طريق الجنّة»
وأحيلك على «جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام» لابن قيم الجوزية. ﵀. فقد ذكر في صلاته ثمرات الصلاة على رسوله ﷺ ، ومواطن الصلاة عليه، وصفتها في كتاب يمتع
стр. 47
قُرّاءه بمطالعته، وقد وضع المؤلف أصابعه الرشيقة على التفصيلات كلها، فأبصر الموضوع من جميع زواياه، وما يهبه للروح من سعادة واطمئنان وأحلتك على مليء ومن أحيل على مليء فليحتل، وأختم هذه الفقرة بفائدة قيّمة من كتاب ابن القيم (١) ﵀. يقول فيها:
«الصلاة عليه ﷺ من العبد دعاء ودعاء العبد وسؤاله من ربّه نوعان:
أحدهما: سؤاله حوائجه، ومهماته، وما ينوب فيه الليل والنهار، فهذا دعاء وسؤال، وإيثار المحبوب العبد ومطلوبه ..
والثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه وتكريمه، ولا ريب أنّ الله تعالى يحبّ ذلك، و
رسوله يحبّه، فالمصلّي عليه، قد صرف سؤاله، ورغبته، وطلبه إلى محابّ الله ورسوله، وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابّه، وآثر ما يحبه الله ورسوله على ما يحبه هو، والجزاء من جنس العمل، فمن آثر الله على غيره، آثره الله على غيره»
стр. 48
٦ - تشرف بخدمة سنّته ..
ولعلي هنا أشحذ همّتك لتحرص على تتبع آثار رسول الله ﷺ ، وتجتهد في طلبها وتحرص على سماعها، وقتم بجمعها وتنتسب إليها وتتعرف على آداب هذا الفن قبل الولوج ببابه، ولا شكّ أنّ على طالب العلم بعد الإنتهاء من حفظ كتاب الله أن يحرص على حفظ سنّة رسول الله، إذ أنّها أسّ الشريعة وقاعدتها، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ويقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾
يقول البخاري. ﵀ «أفضل المسلمين رجل أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ قد أميتت، فاصبروا يا أهل السنن رحمكم الله؛ فإنكم أقلت الناس»
قال البغدادي: «قول البخاري: إن أصحاب السنن أقل الناس، عنى به الحفّاظ للحديث، العالمين بطرقه، المميزين لصحيحه من سقيمه، وقد صدق ﵀. لأنك إذا اعتبرت لم تحد بلدة من بلدان الإسلام يخلو من فقيه أو متفقه يرجع أهل مصره إليه ويعولون في فتاواهم عليه، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث
стр. 49
عارف به، مجتهد فيه، وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزّته، وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته، وقد كان العلم في وقت البخاري غضًّا طريًّا، والإرتسام به محبوبًا شهيًا، والدواعي إليه أكبر، والرغبة فيه أكثر، فكيف نقول في هذا الزمن؟! مع عدم الطالب، وقلة الراغب ..
وقد كنّا نعدهم قليلًا فقد صاروا أقلّ من القليل (١)
وأقول،، فكيف لو رأى البخاري، والبغدادي أهل زماننا، ولا حول ولا قوّة إلا بالله ..
فاحرص على الانضمام. حفظك الله. إلى أهل السنن، واحفظ ستة حبيبك حفظ رعاية ورواية، وقم بنشرها، وتبليغها؛ فإنه حق من حقوق رسولك عليك ..
أخرج البخاري (٢) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «بلغوا عنّي ولو آية، وحدّثوا عن بني اسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» يقول الحافظ: قال في
стр. 50
الحديث «ولو آية» أيّ: واحدة، ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما يقع عليه من الآي ولو قلّ، ليتّصل بذلك نقل جميع ما جاء به ﷺ (١) فكم من حديث قرأت؟؟! بل حفظت؟؟! بل بلغت؟؟!!!!
- بل أمر صحابته. ﵃. أن يبلغوا سننه في حجة الوداع، فقال يوم النحر فيما أخرج البخاري (٢) من حديث أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه"، وعليه بوب البخاري " ليبلغ العلم الشاهد الغائب»، يقول الحافظ: «ليبلّغ الشاهد، أيّ: الحاضر في المجلس الغائب عنه، والمراد: إما تبليغ القول المذكور. خطبة يوم النحر في حجة الوداع - أو تبليغ جميع أحكامه» (٣) فاحذر. وفقك الله. أن تكون حاضرًا كغائب، أو عالمًا كجاهل …
وقد دعى رسول الله لا بالنضرة لطلّاب الحديث، أخرج ابن ماجة وصحّح الألباني (٤) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ
стр. 51
«نضّر الله عبدًا سمع مقالتي، فوعاها ثم بلغها عنّي، فربّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وزاد أبو داوود (١) بسند صحيح «فحفظه» فحوى الحديث مراتب العلم الأربع:
١/ السماع .. ٢/ الفهم .. ٣/ الحفظ .. ٤/ الأداء ..
أهل الحديث طويلة أعمارهم … ووجوههم بدعا النبيّ منضّرة
يقول سفيان بن عيينة: «لا تجد أحدا من أهل الحديث إلا في وجهه نضرة، لدعوة النبي ﷺ » (٢).
أهل الحديث هم وصيّة رسول الله ﷺ ، أخرج ابن ماجة، وحسّن الألباني (٣) من حديث أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله ﷺ
стр. 52
قال: «سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبا بوصيّة رسول الله ﷺ وأقنوهم» قلت للحكم. أحد رواة الحديث: ما أقنوهم؟ قال: «علموهم» ..
وقد كان أبو سعيد. ﵁. يقول لمن جاءه من طلبة العلم: «مرحبا بوصية رسول الله ﷺ »
- أهل الحديث حماة الذين يبون عن السنن، ويبيّنون صحيحها من سقيمها، يقول سفيان الثوري: «الملائكة
حرّاس السماء، وأصحاب الحديث حرّاس الأرض»، ويقول يزيد بن زريع: «لكلّ دين فرسان، وفرسان هذا الذين أصحاب الأسانيد».
- أهل الحديث ورثة الرسول ﷺ فيما ترك من السنّة، وبينما ابن مسعود؟ ﵁. يومًا معه نفر من أصحابه إذ مرّ أعرابي، فقال: على ما اجتمع هؤلاء؟ قال ابن مسعود: على ميراث محمد يقسمونه (١) ..
فإذا اشتغل النّاس بقسمة الدرهم والدينار فاشتغل بقسمة قال
стр. 53
الله تعالى وقال رسول الله ﷺ ..
العلم ميراث النبي كما أتي … في النص والعلماء هم وراثه
ما خلّف المختار غير حديثه … فينا فذاك متاعه وأثاثه
أهل الحديث الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، أخرج البخاري (١) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين حتّى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»
يقول ابن المبارك: «هم عندي أصحاب الحديث» وقال الإمام أحمد: «إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم»، وكذا قال ابن المديني (٢) ..
وتأمّل كيف حاز السلف الصالح. رضوان الله عليهم. في هذا الباب أعلى الكتب، فقد كان عمر ﵁. يتناوب مع جاره
стр. 54
الأنصاري لحضور مجلس رسول الله ﷺ ، فيذهب أحدهم لطلب الرزق لكفاية أهله، ويبقى الآخر لطلب العلم لنجاة نفسه وأهله، فيخبر كل منهما صاحبه بما لم يحضره، وعليه بوّب البخاري: «باب التناوب في العلم» (١).
وفاق ابن عبّاس قرناءه، وصار حبر الأمّة لما جدّ واجتهد في حفظ السنن، يقول ﵁: «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن المغازي، وما نزل من القرآن في ذلك وكنت لا آتي أحدًا إلا سرّ بإتياني لقربي من رسول الله ﷺ ».
ورحل جابر بن عبد الله ﵁. مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس ﵁. في حديث واحد، أخرج المقدسي في المختارة (٢) أنّ جابر بن عبد الله بلغه حديث عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ سمعه من رسول الله ﷺ لم يسمعه منه، فابتاع بعيرا فشد عليه رحله، فسار إليه شهرا حتى أتى الشّام، فإذا هو بعبد الله
стр. 55
بن أنيس الأنصاري، فأرسل إليه أنّ جابر على الباب، قال: فرجع إليه الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ قال: نعم، فجاء إليه فاعتنقه، وقال له جابر: حديثة بلغني أنك سمعته من رسول الله في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله يقول: «يحشر الله العباد عراة غر بهما ...... ».
ورحل أبو أيّوب الأنصاري ﵁. من المدينة إلى عقبة بن عامر ﵄. وهو في مصر ليروي عنه حديثا لم يبق أحد سمعه من رسول الله إلا هو، وهو قوله ﵊: «من ستر على مسلم ستره الله يوم القيامة» (١).
وقال سعيد بن المسيب: «كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد»
أيها الكريم انظر إلى علو همّتهم في الطلب، كيف رحلوا الليالي والأيام لطلب حديث واحد، وقارن بينهم وبين همّتك، الكتب عن يمينك وشمالك، وتأتيك دروس الحديث إلى بيتك، فإلى متى ترغب عن الطلب وتتشاغل عن حفظ السنن؟!!
стр. 56
أترضى أن يسبقك القوم، وأنت في مؤخرة الركب وينالوا قرب المجلس من الرسول ﷺ ؟؟! ولم يؤخّرك إلا عملك، فالبدار البدار ..
وإن سألت عن حفظهم الأحاديث النبويّة، فقد قال أبو زرعة: «كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث. أي: مليونًا. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب».
وقال سليمان بن شعبة: «كتبوا عن أبي داوود أربعين ألف حديث وليس معه كتاب»
وقال الشافعي: «حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطّأ وأنا ابن عشر سنين»
وإن سألت عن قراء قم في كتب الحديث، فقد جاء في ترجمة الفيروزبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ثلاثة أيّام بدمشق وأنشد:
قرأت بحمد الله جامع مسلم … بجوف دمشق جوف الإسلام
وتمّ بتوفيق الإله وفضله … قراءة ضبط في ثلاثة أيام
стр. 57
وقرأ الحافظ ابن حجر في رحلته الشامية «معجم الطبراني الصغير» في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، ويشتمل هذا الكتاب على نحو ألف وخمسمائة حديث ..
فارسم. أعانك الله. لك منهجًا في طلب الحديث وعلومه، فإنك إن أتقنت هذا الفنّ ستجد نفعه في دنياك وآخرتك متى أخلصت الطلب، وستفوق قرناءك، وفي إمام أهل السنة والجماعة، وإمام المحدثين مؤلف الكتاب الذي هو أصحّ الكتب بعد كتاب الله، البخاري لك سلف، فهل ستكون خير خلف؟؟!
فابدأ بالأربعين للنووي، ثم عمدة الأحكام للمقدسي، ثم بلوغ المرام لابن حجر، والمنتقى للمجد ابن تيمية،. رحمهم الله تعالى. ثم ادخل في قراءة الأمهات الست وغيرها، مع العناية بشروح كل كتاب ..
وإن رُمت أبواب الأدب فاقرأ «الأدب المفرد» للبخاري، وإن طلبت السير ومعرفة المغازي فمختصر السيرة النبوية للشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو الرحيق المختوم للمباركفوري فقد أجاد صاحبه فيه وأفاد ..
وإن أردت معرفة أحاديث الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال
стр. 58
فكتاب المنذري «الترغيب والترهيب» وقد عمل الألباني ﵀ على أحاديثه في كتابه صحيح الترغيب والترهيب وضعيفه ..
وفي أدب طلب الحديث اقرأ «الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع» للبغدادي ..
وفي حقوق المصطفى ﷺ عليك بقراءة «الشفا» للقاضي عياض …
وتأمّل حنين الجذع لحديثه ﷺ ، فوا حسرتاه لقلبك إن حنّ الجذع إليه، ولم تحدث نفسك يوما بسماع حديثه!!!
أخرج ابن خزيمة (١) من حديث أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فيخطب، فجاء رومي، فقال: ألا نصنع لك شيئا تقعد، وكأنّك قائم؟ فصنع له منبرًا له درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد النبي ﷺ على المنبر خار الجذع خوار الثور حتى ارتجّ المسجد بخواره حزنًا على رسول الله ﷺ ، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه سكت، ثم قال: «والذي نفسي بيده لولم ألتزمه ما زال هكذا حتى تقوم الساعة» حزنا على رسول الله ﷺ ، فأمر به
стр. 59
فدُفِن، وفي خبر جابر قال النبي ﷺ : «إن هذا بكي لما فقد من الذكر» صححه الألباني (١) ..
يقول الحسن البصري: «يا معشر المسلمين،، الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقا للقائه، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه» (٢)
٧ - (وتوقروه)
يقول تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾
وقد حوت الآية حقوقا ثلاثة لرسول الله ﷺ : الإيمان به وقد مضى، وتعزيره سيأتي، وإليك معني توقيره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «التوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كلّ ما يخرجه عن حد الوقار» (٣)
فالتوقير معناه التعظيم، والإجلال والتفخيم (٤) ..
ومعلوم أنّ حقوق رسول الله ﷺ ، أَجَلُّ، وأعظم، وأكرم، وألزم
стр. 60
علينا من حقوق السادات على مماليكهم، والآباء على أولادهم، فحقّ علينا أن نحبه ونجله أكثر من إجلال كل عبد سيّده، وكلّ ولد والده، وبمثل هذا نطق القرآن الكريم ..
يقول تعالى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، يقول شيخ الإسلام: «خصّ الله نبيّه في هذه الآية بالمخاطبة بما يليق به، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد … ولكن يقولوا: يا رسول الله، وكيف يخاطبونه بذلك، والله سبحانه أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدًا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قطّ بل يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ .... ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ...... ﴾ مع أنه سبحانه قال: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ .... ﴾ وقال: ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ .... ﴾ وقال: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ..... ﴾ أما إذا كنا في مقام الإخبار عنه، قلنا: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله» فنخبر عنه باسمه كما أخير الله سبحانه عنه فقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾
стр. 61
فالفرق بين مقام المخاطبة والإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل (١) ..
واقرأ سورة الحجرات ترى وجوب مراعاة الآداب النبوية مع رسول الله ﷺ يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فأول أدب: تحريم التقدّم بين يديه بكلام حتّى يأذن، ولهذا كان رسول الله ﷺ يسأل الصحابة عن اليوم الّذي هم فيه، والمكان الّذي هم فيه، وهم يعلمونه حقّ العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم، خشية أن يكون في قولهم تقدّم بين يدي الله ورسوله، وحديث خطبة النحر في حجّة الوداع أكبر شاهد على هذا ..
الثاني: حرّم رفع الصوت فوق صوت النبيّ، وأن يجهر له بالقول
стр. 62
كما يجهر الرجل المخاطبة من عداه، وهذا في حياته وبعد مماته ﷺ » (١) وسمع عمر بن الخطّاب ﵁. صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لوكنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا (٢) ..
قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره كما كان يكره في حياته ﵊؛ لأنه محترم حيًّا وميّتًا
وحذرهم إن هم فعلوا ذلك ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ..
وكان عبد الرحمن ابن مهدي إذا قرأ حديث النبي ﷺ أمرهم بالسكوت وقال: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ويتأوّل أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله (٣) ..
فاحذر أن ترفع صوتك عند نقل حديثه، أوفي مسجده، أو تذكره كذكر آحاد الناس، وقد جاءت سورة الحجرات بأسلوبها المعجز لتفخيم شأن النبي ﷺ وإظهار رفعة قدره المنيف وسموّ منزلته ﷺ
стр. 63
فوق كلّ منزلة أحد من الخلق ليستشعر المؤمن بقلبه وروحه وكافة إحساساته ومشاعره ما أوجبه الله تعالى من توقيره ﷺ وتوقيرًا يجلّي رفيع قدره، وعظيم مقامه …
ومن عظيم شأن رسول الله ﷺ أن حذّر الله من إيذائه أشدّ التحذير فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ..
فانظر كيف قرن الله أذى رسوله بأذاه فمن آذاه فقد آذى الله، ومن آذى الله كفر، وتأمّل تفريقه سبحانه بين أذى الله ورسوله وأذى المؤمنين فجعل على هذا البهتان والإثم المبين، وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة والعذاب المهين ومعلوم أنّ أذى المؤمنين من كبائر الإثم وليس فوق ذلك إلا الكفر، ثمّ إن سبّ الرسول ﷺ تتعلق به حقوق عدّة:
١/ حق الله سبحانه، لأن الطعن في الرسول طعن في المرسل، ولأن مبارزة رسول الله ﷺ مبارزة لأفضل أولياء الله ..
٢/ حق المؤمنين من هذه الأمة، لأنّ جميع أمور المؤمنين في دينهم
стр. 64
ودنياهم وآخرهم قامت بواسطته وسفارته، فالسبت له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآبائهم وأبنائهم …
٣/ حقّ رسول الله ﷺ من حيث خصوص نفسه، فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر ممّا يؤذيه أخذ ماله (١) ..
إلى كلّ من لم يوقره ﷺ حقّ توقيره، أو آذاه بردّ سنته، أو الوقوع في عرضه وشرعته، ويل أمّه كيف تعلّقت ثلاثة حقوق في رقبته؟؟!!!!
وقد فطن السلف الصالح لهذا الأمر، فالتزموه قولا وعملا في حياته وبعد مماته، وما أبلغ ما قاله عروة ابن مسعود ﵁. في وصف أصحابه حين وجهته قريش إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية، فلمّا رجع إلى قريش قال: «أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا، والله إن انتخم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوءه، وإذا
стр. 65
تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيمًا (١) ..
ويطالعك دائمًا في وصف صحابته. رضوان الله عليهم. في مجلسه «كأنّ على رؤوسهم الطير» توقيرًا له ..
وأخرج البيهقي (٢) عن بريدة بن الحصيب. ﵁. قال: «كنّا إذا قعدنا عند رسول الله ﷺ لم نرفع رؤوسنا إليه إعظامًا له» ..
وأخرج البخاري وصحّح الألباني (٣) عن أنس «أن أبواب التي كانت تقرع بالأظافير».
ولما بعثت قريش أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ ليشدّ في عقد صلح الحديبية ويزيد في المدّة، فلمّا قدم المدينة ودخل على ابنته أمّ حبيبة، فلمّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته، فقال: يا بنيّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عتي؟؟ فقالت: هو فراش رسول الله وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه، ولما رجع أبو سفيان لأهل مكّة قال لهم: وقد تتبّعت أصحاب
стр. 66
محمّد فما رأيت قومًا لملك عليهم أطوع منهم له ..
ولا تعجب لحال أصحاب محمد ﷺ فإنه كان أرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأنفعهم لهم، أفصح خلق الله، وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة، وأصيرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه وأشدهم تواضعا، وأعظمهم إيثارًا على نفسه وأشد الخلق ذبا عن أصحابه، وحماية لهم، ودفاعا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، أوصل الخلق رحمة، وأجودهم صدرة، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه ..
وقد خصه الله بصفتين خص بهما أهل الصدق والإخلاص وهما: الإجلال والمحبة، فكان كل من يراه يهابه ويحله، ويملأ قلبه تعظيمًا وإجلالا وإن كان عدوا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المحل المعظم، المحبوب المكرم، وهذا غاية كمال المحبة أن تقترن بالتعظيم والهيبة (١) ..
стр. 67
واستمرّت محبته ﷺ عند أصحابه ومن تبعهم بإحسان بعد مماته فكان أحدهم يغضب على أقرب الناس إليه إن خالف قوله ﷺ ، فهاهو ابن عمر، ﵁. يحدّث عن حبّه فيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تمنعوا نسائكم المساجد إذا استئذنكم إليها» فيعترض أحد أبنائه بلال على أنّ الزمن تغيّر، ونساءه اختلفن فيقول: والله لنمنعهنّ، وفي رواية: لا ندعهنّ يخرجن، فيتخذنه دغلًا،، فما موقف أبيه؟! يقول الراوي: فسبّه عبد الله سبّا سيّئًا ما سمعته سبّه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعنّ؟؟!! وفي رواية: فضرب في صدره (١) .. وعند أحمد (٢): فما كلّمه عبد الله حتّى مات ..
وكيف لا يكون هذا موقف ابن الفاروق؟؟! والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وأخرج ابن ماجة وصحّح الألباني (٣) أن قريبًا لعبد الله بن
стр. 68
معقل ﵁. خذف فنهاه وقال: «إن النبي ﷺ نهى عن الخذف (١) وقال إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين» وعاد قريبه للخذف أخرى فقال له عبد الله: «أحدثك عن رسول الله ثم تعود، لا أكلمك أبدا»
وجاء عن عدد من الأئمّة أنّهم كانوا لا يحدّثون عن رسول الله ﷺ إلا على وضوء، منهم: قتادة، وجعفر بن محمّد، ومالك ابن أنس، والأعمش، بل صار ذلك مستحبّا عندهم وكرهوا خلافه، يقول ضرار ابن مرّة: «كانوا يكرهون أن يحدثوا عن رسول الله وهم على غير وضوء» (٢).
وقال أبو سلمة الخزاعي: «كان مالك ابن أنس إذا أراد أن يخرج يحدث توضأ وضوئه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوة، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أعظم به حديث رسول الله ﷺ »، وقال ابن أبي الزناد: «كان سعيد بن المسيّب وهو مريض يقول: أقعدوني، فإني أعظم أن أحدث حديث رسول الله ﷺ وأنا مضطجع»
стр. 69
وكان محمّد ابن سيرين يتحدّث فيضحك فإذا جاء الحديث خشع (١) ..
وسُئل مالك عن أيوب السختياني فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيّوب أوثق منه، قال مالك: وحجّ حجّتين، فكنت أرمقه ولا أسمع منه غير أنّه كان إذا ذكر النبي ﷺ بكى حتى أرحمه فلمّا رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبيّ كتبت عنه …
وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ تغيّر لونه، وينحني حتّى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوما في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون (٢) ..
وكان عبد الرحمن ابن القاسم يذكر النبيّ ﷺ فينظر إلى لونه كأنّه نزف منه الدّم، وقد جفّ لسانه في فمه، هيبة لرسول الله ﷺ ، وكان يأتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ بكى حتّى لا يبقى في عينيه دمعة ..
نزف البكاء دموع عينك فاستعر … عينًا لغيرك دمعها مدرار
стр. 70
وكان الزهري من أهنأ النّاس فإذا ذُكر عنده الرسول ﷺ فكأنه ما عرفك ولا عرفته (١) ..
ولم يك التوقير مقتصرًا على الإنسان فحسب بل كان للحيوان أدب جم معه ﷺ فعن عائشة. ﵂. قالت: «كان لآل رسول الله ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتدّ، وأقبل وأدبر، فإذا أحسّ برسول الله ﷺ دخل ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله ﷺ في البيت كراهية أن يؤذيه» أخرجه أحمد (٢) وصحح إسناده ابن كثير (٣) ..
وعن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: «ركبت البحر، فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحًا من ألواحها، فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد، فأقبل إليّ يريدني، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله ﷺ كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد وطأطأ رأسه ودفعني بمنكبه حتّى أخرجني من الأجمة، ووقفني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه يودعني» رواه الحاكم وصحّحه على شرط مسلم،
стр. 71
ووافقه الذهبي (١) ..
يقول ابن سيد الناس:
والليث أذوى في سفينة مفردا … بالروم في فيفاء قفر بلقع
ما زال يكلؤه إلا أن دلّه … عند الأمان على سواء المشرع
وحقّ لي أن أتسائل بعد هذا كلّه: أين نحن من سيرة القوم؟! وأين حالنا من حالهم؟!
لقد قام في قلوبهم ما قصرت هممنا على أن تقوم بأقلّه، وأحيوا في شعورهم ما ماتت مشاعرنا دونه، وتعلّقت أبصارهم فيما وراء الطرف في حين لم تتجاوز أبصارنا أطرافنا، ألا رجل أو امرأة لم تقعد بهم همتهم، ولم يتأخر بهم عملهم؟؟ ألا صادق يترحم المحبّة قولًا وعملًا وغيرة؟؟!
وإلا ....
فكلٌّ يدّعي وصلًا بليلى … وليلي لا تقر لهم بذاكا
стр. 72
أين توقير رسول الله ﷺ في قلوب الحلق باستشعار هيبته ﷺ وجلالة قدره وعظيم شأنه واستحضار محاسنه والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله، وكلّ ما من شأنه أن يجعل القلب ذاكرة لحقه من التوقير والتعزير، ومعترفًا به ومطيعًا له فالقلب ملك الأعضاء وهي له جند وتبع فمتى ما كان تعظيم النبي ﷺ مستقر في القلب مسطورًا فيه على تعاقب الأحوال، فإنّ آثتر ذلك ستظهر على الجوارح حتمًا لا محالة، وحينئذ ستجد اللسان يجري بمدحه والثناء عليه بما هو أهله مما أثني به عليه ربّه، وأثني على نفسه من غير غلوّ ولا تقصير، ومن أعظم الثناء ﵊ عليه، فالصلاة منّا عليه تتضمن ثناء المصلّي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله، وإرادة من الله تعالى أن يعلي ذكره (١) ..
ومن تعظيم اللسان أن نتأدب بذكره بألسنتنا، وذلك بأن نقرن ذكر اسمه بلفظ النبوة أو الرسالة مع الصلاة والسلام عليه، ومن تعظيم اللسان حفظ ستته وتبليغها والدعوة إليها، وأما تعظيم الجوارح فالعمل بشريعته والتأسّي بسنته، والأخذ بأوامره ظاهرًا وباطنًا وتحكيم ما جاء به في الأمور كلّها، والرضا بحكمه والتسليم له، والموالاة والمعاداة لأجله، وجهاد من خالفه ..
стр. 73
فأين توقير الرسول ﷺ عند من ابتدع في دين الله ما ليس منه زاعما أنه محب مشتاق، وغفل عن قول رسول الله ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» وقوله «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فإلى من أحيا ليلة المولد، ومن اجتمع في الحفلات ضاربا الدف على المدائح النبويّة (١)، علام تفعل ما لم تؤمر به؟؟! وتخلف أمر رسول الله ﷺ حيث أمرك بالإتباع، وترك الإبتداع، وأنت تزعم حبه، وهل لوكان خيرا لسبقت إليه القوم؟! فتأمل حالك، والزم هدي نبيك فإن بالتمسك به النجاة، وبتركهـ الهلاك، هداك الله ووفقك وأعانك وسددك ..
وأين رسول الله ﷺ في مجالسنا حين يذكر، وأين الصلاة والسلام عليه عند مرور اسمه الشريف، وكيف تقدم آراء الرجال على قوله مع أن الله في أن نقدم بين يدي الله ورسوله فقال: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فتقول قال فلان وقال فلان، وكان ابن عباس ينكر على من يعارض ما بلغه من السنة بقوله: قال أبوبكر وعمر قائلا له: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء،
стр. 74
أقول قال رسول الله ﷺ ، وتقولون قال أبوبكر وعمر (١)؟؟!» فرحم الله ابن عباس ﵁ فوالله لوشاهد خلفنا اليوم هؤلاء الذين إذا قيل لهم قال رسول الله قالوا: قال فلان وفلانة لمن لا يداني الصحابة، ولا قريبا من قريب. وقد قال الشافعي: «إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فخذوا به، واضربوا بقولي عرض الحائط» (٢).
أين توقير رسول الله والواحد منا يحفظ آلاف الأبيات ولا يحفظ أربعين حديثا من أحاديثه؟!!
أن توقير رسول الله ﷺ حين يشكك في قوله أو ينزل على عصره وكأنه لم يبعث رحمة للعالمين وكافة للناس ..
أين توقير رسول الله ﷺ حين يروي الضعيف من الحديث ويترك الصحيح، وتتبع شواذ الأحاديث وموضوعاتها وتنشر مع أن في الأحاديث الصحيحة غنية، أخرج ابن ماجة، وصحح الألباني (٣) من حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»
стр. 75
أين توقير رسول الله ﷺ حين يتلاعب بمعاني الأحاديث النبوية بحجة قراءة النص أكثر من قراءة، وتوسيع مفاهيم النصوص من جاهل لا يمتلك أدوات الاجتهاد فضلا عن شروطه .. ؟!!!
يقول ابن القيم - رحمة الله -: «ومن الأدب معه ألا يتشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل قدر الأقيسة، وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم! هو مجهول، وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد فكل هذا من قلة الأدب مع ﷺ ، بل هو عين الجرأة (١) ..
دعوا كل قول عند قول محمد … فما آمن في دينه كمخاطر
أين توقير رسول الله ﷺ وأنت ترى في مسجده، وعن حجرته رفع الصوت، واللغط، والاشتغال بقيل وقال، كأن الحرم ليس حرمه، وكأن عمر بن الخطاب لم يهم بضرب الطائفين على رفعهما لصوتهما، ولن يضربهما إلا عن مخالفة، فتنبه إن كنت في مسجده، وأحسن جواره، واحذر أن يحبط عملك وأنت لا تشعر، وحذر من رأيته غلا في شخصه فدعاه من دون