← Сира

Сира · id 10695

الدرر في اختصار المغازي والسير

ابن عبد البر

Полный текст (343 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

النجار، وَكَانَت قد صلت الْقبْلَتَيْنِ. فَأسلم رِفَاعَة، وَله صُحْبَة وَرِوَايَة. وَقسم ﵇ أَمْوَال بني قُرَيْظَة، فَأَسْهم للفارس ثَلَاثَة أسْهم وللراجل سَهْما، وَقد قيل للفارس سَهْمَان وللراجل سهم. وَكَانَت الْخَيل للْمُسلمين يَوْمئِذٍ سِتَّة وَثَلَاثُونَ فرسا، وَوَقع للنَّبِي من [سَبْيهمْ] رَيْحَانَة بنت عَمْرو بْن خناقة إِحْدَى بني عَمْرو بْن قُرَيْظَة، فَلم تزل عِنْده إِلَى أَن مَاتَ ﷺ . وَقيل: إِن غنيمَة قُرَيْظَة هِيَ أول غنيمَة قسم فِيهَا للفارس والراجل وَأول غنيمَة جعل فِيهَا الْخمس [لله وَرَسُوله] وَقد تقدم أَن أول ذَلِك كَانَ فِي بعث عَبْد اللَّهِ بْن جحش، وَالله أعلم. وتهذيب ذَلِك أَن تكون غنيمَة بني قُرَيْظَة أول غنيمَة فِيهَا الْخمس بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأن لله خمسه ... ﴾ وَكَانَ عَبْد اللَّهِ قد خمس قبل ذَلِك فِي بَعثه١ ثمَّ نزل الْقُرْآن بِمثل فعله، وَذَلِكَ من فضائله رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ، وَقد ذكرنَا خَبره فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة. وَكَانَ فتح بني قُرَيْظَة فِي آخر ذِي الْقعدَة وَأول ذِي الْحجَّة من السّنة الْخَامِسَة من الْهِجْرَة فَلَمَّا تمّ أَمر بني قُرَيْظَة أجيبت دَعْوَة الرجل الصَّالح سعد بْن معَاذ فانفجر جرحه، وَانْفَتح عرقه، فَجرى دَمه وَمَات، ﵁. وَهُوَ الَّذِي أَتَى الحَدِيث فِيهِ أَنه اهتز لمَوْته عرش الرَّحْمَن، يَعْنِي سكان الْعَرْش من الْمَلَائِكَة، فرحوا بقدوم روحه واهتزوا لَهُ. ذكر من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم الخَنْدَق سعد بْن معَاذ أَبُو عَمْرو من بني عبد الْأَشْهَل، وَأنس بْن عتِيك، وَعبد اللَّه بْن سهل وَكِلَاهُمَا أَيْضا من بني عَبْد الْأَشْهَل، والطفيل بْن النُّعْمَان، وثعلبة٢ بْن عنمة وَكِلَاهُمَا من بني سَلمَة، وَكَعب بْن زيد من بني دِينَار بْن النجار أَصَابَهُ سهم غرب٣ فَقتله٤.

стр. 177

ذكر من قتل من الْمُشْركين يَوْم الخَنْدَق وَأُصِيب من الْمُشْركين يَوْم الخَنْدَق: مُنَبّه بْن عُثْمَان بْن عبيد بْن السباق بْن عَبْد الدَّار أَصَابَهُ سهم مَاتَ مِنْهُ بِمَكَّة، وَقد قيل: إِنَّمَا هُوَ عُثْمَان بْن أُميَّة بْن مُنَبّه بْن عبيد بْن السباق، وَنَوْفَل بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي اقتحم الخَنْدَق فَقتل فِيهِ، وَعَمْرو بْن عَبْد ود قَتله عَلِيٌّ مبارزة١. [شُهَدَاء يَوْم قُرَيْظَة] وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين يَوْم قُرَيْظَة: خَلاد بْن سُوَيْد بْن ثَعْلَبَة بْن عَمْرو من بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج طرحت عَلَيْهِ امْرَأَة من بني قُرَيْظَة رحى فَقتلته. وَمَات فِي الْحصار أَبُو سِنَان٢ بْن مُحصن، فدفنه رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَقْبرَة بني قُرَيْظَة الَّتِي يتدافن فِيهَا الْمُسلمُونَ السكان بهَا الْيَوْم. وَلم يصب غير هذَيْن. وَلم يغز كفار قُرَيْش الْمُسلمين بعد الخَنْدَق٣. بَعْثُ ٤ عَبْدِ اللَّهِ بْن عتِيك إِلَى قتل ٥ أبي رَافع سَلام بن أبي الْحقيق الْيَهُودِيّ و٦ انْقَضى شَأْن الخَنْدَق وَقُرَيْظَة. وَكَانَ أَبُو رَافع سَلام بْن أبي الْحقيق مِمَّن حزب الْأَحْزَاب وألب على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَت الْأَوْس قبل أحد قد قتلت كَعْب بْن الْأَشْرَف

стр. 178

فِي عداوته رَسُول اللَّه ﷺ ، وَكَانَت الْأَوْس والخزرج يتصاولان تصاول الفحول، لَا تصنع الْأَوْس شَيْئا فِيهِ -عَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غناء إِلَّا قَالَت الْخَزْرَج: وَالله لَا يذهبون بذلك فضلا علينا [وَلَا ينتهون حَتَّى١ يوقعوا مثله] . وَإِذا فعلت الْخَزْرَج شَيْئا كفضل فِي الْإِسْلَام أَو بر عِنْد النَّبِي ﷺ قَالَت الْأَوْس مثل ذَلِك. فتذاكرت الْخَزْرَج من فِي الْعَدَاوَة لرَسُول اللَّه ﷺ -كَابْن الْأَشْرَف، فَذكرُوا ابْن أبي الْحقيق، وَاسْتَأْذَنُوا رَسُول اللَّه ﷺ فِي قَتله، فَأذن لهمْ. فَخرج إِلَيْهِ خَمْسَة نفر من الْخَزْرَج كلهم من بني سَلمَة، وهم: عَبْد اللَّهِ بْن عتِيك، وَعبد اللَّه بْن أنيس، وَأَبُو قَتَادَة بْن ربعي، ومسعود بْن سِنَان، وخزاعي بْن أسود حَلِيف لَهُم من أسلم. وَأَمَّرَ عَلَيْهِم رَسُول اللَّه ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْن عتِيك، ونهاهم عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان. فنهضوا حَتَّى أَتَوا خَيْبَر لَيْلًا، وَكَانَ سَلام فِي حصنه سَاكِنا فِي دَار جمَاعَة وَهُوَ فِي علية٢ مِنْهَا، فَاسْتَأْذنُوا عَلَيْهِ، فَقَالَت امْرَأَته: من أَنْتُم؟ فَقَالُوا: أنَاس من الْعَرَب يطْلبُونَ الْميرَة٣ فَقَالَت لَهُم: هذاكم صَاحبكُم، فادخلوا. فَلَمَّا دخلُوا أغلقوا الْبَاب على أنفسهم، فأيقنت بِالشَّرِّ وصاحت، فَهموا بقتلها، ثمَّ ذكرُوا نهي النَّبِي ﷺ عَن قتل النِّسَاء والولدان، فأمسكوا عَنْهَا. ثمَّ تعاوروه بِأَسْيَافِهِمْ وَهُوَ رَاقِد على فرَاشه، أَبيض فِي سَواد اللَّيْل كَأَنَّهُ قبطية٤، وَوضع عَبْد اللَّهِ بْن عتِيك سَيْفه فِي بَطْنه حَتَّى أنفذه، وَهُوَ يَقُول: قطني٥ قطني. ثمَّ نزلُوا. وَكَانَ عَبْد اللَّهِ بْن عتِيك سيء٦ الْبَصَر، فَوَقع٧، فوثئت٨ رجلة وثئا شَدِيدًا، فَحَمله أَصْحَابه حَتَّى أَتَوا منهرا٩ من مناهرهم فَدَخَلُوا فِيهِ، واستتروا. وَخرج أهل

стр. 179

الْآطَام لصياح امْرَأَته وأوقدوا النيرَان فِي كل جِهَة، فَلَمَّا يئسوا رجعُوا١. فَقَالَ أَصْحَاب ابْن عتِيك: كَيفَ لنا أَن نعلم أَن عَدو اللَّه قد مَاتَ؟ فَرجع أحدهم، فَدخل بَين النَّاس، فَسمع امْرَأَة ابْن أبي الْحقيق تَقول: وَالله لقد سَمِعت صَوت ابْن عتِيك، ثمَّ [أكذبت٢ نَفسِي] وَقلت: أَنى ابْن عتِيك بِهَذِهِ الْبِلَاد! قَالَ: ثمَّ إِنَّهَا نظرت فِي وَجهه، فَقَالَت: فاظ٣ وإله يهود. قَالَ: فسررت، وانصرفت إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخْبَرتهمْ بذلك. فَرَجَعُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فأخبروه، وتداعوا٤ فِي قَتله، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هاتوا أسيافكم" فأروه إِيَّاهَا، فَقَالَ ﵇ عَن سيف عَبْد اللَّهِ بْن أنيس: "هَذَا قَتله ٥، أرى فِيهِ أثر الطَّعَام". وَحَدِيث الْبَراء بْن عَازِب فِي قتل ابْن أبي الْحقيق بِخِلَاف هَذَا المساق، وَالْمعْنَى وَاحِد. غَزْوَة بني لحيان٦ وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد فتح بني قُرَيْظَة بَقِيَّة ذِي الْحجَّة وَالْمحرم وصفرا وربيعا الأول وربيعا الآخر، وَخرج ﵇، فِي جُمَادَى٧ الأول فِي الشَّهْر السَّادِس من فتح بني قُرَيْظَة وَهُوَ الشَّهْر الثَّالِث من السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة، قَاصِدا إِلَى بني لحيان٨، مطالبا بثأر عَاصِم بْن ثَابت وخبيب بْن عدي وأصحابهما المقتولين بالرجيع.

стр. 180

فسلك ﵇ على طَرِيق الشَّام١ من الْمَدِينَة على جبل يقل لَهُ غراب، ثمَّ أَخذ ذَات الشمَال، ثمَّ سلك المحجة من طَرِيق مَكَّة، فأغذ٢ السّير حَتَّى أَتَى وَادي غران بَين أمج وَعُسْفَان٣ وَهِي منَازِل٤ بني لحيان، فوجدوهم قد حذروا وتمنعوا فِي رُءُوس الْجبَال. فتمادى رَسُول اللَّه ﷺ فِي مِائَتي رَاكب حَتَّى نزل عسفان. وَبعث ﷺ رجلَيْنِ من أَصْحَابه فارسين حَتَّى بلغا كرَاع٥ الغميم، ثمَّ كرا ورجعا، وَرجع ﷺ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي غَزْوَة بني لحيان قَالَت الْأَنْصَار: الْمَدِينَة خَالِيَة منا وَقد بَعدنَا عَنْهَا وَلَا نَأْمَن عدوا يخالفنا إِلَيْهَا، فَأخْبرهُم رَسُول اللَّه ﷺ أَن على أنقاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة، على كل نقب مِنْهَا ملك يحميها بِأَمْر اللَّه . غَزْوَة ٦ ذِي قَرَدَ ٧ وَلما انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ بني لحيان لم يبْق بِالْمَدِينَةِ [إِلَّا ليَالِي٨ قَلَائِل حَتَّى أغار] عُيَيْنَة بْن حصن فِي بني عَبْد اللَّهِ بْن غطفان، فاكتسحوا لقاحا٩ كَانَت لرَسُول اللَّه ﷺ بِالْغَابَةِ١٠، وَكَانَ فِيهَا رجل١١ من بني غفار وَامْرَأَة لَهُ، فَقتلُوا الْغِفَارِيّ، وحملوا الْمَرْأَة واللقاح.

стр. 181

وَكَانَ أول من أَنْذرهُمْ١ سَلمَة بْن عَمْرو بْن الْأَكْوَع الْأَسْلَمِيّ كَانَ ناهضا إِلَى الغابة، فَلَمَّا علا ثنية الْوَدَاع نظر إِلَى خيل الْكفَّار وأنذر الْمُسلمين، ثمَّ نَهَضَ فِي آثَارهم، فأبلى بلَاء عَظِيما حَتَّى استنقذ أَكثر مَا فِي أَيْديهم. وَوَقعت الصَّيْحَة بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ أول من جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي حِين الصَّيْحَة الْمِقْدَاد بْن الْأسود، ثمَّ عباد بْن بشر، وَسعد بْن زيد الأشهليان، وَأسيد بْن ظهير الْأنْصَارِيّ، وعكاشة بْن مُحصن الْأَسدي، ومحرز بْن نَضْلَة٢ الْأَسدي الأخرم، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بْن ربعي، وَأَبُو عَيَّاش الزريقي واسْمه عبيد بْن زيد بْن صَامت. فَلَمَّا اجْتَمعُوا أَمَّرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ [عَلَيْهِم] سعد٣ بْن زيد. وَقيل: أَن رَسُول اللَّه ﷺ أعْطى فرس أبي عَيَّاش الزريقي معَاذ بْن ماعص أَو عَائِذ بْن ماعص وَكَانَ أحكم للفروسية من أبي عَيَّاش. فَأول من لحق بهم مُحرز بْن نَضْلَة الأخرم فَقتل، ﵀، قَتله عَبْد الرَّحْمَن بْن [عُيَيْنَة٤ بْن] حصن وَكَانَ على فرس لمحمود بْن مسلمة أخي مُحَمَّد بْن مسلمة أَخذه وَكَانَ صَاحبه غَائِبا، فَلَمَّا قتل رَجَعَ الْفرس إِلَى آريه٥ فِي بني عَبْد الْأَشْهَل، وَقيل: بل أَخذ الْفرس عَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَة إِذْ قَتَلَ مُحْرِزَ بْن نَضْلَة عَلَيْهِ، وَركبهُ. ثمَّ قتل سَلمَة بْن الْأَكْوَع عَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَة بِالرَّمْي فِي خرجته تِلْكَ واسترجع الْفرس وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ مَاء يُقَال لَهُ قَرَدَ، وَنحر نَاقَة من لقاحه المسترجعة، وَأقَام على ذَلِك المَاء يَوْمًا وَلَيْلَة. وَكَانَ الْفضل فِي هَذِه الْغَزْوَة وَالْفِعْل الْكَرِيم والظهور وَالْبَلَاء الْحسن لسَلمَة بْن الْأَكْوَع، وَكُلُّهُمْ مَا قَصَّرَ٦، ﵃. وَكَانَ الْمُشْركُونَ قد أخذُوا نَاقَة رَسُول اللَّهِ ﷺ العضباء٧ فِي غارتهم تِلْكَ على

стр. 182

سرح١ الْمَدِينَة ونجوا بهَا وبتلك الْمَرْأَة الغفارية الْأَسِيرَة امْرَأَة الْغِفَارِيّ الْمَقْتُول وَقد قيل إِنَّهَا لم تكن امْرَأَة الْغِفَارِيّ الْمَقْتُول وَإِنَّمَا كَانَت امْرَأَة أبي ذَر، وَالْأول قَول ابْن إِسْحَاق وَأهل السّير. قَالَ: فَنَامَ الْقَوْم لَيْلَة وَقَامَت الْمَرْأَة فَجعلت لَا تضع شَيْئا على بعير إِلَّا رغا، حَتَّى أَتَت العضباء، فَإِذا نَاقَة ذَلُول، فركبتها ونذرت إِن نجاها اللَّه عَلَيْهَا لتنحرنها. فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة عُرِفَتْ نَاقَةُ النَّبِي ﷺ فَأُخْبِرَ بذلك، فَأرْسل إِلَيْهَا، فجيء بهَا وبالمرأة، فَقَالَت: يَا رَسُول اللَّه نذرتُ إِن نجاني اللَّه أَن أنحرها، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "بئس مَا جَزَيْتِهَا، لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة اللَّه وَلَا فِيمَا لَا يملك ابْن آدم". وَأخذ نَاقَته ﷺ . غَزْوَة ٢ بني المصطلق من خُزَاعَة ثمَّ أَقَامَ رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَاقِي جُمَادَى الأول ورجبا، ثمَّ غزا بني المصطلق فِي [شعْبَان٣ من] السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ، وَقيل: بل نميلَة٤ بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ. وأغار رَسُول اللَّه ﷺ على بني المصطلق وهم غَارونَ٥ وهم على مَاء يُقَال لَهُ: الْمُريْسِيع٦ من نَاحيَة قديد٧ مِمَّا يَلِي السَّاحِل، فَقتل من قتل [مِنْهُم] وَسبي النِّسَاء والذرية وَكَانَ شعارهم يَوْمئِذٍ: أَمِتْ، وَقد قيل إِن بني المصطلق جمعُوا لرَسُول اللَّه ﷺ ، فَلَمَّا بلغه ذَلِك خرج إِلَيْهِم، فَلَقِيَهُمْ على مَاء يُقَال لَهُ الْمُريْسِيع، فَاقْتَتلُوا، فَهَزَمَهُمْ اللَّه. وَالْقَوْل الأول أصح: أَنه أغار عَلَيْهِم وهم غَارونَ. وَمن ذَلِك السَّبي جوَيْرِية بنت الْحَارِث بْن أبي ضرار سيد بني المصطلق وَقعت فِي سهم ثَابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فَأدى عَنْهَا رَسُول اللَّه ﷺ ، فَأعْتقهَا

стр. 183

وَتَزَوجهَا. وَشهِدت عَائِشَة ﵂ تِلْكَ الْغُزَاة، قَالَت: مَا هُوَ إِلَّا أَن وقفت جوَيْرِية بِبَاب الخباء تستعين رَسُول اللَّه ﷺ فِي كتَابَتهَا، فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فرأيتُ على وَجههَا مرحة وحسنا، فأيقنت أَن رَسُول اللَّه ﷺ إِذا رَآهَا أَعْجَبته، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كَلمته، فَقَالَ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ : "أَو خير من ذَلِك أَن أؤدي كتابتك وأتزوجك". قَالَت: وَمَا رَأَيْت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن علم الْمُسلمُونَ بِأَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تزَوجهَا، فأعتقوا كل مَا بِأَيْدِيهِم من سبي بني المصطلق، وَقَالُوا: أَصْهَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١، وَأسلم سَائِر بني المصطلق. وَقد اخْتلف فِي وَقت هَذِه الْغُزَاة، قيل: كَانَت قبل الخَنْدَق وَقُرَيْظَة٢، وَقيل: كَانَت بعد ذَلِك وَهُوَ الصَّوَاب إِن شَاءَ اللَّه. وَقتل فِي هَذِه الْغُزَاة هِشَام بْن صبَابَة اللَّيْثِيّ خطأ، أَصَابَهُ رجل من الْأَنْصَار من رَهْط عبَادَة لم يعرفهُ، وظنه من الْمُشْركين٣. وَفِي هَذِه الْغُزَاة قَالَ عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل؛ وَذَلِكَ لشر وَقع بَين جَهْجَاه بْن مَسْعُود الْغِفَارِيّ -وَكَانَ أَجِيرا لعمر بْن الْخطاب ﵁ وَبَين سِنَان بْن وبر٤ الْجُهَنِيّ حَلِيف بني عَوْف بْن الْخَزْرَج، فَنَادَى جَهْجَاه الْغِفَارِيّ: يَا للمهاجرين، ونادى الْجُهَنِيّ: يَا للْأَنْصَار٥. وَبَلَّغَ زيدُ بْنُ أرقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَةَ عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول، فأنكرها ابْن أبي، فَأنْزل اللَّه [فِيهِ] سُورَة الْمُنَافِقين، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لزيد بْن أَرقم: "وَفَتْ أُذُنُكَ يَا غُلَام" ٦، وَأخذ بأذنه. وتبرأ عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أُبَيِّ من فعل أَبِيه وأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُول اللَّه أَنْت وَالله الْعَزِيز وَهُوَ الذَّلِيل، أَو قَالَ: أَنْت الْأَعَز وَهُوَ

стр. 184

الْأَذَل، وَإِن شِئْت -وَالله- لنخرجنه من الْمَدِينَة. وَقَالَ سعد١ بْن عبَادَة: يَا رَسُول اللَّه إِن هَذَا رجل يحملهُ حسده على النِّفَاق، فَدَعْهُ إِلَى عمله، وَقد كَانَ قومه على أَن يُتَوِّجُوهُ بالخرز قبل قدومك الْمَدِينَة ويقدموه على أنفسهم، فَهُوَ يرى أَنَّك نزعت ذَلِك مِنْهُ، وَقد خَابَ وخسر إِن كَانَ يضمر خلاف مَا يظْهر، وَقد أظهر الْإِيمَان فَكِلْهُ٢ إِلَى ربه. وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول: يَا رَسُول اللَّه بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ قتل أبي فَإِن كنت تُرِيدُ ذَلِك فمرني بقتْله، فوَاللَّه إِن أَمرتنِي بقتْله لأقتلنه، وَإِنِّي أخْشَى يَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِن قَتله غَيْرِي أَن لَا أَصْبِر عَن طلب الثأر فأقتلَ بِهِ مُسلما فأدخلَ النَّار، وَقد علمت الْأَنْصَار أَنِّي من أبر أبنائها بِأَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ خيرا، ودعا لَهُ، وَقَالَ لَهُ: "بر أَبَاك وَلَا يرى مِنْك إِلَّا خيرا" *. فَلَمَّا وصل رَسُول اللَّه ﷺ والمسلمون إِلَى الْمَدِينَة من تِلْكَ الْغُزَاة وقف عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي لِأَبِيهِ بِالطَّرِيقِ، وَقَالَ: وَالله لَا تدخل الْمَدِينَة حَتَّى يَأْذَن لَك رَسُول اللَّه ﷺ بِالدُّخُولِ، فَأذن رَسُول اللَّه ﷺ بِدُخُولِهِ. وَفِي هَذِه الْغُزَاة قَالَ أهل الْإِفْك فِي عَائِشَة ﵂ مَا قَالُوا، فبرأها اللَّه مِمَّا قَالُوا، وَنزل الْقُرْآن ببراءتها٣. وَرِوَايَة من روى أَن سعد بْن معَاذ رَاجع فِي ذَلِك سعد بْن عبَادَة وهم وَخطأ٤، وَإِنَّمَا تراجع فِي ذَلِك سعد بْن عبَادَة مَعَ أسيد بْن حضير، كَذَلِك ذكر ابْن إِسْحَاق عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن عبيد الله بْن عَبْد اللَّهِ وَغَيره، وَهُوَ الصَّحِيح، لِأَن سعد بْن معَاذ مَاتَ فِي منصرف

стр. 185

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من بني قُرَيْظَة لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك، وَلم يدْرك غَزْوَة الْمُريْسِيع١ وَلَا حضرها. وَقدم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة، فَقدم عَلَيْهِ مقيس بْن صبَابَة مظْهرا لِلْإِسْلَامِ وطالبا لدين أَخِيه هِشَام بْن صبَابَة، فَأمر لَهُ ﵇ بِالدِّيَةِ، فَأَخذهَا، ثمَّ عدا على قَاتل أَخِيه، فَقتله، وفر إِلَى مَكَّة كَافِرًا، وَهُوَ أحد الَّذين أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِم فِي حِين دُخُول مَكَّة. ثمَّ بعث رَسُول اللَّه ﷺ -إِلَى بني المصطلق بعد إسْلَامهمْ بِأَكْثَرَ من عَاميْنِ الْوَلِيد بْن عقبَة بْن أبي معيط مُصدقا٢ لَهُم، فَخَرجُوا ليتلقوه، فَفَزعَ مِنْهُم، وَظن أَنهم يريدونه بِسوء، فَرجع عَنْهُم. وَأخْبر رَسُول اللَّه ﷺ أَنهم ارْتَدُّوا وَمنعُوا الزَّكَاة وهموا بقتْله. فَتكلم الْمُسلمُونَ فِي غزوهم، فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ قدم وافدهم مُنْكرا لرجوع مصدقهم عَنْهُم دون أَن يَأْخُذ صَدَقَاتهمْ [وَأَنَّهُمْ] إِنَّمَا خَرجُوا إِلَيْهِ مكرمين لَهُ، فأكذبه الْوَلِيد بْن عقبَة، فَأنْزل اللَّه : ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ يَعْنِي الْوَلِيد بْن عقبَة ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة ... ﴾ الْآيَة. عمْرَة ٣ الْحُدَيْبِيَة فَأَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، بِالْمَدِينَةِ مُنْصَرفه من غَزْوَة بني المصطلق رَمَضَان٤ وشوالا، وَخرج فِي ذِي الْقعدَة٥ مُعْتَمِرًا، فاستنفر الْأَعْرَاب الَّذين حول الْمَدِينَة، فَأَبْطَأَ عَنهُ أَكْثَرهم. وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ بِمن مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَمن اتبعهُ من الْعَرَب،

стр. 186

وجميعهم نَحْو ألف وَأَرْبَعمِائَة، وَقيل ألف وَخَمْسمِائة١. وسَاق مَعَه الْهَدْي٢، وَأحرم رَسُول اللَّهِ ﷺ ، بِعُمْرَة٣ ليعلم النَّاس أَنه لم يخرج لِحَرْب٤ فَلَمَّا بلغ خُرُوجه قُريْشًا خرج جمعهم صَادِّينَ لرَسُول اللَّهِ ﷺ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَدخُول مَكَّة وَأَنه إِن قَاتلهم قَاتلُوا دون ذَلِك، وَقدمُوا خَالِد٥ بْن الْوَلِيد فِي خيل إِلَى كرَاع٦ الغميم، فورد الْخَبَر بذلك إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بعسفان٧، فسلك طَرِيقا يخرج مِنْهُ فِي ظُهُورهمْ٨ وَخرج إِلَى الْحُدَيْبِيَة من أَسْفَل مَكَّة، وَكَانَ دَلِيله فِيهِ رجلا من أسلم فَلَمَّا بلغ ذَلِك خيل قُرَيْش الَّتِي مَعَ خَالِد جرت إِلَى قُرَيْش تعلمهمْ بذلك. وَلما وصل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَة بَركت نَاقَته ﷺ ، فَقَالَ النَّاس: خَلأَتْ٩ خَلأَتْ، فَقَالَ النَّبِي ﵇: "مَا خلأت، وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِن حَبسهَا حَابِس ١٠ الْفِيل عَن مَكَّة، لَا تَدعُونِي قُرَيْش الْيَوْم إِلَى خطة يسألونني فِيهَا صلَة رحم إِلَّا أَعطيتهم إِيَّاهَا"، ثمَّ نزل ﷺ هُنَالك، فَقيل: يَا رَسُول اللَّه لَيْسَ بِهَذَا الْوَادي مَاء، فَأخْرج ﵇ سَهْما من كِنَانَته، فَأعْطَاهُ رجلا من أَصْحَابه، فَنزل فِي قليب١١ من تِلْكَ الْقلب، فغرزه فِي جَوْفه، فَجَاشَ المَاء الرواء١٢ حَتَّى كفى جَمِيع أهل الْجَيْش. وَقيل إِن الَّذِي نزل بِالسَّهْمِ فِي القليب نَاجِية بْن جُنْدُب بْن عُمَيْر الْأَسْلَمِيّ وَهُوَ سائق بدن١٣ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ، وَقيل: نزل بِالسَّهْمِ فِي القليب الْبَراء بْن عَازِب.

стр. 187

ثمَّ جرت الرُّسُل والسفراء بَين رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَين كفار قُرَيْش، وَطَالَ التراجع والتنازع إِلَى أَن جَاءَهُ سُهَيْل بْن عَمْرو العامري، فقاضاه١ على أَن ينْصَرف ﵇ عَامه ذَلِك، فَإِذا كَانَ من قَابل أَتَى مُعْتَمِرًا وَدخل هُوَ وَأَصْحَابه مَكَّة بِلَا سلَاح حاشا السيوف فِي قربهَا فيقيم بهَا ثَلَاثًا وَيخرج. وعَلى أَن يكون بَينه وَبينهمْ صلح عشرَة أَعْوَام يتداخل فِيهَا النَّاس ويأمن بَعضهم بَعْضًا، على أَن من جَاءَ من الْمُسلمين إِلَى الْكفَّار مُرْتَدا لم يردوه إِلَى الْمُسلمين. فَعظم ذَلِك على الْمُسلمين حَتَّى كَانَ لبَعْضهِم فِيهِ كَلَام. وَكَانَ رَسُول اللَّهِ، ﷺ ، أعلم بِمَا علمه اللَّه من أَنه سَيجْعَلُ للْمُسلمين فرجا، فَقَالَ لأَصْحَابه: "اصْبِرُوا فَإِن اللَّه يَجْعَل هَذَا الصُّلْح سَببا إِلَى ظُهُور دينه" فأنس النَّاس إِلَى قَوْله بعد نفار مِنْهُم. وَأَبَى سُهَيْل بْن عَمْرو أَن يُكْتَبَ فِي صدر صحيفَة الصُّلْح من مُحَمَّد رَسُول الله. قَالَ لَهُ: لَو صدقناك بذلك مَا دفعناك عَمَّا تُرِيدُ، وَلَا بُد أَن يُكْتَبَ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ٢ فَقَالَ لعَلي -وَكَانَ كَاتب صحيفَة الصُّلْح-: "امح يَا عَليّ، واكتب بِاسْمِك اللَّهُمَّ". وأبى عَليّ أَن يمحو بِيَدِهِ "رَسُول٣ اللَّه" فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اعرضه عَليّ" فَأَشَارَ إِلَيْهِ٤، فمحاه ﷺ بِيَدِهِ، وَأمره أَن يكْتب: من مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ. وأتى أَبُو جندل بْن سُهَيْل٥ يَوْمئِذٍ بأثر كتاب الصُّلْح، وَهُوَ يرسف فِي قيوده، فَرده ﷺ على أَبِيه، فَعظم ذَلِك على الْمُسلمين، فَأخْبرهُم ﷺ وَأخْبر أَبَا جندل أَن اللَّه سَيجْعَلُ لَهُ فرجا ومخرجا. وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ قَدْ بعث عُثْمَان بْن عَفَّان إِلَى مَكَّة رَسُولا٦، فجَاء خبر إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَن أهل مَكَّة قَتَلُوهُ، فَدَعَا رَسُول اللَّه ﷺ

стр. 188

حِينَئِذٍ الْمُسلمين للمبايعة على الْحَرْب والقتال لأهل مَكَّة. وَرُوِيَ أَنه بايعهم على أَن لَا يَفروا. وَهِي بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة١ الَّتِي أخبر اللَّه أَنه رَضِي عَن الْمُبَايِعين لرَسُول اللَّهِ ﷺ تحتهَا٢، وَأخْبر رَسُول اللَّه ﷺ أَنهم لَا يدْخلُونَ النَّار. وَضرب رَسُول اللَّه ﷺ بِيَمِينِهِ على شِمَاله لعُثْمَان [وَقَالَ٣: "هَذِه عَن عُثْمَان"] فَهُوَ كمن شَهِدَهَا. ذكر وَكِيع، عَن إِسْمَاعِيل بْن أبي خَالِد، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: أول من بَايع رَسُول اللَّه ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَبُو سِنَان الْأَسدي. وَذكر ابْن هِشَام عَن وَكِيع. كَانَت قُرَيْش قد جَاءَ مِنْهُم نَحْو سبعين أَو ثَمَانِينَ رجلا للإيقاع بِالْمُسْلِمين وانتهاز الفرصة فِي أَطْرَافهم، فَفطن الْمُسلمُونَ لَهُم فَخَرجُوا، فَأَخَذُوهُمْ أسرى. وَكَانَ ذَلِك والسفراء يَمْشُونَ بَينهم فِي الصُّلْح. فَأَطْلَقَهُمْ رَسُول اللَّه، فهم الَّذين يسمون العتقاء، وإليهم ينْسب العتقيون فيمَ يَزْعمُونَ، وَمِنْهُم مُعَاوِيَة وَأَبوهُ فِيمَا ذكرُوا. فَلَمَّا تمّ الصُّلْح بَين رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَين أهل مَكَّة الَّذِي تولى عقده لَهُم سُهَيْل بْن عَمْرو على مَا ذكرُوا، أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ -الْمُسلمين أَن ينحروا ويحلوا. فَفَعَلُوا بعد توقف كَانَ بَينهم أغضب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﵇: "لَو نحرت لنحروا". فَنحر رَسُول اللَّه ﷺ هَدْيه، فنحروا بنحره. وَحلق رَسُول اللَّه ﷺ رَأسه، ودعا للمحلقين ثَلَاثًا وللمقصرين وَاحِدَة٤. قيل إِن الَّذِي حلق رَأسه ﷺ يَوْمئِذٍ خرَاش بْن أُميَّة بْن الْفضل الْخُزَاعِيّ. ثمَّ رَجَعَ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى الْمَدِينَة، فَأَتَاهُ أَبُو بَصِير بْن أسيد بْن جَارِيَة الثَّقَفِيّ حَلِيف لبني زهرَة هَارِبا من مَكَّة مُسلما، وَكَانَ مِمَّن حبس بِمَكَّة مَعَ الْمُسلمين، فَبعث فِيهِ الْأَزْهَر بْن [عَبْد] ٥ عَوْف عَم عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف والأخنس بن شريق الثَّقَفِيّ رجلا

стр. 189

من بني عَامر بْن لؤَي وَمولى لَهُم. فَأتيَا النَّبِي ﵇، فأسلمه إِلَيْهِمَا على مَا عقد فِي الصُّلْح. فاحتملاه، فَلَمَّا صَارُوا بِذِي الحليفة١ قَالَ أَبُو بَصِير لأحد الرجلَيْن: أرى سَيْفك هَذَا سَيْفا جيدا فأرنيه، فَلَمَّا أرَاهُ إِيَّاه ضرب [بِهِ] العامري فَقتله وفر الْمولى فَأتى النبيَّ ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "هَذَا رجل مذعور وَلَقَد أصَاب هَذَا ذعر". فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ أخبرهُ بِمَا وَقع. وَقَالَ: غدر بِنَا وبينما هُوَ يكلمهُ إِذْ وصل أَبُو بَصِير، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه قد وفت ذِمَّتك وأطلقني اللَّه ، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "وَيْلُمِّهِ مِسْعَرَ ٢ حَرْبٍ لَو كَانَ لَهُ رجال، أَو قَالَ أَصْحَاب". فَعلم أَبُو بَصِير أَنه سيرده فَخرج حَتَّى أَتَى سيف٣ الْبَحْر، موضعا يُقَال لَهُ الْعيص٤ من نَاحيَة ذِي الْمَرْوَة على طَرِيق قُرَيْش إِلَى الشَّام، فَجعل يقطع على رفاقهم٥.واستضاف إِلَيْهِ قوما من الْمُسلمين الفارين عَن قُرَيْش، مِنْهُم أَبُو جندل بْن سُهَيْل، فَجعلُوا لَا يتركون لقريش عيرًا وَلَا ميرة وَلَا مارا إِلَّا قطعُوا بهم. فَكتبت فِي ذَلِك قُرَيْش إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالُوا نرى أَن تضمهم إِلَيْك إِلَى الْمَدِينَة، فقد آذونا. وَأنزل اللَّه تَعَالَى بعد ذَلِك الْقُرْآن بِفَسْخ الشَّرْط الْمَذْكُور فِي رد النِّسَاء٦، فَمنع رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ ردهن، ثمَّ نزلت سُورَة٧ بَرَاءَة، فنسخ ذَلِك كُله، ورد على كل ذِي عهد عَهده وَأَن يمهلوا أَرْبَعَة أشهر، وَمن لم يستقم على عَهده لَا يستقام لَهُ. وَهَاجَرت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بْن أبي معيط، فَأتى أَخَوَاهَا: عمَارَة والوليد فِيهَا، ليردوها، فَمنع اللَّه من رد النِّسَاء الْمُؤْمِنَات إِلَى الْكفَّار إِذا امتحن٨ فوجدن مؤمنات. وَأخْبر أَن ذَلِك لَا يحل. وَأمر الْمُؤمنِينَ أَيْضا أَن يمسكوا بعصم الكوافر٩، وَلَا ينكحوا المشركات، يَعْنِي الوثنيات، حَتَّى يُؤمن.

стр. 190

غَزْوَة ١ خَيْبَر وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بعد رُجُوعه من الْحُدَيْبِيَة ذَا الْحجَّة وَبَعض الْمحرم وَخرج فِي بَقِيَّة مِنْهُ غازيا إِلَى خَيْبَر، وَلم يبْق من السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة إِلَّا شهر وَأَيَّام، واستخلف على الْمَدِينَة نميلَة٢ بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ. وَذكر مُوسَى بْن عقبَة، قَالَ: لما قدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة مُنْصَرفه من الْحُدَيْبِيَة مكث عشْرين يَوْمًا أَو قَرِيبا٣ مِنْهَا ثمَّ خرج غازيا إِلَى خَيْبَر، وَكَانَ اللَّه وعده إِيَّاهَا وَهُوَ بِالْحُدَيْبِية. قَالَ أَبُو عمر: قَالَ اللَّه فِي أهل الْحُدَيْبِيَة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ . فَلم يخْتَلف الْعلمَاء فِي أَنَّهَا الْبيعَة بِالْحُدَيْبِية. قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَقَتَادَة وَعِكْرِمَة وَغَيرهم: كَانَت الشَّجَرَة سَمُرَة٤ كَانَت الْحُدَيْبِيَة. وَعلم مَا فِي قُلُوبهم من الرِّضَا بِأَمْر الْبيعَة على أَن لَا يَفروا واطمأنت بذلك نُفُوسهم. ﴿وأثابهم فتحا قَرِيبا﴾ : خَيْبَر، وَوَعدهمْ الْمَغَانِم فِيهَا ﴿ومغانم كَثِيرَة يأخذونها﴾ . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد فِي قَوْله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِم كَثِيرَة﴾ أَنَّهَا الْمَغَانِم الَّتِي تكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالُوا فِي قَوْله:

стр. 191

﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أحَاط الله بهَا﴾ : فَارس وَالروم وَمَا افتتحوا إِلَى الْيَوْم، وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي ليلى. قَالَ: وَقَوله: ﴿فَتْحًا قَرِيبا﴾ : خَيْبَر. رَجَعَ الْخَبَر إِلَى ابْن إِسْحَاق، قَالَ: فَلَمَّا خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَر دفع رايته، وَكَانَت بَيْضَاء، إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب ﵁، وَأخذ طَرِيق الصَّهْبَاء١ إِلَى وَادي الرجيع، فَنزل بَين خَيْبَر وغَطَفَان لِئَلَّا يمدوهم، لِأَنَّهُ بلغه أَن غطفان تُرِيدُ إمداد يهود خَيْبَر. وَلما خَرجُوا لإمدادهم اخْتلفت كلمتهم. وأسمعهم اللَّه حسا من ورائهم وهدا راعهم وأفزعهم فانصرفوا إِلَى دِيَارهمْ، فأقاموا بهَا. وَأَقْبل رَسُول اللَّه ﷺ حَتَّى أشرف على خَيْبَر مَعَ الْفجْر، وعمالهم غادون بِمساحِيهِمْ وَمَكَاتِلهمْ٢. فَلَمَّا رَأَوْا رَسُول اللَّه ﷺ والجيش نادوا: مُحَمَّد وَالْخَمِيس٣ مَعَه. وأدبروا هرابا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّه أكبر خربَتْ خَيْبَر إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين". وتحصنت يهود فِي حصونهم وَكَانَت حصونا كَثِيرَة، فَكَانَ أول حصن افتتحوه حصنا يُسمى "نَاعِمًا" وَعِنْده قتل مَحْمُود بْن مسلمة أَخُو مُحَمَّد بْن مسلمة ألقيت عَلَيْهِ رحى فشدخته، ﵀، ثمَّ حصنا يدعى "القموص" وَهُوَ حصن بني أبي الْحقيق، وَمن سَبَايَا ذَلِك الْحصن كَانَت صَفِيَّة بنت حييّ بْن أَخطب -وَكَانَت تَحت كنَانَة بْن الرّبيع بْن أبي الْحقيق- أَصَابَهَا رَسُول اللَّه ﷺ وبِنْتَيْ عَم لَهَا، فوهب صَفِيَّة لدحية بْن خَليفَة الْكَلْبِيّ ثمَّ ابتاعها [مِنْهُ] ٤ بسبعة أرؤس، ثمَّ أردفها خَلفه، وَألقى عَلَيْهَا رِدَاءَهُ، فَعلم أَصْحَابه أَنه اصطفاها لنَفسِهِ، وَجعلهَا عِنْد أم٥ سليم حَتَّى اعْتدت وَأسْلمت، ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا، وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا. وَهَذِه مَسْأَلَة اخْتلف الْفُقَهَاء فِيهَا فَمنهمْ من جعل ذَلِك خُصُوصا لَهُ كَمَا خص بالموهوبة، وَمِنْهُم من جعل ذَلِك سنة لمن شَاءَ من أمته. ثمَّ فتح حصن الصعب٦ بْن معَاذ وَلم يكن فِي حصون خَيْبَر أَكثر طَعَاما

стр. 192

وودكا مِنْهُ١. ووقف إِلَى بعض حصونهم فَامْتنعَ عَلَيْهِم فَتحه ولقوا فِيهِ شدَّة، فَأعْطى رايته أَبَا بكر الصّديق فَنَهَضَ بهَا وَقَاتل واجتهد وَلم يفتح عَلَيْهِ، ثمَّ أعْطى الرَّايَة عمر فقاتل ثمَّ رَجَعَ وَلم يفتح لَهُ وَقد جهد. فَحِينَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب اللَّه وَرَسُوله وَيُحِبهُ اللَّه وَرَسُوله، لَيْسَ بفرار، يفتح اللَّه على يَدَيْهِ". فَلَمَّا أصبح دَعَا عليا، وَهُوَ أرمد، فتفل فِي عَيْنَيْهِ، ثمَّ قَالَ: "خُذ الرَّايَة فَامْضِ بهَا حَتَّى يفتح اللَّه بهَا عَلَيْك". ذكر هَذَا الْخَبَر ابْن إِسْحَاق٢. قَالَ: قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِي ﷺ ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعثه رَسُول اللَّه ﷺ بِرَايَتِهِ إِلَى حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ وَقَاتَلَهُمْ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَأَلْقَى٣ تُرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ، وَهُوَ يُقَاتِلُ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نفر معي سَيْفه وَأَنَا ثَامِنُهُمْ نَجْتَهِدُ عَلَى أَنْ يقلب ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بَكِيرٍ وَزِيَادٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَالأُمَوِيِّ٤ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ جَابِرٌ خَيْبَرَ٥: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ بِخَيْبَرَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ لِهَذَا؟ " يَعْنِي: مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطْلُبُ الثَّأْرَ، قَتَلَ أَخِي بِالأَمْسِ. قَالَ: "فَقُمْ إِلَيْهِ" فَنَهَضَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَتَقَاتَلا، وَكَانَا يَسْتَتِرَانِ بِشَجَرَةٍ [فَجَعَلَ٦ أَحَدُهُمَا يَلُوذُ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ، كُلَّمَا لاذَ بِهَا مِنْهُ اقْتَطَعَ بِسَيْفِهِ مَا دُونَهُ مِنْهَا] حَتَّى ذَهَبَتْ أَغْصَانُهَا [وَبَرَزَ٧ كل وَاحِد مِنْهُمَا

стр. 193

لِصَاحِبِهِ، وَحَمَلَ مَرْحَبٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ١ فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا فَعَضَّتْ بِهِ وَأَمْسَكَتْهُ] وَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ، فَقَتَلَهُ. ثُمَّ انْصَرَفَ. ثُمَّ بَرَزَ أَخُو مَرْحَبٍ وَاسْمُهُ يَاسِرٌ، فَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ. هَذَا مَا ذكره ابْن إِسْحَاق فِي قتل مرحب الْيَهُودِيّ بِخَيْبَر. وَخَالفهُ غَيره، فَقَالَ: بل قَتله عَليّ بْن أبي طَالب، وَهُوَ الصَّحِيح عندنَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، [قَالَ] : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ [أَبِي] بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ: أَنّ النَّبِي ﷺ قَالَ لَمَّا نَزَلَ بِحِصْنِ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ اللِّوَاءَ غَدًا رَجُلا يُحِبُّ اللَّه وَرَسُوله، وَيُحِبهُ اللَّه وَرَسُوله" فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَطَاوَلَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَدَعَا عليا، وَهُوَ أرمد، فتفل فِي عَيْنَيْهِ، وَأَعْطَاهُ اللِّوَاءَ، وَنَهَضَ مَعَهُ النَّاس، فلقا أَهْلَ خَيْبَرَ، فَإِذَا مَرْحَبٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَرْتَجِزُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السَّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ٢ إِذَا السُّيُوفُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ ... أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ٣ فَاخْتَلَفَ هُوَ وَعَلِيٌّ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى عَضَّ السَّيْفُ بِأَضْرَاسِهِ، وَسَمِعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ صَوْتَ ضَرْبَتِهِ، قَالَ: فَمَا تَتَامَّ النَّاسُ حَتَّى فَتَحُوا لَهُمْ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ [قَالَ] : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ [قَالَ] : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ [قَالَ] : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ [قَالَ] : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدثنِي إِيَاس بن سَلمَة الأَكْوَعِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ٤: لَمَّا خَرَجَ عَمِّي عَامِرُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى خَيْبَرَ بَارَزَ يَوْمًا مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ مَرْحَبٌ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ ... أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أضْرب

стр. 194

وَقَالَ عَمِّي: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَاوِرُ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَرَجَعَ سيف [عَامر] على مَسَافَة فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ١ فِيهَا نَفْسُهُ، قَالَ سَلَمَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَنِي إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب، وَقَالَ: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يحب اللَّه وَرَسُوله، وَيُحِبهُ اللَّه وَرَسُولُهُ" قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَخَرَجَ مَرْحَبٌ يَخْطُرُ بِسَيْفِهِ، وَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السَّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ وَقَالَ عَليّ ﵁: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ٢ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ٣ فَفَلَقَ رَأْسَ مَرْحَبٍ بِالسَّيْفِ، وَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَآخر مَا افْتتح رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ حصونهم الوطيح والسلالم. وَقَالَ مُوسَى بْن عقبَة: حاصر رَسُول اللَّه ﷺ [حصون٤ خَيْبَر بضع عشرَة لَيْلَة، وَكَانَ بَعْضهَا صلحا وأكثرها عنْوَة، ذكر ذَلِك عَن ابْن شهَاب. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قسم رَسُول اللَّه أَرض خَيْبَر كلهَا لِأَنَّهُ غلب على جَمِيعهَا عنْوَة. وحاصر رَسُول اللَّهِ ﷺ ] أهل خَيْبَر فِي حصنهمْ الوطيح حَتَّى إِذا أيقنوا بالهلكة سَأَلُوهُ أَن يسيرهم وَأَن يحقن لَهُم دِمَاءَهُمْ، فَفعل.

стр. 195

[مقاسم خَيْبَر وأموالها] وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قد حَاز الْأَمْوَال كلهَا: الشق١ ونطاة والكتيبة وَجَمِيع حصونهم إِلَّا مَا كَانَ من ذَيْنك [الحصنين] ٢ فَلَمَّا سمع بهم أهل فدك٣ قد صَنَعُوا مَا صَنَعُوا بعثوا إِلَى رَسُول اللَّه يسألونه أَن يسيرهم وَأَن يحقن لَهُم دِمَاءَهُمْ ويحلوا لَهُ الْأَمْوَال فَفعل. وَكَانَ فِيمَن مَشى بَين رَسُول اللَّه ﷺ وَبينهمْ فِي ذَلِك محيصة بْن مَسْعُود أَخُو بني حَارِثَة. قَالَ: فَلَمَّا نزل أهل خَيْبَر على ذَلِك سَأَلُوا رَسُول اللَّه أَن يعاملهم فِي الْأَمْوَال على النّصْف، فعاملهم، وَقَالَ لَهُم: "على أَنَّا إِذا شِئْنَا أَن نخرجكم أخرجناكم". فَصَالحه أهل فدك على مثل ذَلِك. وَكَانَت خَيْبَر فَيْئا بَين الْمُسلمين، وَكَانَت فدك خَاصَّة لرَسُول اللَّه ﷺ ، لأَنهم لم يوجوفوا٤ عَلَيْهَا بخيل وَلَا ركاب. قَالَ أَبُو عمر٥: هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي أَرض خَيْبَر أَنَّهَا كَانَت عنْوَة كلهَا مَغْلُوبًا عَلَيْهَا بِخِلَاف فدك وَأَن رَسُول اللَّه ﷺ قسم جَمِيع٦ أرْضهَا على الْغَانِمين لَهَا الموجفين بِالْخَيْلِ والركاب، وهم أهل الْحُدَيْبِيَة. وَلم يخْتَلف الْعلمَاء [فِي] أَن أَرض خَيْبَر مقسومة، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا هَل تقسم الأَرْض إِذا غنمت الْبِلَاد أَو توقف؟ فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ٧: الإِمَام مُخَيّر بَين قسمتهَا كَمَا فعل رَسُول اللَّه ﷺ بِأَرْض خَيْبَر وَبَين إيقافها كَمَا فعل عمر بسواد الْعرَاق، وَقَالَ

стр. 196

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تقسم الأَرْض كلهَا كَمَا قسم رَسُول اللَّه ﷺ [خَيْبَر١] لِأَن الأَرْض غنيمَة كَسَائِر أَمْوَال الْكفَّار، وَذهب مَالك إِلَى إيقافها اتبَاعا لعمر، لِأَن الأَرْض مَخْصُوصَة من سَائِر الْغَنِيمَة بِمَا فعل عمر فِي جمَاعَة من الصَّحَابَة: فِي إيقافها لمن يَأْتِي بعده من الْمُسلمين. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَوْلا أَنْ يُتْرَكَ آخِرُ النَّاسِ لَا شَيْءَ لَهُمْ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً إِلَّا قسمته سُهْمَانًا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَر سُهْمَانًا٢، وَهَذَا يدل على أَن أَرض خَيْبَر قسمت كلهَا سهمانا كَمَا قَالَ ابْن إِسْحَاق. وَأما قَول من قَالَ إِن خَيْبَر كَانَ بَعْضهَا صلحا وَبَعضهَا عنْوَة، فقد وهم وَغلط، وَإِنَّمَا دخلت عَلَيْهِ الشُّبْهَة بالحصنين اللَّذين أسلمهما أهلهما لحقن دِمَائِهِمْ. فَلَمَّا لم يكن أهل ذَيْنك الحصنين من الرِّجَال وَالنِّسَاء والذرية٣ لضرب من الصُّلْح، وَلَكنهُمْ لم يتْركُوا أَرضهم إِلَّا بالحصار والقتال، فَكَانَ حكم أَرض ذَيْنك الحصنين كَحكم سَائِر أَرض خَيْبَر كلهَا غنيمَة مَغْلُوبًا عَلَيْهَا عنْوَة مقسومة بَين أَهلهَا. وَرُبمَا شبه٤ على من قَالَ: إِن نصف خَيْبَر صلح وَنِصْفهَا عنْوَة بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ خَيْبَرَ [نِصْفَيْنِ٥: نِصْفًا لَهُ، وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ] النِّصْفَ لَهُ مَعَ سَائِرِ مَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ مَعَهُ، لأَنَّهَا قُسِمَتْ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ سَهْمًا، فَوَقَعَ سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا مِنْهَا، وَوقع سَائِر النَّاس فِي بَاقِيهَا، وَكلهمْ مِمَّن شهد الْحُدَيْبِيَة ثمَّ شهد خَيْبَر٦. وَلَيْسَت الْحُصُون الَّتِي أسلمها أَهلهَا [بعد٧ الْحصار والقتال صلحا، وَلَو كَانَت صلحا لملكها أَهلهَا] كَمَا يملك أهل الصُّلْح أراضيهم وَسَائِر أَمْوَالهم. فَالْحق فِي

стр. 197

هَذَا وَالصَّوَاب مَا قَالَه ابْن إِسْحَاق١ دون مَا قَالَه مُوسَى وَغَيره عَن ابْن شهَاب. وَالله أعلم. قَالَ أَبُو عمر: قسم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، خَيْبَر، وَأخرج الْخمس٢ مِمَّا قسم، وَلم يقدر أَهلهَا٣ على عمارتها وعملها فَأقر الْيَهُود فِيهَا على الْعَمَل فِي النّخل وَالْأَرْض، وَقَالَ لَهُم: "أقركم مَا أقركم٤ اللَّه". ثمَّ أذن اللَّه لَهُ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ بإخراجهم، فَقَالَ: "لَا يبْقين دينان بِأَرْض الْعَرَب". وَقَالَ ﵇: "أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَرض الْحجاز". وَلم يكن بَقِي يَوْمئِذٍ بهَا مُشْرك وثنى -وَلَا بِأَرْض الْيمن أَيْضا- إِلَّا أسلم فِي سنة تسع وَسنة عشر. فَلَمَّا بلغ عمرَ بْنَ الْخطاب ﵁ فِي خِلَافَته قَوْله ﵇: "أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَرض الْعَرَب" أجلاهم عَنْهَا، فَأخذ الْمُسلمُونَ سِهَامهمْ فِي خَيْبَر، فتصرفوا فِيهَا تصرف المالكين. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ الْمُتَوَلِي للْقِسْمَة بِخَيْبَر جَبَّار بْن صَخْر الْأنْصَارِيّ من بني سَلمَة، وَزيد بْن ثَابت من بني النجار، كَانَا حاسبين قاسمين. وَكَانَت قسْمَة خَيْبَر لأهل الْحُدَيْبِيَة: من حضر الوقيعة بِخَيْبَر وَمن لم يحضرها، لِأَن اللَّه أَعْطَاهُم ذَلِك فِي سفر الْحُدَيْبِيَة٥. وَلذَلِك قَالَ مُوسَى بْن عقبَة: لم يقسم من خَيْبَر شَيْء إِلَّا لمن شهد الْحُدَيْبِيَة، وروى ذَلِك عَن جمَاعَة من السّلف.

стр. 198

قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَوَقع سهم رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، وَعمر وَعلي وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَعَاصِم بْن عدي وسهام بني سَلمَة وسهام بني حَارِثَة وَبني سَاعِدَة وَبني النجار وغفار وَأسلم وجهينة واللفيف، كلهَا وَقعت فِي الشق. وَوَقع سهم أبي بكر وَالزُّبَيْر وسهام بني بياضة وَبني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج وَمُزَيْنَة بالنطاة، وَلِذِكْرِ سِهَامهمْ وأقسامهم مَوضِع غير هَذَا. وَكَانَ عبيد بْن أَوْس من بني حَارِثَة قد اشْترى يَوْمئِذٍ من سِهَام النَّاس سهاما كَثِيرَة، فَسمى يَوْمئِذٍ عبيد السِّهَام، وَاشْترى عمر بْن الْخطاب مائَة سهم من سِهَام الْمُسلمين، فَهِيَ صدقته الْبَاقِيَة إِلَى الْيَوْم. وَأما فدك فَلم يُوجَفْ عَلَيْهَا بخيل وَلَا ركاب فَكَانَت كبني النَّضِير خَالِصَة لرَسُول اللَّهِ ﷺ . وَمن الْعجب قَول من قَالَ إِن الكتيبة لم تفتح عنْوَة١ وَإِنَّهَا من صدقَات النَّبِي ﵇ إِلَّا أَن ينزل سهم النَّبِي ﵇ فِيهَا مَعَ الْمُؤمنِينَ وَإِلَّا فَلَا وَجه لقَوْله غير هَذَا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. وَفِي غَزْوَة خَيْبَر حرم رَسُول اللَّه ﷺ لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة، لم تخْتَلف الْآثَار فِي ذَلِك. وَاخْتلفت فِي حِين تَحْرِيم الْمُتْعَة٢ بعد إباحتها. وَقد ذكرنَا الْآثَار بذلك فِي التَّمْهِيد. وفيهَا أَهْدَت الْيَهُودِيَّة زَيْنَب بن [الْحَارِث٣ امْرَأَة] سَلام بْن مشْكم إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ [الشَّاة] ٤ المصلية٥ وسمت لَهُ مِنْهَا الذِّرَاع وَكَانَ أحبَّ اللَّحْم إِلَيْهِ ﷺ . فَلَمَّا تنَاول الذِّرَاع ولاكها لَفظهَا وَرمى بهَا، وَقَالَ: "إِنَّ هَذَا الْعَظْمَ يُخْبِرُنِي أَنَّهُ مَسْمُومٌ". وَدَعَا بِالْيَهُودِيَّةِ فَقَالَ: "مَا حَمَلَكِ عَلَى هَذَا؟ " فَقَالَت: أردْت أَن أعلم إِن كنت نَبيا، وَعلمت أَن اللَّه إِن أَرَادَ بَقَاءَك أعلمك. فَلم يَقْتُلهَا رَسُول اللَّه ﷺ . وَأكل من الشَّاة مَعَه بِشْرُ بْن الْبَراء بْن معْرور، فَمَاتَ من أَكلته تِلْكَ. وَكَانَ الْمُسلمُونَ يَوْم خَيْبَر ألفا وَأَرْبَعمِائَة راجل ومائتي فَارس.

стр. 199

تَسْمِيَة من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم خَيْبَر ربيعَة بن كثم بْن سَخْبَرَة الْأَسدي من بني غنم بْن دودان بْن أَسد بْن خُزَيْمَة، وثقف بْن عَمْرو، وَرِفَاعَة بْن مسروح. وَكلهمْ من بني أَسد، حلفاء لبني عَبْد شمس، ومسعود بْن ربيعَة الْقَارِي، من القارة، حَلِيف لني زهرَة. وَعبد اللَّه بْن الهبيب، وَيُقَال ابْن أهيب اللَّيْثِيّ حَلِيف لبني أَسد بْن عبد الْعُزَّى بْن قصي وَابْن أختهم. وَبشر بْن الْبَراء بْن معْرور من بني سَلمَة مَاتَ من أكله مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ الشَّاة المسمومة، وفضيل بْن النُّعْمَان من بني سَلمَة أَيْضا ومسعود بْن سعد بْن قيس الْأنْصَارِيّ الزرقي. ومحمود بْن مسلمة بْن خَالِد أَخُو مُحَمَّد بْن مسلمة من الْأَوْس حَلِيف لبني عَبْد الْأَشْهَل. وَأَبُو ضياح ثَابت بْن ثَابت بْن النُّعْمَان من بني عَمْرو بْن عَوْف من أهل قبَاء، ومبشر بْن عَبْد الْمُنْذر بْن دِينَار من بني مَالك بْن عَمْرو بْن عَوْف، والْحَارث بْن حَاطِب، وَأَوْس بْن قَتَادَة، وَعُرْوَة بْن مرّة١ بْن سراقَة، وَأَوْس بْن الْفَاكِه٢. وأنيف بْن حبيب، وثابت بْن وَاثِلَة٣ بْن طَلْحَة، وَالْأسود الرَّاعِي واسْمه أسلم وكل هَؤُلَاءِ من بني عَمْرو بني عَوْف. وَمن بني غفار: عمَارَة بْن عقبَة بْن حَارِثَة أَصَابَهُ سهم فَقتله. وَمِنْ أَسْلَمَ: عَامِرُ بن الْأَكْوَع٤.

стр. 200

[قدوم ١ بَقِيَّة الْمُهَاجِرين إِلَى الْحَبَشَة] وَقدم جَعْفَر بْن أبي طَالب فِي جمَاعَة من أَرض الْحَبَشَة بإثر فتح خَيْبَر، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "وَالله مَا أَدْرِي أبقدوم جَعْفَر أَنا أُسَرُّ وأفرح أم بِفَتْح خَيْبَر؟ " وَقدم [مَعَ] جَعْفَر امْرَأَته أَسمَاء بنت عُمَيْس، وَابْنهَا عَبْد٢ اللَّهِ بْن جَعْفَر، وخَالِد بْن سعيد بْن العَاصِي بْن أُميَّة، مَعَه امْرَأَته أمينة٣ بنت خلف، وابناهما: سعيد وَأمة، وَعَمْرو بْن سعيد بْن العَاصِي بْن أُميَّة وَكَانَت امْرَأَته فَاطِمَة بنت صَفْوَان الكنانية قد مَاتَت بِأَرْض الْحَبَشَة، ومعيقيب٤ بْن أبي فَاطِمَة حَلِيف آل سعيد بْن العَاصِي، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قيل إِنَّه حَلِيف عتبَة بْن ربيعَة، وَالْأسود بْن نَوْفَل بْن خويلد بْن أَسد، وجهم بْن قيس [بْن] ٥ عَبْد شُرَحْبِيل الْعَبدَرِي، وابناه: عَمْرو بْن جهم، وَخُزَيْمَة بْن جهم، وَكَانَت امْرَأَة جهم بْن قيس: أم حَرْمَلَة بنت عَبْد الْأسود قد هَلَكت بِأَرْض الْحَبَشَة، والْحَارث بْن خَالِد بْن صَخْر التَّيْمِيّ وَكَانَت امْرَأَته ريطة بنت الْحَارِث بْن جبيلة قد هَلَكت بِأَرْض الْحَبَشَة، وَعُثْمَان بْن ربيعَة بْن أهبان الجُمَحِي، ومحمية بْن جُزْء الزبيدِيّ حَلِيف لبني سهم بْن هصيص ولاه رَسُول اللَّه ﷺ الْخمس، وَمعمر بْن عَبْد اللَّهِ بْن نَضْلَة العذري، وَأَبُو حَاطِب بْن عَمْرو بْن عَبْد شمس العامري، وَمَالك بْن رمعة٦ بْن قيس العامري، وَمَعَهُ امْرَأَته عمْرَة بنت السَّعْدِيّ بْن وقدان، وَطَائِفَة٧ مَعَهم. وَقد أَتَى من مهاجرة الْحَبَشَة قبل ذَلِك بِسنتَيْنِ سَائِرهمْ وَكَانَ هَؤُلَاءِ آخر من بَقِي بهَا مِنْهُم.

стр. 201

فتح ١ فدك وَلما اتَّصل بِأَهْل فدك مَا فعل رَسُول اللَّه بِأَهْل خَيْبَر بعثوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ليأمنهم، فأجابهم رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى ذَلِك. وَكَانَت فدك مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ بخيل وَلَا ركاب مِمَّا أَفَاء٢ اللَّه عَلَيْهِ بِمَا نَصره بِهِ عَن الرعب، فَلم يقسمها رَسُول اللَّه ﷺ ووضعها حَيْثُ أمره اللَّه . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، عَنْ عمر بْن الْخطاب ﵁: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَفَايَا٣ بَنِي النَّضِيرِ وَخَيْبَرَ وَفَدَكٍ. فتح ٤ وَادي الْقرى وَانْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ من خَيْبَر إِلَى وَادي الْقرى، فافتتحها عنْوَة، وَقسمهَا، وَأُصِيب بهَا غُلَام لَهُ أسود يُسمى مدعما أَصَابَهُ سهم غُرْبٌ٥ فَقتله، فَقَالَ النَّاس: هَنِيئًا لَهُ الْجنَّة، فَقَالَ النَّبِي ﵇: "كلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الشَّمْلَةَ ٦ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْم خَيْبَر من الْمَغَانِم لم تصبها المقاسم وَإِنَّهَا لتشتعل عَلَيْهِ الْآن نَارا".

стр. 202

عمْرَة ١ الْقَضَاء فَلَمَّا رَجَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة من خَيْبَر أَقَامَ [بهَا] شَهْري ربيع وشهري جُمَادَى ورجبا وَشَعْبَان ورمضان وشوالا، وَبعث فِي خلال ذَلِك السَّرَايَا. ثمَّ خرج ﵇ فِي ذِي الْقعدَة من السّنة السَّابِعَة من الْهِجْرَة قَاصِدا إِلَى مَكَّة للْعُمْرَة على مَا عَاقد عَلَيْهِ قُريْشًا فِي الْحُدَيْبِيَة. فَلَمَّا اتَّصل بِقُرَيْش خرج أكابرهم عَن مَكَّة عَدَاوَة لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلم يقدروا على الصَّبْر فِي رُؤْيَته يطوف بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابه. فَدخل رَسُول اللَّه ﷺ مَكَّة، وَأتم اللَّه عمرته، وَقعد بعض الْمُشْركين بِقُعَيْقِعَانَ٢ ينظرُونَ إِلَى الْمُسلمين وهم يطوفون بِالْبَيْتِ، فَأَمرهمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بالرَّمَلِ٣، لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ أَن بهم قُوَّة، وَكَانَ الْمُشْركُونَ قَالُوا فِي الْمُهَاجِرين قد وهنتهم حمى يثرب. وَتزَوج رَسُول اللَّه ﷺ فِي غزوته مَيْمُونَة بنت الْحَارِث بْن حزن الخلالية، قيل تزَوجهَا قبل أَن يحرم بِعُمْرَة الْقَضَاء وَقيل: بل تزَوجهَا وَهُوَ محرم. وَقد أوضحنا ذَلِك فِي كتاب التَّمْهِيد وَفِي كتاب الصَّحَابَة أَيْضا عِنْد ذكرهَا٤، ﵂. فَلَمَّا تمت الثَّلَاثَة أَيَّام أوجبت عَلَيْهِ قُرَيْش أَن يخرج عَن مَكَّة، وَلم يمهلوه أَن يَبْنِي بهَا، وَبنى بهَا بسرف. [إِسْلَام عَمْرو بْن الْعَاصِ وخَالِد بْن الْوَلِيد وَعُثْمَان بْن طَلْحَة] وَقيل: أسلم قبل عمْرَة الْقَضَاء -وَقيل بعْدهَا- عَمْرو بْن الْعَاصِ وخَالِد بْن الْوَلِيد وَعُثْمَان بن طَلْحَة.

стр. 203

غَزْوَة ١ مُؤْتَة فَلَمَّا انْصَرف رَسُول اللَّهِ ﷺ من عمْرَة الْقَضَاء أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ ذَا الْحجَّة وَالْمحرم وصفرا وشهري ربيع، ثمَّ بعث ﵇ فِي جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة بَعْثَ الْأُمَرَاء٢ إِلَى الشَّام. وَأَمَّرَ على الْجَيْش زيد بْن حَارِثَة مَوْلَاهُ، وَقَالَ: "إِن قتل أَو أُصِيب فعلى النَّاس جَعْفَر بْن أبي طَالب، فَإِن قتل فعبد اللَّه بْن رَوَاحَة" وشيعهم رَسُول اللَّه ﷺ وودعهم ثمَّ انْصَرف، ونهضوا. فَلَمَّا بلغُوا معَان٣ من أَرض الشَّام أَتَاهُم الْخَبَر بِأَن هِرقل ملك الرّوم فِي نَاحيَة البلقاء وَهُوَ فِي مائَة ألف من الرّوم وَمِائَة ألف أُخْرَى من نَصَارَى الْعَرَب أهل البلقاء من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهراء وبلي وبلقين٤ وَعَلَيْهِم رجل من بني إراشة من بلي يُقَال لَهُ مَالك بْن رافلة٥ فَأَقَامَ الْمُسلمُونَ فِي معَان [لَيْلَتَيْنِ] ٦ وَقَالُوا: نكتب إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونخبره بِعَدَد عدونا٧ فيأمرنا بأَمْره أَو يمدنا. فَقَالَ لَهُم٨ عَبْد اللَّهِ بْن رَوَاحَة: يَا قوم إِن الَّتِي تطلبون قد أدركتموها -يَعْنِي الشَّهَادَة- وَمَا نُقَاتِل النَّاس بِعَدَد وَلَا قُوَّة، وَمَا نقاتلهم إِلَّا بِهَذَا الدَّين الَّذِي أكرمنا اللَّه بِهِ، فانْطَلِقُوا، فَهِيَ إِحْدَى الحسنيين،: إِمَّا ظُهُور٩، وَإِمَّا شَهَادَة. فوافقه الْجَيْش كُله على هَذَا الرَّأْي. ونهضوا حَتَّى إِذا كَانُوا بتخوم١٠ البلقاء لقوا الجموع الَّتِي ذَكرنَاهَا كلهَا مَعَ هِرقل إِلَى

стр. 204

جنب قَرْيَة يُقَال لَهَا: مشارف. وَصَارَ الْمُسلمُونَ فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا مُؤْتَة. فَجعل الْمُسلمُونَ على ميمنتهم قُطْبَة بْن قَتَادَة العذري، وعَلى الميسرة عَبَايَة بْن مَالك الْأنْصَارِيّ، وَقيل عبَادَة بْن مَالك، واقتتلوا فَقتل الْأَمِير الأول: زيد بْن حَارِثَة ملاقيا بصدره الرماح مُقبلا غير مُدبر والراية فِي يَده. فَأَخذهَا جَعْفَر بْن أبي طَالب، وَنزل عَن فرس لَهُ يُقَال لَهَا شقراء، وَقيل: إِنَّه عرقبها وعقرها١ وَقَاتل حَتَّى قطعت يَمِينه، فَأخذ الرَّايَة بيساره فَقطعت، فاحتضن الرَّايَة، فَقتل كَذَلِك، ﵁، وَسِنُّهُ ثَلَاث وَثَلَاثُونَ أَو أَربع وَثَلَاثُونَ سنة. فَأخذ الرايةَ عَبْدُ اللَّهِ بْن رَوَاحَة، وَتردد عَن النُّزُول بعض التَّرَدُّد، ثمَّ صمم، فقاتل، حَتَّى قتل. فَأخذ الرَّايَة ثَابت بْن أقرم أَخُو بني العجلان، وَقَالَ: يَا معشر الْمُسلمين اصْطَلحُوا على رجل مِنْكُم، قَالُوا: أَنْت، قَالَ: لَا، فَدفع الرَّايَة إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد فَقَالَ: أَنْت أعلم بِالْقِتَالِ مني. فَأَخذهَا خَالِد بْن الْوَلِيد، وانحاز بِالْمُسْلِمين. وأنذر رَسُول اللَّه ﷺ [أَصْحَابه] ٢ بِالْمَدِينَةِ يُخْبِرهُمْ [بقتل٣ الْأُمَرَاء الْمَذْكُورين] فِي يَوْم قَتلهمْ قبل وُرُود الْخَبَر بأيام. تَسْمِيَة من ٤ اسْتشْهد بمؤتة زيد بْن حَارِثَة، وجعفر بْن أبي طَالب، وَعبد اللَّه بْن رَوَاحَة، ومسعود بْن الْأسود بْن حَارِثَة من بني عدي بْن كَعْب٥ من الْأَنْصَار، ووهب بْن سعد بْن أبي سرح العامري، وَعباد بْن قيس من بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج بْن النُّعْمَان من بني مَالك بْن النجار، وسراقة بْن عَمْرو بْن عَطِيَّة من بني مَازِن بْن النجار، وَأَبُو كُلَيْب وَقيل أَبُو كلاب، وَأَخُوهُ جَابر ابْنا عَمْرو بْن زيد من بني مَازِن بْن النجار، وَعَمْرو، وعامر ابْنا سعد بْن الْحَارِث من بني النجار. هَؤُلَاءِ٦ من ذكر مِنْهُم. وَكَانَ عدَّة الْمُسلمين يَوْم مُؤْتَة ثَلَاثَة آلَاف.

стр. 205

غَزْوَة ١ فتح مَكَّة فَأَقَامَ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد بعث مُؤْتَة جُمَادَى ورجبا، ثمَّ حدث الْأَمر الَّذِي أوجب نقض عقد قُرَيْش الْمَعْقُود يَوْم الْحُدَيْبِيَة، وَذَلِكَ أَن خُزَاعَة كَانَت فِي عقد رَسُول اللَّه ﷺ مؤمنها وكافرها، وَكَانَت بَنو بكر بْن عَبْد مَنَاة بْن كنَانَة فِي عقد قُرَيْش، فعدت بَنو بكر بْن عَبْد مَنَاة على قوم من خُزَاعَة على مَاء لَهُم بِأَسْفَل مَكَّة، وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن رجلا يُقَال لَهُ مَالك بْن عباد الْحَضْرَمِيّ حليفا لآل الْأسود بْن رزن خرج تَاجِرًا، فَلَمَّا توَسط أَرض خُزَاعَة عدوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأخذُوا مَاله، وَذَلِكَ قبل الْإِسْلَام بِمدَّة. فعدت بَنو بكر بْن عَبْد مَنَاة رَهْط الْأسود بْن رزن على رجل من خُزَاعَة فَقَتَلُوهُ بِمَالك بْن عباد. فعدت خُزَاعَة على سلمى وكلثوم وذؤيب بني الْأسود بْن رزن فَقَتَلُوهُمْ٢. وَهَؤُلَاء الْإِخْوَة أَشْرَاف بني كنَانَة كَانُوا يودون فِي الْجَاهِلِيَّة ديتين ديتين، ويودى فِي سَائِرهمْ٣ دِيَة دِيَة، وَذَلِكَ كُله قبل الْإِسْلَام فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام حجز مَا بَيْنَ مَنْ ذكرنَا لشغل النَّاس بِهِ٤. فَلَمَّا كَانَت الْهُدْنَة المنعقدة يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَمن النَّاس بَعضهم بَعْضًا، فاغتنم بَنو الديل من بني بكر بْن عَبْد مَنَاة تِلْكَ الفرصة وغفلة خُزَاعَة وَأَرَادُوا إِدْرَاك ثأر بني الْأسود بْن رزن، فَخرج نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة الديلِي بِمن أطاعه من بني بكر بْن عَبْد مَنَاة حَتَّى بَيت خُزَاعَة، ونال مِنْهُم٥ فَاقْتَتلُوا. وأعانت قُرَيْش بني بكر بِالسِّلَاحِ، وَقوم من قُرَيْش أَعَانُوهُم بِأَنْفسِهِم

стр. 206

مستخفين١. فانهزمت خُزَاعَة إِلَى الْحرم. فَقَالَ قوم نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة لنوفل: يَا نَوْفَل اتَّقِ إلهك وَلَا تستحل الْحرم ودع خُزَاعَة، فَقَالَ: لَا إِلَه لي الْيَوْم، وَالله يَا بني كنَانَة إِنَّكُم لتسرقون فِي الْحرم، أَفلا تدركون فِيهِ ثأركم، فَقتلُوا رجلا من خُزَاعَة يُقَال لَهُ مُنَبّه٢ وَدخلت خُزَاعَة دور مَكَّة فِي دَار بديل بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ وَدَار مولى لَهُم يُسمى رَافعا. وَكَانَ ذَلِك نقضا للصلح الْوَاقِع يَوْم الْحُدَيْبِيَة. فَخرج عَمْرو بْن سَالم الْخُزَاعِيّ وَبُدَيْل بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ وَقوم من خُزَاعَة، فقدموا على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مستغيثين بِهِ مِمَّا أَصَابَهُم بِهِ بَنو بكر بْن عَبْد مَنَاة وقريش وأنشده عَمْرو بْن سَالم الشّعْر الَّذِي ذكرته فِي بَابه من كتاب٣ الصَّحَابَة، فأجابهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى نَصرهم، وَقَالَ: "لَا ينصرني اللَّه إِن لم أنْصر بني كَعْب" ثمَّ نظر إِلَى سَحَابَة، فَقَالَ: "إِنَّهَا لتستهل بنصرتي كَعْبًا" يَعْنِي خُزَاعَة. وَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لبديل بْن وَرْقَاء وَمن مَعَه: "إِن أَبَا سُفْيَان سَيَأْتِي ليَشُد العقد وَيزِيد فِي مُدَّة الصُّلْح، وسينصرف بِغَيْر حَاجَة". وندمت قُرَيْش على مَا فعلت، فَخرج أَبُو سُفْيَان إِلَى الْمَدِينَة ليَشُد٤ العقد وَيزِيد فِي الْمدَّة، فلقي بديل بْن وَرْقَاء بعسفان٥ فكتمه بديل مَسِيرَهُ إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَأخْبرهُ أَنه إِنَّمَا سَار بخزاعة على السَّاحِل. فَنَهَضَ أَبُو سُفْيَان حَتَّى أَتَى الْمَدِينَة، فَدخل على ابْنَته: أم حَبِيبَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂، فَذهب ليقعد على فرَاش رَسُول اللَّهِ ﷺ [فطوته٦ عَنهُ فَقَالَ: يَا بنية مَا أَدْرِي أرغبت بِي عَن هَذَا الْفراش أم رغبت بِهِ عني؟] قَالَت: بل هُوَ

стр. 207

فرَاش رَسُول اللَّه ﷺ وَأَنت رجل مُشْرك [نجس١ فَلم أحب أَن] تجْلِس عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا بنية لقد أَصَابَك بعدِي شَرّ. ثمَّ أَتَى النبيَّ ﵇ فِي الْمَسْجِد، فَكَلمهُ، فَلم يجبهُ بِكَلِمَة. ثمَّ ذهب أَبُو سُفْيَان إِلَى أبي بكر، فَكَلمهُ فِي أَن يكلم رَسُول اللَّه ﷺ فِيمَا أَتَى لَهُ فَأبى عَلَيْهِ أَبُو بكر من ذَلِك فلقي عمر فَكَلمهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ لَهُ عمر: أَنا أفعل هَذَا؟!! وَالله لَو لم أجد إِلَّا الذَّر لجاهدتكم بِهِ. فَدخل على عَليّ بْن أبي طَالب، ﵁، فَوَجَدَهُ وفاطمةَ بنتَ رَسُول اللَّه ﷺ وَالْحسن وَهُوَ صبي فَكَلمهُ فِيمَا أَتَى لَهُ، فَقَالَ لَهُ عَليّ: وَالله مَا أَسْتَطِيع أَن أكلم رَسُول اللَّه ﷺ فِي أَمر قد عزم عَلَيْهِ. فَالْتَفت أَبُو سُفْيَان إِلَى فَاطِمَة فَقَالَ: يَا بنت مُحَمَّد هَل لَك أَن تأمري بُنَيَّكِ هَذَا فيجير على النَّاس، فَقَالَ لَهُ: مَا بلغ بنيي ذَلِك، وَمَا يجير أحد على رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ عَليّ: يَا أَبَا سُفْيَان أَنْت سيد بني كنَانَة، فَقُمْ، فأجر على النَّاس وَالْحق بأرضك، وهزيء بِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحسن أَتَرَى ذَلِك نافعي ومغنيا عني [شَيْئا] ؟ قَالَ: مَا أَظن ذَلِك، وَلَكِن لَا أجد لَك سواهُ. فَقَامَ أَبُو سُفْيَان فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي قد أجرت على النَّاس. ثمَّ ركب وَانْطَلق رَاجعا إِلَى مَكَّة. فَلَمَّا قدمهَا أخبر قُريْشًا بِمَا لَقِي وَبِمَا فعل، فَقَالُوا لَهُ: مَا جِئْت بِشَيْء، وَمَا زَاد عَليّ بْن أبي طَالب على أَن لعب بك. ثمَّ أعلن رَسُول اللَّه ﷺ الْمسير إِلَى مَكَّة، وَأمر النَّاس بالجهاز لذَلِك، ودعا اللَّه تَعَالَى فِي أَن يَأْخُذ عَن قُرَيْش الْأَخْبَار٢ وَيسْتر عَنْهُم خُرُوجه، فَكتب حَاطِب بْن أبي بلتعة إِلَى قُرَيْش كتابا يُخْبِرهُمْ بِقصد رَسُول اللَّه ﷺ إِلَيْهِم. فَنزل جِبْرِيل من عِنْد اللَّه تَعَالَى على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمَا صنع حَاطِب بْن أبي بلتعة. فَدَعَا رَسُول اللَّه ﷺ على بْن أبي طَالب وَالزُّبَيْر بْن الْعَوام والمقداد بْن عَمْرو، فَقَالَ لَهُم: $"انْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخ، فَإِن بهَا ظَعِينَة٣ مَعهَا كتاب إِلَى قُرَيْش". فَانْطَلقُوا فَلَمَّا أَتَوا رَوْضَة خَاخ وجدوا الْمَرْأَة، فأناخوا بهَا وفتشوا رَحلهَا كُله، فَلم يَجدوا شَيْئا، فَقَالُوا: وَالله مَا كذب رَسُول اللَّه ﷺ ، فَقَالَ لَهَا عَليّ: وَالله لَتُخْرِجِنَّ الْكتاب أَو لنلقين٤ الثِّيَاب،

стр. 208

فَحلت قُرُون رَأسهَا، فأخرجت الْكتاب مِنْهَا. فَأتوا بِهِ النَّبِي ﷺ ، فَإِذا هُوَ كتاب من حَاطِب بْن أبي بلتعة إِلَى أهل مَكَّة. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا هَذَا يَا حَاطِب؟ " فَقَالَ حَاطِب: وَالله يَا رَسُول اللَّه مَا شَككت فِي الْإِسْلَام وَلَا رجعت عَن ديني، وَلَكِنِّي كنت مُلْصقًا فِي قُرَيْش فَأَرَدْت أَن أَتَّخِذ عِنْدهم بذلك يدا يحفظونني بهَا فِي شأفتي١ بِمَكَّة لِأَن أَهلِي وَوَلَدي بهَا. فَقَالَ عمر بْن الْخطاب: يَا رَسُول اللَّه دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "وَمَا يدْريك يَا عمر لَعَلَّ اللَّه قد اطلع على أهل بدر، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم" ٢. وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ فِي عشرَة آلَاف واستخلف على الْمَدِينَة أَبَا رهم كُلْثُوم٣ بْن حُصَيْن الْغِفَارِيّ، وَكَانَ خُرُوجه لعشر خلت من رَمَضَان، فصَام ﵇ حَتَّى بلغ الكديد٤ بَين عسفان وأمج، ثمَّ أفطر ﷺ بعد صَلَاة الْعَصْر، وَشرب على رَاحِلَته عَلَانيَة ليراه النَّاس، وَقَالَ: "تَقَوَّوْا لعدوكم" وَأمر النَّاس بِالْفطرِ، فَأفْطر بَعضهم وَصَامَ بَعضهم، فَلم يعب على الصَّائِم٥ وَلَا على الْمُفطر. فَلَمَّا نزل رَسُول اللَّهِ ﷺ مر٦ الظهْرَان وَمَعَهُ من بني سليم ألف رجل وَمن بني مزينة ألف رجل وَثَلَاثَة رجال، وَقيل من بني سليم سَبْعمِائة، وَمن بني غفار أَرْبَعمِائَة، وَمن أسلم أَرْبَعمِائَة، وَطَوَائِف من قيس وَأسد وَتَمِيم وَغَيرهم من سَائِر الْعَرَب، وَقد أخْفى اللَّه خَبره عَن قُرَيْش إِلَّا أَنهم عَلَى وَجَلٍ وارتقاب. خرج٧ أَبُو سُفْيَان وَبُدَيْل بن

стр. 209

وَرْقَاء وَحَكِيم بْن حزَام يتجسسون الْأَخْبَار. وَقد كَانَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب هَاجر مُسلما [فِي] تِلْكَ الْأَيَّام، فلقي رسولَ اللَّه ﷺ بِذِي الحليفة١، فَبعث ثقله٢ إِلَى الْمَدِينَة، وَانْصَرف مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ غازيا، فالعباس من الْمُهَاجِرين قبل الْفَتْح وَقيل: بل لقِيه بِالْجُحْفَةِ٣ مُهَاجرا. وَذكر أَيْضا أَن أَبَا سُفْيَان بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمطلب وَعبد الله بن أبي أُميَّة بني الْمُغيرَة أَخا أم سَلمَة خرجا أَيْضا مُهَاجِرين، ولقيا رَسُول اللَّه ﷺ فِي بعض الطَّرِيق قرب مَكَّة، فَأَعْرض عَنْهُمَا. فَلَمَّا نزل استأذنا عَلَيْهِ، فَلم يَأْذَن لَهما، فكلمته أم سَلمَة فيهمَا وَقَالَت: لَا يكون ابْن عمك وَأخي٤ أَشْقَى النَّاس بك، فقد جَاءَا مُسلمين، فَأذن لَهما رَسُول اللَّه ﷺ وأسلما وَحسن إسلامهما. فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالجيوش مر الظهْرَان رَقَتْ نفس الْعَبَّاس لقريش وَأَسِفَ على ذهابها٥ وَخَافَ أَن تغشاهم الجيوش قبل أَن يستأمنوا. فَركب بغلة النَّبِي ﷺ ونهض، فَلَمَّا أَتَى الْأَرَاك٦ وَهُوَ يطْمع أَن يلقى حطابا أَو صَاحب [لبن] ٧ يَأْتِي مَكَّة فينذرهم. فَبَيْنَمَا هُوَ يمشي إِذْ سمع صَوت أبي سُفْيَان صَخْر بْن حَرْب وَبُدَيْل بْن وَرْقَاء وهما يتساءلان وَقد رَأيا نيران عَسْكَر النَّبِي ﵇. وَبُدَيْل يُرِيد أَن يستر ذَلِك فَيَقُول: إِنَّمَا هِيَ نيران خُزَاعَة، وَيَقُول لَهُ أَبُو سُفْيَان: خُزَاعَة أقل وأذل [من] ٨ أَن تكون لَهَا هَذِه النيرَان. فَلَمَّا سمع الْعَبَّاس كَلَامه ناداه٩: يَا [أَبَا] ١٠ حَنْظَلَة فميز أَبَا سُفْيَان كَلَامه١١، فناداه: يَا أَبَا الْفضل، فَقَالَ: نعم، فَقَالَ لَهُ: فدَاك أبي وَأمي، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس:

стр. 210

وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاس، وأصباح قُرَيْش، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: فَمَا الْحِيلَة؟ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: هَذَا وَالله لَئِن ظفر بك ليقتلنك، فَارْتَدِفْ خَلْفي وانهض معي إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فأردفه الْعَبَّاس وَلَقي بِهِ الْعَسْكَر، فَلَمَّا رأى النَّاس [الْعَبَّاس] ١ على بغلة رَسُول اللَّه ﷺ أَمْسكُوا. وَمر على نَار عمر [وَنظر٢ عمر إِلَى أبي سُفْيَان] فميزه، فَقَالَ: أَبُو سُفْيَان عَدو اللَّه، الْحَمد لله الَّذِي أمكن مِنْك بِغَيْر عقد وَلَا عهد. ثمَّ خرج يشْتَد٣ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ ، وسابقه [الْعَبَّاس] ٤ فسبقه الْعَبَّاس على البغلة وَكَانَ عمر بطيئا فِي الجري. فَدخل الْعَبَّاس وَدخل عمر على أَثَره. فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه هَذَا عَدو اللَّه أَبُو سُفْيَان قد أمكن اللَّه مِنْهُ بِلَا عقد وَلَا عهد، فَأذن لي أضْرب عُنُقه. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: مهلا يَا عمر، فوَاللَّه لَو كَانَ من بني عدي٥ بْن كَعْب مَا قلت هَذَا وَلكنه من بني عَبْد منَاف. فَقَالَ عمر: مهلا، فوَاللَّه لإسلامك يَوْم أسلمت كَانَ أحب إِلَيّ من إِسْلَام الْخطاب لَو أسلم، وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قد عرفت أَن إسلامك كَانَ أحب إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ [من٦ إِسْلَام الْخطاب لَو أسلم] . فَأمر [رَسُول اللَّه ﷺ ] الْعَبَّاس أَن يحملهُ إِلَى رَحْله ويأتيه بِهِ صباحا. فَفعل الْعَبَّاس ذَلِك، فَلَمَّا أصبح أَتَى بِهِ النَّبِي ﵇، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "ألم يَأن ٧ لَك بِأَن تعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّه؟ " فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وَمَا أكرمك وأوصلك، وَالله لقد ظَنَنْت أَنه لَو كَانَ مَعَ اللَّه إِلَه غَيره لقد أغناني٨، قَالَ: "وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم أَنِّي رَسُول اللَّه؟ " قَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هَذِه فَإِن فِي النَّفس مِنْهَا شَيْئا٩ حَتَّى الْآن. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: أسلم قبل أَن تضرب عُنُقك، فَأسلم، فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول اللَّه إِن أَبَا سُفْيَان يحب الْفَخر، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا، فَقَالَ رَسُول الله

стр. 211

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ: "من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن [وَمن ١ أغلق بَابه فَهُوَ آمن، وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن". فَكَانَ هَذَا مِنْهُ أَمَانًا لكل من لم يُقَاتل من أهل مَكَّة، وَلِهَذَا قَالَ جمَاعَة من أهل الْعلم مِنْهُم الشَّافِعِي ﵀ إِن مَكَّة مُؤَمَّنَةٌ وَلَيْسَت عنْوَة٢، والأمان كالصلح، وروى أَن أَهلهَا مالكون رباعهم، وَلذَلِك كَانَ يُجِيز كراها لأربابها وَبَيْعهَا وشراءها لِأَن من أَمن فقد حرم مَاله وَدَمه وَذريته وَعِيَاله. فمكة مُؤمنَة عِنْد من قَالَ بِهَذَا القَوْل إِلَّا الَّذين استثناهم رَسُول اللَّه ﷺ وَأمر بِقَتْلِهِم وَإِن وجدوا مُتَعَلقين بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة. وَأكْثر أهل الْعلم يرَوْنَ فتح مَكَّة عنْوَة لِأَنَّهَا أخذت غَلَبَة بِالْخَيْلِ والركاب إِلَّا أَنَّهَا مَخْصُوصَة بِأَن لم يجر فِيهَا قسم غنيمَة وَلَا سُبِيَ من أَهلهَا أحد. وخصت بذلك لما عظم اللَّه من حرمتهَا، أَلا ترى إِلَى قَوْله ﷺ : "مَكَّة حرَام مُحرمَة لم تحل لأحد قبلي وَلَا تحل لأحد بعدِي، وَإِنَّمَا أحلّت لي سَاعَة من نَهَار، ثمَّ هِيَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة". وَالأَصَح وَالله أعلم أَنَّهَا بَلْدَة مُؤمنَة، أَمن أَهلهَا على أنفسهم وَأمنت٣ أَمْوَالهم تبعا لَهُم. وَلَا خلاف [فِي] أَنه لم يكن فِيهَا غنيمَة. ثمَّ أَمر رَسُول اللَّه ﷺ الْعَبَّاس أَن يُوقف أَبَا سُفْيَان بخطم٤ الْوَادي ليرى جيوش اللَّه تَعَالَى، فَفعل ذَلِك الْعَبَّاس، وَعرض عَلَيْهِ قَبيلَة قَبيلَة، يَقُول: هَؤُلَاءِ سليم، هَؤُلَاءِ غفار، هَؤُلَاءِ تَمِيم، هَؤُلَاءِ مزينة، إِلَى أَن جَاءَ موكب النَّبِي ﷺ فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار خَاصَّة، كلهم فِي الدروع وَالْبيض، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: من هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: وَالله مَا لأحد بهؤلاء قبل، وَالله يَا أَبَا الْفضل لقد أصبح ملك ابْن أَخِيك عَظِيما، فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا أَبَا سُفْيَان إِنَّهَا النُّبُوَّة، قَالَ: فَنعم إِذن. ثمَّ قَالَ لَهُ الْعَبَّاس: يَا أَبَا سُفْيَان النَّجَاء٥ إِلَى قَوْمك. فأسرع أَبُو سُفْيَان، فَلَمَّا أَتَى مَكَّة عرفهم بِمَا أحَاط بهم، وَأخْبرهمْ بتأمين رَسُول اللَّه ﷺ كل من دخل دَاره أَو الْمَسْجِد أَو دَار أبي سُفْيَان.

стр. 212

وَتَأَبَّشَ١ قوم لِيُقَاتِلُوا، فَبلغ ذَلِك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فرتب الجيوش، وَجعل الرَّايَة بيد سعد بْن عبَادَة، وَكَانَ من قَول سعد بْن عبَادَة: الْيَوْم يَوْم الملحمة٢، الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة. فَقَالَ الْعَبَّاس٣: يَا رَسُول اللَّه هَلَكت قُرَيْش، لَا قُرَيْش بعد الْيَوْم، إِن سعد بْن عبَادَة قَالَ كَذَا وَكَذَا وَإنَّهُ حنق على قُرَيْش، وَلَا بُد أَن يَسْتَأْصِلهُمْ. فَأمر رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ تنْزع الرَّايَة من سعد بْن عبَادَة وتدفع إِلَى عَليّ، وَقيل: بل إِلَى الزبير، وَقيل: بل دفها إِلَى ابْنه قيس بْن سعد لِئَلَّا يجد سعد فِي نَفسه شَيْئا. وَكَانَ الزبير على الميمنة وخَالِد بْن الْوَلِيد على الميسرة، وَقد قيل إِن الزبير كَانَ على الميسرة وخَالِد بْن الْوَلِيد على الميمنة وفيهَا أَسْلَمُ وغفار وَمُزَيْنَة وجهينة. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح على مُقَدّمَة٤ موكب النَّبِي ﷺ . وسرب٥ رَسُول اللَّه ﷺ الجيوش من ذِي طوى٦، وَأمر الزبير بِالدُّخُولِ من كداء٧ فِي أَعلَى مَكَّة، وَأمر خَالِد بْن الْوَلِيد ليدْخل من الليط أَسْفَل مَكَّة. وَأمرهمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقِتَال من قَاتلهم. وَلِهَذَا كُله يَقُول أَكثر الْعلمَاء: إِنَّهَا افتتحت عنْوَة وَإِنَّهَا مَخْصُوصَة دون سَائِر الْبلدَانِ لما خصت بِهِ دون٨ غَيرهَا. وَكَانَ عِكْرِمَة بن أبي جهل بْن أُميَّة وَسُهيْل بْن عمر قد جمعا جمعا بالخندمة٩ لِيُقَاتِلُوا، فناوشهم أَصْحَاب خَالِد الْقِتَال، فأصيب من الْمُسلمين رجلَانِ وهما: كرز بْن جَابر من بني محَارب بْن فهر بْن مَالك، وخنيس١٠ بْن خَالِد بْن ربيعَة بْن أَصْرَم الْخُزَاعِيّ حَلِيف بني منقذ خرجا عَن جَيش خَالِد فقتلا، رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمَا، وَقتل

стр. 213

أَيْضا من الْمُسلمين سَلمَة بْن الميلاء الْجُهَنِيّ. وَقتل من الْمُشْركين ثَلَاثَة عشر رجلا، ثمَّ انْهَزمُوا. وَهَذِه سَبِيل العنوة فِي غير مَكَّة. وَكَانَ شعار الْمُهَاجِرين يَوْم الْفَتْح وحنين والطائف: يَا بني عَبْد الرَّحْمَن، وشعار الْخَزْرَج: يَا بني عَبْد اللَّهِ، وشعار الْأَوْس يَا بني عبيد اللَّه. وَكَانَ الَّذين استثناهم رَسُول اللَّه ﷺ حِين أَمن النَّاس عبد الْعُزَّى بْن خطل وَهُوَ من بني الأدرم بْن غَالب، وَعبد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح، وَعِكْرِمَة بْن أبي جهل، وَالْحُوَيْرِث بْن نقيذ بْن وهب بْن عَبْد بْن قصي، وَمقيس بْن صبَابَة، وَقَيْنَتَيِ بن خطل: فرتنى وصاحبتها١ كَانَتَا تُغنيَانِ ابْن خطل بهجو رَسُول اللَّه ﷺ ، وَسَارة مولاة لبَعض بني عَبْد الْمطلب. أما ابْن خطل فَإِنَّهُ كَانَ أسلم وَبَعثه النَّبِي ﷺ مُصدقا٢، وَبعث مَعَه رجلا من الْمُسلمين فَعدا عَلَيْهِ، فَقتله وارتد وَلحق بالمشركين بِمَكَّة، فَوجدَ يَوْم الْفَتْح مُتَعَلقا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة، فَقتله سعيد ين حُرَيْث المَخْزُومِي وَأَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ. وَأما عَبْد اللَّهِ بْن سعد بْن أبي سرح فَكَانَ يكْتب لرَسُول اللَّه ﷺ ، ثمَّ لحق بِمَكَّة مُرْتَدا، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح اختفى. ثمَّ أَتَى بِهِ عُثْمَان بْن عَفَّان النبيَّ ﷺ وَكَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة، فاستأمن لَهُ رسولَ اللَّه ﷺ . فَسكت عَنهُ ﷺ [سَاعَة] ٣ ثمَّ أَمنه وَبَايَعَهُ. فَلَمَّا خرج قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابه: "هلا قَامَ بَعْضكُم فَضرب عُنُقه؟ " فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار: هلا أَوْمَأْتَ إِلَيَّ؟ فَقَالَ ﵇: "مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين". ثمَّ عَاشَ عَبْد اللَّهِ بْن سعد حَتَّى اسْتَعْملهُ عمر، ثمَّ ولاه عُثْمَان مصر. وَهُوَ الَّذِي غزا إفريقية وافتتحها أول مرّة. وَحسن إِسْلَامه، وَلم يظْهر مِنْهُ بعد فِي دينه شَيْء يكره. وَأما عِكْرِمَة بْن أبي جهل ففر إِلَى الْيمن، فاتبعته امْرَأَته أم حَكِيم بنت الْحَارِث بْن هِشَام فَردته٤، فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة

стр. 214

وَأما الْحُوَيْرِث بْن نقيذ فَكَانَ يُؤْذِي رَسُول اللَّه ﷺ بِمَكَّة، فَقتله عَليّ بْن أبي طَالب يَوْم الْفَتْح. وَأما قيس بْن صبَابَة فَكَانَ قد أَتَى النَّبِي ﵇ قبل ذَلِك مُسلما ثمَّ عدا على رجل من الْأَنْصَار فَقتله بعد أَن أَخذ الدِّيَة مِنْهُ فِي قَتِيل لَهُ، ثمَّ لحق بِمَكَّة مُرْتَدا١. فَقتله يَوْم الْفَتْح نميلَة بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ وَهُوَ ابْن عَمه. وَفِي سنَنه ﷺ أَنه قَالَ: "لَا أعفى أحدا قَتَلَ بعد أَخذ الدِّيَة". هَذَا من الْمُسلمين، وَأما مقيس بْن صبَابَة فَارْتَد وَقتل بعد أَخذ الدِّيَة. وَأما قَيْنَتَا ابْن خطل فقتلت إِحْدَاهمَا وَاسْتُؤْمِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأُخْرَى، فَأَمَّنَهَا، فَعَاشَتْ مُدَّة ثمَّ مَاتَت فِي حَيَاة النَّبِي ﵇. وَأما سارة فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا أَيْضا، وأمنها ﵇، وَعَاشَتْ إِلَى أَن أَوْطَأَهَا رَجُلٌ فَرَسًا بِالْأَبْطح فِي زمَان عمر فَمَاتَتْ. واستتر رجلَانِ من بني مَخْزُوم عِنْد أم هَانِيء بنت طَالب فأجارتهما وأمنتهما، فَأمْضى رَسُول اللَّهِ ﷺ أمانها، وَقَالَ: "قد أجرنا من أجرت يَا أم هَانِيء وَأمنا من أمنت" وَكَانَ عَليّ أَرَادَ قَتلهمَا، قيل: إنَّهُمَا الْحَارِث بْن هِشَام وَزُهَيْر بْن أبي أُميَّة أَخُو أم سَلمَة، وأسلما وَكَانَا من خِيَار الْمُسلمين، وَقيل: إِن أَحدهمَا جعدة٢ بْن هُبَيْرَة، وَالْأول أصح. وَطَاف رَسُول اللَّه ﷺ بِالْكَعْبَةِ، ودعا عُثْمَان بْن طَلْحَة فَأخذ مِنْهُ مِفْتَاح الْكَعْبَة بعد أَن مانعته أمه ذَلِك ثمَّ أسلمته. فَدخل النَّبِي الْكَعْبَة وَمَعَهُ أُسَامَة بْن زيد، وبلال بْن رَبَاح، وَعُثْمَان بْن طَلْحَة، وَلَا أحد مَعَه غَيرهم. فأغلق الْبَاب عَلَيْهِ. وَصلى داخلها رَكْعَتَيْنِ. ثمَّ خرج وَخَرجُوا، ورد الْمِفْتَاح إِلَى عُثْمَان بْن طَلْحَة، وَأبقى لَهُ حجابة٣ الْبَيْت وَقَالَ: $"خذوها خالدة تالدة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" فَهِيَ إِلَى الْآن فِي ولد شيبَة بْن عُثْمَان بن طَلْحَة.

стр. 215

وَأمر ﵇ بِكَسْر الصُّور الَّتِي دَاخل الْكَعْبَة وحولها وَكسر الْأَصْنَام الَّتِي حول الْكَعْبَة وبمكة كلهَا، وَكَانَت الْأَصْنَام الَّتِي فِي الْكَعْبَة مشدودة بالرصاص وَكَانَ يُشِير إِلَيْهَا بقضيب فِي يَده، فَكلما أَشَارَ إِلَى وَاحِد مِنْهَا خر لوجهه، وَكَانَ يَقُول: "جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا". وَأذن لَهُ بِلَال على ظهر الْكَعْبَة. وخطب رَسُول اللَّه ﷺ ثَانِي يَوْم الْفَتْح خطْبَة مَشْهُورَة عِنْد أهل الْأَثر وَالْعلم بالْخبر، فَوضع مآثر الْجَاهِلِيَّة حاشا سدانة الْبَيْت وسقاية٢ الْحَاج، وَأخْبر ﷺ أَن مَكَّة لم يحل فِيهَا الْقِتَال لأحد قبله، وَلَا يحل لأحد بعده، وَإِنَّمَا حل لَهُ الْقِتَال فِي سَاعَة من نَهَار، ثمَّ عَادَتْ كحرمتها بالْأَمْس، لَا يسفك فِيهَا دم. وَمِنْ أحسن مَا رُوِيَ من خطبَته مُخْتَصرا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ وَغَيْرُه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ: أَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَوَقَفَ تَحْتَ صَدْرِ رَاحِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ رَجُلا صَيِّتًا٣، فَقَالَ: "يَا رَبِيعَةُ قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يَقُولُ لَكُمْ: أَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ وَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ وَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " فَنَادَى بِذَلِكَ، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ هَذَا الْبَلَدُ الْحَرَامُ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا وَكَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا" ثمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا النَّسِيءُ ٤ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله، أَلا وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: الثَّلَاثَة مُتَوَالِيَة، وَرَجَبٌ مُفْرَدٌ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " فَيَقُولُ النَّاسُ: نَعَمْ. قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ".
следующие страницы →