← Адаб

Адаб · id 10670

الرسائل الأدبية

الجاحظ

Полный текст (465 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الجاحظ لكتاب اصول الفتيا خطره، واهميته. وليته بقي ولم تعبث به عوادي الضياع. ويشيد الجاحظ بفضل الكتب فيقول ان قراءة الكتاب اعم فائدة من لقاء صاحبه، لأن تلاقي الناس يستتبع الحمية والمواجهة وحب الغلبة وشهوة المباهاة والرياسة، مع الاستحياء والانفة من الخضوع، والضغائن والجدل. والكتاب يوجد في كل زمان ومكان، اما صاحبه فلا يلبث ان يموت. ولولا الكتب لضاع العلم ولم ينتقل بين الاجيال ويخلد على مر الدهور. وانفع الكتب كتاب الله الذي ينطوي على الهدى والرحمة والعبر والتعريف بالخير والشر. وكتاب اصول الفتيا يمت الى كتاب الله بصلة، لأنه يدور حول القرآن والسنة. وينفي الجاحظ عن كتابه صفة علم الكلام. وهذا ما دعاني الى عدم وضعه في رسائل الجاحظ الكلامية. ويخبر الجاحظ القاضي بان لديه كتبا أخرى سيهديها اليه. تباعا، ويمنعه من اهدائها دفعة واحدة كثرة شغل القاضي، والخوف من ملله.

стр. 37

١١- مقدمة مدح النبيذ وصفة اصحابه هذه الرسالة من روائع الأدب الصرف حيث يبتعد الجاحظ عن الفلسفة والكلام والسياسة والاخلاق. ويصف لنا النبيذ وصفا دقيقا يذكرنا بوصف ابي نواس للخمر. ولكنه مع ذلك يعترف انه سيبقى مقصرا عن ايفاء النبيذ حقه مهما اجاد في وصفه وذكر مزاياه. إن النبيذ دواء يشفي من الامراض ويغني عن الاطباء وقد قال ابو نواس قبله: دع عنك لومي فان اللوم اغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء والنبيذ صديق لا يمكن الاستغناء عنه، ومن العجب انشغال الحسن بن وهب عنه بديوانه واعماله. وجدير به أن يعظمه ويتعصب لجماله للمناسبة التي بينهما والشكل الذي يجمعهما «فان كان بعضك لا يصون بعضا وانت لا تعظم شقيقا، فانت والله من حفظ العشيرة أبعد، ولمعرفة الصديق انكر» . ويمضي الجاحظ في ذكر مزايا النبيذ فيقول انه «يطرد الهم ويمنح شاربه صدق الحس وفراغ النفس ورخاء البال، والبعد عن شواغل الدنيا وخوف الحدثان.

стр. 38

كما انه يعيد الشباب الى الشيوخ، وينشط اجسامهم ويوقظ هممهم. والنبيذ يبعث على الظرف والضحك، ويعفي من الجد والتعب والحشمة، ويشحذ الذهن. وهو يفعل ذلك في كل وقت ومكان، في الليل والنهار، وفي الشتاء والصيف، وفي المنازل والبساتين. ثم ان النبيذ يحمل النفس على السرور والطرب، ويدخلها الى الجود، ويورثها الغنى، ويبعدها عن الفقر، ويملأها عزا وكرامة. وهو جامع الخلان والظرفاء والادباء، ومصدر متعتهم. وهو افضل من سائر الاشربة لأنه كلما زدت منه ازداد طيبة. واذا اسكرك رفق بك ولم يكن اسكاره تغلبا، واخذه بالرأس تعسفا، حتى يميت الحس بحدته، ويصرع الشارب بسورته..» ولكنه على عكس ذلك «يغازل العقل ويعارضه، ويدغدغه ويخادعه، فيسره ثم يهزه. فاذا امتلأ سرورا وعاد ملكا محبورا، خاتله السكر وراوغه، وداراه وماكره، وهازله وغانجه» . ولا اظن شاعرا من شعراء الخمر استطاع أن يبلغ شأو الجاحظ في وصف تأثير الخمر بالنفس، وتصوير مراحل السكر. الى جانب وصف النبيذ ومحاسنه يمدح الجاحظ الحسن بن وهب الذي وجه اليه هذه الرسالة. وقد كان الحسن معاصرا للجاحظ وشاعرا وكاتبا. ويقول في مدحه «وحسبي بصفاتك عوضا من كل حسن، وخلقا من كل صالح..» فهو يجمع الجمال الجسمي الى جودة الرأي وسعة الخلق واللسان الفخم والبلاغة ونبل المحتد. والجاحظ يطلب اخيرا من الحسن بن وهب أن يهديه مقدارا من النبيذ لا يكثر ولا يقل عن الحاجة. وهو لا يسأله اياه لشربه او يسقيه او يهديه، ولكن ليختبر مودة الحسن واكرامه وتقديره.

стр. 39

ان الجاحظ الأديب لا يقل اهمية عن الجاحظ المتكلم، وفنه يرتكز الى الوصف الجسمي والنفسي لا على الخيال المجنح، كما يعتمد على التلوين اللفظي والترادف المعنوي والتقطيع المتوازن للجمل.

стр. 40

١٢- مقدمة الشارب والمشروب موضوع هذه الرسالة هو انواع النبيذ، وهل هو محلل او محرم. وهو يدعي في المقدمة كعادته ان شخصا سأله عن انواع النبيذ والفوارق بينها، وعما اذا احلها الشرع او حرمها رغم الفوائد العديدة التي يجنيها الشارب منها، ثم ان هذا السائل يسرد له تلك الفوائد التي ذكرها الجاحظ في رسالة أخرى عنوانها «مدح النبيذ وصفة اصحابه» مما يدل على أن هذا السائل هو الجاحظ نفسه الذي يتساءل وليس شخصا آخر كما يدعي. ومما يؤكد ما نذهب اليه هو اعتراف الجاحظ في آخر الرسالة بانه هو الذي وضع اجناس الاشربة وبلدانها في صدرها تمهيدا لمعالجة الموضوع الاساسي وهو تحليل النبيذ وتحريمه كما يتضح في قوله التالي: «والذي دعاني الى وضع جميع هذه الاشربة والوقوف على اجناسها وبلدانها، مخافة ان يقع هذا الكتاب عند بعض من عساه لا يعرف جميعها ولم يسمع بذكرها فيتوهم اني في ذكر اجناسها المستشنعة وانواعها المبتدعة كالهاذي برقية العقرب، وان كان قصدي لذكرها في صدر الكتاب لاقف على حلالها وحرامها وكيف اختلفت الأمة فيها، وما سبب اعتراض الشك واستمكان الشبهة، ولأن احتج للمباح واعطيه حقه، واكشف ايضا عن المحظور فاقيم له قسطه، فاكون قد سلكت بالحرام سبيله

стр. 41

وبالحلال منهجه، اقتداء مني بقول الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. ولن نطيل في وصف النبيذ وذكر فوائده فهي تكرار لما ورد في رسالة مدح النبيذ ووصف اهله ولكننا نتوقف عند مسألتين لم تردا هنا هما انواع النبيذ، وتحليله. وبذلك تكون الرسالتان متممتين بعضهما البعض، ويكون الجاحظ كما عهدناه في جميع آثاره جامعا بين علم الكلام والأدب. ان الموضوع في الرسالتين واحد وهو النبيذ، وقد طرقه الجاحظ من الناحية الكلامية في رسالة الشارب والمشروب وطرقه من الناحية الأدبية في رسالة مدح النبيذ وصفة اهله. .. ان انواع النبيذ كثيرة اهمها الترش شيرين، والسكر، والمسجور والبتي، وهي انواع رديئة لأن الاول يسبب الريح والحموضة، والثاني مر، والثالث والرابع كدران يسببان الحكة. اما الانواع الحسنة فهي تفتح العروق، وتلذ القلب وتساعد المعدة على الهضم وتغسلها، وتعين الكبد، وتحمر الجلد وتولد الشجاعة والسخاء وتمنع القر. اهمها نبيذ الزبيب الحمصي والعسل الماذي، ونبيذ العنب المعصور، والنبيذ المصري، ونبيذ الاهواز، والدوشاب البستاني، والمعتق، ونبيذ الجزر، ونبيذ المشمش، ونبيذ التين، والنبيذ المروق والغربي والفضيخ. قلنا ان موضوع الرسالة الاساسي هو مسألة تحليل النبيذ. والجاحظ يذهب الى ان الشرع لم يحرمه ويقدم على ذلك الحجج التالية: اولا: ان النبيذ غير الخمر. والشارع حرم الخمر فقط ولم يحرم النبيذ. والادعاء ان جميع الاشربة خمر يدل على الجهل والخلاعة. «وقد يكون الشيء من جنس الحرام، فيعالج بضرب من العلاج حتى يتغير بلون

стр. 42

يحدث له ورائحة وطعم ونحو ذلك، فيتغير لذلك اسمه ويصير حلالا بعد ان كان حراما» . ثانيا: ان الصحابة والتابعين لم يختلفوا في الفرائض وحدودها ولكنهم اختلفوا في الاشربة التي تسكر مما يدل على ان المسألة بحاجة الى نظر وتأويل. ثالثا: ان الله حرم على الناس كثيرا من الاشياء واباح لهم اجناسها الأخرى بما يناظرها او يعمل عملها او ما يقرب منه ليغنيهم بالحلال عن الحرام «قد حرم من الدم المسفوح واباح غير المسفوح» كدم الطحال والكبد. وحرم الميتة واباح ميتة البحر وغير البحر كالجراد وشبهه، وحرم الربا واباح البيع الخ.. رابعا: ان اهل المدينة الذين حرموا النبيذ ليسوا حجة على غيرهم. لانهم ليسوا ملائكة لا يخطئون؛ وعظم حق بلدتهم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وانما المرجع الوحيد هو الكتاب والسنة المجمع عليهما والعقول الصحيحة. واهل المدينة الذين احلوا الغناء لم يجلدوا مغنيهم الذين كانوا يتغنون وقد ثملوا.

стр. 43

١٣- مقدمة البلاغة والايجاز لم يبق من هذه الرسالة سوى هذه الاسطر القليلة. ولكنها تلخص لنا مفهوم الجاحظ للبلاغة وعلاقتها بالايجاز. واذا اردنا التوسع يمكننا التماس ذلك مسهبا في كتاب البيان والتبيين، وكتاب الحيوان. لقد اطبق الناس من عرب وعجم على ان البلاغة هي الايجاز في القول. ولكن الجاحظ لا يوافق على ذلك ويعرف البلاغة بانها اصابة المعنى والقصد الى الحجة دون فضل او تقصير، أي دون تطويل او ايجاز، وهذا يعني المساواة. فالكلام البليغ هو الذي نستخدم فيه من الالفاظ القدر الضروري لا بلاغ المعنى الى السامع. وهذا معنى قوله «وربما كان الايجاز محمودا، والاكثار مذموما، وربما رأيت الاكثار احمد من الايجاز، ولكل مذهب ووجه عند العاقل» . ان الاكثار يغدو عيبا اذا بعث على «الملال وجاوز المقدار وخرج عن مجرى العادة» . ولكنه لا يعد عيبا اذا قصد به التعريف والتوكيد والتشديد، لأن التفريق يحتاج الى تطويل، والتوكيد يقتضي التكرار، والتشديد يتطلب الاكثار.

стр. 44

ويعلل الجاحظ كون البلاغة عدم مجاوزة المقدار بان كل ما جاوز المقدار انقلب الى ضد طباعه. فالبارد يتحول الى حار، والنافع يغدو ضارا، والثلج يطفىء قليله الحرارة بينما يحركها كثيره. والى هذا ذهب من عد الاكثار عيبا والايجاز بلاغة. ان الجاحظ يفسر كل شيء في العالم بما في ذلك الجمال والفن تفسيرا طبيعيا، وفي هذا تكمن أصالته الفكرية.

стр. 45

١٤- مقدمة تفضيل النطق على الصمت يبدو ان الجاحظ تلقى كتابا أو قرأ رسالة في مدح الصمت وايثاره على النطق. وقد وصف صاحب الرسالة مزايا الصمت، وذم الكلام وبين مساوئه وما يجره على صاحبه من البلوى والفحش والخطأ والتورط والندم. وقد استشهد باقوال كسرى انو شروان ملك الفرس، والاشعار، ورجال الأدب، والذين ذموا الكلام ومدحوا السكوت. ولم تعجب الرسالة ابا عثمان بل وجدها تنطوي على الخطأ والاعجاب بالنفس والتسرع في الاحكام، مما حمله على الرد عليها في كتاب تفضيل النطق على المصت. لقد وجد الكلام افضل من الصمت لاسباب عديدة. منها ان الكلام ضروري للابانة عن النفس والتعبير عن الحاجات الكثيرة التي تكثر لدى الانسان. ومنها ان الكلام هو المزية التي ينماز بها الانسان عن الحيوان والجماد. واذا كان الصمت يحمد في حالة واحدة وهي توقي الأثم وتوخي النجاة، فانه يلزم صاحبه صفة الجهل والغباء.

стр. 46

ويعمد الجاحظ الى القرآن ليستدل من آياته التي ورد فيها النطق على فضيلة الكلام. فالكلام الذي تفوه به ابراهيم لدى تحطيمه الاوثان هو الذي نجاه. والكلام الذي تفوه به يوسف لدى عزيز مصر هو الذي لفت الى ذكائه وفطنته فقربه منه واكرمه. ثم ان الكلام هو الذي برهن على شرائع الانبياء وشرحها وقربها من افهام الناس، وهو الصيغة التي يعبر بها المؤمن بشهادة الايمان. وعلى الكلام البليغ قامت معجزة القرآن. وكان النبي محمد افصح العرب وابلغهم بيانا. رغم اتصاف العرب بالبيان ولا سيما قريش قبيلة الرسول. ثم ان الكلام آلة الشكر على النعمة. وقد اوجب الله الشكر وقال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . والشكر لا يكون الا بالكلام. واعظم دليل على فضيلة الكلام- وهنا يستعمل الجاحظ اللفظ بمعنى علم الكلام- هو الحاجة اليه لاثبات وجود الله وتصديق رسالة النبي، ومعرفة حقائق الاديان، والتمييز بين الحجة والشبهة، ودعم مبادىء المعتزلة في التعديل والتوحيد والاختيار. وقد الف الجاحظ رسالة في فضل صناعة الكلام نشرناها في رسائل الجاحظ الكلامية. وقد يتبادر الى الذهن ان الجاحظ يناقض نفسه ويقول الشيء وضده. فهو في هذه الرسالة يذم الصمت ويمدح الكلام، بينما يدعو في «رسالة كتمان السر وحفظ اللسان» الى تقييد اللسان ويحث على السكوت. والواقع ان الجاحظ لا يقع في التناقض وانما يسوق في رسالة كتمان السر وحفظ اللسان اقوالا لبعض الحكماء تدعو الى اخضاع الكلام للعقل لكي لا يأتي لغوا

стр. 47

او يفشي سرا فيلحق الضرر بصاحبه. وقد تحدث على الموضوع ذاته في قسم من رسالة التربيع والتدوير التي تتضمنها رسائل الجاحظ الأدبية هذه ولا نعتقد انه يناقض نفسه.

стр. 48

١٥- مقدمة رسالة في صناعة القواد عنوان هذه الرسالة لا يتلاءم تماما مع موضوعها. إن موضوع الحرب لا يطرق الا بالاسم. سئل احد القواد عن المعركة التي خاضها العرب ضد الروم فأجاب انهم حصروا الاعداء في مكان ضيق ثم قتلوهم وكدسوا جثثهم. ان الموضوع الحقيقي للرسالة هو الأدب واللغة والبيان. ويتناول ما ينبغي ان نتعلم من الأدب واللغة، لنستطيع التعبير عن افكارنا في مختلف الموضوعات. ولهذا يطنب الجاحظ في تعداد حسنات اللسان ويرجعها الى عشر. فاللسان اداة البيان والمعبر عن النفس، والمصدر للحكم، والمجيب، وطالب الحاجة، وواصف الاشياء، والواعظ، والمعزي، والمثني والملهي. ويردف هذه الحسنات باقوال تدل على اهمية اللسان في حياة الانسان. فالانسان بدون لسان يشبه البهيمة او الصورة وقيمة الانسان في لسانه وعقله. وعلى هذا الاساس ينبغي أن يعنى المرء باللغة لانها أداة التعبير ومادة اللسان. وهذه العناية تقتضي التزود بالمفردات والتعابير المختلفة في كل علم وموضوع. هذا ما قصد اليه الجاحظ بقوله للمعتصم: «فخذ يا امير المؤمنين

стр. 49

اولادك بان يتعلموا من كل الأدب، فانك ان افردتهم بشيء واحد ثم سئلوا عن غيره لم يحسنوه» . ويقدم امثلة تشهد على صحة هذا الرأي. فالقائد العسكري يعبر عن معانيه بالفاظ وتعابير يستقيها من صناعة الحرب والقتال. والطبيب يستعمل الفاظا وتعابير تمت الى صناعة الطب بصلة وثيقة مثل البيمارستان والمحقنة والمبضع والاكحل ودستج والاسهال والقولنج والسل واليرسيم وبقراط وجالينوس. والخياط يستعين بكلمات من صميم صناعته مثل الدرز والجربان والابرة والسروال والبايكية والطيلسان والشوكزة والازرار والعروة والكثبان والزيقة والمقراض والذيل. والزارع يعتمد اسماء تتعلق بمهنته مثل الجريبين والمشارة والانابير والسنبل والفدان والزراعة والسقاية والسرجين والنبت واليرقان. والخباز يستعمل الفاظا تدل على صناعته مثل الرغيف والتنور والحمرة والجفتة والدقيق والنار والجرداق والثريد. والمؤدب يلجأ الى الفاظ تدخل في صميم عمله مثل الصبي والامام والرقم والدواة واللوح والمداد والكرسف. وصاحب الحمام ذو لغة تتلاءم تعابيرها ومفرداتها مع الادوات التي يحتاجها في عمله مثل الغسيل والأتون والليفة والمئزر والنقع والزنبيل. والكناس يستعين بمفردات تعبر عن ادواته وحركاته مثل الزبيل والجرح والمكنسة والكنيف والبالوعة والبريخ، والسلح، والخنفس. ولغة الشرابي تمتليء بالفاظ مثل الدن والسكر والكأس والخمر والقدح

стр. 50

والدورق والقنينة. والطباخ يعبر عن معانيه بمفردات خاصة مثل الصحن والشواء والموقد والمغرفة والقدر والفالوذج واللوزينج والجوزينج والخبيصة والسكباج والجوذابة والزبد والنرسيان والقصعة والبرماورد والعصارات. واخيرا تمتاز لغة الفراش باسماء وتعابير مجانسة للمعاني والادوات التي يستعملها مثل المخدة والمنصة والريش والوسادة والخيش والستور والمتكأ. بقي ان نتساءل عن اصحاب هذه الاشعار التي وردت في الرسالة. لقد سكت الجاحظ عن ذكر أصحابها والارجح انه هو ناظمها وصاحبها. وفي ذلك دليل على موهبته الشعرية. وقد الفينا له قصيدة في المديح ضمنها رسالته الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب.

стр. 51

١٦- مقدمة رسالة الجد والهزل يقول الجاحظ ان سبب جفاء الوزير محمد بن عبد الملك الزيات هو كتاب الزرع والنخل الذي الفه قبل عام ٢٤٣ هـ- واهداه الى ابراهيم بن العباس الصولي فاجازه عليه بخمسة آلاف دينار. ولكن الجاحظ لا يصدق ان يكون تفضيل النخل على الزرع سببا في عداوة الاخوان، وهو اكثر سخافة من حرب البسوس او حرب داحس والغبراء. وهو يذكر سببا آخر لذلك الجفاء هو رفض الجاحظ دفع الأتاوة المتوجبة عليه. ويفترض ان يكون التهرب من الاتاوة هو الذي اثار حفيظة الوزير المسؤول عن اموال الدولة فانتقد الجاحظ وأنبه وحرمه من بعض العائدات التي ينتفع بها. فاعتبر ابو عثمان موقف ابن الزيات عدائيا وكتب هذه الرسالة يستعطفه ويعاتبه. والجاحظ لا ينفي عن نفسه تهمة التهرب من دفع الاتاوة ولكنه لا يرى ان هذا الذنب يستحق مثل ذاك العقاب ويثير حقد الوزير وغضبه ونقده. ان ذنبه صغير والعقوبة كبيرة، فلا توازن بينهما، وعدم التوازن معناه عدم العدل وهذا ما اراده بقوله: «ومن عاقب على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة

стр. 52

بعقوبة الاصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد ... ومن خرج من باب الاوزان وخالف جميع التعديل كان بغاية العقاب احق، وبه اولى» . وينصح الوزير بالنظر في سبب الذنب قبل انزال العقوبة. ويحذر الجاحظ ابن الزيات من الانسياق وراء هواه والانقياد للغيظ والغضب، لان الغيظ نار تحرق اهلها، وسلطان غشوم. ولأن «الغضب يصور لصاحبه مثل ما يصور السكر لاهله ... والغضبان يشغله الغضب ويغلي به الغيظ، وتستفرغه الحركة، ويمتلىء بدنه رعدة، وتتزايل اخلاطه، وتنحل عقده، ولا يعتريه من الخواطر الا ما يزيده في دائه، ولا يسمع من جليسه الا ما يكون مادة لفسادة..» . كما يطلب منه ان يميز بين الاخيار والاشرار والمحبين والمبغضين في التعادي. فلا ينبغي ان يعادي عقلاء الرواة ومن عرفوا بالصدق، ولا يعاقب وادا ولا يضجر من صاحب مهما بدا منه. واذا تحقق ان مبعث الذنب البغض او الميل الى الشر فيجب ان يشتد في العقاب والتعذيب دون رحمة او تردد. ولا يوجد سبب كاف يوجب التعادي بين الجاحظ وابن الزيات. فهما ابنا نحلة واحدة، وتجمعهما مودة قديمة. ان اسباب التعادي بنظر الجاحظ هي «تنافس الجيران والقرابات، وتحاسد الاشكال في الصناعات ... والتشاحن على المواريث، والتنازع في تخوم الارضين» . وهذه الاسباب جميعا غير متوافرة في أبي عثمان والوزير. فابن الزيات من عائلة مختلفة عن عائلة الجاحظ، وابن الزيات وزير والجاحظ سوقة، ولا مشاكلة بينهما الا في إيثار الدقيق الخشن على الدقيق الابيض والباقلاء على الحلوى. واذا كان الجاحظ صديق ابن الزيات بالأمس فينبغي ان يدرك أن ما يصيب الانسان ينسحب على صديقه لأنه «اذا اعتل خليلك فقد اعتل

стр. 53

نصفك ... فموتي هو موت صديقي، وحياتي هي حياة صديقي» . وعلاوة على ذلك يجدر بابن الزيات أن يعتبر شيخوخة الجاحظ ويحترمها، لأن للكبرة شفاعة وللضعف حرمة. ثم ان الجاحظ منح الوزير جلد شبابه، واعطاه عند الكهولة قوة رأيه وثمرة تجاربه. واذا كان الوزير حريصا على مال الدولة فعليه بهؤلاء الذين اختلسوا تلك الاموال او احتجزوها وليمض فيهم حكم الكتاب والسنة. عدا هذه الحجج التي يبغي منها ابو عثمان تبرئة ساحته واستعطاف الوزير، يتهم ابن الزيات بالاساءة اليه جسما وسمعة وكتبا. فابن الزيات يعيب الجاحظ على اهماله كتبه وتركها اوراقا مبعثرة لا تجمعها المصاحف فتسهل قراءتها وتحفظ. ويعيبه ايضا على انه يكتبها على الورق الصيني بدل الجلود التى تقوى على عاديات الزمان. ويعيبه ثالثا على عدم انجاب الاولاد. ويتمنى له رابعا الموت، ربما للخلاص من تكاليف الحياة. ولكن الجاحظ لم يفهم غاية الوزير فظن أنه يعيبه او يتمنى له الموت لأنه يكرهه ويحقد عليه. حقا ان للشيخوخة منطقها الضعيف؟!

стр. 54

١٧- مقدمة فصل ما بين العداوة والحسد هذه الرسالة موجهة الى ابي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل كما يتضح من استشهاد الجاحظ بالبيتين التاليين اللذين يمدح بهما الوزير ويعتبره حاميه من الحساد: ان ابن يحيى عبيد الله أمنني ... من الحوادث بعد الخوف من زمني فلست احذر حسادي وان كثروا ... ما دمت ممسك حبل من ابي الحسن وموضوعها حساد ابي عثمان واعداؤه الذين حسدوه على كتبه وما تدر عليه من المنزلة والنعمة، وتحريض الوزير عليهم. ولكن الجاحظ يتطرق الى خلة الحسد والفصل بينها وبين العداوة. ويستهل الكتاب بترغيب الوزير بقراءته، لكونه يعالج موضوعا جديدا لم يسبقه اليه أحد، ولأنه يتصف كالكتاب السابق بالنبل، والكتاب السابق هو استنجاز الوعد. ويرجع نبل هذين الكتابين في رأي الجاحظ الى الاخبار الانيقة الغريبة والاحاديث الباعثة على الاخلاق المحمودة ... الخ. ويرى الجاحظ انه يوجد في كل زمان علماء محقون الفوا الكتب القيمة

стр. 55

في مختلف ميادين العلم والاخلاق وبذوا سواهم بمواهبهم التي حباهم الله اياها. ولكن ظهر لهم حساد معارضون في تلك العلوم والكتب «منتحلة يدعون مثل دعاويهم، قد وسموا انفسهم بسمات الباطل وتسموا باسماء العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزور متزخرفين متشيعين بما لا محصول له، يحتذون امثلة المحقين في زيهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في الفاظهم والحاظهم وحركاتهم واشاراتهم، لينسبوا اليهم ويحلوا محلهم..» . ويبدي الجاحظ خشيته من ان يكون له حساد على كتبه التي يعنى بتأليفها يتولون انتحالها ووضع مثلها. او يطعنون بها ويوهمون «فساد معانيها وسقوط الفاظها» . ويورد شاهدا على ذلك محمدا بن ابي العباس الطوسي الذي انبرى يطعن على كتابه في تحليل النبيذ لدى عرضه على المأمون مما اثار حفيظة المأمون على الطوسي، ولم يسكت هذا الطاعن الباغي الا عندما دخل بشر المريسي معارضه وأيد الجاحظ في مذهبه من تحليل النبيذ، ونحن نعلم ان الكتاب الذي طرق موضوع تحليل النبيذ هو «الشارب والمشروب» ولعله هو المقصود. ويخبرنا الجاحظ انه «ربما الف الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقه والرسائل والسيرة والخطب والخراج والاحكام وسائر فنون الحكمة» وينسبه الى نفسه فيقصد اليه جماعة من اهل العلم بالطعن والتحقير والعيب. وربما فعلوا اكثر من ذلك، اذ يسرقون معاني الكتاب ويؤلفون كتابا حولها ويهدونه الى الملك الذي اهداه كتابه وغيره. كما يخبرنا انه ربما الف الكتاب الذي هو دون الكتاب الاول في معانيه والفاظه وينسبه الى غيره امثال ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة والعتابي وغيرهم، فيقبل عليهم هؤلاء الطاعنون يتدارسون ويتأدبون به معجبين بمعانيه والفاظه.

стр. 56

ويقول اخيرا انه ربما الف الكتاب وتركه غفلا دون ذكر المؤلف اشفاقا من حسد هؤلاء وطعنهم «فينهالون عليه انهيال الرمل ويستبقون الى قراءته سباق الخيل يوم الحلبة الى غايتها» . وقد ذهب بعض الكتاب الحاسدين ابعد من ذلك عندما هددوا الجاحظ وتوعدوه بالويل والثبور وعظائم الأمور اذا هو لم يضمن لهم الشركة فيما يجري عليه. وعدا مسألة نحل كتب الجاحظ والطعن عليها وهي مسألة في غاية الخطورة، يعالج الجاحظ مسألة الفصل ما بين العداوة والحسد. فيرى الحسد نتيجة النعمة التي اسبغت على المحسود وحرم منها الحاسد. اما العداوة فلها اسباب مباينة. ويرافق العداوة العقل اما الحسد فيخلو منه. والحسد لا يزول الا بزوال المحسود عليه، اما العداوة فتحدث لعلة وتزول بزوالها. والعداوة تضعف مع الزمن بينما يبقى الحسد غضا جديدا. والحسد يرافق الكذب بينما قد تخلو العداوة من الكذب، والحسد يتفشى في اهل العلم اكثر من الجهلة والملوك والسوقة. والحسود جبان بينما العدو اشجع واظهر.

стр. 57

١٨- مقدمة رسالة في استنجاز الوعد لم يسم الجاحظ ممدوحه، ولكنه على الارجح ابو الفرج محمد بن نجاح الكاتب الذي وجه اليه رسالة المودة والخلطة، ورسالة ثالثة باسمه. وتعتبر الرسائل متممّة لبعضها البعض من حيث الموضوع والمنحى والغرض. ان الجاحظ يسأل ويمدح. وقد سارع الى الافصاح عن غرضه في صدر الرسالة حيث يقول: «اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه» . هذا يعني ان لديه حاجة، ويريد من ابي الفرج ان يلبيها. وهو يهجم على موضوعه دون توطئة فيذكر حاجته ويشرع في مديح ابي الفرج ويركز على جمال وجهه لأن الوجه عنوان الفال او مطلعه: «فاجتمع فيكم تمام القوام وبراعة الجمال، والبشر عند اللقاء، ولين الخطاب، والكنف للخلطاء، وقلة البذخ بالمرتبة الرفيعة، والزيادة في الانصاف عند النعمة الحادثة، فجعل الناس وعدكم من اكرم الوعد، وعقدكم من اوثق العقد، واطماعكم من اصح الانجاز..» . وهذا التركيز على الوجه والفال والبشر عند اللقاء الخ يذكرنا بمعاني مديح ابن الرومي. وعدا المديح نجد في الرسالة حملة على المديح الكاذب الخادع كما

стр. 58

في رسالة المودة والخلطة. وينجلي نبذه اياه في قوله: «معاذ الله ان تقول الا معروفا غير مجهول، وتصف الا صحيحا غير مدخول، او يكون ممن يتودد بالملق، ويتقحم على اهل الاقدار شرها الى مال، او حرصا على تقريب، وابعد الله الحرص واخزى الشره والطمع» . ويذهب ابعد من ذلك فيحرض الممدوحين على عدم اجازة المديح الكاذب، واذا اثابوا الكذابين شاركوهم في كذبهم وسخفهم وتحملوا وزرهم. وكانوا كمن يمدح نفسه. ولم يكتف الجاحظ بمدح ابي الفرج، بل مدح والده ايضا الذي عرف «بالتبرع بالوعد وسرعة الانجاز، وتمام الضمان» . واذا كان الولد يشبه الوالد في الصفات طبقا للمثل العربي: «ومن اشبه اباه فما ظلم» فهذا دليل على ان اخلاق الناس طباع يتوارثونها، وليست نتيجة التربية والتعليم. والجاحظ يعود في هذا الحكم الى اصول فلسفته الطبيعية التي لم يحد عنها في جميع مناحي فكره. ولا ينسى الجاحظ في ختام الرسالة ان يذكر الممدوح بقاعدة التوازن التي شرحها في رسالة المودة والخلطة وهي تقول: يجب على الممدوح العطاء ويجب على المادح الشكر والثناء. «وانك والله، ايها الكريم المأمول، والمستعطف المسؤول، لا تزرع المحبة الا وتحصد الشكر، ولا تكثر المودات الا اذا اكثر الناس الاموال، ولا يشيع لك طيب الاحدوثة وجمال الحال في العشيرة الا لتجرع مرارة المكروه» .

стр. 59

١٩- مقدمة رسالة الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب إنها الرسالة الثانية التي بين ايدينا من رسائل الجاحظ في ابي الفرج بن نجاح الكاتب. وهي تشبه اختيها السابقة واللاحقة من حيث الموضوع والغاية وتختلف عنهما في الاسلوب. الموضوع هو مديح ابي الفرج، والغاية هي طلب المال او المساعدة او عدم تأخير الأرزاق على حد تعبيره. اما الاسلوب فهو النثر في الرسالتين الأخريين، والنثر والشعر في الرسالة التي نحن بصددها. ويتجاهل الجاحظ في صدر الرسالة صاحب القصيدة التي نظمت في أبي الفرج، ولكنه يعرف ان كنيته ابو عثمان. ثم يحصي اسماء الذين حملوا تلك الكنية، ويورد اسمه في جملتهم دون ان يعترف بانه صاحب القصيدة. بيد أننا نستطيع ان ندرك انه هو الذي نظم القصيدة اذا ما مضينا في قراءتها ووصلنا الى البيت التالي: اعيذك بالرحمن من قول شامت ... ابو الفرج المأمول يزهد في عمرو ان عمرا هذا هو ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ لأنه ورد اسمه في عداد الشعراء المحتملين الذين قرضوا الشعر.

стр. 60

وفي نهاية الرسالة يوضح الجاحظ ان الرائية من نظمه عندما يقول: «وكيفما تصرفت بي الحال، فاني لم اخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين. فان وقعت هذه القصيدة والتي قدمنا قبلها بالموافقة فالحمد لله، وان خالفت فنستغفر الله، وان شيعتم ضعفها بقوة كرمكم، وقويتم اودها بفضل حلمكم، كان في ذلك بلاغ لما املنا. والله الموفق» . ويمكن تقسيم القصيدة ثلاثة اقسام: [أقسام القصيدة] في القسم الاول : يصف حالته النفسية ويميط اللثام عن بعض صفاته فهو راض بحظه في الحياة قاعد بدار الخفض لا يبرح مكانه. ولكن هذا الرضا مر كالصبر. ولو كان غبيا لقنع بالقليل الذي أصابه، ولم يجزع من الاحداث والخطوب التي تعصف به، ولما طمح الى المفاخر والمكارم. وقد ساقته الفاقة الى سؤال قوم لم ينل منهم سوى الابتسامة، اما المال فقد ضنوا به عليه، وعندئذ قرر ان يلزم منزله وينصرف الى الدراسة والتفكير، واشبار عليه اصدقاؤه بالتوجه الى ابي الفرج الذي لا يخلف الوعد ولا يرد عافيا. وفي القسم الثاني يفصح عن غرضه من الرسالة وهو مطالبة ابي الفرج اجزاء ارزاق للجاحظ يبدو أنها تأخرت. اترضى رفدتك اليوم نفسي واسرتي ... بتأخير ارزاقي وانت تلي امري هذه الارزاق التي يذكرها هنا المح اليها في الرسالتين الأخريين: استنجاز الوعد، والمودة والخلطة. ويبدو ان ابا الفرج وعده بتلبية طلبه بعد نظم هذه القصيدة، ولكنه تأخر في انجاز وعده، فكتب له الجاحظ الرسالتين الاخريين يحثه على انجاز ما وعد. وفي القسم الثالث يمدح الجاحظ ابا الفرج وينعته بفتى العسكر والكتاب

стр. 61

قائلا: الا يا فتى الكتاب والعسكر الذي ... تأزر بالحسنى وايد بالنصر تماما كما نعته في رسالة المودة والخلطة حيث قال: «وابو الفرج- اعزه الله- فتى العسكرين، واديب المصرين ... » . ويمدحه ايضا بحسن التدبير والحنكة في معرفة مكائد المحتالين والحزم والعزم. ويأمل في نهاية القصيدة ان لا يخيب ابو الفرج امله فيه، ويعده بالود والثناء والشكر الدائم. ان شعر الجاحظ الذي فزنا في هذه القصيدة بنموذج عنه فريد يمتاز بتقليب المعاني واستقصائها كشعر ابن الرومي، كما يمتاز بسهولة اللفظ ووضوح الأفكار، ولكنه يفتقر كشعر ابن الرومي الى الجزالة وفخامة الديباجة.

стр. 62

٢٠- مقدمة رسالة في المودة والخلطة تنتمي هذه الرسالة الى فن المديح، والمادح هنا هو الجاحظ، والممدوح هو ابو الفرج محمد بن نجاح بن سلمة الكاتب، كان والده على ديوان التوقيع في خلافة المتوكل، وقتله الخليفة سنة ٢٤٥ هـ وقبض على ابنه محمد. وقد وضع الجاحظ هذه الرسالة قبل نكبة ابي الفرج يسأله بعض الحاجات ويتزلف اليه ويتودد ويمدح. ولكن الجاحظ يمهد للتودد والمديح بوضع اصول فن المديح اهمها وجوب الاخلاص فيه، والا غدا المديح ضربا من الحيل والخداع يستغل فيه الشعراء والادباء المداحون سلامة صدر الممدوحين او حسن ظنهم، او قلة فطنتهم، او خوفهم من الهجاء، أو شدة بذلهم وكرمهم. والجاحظ يرفض هذا المديح الخادع ويرذله. ومن اصول المديح تجنب الالحاح والتضرع في السؤال مع التظاهر بالزهد واضمار الرغبة. ومن اصول المديح التوازن بين واجبات المادح والممدوح وحقوقهما. ان واجب الممدوح السخاء ومساعدة المحتاج والاحتفاء بالمادح. ومن حقه

стр. 63

شكر المادح إياه على عطائه وذكر مناقبه والثناء عليه واضمار المودة له. ومن الناحية الفنية ينبغي ان يتوافر في المادح ادبان هما أدب الخلق وادب الرواية الى جانب رجاحة العقل الذي يسوسهما. ويبدو ذلك في أصول تجدر مراعاتها وهي الايجاز والابتعاد عن اللحن، ووضوح المعنى واللفظ، وعدم اللجوء الى الزخرفة البيانية، والقصد الى المعنى دون لف ودوران، ودون تصوير الباطل حقا والحق باطلا، وتجنب الفأفأة وسائر آفات اللسان. بعد وضع هذه الاصول الجمالية للمدح ينتقل الجاحظ الى غرضه وهو طلب العطاء من ابي الفرج. وهذا العطاء انما يقتضيه من ممدوحه مقابل ما يمحضه من محبة واكبار، وبسبب المشاكلة في الأدب، ولأنه في فاقة وابا الفرج في غنى ومجد، وقد عبر عن ذلك بقوله «وانا اقول بعد هذا كله: لو لم أضمر لكم محبة قديمة ولم أضر بكم بشفيع من المشاكلة، ولا بسبب الأديب الى الأديب، ولم يكن على قبول، ولا على حلاوة عند المحصول، ولم اكن الا رجلا من عرض المعارف، ومن جمهور الاتباع، لكان في احسانكم الينا، وانعامكم علينا، دليل على أنا قد اخلصنا المحبة، واصطفينا لكم المودة» . ويردف قائلا: «ولا خير في سمين لا يحتمل هزال اخيه، وصحيح لا يجبر كسر صاحبه» . وينهي ابو عثمان الرسالة بتعداد مزايا ابي الفرج على سنة المداحين، فلا يترك منقبة الا وينسبها اليه: الأريحية والنجابة والسيادة والقيادة والذكاء والمهابة والجمال وكرم المحتد والادب. لقد اجتمع له المجد من طرفيه «وهل المجد الا كرم الأرومه والحسب وبعد الهمة، وكثرة الأدب، والثبات على العهد اذا زلت الاقدام، وتوكيد العقد اذا انحلت معاقد الكرام، والا التواضع عند حدوث النعمة، واحتمال كل العثرة، والنفاذ في الكتابة، والاشراف على الصناعة» .

стр. 64

٢١- مقدمة التربيع والتدوير رسالة وضعها الجاحظ يهزأ فيها من معاصره الكاتب أحمد بن عبد الوهاب. وهذا الهزء ينصب على النواحي الجسمية والخلقية والعقلية. فهو يجلو لاحمد بن عبد الوهاب صورة كاريكاتورية تبعث على الضحك: «كان احمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي انه مفرط الطول، وكان مربعا وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدورا. وكان جعد الاطراف قصير الاصابع وفي ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وانه عتيق الوجه اخمص البطن معتدل القامة تام العظم. وكان طويل الظهر قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدعي انه طويل الباد رفيع العماد عادي القامة عظيم الهامة قد اعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم، وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي انه معتدل الشباب حديث الميلاد» . هذه الصورة الساخرة تلم بمختلف اعضاء جسم احمد بن عبد الوهاب، فهي تمثل وجهه واطرافه وبطنه وظهره وخاصرته وقامته واصابع يديه، وعمره. ولكنها تعمد الى مواطن البشاعة فيه فتضخمها لتلفت اليها النظر، وتكرر ذكرها للتأكيد عليها؛ ولذا نرى الجاحظ يعود الى قصر جسم احمد بن عبد الوهاب

стр. 65

واستفاضة بطنه وخاصرته مرارا عديدة فيقول «فيا شعرا جمع الاعاريض ويا شخصا جمع الاستدارة والطول، بل ما يهمك من أقاويلهم ويتعاظمك من اختلافهم، والراسخون في العلم والناطقون بالفهم يعلمون ان استفاضة عرضك قد ادخلت الضيم على ارتفاع سمكك، وان ما ذهب منك عرضا قد استغرق ما ذهب منك طولا، ولئن اختلفوا في طولك فقد اتفقوا في عرضك» . ثم إنه لا يكتفي بالوصف الساخر بل يضيف اليه التلوين الفكري الهازىء. ان احمد بن عبد الوهاب مربوع الجسم ولذا لا يمكن ان ينعت بالطول ولا بالقصر لان المربع متساوي الأضلاع اي ليس له طول وعرض وهو بالتالي في منأى عن الزراية لأنه لم يتجاوز الحد في طول او عرض، وكل ما لا يتجاوز الحد او القصد معتدل، وكل معتدل جميل: «وبعد، فأي قدّ أردى واي نظام أفسد من عرض مجاوز للقدر وطول مجاوز للقصد؟ ومتى لم يضرب العرض بسهمه على قدر حقه، ويأخذ الطول من نصيبه على مثل وزنه خرج الجسد من التقدير وجاوز التعديل، واذا خرج من التقدير تفاسد، واذا جاوز التعديل تباين..» . وهو يردف قائلا: «وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري على القصار، ولم نسمع احدا ذم المربوع ولا ازرى عليه ولا وقف عنده ولا شك فيه، ومن يذمه الامن ذم الاعتدال، ومن يزري عليه الامن ازرى على الاقتصاد» . ولا يضير ابن عبد الوهاب صغر جسمه فصغار المخلوقات اقواها واقتلها واصلبها كالحصى من الحجارة والافعى من الحيات والفرقس من البعوض والبغاث من الطير. ثم إن صغار المخلوقات اكثرها عددا كيأجوج ومأجوج، والذر والفراش والبعوض.

стр. 66

ثم ان الجسم القصير لا ينحني عند الشيخوخة ولا تعوج عظامه، ويسعه كل باب، ولا تخرج رجلاه من النعش. ثم ان صغار النبات اجمله، كالفلفة والزنبقة الخ.. وعلاوة على ذلك فقد توصف الارض بالعرض دون الطول، ووصف الله الجنة بالعرض دون الطول وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وقد وجدنا الافلاك مدورة لا مطولة وكذلك القمر والبحر والدينار والدرة. وكلها مضرب الجمال. فكيف لا يكون احمد بن عبد الوهاب جميلا كالقمر والدينار والزهرة والدرة والمهاة والعمامة؟. ومن الناحية الخلقية يركز الجاحظ على خلتين في أحمد بن عبد الوهاب هما حب المراء، والادعاء بما ليس فيه. فهو كلف بالجدال يكثر من الاعتراض ويميل الى الخلاف ويؤثر المغالبة والمعاندة. ولو كان يعقل ذلك عن علم وبصيرة لهان الأمر، ولكنه لا يعرف الحجة ولا موضع الشبهة، ويعجز عن الرد والافهام. وبدل ان يعرف قدره ويقف عند حده، نراه يطاول محمد بن عبد الله الزيات وينافره ويراهنه في المحافل والمجامع، ويطمح الى مخاشنة الجاحظ نفسه ومظارفته، ويستهين بالنظام، والاصمعي، ويستخف بالاحنف بن قيس. ومن الناحية العقلية، ينعت الجاحظ احمد بن عبد الوهاب بالجهل وضيق أفق التفكير، وبأنه لم يأخذ العلم عن اربابه بالسماع والمجالسة بل اقتنى الكتب وقرأها دون ان يفهم منها الكثير؛ وهذا ما يعنيه بقوله: «كان قليل السماع غمرا وصحيفا غفلا» . ومع ذلك كان يدعي الأدب ويعتمد بمواهبه ومعارفه حتى غدا لا يطاق، وهذا ما حدا الجاحظ كما يقول على تأليف هذه الرسالة؛ والهدف منها كشف قناعه وابداء صفحته للحاضر والغائب

стр. 67

وسكان كل ثغر وكل مصر بأن يسأله مائة مسألة يهزأ فيها ويعرف الناس مقدار جهله. وقد تناولت هذه الاسئلة جميع الموضوعات من مختلف العلوم. ابتداء من الطوفان وانتهاء بالمعرفة عند الانسان. اسئلة تاريخية وطبيعية وحيوية وجغرافية ودينية ومذهبية وكيماوية وفلسفية ورياضية وموسيقية وفيزائية وبيولوجية. ويؤكد الجاحظ في نهاية طرح هذه المسائل العويصة ان احمد بن عبد الوهاب لا يحسن الاجابة عليها؛ ويدله على مظانها وهي كتبه التي الفها وبحث فيها جميع الموضوعات واجاب على مختلف المسائل. ويطلب منه ان يقرأ تلك الكتب، ويتخلى عن مذهب التشيع ويستبدل به الاعتزال اي مذهب الجاحظ، ويختلف على بيت الجاحظ لأخذ العلم عليه. ونستطيع أن نقول ان الجاحظ توخى من رسالة التربيع والتدوير ان تكون فهرسا للمسائل التي عالجها في كتبه، وشاهدا على سعة ثقافته وعمقها وشمولها، ودعوة سافرة لقراءة تلك الكتب التي لا غنى عنها لكل مثقف او طالب علم، وترويجا للاعتزال. وقد لخص أبو عثمان مزايا رسالة التربيع والتدوير وفوائدها حيث يقول: «هذا الكتاب مرض مع ما (فيه) من الاخلاط مع اشكال واضداد، ومن الجد والهزل، ومن الحظر والاطلاق، ومن الاستئناف والقطع، ومن التحفظ والتضييع، ومن التثبت والتهاون. اذا اريد به تقريع معجب او تكثيف مموه، او امتحان مشكل، او تخجيل وقاح، او قمع ممار، او ممازحة ظريف، او مساءلة عالم، او مدارسة حافظ، او تنبيها على الطريق، او تجديدا للذهن» .

стр. 68

ان كتاب التربيع والتدوير يجمع الجد والهزل، فهو يشحذ الذهن للتفكير في معظم المسائل العلمية والفلسفية التي انطوى عليها، وهو يثير الضحك بلهجته الساخرة وتصويره البارع لخلق احمد بن عبد الوهاب وخلقه. وقد احتج الجاحظ لكتابه هذا بقوله انه ينفع لممازحة ظريف او مساءلة عالم او مدارسة حافظ او تجديدا للذهن. فهو يعتقد ان عقل الانسان احوج الى الشحذ من السيف، وان للعلم مطالب كثيرة واسبابا عديدة، وان اهم اسبابه الخواطر الشتى والمسائل التي تطرح على اختلافها. وهذا الكتاب يمثل حشدا للمسائل والخواطر التي تحض على العلم والتفكير. واذا كانت رسالة التربيع والتدوير معرضا للمسائل الثقافية التي شغلت عقول الناس في عصره، فهي نموذج لادب الجاحظ تمثلت فيه خصائصه الفنية خير تمثيل. وفي طليعة تلك الخصائص الاستطراد الذي ينقله من موضوع الى آخر ثم يعود منه ثانية الى الموضوع الاول. فقد عاد مرارا الى الكلام على الجد والمزاح، وعلى الجن والسحر، وعلى الموضوعات التاريخية، وعلى بشاعة جسم احمد بن عبد الوهاب. ومن تلك الخصائص مزج الجد بالهزل، وقد احتج لهذا الاسلوب بقوله ان لكل منهما فوائد، وقد اراد من المزج بينهما طرد السآمة عن نفس القراء. وخصص لبحث هذا الموضوع قسما لا بأس به من الرسالة. ومن تلك الخصائص السياق الجدلي الرائع، فهو يورد الفكرة ونقيضها، ويحتج لهذه كما يحتج لتلك. ويستقصي للشيء وضده، وكل ذلك انعكاس لغلبة علم الكلام عليه. ومن تلك الخصائص العبارة المقطعة تقطيعا متوازنا، والتي تنطوي على ترادف لفظي ومعنوي، وهي ان دلت على شيء فعلى ثروة لغوية هائلة تمكنه من

стр. 69

التعبير عن المعنى الواحد بطرق مختلفة والفاظ متقاربة او متضادة. واننا لنشعر ونحن نقرأ الرسالة أن الالفاظ تنثال عليه انثيالا، والمعاني تزدحم ازدحاما، فيتلاعب بها ويداعبها ويشكلها كما يشاء وبمهارة ورشاقة عجيبتين.

стр. 70

[١- رسالة كتمان السر وحفظ اللسان] (- ١- كتمان السر وحفظ اللسان)

стр. 71

[١- موضوع الكتاب] أمّا بعد فإنّي قد تصفّحت أخلاقك، وتدبّرت أعراقك، وتأمّلت شيمك، ووزنتك فعرفت مقدارك، وقوّمتك فعلمت قيمتك، فوجدتك قد ناهزت الكمال، وأوفيت على التّمام، وتوقّلت في درج الفضائل، وكدت تكون منقطع القرين، وقاربت أن تلفى عديم النّظير، لا يطمع فضل أن يفوتك، ولا يأنف شريف أن يقصر دونك، ولا يخشع عالم أن يأخذ عنك. ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييع وإهمال لأمرين: هما القطب الذي عليه مقار الفضائل، فكنت أحقّ بالعدل، وأقمن بالتأنيب ممن لم يسبق شأوك، ولم يتسنّم رتبتك، لأنه ليس ملوما على تضييع القليل من قد أضاع الكثير، ولا يسام إصلاح يومه وتقويم ساعته من قد استحوذ الفساد على دهره، ولا يحاسب على الزّلّة الواحدة من لا يعدم منه الزلل والعثار، ولا ينكر المنكر على من ليس من أهل المعروف، لأنّ المنكر إذا كثر صار معروفا، وإذا صار المنكر معروفا صار المعروف منكرا. وكيف يعجب ممن أمره كلّه عجب، وإنّما الإنكار والتعجّب ممن خرج

стр. 72

عن مجرى العادة، وفارق السّنّة والسجيّة، كما قال الأول: «تذكر» . وقيل: «الكامل من عدّت سقطاته» ، وقيل: «من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه خيرا من غده فهو مفتون، ومن كان غده خيرا من يومه فذلك السعيد المغبوط» . وفي هذا المعنى قال الشاعر: رأيتك أمس خير بنى معدّ ... وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غدا تزيد الضعف خيرا ... كذلك تزيد سادة عبد شمس وقال آخر في معن: أنت امرؤ همّك المعالي ... ودلو معروفك الربيع أنت امرؤ من وائل صميم ... كالقلب تحنى له الضلوع في كلّ عام تزيد خيرا ... يشيعه عنك من يشيع والامران اللذان نقمتهما عليك: وضع القول في غير موضعه، وإضاعة السّرّ بإذاعته. [٢- العقل واللسان] وليس الخطر فيما أسومك وأحاول حملك عليه بسهل ولا يسير. وكيف وأنا لا أعرف في دهري- على كثير عدد أهله- رجلا واحدا ممن ينتحل الخاصّة، وينسب إلى العلية، ويطلب الرياسة ويخطب السّيادة، ويتحلّى بالأدب ويديم الثّخانة والزّماتة، والحلم والفخامة، أرضى ضبطه للسانه، وأحمد حياطته لسرّه. وذلك أنّه لا شيء أصعب من مكابدة الطبائع، ومغالبة الأهواء، فإن الدّولة لم تزل للهوى على الرأي طول الدهر. والهوى هو الدّاعية الى إذاعة السر، وإطلاق اللسان بفضل القول. وإنّما سمّى العقل عقلا وحجرا، قال تعالى- هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي

стр. 73

حِجْرٍ - لأنّه يزمّ اللسان ويخطمه، ويشكله ويربثه، ويقيّد الفضل ويعقله عن أن يمضى فرطا في سبيل الجهل والخطأ والمضرّة، كما يعقل البعير، ويحجر على اليتيم. وإنّما اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة مستحفظة للخواطر والأسرار، وكلّ ما يعيه [من] ذلك عن الحواسّ من خير وشرّ، وما تولّده الشّهوات والأهواء، وتنتجه الحكمة والعلم. ومن شأن الصدر- على أنه ليس وعاء للأجرام، وإنّما يعى بقدرة [من] الله لا يعرف العباد كيف هي- أن يضيق بما فيه، ويستثقل ما حمل منه، فيستريح الى نبذه، ويلذّ إلقاءه على اللسن. ثم لا يكاد أن يشفيه أن يخاطب به نفسه في خلواته حتى يفضي به الى غيره ممن لا يرعاه ولا يحوطه. كلّ ذلك ما دام الهوى مستوليا على اللّسان، واستعمل فضول النّظر فدعت الى فضول القول. فإذا قهر الرأي الهوى فاستولى على اللسان، منعه من تلك العادة، وردّه عن تلك الدّربة، وجشّمه مؤونة الصّبر على ستر الحلم والحكمة. ولا شيء أعجب من أنّ المنطق أحد مواهب الله العظام، ونعمه الجسام، وأن صاحبها مسؤول عنها، ومحاسب على ما خوّل منها، أوجب الله عليه استعمالها في ذكره وطاعته، والقيام بقسطه وحجّته، ووضعها مواضع النّفع في الدين والدنيا، والإنفاق منها بالمعروف لفظة لفظة، وصرفها عن أضدادها. فلم يرض الإنسان أن عطّلها عمّا خلقت له مما ينفعه حتّى استعملها في ضدّ ذلك مما يضرّه، فاجتمع عليه الإثمان اللذان اجتمعا على صاحب المال الذي كنزه ومنعه من حقّه، فوجب عليه إثم المنع وإن كان لم يصرفه

стр. 74

في معصية، ثم صرفه في أبواب الباطل والفسق فوجب عليه إثم الإنفاق فيها. وهذه غاية الغبن والخسران. نعوذ بالله منهما. فاللسان أداة مستعملة، لا حمد له ولا ذمّ عليه، وإنما الحمد للحلم واللّوم على الجهل. فالحلم هو الاسم الجامع لكلّ فضل، وهو سلطان العقل القامع للهوى. فليس قمع الغضب وتسكين قوة الشّرّة، وإسقاط طائر الخرق بأحقّ بهذا الاسم، ولا أولى بهذا الرسم، من قمع فرط الرضا وغلبة الشهوات، والمنع من سوء الفرح والبطر، ومن سوء الجزع والهلع، وسرعة الحمد والذم، وسوء الطّبع والجشع، وسوء مناهزة الفرصة، وفرط الحرص على الطّلبة، وشدّة الحنين والرقّة، وكثرة الشكوى والأسف، وقرب وقت الرضا من وقت السّخط، ووقت التسخط من وقت الرضا، ومن اتّفاق حركات اللسان والبدن على غير وزن معلوم ولا تقدير موصوف، وفي غير نفع ولا جدوى. [٣- حب الاخبار] واعلم يقينا أن الصّمت سرمدا أبدا، أسهل مراما- على ما فيه من المشقّة- من إطلاق اللسان بالقول على جهة التحصيل والتمييز، والقصد للصّواب، لما قدّمنا ذكره من علة مجاذبة الطّباع، ولأنّ من طبع الإنسان محبة الإخبار والاستخبار. وبهذه الجبلّة التي جبل عليها الناس نقلت الأخبار عن الماضين الى الباقين، عن الغائب الى الشاهد، وأحبّ الناس أن ينقل عنهم، ونقشوا خواطرهم في الصّخور، واحتالوا لنشر كلامهم بصنوف الحيل. وبذلك ثبتت حجّة الله على من لم يشاهد مخارج الأنبياء، ولم يحضر آيات الرّسل، وقام مجيء الأخبار عن غير تشاعر ولا تواطؤ مقام العيان، وعرفت البلدان والأقطار والأمم والتجارات والتدبيرات والعلامات، وصار ما ينقله الناس بعضهم عن بعض ذريعة الى قبول الإخبار عن الرسل، وسلّما الى التصديق،

стр. 75

وعونا على الرضا بالتقليد. ولولا حلاوة الإخبار والاستخبار عند الناس لما انتقلت الأخبار وحلّت هذا المحلّ. ولكن الله حبّبها إليهم لهذا السبب، كما جعل عشق النّساء داعية للجماع، ولذّة الجماع سبيلا للنّسل، والرّقة على الولد عونا على التربية والحضانة- وبهما كان النشوّ والنماء- وحبّ الطعام والشراب سببا للغذاء، والغذاء سببا للبقاء وعمارة الدنيا. فعسر على الإنسان الكتمان لإيثار هذه الشهوة، والانقياد لهذه الطبيعة، وكانت مزاولة الجبال الراسيات عن قواعدها أسهل من مجاذبة الطباع. فاعتراه الكرب لكتمان السرّ، وغشيه لذلك سقم وكمد يحسّ به في سويداء قلبه بمثل دبيب النمل، وحكّة الجرب، ومثل لسع الدّبر ووخز الأشافي، على قدر اختلاف مقادير الحلوم والرّزانة والخفّة. فإذا باح بسرّه فكأنه أنشط من عقال. ولذلك قيل: «الصّدر إذا نفث برأ» مثلا مضروبا لهذه الحال. وقيل: ولا بدّ من من شكوى إذا لم يكن صبر وليس قولنا «طبع الإنسان على حبّ الإخبار والاستخبار» حجّة له على الله، لأنّه طبع على حب النّساء ومنع الزّنى، وحبّب إليه الطعام ومنع من الحرام. وكذلك حبّب إليه أن يخبر بالحقّ النافع ويستخبر عنه، وجعلت فيه استطاعة هذا وذاك، فاختار الهوى على الرأى. وممّا يؤكّد هذا المعنى في كرب الكتمان وصعوبته على العقلاء فضلا عن غيرهم، ما رووه عن بعض فقهائهم أنه كان يحمل أخبارا مستورة لا يحتملها العوامّ، فضاق صدره بها، فكان يبرز الى العراء فيحتفر بها حفيرا يودعها دنّا، ثم ينكبّ على ذلك الدّنّ فيحدّثه بما سمع، فيروّح عن قلبه، ويرى أن قد نقل سرّه من وعاء الى وعاء.
следующие страницы →