Полный текст (465 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
[١- موضوع الكتاب]
أمّا بعد فإنّي قد تصفّحت أخلاقك، وتدبّرت أعراقك، وتأمّلت شيمك، ووزنتك فعرفت مقدارك، وقوّمتك فعلمت قيمتك، فوجدتك قد ناهزت الكمال، وأوفيت على التّمام، وتوقّلت في درج الفضائل، وكدت تكون منقطع القرين، وقاربت أن تلفى عديم النّظير، لا يطمع فضل أن يفوتك، ولا يأنف شريف أن يقصر دونك، ولا يخشع عالم أن يأخذ عنك.
ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييع وإهمال لأمرين: هما القطب الذي عليه مقار الفضائل، فكنت أحقّ بالعدل، وأقمن بالتأنيب ممن لم يسبق شأوك، ولم يتسنّم رتبتك، لأنه ليس ملوما على تضييع القليل من قد أضاع الكثير، ولا يسام إصلاح يومه وتقويم ساعته من قد استحوذ الفساد على دهره، ولا يحاسب على الزّلّة الواحدة من لا يعدم منه الزلل والعثار، ولا ينكر المنكر على من ليس من أهل المعروف، لأنّ المنكر إذا كثر صار معروفا، وإذا صار المنكر معروفا صار المعروف منكرا.
وكيف يعجب ممن أمره كلّه عجب، وإنّما الإنكار والتعجّب ممن خرج
стр. 72
عن مجرى العادة، وفارق السّنّة والسجيّة، كما قال الأول: «تذكر» .
وقيل: «الكامل من عدّت سقطاته» ، وقيل: «من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه خيرا من غده فهو مفتون، ومن كان غده خيرا من يومه فذلك السعيد المغبوط» . وفي هذا المعنى قال الشاعر:
رأيتك أمس خير بنى معدّ ... وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الضعف خيرا ... كذلك تزيد سادة عبد شمس
وقال آخر في معن:
أنت امرؤ همّك المعالي ... ودلو معروفك الربيع
أنت امرؤ من وائل صميم ... كالقلب تحنى له الضلوع
في كلّ عام تزيد خيرا ... يشيعه عنك من يشيع
والامران اللذان نقمتهما عليك: وضع القول في غير موضعه، وإضاعة السّرّ بإذاعته.
[٢- العقل واللسان]
وليس الخطر فيما أسومك وأحاول حملك عليه بسهل ولا يسير. وكيف وأنا لا أعرف في دهري- على كثير عدد أهله- رجلا واحدا ممن ينتحل الخاصّة، وينسب إلى العلية، ويطلب الرياسة ويخطب السّيادة، ويتحلّى بالأدب ويديم الثّخانة والزّماتة، والحلم والفخامة، أرضى ضبطه للسانه، وأحمد حياطته لسرّه. وذلك أنّه لا شيء أصعب من مكابدة الطبائع، ومغالبة الأهواء، فإن الدّولة لم تزل للهوى على الرأي طول الدهر. والهوى هو الدّاعية الى إذاعة السر، وإطلاق اللسان بفضل القول.
وإنّما سمّى العقل عقلا وحجرا، قال تعالى- هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي
стр. 73
حِجْرٍ
- لأنّه يزمّ اللسان ويخطمه، ويشكله ويربثه، ويقيّد الفضل ويعقله عن أن يمضى فرطا في سبيل الجهل والخطأ والمضرّة، كما يعقل البعير، ويحجر على اليتيم.
وإنّما اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة مستحفظة للخواطر والأسرار، وكلّ ما يعيه [من] ذلك عن الحواسّ من خير وشرّ، وما تولّده الشّهوات والأهواء، وتنتجه الحكمة والعلم.
ومن شأن الصدر- على أنه ليس وعاء للأجرام، وإنّما يعى بقدرة [من] الله لا يعرف العباد كيف هي- أن يضيق بما فيه، ويستثقل ما حمل منه، فيستريح الى نبذه، ويلذّ إلقاءه على اللسن. ثم لا يكاد أن يشفيه أن يخاطب به نفسه في خلواته حتى يفضي به الى غيره ممن لا يرعاه ولا يحوطه. كلّ ذلك ما دام الهوى مستوليا على اللّسان، واستعمل فضول النّظر فدعت الى فضول القول.
فإذا قهر الرأي الهوى فاستولى على اللسان، منعه من تلك العادة، وردّه عن تلك الدّربة، وجشّمه مؤونة الصّبر على ستر الحلم والحكمة.
ولا شيء أعجب من أنّ المنطق أحد مواهب الله العظام، ونعمه الجسام، وأن صاحبها مسؤول عنها، ومحاسب على ما خوّل منها، أوجب الله عليه استعمالها في ذكره وطاعته، والقيام بقسطه وحجّته، ووضعها مواضع النّفع في الدين والدنيا، والإنفاق منها بالمعروف لفظة لفظة، وصرفها عن أضدادها.
فلم يرض الإنسان أن عطّلها عمّا خلقت له مما ينفعه حتّى استعملها في ضدّ ذلك مما يضرّه، فاجتمع عليه الإثمان اللذان اجتمعا على صاحب المال الذي كنزه ومنعه من حقّه، فوجب عليه إثم المنع وإن كان لم يصرفه
стр. 74
في معصية، ثم صرفه في أبواب الباطل والفسق فوجب عليه إثم الإنفاق فيها. وهذه غاية الغبن والخسران. نعوذ بالله منهما.
فاللسان أداة مستعملة، لا حمد له ولا ذمّ عليه، وإنما الحمد للحلم واللّوم على الجهل. فالحلم هو الاسم الجامع لكلّ فضل، وهو سلطان العقل القامع للهوى. فليس قمع الغضب وتسكين قوة الشّرّة، وإسقاط طائر الخرق بأحقّ بهذا الاسم، ولا أولى بهذا الرسم، من قمع فرط الرضا وغلبة الشهوات، والمنع من سوء الفرح والبطر، ومن سوء الجزع والهلع، وسرعة الحمد والذم، وسوء الطّبع والجشع، وسوء مناهزة الفرصة، وفرط الحرص على الطّلبة، وشدّة الحنين والرقّة، وكثرة الشكوى والأسف، وقرب وقت الرضا من وقت السّخط، ووقت التسخط من وقت الرضا، ومن اتّفاق حركات اللسان والبدن على غير وزن معلوم ولا تقدير موصوف، وفي غير نفع ولا جدوى.
[٣- حب الاخبار]
واعلم يقينا أن الصّمت سرمدا أبدا، أسهل مراما- على ما فيه من المشقّة- من إطلاق اللسان بالقول على جهة التحصيل والتمييز، والقصد للصّواب، لما قدّمنا ذكره من علة مجاذبة الطّباع، ولأنّ من طبع الإنسان محبة الإخبار والاستخبار. وبهذه الجبلّة التي جبل عليها الناس نقلت الأخبار عن الماضين الى الباقين، عن الغائب الى الشاهد، وأحبّ الناس أن ينقل عنهم، ونقشوا خواطرهم في الصّخور، واحتالوا لنشر كلامهم بصنوف الحيل. وبذلك ثبتت حجّة الله على من لم يشاهد مخارج الأنبياء، ولم يحضر آيات الرّسل، وقام مجيء الأخبار عن غير تشاعر ولا تواطؤ مقام العيان، وعرفت البلدان والأقطار والأمم والتجارات والتدبيرات والعلامات، وصار ما ينقله الناس بعضهم عن بعض ذريعة الى قبول الإخبار عن الرسل، وسلّما الى التصديق،
стр. 75
وعونا على الرضا بالتقليد.
ولولا حلاوة الإخبار والاستخبار عند الناس لما انتقلت الأخبار وحلّت هذا المحلّ. ولكن الله حبّبها إليهم لهذا السبب، كما جعل عشق النّساء داعية للجماع، ولذّة الجماع سبيلا للنّسل، والرّقة على الولد عونا على التربية والحضانة- وبهما كان النشوّ والنماء- وحبّ الطعام والشراب سببا للغذاء، والغذاء سببا للبقاء وعمارة الدنيا.
فعسر على الإنسان الكتمان لإيثار هذه الشهوة، والانقياد لهذه الطبيعة، وكانت مزاولة الجبال الراسيات عن قواعدها أسهل من مجاذبة الطباع. فاعتراه الكرب لكتمان السرّ، وغشيه لذلك سقم وكمد يحسّ به في سويداء قلبه بمثل دبيب النمل، وحكّة الجرب، ومثل لسع الدّبر ووخز الأشافي، على قدر اختلاف مقادير الحلوم والرّزانة والخفّة. فإذا باح بسرّه فكأنه أنشط من عقال.
ولذلك قيل: «الصّدر إذا نفث برأ» مثلا مضروبا لهذه الحال. وقيل:
ولا بدّ من من شكوى إذا لم يكن صبر
وليس قولنا «طبع الإنسان على حبّ الإخبار والاستخبار» حجّة له على الله، لأنّه طبع على حب النّساء ومنع الزّنى، وحبّب إليه الطعام ومنع من الحرام. وكذلك حبّب إليه أن يخبر بالحقّ النافع ويستخبر عنه، وجعلت فيه استطاعة هذا وذاك، فاختار الهوى على الرأى.
وممّا يؤكّد هذا المعنى في كرب الكتمان وصعوبته على العقلاء فضلا عن غيرهم، ما رووه عن بعض فقهائهم أنه كان يحمل أخبارا مستورة لا يحتملها العوامّ، فضاق صدره بها، فكان يبرز الى العراء فيحتفر بها حفيرا يودعها دنّا، ثم ينكبّ على ذلك الدّنّ فيحدّثه بما سمع، فيروّح عن قلبه، ويرى أن قد نقل سرّه من وعاء الى وعاء.
стр. 76
وكان الأعمش سيّء الخلق غلقا، وكان أصحاب الحديث يضجرونه ويسومونه نشر ما يحبّ طيّه عنهم، وتكرار ما يحدّثهم به، ويتعنّتونه، فيحلف لا يحدّثهم الشهر والأكثر والأقلّ، فإذا فعل ذلك ضاق صدره بما فيه، وتطلّعت الأخبار إلى الخروج منه، فيقبل على شاة) كانت له فيحدّثها بالأخبار والفقه، حتى كان بعض أصحاب الحديث يقول: «ليت أنّى كنت شاة الأعمش» .
وشكا هشام بن عبد الملك ما يجد من فقد الأنيس المأمون على سرّه فقال: أكلت الحامض والحلو حتّى ما أجد لهما طعما، وأتيت النساء حتى ما أبالى أمرأة لقيت أم حائطا، فما بقيت لي لذّة إلّا وجود أخ أضع بيني وبينه مؤونة التحفّظ.
وقال معاوية لعمرو بن العاص: ما اللذة؟ قال: تأمر شباب قريش أن يخرجوا عنا. ففعل، فقال: اللّذّة طرح المروءة.
وقد صدق عمرو، ما تكون الزّماتة والوقار إلا بحمل على النفس شديد، ورياضة متعبة.
وقال بعض الشعراء:
ألم تر أنّ وشاة الرجال ... لا يتركون أديما صحيحا
فلا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
[٤- مساوىء إفشاء السر]
والسرّ- أبقاك الله- إذا تجاوز صدر صاحبه وأفلت من لسانه إلى أذن واحدة فليس حينئذ بسرّ، بل ذاك أولى بالإذاعة، ومفتاح النّشر والهرة. وإنّما بينه وبين أن يشيع ويستطير أن يدفع الى أذن ثانية. وهو مع قلّة المأمونين عليه، وكرب الكتمان، حريّ بالانتقال إليها في طرفة عين.
стр. 77
وصدر صاحب الأذن الثانية أضيق، وهو إلى إفشائه اسرع، وبه أسخى وفي الحديث به أعذر، والحجّة عنه أدحض.
ثم هكذا منزلة الثالث من الثاني، والرابع من الثالث أبدا الى حيث انتهى.
هذا أيضا إذا استعهد المحدّث واستكتم، وكان عاقلا حليما، وناصحا وادا، فكيف إذا أخبر ولم يؤمر بالكتمان، وكان ممن يمشى بالنّمائم ويحبّ إفشاء المعايب، وكان ممن ينطوى على غشّ أو شحناء، أو كان له في إظهاره اجتلاب نفع أو دفع ضرر.
فاللّوم إذ ذاك على صاحب السرّ أوجب، وعمّن أفضى به إليه أنزل، لأنه كان مالكا لسرّه فأطلق عقاله، وفتح أقفاله، وسرّحه فأفلت من قيده ووثاقه، وصار هو العبد القنّ المملوك لمن ائتمنه على سرّه، وملّكه رقّ رقبته، فإن شاء أحسن ملكته لحفظ ذلك السّرّ فجزّ ناصيته، وجعله رهينة ليوم عتبه عليه. وقلّ من يحسن الملكة، ويحرس الحرّيّة أو يضبط نفسه، فإنه ربّما لم يخرجه غشّا فأخرجه سخفا وضعفا. وإن أساء الملكة وختر الأمانة فأطلق السرّ واسترعاه من هو أشدّ له إضاعة، فسفك الدم وأزال النعم وكشف المودة وفرّق بين الجميع، وإن كان المضيع لسرّه ألوم. قال الشاعر:
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق
فمن أسوأ حالا، وأخسر مكانا، وأبعد من الحزم، ممن كان حرّا مالكا لنفسه فصيّر نفسه عبدا مملوكا لغيره، مختارا للرّقّ، من غير أسر ولا قسر! والعبيد لم يصبروا على الرقّ إلا بذلّ الأسر والسّباء.
ومن كان سرّه مصونا في قلبه يطلب إليه في الحديث به فأخرجه عن يده، صار هو الطالب الراغب إلى من لا يوجب له طاعة، ولا يفكّر له في
стр. 78
عاقبة، ولا يتحرّز له من مصيبة. وكلّما كانت إذاعته لأسراره أكثر كان عدد مواليه أكثر، وشقاؤه بخدمتهم أدوم. فإذا كان أصل السرّ معلوما عند عدّة أو أقلّ من العدّة، فما أعسر استتاره. غير أنّه لا لوم على صاحب الخيانة فيه إذا كان ليس هو الذي أفشاه، ولا من قبله علم.
ولو أنّ أوزن الناس حلما ملك لسانه وحصّن سرّه وقلّل لفظه، ما قدر على أن يملك لحظ عينيه، وسحنة وجهه، وتغيّر لونه، وتبسّمه أو قطوبه، عند ما يجرى بلبّه من ذكر ذلك السرّ، أو يخطر بباله منه، فيبدو في وجهه ومخايله إذا عرّض بذكره، أو سنح له نظير أو مثيل، أو حضر من له فيه سبب- إلّا بعد التصنّع الشديد، والتحفّظ المفرط.
فإذا كان يعرف من هذه الجهات وما أشبهها، ويطّلع عليه بتظنّن المرجّمين، والمتعقّبين للأفعال والأقوال، والنظر في مصادر التدبير ومخايل الأمور، فيفشو من هذه الجهات أكثر مما تفشيه ألسن المذاييع البذر. فكيف إذا أطلق به اللسان، وعوّد إذا عته القلب. والعادة أملك بالأدب.
وربّما أدركه الحدس، وقيّضه الظنّ، فنالت صاحبه فيه خدعة، بأن يذكر له طرف منه، ويوهم أنه قد فشا وشاع، فيصدّق الظنّ فيجعله يقينا، ويفسّر الجملة فيصيّرها تفصيلا، فيهلك نفسه ويوبقها.
وربّ كلام قد ملأ بطون الطّوامير قد عرف جملته وما فيه الضّرر منه، بسحاءة أو طابع، أو لحظة مطّلع في الكتاب، أو حرف تبيّن من ظهره.
فاستيقظ عند هذه الأحوال، واستعمل سوء الظّنّ بجميع الأنام، فإنه روى عن النبي ﷺ أنه قال: «الحزم سوء الظنّ» . وقيل لثقيف: بم بلغتم ما بلغتم من الشّرف والسؤدد؟ قالوا: بسوء الظنّ.
فلا تعتمد على رجل في سرّك تحمد عقله دون أن تحمد ودّه ونصحه،
стр. 79
فإن الأمر في ذلك كما قال الشاعر:
وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... ولا كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولقد استحسن الناس من بعض رجال العراق أنّه دخل على عبد الملك ابن مروان فأوقع بالحجّاج عنده وسبّه، فلمّا خرج من عنده خبّر بما كان منه لبعض أصحابه، فلامه وأنّبه وقال: ما يؤمنك أن يخبر أمير المؤمنين عبد الملك الحجاج بما قلت فيه- ومرجعك الى العراق- فيضغنه عليك؟ قال:
كلّا، والله إنّي ما رطلت بيدي قطّ أحدا أرزن منه.
وهذا والله- أبقاك الله- الغلط البيّن، والعذر الملفّق، وتحسين فارط الخطأ، لأنّه ليس كلّ راجح وعاقل بناصح لصاحب السرّ، ولو كان أخوه كذلك كان أمره إليه أهمّ، وشأنه أولى. والأعلى من الناس لا يكلّف الأدنى هذه المؤونة، وإنّما يفعلها الأدنون بالاعلين رغبة ورهبا، وتحسّسا عندهم بحاجتهم إليهم.
[٥- من يذيع الاسرار]
وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، و [من] لهم عليهم اليد والسلطان. فالسرّ الذي يودعه خليفة في عامل له يلحقه زينه وشينه، أحرى ألّا يكتمه. وهذا سبيل كل سرّ يستودعه الجلّة والعظماء، ومن لا تبلغه العقوبة ولا تلحقه اللائمة.
وقال سليمان بن داود في حكمته: ليكن أصدقاؤك كثيرا، وصاحب سرّك واحدا من ألف.
وليس معنى الحديث أن تعدّ ممن تعرف ألفا وتفضى إلى واحد بسرّك إن لم يكن ذلك الواحد موضعا للأمانة في السرّ. لكنه قيل: رجل يساوي ألف
стр. 80
رجل، ورجل لا يساوي رجلا. وكقول رسول الله ﷺ :
«الناس كإبل مائة لا يوجد فيها راحلة» .
فكلّ ذلك يراد به أنّ الفضل قليل والنقص قليل لا على نسب ما يتلقّاه الاجتماع من هذه الأعداد، لأنّا قد نجد الرجل يوزن بالأمّة، ونجد الأمّة لا تساوى قلامه ظفر ذلك الرجل.
فإذا كان من تقع عليه الشّريطة معدوما- سيّما من يوثق بحلمه وعقله، وأمانته ونصحه، ومن لا ضرر عليه ولا نفع له في السّرّ الذي يضمر ولا يحرّم عليه كتمانه، ومن قد وأى على نفسه بالسّرّ والحفظ، فإنه ليس كلّ من ضمّن فلم يضمن ضامنا، ولا من استودع فلم يقبل مستحفظا، ولا من استخلف فلم يخلف خائنا، وإنما يلحقه الحمد والذمّ، والأجر والإثم إذا ضمّن الأمانة ثم خترها- فكأنّ القوم قالوا: لا تودعنّ سرّك أحدا. وإلّا فمتى تجد رجلا فيه الصفة التي وصف بها مسكين الدّارميّ نفسه حيث يقول:
إنّي امرؤ منّى الحياء الذي ترى ... أنوء بأخلاق قليل خداعها
أواخي رجالا لست أطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أنّي جماعها
يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
وقيل لرجل: كيف كتمانك للسّرّ؟ قال: أجعل قلبي له قبرا أدفنه فيه إلى يوم النّشور.
وقال الآخر:
وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق
وهذه صفات موجودة بالأقوال، معدومة بالأفعال. والمغرور من اغترّ بما يعده الواعد منها دون أن يبلو الخبر.
стр. 81
والذي جربناه ووجدناه: أنّ من يفضى إليه بالشيء، يبلغ من إذاعته ونشره ما لا يبلغه الرسول المستحفظ المعنىّ بتبليغ الرسالة، المحمود المجازى على أدائها، حتّى ربّما كان يبلغ في الإذاعة لمن أرادها أن يقصد للبلّاغة من الرجال، المعروف بالنّميمة والتقتيت، فيوهمه أنه قد استحفظه السرّ، فيشيع على لسانه كما يشيع الضوء في الظّلمة.
وهذا فعل عمر بن الخطّاب رضى الله عنه حين أحبّ أن يشيع إسلامه فقال: من أنمّ أهل مكة؟ قيل له: جميل بن النّحيت. فأتاه فأخبره بإسلامه وسأله ان يكتمه عليه، فلم يمس وبمكّة أحد لم يعلم بإسلام عمر، ﵁.
ثم يكون من أكثر الأعوان على إظهار السرّ الاستعهاد له، والتّحذير من نشره، فإنّ النّهى أغرى، لأنّه تكليف مشقّة، والصبر على التكليف شديد، وهو حظر، والنفس طيّارة متقلّبة، تعشق الإباحة وتغرم بالإطلاق.
ولعلّ رجلا لو قيل له: لا تمسح بهذا الجدار- وهو لم يمسحها به قطّ- غري بأن يفعل.
وكذلك ما حدّث به من السرّ فلم يؤمر بستره، لعلّه ألّا يخطر بباله، لأنّه موجود في طبائع الناس الولوع بكلّ ممنوع، والضّجر بكل محصول.
[٦- كل ممنوع مرغوب]
فنريد أن نعلم: لم صار الإنسان على ما منع- وإن كان لا ينفعه- أحرص منه على ما أبيح من غير علّة ولا سبب إلّا امتهان ما كثر عليه، واستطراف ما قلّ عنده؟ ولم أقبل على من ولّى عنه وولّى عمّن أقبل عليه؟ ولم قالوا: إذا جدّت المسألة جدّ المنع؟ وقال الشاعر:
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرّدّ
стр. 82
ولم صار يتمنّى الشّيء وينذر فيه النّذور، ويتقطّع إليه شوقا، فإذا ظفر به صدّ عنه وأخلق عنده؟ ولم زهد الملوك فيما في أيديهم ورغبوا فيما في أيدي الناس؟
فنقول: إن الله ﵎ جعل لكلّ نفس مبلغا من الوسع لا يمكنها تجاوزه، ولا تتّسع لأكثر منه. فكان معها فيما دون الوسع الفقر وخوف الإخوان، وفيما تجاوزه عزّ الغنى وأمن العدم. وبهذا وبمثله من البخل والحرص استخفّت من احتاج إليها، وأعظمت من استغنى عنها. وجعلها توّاقة مشتاقة، متطرّفة ملّالة، كثيرة النزاع والتقلب، تستحكم عليها الفتنة، ويبلى خيرها [من شرّها] وصبرها من جزعها. ولولا هذه الخلال سقطت المحن، فهي تعظّم القليل بالضّرورة إليه إن كان من أقواتها، أو لشدّة النّزاع والشوق إن كان من طرف شهواتها، فإنّ صنوف الشهوات كثيرة، ولكلّ صنف منها أهل لا يحفلون بما سواه. وتتعجّب من الغريب النادر، ويضحكها البديع الطارىء. إلا أنّه إذا كثر الغريب صار قريبا، وإذا تجاوز المطلوب مقدار وسعها وحاجتها فصار ظهريّا وفضلا استخفّت به وقلّ في أعينها كثيره. وأعظم الأشياء عندها قدرا ما اشتدّ إليه الفقر والحاجة وإن قلّ قدره، وأهونها عليها ما استغني عنه وإن عظم خطره. وجعل لما تتوق إليه واشتاقه مكانا من قواها، له. فإذا امتلأ ذلك المكان سرورا، وقضى ذلك الأرب وطرا مما كا طمح إليه، وروي مما كان ظامئا إليه، انصرف عنه وقلاه، وحال عشقه بغضا، وشوقه ملالا.
والعلّة في ذلك: أنّ الدّنيا دار زوال وملال، ليس في كيانها أن تثبت هي ولا شيء مما فيها على حال واحدة، وإنّما الثّبوت الدائم لدار القرار.
فالسآمة تلحقها في محبوبها، كما يصيب المنتهى من الطعام والشراب والباه، فإنه ليس شيء أبغض إلى من يتناهى فيه إلى غايته، من النّظر إلى ناحيته،
стр. 83
فضلا عن ملابسته، إلى وقت عودة السبب الأوّل.
فإذا كانت الطبائع تتشابه، ولكل حاسّة قوة، فإذا امتلأت تلك القوّة من محسوسها لم تجد لها وراءه طعما ولا ريحا، وعاد عليها الضّرر. فبعض النظر يعمى، والصّوت الشديد يصمّ، والرائحة المنتنة تبطل المشمّ، والأطعمة الحارّة المحرقة تبطل حاسّة اللسان.
وتتطرّف كلّ واحدة منها، فبين الطيّب عند من بعد عهده [به] ؛، والجماع والسّماع، وبين من هو مغموس فيه بون بعيد جدا، في الحلاوة وحسن الموقع. كلّ ذلك ما لم يأت المال والعلم، فإنّه كلّما كثر كان أشهى وأعجب، لأنّ قصد النّاس له ليس لطلب مقدار الحاجة وسدّ الخلّة كما يريده أهل القناعة والزّهادة، وإنّما يراد لقمع الحرص، والحرص لا حدّ له ولا نهاية، لأنه سعى لا لحاجة، وإيضاع لا لبغية.
وهكذا قال رسول الله ﷺ : «لو أنّ لا بن آدم واديين من ذهب لا بتغى إليهما ثالثا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» .
وقال بعض الحكماء:
من كان لا يغنى بما يغنيه ... فكلّ ما في الأرض لا يغنيه
قال الله : وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا
.. وقال: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
. وقال الشاعر:
والناس إن شبعت بطونهم ... فعيونهم في ذاك لا تشبع
فأمّا الحديث الذي جاء: «لا يشبع أربع من أربعة: أرض من مطر، وعين من نظر، وأنثى من ذكر، وعالم من علم» .. فإنّ العين لا تشبع في الجملة كما لا يشبع الخيشوم من الاستنشاق. فأمّا من صنف مما يراه دون
стр. 84
صنف، فإنه يشبع ويروى، ويصدّ ويصدف الى غيره.
وأمّا العلم فإنّه أوسع من أن يحاط به، فمن طلبه لشرفه وفخره فإنه لا حدّ له ولا نهاية، ولم يزدد له طلبا إلّا ازداد فيه رغبة. ومن طلب منه مقدار كفايته وحاجته كفاه منه اليسير. على أنه لا يملك من كثر علمه أن يرى فيه الغنى والكبرياء أيضا. وقد يملّ كما يملّ كلّ شيء. وتملّ العين أيضا منه ومن المال.
وقيل: اثنان منهومان: طالب علم وطالب دنيا. وهذه القضيّة تدلّ على الخروج عن العقل، لأن النّهم تجاوز القدر.
وأمّا الحرص على الممنوع الذي لا ينتفع به، والعجب مما يتعجّب من مثله، فليس من أخلاق العقلاء. وما لم يكن في أخلاقهم فلا نظر فيه ولا قياس عليه، وإنما ذلك فعل من استوحش من الحجّة، وشرد عن علم العلل والأسباب.
[٧- اكثر الأمور عرضة لافشاء السر]
وإفشاء السرّ إنما يوكّل بالخبر الرائع، والخطب الجليل، والدفين المغمور، والأشنع الأبلق، مثل سرّ الأديان لغلبة الهوى عليها، وتضاغن أهلها بالاختلاف والتضادّ، والولاية والعداوة. ومثل سرّ الملوك في كيد أعدائهم ومكنون شهواتهم ومستور تدبيراتهم، ثم من يليهم من العظماء والجلّة، لنفاسة الملوك على العوامّ، وأنّهم سماء مظلّة عليهم، أعينهم إليها سامية، وقلوبهم بها معلّقة، ورغباتهم ورهباتهم إليها مصروفة. ثم عداوات الإخوان، فإنّما صارت العداوة بعد المودّة أشدّ لاطّلاع الصديق على سرّ صديقه، وإحصائه معايبه، وربّما كان في حال الصّداقة يجمع عليه السّقطات ويحصى العيوب، ويحتفظ بالرّقاع، إرصادا ليوم النّبوة، وإعدادا لحال
стр. 85
الصّريمة.
وقد شكا بعض الملوك تنقيب العوامّ عن أسرار الملوك فقال:
ما يريد الناس منّا ... ما ينام الناس عنّا
لو سكنّا باطن الأر ... ض لكانوا حيث كنّا
إنما همّهم أن ... ينشروا ما قد دفّنا
ولم نرى حبّ الطعن على الملوك، والتجسّس على أخبارهم، وعشق نشر المعايب، واستحلال الغيبة، ظاهرا في طباع الناس لا يكاد ينجو منه أحد منهم إلّا من رجح حلمه وعظمت مروءته، وظهر سؤدده، واشتدّ ورعه، حتى قال بعضهم: «الغيبة فاكهة النّسّاك» .
ورووا عن بعضهم أنه قال: «الفاسق لا غيبة له» .
وقال آخر: «أترعون من ذكر الفاسق؟ اذكروه يعرفه الناس» .
[٨- الغيبة]
ولم نر الله جلّ ثناؤه رخّص في اغتياب مؤمن، بل ضرب المثل في الغيبة بأكره ما تكرهه النّفوس، وما تختار منه الموت على الحياة، فقال:
وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ.
واغتياب الناس جميعا خطة جور في الحكم، وسقوط في الّهمة، وسخافة في الرأي، ودناءة في القيمة، وكلفة عريضة، وحسد ونفاسة قد استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعهم، وتوكّدت لسوء العادة عندهم، ولعلوّ الشرّ على الخير، وكثرة الدّغل والنّغل والحسد في القلوب. فلست ترى منها ناجيا. إمّا ناظر بعين عدل وإنصاف، فهو يرى ما ينكر فيبدو في وجهه
стр. 86
ولسانه. وإما ناظر بعين البغضاء والعداوة فهو كثيرا ما يجد من العيوب في عدوّه ما يعينه على التخرّص عليه فيقوّيها ويزيد فيها. وإن عدم الحقّ تقول وقبّح الحسن، وزاد في قبح القبيح.
والحديث كلّه- إلّا ما لا بال به- ذكر النّاس، ولغو وخطل، وهجر وهذاء، وغيبة وهمز ولمز.
وقال بعض الحكماء لابنه: يا بنيّ، إنّما الإنسان حديث، فإن استطعت ان تكون حديثا حسنا فافعل.
وكلّ سرّ في الأرض إنّما هو خبر عن إنسان، أو طيّ عن إنسان، فله في الغيبة أكثر الحظّ، وجلّها كلفة لا ضرورة، يرى صاحبها أنه قد أهمل محاسبة نفسه، وغفر ذنوبها وألغى عيوبها، وقصد قصد غيره، فتشاغل عمّا يعينه بما لا يعنيه، فأنكر أقواله وأفعاله، وهجر تدبيره، وتعجّب من مقابحه، وجهد نفسه في تفقّد أموره. ليس ذلك عن عناية بصلاحه، ولا محبّة لتقويمه وتهذيبه، ولا أنّه مسيطر عليه ولا محمود عنده على ما عني به من شأنه، بل هو عنده عين المذموم.
وهذا جلّ حديث البشر وشغلهم في الليل والنهار.
قال بعض الحكماء: فضول النظر تدعو الى فضل القول، وفضول الخواطر تبعث على اللهو والخطل.
[٩- العدل]
ولو كان الرجل لا يتكلّم إلّا بما يعنيه،؛ ولا يتكلّف ما قد كفيه، قلّ كلامه. ولو حكّم العدل في أموره، وفيما بينه وبين خالقه، وبينه وبين إخوانه ومعامليه، لطاب عيشه وخفّت مؤونته والمؤونة عليه، فإنّ الله ﵎ لم
стр. 87
يخلق مذاقا أحلى من العدل، ولا أروح على القلوب من الإنصاف، ولا أمرّ من الظّلم، ولا أبشع من الجور.
وقال بعض المتقدّمين: «إنما يعرف الظّلم من حكم به عليه» . ومن استعمل العدل دلّه على أنّ النّاس يجدون من طعمه وطعم الظلم إذا فعله بهم مثل الذي يجد إذا ظلم، فكره لهم ما كره لنفسه، فأنصف ولم يظلم.
ويتظالم الناس فيما بينهم بالشّره والحرص المركّب في أخلاقهم، فلذلك احتاجوا الى الحكّام- وقد أطلق لهم تصريف أخلاقهم وأماناتهم- التي ردّت إليهم بالأحكام فيها، ما جنايته عليهم أكثر مما يطالبهم به الخصوم.
وقال بعض الحكماء: إنّ من أصعب الأعمال إنصافك في نفسك، ومواساتك أخاك في مالك، وذكر الله. أما إنّي لا أعنى قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر- وإنّ ذلك لمن ذكر الله- ولكن ذكره عنده ما يعرض من الأمور، فإن كان طاعة لله فعلته، وإن كان معصية لله اجتنبته.
وروى عن بعضهم أنه قال: «ثلاثة في ظلّ عرش الله يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: رجل لم يعب أخاه بعيب فيه مثله حتّى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنّه لا يصلحه حتى يهجم على آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس. ورجل لم يقدّم يدا ولا رجلا حتى يعلم: أفى طاعة الله هو أم في معصيته؟ ورجل لم يلتمس من الناس إلّا مثل ما يعطيهم من نفسه. أما تحبون أن تنصفوا» .
وقال رسول الله ﷺ : «رحم الله عبدا أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، وشغله عيبه عن عيوب الناس» .
وقال عيسى بن مريم: «يا بني إسرائيل أيرى أحدكم القذاة في عين أخيه ويغبى عن الجذع المعترض في عينه» .
стр. 88
[١٠- الفضول]
وقيل لعيسى بن مريم: ما أفضل أعمالك؟ قال: تركى ما لا يعنيني.
وقال عمرو بن عبيد: أعيتنى ثلاث خلال: تركى ما لا يعنيني، ودرهم من حلّه، وأخ احتجت الى ما في يديه بذله لي.
وما أحقّ من أحصيت ألفاظه وليس من قول يبدر منه إلّا لديه رقيب عتيد، ومن أحصيت عليه مثاقيل الذّرّ واستشهد عليه جلده وجوارحه- أن يضبط لسانه.
وقد جاء في بعض الآثار: من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلّا فيما لا يعنيه.
وكلّ امرء فحسيب نفسه، غير مأخوذ بغيره، وهو الوحيد دون الأهل والولد والقرابة. وقال الله جلّ ثناؤه- وقوله الحقّ- كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
. وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ.
وليس الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر إلّا مع السّيف والسّوط.
وقال بعض الحكماء: شيئان لا صلاح لأحدهما الّا بالآخر: اللسان والسّيف.
وأنت إذا تأمّلت أكثر ما يتناجى به المتحدّثون وجدت أكثر السائلين يسأل عما لا يعنيه، ويكترث لما لا يكرثه، ويعنى بما لا ينفعه ولا يضرّه، وأكثر المجيبين يجيب ولم يسأل، ويتكلّف ما لا يعلم، ولو قال له قائل: من سألك لافتضح، ولو حاجّه فيما ادّعى ووقفه لا نقطع. قال الله : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.
стр. 89
ومرّ هشام بن عبد الملك ببعض أهل الكلفة والفضول، وعليه حلّة ذيّالة يسحبها في التّراب، فقال له المتكلف: يا هذا، إنّك قد أفسدت ثوبك.
قال: وما يضرّك من ذلك؟ قال: ليتك ألقيته في النار. قال: وما ينفعك من ذلك؟ فأفحمه غاية الإفحام.
ولو تهيّأ للمتكلّفين في كل وقت مثل صرامة هشام لازدجر من به حياء منهم، ولقلّت الفضول والكلف والغيبة.
[١١- عودة الى الغيبة]
قالوا: وليس من أحد أذلّ من مغتاب، لأنّه يخفى شخصه، ويطامن حسّه، ويغّض من صوته، ولا يزيد بما يناله من ذلك إلّا بأن يرفع من قدر خصمه ويعظّم من شأنه.
قال معاوية: أتدري من النبيل؟ هو الذي إذا رأيته هبته، وإذا غاب عنك اغتبته.
وهي لعمري سبيل العظماء عند العوامّ، والملوك عند الرعيّة، والسّادة عند العبيد.
فلم يأخذ المغتاب ممن اغتابه شيئا بعضيهته إيّاه إلّا والذي أعطى من الهيبة عند حضوره أكثر منه.
ولو كان المغتاب لا يستتر من الغيبة إلا ممّن يخاف سطوته، كان أعذر. ولكن اللّؤم المتمكّن منه يحمله على اغتياب عبده وأمته، فضلا عن كفئه ونظيره.
ويغتاب الرجل عند عدوّه والمشاحن له، مساعدة له بالسّخف، وتقرّبا إليه بالمهانة والضّعف، من غير أن يكون له عليه طول، أو يلتمس منه على ما
стр. 90
تقرّب به إليه جزاء أو شكورا.
ثم لعلّه ينكفىء الى الذي اغتابه وقصبه من ساعته ويومه، فيعطيه في عدوّه الذي اغتابه عنده أيضا مثل ذلك وأكثر منه، لا لعلّه أيضا ولا مرفق ولا ربح أكثر من الذّلّة التي يجدها في نفسه، والضّعف في منّته، كما يعظّم الغنيّ بغير ثمن، ويحتقر الفقير بغير سبب، فمتى كوشف أو عوتب لبسته ذلة أخرى من الكظّة بالمعاذر الكاذبة، والاعتصام بالأيمان الفاجرة. ومن كانت هذه دربته فهو حريّ أن يطّلع على دخلة أمره، فلا يقبل منه عذر، ولا يصدّق في قول ولا حلف، وقد تسربل الذّلّة، وتدرّع الخضوع.
وليس من سوس النفس الكريمة الشّهمة، أن تلقى الناس بخلاف ما يتخلّقون به ما لم تأت ضرورة يحتاج فيها الى كيد وغيلة، او مكر وحيلة، ويثار بالغيبة فيها الرأي الأصيل من مكانه، فيفعل ذلك العاقل فيما يحلّ له ويحسن به، بعد أن تعييه الحيلة في استصلاح ذلك العدوّ بالرفق والملاينة.
وإنما قيل: «قلّ من اعتذر إلّا كذب» ، لكثرة النّطف في الناس وضعف أنفسهم على الإقرار بالذّنب، فلا ذلّة الضّعف الثاني في الاعتذار نهت عن كلفة الضّعف الأوّل في الاغتياب، ولا كلفة الضّعف الأوّل صانت عن ذلّة الضّعف الثاني.
وعلى أنّ أكثر من يعتذر إليه بقابل للعذر على حقيقة وإن أظهر القبول، لما جرّب من سخاء النّاس بالأيمان، وبعدهما من الإقرار بالذنب ما لم تأت حجة واضحة، ودليل شاهد عدل.
وإذا كانت هذه سبيل المعتذر إليه فيحقّ على المعتذر- إن كانت في نفسه قيمة- أن لا يعتذر إلّا من يحبّ أن يجد له عذرا، ولا يعجل الى المين وهو لا يجد للحجّة مكانا.
стр. 91
وأكثر من يعتذر اليه إنما يفعل ذلك به خوفا من سقطته، وإبقاء لسلطانه.
والمتفقّهون يتأوّلون في الأيمان السّلطانية ما يلحق بها عند السّلطان الهّمة، ويلزمهم الظّنّة، سيّما في الأمور التي في الإقرار بها إباحة الدّم والمال، وهتك السّتر.
ولا حسم لهذا الداء إلّا باطّراح الفضول، وسلامة اللسان من أن يلغ في الأعراض، ويستسرّ بالعضيهة والبهت.
قال رسول الله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» . ومن لم يسلم الناس منه فليس سالما من نفسه.
[١٢- حفظ اللسان]
وقال القائل: احرس أخاك إلّا من نفسه.
وقالوا: مقتل المرء بين فكيّه.
وكتب على بعض أبواب المدن بالسّند: احفظ رأسك.
وقال الاوّل: قد تصل النّصال إلى الإخوان فتستخرج، وأمثال النّصال من القول إذا وصلت الى القلب لم تستخرج أبدا.
وقال بهرام، وسمع في اللّيل صوت طائر فتحدّاه بسهم وهو لا يراه، إلّا أنّه تتّبع الصّوت فصرعه، فلما صار بين يديه قال: والطّير أيضا لو سكت كان خيرا له! وقيل: ما شيء أحقّ بطول سجن من لسان.
وقيل: يسأل اللسان الأعضاء في كلّ يوم فيقول: كيف أنتنّ؟ فيقلن:
بخير إن تركتنا!
стр. 92
وقال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل: «وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النّار إلّا حصائد ألسنتهم» .
وقال عيسى ﵇: «أعمال البّر ثلاثة: المنطق، والنظر، والصّمت. فمن كان منطقه في غير ذكر الله فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير تفكّر فقد لها» .
فانظر بأيّ الأمرين قطعت عمرك؟ أبا لحكمة أم باللّغو؟ وانظر كيف وصف الله تعالى من أثنى عليه بخير من عباده فقال: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
، وقال: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ
، وقال: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
. وصان عنه أسماع أهل الجنّة وألسنتهم فقال:
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً.
وقال رسول الله ﷺ : «العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصّمت» .
وقال علي بن أبي طالب: «أفضل العبادة الصبر وانتظار الفرج» .
وقال بعض الحكماء: لو لم يكن للصّامت في صمته إلّا الكفاية لأن يتكلّم بكلام ويحكى عنه محرّفا فيضطرّ الى ان يقول: ليس هكذا قلت، إنّما قلت كذا وكذا. فيكون إنكاره إقرارا، واعترافه بما حكى عنه شاهدا لمن وشى به، وادّعاء لتحريف غير مقبول منه إلّا أن يأتي ببيّنة له- لكان ذلك من أكثر فضائل الصّمت.
وربّما ذكر رجل الله ﵎، فكان ذلك الذّكر إثما له، لأنه قد يدخله في باب تفخيم الذنب الحقير والإغراء والتّحريض، فيسفك الدم الحرام، أو يعظّم الجرح الصغير. بل ربّما ضحك وتبسّم، فأغرى وحرّض، وأثم وأوبق. قال بعض الشعراء:
стр. 93
فإن شئت أدلى فيكما غير واحد ... مجاهرة أو قال عندي في سرّ
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلجّ ويستشري
وقالت العرب: «من كفي شرّ لقلقه وذبذبه وقبقبه فقد كفي الشرّ» .
وهذا باب لولا أن نشغل القارىء لهذا الكتاب بغير ما قصدنا إليه وعزمنا عليه لأتينا عليه. وهو كثير موجود لمن طلبه، وجملة واحدة فيها كفاية، فإنّما تختلف الألفاظ التي تجعل كسوة لتلك المعاني. وإلّا فإنّك إذا نظرت الى جميع شرور الدّنيا وجدت أوّلها كلمة عارت فجنت حربا عوانا، كحرب بكر وتغلب ابنى وائل، وعبس وذبيان ابنى بغيض، والأوس والخزرج ابنى قيلة، والفجار الأول والثاني، وعامّة حروب العرب والعجم.
وإذا تأمّلت أخبار الماضين لم تحص عدد من قتله لسانه وكان هلاكه في كلمة بدرت منه.
وليس العجب ممن أفضى بسرّه الى من ليس له بموضع، ممّن تقدّمت معرفته وزالت الشّكوك عنه في أمره، ولكنّ العجب عين العجب ممن استنام بسرّه الى من لم تقدم معرفته ومن أنس إليه عن اللّقاءة واللّقاءتين، دون معرفة العين والاسم، والسّبب والنّسب، فانخدع في أوّل وهلة وغبن عقله قبل أن يغبن دينه وماله، وتضاعفت عليه البليّة بطول الحسرة، فإنّ البلاء عارض ومكتسب، فكان العارض السّماويّ وما خوّلته الأقدار سرّا بعد اجتهاد صاحبه رأيه، وحيلته فى طلب الخير. وصواب تدبيره فيه أسهل وأيسر على العاقل المعتاد للصواب، وإن كان كل مكروه مرّا بشعا. وإنّما الكرب اللازم والداء العياء ما اجتمع على صاحبه مع الفجيعة والحاجة، والنّقص والذّلّة، غمّ النّدامة والأسف على ما فرط منه، إذ كان الجاني على نفسه بيده.
ولهذا الكلام نظر نكره التطويل به، والمعنى واحد، وإنّما نحتاج من
стр. 94
هذا ومثله- ممّا قدّمت ذكره في الكتاب- إلى حفظ السرّ ووزن القول. وإلى هذا أجرينا، وله قصدنا.
ولو اقتصرنا في هذا الكتاب على حرف مما فيه، لكان بإذن الله كافيا لمن له لبّ وعقل، لكنّ الاحتجاج أوكد، والإيضاح أبلغ، والحظّ في هذا القول كلّه لمن عقله والآخذ به، أوفر [منه] لمن قاله ولم يعمل بقوله، لأنه إنما يجتنى ثمرة الصواب، ويختلف برفقه من صدّق قوله بفعله، فإنّ الحكمة قول وعمل، وإنّما حظّ القائل ما لم يستعمل علمه وقوله حظّ الواصفين، وحسن الصّفة يزول بزوالها، وينقطع بانقطاعها، ومدّتها- الى ان يملها القائل والسامع- يسيرة.
والأفعال المحمودة متّصلة النفع والشّرف والفضيلة في الحياة وبعد الوفاة، ومذخور للاعقاب، وحديث جميل، ونشر باق على مرّ الجديدين.
وأكثر من ذلك كلّه توفيق الله وتسديده، فإنّ القلوب في يده، والخيرات مقسومات من عنده. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تم كتاب كتمان السر من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، بعون الله وتأييده، ومشيئته وتوفيقه. والله الموفّق للصّواب برحمته.
والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
стр. 95
١- هامش كتاب كتمان السر وحفظ اللسان
(١) «ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييع واهمال لامرين» الامران هما كتمان السر وحفظ اللسان.
- التعجب والاعجوبة هو ما خرج عن العادة والطبع او السجية.
(٢) «لا شيء اصعب من مكابدة الطبائع ومغالبة الاهواء» يعني ان طبع الانسان هو افشاء السر. وهو يؤيد مذهبه الطبيعي في الاخلاق: الاخلاق بنظر الجاحظ وليدة الطبع لا التربية.
- «وانما سمي العقل عقلا وحجرا ... » لاحظ كيف يفهم العقل هنا بالمعنى الخلقي لا المعرفي.
- «القلب خزانة مستحفظة للخواطر والاسرار» يعني ان الجاحظ اعتقد مثل الفلاسفة المشائين ان العقل مركزه القلب.
(٣) «لأن من طبع الانسان محبة الاخبار والاستخبار» كل شيء يرجعه الجاحظ الى الطبيعة. وقد وردت عنده هذه الفكرة في اكثر من مكان من كتبه. راجع حجج النبوة، والمعرفة وشروط الخبر الصحيح.
(٤) الفرق بين السر والعلن هو مجاوزة السر صدر صاحبه الى اذن واحدة. واللوم يقع على صاحب السر اكثر مما يقع على من نقله.
(٥) الناس المولعون بالاسرار الاولاد والنساء وعمال السلطان والنمامون والمغتابون.
«رجل يساوي الف رجل، ورجل لا يساوي رجلا» معناها ان الفضل قليل.
стр. 96
(٦) «كل ممنوع مرغوب» يفسره الجاحظ تفسيرا طبيعيا بالشهوات التي فطر عليها الانسان، كلما منعت من حاجتها ازدادت رغبتها فيه. كالشهوة الى الطعام والشراب والجماع الخ.
«الطبائع تتشابه، ولكل حاسة قوة، فاذا امتلأت تلك القوة من محسوسها لم تجد لها وراءه طمعا ولا ريحا وعليها بالضرر» . المنع يضرم نار الشهوة، والافراط في اشباع الشهوة يورث التخمة والضرر.
(٧) قوله «مثل سر الاديان لغلبة الهوى عليها وتضاغن اهلها والاختلاف والتضاد، والولاية والعداوة» . يدل على سيطرة الهوى والعاطفة على اصحاب الاديان، وعلى العداوة بينهم، وفي الماضي والحاضر.
(٨) يستعين الجاحظ في تدعيم آرائه بالقرآن والاحاديث النبوية والحكم والشعر. ولعل أجمل ما جاء في الغيبة الآية الكريمة وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
(الحجرات، ١٢) .
(٩) العدل ضد الظلم. اسباب الظلم هي الأنانية والحرص المركب في أخلاق الناس. وربما ساق الجاحظ الى الكلام على العدل اعتباره الغيبة ظلما بحق الآخرين الذين نغتابهم.
(١٠) الفضول هو السؤال عما لا يعنينا والاهتمام بما لا ينفعنا ولا يضرنا» .
(١١) العودة الى الحديث عن الغيبة مثال على استطراد الجاحظ وتركه الموضوع الذي يتكلم فيه الى موضوع آخر ثم العودة الى الموضوع الاول.
- تأويل الفقهاء للأيمان السلطانية. إذ يجيزون الكذب فيها مخافة سفك الدم.
(١٢) حفظ اللسان يعني قلة الكلام أو الصمت. وقد بحث الجاحظ هذا الموضوع في اماكن عديدة في كتبه. راجع مثلا مقدمة كتاب البيان والتبيين.
стр. 97
[٢- رسالة الحاسد والمحسود]
(- ٢- الحاسد والمحسود)
стр. 98
[١- موضوع الكتاب]
وهب الله لك السلامة، وأدام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة، ورفع عنك النّدامة.
كتبت إليّ- أيّدك الله- تسألني عن الحسد ما هو؟ ومن أين هو- وما دليله وأفعاله؟ وكيف تعرف أموره وأحواله، وبم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم مجهوله ومعلومه، ولم صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء؟ ولم كثر في الأقرباء وقلّ في البعداء؟ وكيف دب في الصّالحين أكثر منه في الفاسقين؟
وكيف خصّ به الجيران من بين جميع أهل الأوطان.
[٢- تعريف الحسد]
والحسد- أبقاك الله- داء ينهك الجسد، ويفسد الودّ، علاجه عسر، وصاحبه ضجر. وهو باب غامض وأمر متعذّر، وما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمداويه في غناء. ولذلك قال النبي ﷺ : «دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء» . وقال بعض الناس لجلسائه: أيّ الناس أقلّ غفلة؟ فقال بعضهم: صاحب ليل، إنّما همّه أن
стр. 99
يصبح. فقال: إنّه لكذا وليس كذا. وقال بعضهم: المسافر، إنّما همّه أن يقطع سفره. فقال: إنه لكذا وليس كذا. فقالوا له: فأخبرنا بأقلّ النّاس غفلة. فقال: الحاسد، إنّما همّه أن ينزع الله منك النعمة التي أعطاكها، فلا يغفل أبدا.
[٣- اسباب الحسد]
ويروى عن الحسن أنه قال: الحسد أسرع في الدّين من النار في الحطب اليابس.
وما أتي المحسود من حاسده إلّا من قبل فضل الله عنده ونعمه عليه قال الله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً.
والحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضدّ الحقّ، وحرب البيان.
فقد ذمّ الله أهل الكتاب به فقال: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ.
[٤- عواقب الحسد]
منه تتولد العداوة، وهو سبب كلّ قطيعة، ومنتج كلّ وحشة، ومفرّق كلّ جماعة، وقاطع كلّ رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرّق بين القرناء، وملقح الشرّ بين الخلطاء، يكمن في الصدر كمون النّار في الحجر.
ولو لم يدخل على الحاسد بعد تراكم الغموم على قلبه، واستكمان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه ووسواس ضميره، وتنغّص عمره وكدر نفسه وكد عيشه، إلّا استصغاره نعمة الله عليه، وسخطه على سيّده بما أفاد غيره، وتمنّيه عليه أن يوجع في هبته إيّاه، وأن لا يرزق أحدا سواه، لكان عند
стр. 100
ذوي العقول مرحوما، وكان لديهم في القياس مظلوما. [وقد قال بعض الأعراب: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحساد: نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم] والحاسد مخذول وموزور، والمحسود محبوب ومنصور.
والحاسد مغموم ومهجور، والمحسود مغشيّ ومزور.
والحسد- رحملك الله- أول خطيئة ظهرت في السّموات، وأوّل معصية حدثت في الأرض، خصّ به أفضل الملائكة فعصى ربّه، وقايسه في خلقه، واستكبر عليه فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*
، فلعنه وجعله إبليسا، وأنزله من جواره بعد أن كان أنيسا، وشوّه خلقه تشويها، وموّه على نبيّه تمويها نسي به عزم ربّه، فواقع الخطيئة، فارتدع المحسود وتاب عليه وهدى، ومضى اللعين الحاسد في حسده فشقي وغوى.
وأما في الأرض فابنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه، فعصى ربّه وأثكل أباه. وبالحسد طوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين.
لقد حمله الحسد على غاية القسوة، وبلغ [به] أقصى حدود العقوق، فأنساه من رحمه جميع الحقوق، إذ ألقى الحجر عليه شادخا وأصبح عليه نادما صارخا.
[٥- راي الحاسد في المحسود]
ومن شأن الحاسد إن كان المحسود غنيّا أن يوبّخه على المال فيقول:
جمعه حراما ومنعه أثاما. وألّب عليه محاويج أقاربه فتركهم له خصماء، وأعانهم في الباطن وحمل المحسود على قطيعتهم في الظاهر وقال له: لقد كفروا معروفك، وأظهروا في الناس ذمّك، فليس أمثالهم يوصلون، فإنهم لا يشكرون. وإن وجد له خصما اعانه عليه ظلما، وإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشّه، أو تفضّل عليه بمعروف كفره، أو دعاه إلى نصرّ خذله، وإن
стр. 101
حضر مدحه ذمّه وإن سئل عنه همزه، وإن كانت عنده شهادة كتمها، وإن كانت منه إليه زلّة عظّمها، [وقال: إنّه] يحب أن يعاد ولا يعود، ويرى عليه العقود.
وإن كان المحسود عالما قال: مبتدع، ولرأيه متّبع، خاطب ليل ومبتغي نيل، لا يدرى ما حمل، قد ترك العمل، وأقبل على الحيل. قد أقبل بوجوه النّاس إليه، وما أحمقهم إذ انثالوا عليه. فقبحه الله من عالم ما أعظم بليّته، وأقلّ رعته، وأسوأ طعمته.
وإن كان الحسود ذا دين قال: متصنّع يغزو ليوصى إليه، ويحجّ ليثنى بشيء عليه، ويصوم لتقبل شهادته، ويظهر النّسك ليودع المال بيته، ويقرأ في المسجد ليزوّجه جاره ابنته، ويحضر الجنائز لتعرف شهرته.
وما لقيت حاسدا قطّ إلّا تبيّن لك مكنونه بتغيّر لونه وتخوّص عينه وإخفاء سلامه، والإقبال على غيرك والإعراض عنك، والاستثقال لحديثك، والخلاف لرأيك.
وكان عبد الله بن أبيّ، قبل نفاقه، نسيج وحده لجودة رأيه وبعد همّته، ونبل شيمته، وانقياد العشيرة له بالسّيادة، واذعانهم له بالرّياسة. وما استوجب ذلك إلّا بعدما استجمع له لبّه، وتبيّن لهم عقله، وافتقدوا منه جهله، ورأوه لذلك أهلا، لمّا أطاق [له] حملا. فلما بعث الله نبيّه ﷺ وقدم المدينة، ورأى هو عزّ رسول الله ﷺ شمخ بأنفه فهدم إسلامه لحسده، وأظهر نفاقه. وما صار منافقا حتّى كان حسودا، ولا صار حسودا حتّى صار حقودا. فحمق بعد اللّبّ، وجهل بعد العقل، وتبوّأ النّار بعد الجنّة.
ولقد خطب النبي ﷺ بالمدينة فشكاه الى الانصار،
стр. 102
فقالوا: يا رسول الله لا تلمه فانا كنا عقدنا له الخرز قبل قدومك لنتوّجه. ولو سلم المخذول قلبه في الحسد لكان من الاسلام بمكان ومن السؤدد في ارتفاع، فوضعه الله لحسده واظهر نفاقه ولذلك قال القائل:
طالت على الحاسد احزانه ... فاصفر من كثرة احزانه
دعه فقد اشعلت في جوفه ... ما هاج في حر نيرانه
العيب اشهى عنده لذة ... من لذة المال لخزانه
فارم على غاربه حبله ... تسلم من كثرة بهتانه
[٦- حسد الجيران]
فصل منه: وذلك أنّ الجيران- يرحمك الله- طلائع عليك، وعيونهم نواظر إليك، فمتى كنت بينهم معدما فأيسرت، فبذلت وأعطيت، وكسوت وأطعمت، وكانوا في مثل حالك فاتّضعوا، وسلبوا النعمة وألبستها [أنت] ، فعظمت عليهم بليّة الحسد، وصاروا منه في تنغيص آخر الأبد. ولولا أن المحسود بنصر الله إيّاه مستور، وهو بصنعه محجوب لم يأت عليه يوم إلّا كان مقهورا، ولم تأت ليلة إلا وكان عن منافعه مقصورا. ولم يمس إلّا وماله مسلوب، ودمه مسفوك، وعرضه بالضّرب منهوك.
[٧- الحسود لا يستطيع كتمان حسده]
فصل منه: وأنا أقول حقا: ما خالط الحسد قلبا إلّا لم يمكنه ضبطه ولا قدر على تسجينه وكتمانه، حتى يتمرّد عليه بظهوره وإعلانه، فيستعبده ويستمليه، ويستنطقه لظهوره عليه فهو أغلب على صاحبه من السيّد على عبده، ومن السّلطان على رعيّته، ومن الرّجل على زوجته ومن الآسر على أسيره.
وكان ابن الزّبير بالصبر موصوفا، وبالدّهاء معروفا، وبالعقل موسوما، وبالمداراة منهوما، فأظهر بلسانه حسدا كان أضبّ عليه أربعين سنة لبني
стр. 103
هاشم، فما اتّسع قلبه لكتمانه، ولا صبر على اكتتامه، لمّا طالت في قلبه طائلته أظهره وأعلنه، مع صبره على المكاره، وحمله نفسه على حتفها، وقلة اكتراثه والتفاته لأحجار المجانيق التي [كانت] تمرّ عليه فتذهب بطائفة من قومه ما يلتفت إليها.
حدّثت بذلك عن عليّ بن مسهر عن الأعمش، عن صالح بن حبّاب، عن سعيد بن جبير قال: قدت ابن عباس حتّى أدخلته على ابن الزّبير، قال:
أنت الذي تؤنّبني؟ قال: نعم، لأنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس بمؤمن من بات شبعانا وجاره طاو» . فقال له ابن الزّبير: لمن قلت ذلك؟ إنّي لأكتم بغضكم أهل البيت مذ أربعين سنة. فحسر ابن عباس عن ذراعيه كأنّهما عسيبا نخل، ثم قال لابن الزبير: نعم فليبلغ ذاك منك، ما عرفتك.
ولقد أجلت الرأي ظهرا لبطن وفكرّت في جوابه لابن عباس أن أجد له معنى سوى الحسد فلم أجده، وكانت وخزة في قلبه فلم يبدها. وفروع بني هاشم حول الحرم باسقة، وعروق دوحاتهم بين أطباقها راسية، ومجالسهم من أعاليها عامرة، وبحورها بأرزاق العباد زاخرة، وأنجمها بالهدى زاهرة. فلمّا خلت البطحاء من صناديدها استقبله بما أكنّ في نفسه.
والحاسد لا يغفل عن فرصته إلى أن يأتي الموت على رمّته، وما استقبل ابن عبّاس بذلك إلّا لمّا رأى عمر قدّمه على أهل القدم، ونظر إليه وقد أطاف به أهل الحرم، فأوسعهم حكما، وثقبوا منه رأيا وفهما، وأشبعهم علما وحلما.
فصل منه: وكيف يصبر من استكنّ الحسد في قلبه على أمانيه. ولقد كان اخوة يوسف حلماء، وأجلّة علماء، ولدهم الأنبياء، فلم يغفلوا عمّا قدم في قلوبهم من الحسد ليوسف، حتّى أعطوا أباهم المواثيق المؤكّدة، والعهود
стр. 104
المقلّدة، والأيمان المغلّظة، إنّهم له لحافظون، وهو شقيقهم وبضعة منهم.
فخالفوا العهود ووثبوا عليه بالظلم والقوة، وألقوة في غيابة الجبّ، وجاءوا على قميصه بدم كذب، فبظلمهم يوسف ظلموا أباهم، طمعا أن يخلو لهم وجه ابيهم وينفردوا بحبه، وظنوا أن الايام تسليه، وحبه لهم من بعد غمه يلهيه، فاسالوا عبرته واحرقوا قلبه. وكيف تقر اعين المحسودين بعد يوسف وقد ملكه الله خزائن الارض بصبره على اذى حساده ومقابلته اياهم بالعفو والمكافأة وحسن العشرة والمؤاخاة، بعد امكانه منهم كما اتوه محتارين رفدهم عليه خائفين وهم له منكرون، فاحسن رفددهم، واكرم قراهم، فاقروا له لما عرفوه بالاذعان، وسألوه بعد ذلك الغفران، وخروا له سجدا لما وردوا عليه وفدا.
[٨- معاملة الصديق الحسود]
فإذا أحسست- رحمك الله- من صديقك بالحسد فأقلل ما استطعت من مخالطته، فإنّه أعون الأشياء لك على مسالمته. وحصّن سرّك منه تسلم من شرّه وعوائق ضرّه. وإيّاك والرغبة في مشاورته، ولا يغرنّك خدع ملقه، وبيان ذلقه، فإنّ ذلك من حبائل نفاقه.
فإن أردت أن تعرف آية مصداقه فأدنين إليه من يهينك عنده، ويذمّك بحضرته، فإنّه سيظهر من شأنه لك ما أنت به جاهل، ومن خلاف المودّة ما أنت عنه غافل. وهو ألحّ في حسده لك من الذّباب، وأسرع في تهريقك من السّيل إلى الحدور.
وما أحبّ أن تكون عن حاسدك غبيّا، وعن وهمك بما في ضميره نسيّا. إلّا أن تكون للذلّ محتملا، وعلى الدناءة مشتملا، ولأخلاق الكرام مجانبا، وعن محمود شيمهم ذاهبا، أو تكون بك إليه حاجة قد صيّرتك لسهام الرّماة هدفا، وعرضك لمن أراد غرضا.
وقد قيل على وجه الدّهر: «الحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها» .
стр. 105
وربّما كان الحسود للمصطنع إليه المعروف أكفر له وأشدّ احتقادا، وأكثر تصغيرا له من أعدائه.
[٩- لا خير يرتجى من الحسود]
فصل منه: ومتى رأيت حاسدا يصوّب لك رأيا إن كنت مصيبا، أو يرشدك إلى صواب إن كنت مخطئا، أو أفصح لك بالخير في غيبته عنك أو قصّر من غيبته لك؟
فهو الكلب الكلب، والنّمر النّمر والسّمّ القشب، والفحل القطم، والسّيل العرم. إن ملك قتل وسبى، وإن ملك عصى وبغى، حياتك موته، وموتك عرسه وسروره. يصدّق عليك كلّ شاهد زور، ويكذّب فيك كلّ عدل مرضيّ. لا يحبّ من النّاس إلّا من يبغضك، ولا يبغض إلّا من يحبّك.
عدوّك بطانة وصديقك علانية.
وقلت: إنّك ربّما غلطت في أمره لما يظهر لك من برّه. ولو كنت تعرف الجليل من الرأي، والدقيق من المعنى، وكنت في مذاهبك فطنا نقابا، ولم تك في عيب من ظهر لك عيبه مرتابا، لا ستغنيت بالرّمز عن الإشارة، وبالإشارة عن الكلام، وبالسّرّ عن الجهر، وبالخفض عن الرفع، وبالاختصار عن التطويل، وبالجمل عن التفصيل، وأرحتنا من طلب التحصيل ولكني أخاف عليك أنّ قلبك لصديقك غير مستقيم، وأن ضمير قلبك له غير سليم، وإن رفعت القذى عن لحيته، وسوّيت عليه ثوبه فوق مركبه، وقبّلت صبيّه بحضرته، ولبست له ثوب الاستكانة عند رؤيته، واغتفرت له الزّلّة، واستحسنت كلّ ما يقبح من جهته، وصدّقته على كذبه، وأعنته على فجزته.
فما هذا العناء! كأنّك لم تقرأ المعوّذة، ولم تسمع مخاطبته نبيّه ﷺ ، في التّقدمة إليه بالاستعاذة من شرّ حاسد إذا حسد.
стр. 106
أتطلب ويحك أثرا بعد عين، أو عطرا بعد عروس، أو تريد أن تجتني عنبا من شوك، أو تلتمس حلب لبن من حائل. إنّك إذا أعيا من باقل، وأحمق من الضبع، وأغفل من هرم.
إن كنت تجهل بعد ما أعلمناك، وتعوجّ بعدما قوّمناك، وتبلّد بعدما ثقّفناك، وتضلّ إذ هديناك، وتنسى إذ ذكّرناك، فأنت كمن أضلّه الله على علم فبطلت عنده المواعظ، وعمي عن المنافع، فختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة. فنعوذ بالله من الخذلان.
إنّه لا يأتيك ولكن يناديك ولا يحاكيك ولكن يوازيك. أحسن ما تكون عنده حالا [أقلّ ما تكون مالا، وأكثر ما تكون عيالا، [وأعظم] ما تكون ضلالا. وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدا، وأبعد ما تكون من الناس حمدا.
فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الموتى، ومخالطة الزّمنى، والاجتنان بالجدران، ومصر المصران، وأكل القردان، أهون من معاشرته، والاتّصال بحبله.
والغلّ نتيج الحسد، وهو رضيعه، وغصن من أغصانه، وعون من أعوانه، وشعبة من شعبه، وفعل من أفعاله، كما أنّه ليس فرع إلّا له أصل، ولا مولود إلّا له مولد، ولا نبات إلّا من أرض، ولا رضيع إلّا من مرضع، وإن تغيّر اسمه، فإنّه صفة من صفاته، ونبت من نباته، ونعت من نعوته.
[١٠- الجنة حيث لا حسد]
ورأيت الله ﷻ ذكر الجنّة في كتابه فحلّاها بأحسن حلية، وزيّنها بأحسن زينة، وجعلها دار أوليائه ومحلّ أنبيائه، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فذكر في كتابه ما منّ به عليهم من
стр. 107
السّرور والكرامة عندما دخلوها وبوّأها لهم فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ.
فما أنزلهم دار كرامته إلّا بعد ما نزع الغلّ والحسد من قلوبهم، فتهنّوا بالجنّة، وقابلوا إخوانهم على السّرر، وتلذّذوا بالنظر في مقابلة الوجوه لسلامة صدورهم. ونزع الغلّ من قلوبهم. ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من قلوبهم، لافتقدوا لذاذة الجنّة، وتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا، وواقعوا الخطيئة، ولمسّهم فيها النّصب، وأعقبوا منها الخروج، لأنّه فضّل بينهم في المنازل، ورفع درجات بعضهم فوق بعض في الكرامات، وسنيّ العطيات.
قلمّا نزع الغلّ والحسد من قلوبهم ظنّ أدناهم منزلة فيها، وأقربهم بدخول الجنّة عهدا، أنّه أفضلهم منزلة، وأكرمهم درجة، وأوسعهم دارا بسلامة قلبه، ونزع الغلّ من صدره، فقرّت عينه وطاب أكله. ولو كان غير ذلك لصاروا إلى التنغيص في النظر بالعيون، والاهتمام بالقلوب، ولحدثت العيوب والذّنوب.
[١١- السلامة في الابتعاد عن الحسود]
وما أرى السّلامة إلّا في قطع الحاسد، ولا السّرور إلّا في افتقاد وجهه، ولا الرّاحة إلّا في صرم مداراته. ولا الرّبح إلّا في ترك مصافاته.
فإذا فعلت ذلك فكل هنيّا مريّا، [ونم رضيّا] ، وعش في السّرور مليّا.
стр. 108
ونحن نسأل الله الجليل أن يصفّي كدر قلوبنا، ويجنّبنا وإياك [دناءة الأخلاق، ويرزقنا وإيّاك] حسن الألفة والاتّفاق ويحسن توفيقك وتسديدك.
والسّلام.
стр. 109
٢- هامش كتاب الحاسد والمحسود
(١) لاحظ وجوه التصنع البياني في المقدمة: السجع مثل: وهب الله لك السلامة، وادام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة ورفع عنك الندامة. ثم الطباق مثل: ولم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم مجهوله ومعلومه ولم صار العلماء فيه اكثر من الجهلاء الخ ...
(٢) صاحب ليل: المسهد الذي لا يستطيع ان ينام.
ويروى عن الحسن: الارجح ان يكون الحسن البصري.
(٣) حرب البيان: يعني ان الحاسد يضمر عكس ما يفصح.
(٤) لاحظ بلاغة الجاحظ في تصوير نفس الحسود «تراكم الغموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه، ووسواس ضميره، وتنغص عمره، وكدر نفسه، ونكد عيشه.. واستصغار نعمة الله عليه وسخطه على سيده بما أفاء عليه، وتمنيه ان يرجع في هبته اياه وان لا يرزق احدا سواه..» .
- رجوع الجاحظ الى القرآن باستمرار دليل على استمكان الثقافة الدينية فيه:
قصّة الملاك الذي عصى ربه فلعنه وجعله ابليسا وشوه خلقه، وابعده عنه.
وقصة قابيل الذي قتل اخاه هابيل.
(٥) يجب ان يعاد ولا يعود: يجب ان يزار ولا يزور لكبره وحقده. وبرى علة العقود: جمع عقد وهو خيط من الخرز يعقد للرؤساء.
- المبتدع: من يخالف السنة او يأتي بجديد لم يعرفه السلف.
- المتبع: غير الاصيل يأخذ عن غيره.
стр. 110
- حاطب ليل: يمشي في الظلام على غير هدى ودون استبصار؛ يخلط في كلامه.
- عبد الله بن أبيّ الخزرجي عرف بنفاقه وعاش في عهد الرسول.
(٦) المعدم: الفقير؛ طلائع: مطلعون وناظرون.
(٧) الحسود لا يستطيع كتمان حسده. انظر رسالة كتمان السر وحفظ اللسان وتعليل الجاحظ النفسي لميل الانسان الى الافضاء عما في نفسه.
(٨) الح من الذباب مثل يضرب بلجاجة الذباب في الحط على الاجسام التي يريدها. راجع خبر القاضي والذباب الوارد في كتاب الحيوان.
(٩) الفحل القطم: الذي اشتدت به الشهوة الى الضراب.
- السيل العرم: السيل الغامر الجامح الذي لا يطاق.
- الجليل والدقيق: الجليل الكلام المتعلق بامور الدين الدقيق: الكلام المعلق بامور الفلسفة الطبيعية مثل الجوهر والعرض والحركة الخ.
- لاحظ كلف الجاحظ بالطباق في جميع اجزاء الرسالة: الرمز والاشارة، السر والجهر، الخفض والرفع، الاختصار والتطويل الخ.
- تلتمس حلب لبن من حائل: الحائل هي الناقة التي انقطع حملها.
- لاحظ كثرة الامثال التي يضربها الجاحظ: أعيى من باقل، احمق من ضبع، اغفل من هرم (مسن) . راجع الامثال للميداني.
(١٠) وصف الجنة الجميل: فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... الخ تخلو قلوب اهلها من الغل والحسد ويطيب عيشهم.
(١١) يشير الجاحظ الى نوع الرسالة: انها رسالة في الاخلاق هدفها تصفية القلوب، وحسن الالفة.
следующие страницы →