← Сира

Сира · id 10695

الدرر في اختصار المغازي والسير

ابن عبد البر

Полный текст (343 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ وَصَهَرُوهُمْ١ فِي الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ إِلا مَنْ وَاتَاهُمْ٢ فِيمَا أَرَادُوا وَأَوْهَمَهُمْ بِذَلِكَ إِلا بِلالٌ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ ، وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَخَذُوهُ، وَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ٣، فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ، أَحَدٌ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ سَوَاءً٤، وَزَادَ فِي قِصَّةِ بِلالٍ: وَجَعَلُوا فِي عُنُقِهِ حَبْلا، وَدَفَعُوهُ إِلَى الصِّبْيَانِ يَلْعَبُونَ بِهِ، حَتَّى أَثَّرَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ مَلُّوهُ فَتَرَكُوهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة٥. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَلا مُجَاهِدٌ فِي هَذَا الْخَبَرِ خَدِيجَةَ وَلا عَلِيًّا، وَهُمَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لأَنَّهُمَا كَانَا فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ كَانَ فِي جِوَارِ عَمِّهِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ٦ لَمْ يَظْهَرْ إِلَى قُرَيْشٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ، فَلَمْ يُؤْذَيَا. وَهَؤُلاءِ السَّبْعَةُ ظَهَرَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، فَلَقَوُا الأَذَى الشَّدِيدَ مِنْ قَوْمِهِمْ فَقَصَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَى الْخَبَرِ عَنْهُمْ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ٧: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ

стр. 37

بِرَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ١ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا. قَالَ: فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ، وَدَفَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم. وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ [أَيْضًا] ٢ عَن الْأَوْزَاعِيّ بِإِسْنَادِهِ مثله*. وروى بشر بْن بكر، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن يحيى بْن أبي كثير، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: قلت لعبد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبرنِي بأشد شَيْء، فَذكر مثله، وَعند عمر بْن عَبْد الْوَاحِد، عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن هَذَا الْإِسْنَاد أَيْضا فِي هَذَا الْخَبَر، وَعَن إِسْمَاعِيل بْن سَمَّاعَة أَيْضا مثله، عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي هَذَا الْخَبَر. وَعَن الْوَلِيد بْن مزِيد، عَن الْأَوْزَاعِيّ فِي هَذَا الْخَبَر الْإِسْنَاد الأول. وروى مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة، عَن أبي سَلمَة، عَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَذَا الْخَبَر بِمَعْنَاهُ، عَن أبي سَلمَة، عَن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَذَا الْخَبَر بِمَعْنَاهُ، وَزَاد فِيهِ، فَقَالَ: "يَا معشر قُرَيْش وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد أَرْسلنِي رَبِّي إِلَيْكُم بِالذبْحِ". وَرَوَاهُ هِشَام بْن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِمَعْنى حَدِيث يحيى بْن أبي كثير وَحَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو، عَن أبي سَلمَة، عَن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَقَدْ ضَرَبُوا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: "وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ" فَقَالُوا: هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ الْمَجْنُون.

стр. 38

[المجاهرون بالظلم لرَسُول اللَّه ﷺ وَلكُل من آمن بِهِ] قَالَ الْفَقِيه أَبُو عمر ﵁: وَكَانَ المجاهرون١ بالظلم لرَسُول اللَّه ﷺ وَلكُل من آمن بِهِ من بني هَاشم عَمَّهُ أَبَا لَهب وابنَ عَمه أَبَا سُفْيَان بْن الْحَارِث. وَمن بني عَبْد شمس: عتبَة وَشَيْبَة ابْني ربيعَة٢، وَعقبَة بْن أبي معيط، وَأَبا سُفْيَان بْن حَرْب، وَابْنه حَنْظَلَة، وَالْحكم بْن أبي الْعَاصِ بْن أُميَّة، وَمُعَاوِيَة٣ بْن الْعَاصِ بْن أُميَّة. وَمن بني عَبْد الدَّار: النَّضر بْن الْحَارِث. وَمن بني أَسد بْن عَبْد الْعُزَّى: الْأسود بْن الْمطلب٤، وَابْنه زَمعَة، وَأَبا البخْترِي العَاصِي بْن هِشَام. وَمن بني زهرَة: الْأسود بن [عبد] ٥ يَغُوث الزُّهْرِيّ.

стр. 39

وَمن بني مَخْزُوم: أَبَا جهل بْن هِشَام، وأخاه العَاصِي بْن هِشَام، وعمهما الْوَلِيد بْن الْمُغيرَة، وَابْنه أَبَا قيس بْن الْوَلِيد بْن الْمُغيرَة، وَابْن عَمه قيس بْن الْفَاكِه١ بْن الْمُغيرَة، وَزُهَيْر بْن أبي أُميَّة بْن الْمُغيرَة أَخا أم سَلمَة٢، وأخاه عَبْد اللَّهِ بْن أبي أُميَّة، وَالْأسود بْن عَبْد الْأسد أَخا أبي سَلمَة، وَصَيْفِي بْن السَّائِب. وَمن بني سهم: الْعَاصِ بْن وَائِل، وَابْنه عَمْرو بْن الْعَاصِ، وَابْن عَمه الْحَارِث بْن قيس بْن عدي، ومنبها ونبيها ابْني الْحجَّاج. وَمن بني جمح: أُمَيَّةَ وَأُبَيًّا ابْني خلف بْن وهب بْن حذافة بْن جمح السَّهْمِي، وأنيس بْن معير٣ أَخا أبي مَحْذُورَة، والْحَارث بْن الطُّلَاطِلَة الْخُزَاعِيّ. وعدي بْن الْحَمْرَاء الثَّقَفِيّ٤. فَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَشد على الْمُؤمنِينَ مثابرة بالأذى، وَمَعَهُمْ سَائِر قُرَيْش، فَمنهمْ من يُعَذبُونَ من لَا مَنْعَة لَهُ وَلَا جوَار من قومه، وَمِنْهُم من يُؤْذونَ. وَلَقي الْمُسلمُونَ من كفار قُرَيْش وحلفائهم من الْعَذَاب والأذى وَالْبَلَاء عَظِيما، ورزقهم اللَّه من الصَّبْر على ذَلِك عَظِيما ليدخر لَهُم ذَلِك فِي الْآخِرَة وَيرْفَع بِهِ درجاتهم فِي الْجنَّة، والإسلامُ فِي كل ذَلِك يفشو وَيظْهر فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء. وَأسلم الْوَلِيد بْن الْوَلِيد بْن الْمُغيرَة، وَسَلَمَة بْن هِشَام أَخُو أبي جهل، وَأَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة، وَجَمَاعَة، أَرَادَ اللَّه هدَاهُم. وأسرف بَنو جمح على بِلَال بالأذى وَالْعَذَاب، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بكر الصّديق مِنْهُم، وَاشْترى أمه حمامة، فأعتقهما. وَأعْتق عَامر بْن فهَيْرَة، وَأعْتق خمْسا٥ من النِّسَاء:

стр. 40

أُمَّ١ عُبَيْس، وزنيرة٢، والنهدية وابنتها٣، وَجَارِيَة لبني عدي بْن كَعْب كَانَ عمر بْن الْخطاب ﵁ يعذبها على الْإِسْلَام قبل أَن يسلم. وروى أَن أَبَا قُحَافَة قَالَ لِابْنِهِ أبي بكر: يَا بني أَرَاك تعْتق قوما ضعفاء، فَلَو أعتقت قوما جلداء يمنعونك. فَقَالَ: يَا أَبَت إِنِّي أُرِيد مَا أُرِيد، فَقيل إِن فِيهِ نزلت: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَاله يتزكى ... ﴾ إِلَى آخر السُّورَة٤. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن خلف: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَن عِيسَى، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ قَالَ: أَبُو جهل ينْهَى مُحَمَّدًا ﷺ . ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيه﴾ : أهل مَجْلِسه. ﴿سَنَدع الزَّبَانِيَة﴾ ٥ قَالَ: الْمَلائِكَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ٦: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَزَجَرَهُ٧، فَقَالَ: يُهَدِّدُنِي مُحَمَّدٌ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ مَا بِهَا٨ رَجُلٌ أَكْثَرُ نَادِيًا مِنِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأَخَذَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَالْعَذَابُ.

стр. 41

[المستهزئون] قَالَ أَبُو عمر ﵁: وَكَانَ المستهزئون١ الَّذين قَالَ اللَّه فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ عَمَّهُ أَبَا لَهب، وَعقبَة بْن أبي معيط، وَالْحكم بْن أبي العَاصِي، وَالْأسود بْن الْمطلب بْن أَسد أَبَا زَمعَة، وَالْأسود بْن عَبْد يَغُوث، والعاصي بْن وَائِل، والوليد بْن الْمُغيرَة، والْحَارث بْن غيطلة السَّهْمِي وَيُقَال لَهُ ابْن الغيطلة. وَكَانَ جِبْرِيل مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بعض وقفاته مَعَه، فَمر بهما من الْمُسْتَهْزِئِينَ الْوَلِيد بْن الْمُغيرَة وَالْأسود بْن الْمطلب، وَالْأسود بْن عَبْد يَغُوث، والْحَارث بْن غيطلة، والعاصي بْن وَائِل، وَاحِدًا بعد وَاحِد. فَشَكَاهُمْ رَسُول اللَّه، ﷺ ، إِلَى جِبْرِيل، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيل ﵇، وَقَالَ: كَفَيْتُكَهُمْ. فهلكوا بضروب من الْبلَاء والعمى قبل الْهِجْرَة. وَفِيمَا لَقِي بِلَال وعمار والمقداد وخباب وَسعد بْن أبي وَقاص وَغَيرهم مِمَّن لم تكن لَهُ مَنْعَة من قومه من الْبلَاء والأذى مَا يجمل أَن يفرد لَهُ كتاب، وَلَكنَّا نقف فِي كتَابنَا عِنْد شرطنا، وَبِاللَّهِ توفيقنا. فَلَمَّا اشْتَدَّ بِالْمُسْلِمين الْبلَاء والأذى وخافوا أَن يفتنوا عَن دينهم، أذن اللَّه لَهُم فِي الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَقَالَ لَهُم رَسُول اللَّه ﷺ : "سِيرُوا إِلَيْهَا فَإِن لَهَا ملكا لَا تظْلمُونَ عِنْده" *.

стр. 42

بَاب ذكر الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة ١ قَالَ أَبُو عمر: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ. وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَظَهَرَ الإِيمَانُ أَقْبَلَ كُفَّارُ قُرَيْش على من آمن من قبائلهم يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عَن دينهم. قَالَ: فَبَلغنَا أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لمن آمن بِهِ: "تفَرقُوا فِي الأَرْض، فَإِن اللَّه تَعَالَى سيجمعكم". قَالُوا: إِلَى أَيْن نَذْهَب؟ قَالَ: "هَا هُنَا"، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَرض الْحَبَشَة، فَهَاجَرَ إِلَيْهَا نَاس ذَوُو عدد، مِنْهُم من هَاجر بأَهْله، وَمِنْهُم من هَاجر بِنَفسِهِ، حَتَّى قدمُوا أَرض الْحَبَشَة. قَالَ الْفَقِيه أَبُو عمر ﵁: فَكَانَ أول من خرج من الْمُسلمين فَارًّا بِدِينِهِ إِلَى أَرض الْحَبَشَة عُثْمَان بْن عَفَّان، مَعَه امْرَأَته رقية بنت رَسُول اللَّه ﷺ . وَقد قيل إِن أول من هَاجر إِلَى الْحَبَشَة أَبُو حَاطِب بن

стр. 43

عَمْرو بْن عَبْد شمس بْن عَبْد ود أَخُو سُهَيْل بْن عَمْرو. وَقيل: هُوَ سليط بْن عَمْرو. وَأَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة هَارِبا عَن أَبِيه [بِدِينِهِ١] وَمَعَهُ امْرَأَته سهلة بنت سُهَيْل بْن عَمْرو مراغمة لأَبِيهَا فارة عَنهُ بدينها، فَولدت لَهُ بِأَرْض الْحَبَشَة مُحَمَّد بْن أبي حُذَيْفَة صنو الزبير بْن الْعَوام. وَمصْعَب بْن عُمَيْر، وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف، وَأَبُو سَلمَة بْن عَبْد الْأسد مَعَه امْرَأَته أم سَلمَة٢ بنت أبي أُميَّة. وَعُثْمَان بْن مَظْعُون، وعامر بْن ربيعَة حَلِيف آل الْخطاب وَمَعَهُ امْرَأَته ليلى بنت أبي حثْمَة بْن غَانِم العدوية. وَأَبُو سُبْرَة أبي رهم العامري، وَامْرَأَته أم كُلْثُوم٣ بنت سُهَيْل بْن عَمْرو، وَسُهيْل بْن بَيْضَاء، وَهُوَ سُهَيْل بْن وهب بْن ربيعَة الفِهري. ثمَّ خرج بعدهمْ جَعْفَر بْن أبي طَالب، وَمَعَهُ امْرَأَته أَسمَاء بنت عُمَيْس، فَولدت لَهُ هُنَاكَ بنيه: مُحَمَّدًا وَعبد اللَّه وعونا. وَعَمْرُو بْنُ سعيد بْن الْعَاصِ بْن أُميَّة، وَمَعَهُ امْرَأَته فَاطِمَة بنت صَفْوَان بْن أُميَّة بْن محرث بْن شقّ بْن رَقَبَة بْن مُخْدج الكنانية، وَأَخُوهُ خَالِد بْن سعيد بْن الْعَاصِ، مَعَه امْرَأَته أُميَّة بنت خلف بْن أسعد بْن عَامر بْن بياضة بْن يثيع٤ الْخُزَاعِيَّة، فَولدت لَهُ هُنَاكَ ابْنه سعيدا وَابْنَته أم خَالِد وَاسْمهَا آمِنَة بنت خَالِد. وَعبد اللَّه بْن جحش بْن رِئَاب الْأَسدي، وَأَخُوهُ عبيد٥ اللَّه بْن جحش، مَعَه امْرَأَته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ، وَمَات نَصْرَانِيّا مُرْتَدا عَن دينه.

стр. 44

وَقَيْسُ بْن عَبْد اللَّهِ حَلِيف لبني أُميَّة بْن عَبْد شمس، مَعَه امْرَأَته بركَة بنت يسَار مولاة أبي سُفْيَان بْن حَرْب. ومعيقيب بْن أبي فَاطِمَة الدوسي حَلِيف لبني الْعَاصِ بْن أُميَّة. وَعتبَة بْن غَزوَان بْن جَابر الْمَازِني، من بني مَازِن بْن مَنْصُور أخي سليم بْن مَنْصُور، حَلِيف بني نَوْفَل بْن عَبْد منَاف. وَيزِيد بْن زَمعَة بْن الْأسود بْن عَبْد الْمطلب بْن أَسد، وَعَمْرو بْن أُميَّة بْن الْحَارِث بْن أَسد، وَالْأسود بْن نَوْفَل بْن خويلد بْن أَسد. وطليب بْن عُمَيْر بْن وهب بْن أبي كَبِير بْن عَبْد قصي١ وسويبط بْن سعد بْن حَرْمَلَة، وَيُقَال حُرَيْمِلَة، بْن مَالك الْعَبدَرِي. وجهم بْن قيس بْن عَبْد شُرَحْبِيل بْن هَاشم بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار الْعَبدَرِي، مَعَه امْرَأَته [أم٢] حَرْمَلَة بنت عَبْد الْأسود بْن جذيمة بْن الأقيش بْن عَامر بْن بياضة بن يثبع بْن جعثمة٣ بْن سعيد٤ بْن مليح بْن عَمْرو من خُزَاعَة، وابناه عَمْرو بْن جهم وَخُزَيْمَة بنت جهم. وَأَبُو الرّوم بْن عُمَيْر أَخُو مُصعب بْن عُمَيْر، وفراس بْن النَّضر بْن الْحَارِث٦ بْن كلدة بْن عَلْقَمَة بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار، وعامر بْن أبي وَقاص أَخُو سعد بْن أبي وَقاص. وَالْمطلب٧ بْن أَزْهَر بْن عَبْد عَوْف، مَعَه امْرَأَته رَملَة بنت أبي عَوْف بْن صبيرة السهمية، ولدت لَهُ هُنَاكَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمطلب. وَعبد اللَّه بْن مَسْعُود الْهُذلِيّ، وَأَخُوهُ عتبَة بْن مَسْعُود، والمقداد بْن عَمْرو بْن ثَعْلَبَة البهراني، وَيُقَال لَهُ الْمِقْدَاد بْن الْأسود لِأَن الْأسود بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيّ تبناه وَهُوَ حَلِيف لَهُ.

стр. 45

والْحَارث بْن خَالِد بْن صَخْر بْن عَامر بْن كَعْب بْن سعد بْن تيم بْن مرّة، وَمَعَهُ امْرَأَته ريطة بنت الْحَارِث بْن جبيلة بْن عَامر بْن كَعْب بْن سعد بْن تيم بْن مرّة، فَولدت لَهُ هُنَاكَ مُوسَى وَزَيْنَب وَعَائِشَة وَفَاطِمَة. وَعَمْرو بْن عُثْمَان بْن عَمْرو التَّيْمِيّ عَم طَلْحَة، وشماس بْن عُثْمَان بْن الشريد المَخْزُومِي واسْمه عُثْمَان بْن عُثْمَان، وَهَبَّار بْن سُفْيَان بْن عَبْد الْأسد بْن هِلَال المَخْزُومِي، وَأَخُوهُ عَبْد اللَّهِ بْن سُفْيَان، وَهِشَام بْن أبي حُذَيْفَة بْن الْمُغيرَة بْن عَبْد اللَّهِ بْن عمر بْن مَخْزُوم، وَعَيَّاش بْن أبي ربيعَة بْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي، ومعتب بْن عَوْف بْن عَامر الْخُزَاعِيّ، يعرف بمعتب بْن حَمْرَاء حَلِيف بني مَخْزُوم، والسائب بْن عُثْمَان بْن مَظْعُون، وعماه قدامَة وَعبد اللَّه ابْنا مَظْعُون. وحاطب وحطاب ابْنا الْحَارِث بْن معمر الجُمَحِي، وَمَعَ حَاطِب زوجه فَاطِمَة بنت المجلل العامرية، ولدت لَهُ هُنَاكَ مُحَمَّدًا والْحَارث ابْني حَاطِب، وَمَعَ حطاب زوجه فكيهة بنت يسَار. وسُفْيَان بْن معمر بْن حبيب الجُمَحِي، وَمَعَهُ ابناه جَابر وجنادة ابْنا سُفْيَان، وأمهما حَسَنَة، وأخوهما لِأُمِّهِمَا شُرَحْبِيل بْن حَسَنَة، وَهُوَ شُرَحْبِيل بْن عَبْد اللَّهِ بْن المطاع الْكِنْدِيّ وَقيل١ إِنَّه من بني الْغَوْث بْن مر أخي تَمِيم بْن مر. وَعُثْمَان بْن ربيعَة بْن أهبان بْن وهب بْن حذافة بْن جمح، وخنيس بْن حذافة بْن قيس بْن عدي السَّهْمِي، وأخواه قيس وَعبد اللَّه ابْنا حذافة، وَرجل من تَمِيم اسْمه سعيد بْن عَمْرو كَانَ أَخا بشر٢ بْن الْحَارِث بْن قيس بْن عدي لأمه. وَهِشَام بْن الْعَاصِ بْن وَائِل أَخُو عَمْرو بْن الْعَاصِ، وَعُمَيْر بْن رِئَاب بْن حُذَيْفَة السَّهْمِي، وَأَبُو قيس بْن الْحَارِث بْن قيس بْن عدي السَّهْمِي، وإخوانه: الْحَارِث بْن الْحَارِث وَمعمر بْن الْحَارِث وَسَعِيد بْن الْحَارِث، والسائب بْن الْحَارِث، وَبشر بْن الْحَارِث، ومحمية بْن جُزْء الزبيدِيّ حَلِيف بني سهم. وَمعمر بْن عَبْد اللَّهِ بْن نَضْلَة٣ الْعَدوي من بني عدي بْن كَعْب وَعُرْوَة بن عبد الْعزي

стр. 46

ابْن حرثان الْعَدوي وعدي بْن نَضْلَة بْن عَبْد الْعُزَّى الْعَدوي. وَابْنه النُّعْمَان بْن عدي، وَمَالك بْن ربيعَة١ بْن قيس العامري وَامْرَأَته عمْرَة بنت أسعد٢ بْن وقدان بْن عَبْد شمس العامرية، وَسعد بْن خَوْلَة من أهل الْيمن حَلِيف لبني عَامر بْن لؤَي، وَعبد اللَّه بْن مخرمَة بْن عبد الْعُزَّى العامري، وَعبد اللَّه بْن سُهَيْل بْن عَمْرو العامري، وعماه: سليط بْن عَمْرو، والسكران بْن عَمْرو، وَمَعَ السَّكْرَان بْن عَمْرو امْرَأَته٣ سَوْدَة بنت زَمعَة. وَأَبُو عُبَيْدَة عَامر بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْجراح الفِهري، وَعَمْرو بْن أبي سرح بْن ربيعَة بْن هِلَال بْن أهيب بْن ضبة بْن الْحَارِث بْن فهر، وعياض بْن زُهَيْر بْن أبي شَدَّاد الفِهري، وَعُثْمَان بْن عَبْد غنم بْن زُهَيْر بْن أبي شَدَّاد. وَسعد بْن عَبْد قيس بْن لَقِيط بْن عَامر الفِهري. وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَثر، وَقَالَهُ بعض أهل السّير، أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كَانَ فِيمَن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَلكنه خرج فِي طَائِفَة من قومه٤ مُهَاجرا من بَلَده بِالْيمن، يُرِيد الْمَدِينَة، فَرَكبُوا الْبَحْر، فرمتهم الرّيح بالسفينة الَّتِي كَانُوا فِيهَا إِلَى أَرض الْحَبَشَة، فَأَقَامَ هُنَالك حَتَّى قدم مَعَ جَعْفَر٥ بْن أبي طَالب. وَلما نزل هَؤُلَاءِ بِأَرْض الْحَبَشَة أمنُوا على دينهم وَأَقَامُوا بِخَير دَار عِنْد خير جَار. وطالبتهم قُرَيْش عِنْده، فَكَانَ ذَلِك سَبَب إِسْلَامه على مَا نورده بعد إِن شَاءَ اللَّه. وَأقَام بِمَكَّة من كَانَ لَهُ من عشيرته مَنْعَة. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش أَن الْإِسْلَام يفشو وينتشر اجْتَمعُوا فتعاقدوا، على بني هَاشم وأدخلوا مَعَهم بني الْمطلب، أَلا يكلموهم وَلَا يجالسوهم وَلَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم. وَاجْتمعَ على ذَلِك ملؤهم، وَكَتَبُوا بذلك صحيفَة، وعلقوها فِي الْكَعْبَة. فانحاز بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب كلهم كافرهم ومؤمنهم، فصاروا فِي شعب أبي طَالب مَحْصُورين مُبْعَدِينَ مُجْتَنَبِينَ، حاشا أَبَا لَهب وَولده فَإِنَّهُم صَارُوا مَعَ قُرَيْش على قَومهمْ، فبقوا كَذَلِك ثَلَاث سِنِين إِلَى أَن جمع اللَّه قُلُوب قوم من قُرَيْش على نقض مَا كَانَت قُرَيْش تعاقدت فِيهِ على بني هَاشم وَبني الْمطلب.

стр. 47

بَاب ذكر دُخُول بني هَاشم بْن عَبْد منَاف وَبني الْمطلب بْن عَبْد منَاف فِي الشّعب ١ وَمَا لقوا من سَائِر قُرَيْش فِي ذَلِك ٢ أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن سَلمَة الْمرَادِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن لَهِيعَة عَن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن أبي الْأسود. وَأخْبرنَا عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان، قَالَ: أَخْبَرَنَا قَاسم بْن أصبغ، قَالَ: حَدَّثَنَا مطرف بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن قيس، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن حميد بْن كاسب، وَأَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاق الْمسَيبِي قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فليح، عَن مُوسَى بْن عقبَة، عَن ابْن شهَاب دخل حَدِيث بَعضهم فِي بعض، قَالَ: ثمَّ إِن كفار قُرَيْش أَجمعُوا أَمرهم وَاتفقَ رَأْيهمْ على قتل رَسُول اللَّه ﷺ ، وَقَالُوا: قد أفسد أبناءنا وَنِسَاءَنَا. فَقَالُوا لِقَوْمِهِ: خُذُوا منا دِيَته٣ مضاعفة ويقتله رجل من غير قُرَيْش، وتريحوننا وتريحون أَنفسكُم، فَأبى قومه بَنو هَاشم من ذَلِك وظاهرهم بَنو الْمطلب بْن عَبْد منَاف، فأجمع الْمُشْركُونَ من قُرَيْش على منابذتهم وإخراجهم من مَكَّة إِلَى الشّعب. فَلَمَّا دخلُوا الشّعب أَمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من كَانَ بِمَكَّة من الْمُؤمنِينَ أَن يخرجُوا إِلَى

стр. 48

أَرض الْحَبَشَة، وَكَانَ متجرا لقريش، وَكَانَ يثني على النَّجَاشِيّ بِأَنَّهُ لَا يظلم عِنْده أحد فَانْطَلق الْمُسلمُونَ إِلَى بَلَده. وَانْطَلق إِلَيْهَا عَامَّة من آمن بِاللَّه وَرَسُوله وَدخل بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب شِعْبهمْ: مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن دينا، وَالْكَافِر حمية*. فَلَمَّا عرفت قُرَيْش أَن رَسُول اللَّه ﷺ قد مَنعه قومه أَجمعُوا على أَلا يبايعوهم وَلَا يدخلُوا إِلَيْهِم شَيْئا من الرِّفْق١ وَقَطعُوا عَنْهُم الْأَسْوَاق وَلم يتْركُوا طَعَاما وَلَا إدَامًا وَلَا بيعا إِلَّا بَادرُوا إِلَيْهِ واشتروه دونهم٢ وَلَا يناكحوهم، وَلَا يقبلُوا مِنْهُم صلحا أبدا، وَلَا تأخذهم بهم رأفة، حَتَّى يسلمُوا رَسُول اللَّه ﷺ للْقَتْل. وَكَتَبُوا بذلك صحيفَة وعلقوها فِي الْكَعْبَة، وتمادوا على الْعَمَل بِمَا فِيهَا من ذَلِك ثَلَاث سِنِين. فَاشْتَدَّ الْبلَاء على بني هَاشم فِي شِعْبهمْ وعَلى كل من مَعَهم* *. فَلَمَّا كَانَ رَأس ثَلَاث سِنِين تلاوم قوم من بني قصي، مِمَّن ولدتهم بَنو هَاشم وَمِمَّنْ سواهُم، فَأَجْمعُوا أَمرهم على نقض مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ من الْغدر والبراءة، وَبعث اللَّه على صحيفتهم الأرضة، فَأكلت ولحست مَا فِي الصَّحِيفَة من مِيثَاق وعهد. وَكَانَ أَبُو طَالب فِي طول مدتهم فِي الشّعب يَأْمر رَسُول اللَّهِ ﷺ فَيَأْتِي فرَاشه كل لَيْلَة حَتَّى يرَاهُ من أَرَادَ بِهِ شرا أَو غائلة. فَإِذا نَام النَّاس أَمر أحد بنيه أَو إخوانه أَو بني عَمه، فاضطجع على فرَاش رَسُول اللَّه ﷺ ، وَأمر رَسُول اللَّه أَن يَأْتِي بعض فرشهم فيرقد عَلَيْهَا. فَلم يزَالُوا فِي الشّعب على ذَلِك إِلَى تَمام ثَلَاث سِنِين. فَلَمَّا أكملوها تلاوم رجال من قُرَيْش وحلفائهم وَأَجْمعُوا أَمرهم على نقض مَا كَانُوا تظاهروا عَلَيْهِ من القطيعة والبراءة. وَبعث اللَّه على صحيفتهم الأرضة، فلحست كل مَا كَانَ فِيهَا من عهد لَهُم وميثاق، وَلم تتْرك فِيهَا اسْما لله إِلَّا لحسته، وَبَقِي مَا كَانَ فِيهَا من شرك أَو ظلم وَقَطِيعَة رحم. فَأطلع اللَّه رَسُوله

стр. 49

على ذَلِك، فَذكر ذَلِك رَسُول اللَّهِ ﷺ لأبي طَالب، فَقَالَ أَبُو طَالب: لَا والثواقب١ مَا كَذَبْتَنِي، فَانْطَلق فِي عِصَابَة من بني عَبْد الْمطلب حَتَّى أَتَوا الْمَسْجِد، وهم خائفون، لقريش. فَلَمَّا رأتهم قُرَيْش فِي جمَاعَة أَنْكَرُوا ذَلِك، وظنوا أَنهم خَرجُوا من شدَّة الْبلَاء ليسلموا رَسُول اللَّه ﷺ برمتِهِ٢ إِلَى قُرَيْش. فَتكلم أَبُو طَالب، فَقَالَ: قد جرت أُمُور بَيْننَا وَبَيْنكُم لم٣ نذكرها لكم، فَأتوا بصحيفتكم الَّتِي فِيهَا مواثيقكم فَلَعَلَّهُ أَن يكون بَيْننَا وَبَيْنكُم صلح. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك أَبُو طَالب خشيَة أَن ينْظرُوا فِي الصَّحِيفَة قبل أَن يَأْتُوا بهَا. فَأتوا بصحيفتهم متعجبين لَا يَشكونَ أَن رَسُول اللَّه ﷺ يُدْفَعُ إِلَيْهِم، فَوَضَعُوهَا٤ بَينهم، وَقَالُوا لأبي طَالب: قد آن لكم أَن ترجعوا عَمَّا أَخَذْتُم٥ علينا وعَلى أَنفسكُم فَقَالَ أَبُو طَالب: إِنَّمَا أتيتكم فِي أَمر هُوَ نصف بَيْننَا وَبَيْنكُم، إِن ابْن أخي أَخْبرنِي، وَلم يُكْذِبْنِي، أَن هَذِه الصَّحِيفَة الَّتِي بَين٦ أَيْدِيكُم قد بعث الله عَلَيْهِ دَابَّة، فَلم تتْرك فِيهَا اسْما لَهُ إِلَّا لحسته، وَتركت فِيهَا غدركم وتظاهركم علينا بالظلم، فَإِن كَانَ الحَدِيث كَمَا يَقُول فأفيقوا، فَلَا وَالله لَا نسلمه حَتَّى نموت من عِنْد آخِرنَا، وَإِن كَانَ الَّذِي يَقُول بَاطِلا دفعنَا إِلَيْكُم صاحبنا ففتلتم أَو استحييتم. فَقَالُوا: قد رَضِينَا بِالَّذِي تَقول. ففتحوا الصَّحِيفَة، فوجدوا الصَّادِق المصدوق ﷺ قد أخبر بخبرها قبل أَن تفتح. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش صدق مَا جَاءَ بِهِ أَبُو طَالب عَن النَّبِي ﷺ قَالُوا: هَذَا سحر ابْن أَخِيك. وَزَادَهُمْ ذَلِك بغيا وعدوانا. وَأما ابْن هِشَام فَقَالَ٧: قد ذكر بعض أهل الْعلم أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لأبي طَالب: "يَا عَم إِن رَبِّي قد سلط الأرضة على صحيفَة قُرَيْش، فَلم تدع فِيهَا اسْما لله

стр. 50

إِلَّا أثبتته، ونفت مِنْهَا القطيعة وَالظُّلم والبهتان". قَالَ: أربك أخْبرك بِهَذَا؟ قَالَ: "نعم"، قَالَ: فوَاللَّه مَا يدْخل عَلَيْك أحد، ثمَّ خرج إِلَى قُرَيْش، فَقَالَ: يَا معشر قُرَيْش إِن ابْن أخي أَخْبرنِي. وسَاق الْخَبَر بِمَعْنى مَا ذكرنَا*. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق ومُوسَى [بْن عقبَة] ١ وَغَيرهمَا فِي تَمام ذَلِك الْخَبَر٢: وَنَدم مِنْهُم قوم، فَقَالُوا: هَذَا بغي منا على إِخْوَاننَا وظلم لَهُم. فَكَانَ أول من مَشى فِي نقض الصَّحِيفَة هِشَام بْن عَمْرو بْن الْحَارِث٣ من بني عَامر بْن لؤَي، وَهُوَ كَانَ كَاتب٤ الصَّحِيفَة، وَأَبُو البحتري الْعَاصِ بْن هِشَام٥ بْن الْحَارِث بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، والمطعم بن عدي. إِلَى هَا هُنَا تمّ٦ خبر ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بيتيم٧ عُرْوَة، ومُوسَى بْن عقبَة عَن ابْن شهَاب. وَهُوَ معنى مَا ذكر ابْن إِسْحَاق، إِلَّا أَن ابْن إِسْحَاق قَالَ٨: الَّذين مَشوا فِي نقض الصَّحِيفَة هِشَام٩ بْن عَمْرو بْن الحاث بْن حبيب بْن نصر بْن

стр. 51

مَالك ابْن حسل بْن عَامر بْن لؤَي لَقِي زُهَيْر بْن أبي أُميَّة بْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي فَعَيَّرَهُ بِإِسْلَامِهِ أَخْوَاله، وَكَانَت أم زُهَيْر عَاتِكَة بنت عَبْد الْمطلب عمَّة رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَأَجَابَهُ زُهَيْر إِلَى نقض الصَّحِيفَة. ثمَّ مضى هِشَام إِلَى الْمطعم بْن عدي بْن نَوْفَل فَذَكَّرَهُ أَرْحَامَ بني هَاشم وَبني الْمطلب بْن عَبْد منَاف فَأَجَابَهُ الْمطعم إِلَى نقضهَا ثمَّ مضى إِلَى البحتري بْن هِشَام بْن الْحَارِث بْن أَسد، فَذكره أَيْضا بذلك، فَأَجَابَهُ. ثمَّ مضى إِلَى زَمعَة بْن الْأسود بْن الْمطلب بْن أَسد، فَذكره ذَلِك، فَأَجَابَهُ فَقَامَ هَؤُلَاءِ فِي نقض الصَّحِيفَة. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسم بْن أصبغ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دُحَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدثنِي الزُّهْرِيّ: أَنا أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمِنًى: "نَحْنُ نَازِلُونَ عِنْدَ خَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ". يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَلا يُنَاكِحُوهُمْ وَلا يُبَايِعُوهُمْ، حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقِيَهُ ابْنُ الدغنة، فَرده١.

стр. 52

ذكر من انْصَرف من أَرض الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة ١ ثمَّ اتَّصل بِمن كَانَ فِي أَرض الْحَبَشَة من الْمُهَاجِرين أَن قُريْشًا قد أسلمت وَدخل أَكْثَرهَا فِي الْإِسْلَام خَبرا كَاذِبًا*. فَانْصَرف مِنْهُم قوم من أَرض الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة، مِنْهُم عُثْمَان بْن عَفَّان وَزَوجته رقية بنت رَسُول اللَّه ﷺ ، وَأَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة، وَامْرَأَته سهلة بنت سُهَيْل، وَعبد اللَّه بْن جحش، وَعتبَة بْن غَزوَان وَالزُّبَيْر بْن الْعَوام، وَمصْعَب بْن عُمَيْر وسويبط بْن سعد بْن حَرْمَلَة، وطليب بْن عُمَيْر، وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف، والمقداد بْن عَمْرو، وَعبد اللَّه بْن مَسْعُود، وَأَبُو سَلمَة بْن عَبْد الْأسد، وَامْرَأَته أم سَلمَة بنت أبي أُميَّة، وشماس بْن عُثْمَان وَهُوَ عُثْمَان بْن عُثْمَان وشماس لقبه، وَسَلَمَة بْن هِشَام بْن الْمُغيرَة، وعمار٢ بْن يَاسر، وَعُثْمَان وَقُدَامَة وَعبد الله بن مظغون، والسائب بن عُثْمَان بن مظغون، وخنيس بْن حذافة، وَهِشَام بْن الْعَاصِ بْن وَائِل، وعامر بْن ربيعَة، وَامْرَأَته ليلى بنت أبي حثْمَة، وَعبد اللَّه بْن مخرمَة بْن عَبْد الْعُزَّى من بني عَامر بْن لؤَي، وَعبد اللَّه بْن سُهَيْل بْن عَمْرو، وَأَبُو سُبْرَة بْن أبي رهم، وَامْرَأَته أم كُلْثُوم بنت سُهَيْل بْن عَمْرو، والسكران بْن عَمْرو أَخُو سُهَيْل بْن عَمْرو رَجَعَ من أَرض الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة وَمَات بهَا قبل الْهِجْرَة فَتزَوج رَسُول اللَّهِ ﷺ زوجه سَوْدَة بنت زَمعَة، وَسعد بْن خَوْلَة، وَأَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح، وَعَمْرو بْن الْحَارِث بْن زُهَيْر بْن شَدَّاد٣، وَسُهيْل بْن وهب الفِهري وَهُوَ سُهَيْل بْن بَيْضَاء، وَعَمْرو بْن أبي سرح. فوجدوا الْبلَاء والأذى على الْمُسلمين كَالَّذي كَانَ وَأَشد، فبقوا صابرين على الظُّلم والأذى، حَتَّى أذن اللَّه لَهُم بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة، فَهَاجرُوا إِلَيْهَا٤، حاشا سَلمَة بْن هِشَام، وَعَيَّاش٥ بْن أبي ربيعَة، والوليد بْن الْوَلِيد [بْن الْمُغيرَة] ٦ وَعبد اللَّه بْن مخرمَة، فَإِنَّهُم حبسوا بِمَكَّة، ثمَّ هَاجرُوا بعد بدر وَأحد وَالْخَنْدَق إِلَّا عَبْد اللَّهِ بْن مخرمَة فَإِنَّهُ هرب من الْكفَّار يَوْم بدر إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَبعد نقض الصَّحِيفَة مَاتَت خَدِيجَة٧ ﵂ وَمَات أَبُو طَالب، فأقدم سُفَهَاء قُرَيْش على رَسُول اللَّه ﷺ بالأذى، فَخرج إِلَى الطَّائِف يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام، فَلم يُجِيبُوهُ، فَانْصَرف إِلَى مَكَّة فِي جوَار الْمطعم بْن عدي بْن نَوْفَل بْن عَبْد منَاف. قَالَ ابْن شهَاب بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم، عَن مُوسَى بْن عقبَة: فَلَمَّا أفسد اللَّه صحيفَة مَكْرهمْ خرج النَّبِي ﷺ ورهطه، فعاشروا٨ وخالطوا النَّاس.

стр. 53

ذِكْرُ إِسْلَام الْجِنّ ١ وَأَقْبل وَفد الْجِنّ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن ثمَّ ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين. ثمَّ أَتَتْهُ الْجَمَاعَة مِنْهُم فآمنوا بِهِ وَصَدقُوهُ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ سَنَّةَ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: "مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَحْضُرَ اللَّيْلَةَ أَمْرَ الْجِنِّ فَلْيَفْعَلْ"، فَلَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ غَيْرِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَعْلَى مَكَّةَ خَطَّ لِي بِرِجْلِهِ خَطًّا، ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَامَ، فَافْتَتَحَ الْقُرْآنَ، فَغَشِيَتْهُ أَسْوِدَةٌ٢ كَثِيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، حَتَّى مَا أَسْمَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ طَفِقُوا يَتَقَطَّعُونَ مِثْلَ قِطَعِ السَّحَابِ ذَاهِبِينَ حَتَّى بَقِيَ مِنْهُمْ رَهْطٌ. وَفَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ مَعَ الْفَجْرِ. فَانْطَلَقَ، فَتَبَرَّزَ ثُمَّ أَتَانِي، فَقَالَ: "مَا فَعَلَ الرَّهْطُ؟ " قُلْتُ: هُمْ أُولَئِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ عَظْمًا وَرَوَثًا فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ ثُمَّ نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ أَحَدٌ بِعَظْمٍ أَوْ رَوَثٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أخبرنَا

стр. 54

شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي قُرَادَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ١: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، فَلْيَقُمْ مَعِي رَجُلٌ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ غِشٍّ" قَالَ: فَقُمْتُ وَمَعِي إِدَاوَةٌ، وفيهَا نبيد قَالَ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَضَيْتُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ، فَخَطَّ عَلَيَّ خِطَّةً، ثُمَّ قَالَ: "إِنْ خَرَجْتَ مِنْهَا لَمْ تَرَنِي وَلَمْ أَرَكَ". قَالَ: وَمَضَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ جَاءَ فَوَجَدَنِي قَائِمًا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكَ قَائِمًا؟ " قُلْتُ: خَشِيتُ أَنْ لَا تَرَانِي وَلا أَرَاكَ أَبَدًا. قَالَ: "مَا ضَرَّكَ لَوْ قَعَدْتَ" وَقَالَ: "مَا هَذَا مَعَكَ؟ " قُلْتُ: نَبِيذٌ. قَالَ: "هَاتِ، ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ" فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، وَقُمْتُ مَعَهُ وَخَلْفَهُ رَجُلانِ مِنَ الْجِنِّ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَقْبَلا عَلَيْهِ يَسْأَلانِهِ فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمَا؟ أَلَمْ أَقْضِ لَكُمَا وَلِقَوْمِكُمَا حَوَائِجَكُمْ؟ " ٢ قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْنَا أَنْ يَشْهَدَ مَعَكَ الصَّلاةَ بَعْضُنَا، فَقَالَ: "فَمَنْ أَنْتُمَا؟ " قَالا: مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ، قَالَ: "أَفْلَحَ هَذَانِ وأفلح قومهما". ثُمَّ سَأَلا الْمُبَاحَ، فَقَالَ: $"الْعَظْمُ مُبَاحٌ لَكُمْ، وَالرَّوَثُ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: وَإِنَّهُمَا لَيَجِدَانِهِمَا أَعْظَمَ مَا كَانَ وَأَطْرَاهُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ ﵁: هَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَوَاتِرٌ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى حِسَانٍ كُلِّهَا إِلا حَدِيثَ أَبِي زَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، فَإِنَّ أَبَا زيد مَجْهُول لَا يعرف فِي أَصْحَاب ابْن مَسْعُود٣ وَيَكْفِي من ذكر الْجِنّ مَا فِي سُورَة الرَّحْمَن وَسورَة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وَمَا جَاءَ فِي الْأَحْقَاف: قَوْله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنّ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن ... ﴾ الْآيَات. وَفِي خبر عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: وددت أَن أكون مَعَه لَيْلَة

стр. 55

الْجِنّ١. و [فِي] قَول عَلْقَمَة: وددت أَن صاحبنا مَعَه ليلتئذ مَا يدْفع الْأَخْبَار الْوَارِدَة بذلك، لِأَن الْمَعْنى أَنه لم يكن مَعَه، وَمَا زَالَ عَن الْخط الَّذِي خطّ لَهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَان، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ٢: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْجِنِّ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَمُرَةٌ٣، فَآذَنَتْهُ بِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنَ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ مَسْرُوقًا قَالَ لَهُ: أَبُوكَ أَخْبَرَنَا: أَنَّ شَجَرَةً أَنْذَرَتِ النَّبِيَّ ﵇ بِالْجِنِّ. قَالَ أَبُو دواد: وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مَعْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ آذنته بهم سَمُرَة *.

стр. 56

[ذكر خُرُوج الرَّسُول إِلَى الطَّائِف وعودته إِلَى مَكَّة] ١ قَالَ الْفَقِيه أَبُو عُمَرَ ﵁، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَعْرِضُ نَفسه فِي تِلْكَ السنين على الْقَبَائِل ليمنعوه، حَتَّى يبلغ رسالات ربه، وَلم يقبله أحد مِنْهُم، وَكلهمْ كَانَ يَقُول لَهُ: قومه أعلم بِهِ، وَكَيف يُصْلِحنَا من أفسد قومه؟ وَكَانَ ذَلِك مِمَّا ذخره اللَّه للْأَنْصَار وَأكْرمهمْ بِهِ. فَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالب اشْتَدَّ الْبلَاء على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَعمد لثقيف رَجَاء أَن يؤووه، فَوجدَ ثَلَاثَة نفر، هم سادة ثَقِيف، وهم إخوةٌ: عَبْدُ٢ يَالَيْلَ بْنُ عَمْرٍو، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَسْعُودُ بْن عَمْرٍو، فَعرض عَلَيْهِم نَفسه، وأعلمهم بِمَا لَقِي من قومه، فَقَالَ أحدهم: أَنا أسرق٣ ثِيَاب الْكَعْبَة إِن كَانَ اللَّه بَعثك بِشَيْء قطّ، وَقَالَ الآخر: أعجز اللَّه أَن يُرْسل غَيْرك؟ وَقَالَ الثَّالِث: لَا أُكَلِّمك بعد مجلسك هَذَا، لَئِن كنت رَسُول اللَّه لأَنْت أعظم حَقًا من أَن أُكَلِّمك، وَلَئِن كنت تكذب على اللَّه لأَنْت شَرّ من أَن أُكَلِّمك وهزئوا بِهِ. وأفشوا فِي قَومهمْ مَا راجعوه بِهِ، وأقعدوا لَهُ صفّين٤، فَلَمَّا مر رَسُول اللَّهِ ﷺ بَينهمَا٥ جعلُوا لَا يرفع رجلا وَلَا يضع رجلا إِلَّا رضخوها٦ بحجارة، قد كَانُوا أعدوها، حَتَّى أدموا رجلَيْهِ ﷺ . فخلص مِنْهُم وَعمد إِلَى حَائِط٧ من حوائطهم، فاستظل فِي ظلّ نَخْلَة مِنْهُ، وَهُوَ مكروب تسيل قدماه بالدماء، وَإِذا فِي

стр. 57

الْحَائِط عتبَة١ بْن ربيعَة وَشَيْبَة بْن ربيعَة. فَلَمَّا رآهما كره مكانهما لما علم من عداوتهما لله وَلِرَسُولِهِ. فَلَمَّا رأياه أرسلا إِلَيْهِ غُلَاما لَهما يُقَال لَهُ عداس، وَهُوَ نَصْرَانِيّ من أهل نِينَوَى، مَعَه عِنَب. فَلَمَّا أَتَاهُ عداس قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنْ أَيِّ أَرْضٍ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ " قَالَ: من أهل نِينَوَى٢. فَقَالَ النَّبِي ﵇: "مَدِينَة الرجل الصَّالح يُونُس بْن مَتَّى". فَقَالَ لَهُ عداس: مَا يدْريك مَنْ يُونُس بْن مَتَّى. وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا يحقر أحدا أَن يبلغهُ رِسَالَة ربه. فَقَالَ: "أَنا رَسُول اللَّه". فَلَمَّا أخبرهُ بِمَا أوحى اللَّه إِلَيْهِ من شَأْن يُونُس خر عداس سَاجِدا لرَسُول اللَّه ﷺ وَجعل يقبل قَدَمَيْهِ، وهما يسيلان دَمًا. فَلَمَّا أبْصر عتبَة وَشَيْبَة مَا يصنع غلامهما سكتا، فَلَمَّا أتاهما قَالَا: مَا شَأْنك؟! سجدت لمُحَمد وَقبلت قَدَمَيْهِ! قَالَ: هَذَا رجل صَالح، أَخْبرنِي بِشَيْء عَرفته من شَأْن رَسُول بَعثه اللَّه يدعى يُونُس بْن مَتى. فضحكا بِهِ، وَقَالا لَهُ: إياك أَن يفتنك عَن نصرانيتك فَإِنَّهُ رجل خداع. فَرجع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّة. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ السَّرْحِ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ٣: أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: "لَقِيتُ مِنْ قَوْمِي ٤ مَا كَانَ أَشَدَّ. قَالَ: وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ ثَقِيفٍ ٥، إِذْ عَرَضْتُ [نَفسِي] ٦ على عبد ٧ ياليل بْنِ عَبْدِ كِلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ. فَانْطَلَقْتُ [عَلَى وَجْهِي] ٨ وَأَنَا مَغْمُومٌ ٩، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بقرن ١٠ الثعالب.

стр. 58

فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ [وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ] ١ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ [لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ] ٢ فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ٣: أَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِمَا شِئْتَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ [وَحْدَهُ] ٤ وَلا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا*. [إِسْلَام الطُّفَيْل بْن عَمْرو الدوسي] ٥ قَالَ الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو عمر ﵁: وَبعد رُجُوع رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ دُعَاء ثَقِيف قدم عَلَيْهِ الطُّفَيْل بْن عَمْرو الدوسي، فَدَعَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَام، وَأمره بِدُعَاء قومه، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه، اجْعَل لي آيَة تكون لي عونا. فَدَعَا لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ ، فَجعل اللَّه فِي وَجهه نورا، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَخَاف أَن يجعلوها مثلَة، فَدَعَا لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَصَارَ النُّور فِي سَوْطه، فَهُوَ

стр. 59

مَعْرُوف بِذِي النُّور*. وَوصل إِلَى قومه بِتِلْكَ الْآيَة، فَأسلم أَكْثَرهم، وَأقَام الطُّفَيْل فِي بِلَاده إِلَى عَام الخَنْدَق ثمَّ قدم فِي سبعين أَو ثَمَانِينَ رجلا من قومه مُسلمين. وَقد ذكرنَا خَبره بِتَمَامِهِ فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة. حَدِيث الْإِسْرَاء [والمعراج] مُخْتَصرا ١ ثمَّ أسرِي٢ برَسُول اللَّه ﷺ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْأَقْصَى. ثمَّ مِنْهُ إِلَى السَّمَاء، فَرَأى الْأَنْبِيَاء فِي السَّمَوَات على مَا فِي الحَدِيث بذلك. وَفرض اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ الصَّلَوَات الْخمس٣. ثمَّ انْصَرف فِي ليلته تِلْكَ إِلَى مَكَّة، فَأخْبر بذلك، فَصدقهُ أَبُو بكر وكل من آمن بِهِ، وَكذبه الْكفَّار، واستوصفوه مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَمَثَّلَهُ اللَّه لَهُ، فَجعل ينظر إِلَيْهِ ويصفه.

стр. 60

[عرض الرَّسُول الإسلامَ على قبائل الْعَرَب] ١ وَفِي ذَلِك٢ كُله رَسُول اللَّه لَا يزَال يَدْعُو إِلَى دين اللَّه، وَيَأْمُر بِهِ كل من لقِيه وَرَآهُ من الْعَرَب٣ إِلَى أَن قدم سُوَيْد بْن الصَّامِت أَخُو بني عَمْرو بْن عَوْف من الْأَوْس، فَدَعَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَام، فَلم يبعد وَلم يجب، ثمَّ انْصَرف إِلَى يثرب، فَقتل فِي بعض حروبهم٤. وَقدم مَكَّة أَبُو الحيسر أنس بْن رَافع فِي فتية من قومه من بني عَبْد الْأَشْهَل يطْلبُونَ الْحلف٥، فَدَعَاهُمْ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى الإِسْلامِ، فَقَالَ رجل مِنْهُم اسْمه٦ إِيَاس بْن معَاذ، وَكَانَ شَابًّا: يَا قوم هَذَا وَالله خير مِمَّا قدمنَا لَهُ. فَضَربهُ أَبُو الحيسر، وانتهره، فَسكت. ثمَّ لم يتم لَهُم الْحلف، فانصرفوا إِلَى بِلَادهمْ. وَمَات إِيَاس بْن معَاذ، فَقيل إِنَّه مَاتَ مُسلما.

стр. 61

الْعقبَة الأولى ١ ثمَّ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقِي عِنْد الْعقبَة فِي الْمَوْسِم٢ سِتَّة نفر من الْأَنْصَار، كلهم من الْخَزْرَج، وهم أَبُو أُمَامَة أسعد٣ بْن زُرَارَة، وعَوْف٤ بْن الْحَارِث بْن رِفَاعَة وَهُوَ ابْن عفراء٥، وَرَافِع٦ بْن مَالك بْن العجلان. وَقُطْبَة٧ بْن عَامر بْن حَدِيدَة، وَعقبَة٨ بْن عَامر بْن نابي، وَجَابِر٩ بْن عَبْد اللَّهِ بْن رِئَاب. وَمن أهل الْعلم بالسير من بِجعْل فيهم عبَادَة١٠ بْن الصَّامِت وَيسْقط جَابر بْن عَبْد اللَّهِ بْن رِئَاب. فَدَعَاهُمْ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى الإِسْلامِ، فَكَانَ من صُنْعِ اللَّه لَهُم أَنهم كَانُوا من جيران الْيَهُود، فَكَانُوا يسمعونهم يذكرُونَ أَن اللَّه تَعَالَى يبْعَث نَبيا قد أطل زَمَانه١١. فَقَالَ بَعضهم لبَعض: هَذَا وَالله الَّذِي تُهَدِّدُكُمْ بِهِ يهود فَلَا يسبقونا إِلَيْهِ. فأسلموا بِهِ

стр. 62

وَبَايَعُوا*. وَقَالُوا: إِنَّا قد تركنَا١ قَومنَا، بَيْننَا وَبينهمْ حروب، فننصرف وندعوهم إِلَى مَا دَعوتنَا إِلَيْهِ، فَعَسَى اللَّه أَن يجمعهُمْ بك، فَإِن اجْتمعت كلمتهم عَلَيْك واتبعوك، فَلَا أحد أعز مِنْك. وَانْصَرفُوا إِلَى الْمَدِينَة، فدعوا إِلَى الْإِسْلَام، حَتَّى فَشَا فيهم، وَلم تبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا وفيهَا ذكر من رَسُول اللَّه ﷺ . الْعقبَة الثَّانِيَة ٢ حَتَّى إِذا كَانَ الْعَام الْمقبل قدم مَكَّة من الْأَنْصَار اثْنَا عشر رجلا، مِنْهُم خَمْسَة من السِّتَّة الَّذين ذكرنَا وهم أَبُو أُمَامَة، وعَوْف بْن عفراء، وَرَافِع بْن مَالك، وَقُطْبَة بْن عَامر بْن حَدِيدَة وَعقبَة بْن عمر بْن نابي. وَلم يكن فيهم جَابر بْن عَبْد اللَّهِ بْن رِئَاب، وَلم يحضرها٣. والسبعة الَّذين هم تَتِمَّة الاثْنَي عشر هم: معَاذ بْن الْحَارِث بْن رِفَاعَة وَهُوَ ابْن عفراء أَخُو عَوْف الْمَذْكُور، وذكوان بْن عَبْد قيس الزرقي وَذكروا أَنه رَحل إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّة فسكنها مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَهُوَ مهَاجر أَنْصَارِي قتل يَوْم أحد، وَعبادَة بْن الصَّامِت بْن قيس بْن أَصْرَم، وَأَبُو عَبْد الرَّحْمَن يزِيد بْن ثَعْلَبَة البلوي حَلِيف بني غصينة من بلي، وَالْعَبَّاس بْن عبَادَة بْن نَضْلَة. فَهَؤُلَاءِ من الْخَزْرَج، وَمن الْأَوْس رجلَانِ:

стр. 63

أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التيهَان١ من بني عَبْد الْأَشْهَل، وعويم بْن سَاعِدَة من بني عَمْرو بْن عَوْف حَلِيف٢ لَهُم من بلي. فَبَايع رسولُ اللَّهِ ﷺ هَؤُلَاءِ عِنْد الْعقبَة على بيعَة النِّسَاء٣، وَلم يكن أَمر بِالْقِتَالِ بعد. فَلَمَّا انصرفوا٤ بعث رَسُول اللَّه ﷺ مَعَهم ابْن أم مَكْتُوم، وَمصْعَب بْن عُمَيْر يعلم من أسلم مِنْهُم بِالْقُرْآنِ وَشَرَائِع الْإِسْلَام، وَيَدْعُو من لم يسلم إِلَى الْإِسْلَام. فَنزل مُصعب بْن عُمَيْر على أسعد بْن زُرَارَة. وَكَانَ مُصعب بْن عُمَيْر يدعى المقرىء الْقَارئ، وَكَانَ يؤمهم، فَجمع بهم أول٥ جُمُعَة جمعت فِي الْإِسْلَام فِي هزم٦ حرَّة بني بياضة فِي بَقِيع يُقَال لَهُ بَقِيع٧ الْخضمات، وهم أَرْبَعُونَ رجلا. فَأسلم على يَد مُصعب بْن عُمَيْر خلق كثير من الْأَنْصَار، وَأسلم فِي جَمَاعَتهمْ سعد بْن معَاذ وَأسيد بْن حضير، وَأسلم بإسلامهما جَمِيع بني عَبْد الْأَشْهَل فِي يَوْم وَاحِد: الرِّجَال وَالنِّسَاء، لم يبْق مِنْهُم أحد إِلَّا أسلم، حاشا الأصيرمَ، وَهُوَ عَمْرو بْن ثَابت بْن وقش، فَإِنَّهُ تَأَخّر إِسْلَامه إِلَى يَوْم أحد، فَأسلم وَاسْتشْهدَ، وَلم يسْجد لله سَجْدَة. وَأخْبر رَسُول اللَّه ﷺ أَنه من أهل الْجنَّة. وَلم يكن فِي بني عَبْد الْأَشْهَل مُنَافِق وَلَا منافقة، كَانُوا كلهم حنفَاء مُخلصين، ﵃ أَجْمَعِينَ. وَلم يبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا وفيهَا مُسلمُونَ: رجال وَنسَاء، حاشا بني أُميَّة بن

стр. 64

زيد، وخطمة، وواقد١ [وَوَائِل] ٢، وهم بطُون من الْأَوْس، وَكَانُوا سكانا فِي عوالي الْمَدِينَة، فَأسلم مِنْهُم قوم. وَكَانَ سيِّدَهُمْ أَبُو قيس بْن صَيْفِي بْن الأصلت الشَّاعِر، فَتَأَخر إِسْلَامه وَإِسْلَام سَائِر قومه إِلَى أَن مَضَت بدر وَأحد وَالْخَنْدَق، ثمَّ أَسْلمُوا كلهم. ثمَّ رَجَعَ مُصعب بْن عُمَيْر إِلَى مَكَّة. الْعقبَة الثَّالِثَة ٣ وَخرج إِلَى الْمَوْسِم جمَاعَة كَبِيرَة مِمَّن أسلم من الْأَنْصَار يُرِيدُونَ لِقَاء رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي جملَة قوم كفار مِنْهُم لم يسلمُوا بعد، فوافوا مَكَّة. وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ الْبَراء٤ بْن معْرور، فَرَأى أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة فِي الصَّلَاة، وَكَانَت الْقبْلَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس. فصلى كَذَلِك طول طَرِيقه. فَلَمَّا قدم مَكَّة نَدم، فاستفتى رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ لَهُ: "قد كنت على قبْلَة لَو صبرت عَلَيْهَا"، مُنْكِرًا لِفِعْلِهِ. فواعدوا رَسُول اللَّهِ ﷺ الْعقبَة من أواسط أَيَّام التَّشْرِيق، فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة دَعَا كعبُ بْن مَالك وَرِجَال من بني سَلمَة عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو بْن حرَام وَكَانَ سيدا فيهم، إِلَى الْإِسْلَام، وَلم يكن أسلم، فَأسلم تِلْكَ اللَّيْلَة وَبَايع. وَكَانَ ذَلِك سرا مِمَّن حضر من كفار قَومهمْ. فَخَرجُوا فِي ثلث اللَّيْل الأول متسللين من رحالهم إِلَى الْعقبَة، فَبَايعُوا رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدهَا على أَن يمنعوه مِمَّا يمْنَعُونَ مِنْهُ أنفسهم ونساءهم وأبناءهم وَأَن يرحل إِلَيْهِم هُوَ وَأَصْحَابه. وَحضر الْعَبَّاس الْعقبَة تِلْكَ اللَّيْلَة متوثقا لرَسُول اللَّه ﷺ ومؤكدا على أهل يثرب، وَكَانَ يَوْمئِذٍ على دين قومه لم يسلم. وَكَانَ للبراء بْن معْرور فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْمقَام الْمَحْمُود فِي

стр. 65

التوثيق لرَسُول اللَّه ﷺ والشد لعقد أمره. وَهُوَ أول١ من بَايع رَسُول اللَّه ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَة: لَيْلَة الْعقبَة [الثَّالِثَة] . وَكَذَلِكَ كَانَ مقَام أبي الْهَيْثَم٢ بْن التيهَان، وَالْعَبَّاس٣ بْن نَضْلَة يَوْمئِذٍ. وَكَانَ المبايعون لرَسُول اللَّه ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَة سبعين٤ رجلا وَامْرَأَتَيْنِ. وَاخْتَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْهُم اثْنَي٥ عشر نَقِيبًا، وهم: أسعد بن زُرَارَة بن عدي أَبُو أُمَامَة، وَهُوَ أحد السِّتَّة، وَأحد الاثْنَي عشر، وَأحد السّبْعين٦، وَسعد بْن الرّبيع، وَعبد اللَّه بْن رَوَاحَة، وَرَافِع بْن مَالك بْن العجلان وَهُوَ أَيْضا أحد السِّتَّة وَأحد الاثْنَي عشر وَأحد السّبْعين، والبراء بْن معْرور، وَعبد اللَّهِ بْنَ عَمْرو بْن حرَام، وَسعد بْن عبَادَة بْن دليم، وَالْمُنْذر بْن عَمْرو بْن خُنَيْس، وَعبادَة بْن الصَّامِت وَهُوَ أحد السِّتَّة فِي قَول بَعضهم، وَأحد الاثْنَي عشر وَأحد السّبْعين. فَهَؤُلَاءِ تِسْعَة من الْخَزْرَج، وَثَلَاثَة من الْأَوْس: أسيد بْن حضير، وَسعد بْن خَيْثَمَة بْن الْحَارِث، وَرِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذر. وَهَؤُلَاء هم النُّقَبَاء. وَقد أسقط قوم رِفَاعَة٧ بْن عَبْد الْمُنْذر مِنْهُم، وعدوا مَكَانَهُ أَبَا الْهَيْثَم بْن التيهَان، وَالله أعلم.

стр. 66

وَهَذِه تَسْمِيَة من شهد الْعقبَة من الْأَنْصَار ١ مَعَ ٢ الاثْنَي عشر النُّقَبَاء ظهير بْن رَافع بْن عدي الْحَارِثِيّ، وَسَلَمَة بْن سَلامَة بن وقش الْأَشْهَل، ونهير بْن الْهَيْثَم من بني نابي بْن مجدعة، وَعبد اللَّه بْن جُبَير بْن النُّعْمَان من بني عمرور بن عَوْف، وَأسد بْن حضير بْن سماك، وَأَبُو الْهَيْثَم بْن التيهَان، وَسعد بْن خَيْثَمَة، وَرِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذر، وَأَبُو بردة هانىء بْن نيار حَلِيف لَهُم من بلي، وعويم بْن سَاعِدَة حَلِيف لَهُم من بلي، ومعن بْن عدي بْن الْجد حَلِيف لَهُم من بلي. فَهَؤُلَاءِ من الْأَوْس أحد عشر رجلا، وشهدها من الْخَزْرَج: أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ خَالِد بْن زيد، ومعاذ، ومعوذ، وعَوْف: بَنو الْحَارِث بْن رِفَاعَة وهم بَنو عفراء، وَعمارَة بْن حزم بْن زيد بْن لوذان، وَأَبُو رهم الْحَارِث بْن رِفَاعَة بْن الْحَارِث. هَؤُلَاءِ السِّتَّة من بني غنم بْن مَالك بْن النجار. وَسَهل بْن عتِيك بْن النُّعْمَان بْن النجار من بني عَامر بْن مَالك بْن النجار. وَأَوْس بْن ثَابت بْن الْمُنْذر بْن حرَام، وَأَبُو طَلْحَة وَهُوَ زيد بْن سهل النجاري. وَهَذَانِ من بني عَمْرو بْن مَالك بْن النجار. وَقيس بْن أبي صعصعة النجاري، وَعَمْرو بْن غزيَّة بْن عمر. وَهَذَانِ من بني غنم بْن مَازِن بْن النجار. وخارجة بْن زيد بْن أبي زُهَيْر، وَبشير بْن سعد [بْن ثَعْلَبَة] بْن خلاس٣. وخلاد بْن سُوَيْد بْن ثَعْلَبَة. وَهَؤُلَاء من بني كَعْب بْن الْخَزْرَج بْن الْحَارِث بن الْخَزْرَج.

стр. 67

وَعبد اللَّه بْن زيد بْن ثَعْلَبَة من بني جشم بْن الْحَارِث بْن الْخَزْرَج. وَعقبَة بْن عَمْرو بْن يسيرَة١ بْن عسيرة٢ أَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج. وَهُوَ وَجَابِر بْن عَبْد اللَّهِ أَصْغَر من شهد الْعقبَة. وَزِيَاد بْن لبيد بْن ثَعْلَبَة، وفروة بْن عَمْرو بْن ودفة٣، وخَالِد بْن قيس بْن مَالك. وَهَؤُلَاء من بني بياضة بْن عَامر بْن زُرَيْق بْن عَبْد حَارِثَة بْن مَالك بْن غضب بْن جشم بْن الْخَزْرَج. وذكوان بْن عَبْد قيس بْن خلدَة بْن مخلد بْن عَامر بْن زُرَيْق بْن عَامر أخي بياضة بن عَامر، وعياد بْن قيس بْن عَامر بْن خَالِد بْن عَامر بْن زُرَيْق بْن عَامر، والْحَارث بْن قيس بْن خَالِد بْن مخلد بْن زُرَيْق بْن عَامر أخي بياضة بْن عَامر. وَمن بني سَلمَة بْن سعد بْن عَليّ: بشر بْن الْبَراء بْن معْرور، وَسنَان بْن صَيْفِي بْن صَخْر، والطفيل بْن النُّعْمَان بْن خنساء، وَمَعْقِل بْن الْمُنْذر بْن سرح، وَيزِيد بْن الْمُنْذر بْن سرح، ومسعود بْن زيد بْن سبيع، وَيزِيد بْن خدام٤ بْن سبيع، وَالضَّحَّاك بْن حَارِثَة بْن زيد، وجبار بْن صَخْر بْن أُميَّة، والطفيل بْن مَالك بْن الخنساء، وَهَؤُلَاء كلهم من بني عدي بْن غنم بْن كَعْب بْن سَلمَة. وَمن بني سَواد بْن غنم بْن كَعْب بْن سَلمَة: كَعْب٥ بْن مَالك بْن أبي كَعْب الشَّاعِر، وسليم بْن عَمْرو بْن حَدِيدَة، وَقُطْبَة بْن عَامر بْن حَدِيدَة، وَأَخُوهُ يزِيد بْن عَامر، وَأَبُو الْيُسْر كَعْب بْن عَمْرو بْن عباد، وَابْن عَمه صَيْفِي بْن سَواد بْن عباد، وثعلبة بْن عنمة بْن عدي، وَأَخُوهُ عَمْرو بْن عنمة، وَعَبس بْن عَامر بْن عدي، وخَالِد بْن عَمْرو بْن عدي، وَعبد اللَّه بْن أنيس بْن أسعد حَلِيف لَهُم من قضاعة.

стр. 68

وَمن بني حرَام بْن كَعْب بْن غنم بْن كَعْب بْن سَلمَة: جَابر بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن حرَام كَانَ من أحدثهم سنا، ومعاذ بْن الجموح، وثابت بْن الْجذع، وَاسم الْجذع ثَعْلَبَة بْن كَعْب١ بْن حرَام بْن كَعْب، وَعُمَيْر بْن الْحَارِث بْن لبدة، وخديج بْن سَلامَة بْن أَوْس حَلِيف لَهُم من بلي. وَمن إخْوَة بني سَلمَة وهم بَنو أُدي، وَيُقَال أُدي بْن سعد بْن عَليّ: معَاذ بْن جبل بْن عَمْرو بْن أَوْس بْن عَائِذ بْن عدي بْن كَعْب بْن عَمْرو بْن أُدي. وَجَمِيع من شَهِدَهَا من بني سَلمَة وحلفائهم ثَلَاثُونَ رجلا. وَقد ذكر بعض أهل السّير فيهم أَوْس بْن عباد بْن عدي. وَمن بني عَوْف بْن الْخَزْرَج ثمَّ من بني سَالم بْن عَوْف بْن عَمْرو بْن عَوْف بْن الْخَزْرَج: الْعَبَّاس بْن عبَادَة بْن نَضْلَة وَهُوَ مهَاجر أَنْصَارِي هَاجر إِلَى النَّبِي ﷺ إِلَى مَكَّة فَكَانَ مَعَه بهَا ثمَّ هَاجر مَعَه إِلَى الْمَدِينَة وَقتل يَوْم أحد، وَيزِيد بْن ثَعْلَبَة بْن خزمة٢ بْن أَصْرَم حَلِيف لَهُم من [بني] غصينة من بلي، وَعَمْرو بْن الْحَارِث بْن لبدة من القواقل. وَمن بني الحبلى واسْمه سَالم بْن عَمْرو بْن عَوْف: رِفَاعَة بْن عَمْرو بْن زيد بْن ثَعْلَبَة بْن مَالك بْن سَالم، وَعقبَة بْن وهب بْن كلدة بْن الْجَعْد من بني عَبْد اللَّهِ بْن غطفان بن سعد بن قيس عيلان حَلِيف لَهُم هَاجر أَيْضا إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى مَكَّة: فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة رجال. وَمن بني كَعْب بْن الْخَزْرَج: سعد بْن عبَادَة بْن دليم، وَالْمُنْذر بْن عَمْرو وهما من النُّقَبَاء الَّذين ذكرنَا. وَامْرَأَتَانِ: نسيبة بنت كَعْب بْن عَمْرو من بني مَازِن بْن النجار وَهِي أم عمَارَة قتل مُسَيْلمَة ابْنهَا حبيب بْن زيد بْن عَاصِم، وَالثَّانيَِة أَسمَاء بنت عَمْرو بْن عدي بْن نابي من بني سَواد بْن غنم بْن كَعْب بْن سَلمَة وَهِي أم منيع. وَكَانَت الْبيعَة لَيْلَة الْعقبَة (الثَّالِثَة) على حَرْب الْأسود والأحمر. وَأخذ لنَفسِهِ، وَاشْترط عَلَيْهِم لرَبه، وَجعل لَهُم على الْوَفَاء بذلك الْجنَّة*.

стр. 69

بَاب ذكر الْهِجْرَة ١ إِلَى الْمَدِينَة * فَلَمَّا تمت بيعَة هَؤُلَاءِ لرَسُول اللَّهِ ﷺ لَيْلَة الْعقبَة، وَكَانَت سرا، على كفار قَومهمْ وكفار قُرَيْش أَمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من كَانَ مَعَه من الْمُسلمين بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة أَرْسَالًا٢ فَقيل: أول٣ من خرج أَبُو سَلمَة بْن عَبْد الْأسد المَخْزُومِي وحبست عَنهُ امْرَأَته أم سَلمَة بنت

стр. 70

أبي أُميَّة بِمَكَّة نَحْو سنة، ثمَّ أذن لَهَا فِي اللحاق بزوجها فَانْطَلَقت مهاجرة وشيعها عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أبي طَلْحَة وَهُوَ كَافِر١ إِلَى الْمَدِينَة. وَنزل أَبُو سَلمَة فِي قبَاء٢. ثمَّ عَامر بْن ربيعَة، حَلِيف بني عدي بْن كَعْب مَعَه امْرَأَته ليلى بنت أبي حثْمَة بْن غَانِم، وَهِي أول ظَعِينَة٣ دخلت من الْمُهَاجِرَات إِلَى الْمَدِينَة. ثمَّ عَبْد اللَّهِ بْن جحش، وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمد بْن جحش الشَّاعِر الْأَعْمَى، وأمهما وَأم إخوتهما أُميَّة بنت عَبْد الْمطلب. وَهَاجَر جَمِيع بني جحش بنسائهم، فغدا أَبُو سُفْيَان على دَارهم فتملكها إِذْ خلت مِنْهُم. وَكَانَت الفارعة بنت أبي سُفْيَان بْن حَرْب تَحت أبي أَحْمد بْن جحش. فَنزل هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة: أَبُو سَلمَة، وعامر بْن ربيعَة، وَعبد اللَّه وَأَبُو أَحْمد ابْنا جحش، على مُبشر بْن عَبْد الْمُنْذر بْن زنبر فِي بني عَمْرو بْن عَوْف بقباء. وَهَاجَر مَعَ بني جحش جمَاعَة من بني أَسد بْن خُزَيْمَة بنسائهم، مِنْهُم عكاشة بْن مُحصن، وَعقبَة وشجاع ابْنا وهب، وأربد بْن حمير٤، ومنقذ بْن نباتة، وَسَعِيد بْن رُقَيْش وَأَخُوهُ يزِيد بْن رُقَيْش، ومحرز بْن نَضْلَة، وَقيس بْن جَابر، وَعَمْرو بْن مُحصن، وَمَالك٥ بْن عَمْرو، وَصَفوَان بْن عَمْرو، وثقف بْن عَمْرو، وَرَبِيعَة بْن أَكْثَم، وَالزُّبَيْر بْن عُبَيْدَة، وَتَمام بْن عُبَيْدَة، وسخبرة بْن عُبَيْدَة، وَمُحَمّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن جحش، وَمن نِسَائِهِم زَيْنَب بنت٦ جحش، وَحمْنَة بنت جحش، وَأم حبيب٧ بنت جحش،

стр. 71

وجدامة١ بنت جندل، وَأم قيس بنت مُحصن، وَأم حَبِيبَة بنت نباتة، وأمامة٢ بنت رُقَيْش. ثمَّ خرج٣ عمر بْن الْخطاب وَعَيَّاش بْن أبي ربيعَة فِي عشْرين رَاكِبًا، فقدموا الْمَدِينَة، فنزلوا فِي العوالي فِي بني أُميَّة بْن زيد. وَكَانَ يُصَلِّي بهم سَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَكَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا. وَكَانَ هِشَام بْن الْعَاصِ بْن وَائِل قد أسلم، وواعد عمر بْن الْخطاب أَن يُهَاجر مَعَه، وَقَالَ: تجدني أَو أجدك عِنْد أضاة٤ بني غفار، فَفطن لهشام قومه، فحبسوه عَن الْهِجْرَة، ثمَّ إِن أَبَا جهل والْحَارث بْن هِشَام أَتَيَا الْمَدِينَة٥، فَكلما عَيَّاش بْن أبي ربيعَة، وَكَانَ أخاهما لِأُمِّهِمَا وَابْن عَمهمَا، وأخبراه أَن أمه قد نذرت أَن لَا تغسل رَأسهَا وَلَا تستظل حَتَّى ترَاهُ، فرقت نَفسه وصدقهما وَخرج رَاجعا مَعَهُمَا فكتفاه فِي الطَّرِيق، وبلغاه٦ مَكَّة، فحبساه بهَا مسجونا، إِلَى أَن خلصه الله بعد ذَلِك بِدُعَاء رَسُول اللَّه ﷺ لَهُ فِي قنوت الصَّلَاة: "اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بْن الْوَلِيد وَسَلَمَة بْن هِشَام وَعَيَّاش بْن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف". ثمَّ استنقذ اللَّه عَيَّاش بْن أبي ربيعَة وسائرهم وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة. وَكَانَ من جملَة القادمين مَعَ عمر بْن الْخطاب أَخُوهُ زيد بْن الْخطاب، وَسَعِيد بْن زيد بن عَمْرو بْن نفَيْل، وَعَمْرو وَعبد اللَّه ابْنا سراقَة بْن الْمُعْتَمِر، وَكلهمْ من بني عدي بْن كَعْب، وواقد بْن عَبْد اللَّهِ التَّمِيمِي٧، وخولي وَمَالك ابْنا أبي٨ خولي من بني عجل بْن لجيم حلفاء بني عدي بْن كَعْب، وَإيَاس وعاقل وعامر وخَالِد بَنو البكير اللَّيْثِيّ٩ حلفاء

стр. 72

بني عدي بْن كَعْب، وخنيس بْن حذافة السَّهْمِي وَزَوجته حَفْصَة بنت عمر بْن الْخطاب. نزلُوا بقباء على رِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذر فِي بني عَمْرو بْن عَوْف. ثمَّ قدم طَلْحَة بْن عبيد اللَّه، فَنزل هُوَ وصهيب بْن سِنَان على خبيب بْن إساف١ فِي بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج٢، وَيُقَال: بل نزل طَلْحَة على أبي أُمَامَة أسعد بْن زُرَارَة. وَكَانَ صُهَيْب ذَا مَال، فاتبعته قُرَيْش ليقتلوه ويأخذوا مَاله، فَلَمَّا أشرفوا عَلَيْهِ وَنظر مِنْهُم ونظروا إِلَيْهِ قَالَ لَهُم: قد تعلمُونَ أَنِّي من أرماكم رجلا، وَوَاللَّه لَا تصلونَ إِلَيَّ أَو يَمُوتَ مِنْكُم من شَاءَ اللَّه أَن يَمُوت، قَالُوا: فاترك مَالك، وانهض. قَالَ: مَالِي خلفته بِمَكَّة، وَأَنا أُعْطِيكُم أَمارَة فتأخذونه، فَعَلمُوا صدقه، وَانْصَرفُوا عَنهُ إِلَى مَكَّة بِمَا أَعْطَاهُم من الأمارة، فَأخذُوا مَاله، فَنزلت فِيهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مرضاة الله وَالله رءوف بالعباد﴾ الْآيَة. وَنزل حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب وحليفاه: أَبُو مرْثَد الغنوي، وَابْنه مرْثَد بْن أبي مرْثَد، وَزيد بْن حَارِثَة وأنسة٣ وَأَبُو كَبْشَة٤ موَالِي رَسُول اللَّه ﷺ على كُلْثُوم بْن الْهدم أخي بني عَمْرو بْن عَوْف بقباء. وَيُقَال: بل نزلُوا على سعد بْن خَيْثَمَة، وَقيل: إِن حَمْزَة نزل على أبي أُمَامَة أسعد بْن زُرَارَة. وَنزل عُبَيْدَة، والطفيل وَالْحصين، بَنو الْحَارِث بْن عَبْد الْمطلب بْن عَبْد منَاف، ومسطح٥ بْن أَثَاثَة بْن عباد بْن الْمطلب، وسويبط بْن سعد بْن حَرْمَلَة٦ الْعَبدَرِي، وطليب بْن عُمَيْر من بني عَبْد بْن قصي، وخباب بْن الْأَرَت مولى عتبَة بْن غَزوَان٧، على عَبْد اللَّهِ بْن سَلمَة العجلابي بقباء.

стр. 73

وَنزل عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي رجال من الْمُهَاجِرين على سعد بْن الرّبيع فِي بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج. وَنزل الزبير بْن الْعَوام وَأَبُو سُبْرَة بْن أبي رهم على الْمُنْذر بْن مُحَمَّد بْن عقبَة بْن أحيحة بْن الجلاح فِي بني جحجبي١. وَنزل مُصعب بْن عُمَيْر بْن هِشَام بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار على سعد بْن معَاذ بْن النُّعْمَان الأشْهَلِي فِي بني عَبْد الْأَشْهَل. وَنزل أَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة، وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَعتبَة بْن غَزوَان الْمَازِني على عباد بْن بشر بْن وقش فِي بني عَبْد الْأَشْهَل. وَنزل عُثْمَان بْن عَفَّان على أَوْس بْن ثَابت أخي حسان بْن ثَابت فِي بني النجار. وَنزل العزاب على سعد بْن خَيْثَمَة وَكَانَ عزبا. وَلم يبْق بِمَكَّة أحد من الْمُسلمين إِلَّا رَسُول اللَّه ﷺ وَأَبُو بكر وَعلي٢، أَقَامَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بأَمْره. وَحبس قوم كرها، حَبسهم قَومهمْ، فَكتب اللَّه لَهُم أجر الْمُجَاهدين بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من حرصهم على الْهِجْرَة. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش أَن الْمُسلمين قد صَارُوا إِلَى الْمَدِينَة، وَقد دخل أَهلهَا فِي الْإِسْلَام قَالُوا هَذَا شَرّ شاغل لَا يُطَاق. فَأَجْمعُوا أَمرهم على قتل٣ رَسُول اللَّه ﷺ فبيتوه، ورصدوه على بَاب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إِذا خرج. فَأمر النَّبِي ﷺ على بْن أبي طَالب أَن ينَام على فرَاشه، ودعا اللَّه أَن يُعَمِّيَ عَلَيْهِم أَثَره، فطمس اللَّه على أَبْصَارهم، فَخرج وَقد غشيهم النّوم، فَوضع على رُءُوسهم تُرَابا ونهض٤. فَلَمَّا أَصْبحُوا خرج عَلَيْهِم عَليّ وَأخْبرهمْ أَن لَيْسَ فِي الدَّار دَيَّارٌ، فَعَلمُوا أَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد فَاتَ وَنَجَا٥. وتواعد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أبي بكر الصّديق لِلْهِجْرَةِ، فدفعا راحلتيهما إِلَى عَبْد اللَّهِ بْن أرقط، وَيُقَال ابْن أريقط، الديلِي، وَكَانَ كَافِرًا لكنهما وثقا بِهِ، وَكَانَ دَلِيلا بالطرق، فاستأجراه ليدل بهما إِلَى الْمَدِينَة*.

стр. 74

خُرُوج رَسُول اللَّه ﷺ لِلْهِجْرَةِ ١ وَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من خوخة٢ فِي ظهر دَار أبي بكر الَّتِي فِي بني جمح، ونهضا نَحْو الْغَار فِي جبل٣ ثَوْر*.

стр. 75

وَأمر أَبُو بكر ابْنه عَبْد اللَّهِ أَن يتسمع مَا يَقُول النَّاس، وَأمر مَوْلَاهُ عَامر بْن فهَيْرَة أَن يرْعَى غنمه ويريحها عَلَيْهِمَا لَيْلًا، ليَأْخُذ مِنْهَا حاجتهما. ثمَّ نهضا فدخلا الْغَار، وَكَانَت أَسمَاء بنت أبي بكر تأتيهما بِالطَّعَامِ، ويأتيهما عَبْد اللَّهِ بْن أبي بكر بالأخبار، ثمَّ يتلوهما عَامر بْن فهَيْرَة بالغنم فيعفي آثارهما. فَلَمَّا فقدته قُرَيْش جعلت تطلبه بقائف٢ مَعْرُوف، فقفا٣ الْأَثر حَتَّى وقف على الْغَار، فَقَالَ: هُنَا انْقَطع الْأَثر. فنظروا فَإِذا بالعنكبوت قد نسج على فَم الْغَار من سَاعَته، فَلَمَّا رَأَوْا نسج العنكبوت أيقنوا أَن لَا أحد فِيهِ، فَرَجَعُوا. وَجعلُوا فِي النَّبِي ﷺ مائَة نَاقَة لمن رده عَلَيْهِم. وَقد رُوِيَ من حَدِيث أبي الدراء وثوبان: أَن اللَّه أَمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت، وَجعلت ترقد على بيضها، فَلَمَّا نظر الْكفَّار إِلَيْهَا على فَم الْغَار ردهم ذَلِك عَن الْغَار*. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسم بْن أصبغ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ. وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ. قَالا: أَنْبَأَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﵇ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ: لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا" **. فَلَمَّا مَضَتْ لِبَقَائِهِمَا فِي الْغَارِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ أَتَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا وأتتهما أَسمَاء
следующие страницы →