← Сира

Сира · id 10695

الدرر في اختصار المغازي والسير

ابن عبد البر

Полный текст (343 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وجدامة١ بنت جندل، وَأم قيس بنت مُحصن، وَأم حَبِيبَة بنت نباتة، وأمامة٢ بنت رُقَيْش. ثمَّ خرج٣ عمر بْن الْخطاب وَعَيَّاش بْن أبي ربيعَة فِي عشْرين رَاكِبًا، فقدموا الْمَدِينَة، فنزلوا فِي العوالي فِي بني أُميَّة بْن زيد. وَكَانَ يُصَلِّي بهم سَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَكَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا. وَكَانَ هِشَام بْن الْعَاصِ بْن وَائِل قد أسلم، وواعد عمر بْن الْخطاب أَن يُهَاجر مَعَه، وَقَالَ: تجدني أَو أجدك عِنْد أضاة٤ بني غفار، فَفطن لهشام قومه، فحبسوه عَن الْهِجْرَة، ثمَّ إِن أَبَا جهل والْحَارث بْن هِشَام أَتَيَا الْمَدِينَة٥، فَكلما عَيَّاش بْن أبي ربيعَة، وَكَانَ أخاهما لِأُمِّهِمَا وَابْن عَمهمَا، وأخبراه أَن أمه قد نذرت أَن لَا تغسل رَأسهَا وَلَا تستظل حَتَّى ترَاهُ، فرقت نَفسه وصدقهما وَخرج رَاجعا مَعَهُمَا فكتفاه فِي الطَّرِيق، وبلغاه٦ مَكَّة، فحبساه بهَا مسجونا، إِلَى أَن خلصه الله بعد ذَلِك بِدُعَاء رَسُول اللَّه ﷺ لَهُ فِي قنوت الصَّلَاة: "اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بْن الْوَلِيد وَسَلَمَة بْن هِشَام وَعَيَّاش بْن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف". ثمَّ استنقذ اللَّه عَيَّاش بْن أبي ربيعَة وسائرهم وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة. وَكَانَ من جملَة القادمين مَعَ عمر بْن الْخطاب أَخُوهُ زيد بْن الْخطاب، وَسَعِيد بْن زيد بن عَمْرو بْن نفَيْل، وَعَمْرو وَعبد اللَّه ابْنا سراقَة بْن الْمُعْتَمِر، وَكلهمْ من بني عدي بْن كَعْب، وواقد بْن عَبْد اللَّهِ التَّمِيمِي٧، وخولي وَمَالك ابْنا أبي٨ خولي من بني عجل بْن لجيم حلفاء بني عدي بْن كَعْب، وَإيَاس وعاقل وعامر وخَالِد بَنو البكير اللَّيْثِيّ٩ حلفاء

стр. 72

بني عدي بْن كَعْب، وخنيس بْن حذافة السَّهْمِي وَزَوجته حَفْصَة بنت عمر بْن الْخطاب. نزلُوا بقباء على رِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذر فِي بني عَمْرو بْن عَوْف. ثمَّ قدم طَلْحَة بْن عبيد اللَّه، فَنزل هُوَ وصهيب بْن سِنَان على خبيب بْن إساف١ فِي بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج٢، وَيُقَال: بل نزل طَلْحَة على أبي أُمَامَة أسعد بْن زُرَارَة. وَكَانَ صُهَيْب ذَا مَال، فاتبعته قُرَيْش ليقتلوه ويأخذوا مَاله، فَلَمَّا أشرفوا عَلَيْهِ وَنظر مِنْهُم ونظروا إِلَيْهِ قَالَ لَهُم: قد تعلمُونَ أَنِّي من أرماكم رجلا، وَوَاللَّه لَا تصلونَ إِلَيَّ أَو يَمُوتَ مِنْكُم من شَاءَ اللَّه أَن يَمُوت، قَالُوا: فاترك مَالك، وانهض. قَالَ: مَالِي خلفته بِمَكَّة، وَأَنا أُعْطِيكُم أَمارَة فتأخذونه، فَعَلمُوا صدقه، وَانْصَرفُوا عَنهُ إِلَى مَكَّة بِمَا أَعْطَاهُم من الأمارة، فَأخذُوا مَاله، فَنزلت فِيهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مرضاة الله وَالله رءوف بالعباد﴾ الْآيَة. وَنزل حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب وحليفاه: أَبُو مرْثَد الغنوي، وَابْنه مرْثَد بْن أبي مرْثَد، وَزيد بْن حَارِثَة وأنسة٣ وَأَبُو كَبْشَة٤ موَالِي رَسُول اللَّه ﷺ على كُلْثُوم بْن الْهدم أخي بني عَمْرو بْن عَوْف بقباء. وَيُقَال: بل نزلُوا على سعد بْن خَيْثَمَة، وَقيل: إِن حَمْزَة نزل على أبي أُمَامَة أسعد بْن زُرَارَة. وَنزل عُبَيْدَة، والطفيل وَالْحصين، بَنو الْحَارِث بْن عَبْد الْمطلب بْن عَبْد منَاف، ومسطح٥ بْن أَثَاثَة بْن عباد بْن الْمطلب، وسويبط بْن سعد بْن حَرْمَلَة٦ الْعَبدَرِي، وطليب بْن عُمَيْر من بني عَبْد بْن قصي، وخباب بْن الْأَرَت مولى عتبَة بْن غَزوَان٧، على عَبْد اللَّهِ بْن سَلمَة العجلابي بقباء.

стр. 73

وَنزل عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي رجال من الْمُهَاجِرين على سعد بْن الرّبيع فِي بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج. وَنزل الزبير بْن الْعَوام وَأَبُو سُبْرَة بْن أبي رهم على الْمُنْذر بْن مُحَمَّد بْن عقبَة بْن أحيحة بْن الجلاح فِي بني جحجبي١. وَنزل مُصعب بْن عُمَيْر بْن هِشَام بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار على سعد بْن معَاذ بْن النُّعْمَان الأشْهَلِي فِي بني عَبْد الْأَشْهَل. وَنزل أَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة، وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَعتبَة بْن غَزوَان الْمَازِني على عباد بْن بشر بْن وقش فِي بني عَبْد الْأَشْهَل. وَنزل عُثْمَان بْن عَفَّان على أَوْس بْن ثَابت أخي حسان بْن ثَابت فِي بني النجار. وَنزل العزاب على سعد بْن خَيْثَمَة وَكَانَ عزبا. وَلم يبْق بِمَكَّة أحد من الْمُسلمين إِلَّا رَسُول اللَّه ﷺ وَأَبُو بكر وَعلي٢، أَقَامَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بأَمْره. وَحبس قوم كرها، حَبسهم قَومهمْ، فَكتب اللَّه لَهُم أجر الْمُجَاهدين بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من حرصهم على الْهِجْرَة. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش أَن الْمُسلمين قد صَارُوا إِلَى الْمَدِينَة، وَقد دخل أَهلهَا فِي الْإِسْلَام قَالُوا هَذَا شَرّ شاغل لَا يُطَاق. فَأَجْمعُوا أَمرهم على قتل٣ رَسُول اللَّه ﷺ فبيتوه، ورصدوه على بَاب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إِذا خرج. فَأمر النَّبِي ﷺ على بْن أبي طَالب أَن ينَام على فرَاشه، ودعا اللَّه أَن يُعَمِّيَ عَلَيْهِم أَثَره، فطمس اللَّه على أَبْصَارهم، فَخرج وَقد غشيهم النّوم، فَوضع على رُءُوسهم تُرَابا ونهض٤. فَلَمَّا أَصْبحُوا خرج عَلَيْهِم عَليّ وَأخْبرهمْ أَن لَيْسَ فِي الدَّار دَيَّارٌ، فَعَلمُوا أَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد فَاتَ وَنَجَا٥. وتواعد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أبي بكر الصّديق لِلْهِجْرَةِ، فدفعا راحلتيهما إِلَى عَبْد اللَّهِ بْن أرقط، وَيُقَال ابْن أريقط، الديلِي، وَكَانَ كَافِرًا لكنهما وثقا بِهِ، وَكَانَ دَلِيلا بالطرق، فاستأجراه ليدل بهما إِلَى الْمَدِينَة*.

стр. 74

خُرُوج رَسُول اللَّه ﷺ لِلْهِجْرَةِ ١ وَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من خوخة٢ فِي ظهر دَار أبي بكر الَّتِي فِي بني جمح، ونهضا نَحْو الْغَار فِي جبل٣ ثَوْر*.

стр. 75

وَأمر أَبُو بكر ابْنه عَبْد اللَّهِ أَن يتسمع مَا يَقُول النَّاس، وَأمر مَوْلَاهُ عَامر بْن فهَيْرَة أَن يرْعَى غنمه ويريحها عَلَيْهِمَا لَيْلًا، ليَأْخُذ مِنْهَا حاجتهما. ثمَّ نهضا فدخلا الْغَار، وَكَانَت أَسمَاء بنت أبي بكر تأتيهما بِالطَّعَامِ، ويأتيهما عَبْد اللَّهِ بْن أبي بكر بالأخبار، ثمَّ يتلوهما عَامر بْن فهَيْرَة بالغنم فيعفي آثارهما. فَلَمَّا فقدته قُرَيْش جعلت تطلبه بقائف٢ مَعْرُوف، فقفا٣ الْأَثر حَتَّى وقف على الْغَار، فَقَالَ: هُنَا انْقَطع الْأَثر. فنظروا فَإِذا بالعنكبوت قد نسج على فَم الْغَار من سَاعَته، فَلَمَّا رَأَوْا نسج العنكبوت أيقنوا أَن لَا أحد فِيهِ، فَرَجَعُوا. وَجعلُوا فِي النَّبِي ﷺ مائَة نَاقَة لمن رده عَلَيْهِم. وَقد رُوِيَ من حَدِيث أبي الدراء وثوبان: أَن اللَّه أَمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت، وَجعلت ترقد على بيضها، فَلَمَّا نظر الْكفَّار إِلَيْهَا على فَم الْغَار ردهم ذَلِك عَن الْغَار*. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسم بْن أصبغ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ. وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ. قَالا: أَنْبَأَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﵇ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ: لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا" **. فَلَمَّا مَضَتْ لِبَقَائِهِمَا فِي الْغَارِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ أَتَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا وأتتهما أَسمَاء

стр. 76

بِسُفْرَتِهِمَا١، وَكَانَتْ قَدْ شَقَّتْ نِطَاقَهَا فَرَبَطَتْ بِنِصْفِهِ السُّفْرَةَ، وَانْتَطَقَتِ النِّصْفَ الآخَرَ، وَمِنْ هُنَا سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ*. فَرَكِبَا الرَّاحِلَتَيْنِ، وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ عَامِرَ٢ بْنَ فُهَيْرَةَ، وَحَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ نَفْسِهِ جَمِيعَ مَالِهِ، وَذَلِكَ نَحْوُ سِتَّةِ آلافِ دِرْهَمٍ**. فَمَرُّوا فِي مَسِيرِهِمْ بِنَاحِيَةِ مَوْضِعِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْثُمٍ. [فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَعَلِمَ أَنَّهُمُ الَّذِينَ جَعَلَتْ فِيهِمْ قُرَيْشٌ مَا جَعَلَتْ لِمَنْ أَتَى بِهِمْ] ٣ فَرَكِبَ فَرَسَهُ، وَتَبِعَهُمْ، لِيَرُدَّهُمْ بِزَعْمِهِ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعَا عَلَيْهِ، فَسَاخَتْ يَدَا فَرَسِهِ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقَلَّ، فَأَتْبَعَ يَدَيْهِ دُخَانٌ. فَعَلِمَ أَنَّهَا آيَةٌ، فَنَادَاهُمْ: قِفُوا عَلَيَّ وَأَنْتُمْ آمِنُونَ. فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى لَحِقَ بِهِمْ. ثُمَّ هَمَّ بِهِ فَسَاخَتْ يَدَا فَرَسِهِ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ لِي فَلَنْ تَرَى مِنِّي مَا تَكْرَهُ. فَدَعَا لَهُ، فَاسْتَقَلَّتْ فَرَسُهُ، وَرَغِبَ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا٤، فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ، فَكَتَبَ٥ لَهُ ***.

стр. 77

ثُمَّ مَرُّوا١ عَلَى خَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ، فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا [فِي قِصَّةِ٢ شَاتِهَا] مَا هُوَ مَنْقُولٌ مَشْهُورٌ عَنِ الثِّقَاةِ*، وَنَهَضُوا قَاصِدِينَ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الْمَعْهُودَةِ. وَقَدْ وَصَفَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ مَرَاحِلَهُ يَوْمًا فَيَوْمًا، وَلَمْ أَرَ لِذِكْرِهَا وَجها.

стр. 78

وَعَبَرُوا عَلَى عَسَفَانَ، وَهُوَ وَادٍ تَعْتَسِفُهُ السُّيُولُ، وَكَانَ مَأْوَى الْجُذَمَاءِ قَدِيمًا، وَيُقَالُ إِنَّهُ ﵇ أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ حِينَ سَلَكَهُ، وَقَالَ: "إِنْ كَانَ مِنَ الْعِلَلِ شَيْءٌ بَعْدِي فَهَذِهِ الْعِلَّةُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ". وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُسَمَّى الْعَرَجَ [عَلَى نَحْوِ ثَمَانِينَ مِيْلا مِنَ الْمَدِينَة] وقف بهم بعض

стр. 79

ظَهْرِهِمْ [إِبِلِهِمْ] فَأَلْفَوْا رَجُلا مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ. فَحَمَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَمَلٍ لَهُ، وَبَعَثَ مَعَهُ غُلامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودُ بْنُ هُنَيْدَةَ ليَرُدهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاحْتَمَلُوا١ إِلَى بَطْنِ رِئْمٍ حَتَّى نَزَلُوا بِقُبَاءَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ ضُحًى وَقَدْ قِيلَ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ وَذَلِكَ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ*. وَأَوَّلُ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَانَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَدْ خَرَجُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَقَلَصَتِ الظِّلالُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ يَئِسُوا مِنْهُ فَانْصَرَفُوا. وَرَآهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَكَانَ فِي نَخْلٍ٢ لَهُ فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: با بَنِي٣ قَيْلَةَ هَذَا جَدُّكُمْ قَدْ جَاءَ -يَعْنِي حَظَّكُمْ- فَخَرَجُوا وَتَلَقَّوْهُ وَدَخَلَ مَعَهُمُ الْمَدِينَةَ. فَقِيلَ إِنَّهُ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَقِيلَ إِنَّهُ نَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ، وَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى خُبَيْبِ بْنِ إِسَافٍ وَقِيلَ: بَلْ نَزَلَ عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ وَكِلاهُمَا من بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج. وَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ وَكَانَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ". وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِمَكَّةَ ﵁ بِأَمْرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَدَّى وَدَائِعَ كَانَتْ عِنْدَهُ ﷺ أَمَرَهُ بِأَدَائِهَا إِلَى أَهْلِهَا ثُمَّ يَلْحَقُ بِهِ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ ذَلِكَ، ثُمَّ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ مَعَ النَّبِي ﷺ بِقُبَاءٍ. فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيَّامًا٤، وَأَسَّسَ مَسْجِدهَا٥ وَهُوَ

стр. 80

أَوَّلُ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى *. ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا رَاكِبًا نَاقَتَهُ، مُتَوَجِّهًا حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ، فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ [بْنِ عَوْفٍ] فَصَلاهَا فِي بَطْنِ الْوَادِي١، فَخرج إِلَيْهِ الرِّجَال مِنْ بَنِي سَالِمٍ، مِنْهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ وَعَتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَنْزِلَ عِنْدَهُمْ وَيُقِيمَ، فَقَالَ: "خَلُّوا النَّاقَةَ ٢ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ". وَنَهَضَ الأَنْصَارُ حَوْلَهُ حَتَّى أَتَى [دُورَ] بَنِي بَيَاضَةَ، فَتَلَقَّاهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو فِي رِجَالٍ مِنْهُمْ فَدَعَوْهُ إِلَى النُّزُولِ وَالْبَقَاءِ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ ﵇: "دَعُوا النَّاقَةَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ". وَمَضَى حَتَّى أَتَى [دُورَ] بَنِي سَاعِدَةَ، فَتَلَقَّاهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو وَرِجَالٌ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، فَدَعَوْهُ إِلَى النُّزُولِ وَالْبَقَاءِ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ ﷺ : "دَعُوا النَّاقَةَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ". وَمَضَى حَتَّى أَتَى دُورَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَتَلَقَّاهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَدَعَوْهُ ﷺ إِلَى الْبَقَاءِ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ: "دَعُوا النَّاقَةَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ". وَمَضَى ﷺ حَتَّى أَتَى دُورَ [بَنِي] عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَهُمْ أَخْوَالُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَتَلَقَّاهُ سَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ وَأَبُو سَلِيطٍ يَسِيرَةُ٣ بْنُ أَبِي خَارِجَةَ وَرِجَالٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فَدَعَوْهُ إِلَى النُّزُولِ عِنْدَهُمْ وَالْبَقَاءِ، فَقَالَ: "دَعُوهَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ". وَمَضَى ﷺ حَتَّى أَتَى دُورَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَبَرَكَتِ النَّاقَةُ فِي مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ ﷺ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِرْبَدُ تَمْرٍ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَهُمَا: سَهْلٌ وَسُهَيْلٌ، وَكَانَا فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَكَانَ فِيهِ وحواليه نحل وَخِرَبٌ وَقُبُورٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فَبَرَكَتِ النَّاقَةُ، فَبَقِيَ ﵇ عَلَى ظَهْرِهَا لَمْ يَنْزِلْ، فَقَامَتْ وَمَشَتْ قَلِيلا

стр. 81

وَهُوَ لَا يُهَيِّجُهَا ثُمَّ الْتَفَتَتْ [خَلْفَهَا] فَكَرَّتْ إِلَى مَكَانِهَا وَبَرَكَتْ فِيهِ وَاسْتَقَرَّتْ، فَنَزَلَ عَنْهَا* صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ] . وَقد قيل إِنَّ جُبَارَ بْنَ صَخْرٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْمُسْلِمِينَ، جَعَلَ يَنْخُسُهَا مُنَافَسَةً عَلَى بَنِي النَّجَّارِ فِي نُزُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُمْ، فَانْتَهَرَهُ أَبُو أَيُّوبَ عَلَى ذَلِكَ وَأَوْعَدَهُ. فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَاقَتِهِ أَخَذَ أَبُو أَيُّوبَ رَحْلَهُ، فَحَمَلَهُ إِلَى دَارِهِ. وَنَزَلَ ﷺ دَارَ أَبِي أَيُّوبَ فِي بَيْتٍ مِنْهَا: عِلْيَتُهُ١ مَسْكَنُ أَبِي أَيُّوبَ. وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ وسكنه فِيهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ مَاء أَو غُبَار على رَسُول الله فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَنَزَلَ أَبُو أَيُّوبَ وَأَقْسَمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَأَبْدَى الرَّغْبَةَ لَهُ لَيَطْلُعَنَّ إِلَى مَنْزِلِهِ وَيَهْبِطُ أَبُو أَيُّوبَ عَنْهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاكِنًا عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ حَتَّى بَنَى مَسْجِدَهُ٢، وَحُجَرَهُ وَمَنَازِلَ أَزْوَاجِهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ إِلَى مَا بَنَى فِي ذَلِكَ الْمِرْبَدِ. وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ قَدْ سَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ هُوَ لِغُلامَيْنِ، فَأَرَادَ شِرَاءَهُ، فَأَبَتْ بَنُو النَّجَّارِ مِنْ بَيْعِهِ، وَبَذَلُوهُ لِلَّهِ، وَعَاوَضُوا الْيَتِيمَيْنِ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ إِلا بِثمن، وَالله أعلم**.

стр. 82

[بِنَاءُ مَسْجِد رَسُول اللَّه] ١ فَبنى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجده، وَجعل عضادتيه٢ الْحِجَارَة وَسَوَارِيَهُ٣ جُذُوعَ النّخل وسقفه جريدها بعد أَن نبش قُبُور الْمُشْركين وسواها وَسوى الخرب وَقطع النّخل. وَعمل فِيهِ الْمُسلمُونَ حسبَة. وَمَات أَبُو أُمَامَة أسعد بْن زُرَارَة فِي الْأَيَّام الَّتِي كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَبْنِي [فِيهَا] مَسْجده وبيوته٤، فَوجدَ٥ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه ﷺ وجدا شَدِيدا، وَقد كَانَ كواه من ذبحة نزلت بِهِ، وَكَانَ نَقِيبًا فِي بني النجار، فَلم يَجْعَل رَسُول اللَّه ﷺ بعده عَلَيْهِم نَقِيبًا٦. مؤاخاة رَسُول اللَّه بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ﵃ أَجْمَعِينَ ٧ وآخى رَسُول اللَّه ﷺ بعد بنائِهِ الْمَسْجِد بَين الْأَنْصَار والمهاجرين. وَقد قيل إِن المؤاخاة كَانَت، وَالْمَسْجِد يبْنى، بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار على الْمُوَاسَاة وَالْحق، فَكَانُوا يتوارثون

стр. 83

بذلك دون الْقرَابَات١ حَتَّى نزلت: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله﴾ . رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ: الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَوَرَّثَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ . وَذكر سعيد بْن دَاوُد، قَالَ: بَلَغَنَا وَكَتَبْنَا عَن شُيُوخنَا أَنه ﷺ : آخى يَوْمئِذٍ بَين أبي بكر الصّديق وخارجة بْن زيد بْن أبي زُهَيْر، وَبَين عمر بْن الْخطاب وعويم٢ بْن سَاعِدَة، قَالَ: وَيُقَال بَين عمر بْن الْخطاب ومعاذ بْن عفراء. قَالَ: وَقيل أَيْضا بَين عمر وعتبان٣ بْن مَالك، وَبَين عُثْمَان بْن عَفَّان وَأَوْس بْن ثَابت، وَبَين عَليّ بْن أبي طَالب وَسَهل٤ بْن حنيف، وَبَين زيد بْن حَارِثَة وَأسيد٥ بْن الْحضير، وَبَين أبي مرْثَد الغنوي وَعبادَة بْن الصَّامِت، وَبَين الزبير وَكَعب٦ بن مَالك، وَبني طَلْحَة وَأبي٧ بْن كَعْب، وَبَين سعد [بْن أبي وَقاص] وَسعد بْن معَاذ، وَبَين عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسعد بْن الرّبيع، وَبَين عَبْد اللَّهِ بْن جحش وَعَاصِم بْن ثَابت، وَبَين أبي حُذَيْفَة بْن عتبَة وَعباد بْن بشر، وَبَين عتبَة بْن غَزوَان وَأبي دُجَانَة، وَبَين مُصعب بْن عُمَيْر وَأبي أَيُّوب، وَبَين ابْن مَسْعُود ومعاذ٨ بْن جبل، وَبَين أبي سَلمَة بْن عَبْد الْأسد وَسعد بْن خَيْثَمَة، وَبَين عمار وَحُذَيْفَة [بْن الْيَمَان] ، وَبَين أبي عُبَيْدَة وَمُحَمّد٩ بن

стр. 84

مسلمة، وَبَين عُثْمَان بْن مَظْعُون وَأبي الْهَيْثَم بْن التيهَان، وَبَين سلمَان [الْفَارِسِي] وَأبي الدَّرْدَاء. قَالَ الْحَافِظ أَبُو عمر ﵁: ذكر هَذَا سنيد، وَلم يسْندهُ إِلَى أحد، إِلَّا أَنه بلغه١. وَالصَّحِيح عِنْد أهل السّير وَالْعلم بالآثار وَالْخَبَر فِي المؤاخاة الَّتِي عقدهَا رَسُول اللَّه ﷺ بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي حِين قدومه إِلَى الْمَدِينَة أَنه آخى بَين أبي بكر الصّديق وخارجة بْن زيد بْن أبي زُهَيْر، وَبَين عمر بْن الْخطاب وعتبان بْن مَالك، وَبَين عُثْمَان بْن عَفَّان وَأَوْس بْن ثَابت بْن الْمُنْذر أخي٢ حسان بْن ثَابت. وآخى بَين عَليّ بْن أبي طَالب وَبَين نَفسه ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: "أَنْت أخي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة". حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ أَخِي * وَصَاحِبِي". أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَسْبَاطٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَخُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَلِيُّهُ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ، قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر،

стр. 85

قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو رَسُولِهِ، وَلا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلا كَذَّابٌ مُفْتَرٍ. وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ حُضَيْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُلَيْمَانَ الْجُهَنِيُّ يَعْنِي زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو رَسُولِهِ لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلا يَقُولُهَا أَحَدٌ بَعْدِي إِلا كَذَّابٌ مُفْتَرٍ. وآخى بَين جَعْفَر بْن أبي طَالب وَهُوَ بِأَرْض١ الْحَبَشَة ومعاذ بْن جبل، وَبَين عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسعد بْن الرّبيع، وَبَين الزبير وَسَلَمَة بْن سَلامَة بْن وقش، وَبَين طَلْحَة وَكَعب بْن مَالك، وَبَين أبي عُبَيْدَة وَسعد بْن معَاذ، وَبَين سعد وَمُحَمّد٢ بْن مسلمة، وَبَين سعيد بْن زيد وَأبي بْن كَعْب، وَبَين مُصعب بْن عُمَيْر وَأبي أَيُّوب، وَبَين عمار وَحُذَيْفَة بْن الْيَمَان حَلِيف بني عَبْد الْأَشْهَل، وَقد قيل بَين عمار٣ وثابت بْن قيس، وَبَين أبي حُذَيْفَة بْن عتبَة وَعباد بْن بشر، وَبَين أبي٤ ذَر وَالْمُنْذر بْن عَمْرو، وَبَين ابْن مَسْعُود وَسَهل بْن حنيف، وَبَين سلمَان الْفَارِسِي وَأبي الدَّرْدَاء، وَبَين بِلَال وَأبي رويحة الْخَثْعَمِي حَلِيف الْأَنْصَار، وَبَين حَاطِب بن أبي بلتعة وعويم بْن سَاعِدَة، وَبَين عَبْد اللَّهِ بْن جحش وَعَاصِم بْن ثَابت، وَبَين عُبَيْدَة٥ بْن الْحَارِث وَعُمَيْر بْن الْحمام، وَبَين الطُّفَيْل بْن الْحَارِث أَخِيه وسُفْيَان بْن بشر٦ بْن زيد من بني جشم بْن الْحَارِث بْن الْخَزْرَج، وَبَين الْحصين بْن الْحَارِث أخيهما وَعبد اللَّه بْن جُبَير، وَبَين عُثْمَان بْن مَظْعُون وَالْعَبَّاس بن

стр. 86

عبَادَة، وَبَين عتبَة بْن غَزوَان ومعاذ بْن ماعص، وَبَين صَفْوَان بْن بَيْضَاء وَرَافِع بْن الْمُعَلَّى، وَبَين الْمِقْدَاد بْن عَمْرو وَعبد اللَّه بْن رَوَاحَة، وَبَين ذِي الشمالين وَيزِيد بْن الْحَارِث من بني حَارِثَة بْن ثَعْلَبَة بْن كَعْب بْن الْخَزْرَج، وَبَين أبي سَلمَة بْن عَبْد الْأسد وَسَعِيد بْن خَيْثَمَة، وَبَين عُمَيْر بْن أبي وَقاص وخبيب بْن عدي، وَبَين عَبْد اللَّهِ بْن مَظْعُون وَقُطْبَة بْن عَامر بْن حَدِيدَة، وَبَين شماس بْن عُثْمَان وحَنْظَلَة بْن أبي عَامر، وَبَين الأرقم بْن أبي الأرقم وَطَلْحَة بْن زيد الْأنْصَارِيّ، وَبَين زيد بْن الْخطاب ومعن بْن عدي، وَبَين عَمْرو بن سراقَة وَسَعِيد١ من بني عَبْد الْأَشْهَل، وَبَين عَاقل بْن البكير ومبشر بْن عَبْد الْمُنْذر، وَبَين عَبْد اللَّهِ بْن مخرمَة وفروة بْن عَمْرو البياضي، وَبَين خُنَيْس بْن حذافة وَالْمُنْذر بْن مُحَمَّد بْن عقبَة بْن أحيحة بْن الجلاح، وَبَين أبي سُبْرَة بْن أبي رهم وَعبادَة بْن الخشخاش٢، وَبَين مسطح بْن أَثَاثَة وَزيد بْن المزين٣، وَبَين أبي مرْثَد الغنوي وَعبادَة بن الصَّامِت، وبن عكاشة بْن مُحصن والمجذر بْن ذياد البلوي حَلِيف الْأَنْصَار، وَبَين عَامر بْن فهَيْرَة والْحَارث بْن الصمَّة، وَبَين مهجع مولى عمر وسراقة بْن عَمْرو بْن عَطِيَّة من بني غنم بْن مَالك بْن النجار. وَقد كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ آخى بَين الْمُهَاجِرين بَعضهم٤ وَبَعض قبل الْهِجْرَة على الْحق والمواساة أَيْضا، فآخى بَين أبي بكر وَعمر، وَبَين حَمْزَة وَزيد بْن حَارِثَة، وَبَين عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف، وَبَين الزبير وَعبد اللَّه بْن مَسْعُود، وَبَين عُبَيْدَة بْن الْحَارِث وبلال، وَبَين مُصعب بْن عُمَيْر وَسعد بْن أبي وَقاص، وَبَين أبي عُبَيْدَة وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة، وَبَين سعيد بْن زيد وَطَلْحَة بْن عبيد اللَّه٥. فَلَمَّا نزل الْمَدِينَة آخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار على مَا تقدم ذكرنَا لَهُ. فرض الزَّكَاة ٦ ثمَّ فرضت الزَّكَاة وَأسلم عَبْد اللَّهِ بْن سَلام وَطَائِفَة من الْيَهُود.

стр. 87

[كفار الْيَهُود والمنافقون] ١ وَكفر جُمْهُور الْيَهُود، ونافق قوم من الْأَوْس والخزرج، فأظهروا الْإِسْلَام مداراة لقومهم من الْأَنْصَار وأبطنوا الْكفْر، ففضحهم اللَّه بِالْقُرْآنِ. وَمِمَّنْ ذكر مِنْهُم من بني عَمْرو بْن عَوْف أهل قبَاء: الْحَارِث٢ بْن سُوَيْد بْن الصَّامِت مُنَافِق وَكَانَ أَخُوهُ خَلاد بْن سُوَيْد من فضلاء الْأَنْصَار وَكَانَ أخوهما الخلاس بْن سُوَيْد مِمَّن اتهمَ بالنفاق لنزغة نَزغ بهَا ثمَّ لم يظْهر بعد مِنْهُ إِلَّا النصح للْمُسلمين وَالْخَيْر وَالصَّلَاح، ونبتل٣ بْن الْحَارِث، وبجاد بْن عُثْمَان بْن عَامر، وَأَبُو حَبِيبَة بْن الأزعر وَهُوَ أحد الَّذين بنوا مَسْجِد٤ الضرار، وَعباد بْن حنيف أَخُو سهل بْن حنيف، وَكَانَ أَخَوَاهُ سهل وَعُثْمَان من فضلاء الْأَنْصَار وصالحيهم. وَجَارِيَة بْن عَامر العطاف، وابناه: زيد وَمجمع. وَقد قيل إِن مجمع بْن جَارِيَة لم يَصح عَنهُ النِّفَاق، بل صَحَّ عَنهُ الْإِسْلَام وَحَمَلَ الْقُرْآن، وَإِنَّمَا ذكر مِنْهُم لِأَن قومه الَّذين بنوا مَسْجِد الضرار اتخذوه إِمَامًا فِيهِ. وَمن بني أُميَّة بْن زيد: وَدِيعَة بْن ثَابت وَهُوَ من أَصْحَاب مَسْجِد الضرار اتخذوه إِمَامًا، وَبشر بْن زيد وَأَخُوهُ رَافع بن زيد.

стр. 88

وَمن النبيت من بني حَارِثَة: مربع بْن قيظي، وَأَخُوهُ أَوْس١ بْن قيظي، وحاطب بْن أُميَّة بْن رَافع، وَكَانَ ابْنه يزِيد بْن حَاطِب من الْفُضَلَاء، وقزمان حَلِيف لَهُم قتل نَفسه يَوْم أحد بعد أَن أنكى فِي الْمُشْركين٢. وَلم يكن فِي بني عَبْد الْأَشْهَل مُنَافِق وَلَا منافقة: رجل وَلَا امْرَأَة، إِلَّا أَن الضَّحَّاك بْن ثَابت اتهمَ بِشَيْء، لم٣ يَصح عَلَيْهِ. وَمن الْخَزْرَج من بني النجار: رَافع بْن وَدِيعَة، وَزيد بْن عَمْرو، وَعَمْرو٤ بْن قيس. وَمن بني جشم بْن الْخَزْرَج: الْجد بْن قيس. وَمن بني عَوْف بْن الْخَزْرَج: عَبْد٥ اللَّهِ بْن أبي بْن سلول كَانَ رَئِيس الْمُنَافِقين وكهفا لَهُم يأوون إِلَيْهِ وَكَانَ ابْنه عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ من صلحاء الْمُسلمين وفضلائهم. ووديعة، وسُويد، وداعس وَمَالك. وَهَؤُلَاء من القواقل. وَقيس بْن فهر مِمَّن اتهمَ بالنفاق. وَالله أعلم. وَكَانَ قوم من الْيَهُود نافقوا بعد أَن أظهرُوا الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله واستبطنوا الْكفْر، مِنْهُم: سعد بْن حنيف، وَزيد بْن اللصيت٦، وَرَافِع بْن حُرَيْمِلَة، وَرِفَاعَة بْن زيد بْن التابوت، وكنانة بْن صوريا.

стр. 89

[مغازي رَسُول اللَّه ﷺ وبعوثه] ١ غَزْوَة ودان ٢ وَيُقَال لَهَا غَزْوَة الْأَبْوَاء وَأقَام رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَاعيا بِالْمَدِينَةِ إِلَى اللَّه ومعلما مِمَّا علمه اللَّه بَاقِي شهر ربيع الأول الشَّهْر الَّذِي قدم فِيهِ الْمَدِينَة وَبَاقِي الْعَام كُله إِلَى صفر من سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة، ثمَّ خرج غازيا فِي صفر المؤرخ، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة سعد بْن عبَادَة، حَتَّى بلغ ودان. فوادع٣ بني ضَمرَة بْن عَبْد مَنَاة٤ بْن كنَانَة، وَعقد٥ ذَلِك مَعَه سيدهم مخشي بْن عَمْرو. ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَلم يلق حَربًا. وَهِي أول غَزْوَة غَزَاهَا بِنَفسِهِ ﷺ .

стр. 90

بَاب بعث حَمْزَة وَبعث عُبَيْدَة ١ وَلما انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ من غَزْوَة الْأَبْوَاء أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة صفر وربيع الأول وصدرا من ربيع الآخر. وَفِي هَذِه الْمدَّة بعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمه حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا من الْمُهَاجِرين، لَيْسَ فيهم من الْأَنْصَار أحد، إِلَى سيف٢ الْبَحْر من نَاحيَة الْعيص٣، فلقي أَبَا جهل فِي ثَلَاثمِائَة٤ رَاكب من كفار أهل مَكَّة، فحجز بَينهم مجدي بْن عَمْرو الْجُهَنِيّ. وتوادع الْفَرِيقَانِ على يَدَيْهِ، فَلم يكن بَينهمَا قتال. وَبعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِه الْمدَّة أَيْضا عُبَيْدَة بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمطلب بْن عَبْد منَاف فِي سِتِّينَ رَاكِبًا من الْمُهَاجِرين، أَو ثَمَانِينَ، لَيْسَ فيهم من الْأَنْصَار أحد، فَنَهَضَ حَتَّى بلغ أَحيَاء٥ وَهِي مَاء بالحجاز بِأَسْفَل ثنية الْمرة. فَتلقى بهَا جمعا من قُرَيْش عَلَيْهِم عِكْرِمَة بْن أبي جهل، وَقيل: كَانَ عَلَيْهِم مكرز بْن أبي حَفْص. فَلم يكن بَينهم قتال. إِلَّا أَن سعد بْن أبي وَقاص وَكَانَ فِي ذَلِك الْبَعْث رَمَى بِسَهْم فَكَانَ أول سهم رُمِيَ بِهِ فِي سَبِيل اللَّه. وفر من الْكفَّار يَوْمئِذٍ إِلَى الْمُسلمين الْمِقْدَاد بْن عَمْرو، وَعقبَة بْن غَزوَان، وَكَانَا قديمي الْإِسْلَام إِلَّا أَنَّهُمَا لم يجدا السَّبِيل إِلَى اللحاق بِالنَّبِيِّ ﵇ إِلَى يَوْمئِذٍ. وَاخْتلف أهل السّير فِي أَي البعثين كَانَ أول: أبْعث حَمْزَة أَو بعث عُبَيْدَة، فَقَالَ ابْن إِسْحَاق: أول راية عقدهَا رَسُول اللَّه ﷺ وَأول سَرِيَّة بعثها عُبَيْدَة بْن الْحَارِث. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَبَعض النَّاس يَزْعمُونَ أَن راية حَمْزَة أول راية عقدهَا رَسُول اللَّه ﷺ . وَقَالَ الْمَدَائِنِي: أول سَرِيَّة بعثها رَسُول اللَّهِ ﷺ حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب فِي ربيع الأول من سنة اثْنَتَيْنِ إِلَى سيف الْبَحْر من أَرض جُهَيْنَة.

стр. 91

فرض صَوْم رَمَضَان ثمَّ فرض صَوْم رَمَضَان سنة إِحْدَى١ قبل صرف الْقبْلَة بعام. غَزْوَة بواط ٤ ثمَّ خرج رَسُول اللَّه ﷺ فِي ربيع الآخر٣ إِلَى تَمام٤ عَام من مقدمه الْمَدِينَة، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة السَّائِب بْن عُثْمَان بْن مَظْعُون، حَتَّى بلغ بواط من نَاحيَة رضوى. ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَلم يلق حَربًا. غَزْوَة الْعَشِيرَة ٥ فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة ربيع الآخر وَبَعض جُمَادَى٦ الأولى ثمَّ خرج

стр. 92

غازيا واستخلف على الْمَدِينَة أَبَا سَلمَة بْن عَبْد الْأسد. وَأخذ على طَرِيق إِلَى الْعَشِيرَة، فَأَقَامَ هُنَالك بَقِيَّة جُمَادَى الأولى وليالي من جُمَادَى الْآخِرَة. ووادع فِيهَا بني مُدْلِج. ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة، وَلم يلق حَربًا. غَزْوَة بدر الأولى ١ وَلما انْصَرف رَسُول اللَّهِ ﷺ من الْعَشِيرَة لم يُقِمْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا عشر لَيَال أَو نَحْوهَا، حَتَّى أغار كرز٢ بْن جَابر الفِهري على سرح٣ الْمَدِينَة. فَخرج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طلبه حَتَّى بلغ وَاديا يُقَال لَهُ: سفوان فِي نَاحيَة بدر. وَفَاته كرز، فَرجع إِلَى الْمَدِينَة. بَعْثُ سعد بْن أبي وَقاص ٤ وَقد كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بعث فِي حِين خُرُوجه لطلب كرز بْن جَابر سعد بْن أبي وَقاص فِي ثَمَانِيَة٥ رَهْط من الْمُهَاجِرين، فَبلغ إِلَى الخرار٦. ثمَّ رَجَعَ [إِلَى] الْمَدِينَة وَلم يلق حَربًا. وَقيل٧ إِنَّمَا بَعثه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طلب كرز بْن جَابر الفِهري.

стр. 93

بَعْثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جحش [وسَرِيَّتِهِ] ١ وَلما رَجَعَ رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ طلب كرز بْن جَابر، وَتُعْرَفُ تِلْكَ الْخَرْجَةُ ببدر الأولى، أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة جُمَادَى الْآخِرَة ورجبا. وَبعث فِي رَجَب عَبْد اللَّهِ بْن جحش بْن رِئَاب وَمَعَهُ ثَمَانِيَة٢ رجال من الْمُهَاجِرين، وهم: أَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة، وعكاشة بْن مُحصن، وَعتبَة بْن غَزوَان، وَسُهيْل بْن بَيْضَاء الفِهري، وَسعد بْن أبي وَقاص، وعامر بْن ربيعَة٣، وواقد بْن عَبْد اللَّهِ التَّمِيمِي٤، وخَالِد بْن البكير اللَّيْثِيّ٥. وَكتب لعبد اللَّه بْن جحش كتابا وَأمره أَن لَا ينظر فِيهِ، وَلَا يستكره أحدا من أَصْحَابه، وَكَانَ أَمِيرهمْ. فَفعل عَبْد اللَّهِ بْن جحش مَا أمره بِهِ، فَلَمَّا فتح الْكتاب وقرأه وجد فِيهِ: "إِذا نظرت فِي كتابي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تنزل نَخْلَة٦ بَين مَكَّة والطائف فترصد بهَا قُريْشًا، وَتعلم لنا من أخبارهم"*.

стр. 94

فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب قَالَ سمعا وَطَاعَة. ثمَّ أخبر أَصْحَابه بذلك وَأَنه لَا يستكره أحدا مِنْهُم وَأَنه ناهض لوجهه [مَعَ] من طاوعه وَأَنه إِن لم يطعه أحد مضى وَحده، فَمن أحب الشَّهَادَة فلينهض وَمن كره الْمَوْت فَليرْجع. فَقَالُوا: كلنا نرغب فِيمَا ترغب، وَمَا منا أحد إِلَّا وَهُوَ سامع مُطِيع لرَسُول اللَّه ﷺ . ونهضوا مَعَه. فسلك على الْحجاز. وشرد لسعد بْن أبي وَقاص وَعتبَة بْن غَزوَان جمل كَانَا يعتقبانه١، فتخلفا فِي طلبه. وَنَفَذَ عبد الله بن حجش مَعَ سَائِرهمْ لوجهه. حَتَّى نزل بنخلة. فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا٢ وتجارة فِيهَا عَمْرو [بْن] الْحَضْرَمِيّ وَاسم الْحَضْرَمِيّ عَبْد اللَّهِ بْن عباد من الصدف، والصدف بطن من حَضرمَوْت -وَعُثْمَان بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُغيرَة، وَأَخُوهُ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُغيرَة المخزوميان، وَالْحكم بْن كيسَان مولى بني الْمُغيرَة. فتشاور الْمُسلمُونَ وَقَالُوا: نَحن فِي آخر يَوْم من رَجَب الشَّهْر الْحَرَام، فَإِنْ نَحن قتلناهم هتكنا حُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام، وَإِن تركناهم اللَّيْلَة دخلُوا الْحرم. ثمَّ اتَّفقُوا على لقائهم. فَرمى وَاقد بْن عَبْد اللَّهِ التَّمِيمِي عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ [بِسَهْم] فَقتله، وأسروا عُثْمَان بْن عَبْد اللَّهِ وَالْحكم بْن كيسَان، وَأَفْلَتَ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّهِ. ثمَّ قدمُوا بالعير والأَسِيرَيْنِ. وَقَالَ لَهُم عَبْد اللَّهِ بْن جحش: اعزلوا مِمَّا غنمنا الْخمس لرَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَفَعَلُوا. فَكَانَ أول خمس٣ فِي الْإِسْلَام، ثمَّ نزل الْقُرْآن: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خمسه﴾ . فَأَقَرَّ اللَّه وَرَسُوله فِعْلَ عَبْد اللَّهِ بْن جحش فِي ذَلِك، ورضيه وسنه للْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَهِي أول غنيمَة غنمت فِي الْإِسْلَام، وَأول أسيرين، وَعَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ أول قَتِيل. وَأنكر رَسُول اللَّه قتل عَمْرو بْن الخضرمي فِي الشَّهْر الْحَرَام، فَسُقِطَ فِي أَيدي الْقَوْم، فَأنْزل اللَّه : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُم عَن دينه

стр. 95

فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ *. وَقبل رَسُول اللَّه ﷺ الْفِدَاء فِي الْأَسِيرين، فَأَما عُثْمَان بْن عَبْد اللَّهِ فَمَاتَ بِمَكَّة كَافِرًا، وَأما الحكم بْن كيسَان فَأسلم وَأقَام مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتشْهد ببئر مَعُونَة. وَرجع سعد وَعتبَة إِلَى الْمَدِينَة سَالِمَيْنِ. صرف الْقبْلَة ١ وصرفت الْقبْلَة عَن بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة فِي السّنة الثَّانِيَة على رَأس سِتَّة عشر شهرا، وَقيل سَبْعَة عشر شهرا من مقدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة، وَذَلِكَ قبل بدر بشهرين. وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي الصَّلَاة بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة هَل كَانَت إِلَى الْكَعْبَة أَو إِلَى بَيت الْمُقَدّس؟ وَالرِّوَايَات بِالْوَجْهَيْنِ فِي كتاب التَّمْهِيد وَفِي كتاب الاستذكار٢. وَرُوِيَ أَن أول من صلى إِلَى الْكَعْبَة حِين صرفت الْقبْلَة عَن بَيت الْمُقَدّس أَبُو سعيد بْن الْمُعَلَّى، وَذَلِكَ أَنه سمع رَسُول اللَّه ﷺ يخْطب بتحويل الْقبْلَة، فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَة.

стр. 96

غَزْوَة بدر الثَّانِيَة وَهِي أعظم الْمشَاهد فضلا لمن شَهِدَهَا ١ فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد بعث عَبْد اللَّهِ بْن جحش بَاقِي رَجَب وَشَعْبَان. ثمَّ اتَّصل بِهِ فِي رَمَضَان أَن عيرًا لقريش عَظِيمَة، فِيهَا أَمْوَال لَهُم كَثِيرَة مقبلة من الشَّام إِلَى مَكَّة مَعهَا ثَلَاثُونَ٢ أَو أَرْبَعُونَ رجلا، رئيسهم أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب، وَفِيهِمْ عَمْرو بْن الْعَاصِ ومخرمة بْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ. فندب رَسُول اللَّه ﷺ الْمُسلمين إِلَى تِلْكَ العير، وَأمر من كَانَ ظَهره٣ حَاضرا بِالْخرُوجِ. وَلم يحتفل ﷺ [فِي الحشد] لِأَنَّهُ أَرَادَ العير وَلم يعلم أَنه يلقى حَربًا. فاتصل بِأبي سُفْيَان أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قد خرج فِي طَلَبهمْ، فاستأجر ضَمْضَم٤ بْن عَمْرو الْغِفَارِيّ، فَبَعثه إِلَى مَكَّة مستصرخا لَهُم إِلَى نصر عيرهم. فَنَهَضَ إِلَى مَكَّة وهتف بهَا، واستنفر. فَخرج أَكثر أهل مَكَّة فِي ذَلِك النفير، وَلم يتَخَلَّف من أَشْرَافهم إِلَّا أقلهم. وَكَانَ فِيمَن تخلف من أَشْرَافهم أَبُو لَهب. وَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من الْمَدِينَة لثمان٥ خلون من رَمَضَان، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة عَمْرو٦ بْن أم مَكْتُوم العامري ليُصَلِّي بِالْمُسْلِمين. ثمَّ رد أَبَا لبَابَة من الروحاء٧ وَاسْتَعْملهُ على الْمَدِينَة. وَدفع اللِّوَاء إِلَى مُصعب بْن عُمَيْر. وَدفع الرَّايَة: الْوَاحِدَة إِلَى عَليّ، وَالثَّانيَِة إِلَى رجل من الْأَنْصَار، وكانتا سوداوين. وَكَانَت راية الْأَنْصَار يَوْمئِذٍ مَعَ سعد بْن٨

стр. 97

معَاذ. وَكَانَ مَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا يعتقبونها١. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعلي ومرثد يعتقبون بَعِيرًا. وَكَانَ حَمْزَة وَزيد بْن حَارِثَة وَأَبُو كَبْشَة وأنسة موَالِي رَسُول اللَّه ﷺ يعتقبون بَعِيرًا. وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف يعتقبون بَعِيرًا. وَجعل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على السَّاقَة قيس بْن أبي صعصعة من بني النجار. وسلك رَسُول اللَّه ﷺ طَرِيق العقيق إِلَى ذِي الحليفة إِلَى ذَات الْجَيْش إِلَى فج الروحاء إِلَى مضيق الصَّفْرَاء٢. فَلَمَّا قرب من الصَّفْرَاء بعث رَسُول اللَّه ﷺ بسبس بْن عَمْرو الْجُهَنِيّ حَلِيف بني سَاعِدَة وعدي بْن أبي الزغباء الْجُهَنِيّ حَلِيف بني النجار إِلَى بدر يتجسسان أَخْبَار أبي سُفْيَان وَغَيره. واستخبر النَّبِي ﵇ عَن جبلي الصَّفْرَاء هَل لَهما اسْم يعرفان بِهِ فَأُخْبِرَ عَنْهُمَا وَعَن سكانهما بأسماء كرهها: بَنو النَّار، وَبَنُو حراق: بطْنَان من غفار، فَتَركهُمَا على يسَاره، وَأخذ على يَمِينه. فَلَمَّا خرج من ذَلِك الْوَادي وَأَتَاهُ الْخَبَر بِخُرُوج نفير قُرَيْش لنصر العير، فَأخْبر أَصْحَابه بذلك واستشارهم فِيمَا يعْملُونَ، فَتكلم كثير من الْمُهَاجِرين٣. فتمادى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مشورته وَهُوَ يُرِيد مَا تَقول الْأَنْصَار. فبدر سعد بْن معَاذ، وَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه، وَالله لَو اسْتعْرضت بِنَا هَذَا الْبَحْر لَخُضْنَاهُ مَعَك، فَسِرْ بِنَا يَا رَسُول اللَّه، على بركَة اللَّه، حَيْثُ شِئْت. فَسَرَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلُهُ، وَقَالَ: "سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِن اللَّه قد وَعَدَني إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ" ٤. وَسَار رَسُول اللَّه ﷺ حَتَّى نزل قَرِيبا من بدر. وَركب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ رجال من أَصْحَابه مستخبرا، ثمَّ انْصَرف. فَلَمَّا أَمْسَى بعث عليا وَالزُّبَيْر وَسعد بْن أبي وَقاص فِي نفر

стр. 98

إِلَى بدر يَلْتَمِسُونَ الْخَبَر، فَأَصَابُوا راوية١ لقريش، فِيهَا أسلم غُلَام بني الْحجَّاج السهميين وَأَبُو يسَار عريض غُلَام بني سعيد بْن الْعَاصِ بْن أُميَّة. فَأَتَوْا بهما وَرَسُول اللَّه ﷺ قَائِم يُصَلِّي، فسألوهما: من أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: نَحن سقاة قُرَيْش. فكره أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ هَذَا الْخَبَر وَكَانُوا يرجون أَن يَكُونَا من العير لما فِي العير من الْغَنِيمَة وَقلة المئونة وَلِأَن شَوْكَة قُرَيْش شَدِيدَة. فَجعلُوا يضربونهما. فَإِذا آلمهما الضَّرْب قَالَا: نَحن من عير أبي سُفْيَان. فَسلم رَسُول اللَّهِ ﷺ من صلَاته، وَقَالَ: "إِذا صَدَقَاكُمْ ضربتموهما وَإِذا كَذَبَاكُمْ تركتموهما". ثمَّ قَالَ لما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أخبراني أَيْن قُرَيْش؟ " قَالَا: هم وَرَاء هَذَا الْكَثِيب. فَسَأَلَهُمَا: "كم ينحرون كل يَوْم من الْإِبِل؟ " قَالَا: عشرا من الْإِبِل يَوْمًا وتسعا يَوْمًا، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "الْقَوْم مَا بَين التسْعمائَة إِلَى الْألف". وَكَانَ بسبس بْن عَمْرو وعدي بْن أبي الزغباء اللَّذَان بعثهما رَسُول اللَّه ﷺ مستخبرين قد وصلا إِلَى مَاء بدر، فأناخا بِقرب المَاء، ثمَّ استقيا فِي شنهما٢ ومجدي بْن عَمْرو بقربهما لم يفطنا بِهِ. فَسمع بسبس وعدي جاريتين من جواري الْحَيّ وإحداهما تَقول لِلْأُخْرَى: [أعطيني دَيْنِي، فَقَالَت الْأُخْرَى] ٣ إِنَّمَا تَأتي العير غَدا أَو بعد غَد، فأعمل لَهُم ثمَّ أقضيك. فصدقهما مجدي وَكَانَ عينا لأبي سُفْيَان -وَرجع بسبس وعدي إِلَى النَّبِي ﷺ فَأَخْبَرَاهُ بِمَا سمعا. وَلما قرب أَبُو سُفْيَان من بدر تقدم وَحده، حَتَّى أَتَى مَاء بدر، فَقَالَ لمجدي: هَل أحسست أحدا؟ فَقَالَ: لَا إِلَّا راكبين أناخا إِلَى هَذَا التل واستقيا المَاء ونهضا. فَأتى أَبُو سُفْيَان مناخهما، فَأخذ من أبعار بَعِيرَيْهِمَا، فَفَتَّهُ، فَإِذا فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: هَذِه وَالله علائف يثرب. فَرجع سَرِيعا حذرا فصرف العير عَن طريقها، وَأخذ طَرِيق السَّاحِل، فنجا، وَأوحى٤ إِلَى قُرَيْش يُخْبِرهُمْ بِأَنَّهُ قد نجا هُوَ وَالْعير، فَارْجِعُوا. فَأبى أَبُو جهل، وَقَالَ: وَالله لَا نرْجِع حَتَّى نرى مَاء بدر وَنُقِيم عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فتهابنا الْعَرَب أبدا. وَرجع

стр. 99

الْأَخْنَس بْن شريق الثَّقَفِيّ حَلِيف بني زهرَة بِجَمِيعِ بني زهرَة، فَلم يشْهد بَدْرًا أحد مِنْهُم، وَكَانَ الْأَخْنَس مُطَاعًا فيهم، فَقَالَ لَهُم: إِنَّمَا خَرجْتُمْ تمْنَعُونَ أَمْوَالكُم وَقد نجت. وَكَانَ قد نفر من جَمِيع بطُون قُرَيْش جمَاعَة إِلَّا عدي١ بْن كَعْب، فَلم يكن نفر مِنْهُم أحد. فَلم يحضر بَدْرًا من الْمُشْركين عدوي وَلَا زهري. فَسبق رَسُول اللَّه ﷺ قُريْشًا إِلَى مَاء بدر، وَمنع قُريْشًا من السَّبق إِلَيْهِ مطر -أنزل اللَّه عَلَيْهِم عَظِيم. وَلم يصب مِنْهُ الْمُسلمين إِلَّا مَا شدّ٢ لَهُم دهس الْوَادي، وَأَعَانَهُمْ على السّير. فَنزل رَسُول اللَّه ﷺ على أدنى مَاء من مياه بدر إِلَى الْمَدِينَة، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْحباب بْن الْمُنْذر بْن عَمْرو بْن الجموح بِغَيْر ذَلِك، وَقَالَ لرَسُول اللَّه: أَرَأَيْت هَذَا الْمنزل أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّه فَلَيْسَ لنا أَن نتقدمه أَو نتأخر عَنهُ أم هُوَ الرَّأْي وَالْحَرب والمكيدة؟ فَقَالَ ﵇: "بل هُوَ الرَّأْي وَالْحَرب والمكيدة". فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِن هَذَا لَيْسَ لَك بمنزل، فانهض بِنَا حَتَّى نأتي أدنى مَاء من الْقَوْم فننزله، ونغور مَا وَرَاءه من الْقلب٣، ثمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حوضا، فنملؤه مَاء فنشرب وَلَا يشربون. فَاسْتحْسن رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَلِك من رَأْيه، وَفعله. وَبُنِيَ لرَسُول اللَّه ﷺ عَرِيش يكون فِيهِ. وَمَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على مَوَاضِع الْوَقْعَة يعرض على أَصْحَابه مصَارِع رُؤُوس الْكفَّار من قُرَيْش مصرعا مصرعا، يَقُول: "هَذَا مصرع فلَان"، فَمَا عَدَا وَاحِد مِنْهُم مَصْرَعَهُ ذَلِك الَّذِي حَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا نزلت قُرَيْش فِيمَا يليهم بعثوا عُمَيْر بْن وهب الجُمَحِي، فحزر لَهُم أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجلا مِنْهُم فارسان: الْمِقْدَاد وَالزُّبَيْر. ثمَّ انْصَرف، وَأَرَادَ حَكِيم بْن حزَام وَعتبَة بْن ربيعَة قُريْشًا على الرُّجُوع وَترك الْحَرْب، وراما بهم كل مرام، فَأَبَوا. وَكَانَ أَبُو جهل هُوَ الَّذِي أَبى ذَلِك وساعدوه على رَأْيه. وبدأت الْحَرْب، فَخرج عتبَة بْن ربيعَة وَشَيْبَة بْن ربيعَة والوليد بْن عتبَة يطْلبُونَ البرَاز، فَخرج إِلَيْهِم عَوْف ومعوذ ابْنا عفراء وَعبد اللَّه بْن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ. فَقَالُوا: لَسْتُم لنا بأكفاء، وأبوا إِلَّا قَومهمْ، فَخرج إِلَيْهِم حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب وَعبيدَة بن الْحَارِث وَعلي

стр. 100

ابْن أبي طَالب، فَقتل اللَّه عتبَة وَشَيْبَة والوليد وَسَلِمَ حَمْزَة وَعبيدَة وَعلي، إِلَّا أَن عُبَيْدَة ضربه عتبَة فَقطع رجله وَارْتُثَّ١ مِنْهَا فَمَاتَ بالصفراء. وَعَدَّلَ رَسُول اللَّه ﷺ الصُّفُوف، وَرجع إِلَى الْعَريش وَمَعَهُ أَبُو بكر، وَسَائِر أَصْحَابه بارزون لِلْقِتَالِ، إِلَّا سعد بن٢ معَاذ فِي قوم من الْأَنْصَار فَإِنَّهُم كَانُوا وقوفا على بَاب الْعَريش يحْمُونَ الرَّسُول ﷺ . وَكَانَ أول قَتِيل قتل من الْمُسلمين مهجع٣ مولى عمر بْن الْخطاب أَصَابَهُ سهم فَقتله. وَسمع عُمَيْر بْن الْحمام رَسُول اللَّه ﷺ يحث على الْقِتَال ويرغب فِي الْجِهَاد وَيُشَوِّقُ إِلَى الْجنَّة وَفِي يَده تمرات يأكلهن فَقَالَ: بخ بخ أما بيني وَبَين أَن أَدخل الْجنَّة إِلَّا أَن يقتلني هَؤُلَاءِ. ثمَّ رمى بالتمرات وَقَاتل حَتَّى قتل. ثمَّ منح اللَّه الْمُسلمين النَّصْر وَهزمَ الْمُشْركين. وَانْقطع يَوْمئِذٍ سيف عكاشة بْن مُحصن، فَأعْطَاهُ رَسُول اللَّه ﷺ جذلا من حطب، وَقَالَ لَهُ: "دُونك هَذَا"، فَصَارَ فِي يَده سَيْفا لم يكد النَّاس يرَوْنَ مثله أَبيض كالملح. فَلم يزل عِنْده يُقَاتل بِهِ حَتَّى قتل فِي الرِّدَّة، ﵁. وَكَانَت وقْعَة بدر يَوْم الْجُمُعَة لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان. ثمَّ أَمر رَسُول اللَّه ﷺ بقتلى الْمُشْركين، فسحبوا إِلَى القليب ورموا فِيهِ وَضم٤ عَلَيْهِم التُّرَاب، ثمَّ وقف عَلَيْهِم فناداهم: "هَل وجدْتُم مَا وَعدكُم ربكُم حَقًا؟ فَإِنِّي قد وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي حَقًا" فَقيل لَهُ: يَا رَسُول اللَّه تنادي أَقْوَامًا أَمْوَاتًا قد جَيَّفُوا؟ فَقَالَ: "مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهُم وَلَكِن لَا يجيبون". وَمن هَذَا الْمَعْنى قَوْله ﷺ فِي الْمَيِّت إِذا دفن وَانْصَرف النَّاس عَنهُ: "إِنَّه ليسمع خَفق نعَالهمْ إِذا ولوا عَنهُ مُدبرين". وَجعل رَسُول اللَّه ﷺ على الْأَنْفَال٥ عَبْد اللَّهِ بْن كَعْب بْن عَمْرو الْأنْصَارِيّ. ثمَّ

стр. 101

ثمَّ انْصَرف. فَلَمَّا نزل الصَّفْرَاء قسم بهَا الْغَنَائِم كَمَا أَمر اللَّه . وَضرب بهَا عنق النَّضر بْن الْحَارِث بْن عَلْقَمَة بْن كلدة الْعَبدَرِي، وَهُوَ الَّذِي جَاءَت١ ابْنَته قتيلة إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنشدته: يَا رَاكِبًا إِن الأثيل مَظَنَّة ... من صبح خَامِسَة وَأَنت موفق٢ أبلغ بِهِ مَيتا بِأَن تَحِيَّة ... مَا إِن تزَال بهَا النجائب تخفق٣ مني إِلَيْهِ٤ وعبرة مسفوحة ... جَادَتْ بواكفها وَأُخْرَى تخنق٥ ظلت سيوف بني أَبِيه تنوشه ... لله أَرْحَام هُنَاكَ تشقق٦ أمحمد يَا خير ضنء كَرِيمَة ... من قَومهَا والفحل فَحل معرق٧ مَا كَانَ ضرك لَو مننت وَرُبمَا ... مَنَّ الْفَتى وَهُوَ المغيظ المحنق وَالنضْر أقرب من قتلت قرَابَة ... وأحقهم إِن كَانَ عتق يعْتق فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "أَمَا إِنِّي لَوْ سَمِعْتُ هَذَا قَبْلَ قَتْلِهِ لَمْ أَقْتُلْهُ"، وَهَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ النَّدَم، لِأَنَّهُ ﵇ لَا يَقُول وَلَا يفعل إِلَّا حَقًا، لَكِن مَعْنَاهُ: لَو شفعت عِنْدِي بِهَذَا القَوْل لقبلت شَفَاعَتهَا. وَفِيه تَنْبِيه على حق الشَّفَاعَة والضراعة. وَلَا سِيمَا الاستعطاف بالشعر، فَإِن مَكَارِم الْأَخْلَاق تَقْتَضِي إجَازَة الشَّاعِر وتبليغه قَصده. وَالله أعلم. ثمَّ لما نزل عرق٨ الظبية ضرب عنق بْن أبي معيط. قَالَ أَبُو عمر: روى عَن عبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ: خرج رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى بدر، فَلَقُوا الْعَدو، فَلَمَّا هَزَمَهُمْ الله اتبعتهم طَائِفَة من

стр. 102

الْمُسلمين يَقْتُلُونَهُمْ، وَأَحْدَقَتْ طَائِفَة برَسُول اللَّهِ ﷺ واستلوت طَائِفَة على الْعَسْكَر والنهب. فَلَمَّا نفى اللَّه الْعَدو وَرجع الَّذين طلبوهم قَالُوا لنا النَّفْل، نَحن طلبنا الْعَدو، وبنا نفاهم اللَّه وَهَزَمَهُمْ. وَقَالَ الَّذين أَحدقُوا برَسُول اللَّه ﷺ : مَا أَنْتُم أَحَق بِهِ منا، بل هُوَ لنا، نَحن أَحدقنَا برَسُول اللَّه ﷺ لِئَلَّا ينَال الْعَدو مِنْهُ غرَّة. وَقَالَ الَّذين استلووا [على] الْعَسْكَر والنهب: مَا أَنْتُم أَحَق بِهِ منا، هُوَ لنا، نَحن حويناه واستلوينا عَلَيْهِ. فَأنْزل اللَّه : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين﴾ . فَقَسمهُ رَسُول اللَّه ﷺ عَن فوَاق بَينهم. قَالَ أَبُو عمر: قَالَ أهل الْعلم بِلِسَان الْعَرَب: استلووا: أطافوا وأطاحوا، يُقَال: الْمَوْت مستلو على الْعباد. وَقَوله: فَقَسمهُ عَن فوَاق يَعْنِي عَن سرعَة. قَالُوا: والفواق: مَا بَين حلبتي النَّاقة، يُقَال: انتظره فوَاق نَاقَة أَيْ هَذَا الْمِقْدَار. ويقولونها بِالْفَتْح وَالضَّم: فَوَاق، فُوَاق. وَكَانَ هَذَا قبل أَن ينزل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأن لله خمسه ... ﴾ الْآيَة. وَكَانَ الْمَعْنى١ عِنْد الْعلمَاء: أَي إِلَى اللَّه وَإِلَى الرَّسُول الحكم فِيهَا وَالْعَمَل بهَا بِمَا يقرب من اللَّه. وَذكر مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَبِي الأَشْدَقِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الأَنْفَالِ٢، فَقَالَ: فِينَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلاقُنَا، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا وَجَعَلَهُ إِلَى الرَّسُولِ. فَقَسمهُ رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ بَوَاءٍ، يَقُولُ عَلَى السَّوَاءِ. فَكَانَ [فِي] ذَلِكَ تَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ وَإِصْلاحُ ذَات الْبَين.

стр. 103

تَسْمِيَة من اسْتشْهد ببدر من الْمُسلمين ١ فَائِدَة: هَذِه التَّسْمِيَة معرفَة الْحق لأهل الْحق، وفضيلة السَّبق لأهل السَّبق، وَحسن الْعَهْد وتجديد الذّكر، والمسارعة إِلَى الدُّعَاء لَهُم بالرضوان والغفران على الْيَقِين. عُبَيْدَة بْن الْحَارِث بْن الْمطلب بْن عَبْد منَاف، وَعُمَيْر بْن أبي وَقاص وَكَانَت سنه فِيمَا ذكرُوا يَوْم قتل سِتَّة عشر أَو سَبْعَة عشر عَاما، وَعُمَيْر بْن الْحمام من بني سَلمَة من الْأَنْصَار، وَسعد بْن خَيْثَمَة بْن بني عَمْرو بْن عَوْف من الْأَوْس، وَذُو الشمالين بْن عَبْد عَمْرو بْن نَضْلَة الْخُزَاعِيّ حَلِيف بني زهرَة وَهُوَ غير ذِي الْيَدَيْنِ٢ ذَاك سلمي اسْمه خرباق وَهُوَ صَاحب حَدِيث السَّهْو٣. وَوهم فِيهِ الزُّهْرِيّ على جلالة قدره، لِأَنَّهُ بنى على أَنه لقب وَاحِد، وَاعْتمد أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد٤ ذَلِك من كَلَام ابْن شهَاب فغلط، ويحقق ذَلِك أَن ذَا الْيَدَيْنِ روى حَدِيثه أَبُو هُرَيْرَة وَكَانَ إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بعد قتل ذِي الشمالين بسنين عدَّة. ومبشر بْن عَبْد الْمُنْذر الْأنْصَارِيّ من بني عَمْرو بْن عَوْف، وعاقل بْن البكير اللَّيْثِيّ حَلِيف بني عدي بْن كَعْب، وَمهجع مولى عمر بْن الْخطاب ﵁، وَصَفوَان بْن بَيْضَاء الفِهري، وَيزِيد بْن الْحَارِث الْأنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج، وَرَافِع بْن الْمُعَلَّى الْأنْصَارِيّ، وحارثة بْن سراقَة الْأنْصَارِيّ من بني النجار، وعَوْف ومعوذ ابْنا عفراء. الْجَمِيع أَرْبَعَة عشر رجلا: سِتَّة من الْمُهَاجِرين وَثَمَانِية من الْأَنْصَار: سِتَّة من الْأَوْس وَاثْنَانِ من الْخَزْرَج.

стр. 104

تَسْمِيَة من قتل ببدر من كفار قُرَيْش ١ وهم سَبْعُونَ رجلا، مِنْهُم: حَنْظَلَة بْن أبي سُفْيَان [بْن صَخْر] بْن حَرْب قَتله زيد بْن حَارِثَة، وَعبيدَة بْن سعيد بْن الْعَاصِ قَتله الزبير، وَأَخُوهُ الْعَاصِ بْن سعيد بْن الْعَاصِ قَتله عَليّ٢، وَعتبَة بْن ربيعَة قَتله عَليّ، وَشَيْبَة بْن ربيعَة قَتله حَمْزَة، والوليد بْن عتبَة بْن ربيعَة قَتله عُبَيْدَة بْن الْحَارِث وَقيل قَتله عَليّ وَقيل اشْترك عَليّ وَحَمْزَة فِي قتل عتبَة والوليد وَشَيْبَة. وَعقبَة بْن أبي معيط قَتله عَاصِم بْن ثَابت صبرا، وَقيل: بل قَتله عَليّ صبرا بِأَمْر الرَّسُول ﷺ لَهُ بذلك، والْحَارث بْن عَامر بْن نَوْفَل بْن عَبْد منَاف قَتله عَليّ٣، وَطعيمَة بْن عدي بْن نَوْفَل قَتله حَمْزَة٤، وَقيل: بل قتل صبرا، وَالْأول أصح. وَزَمعَة بْن الْأسود بْن الْمطلب بْن أَسد، وَابْنه الْحَارِث بْن زَمعَة، وَأَخُوهُ عقيل بْن الْأسود، وَأَبُو البخْترِي الْعَاصِ بْن هِشَام بْن الْحَارِث بْن أَسد، وَنَوْفَل بْن خويلد بْن أَسد، قَتله عَليّ، وَقيل قَتله الزبير. وَالنضْر بْن الْحَارِث قتل صبرا بالصفراء، وَعُمَيْر بْن عُثْمَان عَم طَلْحَة بْن عبيد الله بْن عُثْمَان، وَأَبُو جهل بْن هِشَام اشْترك فِي قَتله معَاذ بْن عَمْرو بْن الجموح ومعوذ بْن عفراء، وأجهز عَلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود وجده وَبِه رَمق فحز رَأسه، وَأَخُوهُ الْعَاصِ بْن هِشَام قَتله عمر بْن الْخطاب وَهُوَ خَاله. ومسعود بْن أبي أُميَّة المَخْزُومِي أَخُو أم سَلمَة، وَأَبُو قيس بْن الْوَلِيد بْن الْمُغيرَة أَخُو خَالِد بْن الْوَلِيد، وَقيس بْن الْفَاكِه بْن الْمُغيرَة، والسائب بْن أبي السَّائِب المَخْزُومِي وَقد قيل لم يُقْتَلِ السَّائِب يَوْمئِذٍ بل أسلم بعد ذَلِك٥.

стр. 105

ومنبه وَنبيه ابْنا الْحجَّاج بْن عَامر السَّهْمِي، والعاصي والْحَارث ابْنا مُنَبّه بْن الْحجَّاج، وَأُميَّة بْن خلف الجُمَحِي، وَابْنه عَليّ بْن أُميَّة. وَسَائِر السّبْعين قد ذكرهم ابْن إِسْحَاق وَغَيره. تَسْمِيَة من أسر ببدر من كفار قُرَيْش ١ وَأسر مَالك بْن عبيد اللَّه أَخُو طَلْحَة فَمَاتَ أَسِيرًا، وَأسر حُذَيْفَة بْن أبي حُذَيْفَة بْن الْمُغيرَة. وَأسر من بني مَخْزُوم وحلفائهم يَوْم بدر أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ رجلا، وَمن بني عَبْد شمس وحلفائهم اثْنَا عشر رجلا، مِنْهُم عَمْرو بْن أبي سُفْيَان [بْن صَخْر] بن حَرْب، والْحَارث ابْن أبي وجزة٢ بْن أبي عَمْرو بْن أُميَّة، وَأَبُو الْعَاصِ بْن الرّبيع بْن عَبْد الْعُزَّى بْن عَبْد شمس صهر رَسُول اللَّه ﷺ زوج ابْنَته زَيْنَب. وَأسر من بني هَاشم يَوْمئِذٍ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب، وَعقيل بْن أبي طَالب، وَنَوْفَل بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمطلب. وَمن بني الْمطلب بْن عَبْد منَاف السَّائِب بْن [عبيد بْن] عَبْد يزِيد والنعمان بْن عَمْرو. وَأسر من سَائِر قُرَيْش عدي بْن الْخِيَار بْن عدي بْن نَوْفَل بْن عَبْد منَاف، وَأَبُو عَزِيز بْن عُمَيْر بْن هَاشم أَخُو مُصعب بْن عُمَيْر، والسائب بْن أبي حُبَيْش بْن الْمطلب بْن أَسد، والْحَارث بْن عَامر٣ بْن عُثْمَان بْن أَسد، وخَالِد بن هَاشم بْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي، وَصَيْفِي بْن أبي رِفَاعَة المَخْزُومِي، وَأَخُوهُ أَبُو الْمُنْذر بْن أبي رِفَاعَة، وَالْمطلب بن حنْطَب المَخْزُومِي*.

стр. 106

[وَأسر] خَالِد بْن الأعلم الْخُزَاعِيّ، وَقيل إِنَّه عقيلي حَلِيف لَهُم١، وَهُوَ الْقَائِل: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... وَلَكِن على أقدامنا تقطر الدِّمَا وَهُوَ أول من فر يَوْم بدر فَأُدْرِكَ وَأُسِرَ، وَعُثْمَان بْن عَبْد شمس بْن جَابر الْمَازِني حَلِيف لَهُم، وَهُوَ ابْن عَم٢ عتبَة بْن غَزوَان، وَأُميَّة بْن أبي حُذَيْفَة بْن الْمُغيرَة، وَأَبُو قيس٣ بْن الْوَلِيد أَخُو خَالِد بْن الْوَلِيد، وَعُثْمَان بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُغيرَة، وَأَبُو عَطاء عَبْد اللَّهِ بْن أبي السَّائِب بْن عَابِد٤ المَخْزُومِي، وَأَبُو ودَاعَة بْن صبيرة٥ السَّهْمِي وَهُوَ أول أَسِير فُدِيَ مِنْهُم. وَعبد اللَّه بْن أبي بْن خلف الجُمَحِي، وَأَخُوهُ عَمْرو بْن أُبَيٍّ، وَأَبُو عزة عَمْرو بْن عَبْد اللَّهِ بْن عُثْمَان٦ بْن أهيب بن الجُمَحِي، وَسُهيْل بْن عَمْرو العامري وعَبْد٧ بْن زَمعَة بْن قيس العامري، وَعبد اللَّه٨ بْن حميد بْن زُهَيْر الْأَسدي. فَهَؤُلَاءِ مشاهير من قُتِلَ ومشاهير من أُسِرَ. وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن الْقَتْلَى يَوْمئِذٍ سَبْعُونَ والأسرى سَبْعُونَ فِي الْجُمْلَة، وَقد يَخْتَلِفُونَ فِي تَفْصِيل ذَلِك.

стр. 107

قَالَ أَبُو عمر: أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بقتل عتبَة بْن أبي معيط صبرا، كَمَا رَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلمَة عَن عَطاء بْن السَّائِب، عَن عَامر الشّعبِيّ، قَالَ: لما أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بقتل عقبَة بْن أبي معيط عَدو اللَّه قَالَ: أتقتلني يَا مُحَمَّد من بَين سَائِر قُرَيْش؟ قَالَ: "نعم". ثمَّ أقبل على أَصْحَابه، فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا صنع هَذَا بِي؟ جَاءَ وَأَنا ساجد خلف الْمقَام، فَوضع رجله على عنقِي وَجعل يغمزها، فَمَا رَفعهَا حَتَّى ظَنَنْت أَن عَيْني تندران ١ أَو قَالَ تسقطان، ثمَّ مرّة أُخْرَى [جَاءَ] ٢ بسلا شَاة، فَأَلْقَاهُ على رَأْسِي وَأَنا ساجد خلف الْمقَام، فَجَاءَت فَاطِمَة فغسلته عَن رَأْسِي". تَسْمِيَة من شهد بَدْرًا من الْمُهَاجِرين ٣ من بني هَاشم بْن عَبْد منَاف: رَسُول اللَّه ﷺ ، وَحَمْزَة، وَعلي. وَمن مواليهم زيد بْن حَارِثَة الْكَلْبِيّ، وأنسة: حبشِي، وَأَبُو كَبْشَة: فَارسي. وَمن حلفائهم أَبُو مرْثَد الغنوي حَلِيف حَمْزَة، وَابْنه مرْثَد بْن أبي مرْثَد. ثَمَانِيَة رجال: ثَلَاثَة من أنفسهم، وَثَلَاثَة من مواليهم، وَاثْنَانِ من حلفائهم. وَمن بني الْمطلب بْن عَبْد منَاف: عُبَيْدَة بْن الْحَارِث، وأخواه الطُّفَيْل وَالْحصين أَبنَاء الْحَارِث بْن الْمطلب، ومسطح بْن أَثَاثَة. أَرْبَعَة رجال. وَمن بني عَبْد شمس بْن عَبْد منَاف: عُثْمَان بْن عَفَّان، يعد فيهم لِأَنَّهُ تخلف على رقية٤ ابْنة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بأَمْره، فَضرب لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بسهمه: قَالَ لَهُ: وَأَجْرِي٥ يَا رَسُول اللَّه؟ قَالَ: "وأجرك". وَأَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة، قيل اسْمه عَامر

стр. 108

وَقيل اسْمه قيس، وَقيل مهشم، وَسَالم مَوْلَاهُ وَكَانَ يُدْعَى يَوْمئِذٍ ابْنه. وَمن مواليهم صبيح مولى سعيد بْن الْعَاصِ بْن أُميَّة، وَقيل إِن صبيحا تجهز لِلْخُرُوجِ إِلَى بدر فَمَرض فَحمل على بعيره أَبَا سَلمَة بْن عَبْد الْأسد، ثمَّ شهد صبيح بعد ذَلِك سَائِر الْمشَاهد مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَمن حلفائهم عَبْد اللَّهِ بْن جحش الْأَسدي، وعكاشة بْن مُحصن الْأَسدي، وَأَخُوهُ: سِنَان بْن مُحصن، وَأَبُو سِنَان بْن مُحصن، وَابْنه سِنَان بْن أبي سِنَان، وشجاع بْن وهب الْأَسدي، وَأَخُوهُ عقبَة بْن وهب، وَيزِيد بْن١ رُقَيْش بْن رِئَاب٢ الْأَسدي، ومحرز بْن نَضْلَة الْأَسدي، وَرَبِيعَة بْن أَكْثَم بْن سَخْبَرَة٣ الْأَسدي. وَمن حلفاء بني أَسد بْن خُزَيْمَة: ثقف٤ بْن عَمْرو٥، ومدلج وَقيل مدلاج بْن عَمْرو٦، وأخوهما مَالك بْن عَمْرو من بني سليم، وَأَبُو مخشي سُوَيْد بْن مخشي الطَّائِي. ثَمَانِيَة عشر أَو سَبْعَة عشر٧ رجلا: اثْنَان من أنفسهم، وَاثْنَانِ من مواليهم، وَعشرَة من حلفائهم من بني أَسد بْن خُزَيْمَة، وَمن حلفاء بني أَسد بْن خُزَيْمَة أَرْبَعَة. وَمن بني نَوْفَل بْن عَبْد منَاف شَهِدَهَا من حلفائهم -وَلم يشهدها من أنفسهم أحد- عتبَة بْن جَابر بْن وهب الْمَازِني، وخباب مولى عتبَة بْن غَزوَان وَلَيْسَ بخباب بْن الْأَرَت: رجلَانِ. وَمن بني أَسد بْن عَبْد الْعُزَّى بْن قصي: الزبير بْن الْعَوام، وحاطب بْن أبي بلتعة حَلِيف لَهُم، وَسعد مولى حَاطِب. ثَلَاثَة رجال، اثْنَان مِنْهُم حليفان. وَمن بني أَسد بْن عَبْد الدَّار بْن قصي: مُصعب بْن عُمَيْر، وسوبيط بْن سعد بْن حَرْمَلَة. رجلَانِ من أنفسهم.

стр. 109

وَمن بني زهرَة بْن كلاب، عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف، وَسعد بْن أبي وَقاص، وَأَخُوهُ عُمَيْر بْن أبي وَقاص. ثَلَاثَة رجال. وَمن حلفائهم الْمِقْدَاد بْن عَمْرو البهرائي يعرف بالمقداد بْن الْأسود، لِأَن الْأسود بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيّ كَانَ قد تبناه قبل الْإِسْلَام، وَعبد اللَّه بْن مَسْعُود الْهُذلِيّ حَلِيف لَهُم، ومسعود بْن ربيعَة بْن عَمْرو الْقَارِي من ولد الْهون بْن خُزَيْمَة بْن مدركة وهم القارة حلفاء بني زهرَة، وَذُو الشمالين عُمَيْر بْن عَبْد عَمْرو بْن نَضْلَة الْخُزَاعِيّ حَلِيف لَهُم، وخباب بْن الْأَرَت حَلِيف لَهُم يُقَال إِنَّه خزاعي وَيُقَال إِنَّه تميمي وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي نسبه وولائه وحلفه فِي بَاب اسْمه من كتاب١ الصَّحَابَة. خَمْسَة رجال٢ تَتِمَّة ثَمَانِيَة. وَمن بني تَمِيم بْن مرّة: أَبُو بكر الصّديق، وبلال بْن رَبَاح مَوْلَاهُ، وعامر بْن فهَيْرَة مَوْلَاهُ وَكَانَ من مُوَلَّدِي الأزد، وصهيب بْن سِنَان النمري حَلِيف عَبْد اللَّهِ بْن جدعَان التَّيْمِيّ، وَطَلْحَة بْن عبيد اللَّه بْن عُثْمَان كَانَ بِالشَّام فِي تِجَارَة فَضرب لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بسهمه وأجره. فعد لذَلِك فِي أهل بدر. خَمْسَة رجال: اثْنَان من أنفسهم٣ وَاثْنَانِ من مواليهم وَوَاحِد حَلِيف لَهُم. وَمن بني مَخْزُوم بْن يقظة: أَبُو سَلمَة بْن عَبْد الْأسد واسْمه عَبْد اللَّهِ، وشماس بْن عُثْمَان بْن الشريد واسْمه عُثْمَان بْن عُثْمَان، والأرقم بْن أبي الأرقم عَبْد منَاف، وعمار بْن يَاسر الْعَنسِي مولى لَهُم، ومعتب بْن عَوْف السَّلُولي ثمَّ الْخُزَاعِيّ حَلِيف لَهُم. خَمْسَة رجال: ثَلَاثَة من أنفسهم، وَوَاحِد مولى لَهُم، وَوَاحِد من حلفائهم. وَمن بني عدي بْن كَعْب: عمر بْن الْخطاب بْن نفَيْل، وَأَخُوهُ زيد بْن الْخطاب، وَعَمْرو بْن سراقَة بْن الْمُعْتَمِر، وَأَخُوهُ عَبْد اللَّهِ بْن زيد بْن عَمْرو بْن نفَيْل كَانَ غَائِبا بِالشَّام فَضرب لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ بسهمه وأجره فَهُوَ مَعْدُود فِي الْبَدْرِيِّينَ، وَمهجع مولى عمر بْن الْخطاب. وَمن حلفائهم وَاقد بْن عَبْد اللَّهِ الْيَرْبُوعي التَّمِيمِي، وخولي

стр. 110

وَمَالك ابْنا١ أبي خولي من بني عجل بْن لجيم، وعامر بْن ربيعَة٢ الْعَنزي، وعامر وعاقل وخَالِد وَإيَاس بَنو البكير بْن عَبْد يَا ليل الليثيون من بني سعد بْن لَيْث. أَرْبَعَة عشر رجلا: خَمْسَة من أنفسهم، وَوَاحِد من مواليهم، وَثَمَانِية من حلفائهم. وَمن بني جمح: عُثْمَان، وَقُدَامَة، وَعبد اللَّه بَنو مَظْعُون بْن حبيب بْن وهب بْن حذافة بْن جمح، والسائب بْن عُثْمَان بْن مَظْعُون، وَمعمر بْن الْحَارِث بْن معمر بْن حبيب، خَمْسَة رجال. وَمن بني سهم بن هصيص: خُنَيْس بن حذاقة. رجل وَاحِد. وَمن بني عَامر بْن لؤَي: أَبُو سُبْرَة بْن أبي رهم بْن عَبْد الْعُزَّى، وَعبد الله بن مخزومة بْن عَبْد الْعُزَّى، وَعبد اللَّه بْن سُهَيْل بْن عَمْرو، خرج مَعَ الْمُشْركين فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ فر إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ ، ووهب٣ بْن سعد بْن أبي سرح، وحاطب بْن عَمْرو، وَعُمَيْر٤ بْن عَوْف، وَسعد بْن خَوْلَة حَلِيف لَهُم من الْيمن. سَبْعَة رجال: خَمْسَة من أنفسهم، وَمولى لَهُم، وحليف. وَمن بني الْحَارِث بْن فهر: أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح واسْمه عَامر بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْجراح، وَعَمْرو بْن الْحَارِث بْن زُهَيْر، وَسُهيْل بْن وهب بْن ربيعَة، وَأَخُوهُ صَفْوَان بْن وهب وهما ابْنا بَيْضَاء، وَعَمْرو بْن أبي سرح بْن ربيعَة، [وعياض بْن٥ زُهَيْر] . سِتَّة رجال كلهم من أنفسهم. فَجَمِيع من شهد بَدْرًا من الْمُهَاجِرين سِتَّة٦ وَثَمَانُونَ رجلا، كلهم شَهِدَهَا بِنَفسِهِ إِلَّا
следующие страницы →