← Сира

Сира · id 10695

الدرر في اختصار المغازي والسير

ابن عبد البر

Полный текст (343 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ: "من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن [وَمن ١ أغلق بَابه فَهُوَ آمن، وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن". فَكَانَ هَذَا مِنْهُ أَمَانًا لكل من لم يُقَاتل من أهل مَكَّة، وَلِهَذَا قَالَ جمَاعَة من أهل الْعلم مِنْهُم الشَّافِعِي ﵀ إِن مَكَّة مُؤَمَّنَةٌ وَلَيْسَت عنْوَة٢، والأمان كالصلح، وروى أَن أَهلهَا مالكون رباعهم، وَلذَلِك كَانَ يُجِيز كراها لأربابها وَبَيْعهَا وشراءها لِأَن من أَمن فقد حرم مَاله وَدَمه وَذريته وَعِيَاله. فمكة مُؤمنَة عِنْد من قَالَ بِهَذَا القَوْل إِلَّا الَّذين استثناهم رَسُول اللَّه ﷺ وَأمر بِقَتْلِهِم وَإِن وجدوا مُتَعَلقين بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة. وَأكْثر أهل الْعلم يرَوْنَ فتح مَكَّة عنْوَة لِأَنَّهَا أخذت غَلَبَة بِالْخَيْلِ والركاب إِلَّا أَنَّهَا مَخْصُوصَة بِأَن لم يجر فِيهَا قسم غنيمَة وَلَا سُبِيَ من أَهلهَا أحد. وخصت بذلك لما عظم اللَّه من حرمتهَا، أَلا ترى إِلَى قَوْله ﷺ : "مَكَّة حرَام مُحرمَة لم تحل لأحد قبلي وَلَا تحل لأحد بعدِي، وَإِنَّمَا أحلّت لي سَاعَة من نَهَار، ثمَّ هِيَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة". وَالأَصَح وَالله أعلم أَنَّهَا بَلْدَة مُؤمنَة، أَمن أَهلهَا على أنفسهم وَأمنت٣ أَمْوَالهم تبعا لَهُم. وَلَا خلاف [فِي] أَنه لم يكن فِيهَا غنيمَة. ثمَّ أَمر رَسُول اللَّه ﷺ الْعَبَّاس أَن يُوقف أَبَا سُفْيَان بخطم٤ الْوَادي ليرى جيوش اللَّه تَعَالَى، فَفعل ذَلِك الْعَبَّاس، وَعرض عَلَيْهِ قَبيلَة قَبيلَة، يَقُول: هَؤُلَاءِ سليم، هَؤُلَاءِ غفار، هَؤُلَاءِ تَمِيم، هَؤُلَاءِ مزينة، إِلَى أَن جَاءَ موكب النَّبِي ﷺ فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار خَاصَّة، كلهم فِي الدروع وَالْبيض، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: من هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: وَالله مَا لأحد بهؤلاء قبل، وَالله يَا أَبَا الْفضل لقد أصبح ملك ابْن أَخِيك عَظِيما، فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا أَبَا سُفْيَان إِنَّهَا النُّبُوَّة، قَالَ: فَنعم إِذن. ثمَّ قَالَ لَهُ الْعَبَّاس: يَا أَبَا سُفْيَان النَّجَاء٥ إِلَى قَوْمك. فأسرع أَبُو سُفْيَان، فَلَمَّا أَتَى مَكَّة عرفهم بِمَا أحَاط بهم، وَأخْبرهمْ بتأمين رَسُول اللَّه ﷺ كل من دخل دَاره أَو الْمَسْجِد أَو دَار أبي سُفْيَان.

стр. 212

وَتَأَبَّشَ١ قوم لِيُقَاتِلُوا، فَبلغ ذَلِك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فرتب الجيوش، وَجعل الرَّايَة بيد سعد بْن عبَادَة، وَكَانَ من قَول سعد بْن عبَادَة: الْيَوْم يَوْم الملحمة٢، الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة. فَقَالَ الْعَبَّاس٣: يَا رَسُول اللَّه هَلَكت قُرَيْش، لَا قُرَيْش بعد الْيَوْم، إِن سعد بْن عبَادَة قَالَ كَذَا وَكَذَا وَإنَّهُ حنق على قُرَيْش، وَلَا بُد أَن يَسْتَأْصِلهُمْ. فَأمر رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ تنْزع الرَّايَة من سعد بْن عبَادَة وتدفع إِلَى عَليّ، وَقيل: بل إِلَى الزبير، وَقيل: بل دفها إِلَى ابْنه قيس بْن سعد لِئَلَّا يجد سعد فِي نَفسه شَيْئا. وَكَانَ الزبير على الميمنة وخَالِد بْن الْوَلِيد على الميسرة، وَقد قيل إِن الزبير كَانَ على الميسرة وخَالِد بْن الْوَلِيد على الميمنة وفيهَا أَسْلَمُ وغفار وَمُزَيْنَة وجهينة. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح على مُقَدّمَة٤ موكب النَّبِي ﷺ . وسرب٥ رَسُول اللَّه ﷺ الجيوش من ذِي طوى٦، وَأمر الزبير بِالدُّخُولِ من كداء٧ فِي أَعلَى مَكَّة، وَأمر خَالِد بْن الْوَلِيد ليدْخل من الليط أَسْفَل مَكَّة. وَأمرهمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقِتَال من قَاتلهم. وَلِهَذَا كُله يَقُول أَكثر الْعلمَاء: إِنَّهَا افتتحت عنْوَة وَإِنَّهَا مَخْصُوصَة دون سَائِر الْبلدَانِ لما خصت بِهِ دون٨ غَيرهَا. وَكَانَ عِكْرِمَة بن أبي جهل بْن أُميَّة وَسُهيْل بْن عمر قد جمعا جمعا بالخندمة٩ لِيُقَاتِلُوا، فناوشهم أَصْحَاب خَالِد الْقِتَال، فأصيب من الْمُسلمين رجلَانِ وهما: كرز بْن جَابر من بني محَارب بْن فهر بْن مَالك، وخنيس١٠ بْن خَالِد بْن ربيعَة بْن أَصْرَم الْخُزَاعِيّ حَلِيف بني منقذ خرجا عَن جَيش خَالِد فقتلا، رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمَا، وَقتل

стр. 213

أَيْضا من الْمُسلمين سَلمَة بْن الميلاء الْجُهَنِيّ. وَقتل من الْمُشْركين ثَلَاثَة عشر رجلا، ثمَّ انْهَزمُوا. وَهَذِه سَبِيل العنوة فِي غير مَكَّة. وَكَانَ شعار الْمُهَاجِرين يَوْم الْفَتْح وحنين والطائف: يَا بني عَبْد الرَّحْمَن، وشعار الْخَزْرَج: يَا بني عَبْد اللَّهِ، وشعار الْأَوْس يَا بني عبيد اللَّه. وَكَانَ الَّذين استثناهم رَسُول اللَّه ﷺ حِين أَمن النَّاس عبد الْعُزَّى بْن خطل وَهُوَ من بني الأدرم بْن غَالب، وَعبد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح، وَعِكْرِمَة بْن أبي جهل، وَالْحُوَيْرِث بْن نقيذ بْن وهب بْن عَبْد بْن قصي، وَمقيس بْن صبَابَة، وَقَيْنَتَيِ بن خطل: فرتنى وصاحبتها١ كَانَتَا تُغنيَانِ ابْن خطل بهجو رَسُول اللَّه ﷺ ، وَسَارة مولاة لبَعض بني عَبْد الْمطلب. أما ابْن خطل فَإِنَّهُ كَانَ أسلم وَبَعثه النَّبِي ﷺ مُصدقا٢، وَبعث مَعَه رجلا من الْمُسلمين فَعدا عَلَيْهِ، فَقتله وارتد وَلحق بالمشركين بِمَكَّة، فَوجدَ يَوْم الْفَتْح مُتَعَلقا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة، فَقتله سعيد ين حُرَيْث المَخْزُومِي وَأَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ. وَأما عَبْد اللَّهِ بْن سعد بْن أبي سرح فَكَانَ يكْتب لرَسُول اللَّه ﷺ ، ثمَّ لحق بِمَكَّة مُرْتَدا، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح اختفى. ثمَّ أَتَى بِهِ عُثْمَان بْن عَفَّان النبيَّ ﷺ وَكَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة، فاستأمن لَهُ رسولَ اللَّه ﷺ . فَسكت عَنهُ ﷺ [سَاعَة] ٣ ثمَّ أَمنه وَبَايَعَهُ. فَلَمَّا خرج قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابه: "هلا قَامَ بَعْضكُم فَضرب عُنُقه؟ " فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار: هلا أَوْمَأْتَ إِلَيَّ؟ فَقَالَ ﵇: "مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين". ثمَّ عَاشَ عَبْد اللَّهِ بْن سعد حَتَّى اسْتَعْملهُ عمر، ثمَّ ولاه عُثْمَان مصر. وَهُوَ الَّذِي غزا إفريقية وافتتحها أول مرّة. وَحسن إِسْلَامه، وَلم يظْهر مِنْهُ بعد فِي دينه شَيْء يكره. وَأما عِكْرِمَة بْن أبي جهل ففر إِلَى الْيمن، فاتبعته امْرَأَته أم حَكِيم بنت الْحَارِث بْن هِشَام فَردته٤، فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة

стр. 214

وَأما الْحُوَيْرِث بْن نقيذ فَكَانَ يُؤْذِي رَسُول اللَّه ﷺ بِمَكَّة، فَقتله عَليّ بْن أبي طَالب يَوْم الْفَتْح. وَأما قيس بْن صبَابَة فَكَانَ قد أَتَى النَّبِي ﵇ قبل ذَلِك مُسلما ثمَّ عدا على رجل من الْأَنْصَار فَقتله بعد أَن أَخذ الدِّيَة مِنْهُ فِي قَتِيل لَهُ، ثمَّ لحق بِمَكَّة مُرْتَدا١. فَقتله يَوْم الْفَتْح نميلَة بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ وَهُوَ ابْن عَمه. وَفِي سنَنه ﷺ أَنه قَالَ: "لَا أعفى أحدا قَتَلَ بعد أَخذ الدِّيَة". هَذَا من الْمُسلمين، وَأما مقيس بْن صبَابَة فَارْتَد وَقتل بعد أَخذ الدِّيَة. وَأما قَيْنَتَا ابْن خطل فقتلت إِحْدَاهمَا وَاسْتُؤْمِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأُخْرَى، فَأَمَّنَهَا، فَعَاشَتْ مُدَّة ثمَّ مَاتَت فِي حَيَاة النَّبِي ﵇. وَأما سارة فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا أَيْضا، وأمنها ﵇، وَعَاشَتْ إِلَى أَن أَوْطَأَهَا رَجُلٌ فَرَسًا بِالْأَبْطح فِي زمَان عمر فَمَاتَتْ. واستتر رجلَانِ من بني مَخْزُوم عِنْد أم هَانِيء بنت طَالب فأجارتهما وأمنتهما، فَأمْضى رَسُول اللَّهِ ﷺ أمانها، وَقَالَ: "قد أجرنا من أجرت يَا أم هَانِيء وَأمنا من أمنت" وَكَانَ عَليّ أَرَادَ قَتلهمَا، قيل: إنَّهُمَا الْحَارِث بْن هِشَام وَزُهَيْر بْن أبي أُميَّة أَخُو أم سَلمَة، وأسلما وَكَانَا من خِيَار الْمُسلمين، وَقيل: إِن أَحدهمَا جعدة٢ بْن هُبَيْرَة، وَالْأول أصح. وَطَاف رَسُول اللَّه ﷺ بِالْكَعْبَةِ، ودعا عُثْمَان بْن طَلْحَة فَأخذ مِنْهُ مِفْتَاح الْكَعْبَة بعد أَن مانعته أمه ذَلِك ثمَّ أسلمته. فَدخل النَّبِي الْكَعْبَة وَمَعَهُ أُسَامَة بْن زيد، وبلال بْن رَبَاح، وَعُثْمَان بْن طَلْحَة، وَلَا أحد مَعَه غَيرهم. فأغلق الْبَاب عَلَيْهِ. وَصلى داخلها رَكْعَتَيْنِ. ثمَّ خرج وَخَرجُوا، ورد الْمِفْتَاح إِلَى عُثْمَان بْن طَلْحَة، وَأبقى لَهُ حجابة٣ الْبَيْت وَقَالَ: $"خذوها خالدة تالدة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" فَهِيَ إِلَى الْآن فِي ولد شيبَة بْن عُثْمَان بن طَلْحَة.

стр. 215

وَأمر ﵇ بِكَسْر الصُّور الَّتِي دَاخل الْكَعْبَة وحولها وَكسر الْأَصْنَام الَّتِي حول الْكَعْبَة وبمكة كلهَا، وَكَانَت الْأَصْنَام الَّتِي فِي الْكَعْبَة مشدودة بالرصاص وَكَانَ يُشِير إِلَيْهَا بقضيب فِي يَده، فَكلما أَشَارَ إِلَى وَاحِد مِنْهَا خر لوجهه، وَكَانَ يَقُول: "جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا". وَأذن لَهُ بِلَال على ظهر الْكَعْبَة. وخطب رَسُول اللَّه ﷺ ثَانِي يَوْم الْفَتْح خطْبَة مَشْهُورَة عِنْد أهل الْأَثر وَالْعلم بالْخبر، فَوضع مآثر الْجَاهِلِيَّة حاشا سدانة الْبَيْت وسقاية٢ الْحَاج، وَأخْبر ﷺ أَن مَكَّة لم يحل فِيهَا الْقِتَال لأحد قبله، وَلَا يحل لأحد بعده، وَإِنَّمَا حل لَهُ الْقِتَال فِي سَاعَة من نَهَار، ثمَّ عَادَتْ كحرمتها بالْأَمْس، لَا يسفك فِيهَا دم. وَمِنْ أحسن مَا رُوِيَ من خطبَته مُخْتَصرا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ وَغَيْرُه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ: أَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَوَقَفَ تَحْتَ صَدْرِ رَاحِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ رَجُلا صَيِّتًا٣، فَقَالَ: "يَا رَبِيعَةُ قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يَقُولُ لَكُمْ: أَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ وَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ وَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " فَنَادَى بِذَلِكَ، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ هَذَا الْبَلَدُ الْحَرَامُ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا وَكَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا" ثمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا النَّسِيءُ ٤ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله، أَلا وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: الثَّلَاثَة مُتَوَالِيَة، وَرَجَبٌ مُفْرَدٌ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " فَيَقُولُ النَّاسُ: نَعَمْ. قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ".

стр. 216

وتوقعت الْأَنْصَار أَن يبْقى النَّبِي ﵇ بِمَكَّة، فَأخْبرهُم أَن الْمحيا محياهم وَأَن الْمَمَات مماتهم. وَمر ﵇ بفضالة بْن عُمَيْر بْن الملوح اللَّيْثِيّ، وَهُوَ عازم على الفتك برَسُول اللَّه ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: "مَا تحدث بِهِ نَفسك؟ " قَالَ: لَا شَيْء كنت أذكر اللَّه ، فَضَحِك النَّبِي ﵇، وَقَالَ: "أسْتَغْفر اللَّه لَك" وَوضع يَده ﵇ على صدر فضَالة، فَكَانَ فضَالة يَقُول: وَالله مَا رفع يَده عَن صَدْرِي حَتَّى مَا أجد على ظهر الأَرْض أحب إِلَيّ مِنْهُ. وهرب صَفْوَان بْن أُميَّة إِلَى الْيمن، فَاتبعهُ عُمَيْر بْن وهب الجُمَحِي بتأمين رَسُول اللَّه ﷺ [إِيَّاه فَرجع] فَأكْرمه رَسُول اللَّه ﷺ ، وَقَالَ لَهُ: "انْزِلْ١ يَا أَبَا وهب" فَقَالَ: إِن هَذَا يُخْبِرنِي عَنْك أَنَّك تمهلني شَهْرَيْن، قَالَ: "بل لَك أَرْبَعَة أشهر". وهرب ابْن الزبعري٢ الشَّاعِر إِلَى نَجْرَان ثمَّ رَجَعَ، فَأسلم. وهرب هُبَيْرَة بْن أبي وهب المَخْزُومِي زوج أم هَانِيء بنت أبي طَالب إِلَى الْيمن٣، فَمَاتَ هُنَاكَ كَافِرًا. ثمَّ بعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّرَايَا حول مَكَّة يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام، وَلم يَأْمُرهُم٤ بِقِتَال. وَكَانَ أحد أُمَرَاء تِلْكَ السَّرَايَا: خَالِد بْن الْوَلِيد خرج إِلَى بني جذيمة بْن عَامر بْن عَبْد مَنَاة بْن كنَانَة، فَقتل مِنْهُم وسبا، وَقد كَانُوا أَسْلمُوا وَلم يقبل خَالِد قَوْلهم وإقرارهم بِالْإِسْلَامِ، فوداهم٥ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَعَثَ عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ بِمَال إِلَيْهِم، فودى لَهُم جَمِيع قتلاهم ورد إِلَيْهِم مَا أَخذ مِنْهُم وَقَالَ لَهُم عَليّ: انْظُرُوا إِن فقدتم عقَالًا٦ لأدينه، فَبِهَذَا أَمرنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَرفع رَسُول اللَّه ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك من صنع خَالِد". ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى الْعُزَّى وَكَانَ بَيْتا٧ بنخلة تعظمه قُرَيْش وكنانة وَجَمِيع مُضر، وَكَانَ سدنته بَنو شَيبَان من بني سليم حلفاء بني هَاشم، فهدمه. وَكَانَ فتح مَكَّة لعشر بَقينَ من رَمَضَان سنة ثَمَان من الْهِجْرَة.

стр. 217

غَزْوَة ١ حنين فَلَمَّا بلغ هوازنَ فَتْحُ مَكَّة جَمَعَهُمْ مَالك بْن عَوْف النصري من بني نصر بْن مُعَاوِيَة، فَاجْتمع إِلَيْهِ قومه: بَنو نصر وَبَنُو جشم وَبَنُو سعد بْن بكر، وَثَقِيف، وَطَائِفَة من بني هِلَال بْن عَامر. وَلم يشهدها من قيس٢ غير هَؤُلَاءِ. وغابث عَن ذَلِك عقيل، وقشير ابْنا كَعْب بْن ربيعَة بْن عَامر. وَبَنُو كلاب بْن ربيعَة بْن عَامر وَسَائِر إِخْوَتهم، فَلم يحضرهم من كَعْب وقشير وكلاب أحد يذكر. وحملت بَنو جشم مَعَ أنفسهم شيخهم وَكَبِيرهمْ: دُرَيْد بْن الصمَّة، وَهُوَ يَوْمئِذٍ شيخ كَبِير لَا ينْتَفع بِهِ فِي غير رَأْيه، حملوه فِي هودج لضعف جِسْمه. وَكَانَ فِي ثَقِيف سيدان [لَهُم٣ فِي الأحلاف] أَحدهمَا قَارب بْن الْأسود بْن مَسْعُود بْن معتب٤، وَالْآخر ذُو الْخمار سبيع بْن الْحَارِث بْن مَالك. وَكَانَت الرياسة فِي جَمِيع الْعَسْكَر إِلَى مَالك بْن عَوْف النصري، فَحَشَدَ مَنْ ذَكَرْنَا، وسَاق مَعَ الْكفَّار أَمْوَالهم، وماشيتهم ونساءهم وَأَوْلَادهمْ، وَزعم أَن ذَلِك لتحمى بِهِ نُفُوسهم وتشتد فِي الْقِتَال عَن ذَلِك شوكتهم. ونزلوا بأوطاس٥، فَقَالَ لَهُم دُرَيْد بن الصمَّة: مَالِي أسمع رُغَاء الْبَعِير ونهاق الْحمير

стр. 218

وبكاء الصَّغِير ويعار١ الشَّاء؟ قَالُوا: سَاق مَالك مَعَ النَّاس أَمْوَالهم وعيالهم [قَالَ٢] : أَيْن مَالك؟ قيل: هَذَا مَالك، فَسَأَلَهُ: لم فعلت ذَلِك؟ فَقَالَ مَالك: لِيُقَاتِلُوا عَن أَهْليهمْ وَأَمْوَالهمْ فَقَالَ دُرَيْد: راعي٣ ضَأْن وَالله، وَهل يرد المنهزم شَيْء؟ إِنَّهَا إِن كَانَت لَك لم ينفعك إِلَّا رجل بسلاحه، وَإِن كَانَت عَلَيْك فضحت فِي أهلك وَمَالك. ثمَّ قَالَ: مَا فعلت كَعْب وكلاب؟ قَالُوا: لم يشهدها مِنْهُم أحد، قَالَ دُرَيْد: غَابَ الْحَد٤ وَالْجد، لَو كَانَ يَوْم عَلَاء ورفعة لم تغب عَنهُ كَعْب وكلاب ولوددت أَنكُمْ فَعلْتُمْ مَا فعلت كلاب وَكَعب، فَمن شَهِدَهَا [من٥ بني عَامر؟] قَالُوا: عَمْرو بْن عَامر، وعَوْف بْن عَامر، قَالَ: ذَانك الجذعان٦ من عَامر لَا ينفعان وَلَا يضران، يَا مَالك إِنَّك لم تصنع بِتَقْدِيم بَيْضَة٧ هوَازن إِلَى نحور الْخَيل شَيْئا، ارفعهم إِلَى مُمْتَنع بِلَادهمْ وعليا قَومهمْ، ثمَّ الْقَ الصُّبَاةَ٨ على متون الْخَيل، فَإِن كَانَت لَك لحق بك من وَرَاءَك، وَإِن كَانَت عَلَيْك كنت قد أحرزت أهلك وَمَالك. فَأبى ذَلِك مَالك وخالفت هوَازن دريدا واتبعوه، فَقَالَ دُرَيْد: هَذَا يَوْم لم أشهده وَلم يغب عني: يَا لَيْتَني فِيهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ٩ وَبعث [إِلَيْهِم] ١٠ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْد اللَّهِ بْن أبي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ عشَاء، فَأتى بعد أَن عرف مذاهبهم، وَأخْبر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَا شَاهده مِنْهُم. فعزم رَسُول اللَّهِ ﷺ على قصدهم، واستعار من صَفْوَان بن أُميَّة بن خلف

стр. 219

الجُمَحِي دروعا، قيل: مائَة درع، وَقيل: أَرْبَعمِائَة. وَخرج النَّبِي ﵇ فِي اثنى عشر ألفا من الْمُسلمين، مِنْهُم عشرَة آلَاف صحبوه من الْمَدِينَة، وَأَلْفَانِ من مسلمة الْفَتْح، إِلَى مَا انضاف إِلَيْهِ من الْأَعْرَاب: من سليم وَبني كلاب وَعَبس وذبيان١ وَاسْتعْمل على مَكَّة٢ عتاب بْن أسيد بْن أبي الْعيص بْن أُميَّة. ونهض ﷺ فِي مقدمته مزينة، وَفِي الميمنة بَنو أَسد، وَفِي الميسرة بَنو سليم وَعَبس وذبيان. وَفِي مخرجه هَذَا رأى جهال الْأَعْرَاب شَجَرَة خضراء، وَكَانَ لَهُم فِي الْجَاهِلِيَّة شَجَرَة مَعْرُوفَة تسمى ذَات٣ أنواط يخرج إِلَيْهَا الْكفَّار يَوْمًا مَعْلُوما فِي السّنة يعظمونها، فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه اجْعَل لنا ذَات أنواط/ كَمَا لَهُم ذَات أنواط، فَقَالَ: ﵇: اللَّه أكبر، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قوم مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة قَالَ إِنَّكُم قوم تجهلون﴾ لتركبن سنَن من [كَانَ] ٤ قبلكُمْ حَذْو القذة٥ بالقذة، حَتَّى إِنَّهُم لَو دخلُوا جُحر ضَب لدخلتموه. ثمَّ نَهَضَ رَسُول اللَّه ﷺ ، حَتَّى أَتَى وَادي٦ حنين وَهُوَ وَاد من أَوديَة تهَامَة، وَكَانَ هوَازن قد كمنت فِي جَنْبي الْوَادي، وَذَلِكَ فِي غبش الصُّبْح، فَحملت على الْمُسلمين حَملَة رجل وَاحِد، فَانْهَزَمَ جُمْهُور الْمُسلمين، وَلم يلو أحد على أحد، وَثَبت مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ أَبُو بكر وَعمر، وَمن أهل بَيته عَليّ وَالْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث ابْن عَبْد الْمطلب، وَابْنه جَعْفَر، وَأُسَامَة بْن زيد، وأيمن بْن عبيد وَهُوَ أَيمن بْن أم أَيمن قتل يَوْمئِذٍ بحنين، وَالْفضل بْن الْعَبَّاس. وَقيل فِي مَوضِع جَعْفَر بن أبي سُفْيَان قثم من الْعَبَّاس. وَلم ينهزم رَسُول اللَّه ﷺ وَلَا أحد من هَؤُلَاءِ. وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ على بغلته الشَّهْبَاء وَاسْمهَا دندل٧ وَالْعَبَّاس آخذ بحكمتها٨، وَرَسُول اللَّه ﷺ

стр. 220

يَقُول: "أَيهَا النَّاس، إِلَى أَيْن أَيهَا النَّاس؟! أَنا رَسُول اللَّه، وَأَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ". وَأمر الْعَبَّاس وَكَانَ جهير الصَّوْت أَن يُنَادي: "يَا معشر الْأَنْصَار، يَا أَصْحَاب الشَّجَرَة"، وَبَعْضهمْ يرويهِ: "يَا أَصْحَاب السَّمُرَةِ". وَقد قيل إِنَّه نَادَى يَوْمئِذٍ: "يَا معشر الْمُهَاجِرين"، كَمَا نَادَى: "يَا معشر الْأَنْصَار". فَلَمَّا سمعُوا الصَّوْت أجابوا: لبيْك، لبيْك. وَكَانَت الدعْوَة أَولا يَا للْأَنْصَار، ثمَّ خصصت بِأَخَرَةٍ١ يَا للخزرج. قَالَ ابْن شهَاب: وَكَانُوا أَصْبِر عِنْد الحروب. فَلَمَّا ذَهَبُوا ليرجعوا كَانَ الرجل مِنْهُم لَا يَسْتَطِيع أَن ينفذ ببعيره لِكَثْرَة الْأَعْرَاب المنهزمين، فَكَانَ يَأْخُذ درعه فيلبسها، وَيَأْخُذ سَيْفه ومجنه، ويقتحم عَن بعيره [ويخلي٢ سَبيله] ويكر رَاجعا إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ ، حَتَّى إِذا اجْتمع حواليه ﷺ مائَة رجل أَو نحوهم استقبلوا هوَازن بِالضَّرْبِ. واشتدت الْحَرْب وَكثر الطعْن والجلاد، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ركائبه، فَنظر إِلَى مجتلد٣ الْقَوْم، فَقَالَ: "الْآن حمي ٤ الْوَطِيس". وَضرب عليُّ بْن أبي طَالب عرقوب جمل صَاحب الرَّايَة أَو فرسه فصرعه، وَلحق بِهِ رجل من الْأَنْصَار، فاشتركا فِي قَتله. وَأخذ عَليّ الرَّايَة، وَقذف اللَّه فِي قُلُوب هوَازن الرعب حِين وصلوا إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ أَن رَسُول اللَّه ﷺ إِذْ واجههم وواجهوه صَاح بهم صَيْحَة وَرمى فِي وُجُوههم بالحصا، فَلم يملكُوا أنفسهم، وَفِي ذَلِك يَقُول اللَّه : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ . [و] ٥ روينَا من وُجُوه عَن بعض من أسلم من الْمُشْركين مِمَّن شهد حنينا قَالَ: وَقد سُئِلَ عَن يَوْم حنين: لَقينَا الْمُسلمين فَمَا لبثنا أَن هزمناهم وأتبعناهم حَتَّى وصلنا إِلَى رجل رَاكب على بغلة بَيْضَاء، فَلَمَّا رآنا زجرنا زَجْرَة وانتهرنا، وَأخذ بكفه حصا أَو تُرَابا، فرمانا بِهِ، وَقَالَ: شَاهَت الْوُجُوه شَاهَت [الْوُجُوه] فَلم تبْق عين إِلَّا دَخلهَا من ذَلِك. فَمَا ملكنا أَنْفُسنَا أَن رَجعْنَا على أعقابنا.

стр. 221

وَمَا استوفى رُجُوع الْمُسلمين إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَأسرى هوَازن بَين يَدَيْهِ، وَثبتت أم١ سليم فِي جملَة من ثَبت أول الْأَمر محتزمة ممسكة بَعِيرًا لأبي طَلْحَة وَفِي يَدهَا خنجر. وانهزمت هوَازن. وَملك الْعِيَال وَالْأَمْوَال. واستحر الْقَتْل فِي بني مَالك من ثَقِيف فَقتل مِنْهُم خَاصَّة يَوْمئِذٍ سَبْعُونَ رجلا مِنْهُم رئيساهم: ذُو الْخمار وَأَخُوهُ٢ عُثْمَان ابْنا عَبْد اللَّهِ بْن ربيعَة، وَلم يقتل من الأحلاف إِلَّا رجلَانِ، لِأَن قَارب بْن الْأسود -وَكَانَ سيدهم يَوْمئِذٍ- فر بهم حِين اشْتَدَّ أول الْقِتَال. واستحر الْقَتْل فِي بني نصر بْن مُعَاوِيَة. وهرب مَالك بْن عَوْف النصري فِي جمَاعَة من قومه، وَدخل الطَّائِف مَعَ ثَقِيف. وانحازت طوائف من هوَازن إِلَى أَوْطَاس. وَأدْركَ ربيعةُ بْنُ رفيع بْن أهبان السّلمِيّ من بني سليم دُرَيْدَ بْن الصمَّة، فَقتله، وَقد قيل إِن قَاتل دُرَيْد هُوَ عَبْد اللَّهِ بْن قنيع بْن أهبان٣ من بني سليم، وَقد قيل إِن دريدا أسر يَوْمئِذٍ وَأمر رَسُول اللَّه ﷺ بقتْله لمشاهدته الْحَرْب وَمَوْضِع رَأْيه فِيهَا. وَلما انْقَضى الصدام نَادَى منادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من قتل قَتِيلا عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه" ٤. وَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبَا عَامر الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبيد وَهُوَ عَم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي طَائِفَة من الْمُسلمين مِنْهُم أَبُو مُوسَى إِلَى من اجْتمع من هوَازن بأوطاس٥. فَشد على أبي عَامر أحد بني دُرَيْد بْن الصمَّة فَقتله، قيل: رَمَاه سَلمَة بْن دُرَيْد بْن الصمَّة بِسَهْم فَقتله. وَأخذ أَبُو مُوسَى الرَّايَة، وَشد على قَاتل عَمه فَقتله. وَقيل: بل رمى أَبَا عَامر رجلَانِ من بني جشم، وهما: الْعَلَاء وأوفى ابْنا الْحَارِث، أصَاب أَحدهمَا قلبه وَالْآخر ركبته، ثمَّ قَتلهمَا أَبُو مُوسَى، وَقيل: بل قتل أَبُو عَامر تِسْعَة إخْوَة من الْمُشْركين مبارزة،

стр. 222

يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى الْإِسْلَام ثمَّ يحمل عَلَيْهِ فيقتله، ثمَّ حمل عَلَيْهِ عاشرهم فَقتله. ثمَّ أسلم ذَلِك الْعَاشِر بعد ذَلِك. تَسْمِيَة من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم حنين وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين يَوْم حنين أَرْبَعَة رجال: أَيمن بْن عبيد، وَهُوَ أَيمن بْن أم أَيمن أَخُو أُسَامَة بْن زيد لأمه. وَيزِيد بْن زَمعَة بْن الْأسود بْن الْمطلب بْن أَسد، جَمَحَ بِهِ فرسه، فَقتل. وسراقة بْن الْحَارِث١ بْن عدي من بني العجلان من الْأَنْصَار. وَأَبُو عَامر الْأَشْعَرِيّ. وَكَانَت وقْعَة هوَازن "وَهِي" يَوْم حنين فِي أول شَوَّال من السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة وَترك رَسُول اللَّهِ ﷺ قسم الْغَنَائِم من الْأَمْوَال وَالنِّسَاء والذراري، فَلم يقسمها حَتَّى أَتَى الطَّائِف. غَزْوَة ٢ الطَّائِف وَكَانَ منصرف رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من حنين إِلَى الطَّائِف. لم يرجع إِلَى مَكَّة وَلَا عَرَّجَ على شَيْء إِلَّا غَزْو الطَّائِف قبل أَن يقسم غَنَائِم حنين وَقبل كل شَيْء. فسلك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على الْجِعِرَّانَة٣ فِي طَرِيقه إِلَى الطَّائِف ثمَّ أَخذ على قرن٤. وابتنى فِي طَرِيقه ذَلِك مَسْجِدا وَصلى فِيهِ، وأقاد فِي ذَلِك الْمَكَان [بِدَم٥ وَهُوَ أول دم أقيد بِهِ فِي الْإِسْلَام] من رجل من بني لَيْث قتل رجلا من هُذَيْل [فَقتله بِهِ] . وَوجد فِي طَرِيقه ذَلِك حصنا لمَالِك بن عَوْف النصري فهدمه، وَوجد هُنَالك أطما قد تَمَنَّعَ فِيهِ رجل من ثَقِيف فِي مَاله، فَأمر بهدمه. وَلم يشْهد غَزْوَة حنين وَلَا الطَّائِف عُرْوَة بْن مَسْعُود وَلَا غيلَان بن سَلمَة

стр. 223

الثقفيان، كَانَا قد خرجا يتعلمان صناعَة المنجنيق والدبابات١. ثمَّ نزل ﵇ بِقرب الطَّائِف بواد يُقَال لَهُ العقيق، فتحصنت ثَقِيف وحاربهم الْمُسلمُونَ. وحصن ثَقِيف لَا حصن مثله فِي حصون الْعَرَب. فأصيب من الْمُسلمين رجال بِالنَّبلِ. فَزَالَ النَّبِي ﵇ من ذَلِك الْمنزل إِلَى مَوضِع الْمَسْجِد الْمَعْرُوف الْيَوْم. فَحَاصَرَهُمْ ﵇ بضعا وَعشْرين لَيْلَة، بل بضع عشرَة لَيْلَة، وَقيل: عشْرين يَوْمًا. وَكَانَ مَعَه ﵇ امْرَأَتَانِ من نِسَائِهِ، أم سَلمَة إِحْدَاهمَا، فموضع الْمَسْجِد الْيَوْم بَين منزلهما يَوْمئِذٍ. وَتَوَلَّى بُنيان ذَلِك الْمَسْجِد عَمْرو بْن أُميَّة بْن وهب بْن معتب الثَّقَفِيّ. وَأمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقطع أعناب الطَّائِف إِلَّا قِطْعَة عِنَب كَانَت للأسود بْن مَسْعُود أَو لِابْنِهِ فِي مَاله، وَكَانَت تبعد عَن الطَّائِف وَسَأَلَهُ الْكَفّ عَنْهَا فَكف عَنْهَا. وَكَانَ يجير بْن زُهَيْر بْن أبي سلمى الْمُزنِيّ الشَّاعِر بن الشَّاعِر شهد حنينا والطائف وَكَانَ حسن الْإِسْلَام. تَسْمِيَة من اسْتشْهد من الْمُسلمين فِي حِصَار الطَّائِف وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين فِي حِصَار الطَّائِف: سعيد بْن سعيد بْن العَاصِي بْن أُميَّة، وَعرْفطَة بْن جناب٢ الْأَزْدِيّ حَلِيف لبني أُميَّة، وَعبد اللَّه بْن أبي بكر الصّديق أَصَابَهُ سهم فاستمر مِنْهُ مَرِيضا حَتَّى مَاتَ مِنْهُ فِي خلَافَة أَبِيه، وَعبد اللَّه [بْن] أبي٣ أُميَّة بني الْمُغيرَة المَخْزُومِي أَخُو أم سَلمَة، وَعبد اللَّه الْأَكْبَر بْن عَامر بْن ربيعَة حَلِيف بني عدي بْن كَعْب، والسائب بْن الْحَارِث بْن قيس السَّهْمِي، وَأَخُوهُ عَبْد اللَّهِ بْن الْحَارِث بْن قيس السَّهْمِي، وجليحة بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ من بني سعد بْن لَيْث، وثابت بْن الْجذع الْأنْصَارِيّ من بني سَلمَة، والْحَارث بْن سهل بْن أبي صعصعة الْأنْصَارِيّ من بني مَازِن بْن النجار، وَالْمُنْذر بْن عَبْد اللَّهِ الْأنْصَارِيّ من بني سَاعِدَة. وَمن الْأَوْس٤ رقيم بْن ثَابت بْن ثَعْلَبَة.

стр. 224

بَاب فِي قسْمَة غَنَائِم ١ حنين وَمَا جرى فِيهَا ثمَّ انْصَرف رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْجِعِرَّانَة: مَوضِع قريب من حنين. وَكَانَ قد اسْتَأْنَى٢ بقسمة الْغَنَائِم رَجَاء أَن يسلمُوا ويرجعوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قسمت الْغَنَائِم هُنَالك أَتَاهُ وَفد هوَازن مُسلمين راغبين فِي الْعَطف عَلَيْهِم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم، فَقَالَ لَهُم: "قد كنت اسْتَأْنَيْت بكم وَقد وَقعت المقاسم، وَعِنْدِي مَا ترَوْنَ ٣ فَاخْتَارُوا: إِمَّا ذَرَارِيكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ وَإِمَّا أَمْوَالكُم" فَاخْتَارُوا الْعِيَال والذرية وَقَالُوا: لَا نعدل بالأنساب شَيْئا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذا صليت الظّهْر فتكلموا واطلبوا حَتَّى أكلم النَّاس فِي أَمركُم". فَلَمَّا صلى الظّهْر تكلمُوا، وَقَالُوا: نستشفع برَسُول اللَّهِ ﷺ على الْمُسلمين. فَقَالَ النَّبِي ﵇: "أما مَا كَانَ لي ولبني عَبْد الْمطلب وَبني هَاشم فَهُوَ لكم" وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار: أما مَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول اللَّه ﵇، وَامْتنع الْأَقْرَع بْن حَابِس وعيينة بْن حصن فِي قومهما٤ أَن يردوا عَلَيْهِمَا شَيْئا مِمَّا وَقع لَهُم فِي سِهَامهمْ. وَامْتنع الْعَبَّاس بْن مرداس السّلمِيّ وطمع أَن يساعده قومه كَمَا ساعد الْأَقْرَع بْن حَابِس وعيينة قومهما فَأَبت بَنو سليم وَقَالُوا: بلَى مَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول اللَّه ﷺ ، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﵇: "من ضن مِنْكُم بِمَا فِي يَدَيْهِ فَإنَّا نعوضه مِنْهُ". فَرد عَلَيْهِم رَسُول اللَّه ﷺ نِسَاءَهُمْ وأبناءهم وَعوض من لم تطب نَفسه بترك نصِيبه أعواضا رَضوا بهَا. وَكَانَ عدد سبي هوَازن سِتَّة آلَاف إِنْسَان فيهم الشيماء أُخْت

стр. 225

النَّبِي ﵇ من الرضَاعَة وَهِي بنت الْحَارِث بْن عبد الْعُزَّى من بني سعد بْن بكر [بْن هوَازن] ١ بنت حليمة السعدية، فأكرمها رَسُول اللَّه ﷺ وَأَعْطَاهَا، وَرجعت إِلَى بلادها مسرورة بدينها وَبِمَا أَفَاء اللَّه عَلَيْهَا. وَقسم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْأَمْوَال٢ بَين الْمُسلمين. وَأعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَغَيرهم من الْخمس أَو من جملَة الْغَنِيمَة على مَذْهَب من رأى أَن ذَلِك إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام، وَأَن لَهُ أَن ينفل٣ فِي البدأة وَالرَّجْعَة [حسب] مَا رَآهُ بِظَاهِر قَول اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ يحكم فِيهَا بِمَا أرَاهُ اللَّه. وَلَيْسَ ذَلِك لغيره ﷺ بِظَاهِر قَوْله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأن لله خمسه﴾ . وللقول فِي تَلْخِيص ذَلِك مواضعُ غير هَذَا. [أُعْطِيَاتُ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم] وَلم يخْتَلف أهل السّير وَغَيرهم أَن رَسُول اللَّه ﷺ أعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من قُرَيْش وَغَيرهم، وَلَا ذِكْرَ للمؤلفة قُلُوبهم فِي غير آيَة٤ قسم الصَّدقَات. قَالُوا: أعْطى قُريْشًا مائَة بعير، وَكَذَلِكَ أعْطى عُيَيْنَة بْن حصن والأقرع بْن حَابِس. قَالَ ابْن إِسْحَاق: أَعْطَاهُم يتألفهم ويتألف بهم قَومهمْ وَكَانُوا أشرافا، فَأعْطى أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب مائَة بعير، وَأعْطى ابْنه مُعَاوِيَة مائَة بعير، وَأعْطى حَكِيم بْن حزَام مائَة بعير، وَأعْطى الْحَارِث بْن هِشَام مائَة بعير، وَأعْطى سُهَيْل بْن عَمْرو مائَة بعير، وَأعْطى حويطب بْن عبد الْعُزَّى مائَة بعير، وَأعْطى صَفْوَان بْن أُميَّة مائَة بعير، وَكَذَلِكَ أعْطى مَالك٥ بْن عَوْف والْعَلَاء بْن جَارِيَة [الثَّقَفِيّ٦ حَلِيف بني زهرَة] . قَالَ: فَهَؤُلَاءِ

стр. 226

أَصْحَاب١ المئين. وَأعْطى رجَالًا من قُرَيْش دون الْمِائَة، مِنْهُم مخرمَة بْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ، وَعُمَيْر بْن وهب الجُمَحِي، وَهِشَام بْن عَمْرو العامري، لَا أعرف مَا أَعْطَاهُم٢. وَأعْطى سعيد بْن يَرْبُوع خمسين بَعِيرًا، وَأعْطى عَبَّاس بْن مرداس السّلمِيّ أباعر قَليلَة، فتسخطها وَقَالَ فِي ذَلِك: وَكَانَت نهابا تلافيتها ... بكرى على الْمهْر فِي الأجرع٣ وإيقاظي الْقَوْم أَن يرقدوا ... إِذا هجع النَّاس لم أهجع فَأصْبح نَهْبي وَنهب العبيـ ... د بَين عُيَيْنَة والأقرع٤ وَقد كنت فِي الْحَرْب ذَا تدرإ ... فَلم أعْط شَيْئا وَلم أمنع٥ إِلَّا أفائل أعطيتهَا ... عديد قَوَائِمهَا الْأَرْبَع٦ وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس ... يَفُوقَانِ شَيْخي فِي الْمجمع٧ وَمَا كنت دون امريء مِنْهُمَا ... وَمن تضع الْيَوْم لَا يرفع فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اذْهَبُوا فَاقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ" فَأَعْطوهُ حَتَّى رَضِي، فَكَانَ ذَلِك قَطْعَ لِسَانه. وَقيل إِن عَبَّاس بْن مرداس أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بعد ذَلِك، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْت الْقَائِل: فَأصْبح نَهْبي وَنهب العبيد بَين الْأَقْرَع وعيينة" فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق: بَين عُيَيْنَة والأقرع. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "هما وَاحِد". وَقَالَ أَبُو بكر: أشهد أَنَّك كَمَا قَالَ اللَّه : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ . قَالَ أَبُو عمر: لَو كَانَ مَا أعْطى رَسُول اللَّه ﷺ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من غَنَائِم حنين من خمس

стр. 227

الْخمس كَمَا زعم من زعم ذَلِك أَو من الْخمس الَّذِي قَالَ فِيهِ ﷺ : "مَالِي من غنائمكم إِلَّا الْخمس، وَالْخمس مَرْدُود عَلَيْكُم". مَا شقّ ذَلِك وَالله أعلم على الْأَنْصَار، حَتَّى قَالُوا مَا هُوَ مَحْفُوظ عَنْهُم. وَقد كتبت ذَلِك فِيمَا بعد. وَلكنه ﷺ علم من إِيمَانهم وكرمهم أَنهم سيرضون بِفِعْلِهِ، لِأَن حرصهم على ظُهُور الدَّين من حرصه، ﵃. تَسْمِيَة ١ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من بني أُميَّة: أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب بْن أُميَّة، وَابْنه مُعَاوِيَة، وطليق بْن سُفْيَان بْن أُميَّة، وخَالِد بْن أسيد بْن [أبي] ٢ الْعيص بْن أُميَّة. وَمن بني عَبْد الدَّار بْن قصي: شيبَة بْن عُثْمَان بْن أبي طَلْحَة، وَأَبُو السنابل بْن بعكك، وَعِكْرِمَة بْن عَامر بْن هَاشم٣. وَمن بني مَخْزُوم: زُهَيْر بْن أبي أُميَّة، والْحَارث بْن هِشَام، وَأَخُوهُ خَالِد بْن هِشَام، وَهِشَام٤ بْن الْوَلِيد بْن الْمُغيرَة، وسُفْيَان بْن عَبْد الْأسد، والسائب بْن أبي السَّائِب. وَمن بني عدي بْن كَعْب: مُطِيع بْن الْأسود، وَأَبُو جهم بْن حُذَيْفَة. وَمن بني جمح: صَفْوَان بْن أُميَّة بْن خلف، وَأَخُوهُ أحيحة بْن أُميَّة، وَعُمَيْر بْن وهب بْن خلف. وَمن بني سهم: [عدي٥ بْن] قيس بْن حذافة. وَمن بني عَامر بْن لؤَي: حويطب بْن عَبْد الْعُزَّى، وَهِشَام بْن عَمْرو بْن ربيعَة. وَمن سَائِر قبائل الْعَرَب: من بني الديل٦ بْن بكر بْن عَبْد مَنَاة: نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة. وَمن بني قيس ثمَّ من بني عَامر بْن صعصعة ثمَّ من بني كلاب بْن ربيعَة بن عَامر:

стр. 228

عَلْقَمَة بْن علاثة بْن عَوْف بْن الْأَحْوَص بْن جَعْفَر بْن كلاب، ولبيد بْن ربيعَة بْن مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلابٍ. وَمن بني عَامر بْن صعصعة: خَالِد بْن هَوْذَة بْن ربيعَة بْن عَمْرو بْن عَامر، وَأَخُوهُ حَرْمَلَة بْن هَوْذَة. وَمن بني نصر بْن مُعَاوِيَة: مَالك بْن عَوْف بْن سعيد بْن يَرْبُوع. وَمن بني سليم بْن مَنْصُور: عَبَّاس بْن مرداس. وَمن غطفان ثمَّ من فَزَارَة: عُيَيْنَة بْن حصن. وَمن بني تَمِيم ثمَّ من بني حَنْظَلَة: الْأَقْرَع بْن حَابِس. وَقد ذكر فِي الْمُؤَلّفَة حَكِيم بْن حزَام وَالنضير١ بْن الْحَارِث بْن عَلْقَمَة بْن كلدة أَخُو النَّضر بْن الْحَارِث الْمَقْتُول ببدر صبرا. وَذكر آخَرُونَ النَّضِير بْن الْحَارِث فِيمَن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَإِن كَانَ مِنْهُم فمحال أَن يكون من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم. وَمن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَهُوَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين مِمَّن رسخ الْإِيمَان فِي قلبه، وَقَاتل دونه، لَيْسَ مِمَّن يؤلف عَلَيْهِ. وَعند إِعْطَاء رَسُول اللَّه ﷺ مَا أعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَلم يُعْط الْأَنْصَار وَلَا الْمُهَاجِرين قَالَ ذُو الْخوَيْصِرَة [التَّمِيمِي] ٢: قد رَأَيْت مَا صنعت فِي هَذَا الْيَوْم يَا مُحَمَّد! فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ : "أجل، فَكيف رَأَيْت؟ " قَالَ: لم أرك عدلت. فَغَضب النَّبِي ﵇، وَقَالَ: "وَيحك إِن لم يكن الْعدْل مني ٣ فَعِنْدَ من يكون؟!! " فَقَالَ عمر ﵁: دَعْنِي أضْرب عُنُقه يَا رَسُول اللَّه، فَقَالَ: "لَا، دَعوه، سَيكون لَهُ شيعَة ٤ يتعمقون فِي الدَّين حَتَّى يخرجُوا مِنْهُ كَمَا يخرج السهْم من الرَّمية".

стр. 229

موقف ١ بعض الْأَنْصَار قَالَ ابْن إِسْحَق: وحَدثني عَاصِم بْن عمر بْن قَتَادَة، قَالَ: لما أعْطى رَسُول اللَّهِ ﷺ تِلْكَ العطايا فِي قُرَيْش وقبائل الْعَرَب. وَلم يكن فِي الْأَنْصَار مِنْهَا شَيْء وجد هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار فِي أنفسهم، حَتَّى كثرت مِنْهُم القالة٢، فَدخل عَلَيْهِ سعد بْن عبَادَة فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِن هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار قد وجدوا عَلَيْك فِي أنفسهم بِمَا صنعت فِي هَذَا الْفَيْء الَّذِي أصبت: قَسَمْتَ فِي قَوْمك وَأعْطيت قوما من الْعَرَب عطايا عظاما، وَلم يكن فِي هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار مِنْهَا شَيْء، قَالَ: "فَأَيْنَ أَنْت من ذَلِك يَا سعد؟ " قَالَ: يَا رَسُول اللَّه مَا أَنا إِلَّا من قومِي، قَالَ: "فاجمع لي قَوْمك فِي هَذِه الحظيرة". قَالَ: فَخرج سعد فَجمع من الْأَنْصَار فِي تِلْكَ الحظيرة، وَجَاء رجال من الْمُهَاجِرين فتركهم فَدَخَلُوا، وَجَاء آخَرُونَ فردهم. فَلَمَّا اجْتَمعُوا أَتَاهُ سعد، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه قد اجْتمع لَك هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار. فَأَتَاهُم رَسُول اللَّه ﷺ فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: "يَا معشر الْأَنْصَار مَا قَالَةٌ بلغتني [عَنْكُم] ٣ ووجدة ٤ وجدتموها فِي أَنفسكُم، ألم آتكم ضلالا فَهدَاكُم اللَّه وَعَالَة ٥ فَأَغْنَاكُمْ اللَّه وأعداء فألف اللَّه بَين قُلُوبكُمْ؟ " قَالُوا: بلَى لله وَرَسُوله الْمَنّ٦ وَالْفضل. ثمَّ قَالَ: "أَلا تجيبونني يَا معشر الْأَنْصَار؟ " قَالُوا: بِمَاذَا نجيبك يَا رَسُول اللَّه؟ لله وَرَسُوله الْمَنّ وَالْفضل. فَقَالَ: "أما وَالله لَو شِئْتُم لقلتم [فَصَدَقْتُمْ] ٧ وَلَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاك، ومخذولا فَنَصَرْنَاك، وطريدا فَآوَيْنَاك، وعائلا فواسينك ٨.

стр. 230

أوجدتم يَا معشر الْأَنْصَار فِي أَنفسكُم فِي لُعَاعَةٍ١ من الدُّنْيَا تألفت بهَا قوما ليسلموا ووكلتكم إِلَى إيمَانكُمْ، أَلا ترْضونَ يَا معشر الْأَنْصَار أَن يذهب النَّاس بِالشَّاة وَالْبَعِير وترجعوا برَسُول اللَّه إِلَى رحالكُمْ؟ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت امْرَءًا من الْأَنْصَار، وَلَو سلك النَّاس شعبًا وسلكت الْأَنْصَار شعبًا٢ لَسَلَكْت شعب الْأَنْصَار. اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَار وَأَبْنَاء الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبنَاء الْأَنْصَار". قَالَ: فَبكى الْقَوْم حَتَّى أخضلوا٣ لحاهم، وَقَالُوا: رَضِينَا برَسُول اللَّه ﷺ قسما وحظا، فَانْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ وَتَفَرَّقُوا. وَرُوِيَ أَن قَائِلا قَالَ لرَسُول اللَّه ﷺ : يَا رَسُول اللَّه أَعْطَيْت عُيَيْنَة بْن حصن والأقرع بْن حَابِس، وَتركت جعيل بْن سراقَة الضمرِي؟ فَقَالَ رَسُول الله: "وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ بْن سراقَة خير من طلاع ٤ الأَرْض مثل الْأَقْرَع وعيينة وَلَكِنِّي تألفتهما ليسلما ووكلت جعيلا إِلَى إِسْلَامه". وَكَانَ هَذَا الْقسم بالجعرانة. وروى أَبُو الزبير وَغَيره عَن جَابر، قَالَ: بصرت عَيْنَايَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بالجعرانة، وَفِي ثوب بِلَال فضَّة، وَرَسُول اللَّه ﷺ يقبض وَيُعْطِي النَّاس.

стр. 231

عمْرَة رَسُول الله من الْجِعِرَّانَة ثمَّ خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرًا من الْجِعِرَّانَة إِلَى مَكَّة٥، وَأمر ببقايا الْفَيْء فَخمس بِنَاحِيَة مر١ الظهْرَان. فَلَمَّا فرغ رَسُول اللَّهِ ﷺ من عمرته انْصَرف إِلَى الْمَدِينَة، واستخلف على مَكَّة عتاب بْن أسيد بْن أبي الْعيص، وَهُوَ ابْن نَيف وَعشْرين سنة. وَدخل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة لست٢ بَقينَ من ذِي الْقعدَة. وَكَانَت وقْعَة الطَّائِف فِي ذِي الْقعدَة المؤرخ من السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة. وَكَانَت غيبَة رَسُول اللَّه ﷺ مُنْذُ خرج من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فافتتحها وأوقع بهوازن وَحَارب الطَّائِف إِلَى أَن رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة شَهْرَيْن وَسِتَّة عشر يَوْمًا. وَاسْتعْمل رَسُول اللَّه ﷺ مَالك بْن عَوْف بْن سعيد بْن يَرْبُوع النصري على من أسلم من قومه من قبائل قيس. وَأمره بمغاورة٣ ثَقِيف، فَفعل، وضيق عَلَيْهِم. وَحسن إِسْلَامه وَإِسْلَام الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم حاشا عُيَيْنَة بْن حصن، فَلم يزل مغموزا عَلَيْهِ. وَسَائِر الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم مِنْهُم الْخَيْر الْفَاضِل الْمجمع على خَيره كالحارث بن هِشَام، وَحَكِيم بْن حزَام، وَعِكْرِمَة بْن أبي جهل، وَسُهيْل بْن عَمْرو، وَمِنْهُم دون هَؤُلَاءِ وَقد فضل اللَّه النَّبِيين وَسَائِر عباده الْمُؤمنِينَ بَعضهم على بعض، وَهُوَ أعلم بهم. ثمَّ انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ وَتَفَرَّقُوا وَأقَام الْحَج للنَّاس عتاب بْن أسيد فِي تِلْكَ السّنة٤، وَهُوَ أول أَمِير أَقَامَ الْحَج فِي الْإِسْلَام. وَحج الْمُشْركُونَ على مشاعرهم. وَكَانَ عتاب بْن أسيد خَيِّرًا فَاضلا ورعا. وَقدم كَعْب بْن زُهَيْر بْن أبي سلمى على رَسُول اللَّهِ ﷺ مُسلما وامتدحه، وَقَامَ على رَأسه بقصيدته الَّتِي أَولهَا: بَانَتْ سعاد فقلبي الْيَوْم متبول٥. وأنشدها إِلَى آخرهَا، وَذكر فِيهَا الْمُهَاجِرين فَأثْنى عَلَيْهِم. وَكَانَ قبل ذَلِك حُفِظَ لَهُ هجاءٌ فِي النَّبِي ﵇، فعاب عَلَيْهِ الْأَنْصَار إِذْ لم يذكرهم، فغدا على النَّبِي ﵇ بقصيدة يمدح فِيهَا الْأَنْصَار٦ وَقبل النَّبِي ﵇ إِسْلَامه وَسمع شعره وأثابه٧.

стр. 232

غَزْوَة ١ تَبُوك ثمَّ أَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد انْصِرَافه من حِصَار الطَّائِف ذَا الْحجَّة وَالْمحرم وصفرا وربيعا الأول وربيعا الآخر وجمادى الأول وجمادي الْآخِرَة. وَخرج فِي رَجَب من سنة تسع بِالْمُسْلِمين إِلَى غَزْوَة الرّوم، وَهِي آخر غزَاة غَزَاهَا ﷺ بِنَفسِهِ. وَكَانَ خُرُوجه إِلَى غزوته تِلْكَ فِي حر شَدِيد [وَحين٢ طَابَ] أول الثَّمر وَفِي عَام جَدب. وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا يكَاد يخرج غازيا إِلَّا وَرَّى٣ بِغَيْرِهِ إِلَّا غَزْوَة تَبُوك ، فَإِنَّهُ بَينهَا للنَّاس لبعد الْمسَافَة وَنَفَقَة المَال والشُّقَّةِ وَقُوَّة الْعَدو الْمَقْصُود إِلَيْهِ. فَتَأَخر الْجد بْن قيس من بني سَلمَة، وَكَانَ مُتَّهمًا بالنفاق فَاسْتَأْذن رسولَ اللَّه ﷺ فِي الْبَقَاء وَهُوَ غَنِي قوي فَأذن لَهُ، وَأعْرض عَنهُ فَنزلت فِيهِ٤: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ . وَكَانَ نفر من الْمُنَافِقين٥ يَجْتَمعُونَ فِي بَيت سويلم الْيَهُودِيّ عِنْد جاسوم٦ يثبطون النَّاس عَن الْغَزْو فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلْحَة بْن عبيد اللَّه فِي نفر، وَأمرهمْ أَن يحرقوا عَلَيْهِم الْبَيْت، فَفعل ذَلِك طَلْحَة، فاقتحم الضَّحَّاك بْن خَليفَة، وَكَانَ مَعَهم فِي الْبَيْت، جِدَار الدَّار، فَوَقع، فَانْكَسَرت رجله. وفر ابْن أُبَيْرِق وَكَانَ مَعَهم. وَأنْفق نَاس من الْمُسلمين واحتسبوا٧، وَأنْفق عُثْمَان ﵁ نَفَقَة عَظِيمَة جهز بهَا جمَاعَة من المعسرين فِي تِلْكَ الْغَزْوَة. وَرُوِيَ أَنه حمل فِي تِلْكَ الْغُزَاة على تِسْعمائَة

стр. 233

بعير وَمِائَة فرس وجهزهم حَتَّى لم يفقدوا عقَالًا وَلَا شكالا١، وَرُوِيَ أَنه أنْفق فِيهَا ألف دِينَار. وَفِي هَذِه الْغَزْوَة أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البكاؤن وهم سَبْعَة: سَالم بْن عُمَيْر [من بني٢ عَمْرو] بْن عَوْف، وعلبة بْن زيد أَخُو بني حَارِثَة، وَأَبُو ليلى عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب من بني مَازِن بْن النجار، وَعَمْرو بْن الْحمام من بني سَلمَة، وَعبد اللَّه بْن الْمُغَفَّل الْمُزنِيّ وَقيل: بل هُوَ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو الْمُزنِيّ، وهرمي بْن عَبْد اللَّهِ أَخُو بني وَاقِف وعرباض بْن سَارِيَة الْفَزارِيّ. فاستحملوا٣ رَسُول اللَّه ﷺ ، فَلَمْ يَجدوا عِنْده مَا يحملهم عَلَيْهِ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَن لَا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ. فسموا البكائين. وَذكروا أَن ابْن يَامِين بْن عُمَيْر٤ النضري حمل أَبَا ليلى وَعبد اللَّه بْن مُغفل على نَاضِح٥ لَهُ يعتقبانه٦، وزودهما تَمرا كثيرا. وَاعْتذر الْمُخَلفُونَ من الْأَعْرَاب، فعذرهم رَسُول اللَّه ﵇. وَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَضرب عسكره على بَاب الْمَدِينَة، وَاسْتعْمل عَلَيْهَا مُحَمَّد بْن مسلمة، وَقيل: بل سِبَاع بْن عرفطة، وَقيل: بل خلف عَلَيْهَا عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ وَهُوَ الأثبت: أَن رَسُول الله خلف عليا فِي غَزْوَة تَبُوك، فَقَالَ المُنَافِقُونَ: استثقله، فَذكر ذَلِك عَليّ رضوَان اللَّه عَلَيْهِ لرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي خبر سعد، فَقَالَ: "كذبُوا، إِنَّمَا خلفتك لما تركت ورائي، فَارْجِع فَاخْلُفْنِي فِي أَهلِي وَأهْلك، فَأَنت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى، إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي". والْآثَار بذلك متواترة صِحَاح قد ذكرت كثيرا مِنْهَا فِي غير هَذَا الْموضع. وَخرج عَبْد الله بن أبي سلول بعسكره، فَضَربهُ على بَاب الْمَدِينَة أَيْضا، فَكَانَ عسكره فِيمَا زَعَمُوا لَيْسَ بِأَقَلّ العسكريين، وَهُوَ يظْهر الْغُزَاة مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ ،

стр. 234

فَلَمَّا نَهَضَ رَسُول اللَّه ﷺ تخلف عَبْد الله بْن سلول فِيمَن تخلف من الْمُنَافِقين وَأهل الريب، وَكَانُوا نيفا وَثَمَانِينَ رجلا، خَلَّفَهُمْ سُوءُ نياتهم ونفاقهم. وتخلف فِي هَذِه الْغُزَاة من صالحي الْمُسلمين ثَلَاثَة١ رجال، وهم: كَعْب بْن مَالك الشَّاعِر من بني سَلمَة، ومرارة بْن ربيعَة وَيُقَال ابْن الرّبيع عَمْرو بْن عَوْف، وهلال بْن أُميَّة الوَاقِفِي. فافتقدهم رَسُول اللَّه ﷺ بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ، فَقيل لَهُ: تخلفوا. فَعجب من ذَلِك، وَعز عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يعرف إِيمَانهم وفضلهم. ونهض ﷺ ، فخطر٢ على حجر ثَمُود٣، فَأمر أَصْحَابه أَن لَا يتوضئوا من بِئْر ثَمُود، وَلَا يعجنوا خبْزًا بِمَائِهَا، وَلَا يستعملوا شَيْئا مِنْهُ، فَقيل لَهُ: بِأَن قوما عجنوا مِنْهُ، فَأمر بالعجين، فَطرح لِلْإِبِلِ علفا. وَأمرهمْ أَن لَا يستعملوا مَاء بِئْر النَّاقة فِي كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَأمر أَصْحَابه ﵇ بِأَن لَا يدخلُوا بيُوت ثَمُود، وَقَالَ: "لَا تدْخلُوا [بيُوت] ٤ هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبين إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ [خشيَة] أَن يُصِيبكُم مثل مَا أَصَابَهُم". ونهاهم أَن يخرج أحدهم مُنْفَردا، فَخرج رجلَانِ من بني سَاعِدَة، كل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَرد عَن صَاحبه، أَحدهمَا يُرِيد الْغَائِط، فَخُنِقَ فَأُخْبِرَ النَّبِي ﵇، فَدَعَا لَهُ، فشفي وَالْآخر خرج فِي طلب بعير لَهُ فَأَخَذته الرّيح ورمته فِي جبل طَيء، فَردته بعد ذَلِك إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ . وعطش النَّاس فِي تِلْكَ الْغُزَاة عطشا شَدِيدا، فَدَعَا رَسُول اللَّه ﷺ ربه فَأرْسل٥ عَلَيْهِم سَحَابَة ارتووا مِنْهَا وَدَوَابُّهُمْ وَإِبِلُهُمْ٦، وَأخذُوا حَاجتهم [من المَاء] . وأضل ﷺ نَاقَته، وَقَالَ من فِي قلبه نفاق: مُحَمَّد يَدعِي أَن٧ خبر السَّمَاء يَأْتِيهِ

стр. 235

[و] لَا يدْرِي أَيْن نَاقَته١ فَنزل الْوَحْي بِمَا قَالَ هَذَا الْقَائِل على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَدَعَا أَصْحَابه، فَأخْبرهُم بقول الْقَائِل، وَأخْبرهمْ أَن اللَّه قد عرفه بِموضع نَاقَته وَأَنَّهَا فِي مَوضِع كَذَا قد تعلق خطامها بشجرة، فابتدروا الْمَكَان الَّذِي وصف ﵇، فوجدوها هُنَالك. وَقيل إِن قَائِل ذَلِك القَوْل زيد بْن اللصيت القينقاعي وَكَانَ منافقا، وَقيل إِنَّه تَابَ بعد ذَلِك، وَقيل لم يتب، وَالله أعلم. وَفِي هَذِه الْغُزَاة ذكرُوا أَن رَسُول اللَّه ﷺ ، رأى أَبَا ذَر يمشي فِي نَاحيَة الْعَسْكَر وَحده، فَقَالَ: "يرحم اللَّه أَبَا ذَر يمشي وَحده، وَيَمُوت وَحده، وَيبْعَث وَحده". فَكَانَ، كَمَا قَالَ ﷺ : مَاتَ بالربذة٢ وَحده، وَأخرج بعد أَن كفن إِلَى الطَّرِيق يلْتَمس من يُصَلِّي عَلَيْهِ، فصادف إقبال ابْن مَسْعُود من الْكُوفَة فصلى عَلَيْهِ، وَكَانَ مِمَّن سمع هَذَا الحَدِيث، فَحدث بِهِ يَوْمئِذٍ أَيْضا. وَنزل الْقُرْآن من سُورَة بَرَاءَة وَسورَة الْأَحْزَاب بفضيحة الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا يخذلون الْمُسلمين، وَتَابَ من أُولَئِكَ مخشن٣ بْن حمير، ودعا اللَّه أَن يكفر عَنهُ بِشَهَادَة يخفي بهَا مَكَانَهُ، فَقتل يَوْم٤ الْيَمَامَة وَلم يُوجد لَهُ أثر. [بعث٥ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى أكيدر دومة٦] وَبعث رَسُول اللَّه ﷺ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى أكيدر بْن عَبْد الْملك صَاحب دومة، وَقَالَ لَهُ: "يَا خَالِد إِنَّك ستجده يصيد الْبَقر". فَأَتَاهُ خَالِد لَيْلًا٧ وَقرب من حصنه وَأرْسل اللَّه تَعَالَى بقر الْوَحْش فَأَتَت تحك حَائِط الْقصر بقرونها، فنشط أكيدر ليصيدها. وَخرج فِي اللَّيْل، فَأَخذه خَالِد، وَبعث بِهِ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ ، فَعَفَا عَنهُ النَّبِي

стр. 236

عَلَيْهِ السَّلَام، ورده إِلَى حصنه بعد أَن صَالحه على الْجِزْيَة. وَصَالح يحنة بْن رؤبة صَاحب أَيْلَة١ على الْجِزْيَة. [العودة من تَبُوك] وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بتبوك بضع عشرَة لَيْلَة، وَلم يتجاوزها٢، ثمَّ انْصَرف وَكَانَ فِي طَرِيقه مَاء قَلِيل، فَنهى أَن يسْبق أحد إِلَى المَاء، فَسبق إِلَيْهِ رجلَانِ، فاستنفدا مَا فِيهِ، فسبهما رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّه أَن يَقُول. ثمَّ وضع يَده فِي المَاء ودعا الله فِيهِ الْبركَة، فَجَاشَتْ الْعين بِمَاء عَظِيم كفى الْجَيْش كُله. وَأخْبر ﵇ أَن ذَلِك الْموضع سَيُمْلأُ جِنَانًا. فَكَانَ كَذَلِك. وَبنى رَسُول اللَّه ﷺ بَين تَبُوك وَالْمَدينَة مَسَاجِد كَثِيرَة نَحْو سِتَّة عشر مَسْجِدا، أَولهَا مَسْجِد بناه بتبوك وَآخِرهَا بِذِي خشب٣. مَسْجِد الضرار وَكَانَ أهل مَسْجِد الضرار قد أَتَوْهُ وَهُوَ متجهز إِلَى تَبُوك، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّه إِنَّا قد بنينَا مَسْجِدا لذِي الْعَيْلَةِ٤ وَالْحَاجة والليلةِ الْمَطِيرَة، وَإِنَّا نحب أَن تَأْتِينَا فَتُصَلِّي فِيهِ، فَقَالَ لَهُم: "أَنا فِي شغل السّفر، وَإِذا انصرفت فسيكون" ٥ فَلَمَّا انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ أَمر فِي مُنْصَرفه بهدم مَسْجِد الضرار: أَمر بذلك مَالك بْن الدخشم ومعن بْن عدي وَعَاصِم بْن عدي أَخَاهُ وَأمر بإحراقه، وَقَالَ لَهُم: "اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله، فَاهْدِمُوهُ وأحرقوه" فَخَرجُوا مُسْرِعين. وَأخرج مَالك بْن الدخشم من منزله شعلة من نَار. ونهضوا فأحرقوا الْمَسْجِد وهدموه وَكَانَ الَّذين بنوه: خذام بْن خَالِد من بني عبيد بْن زيد أحد بني

стр. 237

عَمْرو بْن عَمْرو بْن عَوْف وَمن دَاره أخرج مَسْجِد الضرار، ومعتب بْن قُشَيْر من بني ضبيعة بْن زيد، وَأَبُو حَبِيبَة بْن الأزعر من بني ضبيعة١ بْن زيد، وَعباد بْن حنيف أَخُو سهل بْن حنيف من بني عَمْرو بْن عَوْف، وَجَارِيَة بْن عَامر وابناه: مجمع وَزيد ابْنا جَارِيَة، ونبتل بْن الْحَارِث من بني ضبيعة، وبحزج وَهُوَ من بني ضبيعة، وبجاد بْن عُثْمَان من بني ضبيعة [ووديعة٢ بْن ثَابت] من بني أُميَّة بْن زيد. وثعلبة بْن حَاطِب مَذْكُور فيهم، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ قد شهد بَدْرًا. وَمَات عَبْد الله ذُو البجاد [ين] الْمُزنِيّ فِي غَزْوَة تَبُوك، فَتَوَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر غسله وَدَفنه، وَنزل رَسُول اللَّه ﷺ فِي قَبره، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي رَاض عَنهُ، فارض عَنهُ". [حَدِيث ٣ كَعْب بْن مَالك وَأَصْحَابه المتخلفين] وَأما اخْتِصَار حَدِيث كَعْب بْن مَالك وَأَصْحَابه الَّذين تخلفوا عَن رَسُول اللَّه ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك لغير رِيبَة فِي الدَّين وَلَا تُهْمَة نفاق إِلَّا مَا كَانَ من علم اللَّه فِي إِظْهَار حَالهم وَالزِّيَادَة فِي فَضلهمْ، روينَاهُ من طرق صَحِيحَة لَا أحصيها كَثْرَة عَن ابْن شهَاب، وخرجه المصنفون وَأَصْحَاب المساند. ذكره ابْن شهَاب عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدثهُ، قَالَ: سَمِعت أبي كَعْب بن مَالك، قَالَ، فَذكر الحَدِيث، وَفِيه قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلا مِنْ تَبُوكَ ثَابَ إِلَيَّ لُبِّي وَعَلِمْتُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ مَا لَمْ يُرْضِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي تَخَلُّفِي عَنْهُ. فَقُلْتُ أَكْذِبُهُ، وتذكرت مَا يكون الْكَذِبِ الَّذِي أَخْرُجُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَتَّجِهْ لِي. فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَطَلَّ٤

стр. 238

قَادِمًا زَاحَ١ عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَلِمْتُ أَنِّي لَا أَنْجُو مِنْهُ إِلا بِالصِّدْقِ. فَلَمَّا صَبَّحَ٢ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة نَزَلَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ جَلَسَ فَجَاءَ الْمُتَخَلِّفُونَ، فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ. وَجِئْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَتَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، وَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفَكَ؟ ألم أكن ابتعت ظهر ك؟ " ٣ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِكَ لَرَجَوْتُ أَنْ أُقِيمَ عِنْدَهُ عُذْرِي لأَنِّي أُعْطِيتُ جَدَلا٤ وَلَكِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي إِنْ كَذَبْتُكَ الْيَوْمَ أَطْلَعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ٥ غَدًا، فَفَضَحْتُ نَفْسِي. فَوَاللَّهِ مَا كَانَ لِيَ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ، وَمَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا هَذَا فَقَدْ صَدَقَكُمْ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ" فَقُمْتُ وَمَعِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي: بَنِي سَلَمَةَ يَقُولُونَ: مَا عَلِمْنَاكَ أَتَيْتَ قَطُّ غَيْرَ هَذَا الذَّنْبِ، أَفَلا اعْتَذَرْتَ إِلَيْهِ فَيَسَعَكَ مَا وَسِعَ الْمُتَخَلِّفِينَ؟ وَكَانَ يَكْفِيكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ أَنْصَرِفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَكْذِبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ لَقِيَ مِثْلَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرِي؟ قَالُوا: [نَعَمْ] ٦ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَقَالِكَ، وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ، قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَمْرِيُّ وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَصَمَتُّ حِينُ ذَكَرُوهُمَا لِي. وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ خَاصَّةً٧ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي نَفْسِي وَالأَرْضُ الَّتِي أَنَا فِيهَا. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ بِالأَسْوَاقِ لَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلا أَسْمَعُهُ يَرُدُّ عَلَيَّ، فَأَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي هَلَّ رَدَّ فِي نَفْسِهِ. وَكُنْتُ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، فَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ٨ جِدَار "حَائِط" أبي

стр. 239

قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَادَ١ عَلَى السَّلامِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ نَشَدْتُكَ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ فَنَاشَدْتُهُ ثَانِيَةً، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ فَعُدْتُ فَوَثَبْتُ [فَتَسَوَّرْتُ] ٢ الْجِدَارَ، وَخَرَجْتُ. ثُمَّ غَدَوْتُ إِلَى السُّوقِ فَإِذَا رَجُلٌ يَسْأَلُ عَنِّي مِنْ نِبْطِ٣ الشَّامِ الْقَادِمِينَ بِالطَّعَامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ فَجَاءَنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كتاب مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، فَالْحَقْ بِنَا نواسك. فَعَمَدْتُ إِلَى تَنُّورٍ٤، فَسَجَرْتُ٥ فِيهِ الْكِتَابَ. وَأَقَمْتُ حَالِي حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ أَتَانِي، فَقَالَ لِي: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا؟ قَالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلا تَقْرَبْهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي فِيهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ مَا هُوَ قَاضٍ، وَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَائِعٌ لَا خَادِمَ لَهُ أَفَتَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ" قَالَتْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَيَّ، وَمَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِي هَذَا حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَرِهِ. وَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خِدْمَةِ امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِنَ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، إِنِّي لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ لِي وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. قَالَ: فَلَبِثْنَا فِي ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْكَلامِ مَعَنَا. فَلَمَّا صَلَّيْتُ [الصُّبْحَ] ٧ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَة وَأَنا قد ضَاقَتْ

стр. 240

عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ١ وَضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، فَأَنَا كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ قَدْ وَافَى عَلَى ظَهْرِ سَلْعٍ٢ [يُنَادِي٣ بِأَعْلَى صَوْتِهِ] : يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فَخَرَرْتُ لِلَّهِ سَاجِدًا وَعَلِمْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ الْفَرَجُ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا. وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ حَتَّى وَافَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ. فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَهُمَا، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَتَيَمَّمُ٤ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَتَلَقَّانِيَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَحَيَّانِي وَهَنَّأَنِي، وَوَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ على رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ [لِي] ٥ وَوَجْهُهُ يَبْرُقُ مِنَ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ" قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اسْتَبْشَرَ كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَى اللَّهِ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" قُلْتُ: إِنِّي مُمْسِكٌ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلا صِدْقًا مَا بَقِيتُ. وَكَانَ مَا نَزَلَ فِي شَأْنِي مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ٦ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ .

стр. 241

إِسْلَام ١ ثَقِيف وَلما كَانَ فِي رَمَضَان سنة تسع من الْهِجْرَة منصرف رَسُول اللَّه ﷺ من تَبُوك أَتَاهُ وَفد ثفيف. وَقد كَانَ عُرْوَة بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ لحق برَسُول اللَّه ﷺ فِي حِين انْصِرَافه من حِصَار الطَّائِف، فأدركه قبل أَن يدْخل الْمَدِينَة، فَأسلم. وَسَأَلَهُ أَن يرجع إِلَى قومه بِالْإِسْلَامِ، وَكَانَ سيد قومه ثَقِيف، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ". وَعرف رَسُول اللَّه ﷺ امتناعهم٢ ونخوتهم، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَحَبُّ إِلَيْهِم من أبكارهم٣ ووثق بمكانه مِنْهُم، فَانْصَرف إِلَيْهِم ودعاهم إِلَى الْإِسْلَام وَأخْبرهمْ أَنه قد أسلم. فَرَمَوْهُ بِالنَّبلِ، فَأَصَابَهُ سهم، فَقتله. فَزَعَمت بَنو مَالك أَنه قَتله رجل مِنْهُم، فَقيل لَهُ: مَا ترى فِي دمك؟ فَقَالَ: كَرَامَة أكرمني اللَّه بهَا، وَشَهَادَة سَاقهَا إِلَيّ، فَلَيْسَ فِي إِلَّا مَا فِي الشُّهَدَاء الَّذين قتلوا مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قبل أَن يدْخل٤ إِلَيْكُم. وَأوصى أَن يدْفن مَعَهم. فَهُوَ مدفون خَارج الطَّائِف مَعَ الشُّهَدَاء وَذكروا أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: $"مَثَلُهُ فِي قومه مَثَلُ صَاحب ياسين٥ فِي قومه". ثمَّ إِن ثقيفا رَأَوْا أَن لَا طَاقَة لَهُم بِمَا هم فِيهِ من خلاف جَمِيع الْعَرَب ومغاورتهم لَهُم والتضييق عَلَيْهِم، فَاجْتمعُوا على أَن يرسلوا من أنفسهم رَسُولا، كَمَا أرْسلُوا عُرْوَة، فَكَلَّمُوا عبد يَا ليل بْن عَمْرو بْن عُمَيْر، وَكَانَ فِي سنّ عُرْوَة بْن مَسْعُود، فِي ذَلِك، فَأبى أَن يفعل، وخشي أَن يُصْنَعَ بِهِ مَا صنع بِعُرْوَة بْن مَسْعُود، وَقَالَ: لست فَاعِلا إِلَّا أَن تُرْسِلُوا معي رجَالًا، فَأَجْمعُوا على أَن يبعثوا مَعَه رجلَيْنِ من الأحلاف وَثَلَاثَة من بني مَالك فَيَكُونُوا سِتَّة. فبعثوا مَعَ عبد يَا ليل: الحكم بْن عَمْرو بْن وهب بن معتب، وشرحبيل بن

стр. 242

غيلَان بْن سَلمَة من بني معتب١، وَمن بني مَالك: عُثْمَان بْن أبي العَاصِي بْن بشر بْن عَبْد دهمان. وَأَوْس بْن عَوْف أَخا بني سَالم وَقد قيل إِنَّه قَاتل عُرْوَة، ونمير بْن خَرشَة بْن ربيعَة. فَخَرجُوا حَتَّى قدمُوا الْمَدِينَة، فَأول من رَآهُمْ بقناةَ٢ المغيرةُ٣ بْن شُعْبَة، وَكَانَ يرْعَى ركاب٤ أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ [فِي] ٥ نوبَته، وَكَانَت رعيتها نوبا عَلَيْهِم، فَترك عِنْدهم الركاب، ونهض مسرعا، ليبشر رَسُول اللَّه ﷺ بقدومهم، فلقي أَبَا بكر الصّديق، فاستخبره عَن شَأْنه فَأخْبرهُ بقدوم وَفد قومه: ثَقِيف، لِلْإِسْلَامِ. فأقسم عَلَيْهِ أَبُو بكر أَن يؤثره بتبشير رَسُول اللَّهِ ﷺ بذلك، فَأَجَابَهُ الْمُغيرَة إِلَى ذَلِك. فَكَانَ أَبُو بكر هُوَ الَّذِي بشر النَّبِي ﷺ بذلك. ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم الْمُغيرَة. وَرجع مَعَهم، وَأخْبرهمْ كَيفَ يحيون رَسُول اللَّه ﷺ ، فَلم يَفْعَلُوا وحيوه بِتَحِيَّة الْجَاهِلِيَّة. فَضرب لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ قبَّة فِي نَاحيَة الْمَسْجِد وَكَانَ خَالِد بْن سعيد بْن الْعَاصِ هُوَ الَّذِي يخْتَلف بَينهم وَبَين رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَهُوَ الَّذِي كتب الْكتاب لَهُم، وَكَانَ الطَّعَام يَأْتِيهم من عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ فَلَا يَأْكُلُون حَتَّى يَأْكُل مِنْهُ خَالِد بْن سعيد. وسألوا رَسُول اللَّه ﷺ قبل أَن يكْتب كِتَابهمْ أَن يتْرك لَهُم الطاغية٦ وَهِي اللات لَا يَهْدِمهَا ثَلَاث سِنِين. فَأبى رَسُول اللَّه إِلَّا هدمها. وسألوه أَن لَا يهدموا٧ أوثانهم وَألا يكسروها بِأَيْدِيهِم، فأعفاهم رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ كسرهَا بِأَيْدِيهِم، وَأبي أَن يدع لَهُم وثنا. وَقَالُوا: إِنَّمَا أردنَا أَن نسلم بِتَرْكِهَا من سفهائنا ونسائنا، وخفنا أَن نروع قَومنَا بهدمها حَتَّى ندخلهم الْإِسْلَام وَقد كَانُوا سَأَلُوهُ مَعَ ترك الطاغية أَن يعفيهم من الصَّلَاة، فَقَالَ لَهُم: "لَا خير فِي دين لَا صَلَاة فِيهِ".

стр. 243

فَلَمَّا كتب لَهُم رَسُول اللَّه ﷺ كِتَابهمْ أَمر عَلَيْهِم عُثْمَان بْن أبي العَاصِي، وَكَانَ أحدثهم سنا، وَرَآهُ أحرصهم على تعلم الْقُرْآن وَشَرَائِع الْإِسْلَام. وَأمره أَن يُصَلِّي بهم وَأَن يقدرهم بأضعفهم وَلَا يطول عَلَيْهِم١. وَأمره أَن يتَّخذ مُؤذنًا لَا يَأْخُذ على أَذَانه أجرا وَبعث مَعَهم أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب والمغيرة بْن شُعْبَة لهدم الْأَوْثَان والطاغية وَغَيرهَا، فَأَقَامَ أَبُو سُفْيَان فِي مَاله٢ بِذِي الهزم٣، وَقَالَ للْمُغِيرَة: ادخل أَنْت على قَوْمك. فَدخل الْمُغيرَة. وَشرع٤ فِي هذم الطاغية وَهِي اللات. وَقَامَ٥ دونه قومه بَنو معتب خشيَة أَن يُرْمَى كَمَا رُمِيَ عُرْوَة بْن مَسْعُود، وَخرج نسَاء ثَقِيف يبْكين اللات حسرا٦ ويَنُحْنَ عَلَيْهَا. فَهَدمهَا الْمُغيرَة وَأخذ مَالهَا وحليها. وَقد كَانَ أَبُو مليح بْن عُرْوَة [بْن٧ مَسْعُود] وقارب بْن الْأسود قدما على رَسُول اللَّه ﷺ قبل وَفد ثَقِيف حِين٨ قتل عُرْوَة بْن مَسْعُود يُريدَان فِرَاق ثَقِيف وَأَن لَا يجامعاهم على شَيْء أبدا، فَأَسْلمَا. وَقَالَ لَهما: "توليا من شئتما" فَقَالَا: نتولى اللَّه وَرَسُوله. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وخالكما أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب" [فَقَالَا٩: وخالنا أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب] . فَلَمَّا أسلم أهل الطَّائِف وَوجه رَسُول اللَّه ﷺ أَبَا سُفْيَان والمغيرة إِلَى هدم الطاغية سَأَلَ أَبُو مليح بْن عُرْوَة بْن مَسْعُود [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] أَن يقْضِي دين [أَبِيه] عُرْوَة من مَال الطاغية. وَسَأَلَ قَارب بن الْأسود مثل ذَلِك. وَالْأسود وَعُرْوَة أَخَوان لأَب وَأم. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ للْمُغِيرَة وَأبي سُفْيَان: "اقْضِيَا دَيْنَ عُرْوَةَ مِنْ مَالِ الطَّاغِيَةِ". فَقَالَ قَارب: يَا رَسُول الله [و] دين الْأسود. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "إِن الْأسود مَاتَ مُشْركًا". فَقَالَ قَارب: يَا رَسُول اللَّه لَكِن تَصِلُ مُسلما ذَا قرَابَة يَعْنِي نَفسه إِنَّمَا الدَّيْنُ عَلَيَّ وَأَنا الَّذِي أطلب بِهِ. فَأمر رَسُول اللَّه ﷺ بِقَضَاء دين الْأسود بْن مَسْعُود من مَال الطاغية. فَقضى أَبُو سُفْيَان والمغيرة دين الْأسود وَعُرْوَة ابْني مَسْعُود من مَال الطاغية.

стр. 244

حجَّة ١ أبي بكر الصّديق ﵁ سنة تسع وَأمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بكر بِالْخرُوجِ إِلَى الْحَج وإقامته للنَّاس، فَخرج أَبُو بكر لذَلِك، وَنزل صدر٣ سُورَة بَرَاءَة بعده. فَقيل لَهُ: يَا رَسُول اللَّه لَو بعثت بهَا إِلَى أبي بكر يقْرؤهَا على النَّاس فِي الْمَوْسِم؟ فَقَالَ: "إِنَّه لَا يُؤَدِّيهَا عني إِلَّا رجل من أهل بَيْتِي". ثمَّ دَعَا عليا، فَقَالَ لَهُ: "اخْرُج بِهَذِهِ الْقُصَّةِ من صدر بَرَاءَة، وَأَذِّنْ بهَا فِي النَّاس يَوْم النَّحْر إِذا اجْتَمعُوا بمنى". وَأمره بِمَا يُنَادي٤ بِهِ فِي الْمَوْسِم فَخرج على نَاقَة رَسُول اللَّه ﷺ العضباء، حَتَّى أدْرك أَبَا بكر بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر بِمَا رَآهُ: أَمِيرا٥ أَو مَأْمُورا؟ قَالَ: بل مَأْمُورا. ثمَّ نهضا، فَأَقَامَ أَبُو بكر للنَّاس الْحَج سنة تسع على مَنَازِلهمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة. وَقد قيل: إِن حجَّة أبي بكر وَقعت حِينَئِذٍ فِي ذِي الْقعدَة على مَا كَانُوا عَلَيْهِ من

стр. 245

النسيء فِي الْجَاهِلِيَّة. وروى معمر، عَن [ابْن] أبي نجيح، عَن مُجَاهِد فِي قَوْله [تَعَالَى] : ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ قَالَ: كَانُوا يحجون [فِي كل] ١ شهر عَاميْنِ، حجُّوا فِي ذِي الْحجَّة عَاميْنِ، ثمَّ حجُّوا فِي الْمحرم عَاميْنِ، ثمَّ حجُّوا فِي صفر عَاميْنِ، حَتَّى وافت حجَّة أبي بكر [فِي٢ الآخر من العامين] فِي ذِي الْقعدَة قبل حجَّة النَّبِي ﷺ ثمَّ حج النَّبِي ﷺ من قَابل [فِي] ذِي الْحجَّة، فَذَلِك قَوْله ﷺ حَيْثُ يَقُول: "إِنَّ الزَّمَنَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ". قَالَ معمر، قَالَ الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بْن الْمسيب: لما قفل رَسُول اللَّه ﷺ من حنين اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة وَأَمَّرَ أَبَا بكر على تِلْكَ الْحجَّة. وَذكر ابْن جريج عَن مُجَاهِد، قَالَ: لما انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ من تَبُوك أَرَادَ الْحَج ثمَّ قَالَ: "إِنَّهُ يَحْضُرُ الْبَيْتَ عُرَاةٌ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَلا أُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ حَتَّى لَا يَكُونَ ذَلِكَ". فَأَرْسَلَ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ أَرْدَفَهُ عَلِيًّا. قَالَ أَبُو عمر: بعث عليا ينْبذ إِلَى كل ذِي عهد عَهده، ويعهد إِلَيْهِم أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان مَعَ سَائِر مَا أمره أَن يُنَادي بِهِ فِي كل موطن من مَوَاطِن الْحَج. فَأَقَامَ الْحَج ذَلِك الْعَام سنة تسع أَبُو بكر. ثمَّ حج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من قَابل حجَّته الَّتِي لم يحجّ من الْمَدِينَة غَيرهَا. فَوَقَعت حجَّة رَسُول اللَّه ﷺ فِي الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْحجَّة، فَقَالَ: "إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ ... " الحَدِيث وَثَبت الْحَج فِي ذِي الْحجَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّحْر فِي حجَّة أبي بكر قَامَ عَليّ فَأذن فِي النَّاس بِالَّذِي أمره بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيهَا النَّاس إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة كَافِر". رُوِيَ فِي حَدِيثه هَذَا: لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مُؤمنَة وَلَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمن كَانَ لَهُ عِنْد رَسُول الله

стр. 246

عهد فَهُوَ إِلَى مدَّته. وَأَجَّلَ الناسَ أربعةَ أشهر من يَوْم أَذَّنَ فيهم ليرْجع كل قوم إِلَى مأمنهم وبلادهم ثمَّ لَا عهد لِمُشْرِكٍ وَلَا ذمَّة لأحد كَانَت لَهُ عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ . فَلَمْ يحجّ بعد ذَلِك الْعَام مُشْرك وَلم يطف بِالْبَيْتِ عُرْيَان. حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. قَالَ١: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ٢، قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ حُصَيْنٍ٣ "قَالَ" وَأَخْبَرَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حج رَسُول اللَّه ﷺ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن علبة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمَوَات وَالْأَرْض، السّنة اثْنَا عشر شهر، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ مُفْرَدٌ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان".

стр. 247

بَاب وُفُود ١ الْعَرَب على رَسُول اللَّهِ ﷺ من بلادها للدخول فِي الْإِسْلَام وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَسنة عشر. وحجته ﷺ فِي سنة عشر: لما فتح اللَّه على رَسُوله ﵇ مَكَّة، وأظهره٢ يَوْم حنين وَانْصَرف من تَبُوك، وَأسْلمت ثَقِيف، أَقبلت إِلَيْهِ وُفُود من الْعَرَب من كل وَجه يدْخلُونَ فِي دين اللَّه أَفْوَاجًا. وَأَكْثَرهم كَانَ ينْتَظر مَا يكون من قُرَيْش لأَنهم كَانُوا أَئِمَّة النَّاس من أجل الْبَيْت وَالْحرم وَأَنَّهُمْ صَرِيح ولد إِسْمَاعِيل ﷺ فَلَمَّا فتح اللَّه مَكَّة عَلَيْهِ أَهَلَّ النَّاس إِلَيْهِ، وكل من "قدم" عَلَيْهِ قدم رَاغِبًا فِي الْإِسْلَام إِلَّا عامرَ بْنَ الطُّفَيْل وأربدَ بْنَ قيس فِي وَفد بني عَامر، وَإِلَّا مسيلمةَ فِي وَفد بني حنيفَة. فَأَما عَامر بْن الطُّفَيْل بْن مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلابٍ وأربد بْن قيس بْن جُزْء بْن خَالِد بْن جَعْفَر بْن كلاب فَإِنَّهُمَا قدما عَلَيْهِ فِي وَفد بني عَامر بْن صعصعة وَقد أضمر [عَامر٣ بْن الطُّفَيْل] الفتك برَسُول اللَّه ﷺ والغدر بِهِ، وأربد بْن قيس هُوَ أَخُو لبيد لأمه، [و] كَانَ عَامر بْن الطُّفَيْل قد قَالَ لَهُ: إِنِّي شاغله عَنْك بالْكلَام، فَإِذا فعلت ذَلِك فَاعْلُهُ بِالسَّيْفِ٤. ثمَّ جعل يسْأَله سُؤال الأحمق وَرَسُول اللَّه ﷺ يَقُول: "لَا أجيبك فِي شَيْء مِمَّا سَأَلت عَنهُ حَتَّى تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله". وَأنزل اللَّه على أَرْبَد البهت والرعب فَلم يرفع يدا. فَلَمَّا يئس مِنْهُ عَامر قَالَ: يَا مُحَمَّد وَإِلَّا لأَمْلَأَنهَا عَلَيْك خيلا ورجالا. فَلَمَّا وليا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اكْفِنِي عامرَ بْنَ الطُّفَيْل وأربدَ بْنَ قيس". وَقَالَ عَامر لأربد: مَا مَنعك أَن تفعل مَا تعاقدنا

стр. 248

عَلَيْهِ، وَالله لَا أخافك بعْدهَا، وَمَا كنت أَخَاف غَيْرك. وخرجا جَمِيعًا فِي وفدهم رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق بعث اللَّه على عَامر بْن الطُّفَيْل الطَّاعُون فِي عُنُقه فَقتله اللَّه فِي بَيت امْرَأَة من بني سلول، فَجعل يَقُول: أَغُدَّةً١ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ٢ أَوْ غُدَّةِ الْبَعِيرِ، وموتا فِي بَيت سَلُولِيَّة٣. وَوصل أَرْبَد إِلَى بَلَده فَقَالَ لَهُ قومه: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: وَالله لقد دَعَاني إِلَى عبَادَة شَيْء لَو أَنه عِنْدِي الْيَوْم لرميته بِالنَّبلِ حَتَّى أَقتلهُ. فَلم يلبث بعد قَوْله هَذَا إِلَّا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ، وَأنزل اللَّه عَلَيْهِ صَاعِقَة، وَكَانَ على جمل قد رَكبه فِي حَاجَة، فأحرقه اللَّه هُوَ وجمله بالصاعقة. وَقدم عَلَيْهِ ﷺ وَفد بني حنيفَة، فيهم مُسَيْلمَة بْن حبيب يكنى أَبَا هَارُون، وَقيل بل هُوَ مُسَيْلمَة بْن ثُمَامَة يكنى أَبَا ثُمَامَة. وَاخْتلف فِي دُخُوله على رَسُول اللَّه ﷺ ، فَروِيَ أَنه دخل مَعَ قومه على رَسُول اللَّه ﷺ وهم يسترونه بالثياب فَكَلمهُ [وَسَأَلَهُ] ٤ فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّك لَو سَأَلتنِي هَذَا العسيب ٥ -لِعَسِيبٍ كَانَ مَعَه من سعف النّخل- مَا أعطيتكه". وَقد رُوِيَ أَن بني حنيفَة لما نزلُوا بِالْمَدِينَةِ خلفوا مُسَيْلمَة فِي رحالهم وَأَنَّهُمْ أَسْلمُوا وَذكروا مَكَان مُسَيْلمَة، وَقَالُوا: إِنَّا قد خَلَّفْنَا صاحبا لنا فِي رحالنا يحفظها لنا. فَأمر لَهُم رَسُول اللَّه ﷺ بِمَا سَأَلُوهُ، وَأمر لَهُ بِمثل مَا أَمر لِقَوْمِهِ، وَقَالَ: "أما إِنَّه لَيْسَ بشركم مَكَانا" أَيْ لِحِفْظِهِ ضَيْعَةَ أَصْحَابه، ثمَّ انصرفوا عَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى الْيَمَامَة ارْتَدَّ عَدو اللَّه مُسَيْلمَة وَادّعى النُّبُوَّة، وَقَالَ: قد أشركني اللَّه فِي أمره. وَاتبعهُ أَكثر قومه، وَجعل لَهُم أسجاعا يضاهى٦ بهَا الْقُرْآن، وَأحل لَهُم الْخمر [وَالزِّنَا] ٧، وَأسْقط عَنْهُم الصَّلَاة فَمن سجعه قَوْله: "لقد أنعم على الحبلى أخرج مِنْهَا نسمَة تسْعَى من بَين صفاق٨ وحشى" وَمثل هَذَا من سجعه، لَعنه الله.

стр. 249

واتبعته بَنو حنيفَة إِلَّا ثمامةَ بْنَ أَثَال الْحَنَفِيّ بَقِي على الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وَلم يرْتَد مَعَ قومه. وَقدم "عَلَيْهِ" ﷺ وَفد بني تَمِيم، مِنْهُم عُطَارِد بْن حَاجِب بْن زُرَارَة بْن عدس الدَّارمِيّ، وَقيس بْن عَاصِم الْمنْقري، وَعَمْرو بْن الْأَهْتَم من بني منقر بْن عبيد أَيْضا، والزبرقان بْن بدر من بني بَهْدَلَة، ونعيم١ بْن يزِيد، وَقيس بْن الْحَارِث، والحتات بْن يزِيد٢ الْمُجَاشِعِي وَهُوَ الَّذِي آخى رَسُول اللَّه ﷺ بَينه وَبَين مُعَاوِيَة، وَقد ذكرنَا خَبره فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة٣. وَهَؤُلَاء وُجُوه وَفد تَمِيم، وَقدم مَعَهم الْأَقْرَع بْن حَابِس الدَّارمِيّ وعيينة بْن حصن الْفَزارِيّ، وَقد كَانَا قدما على رَسُول اللَّه ﷺ ، وأسلما، وشهدا مَعَه فتح مَكَّة وحنينا وحصار الطَّائِف، ثمَّ جَاءَا مَعَ وَفد تَمِيم. ونادوه من وَرَاء الحجرات، وخبرهم فِي السّير وَالتَّفْسِير٤. وَأَسْلمُوا وَلم يُظْهِرْ مِنْهُم بعد الْإِسْلَام إِلَّا الْخَيْر وَالصَّلَاح إِلَّا أَن عُيَيْنَة كَانَ أَعْرَابِيًا جَافيا جلفا مَجْنُونا أَحمَق مُطَاعًا فِي قومه. وَقدم عَلَيْهِ ﷺ ضمام بْن ثَعْلَبَة وَافد قومه بني سعد بْن بكر، وَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَرجع إِلَى قومه، فأسلموا. وَقدم عَلَيْهِ ﷺ الْجَارُود بْن عَمْرو، وَقيل: ابْن بشر، الْعَبْدي فِي طَائِفَة من قومه عَبْد الْقَيْس، وَكَانَ الْجَارُود نَصْرَانِيّا فَأسلم وَمن مَعَه، وسألوا رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ يحملهم٥، فَقَالَ: "وَالله مَا عِنْدِي مَا أحملكم عَلَيْهِ". فَقَالُوا: إِنَّا نمر فنجد من ضوال الْإِبِل فِي طريقنا فنأخذها؟ فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ضَالَّة الْمُؤمن حَرْقُ النَّار". وَحسن إِسْلَام عَبْد الْقَيْس. وَكَانَ الْجَارُود فَاضلا صليبا٦ فِي ذَات اللَّه. وَلما ارْتَدَّت الْعَرَب وارتد من ارْتَدَّ من عَبْد قيس قَامَ فِي رهطه، فأعلن بِالْإِسْلَامِ ودعا إِلَيْهِ، وتبرأ مِمَّن ارْتَدَّ من قومه، وَثَبت هُوَ ورهطه على الْإِسْلَام، وَقد كَانَ قدم الْأَشَج٧ العصري من عَبْد الْقَيْس فِي وَفد مِنْهُم قبل فتح مَكَّة فأسلموا. وَقد كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بعث

стр. 250

الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ قبل فتح مَكَّة إِلَى الْمُنْذر بْن١ سَاوَى الْعَبْدي، فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، ثمَّ هلك بعد رَسُول اللَّه ﷺ قبل ردة أهل الْبَحْرين، والْعَلَاء عِنْده أَمِير لرَسُول اللَّه ﷺ على الْبَحْرين. وَقدم على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفد طييء، فيهم زيد الْخَيل وَهُوَ سيدهم، فَعرض رَسُول اللَّه ﷺ عَلَيْهِم الْإِسْلَام، فأسلموا. وَرُوِيَ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: "مَا وصف لي رجل من الْعَرَب إِلَّا وجدته دون مَا وصف إِلَّا زيد الْخَيل فَإِن وَصفه لم يبلغ [مَا] ٢ وصف بِهِ". وَسَماهُ رَسُول اللَّه ﷺ زيد الْخَبَر. وَقدم على رَسُول اللَّه ﷺ عدي بْن حَاتِم الطَّائِي فِي قومه من طييء، وَكَانَ نَصْرَانِيّا، فَمضى بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَأدْخلهُ [إِلَى بَيته] ٣ وَتَنَاول وسَادَة من أَدَم٤ حشوها لِيف، فطرحها، وَقَالَ لَهُ: "اجْلِسْ عَلَيْهَا" فَقَالَ: بل أَنْت فاجلس عَلَيْهَا يَا رَسُول اللَّه، فَجَلَسَ رَسُول اللَّه فِي الأَرْض وَأَجْلسهُ على الوسادة، ثمَّ لم يزل يكلمهُ ويعرض عَلَيْهِ مَا فِي دِينِهِ النَّصْرَانِيَّةِ مِمَّا أحدثوه فِيهِ من الشّرك، ويعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام ويخبره أَنه دين سيبلغ مَا بلغ اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَنه لَا يبْقى عَرَبِيّ إِلَّا دخل فِيهِ طَوْعًا أَو كرها، فَقبل عدي الْإِسْلَام، وَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَتَبعهُ قومه فأسلموا وَحسن إسْلَامهمْ. وَقدم عَلَيْهِ فَرْوَة بْن مسيك الغطيفي، وعداده فِي مُرَاد، مفارقا لملوك كِنْدَة ومباعدا لَهُم إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَأَمَّرَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ على قومه٥. وَلم يرْتَد فَرْوَة حِين ارْتَدَّت الْعَرَب. [وَقدم٦ عَلَيْهِ ﷺ عَمْرَو بْن معد يكربَ، وَكَانَ قد قَالَ لقيس بْن المكشوح: إِنَّك سيد قَوْمك وَإِن مُحَمَّدًا قد خرج بالحجاز نَبيا، فاقدم بِنَا عَلَيْهِ، فَإنَّا إِن قدمنَا عَلَيْهِ لم يخف علينا أمره، فَأبى قيس بْن المكشوح، فَقدم عَمْرو هُوَ وناس مَعَه من
следующие страницы →