٥ - النذر لغير الله تعالى
قال تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب
стр. 247
العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
في هاتين الآيتين أمر من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ أن يقول لمن يشركون مع الله غيره في العبادة: إن صلاتي بجميع أنواعها وذبيحتي التي أذبحها للتقرب إلى الله تعالى، وما أعمله في حياتي من القربات وما أعمله عند الممات منها مثل الوصية بالصدقة وغيرها. كل ذلك أجعله لله وحده خالصاً من إشراك أحد معه تعالى، وبهذا الإخلاص أمرت وأنا أول مسلمي أمتي وأول من علمها ودلها على الله والإخلاص له والصدق معه.
والنذر بإجماع المسلمين نوع من العبادة التي يتقرب بها إلى الله تعالى فإن كان خالصاً له فهو نذر صحيح ومشروع وإن كان لغير الله فهو حرام وباطل وإليك أقوال العلماء في ذلك لتعرف حكم النذر للنبي أو للولي أو الأماكن أو الأشياء مما فتن به المسلمون.
قال الرافعي في شرح المنهاج: وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء أو تردد في تلك البقعة من الأولياء، والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك - وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة - تعظيم البقعة أو المشهد أو الزاوية أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع به البلاء، ويستجلب
стр. 248
بها النعماء، ويستشفي بالنذر لها من الأدواء، حتى أنهم ليذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر، يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء المريض أو قدوم الغائب أو سلامة المال وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه الباطل لا شك فيه.
وقال الشيخ الحنفي في شرح درر البحار:
النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون للإنسان غائب أو مريض أو له حاجة، فيأتي إلى بعض الصلحاء ويقول: يا سيدي فلان، إن رد الله غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا. فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه: منها أنه نذر لمخلوق، والنذر لمخلوق لا يجوز، لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق.
ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك.
ومنها: أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر ... إلى أن قال: إذا علمت هذا، فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقرباً إليها فحرام بإجماع المسلمين، ولا يحل لأحد الانتفاع به بأكل أو غيره ولو كان فقيراً.
وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء: فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان فهو لغير الله فيكون باطلاً، وفي التنزيل ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]. ﴿قل إن صلاتي ... ﴾ ثم قال: والنذر لغير الله إشراك مع الله كالذبح لغيره.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو بمنزلة أن يحلف بغير
стр. 249
الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قاله النبي ﷺ : "من حلف وقال في حلفه واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله".
وقال في من نذر للقبور أو نحوها دهناً لتنور به ويقول: إنها تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين، وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين، لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالاً لسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن فيهم شبهاً من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال الخليل فيهم: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ والذين مر موسى ﵇ وقومه عليهم بعد النجاة من مصر، قال تعالى:
﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم﴾ [الأعراف: ١٣٨].
فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد في الهند والمجاورين عندها.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، "زاد الطحاوي: "وليكفر عن يمينه" فيستدل من الحديث أن هناك نذراً بمعصية فلا يجوز تنفيذه، والنذر لغير الله تعالى هو نذر بمعصية فلا يحل أن ينفذ.
قال الحافظ: وقد يستدل بالحديث على صحة النذر في المباح كما هو
стр. 250
مذهب أحمد وغيره، ويؤيده ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأحمد والترمذي عن بريدة أن امرأة قالت يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال: "أوفي بنذرك". فيستفاد من الآية والحديث السابقين وجوب الحذر من الوقوع في المعصية بالنذر لغير الله تعالى، كما يستفاد مما سبق حرمة أكل المال المنذور لغير الله تعالى واستفادة الأشخاص به، لأنه سحت وشبيه بما كان يهدى لسدنة الأصنام فإن كان لا بد من صرفه في وجه الخير فليكن ذلك في بناء المساجد وتعميرها وبناء المستشفيات والملاجئ ونحوها مما ليس فيه تمليك لفرد أو لأفراد من الناس، والله الموفق.
٦ - الاستعاذة بغير الله تعالى من الجن والشياطين وغيرها
معنى الاستعاذة: هو الالتجاء والاعتصام ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذاً وملجأ. فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه، واعتصم واستجار به والتجأ إليه. وهذا تمثيل وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله والاعتصام به، والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه، والتذلل له، أمر لا تحيط به العبارة. قاله ابن القيم ﵀، وقال ابن كثير: الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر. والعياذ يكون لدفع الشر، واللّياذ يكون لطلب الخير.
وقد بين القرآن أن الاستعاذة بالجن والشياطين لا تفيد المستعيذ شيئاً.
قال تعالى:
﴿وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقاً﴾ [الجن: ٠٦].
стр. 251
قال ابن كثير: أي كنا نرى أن لنا فضلاً على الإنس لأنهم كانوا يعوذون بنا: أي إذا نزل الإنس وادياً أو مكاناً موحشاً من البراري وغيرها - كما كانت عادة العرب في الجاهلية - يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان حتى لا يصيب شيء بسوء، فكلما رأت الجن أو الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادهم رهقاً: أي خوفاً وإرهاباً وذعراً، حتى يبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذاً بهم.
وقال ملا علي قاري الحنفي: لا يجوز الاستعاذة بالجن فقد ذم الله تعالى الكافرين على ذلك وذكر الآية، وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس، وقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله، إن ربك حكيم عليم﴾ [الأنعام: ١٢٨].
فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره وإخباره بشيء من المغيبات. واستمتاع الجني بإنسي تعظيمه إياه، واستعاذته به، وخضوعه له ١. هـ. هذا باختصار.
وقال ابن القيم: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به، وتقرب إليه بما يجب فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة بل يسميه استخداماً. وصدق، هو استخدام من الشيطان له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له ولا يعبده كما يفعل هو به.
وقد بين الله تعالى لنا كيفية الاستعاذة في سورتين تامتين من كتابه هما: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ إلى آخرها، و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ إلى آخرها.
стр. 252
كما بينها لنا النبي ﷺ بقوله: "من نزل منزلاً، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك". رواه مسلم.
٧ - دعاء غير الله والاستغاثة به
الاستغاثة: هي طلب الغوث: وهو إزالة الشدة كالاستنصار: طلب النصر. والاستعانة: طلب العون، والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، أما الدعاء فيكون من المكروب وغيره، فهو أعم منها وبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة وينفرد الأعم. وعلى هذا فكل استغاثة دعاء ولا عكس.
وهذا الموضوع شائك خطير، وجدير بالتنبيه إليه وتناوله بالدقة والحكمة، فإن الفرق بين الجائز منه والممنوع قد يكون شعرة، ومع دقة الفارق فإن الوقوع في الممنوع قد يكون معناه الوقوع في الشرك الذي هو كفر يؤدي إلى الخلود في النار والعياذ بالله تعالى، لذلك نقول:
إن الاستعانة إذا كانت بالله تعالى فهي عبادة كالدعاء، وهو تعالى الأحق بأن يستعاذ به، والأحق بأن يدعى ويطلب منه كل شيء، لأنه تعالى القادر على إغاثة من يستغيث به وإجابة من يدعوه ولذا قال تعالى:
﴿أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ [النمل: ٦٢].
وقال تعالى آمراً عباده بالتوجه إليه ودعائه:
﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠].
وقال ﷺ : الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴿الآية - رواه أبو داوود والترمذي وصححه وهذا لفظه.
стр. 253
وإذا كان هذا شأن الدعاء والاستغاثة فلا يجوز لإنسان أن يستغيث بغير الله تعالى، ولا أن يدعوه ويسأله قضاء حاجاته وإغاثته من مكروه نزل به إلا إذا كان المستغاث به والمدعو قد أذن الشرع بأن نستغيث به وندعوه. فالاستغاثة والدعاء الممنوعان هما الاستغاثة بالأصنام والأموات والجن والملائكة وأمثالهم، لأن هذا نوع من الشرك، وبسببه ضل كثير من الناس وانحرفوا عن الطريق الصحيح، وهذا النوع هو الذي نزل فيه مثل قوله تعالى:
﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءاً وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ [الأحقاف: ٠٥ - ٠٦].
وقوله تعالى:
﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير﴾ [فاطر: ١٤].
وهذا يوضح أن هذا النوع من الاستغاثة شرك بالله تعالى وكذلك ما يماثله من الدعاء، ولذا قال تعالى:
﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين﴾ [يونس: ١٠٦].
والاستغاثة والدعاء، يجوز توجيههما إلى الإنسان الحي في حالات معينة أذن الشرع بها، وقد تكون واجبة. وذلك مثل أن يقع الإنسان في كارثة
стр. 254
ومصيبة يرجو الخلاص منها، كأن يقع في نهر أو بئر فيطلب من يغيثه وينقذه، وكأن يصطدم بسيارة، أو تشب فيه النار، أو يصاب بمرض من الأمراض، وأمثال هذه الأمور التي تعارف الناس واعتادوا على أن يطلبها الإنسان من الإنسان، ولم يأت من الشرع ما يمنع ذلك، وتلك أمور واضحة، والفرق بينها وبين الأمور الأولى الممنوعة لا يخفى على من له أدنى فهم.
٨ - الغلو في الأنبياء والصالحين
للأنبياء عليهم الصلاة والسلام مكانة في نفوس المؤمنين، ولهم واجبات وحقوق وأنواع من التبجيل والاحترام مطلوبة ومشروعة، وقد فصّلها الشارع وبينها.
ولكن النفوس البشرية جُبلت على ألا يقف تصورها عند حد إذا لم يرتبط بأصول معينة تمنعه من التغالي والزيادة عن الحد المشروع.
وكذلك حدث في جميع الأمم أن غالت في تصوراتها لأنبيائها والصالحين فيها حتى أعطتهم ما ليس لهم من حق، وجعلتهم آلهة أو أشباه آلهة. فاستغاثت بهم بعد موتهم ووجهت الدعاء والاستغاثة إليهم، وركعت لهم وسجدت، ونذرت لهم الأموال والذبائح وسألتهم جلب المنافع ودفع المضار، ونسبت إليهم ما يحدث من كوارث ومصائب أحياناً، وأحياناً أخرى تنسب إليهم ما يحدث من رخاء ونعيم وشفاء أمراض ودفع بلاء وغير ذلك، سواء أكان الأنبياء والصالحون قابعين في قبورهم، أم اتخذ الناس لهم صوراً تمثلهم كالأصنام والتماثيل وغيرها.
وبذلك جعلهم الناس شركاء لله، وقدموا إليهم من الولاء والطاعة والعبادة والقربات ما لا يجوز أن يقدم إلا لله تعالى، وذلك كفر صريح لا شك فيه.
وقد حذر القرآن والسنة من هذا الانحراف ونبهنا إليه في مواضع كثيرة.
стр. 255
قال تعالى:
﴿يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، فآمنوا بالله ورسله، ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيراً لكم، إنما الله إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد، له ما في السموات وما في الأرض وكفي بالله وكيلاً. لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون، ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٢].
واضح من الآيتين أن الله تعالى ارتضى بالنسبة لرسوله عيسى ﵊ حداً معيناً ونسبة محدودة من التقدير والتعظيم، وهي النسبة التي أخبر الله تعالى أنه أفاضها عليه وأكرمه بها، ولكنه تعالى لم يرتض الزيادة على ذلك والغلو في المسيح، وأنكر على أتباعه أن جعلوه إلهاً أو ابن الله أو ثالث ثلاثة كما جاء ذلك في سورة المائدة، فإن أي رسول أو ملك مقرب ما هو إلا عبد خاضع ذليل لله تعالى، فيجب على المؤمنين ألا يرفعوا أحداً إلى مرتبة الألوهية وإلا اعتبر ذلك غلواً مرفوضاً وشركاً مكفراً.
وفي الصحيح عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودّاً ولا سُواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً﴾ [نوح: ٢٣].
стр. 256
قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا إلى مجالسهم التي كانوا فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت".
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوها.
وعن عمران أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". البخاري ومسلم.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو".
وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" "قالها ثلاثاً". رواه مسلم، والمتنطعون المراد بهم هنا المغالون في الدين.
ومن المغالاة المقيتة بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، واتخاذ القبور مساجد، وذلك بالصلاة في القبور أو بالتوجه إلى هذه القبور أثناء الصلاة بأن يجعل القبر بين يدي المصلي: وذلك بقصد التبرك بالقبور، وبمن فيها: فقد ترتب على ذلك أن عبدت القبور، وعبد من فيها على الوجه الذي سبق ذكره.
ولذلك حذر النبي ﷺ تحذيراً شديداً من هذا النوع من المغالاة، وظل يحذر منه إلى آخر وقت في حياته.
فعن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله". البخاري ومسلم.
стр. 257
وعنها قالت: "لما نزل (١) برسول الله ﷺ طفق (٢) يطرح خميصة (٣) له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - يحذر ما صنعوا - ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً". رواه البخاري ومسلم.
وروى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
٩ - الرياء
وهو أن يحسن المرء عمله أمام الناس حتى إذا خلا مع نفسه أو مع رفقة مماثلة له أساء العمل.
قال ﷺ : "من أحسن الصلاة حين يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﵎". رواه عبد الرزاق وأبو يعلى وابن جرير الطبري. وقال تعالى مبيناً حال المنافقين:
﴿إن المنافقين يُخادعون الله وهو خادعهم، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال تعالى محذراً من الرياء وأمثاله من أنواع الشرك:
﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 258
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". رواه مسلم.
وقال ﵊: "من صام يرائي فقد أشرك، ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك". رواه البيهقي.
١٠ - السحر
وهو عبارة عن تعاويذ شيطانية وأعمال معينة يترتب عليها خداع الآخرين حتى يتخيلوا أموراً لا حقيقة لها، كأن يتخيلوا العصا حية، واللبن دماً، والسحاب جيشاً. وقد اتفق العلماء على أن فعل السحر كفر إن فعل على الوجه المذكور من الاستعانة بالشياطين والاستهانة بالدين والقرآن وأمثالهما.
وقال كثيرون: إن هذا الساحر يقتل حداً، ولم يجوز السحر أحد من العلماء إلا إذا تعلمه إنسان أو عمله ليدفع به ضرراً وقع بمسلم كأن يفك سحر ساحر ويبطل عمله، بشرط أن لا يعمله بشيء محرم شرعاً، وفيما عدا ذلك فهو حرام ممنوع تجب محاربته لما فيه من فتنة للناس والإضرار بهم. وقد يكون كفراً كما سبق وذلك للأدلة الآتية:
قال تعالى:
﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٣].
وقال ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله: وما هي؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم
стр. 259
الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". رواه البخاري ومسلم.
وعن جندب مرفوعاً "حد الساحر ضربه بالسيف" - رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف، وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبيد قال: "كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر".
وصح عن حفصة ﵂: أنها أمرت بقتل جاريه لها سحرتها. قلت: وبهذا أخذ أبو حنيفة ومالك وأحمد فقالوا: يقتل الساحر إذا لم يتب، ولم ير الشافعي القتل عليه بمجرد السحر إلا إذا عمل في سحره ما يبلغ الكفر، وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن أحمد.
١١ - إتيان الكهان والعرافين بجميع أنواعهم
هم الذين يزعمون أنهم يعرفون المغيبات من أمور الناس، فيضحكون عليهم، ويسخرون بهم، ويأكلون بالباطل أموالهم.
فهؤلاء لا يليق بمسلم أن يأتي إليهم، ولا يحل له أن يصدقهم، ويجب عليه محاربتهم بالكلام، وبزجرهم، وبتبليغ الحاكم والمسئولين عنهم، وتنبيه الناس إلى أضرارهم.
فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ".
قال ابن تيمية: العراف اسم الكاهن والمنجم والرمال، ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق. والمراد بالكفر هنا هو التشبه بالكافرين في الجاهلية لا أنه كافر حقيقة. وروى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً سأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" (١).
стр. 260
قال الإمام النووي وغيره: معناه أنه لا ثواب له في هذه الصلاة. وإن كانت صحيحة ومجزية بسقوط الفرض عنه، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين يوماً.
١٢ - كل قول أو فعل يتنافى مع الإيمان
قال الشوكاني: الذي يسب الله أو رسول الإسلام، أو الكتاب، أو السنة، والطاعن في الدين، كل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح ففاعلها مرتد، حده حد المرتد (يعني القتل) قال الشارح: أخرج أبو داوود والنسائي من حديث ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ فقتلها، فأهدر النبي دمها. وقال: وكفر من فعل هذه الأشياء لا يحتاج إلى برهان.
ومن اعترف بالدين ظاهراً وباطناً يفسر بعض ما ثبت من الدين بالضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة فهو الزنديق (أي الكافر) كما إذا اعترف بأن القرآن حق، وأن ما فيه من ذكر الجنة والنار حق، ولكن المراد بالجنة الابتهاج والسرور والفرح الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة أو الأفعال الحسنة. والمراد بالنار هي الندامة التي تحصل بسبب الملكات (الأخلاق) المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار ... إلى أن قال:
والتأويل (أي التفسير) للكتاب والسنة تأويلان:
تأويل لا يخالف قاطعاً من الكتاب والسنة واتفاق الأمة، وتأويل يصادم ما يثبت بدليل قاطع فذلك هو الزندقة. فكل من أنكر الشفاعة أو أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب فهو مبتدع فاسق وحده القتل (١).
стр. 261
وعن ابن كثير في تفسير قوله تعالى:
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليماً﴾ [النساء: ٦٥].
قال: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: "لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً". أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً (ضيقاً) مما حكمت وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة (١).
وبذلك ندرك إدراكاً لا شك فيه أن أي مسلم يدعى إلى تحكيم كتاب الله تعالى وسنة رسوله فلا يرضى بذلك ظاهراً أو باطناً فهو كافر بإجماع المسلمين، ومثله من تدعوه إلى دين الله وكتابه وسنة نبيه وأحكام الشريعة فإذا به يمتنع ويفضل التشريعات غير الإسلامية على التشريعات الإسلامية، لأن هذا يكذب آية الله التي أخبرت أن الإسلام كمل فلا نقص فيه، وأنه نعمة تمت ودين ارتضاه الله لسعادة عباده قال تعالى:
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة: ٣].
فمن لم يرض بحكم شرعي واحد فهو كافر، ومن ادعى أن دين الله ناقص فهو كافر، ومن لم يؤمن بأن شرع الله ودينه الإسلامي نعمة تامة فقد كفر. وهذا إجماع لا ينكره إلا مكابر مصادم صراحة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 262
وقال ابن كثير في معنى قوله تعالى:
﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون﴾ [النساء: ٦٥].
ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم (جنكيزخان) الذي وضع لهم الباسق: وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها مجرد نظرة وهواه فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير (١).
وبذلك ندرك خطورة ما عليه الناس اليوم فإنهم جميعاً إلا من رحمه الله تعالى، قد انصرفوا إلى الأخذ من كل منهل غير الإسلام، وارتضوا كل تشريع إلا تشريع الله ورسوله، وحكموا بغير ما أنزل الله راضين مستسلمين حانعين أذلاء متسولين. فبماذا يحكم ابن كثير عليهم وقد حكم على من هم أقل منهم انحرافاً بالكفر والقتل؟؟.
سبحانك اللهم حول أمتنا إلى ربها ودينها ورسولها لتستحق نصرك وتأييدك. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المختار رحمة لسائر المخلوقات، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والمكرمات.
стр. 263
العبادات وصلتها بالعقيدة
معناها
العبادة مأخوذة من "عبد" بمعنى إنسان خاضع ذليل لسيده ومالك أمره قال تعالى:
﴿إن كلُّ من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً﴾ [مريم: ٩٣].
أي خاضعاً ذليلاً للرحمن.
وعبد الطريق ذلله، وعبد إنسان إنساناً أخضعه له، قال موسى ﵇ رداً على فرعون في صلفه وكبريائه:
﴿وتلك نعمةٌ تمنها عليّ أن عبدت بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٢٢].
والمعنى: هل تعتبر إخضاعك بني إسرائيل لظلمك وجورك وإذلالك لهم نعمة تستحق أن تمن بها علي؟ إن هذا قلب للحقائق.
وعلم الله المسلمين أن يقولوا في كل ركعة من الصلاة:
﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥].
والمعنى: لا نعبد أحداً غيرك، ولا نستعين بأحد سواك، فأنت وحدك المستحق للعبادة، وأنت وحدك المعين لمن يستعين بك.
وكل شيء أخضعت نفسك له خضوعاً يتنافى مع إسلامك فأنت عابد له وهو مستعبد لك ولو كان لا يعقل هذا الاستعباد ولا يقصده، ولذلك قال ﷺ كما روى البخاري:
"تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة".
стр. 264
وعبادة الله تعالى معناها الخضوع لله تعالى خضوعاً كاملاً في جميع ما جاء به كتابه الكريم، وفي جميع ما بينه نبيه العظيم، عليه أفضل الصلاة والتسليم مع شدة الحب لله، وشدة الخوف منه، وهي بهذا المعنى تشمل الخضوع لله في العقيدة وأنواع القرب كالصلاة والزكاة والصوم وغيرها، وفي أنواع المعاملات كالزواج والطلاق والبيوع والشركات، والمداينات والتجارة والصناعة والزراعة، وفي أنواع الأخلاق كالوفاء، والصدق، والعدل والأمانة، وفي كل ما يتصل بنظام حياتنا الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بشرط واحد هو أن يريد المسلم بخضوعه وجه الله تعالى، ويطلب به رضاه. فإذا التزم المسلم بالعمل بالكتاب والسنة، وفعل ما أمره الله به، وترك ما نهاه الله عنه قاصداً بذلك وجه الله فهو عابد لربه يستحق على عبادته المثوبة في الدنيا والآخرة، ولو كان عمله في ظاهره عملاً دنيوياً محضاً، يشهد لذلك قول رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص:
"إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك".
وجاءت أحاديث كثيرة صحيحة أخبر النبي ﷺ فيها أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن السلام على المسلم يرفع الدرجات عند الله، وأن كف اللسان عن الشر صدقة، وأن إعانة المحتاج صدقة، وأن زيارة الأخ في الله، وعيادة المريض المسلم، والتبسم في وجه المسلم، وإرشاده إلى ما ينفعه، والسعي على النفس أو الزوجة والأولاد. كل ذلك وغيره وغيره يعتبر عملاً تعبدياً يثاب عليه المسلم ويؤجر على فعله، كما يؤجر على الصلاة والصيام والصدقة.
ومن هنا ندرك أن معنى العبودية لله والخضوع له معنى عام شامل يدخل في دائرته كل أمر يفعل أو يترك على أساس الدين وشريعة الله تعالى مع
стр. 265
النية الصالحة. فمن شارك مسلماً والتزم في شركته العمل بالكتاب والسنة فهو عابد لله في هذه الشركة. ومن عاشر زوجته بالمعروف كما أمره الله يبتغي بذلك وجه الله فهو عابد لله. ومن تاجر فصدق في تجارته وبين ما فيها من عيوب يخشى الله في ذلك فهو عابد لله، ومن حكم بما أنزل الله في آية قضية بنية الخضوع لحكم الله فهو بذلك عابد الله. ومن اجتهد في طلب العلم - ولو كان علماً مادياً - يريد بذلك نفع أمته الإسلامية وكان صادقاً في إرادته فهو عابد لله.
والخلاصة أن كل إنسان مسلم يلتزم بالكتاب والسنة مبتغياً بذلك رضاء الله تعالى فهو عابد لله تعالى بالمعنى العام المطلق لكلمة "عبادة" كما سبق.
وهذا هو معنى العبودية الحقة التي يخرج بها الإنسان من الشرك والوثنية إلى الإسلام والتوحيد كما جاء في الكلمة التي أخبر الله ورسوله أنها كلمة التوحيد، وكلمة العبور من الشرك إلى الإيمان، والخلاص من جميع الآلهة من أجل الالتجاء إلى إله وحده هو الإله الحق ... وهو الله تعالى والكلمة هي كلمة: لا إله إلا الله.
ومعناها: لا معبود يستحق العبادة إلا الله.
فقائلها يرفض الخضوع لجميع الآلهة ما عدا إلهاً واحداً هو الله، لأنه الإله الحق. فهو يكفر بآلهة القبور والقباب وكل من قدسه الناس من الموتى بغير إذن من الله.
ويكفر بآلهة الجن والملائكة والشياطين الذين توهمهم الناس فعظموهم وأحبوهم أشد من حبهم لله، ونذروا لهم النذور، وقدموا لهم القرابين، وجعلوهم شركاء في أموالهم بشكل يثير الاشمئزاز والنفور، ويخجل العقل البشري الواعي.
ويكفر بآلهة البشر الأحياء من العلماء والزعماء والكبراء الذين اتخذهم الناس آلهة يخضعون لهم فيما يغضب الله، وأرباباً يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويتخذون للناس شرائع وقوانين مضادة لشريعة الله وقانونه.
стр. 266
وما لم يكفر المسلم بجميع هؤلاء وأشباههم فهو ليس مسلماً ولا مؤمناً على وجه الحقيقة، لأنه لم يستسلم لله، ولم يوحده حين آمن به، لأنه خاضع لغيره فيما لا يرضيه.
وحسب هذا المفهوم الواضح الخطير يستطيع أن يعرف كل إنسان نفسه هل هو عبد لله أم عبد للشيطان من الإنس أو الجن؟
وليحذر كل امرئ خطورة الموقف بين يدي الله تعالى يوم القيامة حين يفصل في القضاء بين الناس ويقول لأتباع الشياطين:
﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون. ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ [يس: ٥٩ - ٦١].
العبادات وصلتها بالعقيدة
العبادة حسب المفهوم الخاص
عرفنا أن العبادة حسب المفهوم العام والأصلي لهذه الكلمة يراد بها الخضوع للمعبود مع شدة حبه والحرص على رضاه والخوف من غضبه.
ولكن العرف الإسلامي جرى على حصر العبادة في أمور معينة: منها الصلاة والدعاء والزكاة والصيام والحج والذكر، والجهاد ... الخ، وذلك عندما صنفوا العلوم الإسلامية في عهد السلف الصالح تسهيلاً للتعليم، ووضعاً لكل نوع في الإطار الذي يناسبه من الخطورة والأهمية، والمميزات والشروط وغيرها.
فقسموا العلوم الإسلامية إلى: عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأخلاق ... وغيرها.
والأسباب التي جعلتهم يحصرون العبادات في الأمور المذكورة أهمها ما يأتي:
أولاً: هذه الأعمال لا تنعقد ولا تصح إلا بنية التقرب بها إلى الله تعالى، قال تعالى:
стр. 267
﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعلم عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [آخر الكهف].
فمن صلى، أو صام، أو زكى، أو حج، أو اعتمر، أو جاهد بغير نية فإن عمله باطل، وإن نوى به غير وجه الله تعالى فكذلك، وهذا بخلاف المعاملات والأخلاق والسياسات وغيرها، فإن العقود فيها تصح بنية وبغير نية، وتصح سواء كانت النية لله أو لغيره. كل ما في الأمر أنها إن قصد بها وجه الله أثيب صاحبها وإلا فلا. فلو تزوج إنسان امرأة لمالها أو لجمالها أو لحسبها فإن الزواج صحيح، غير أنه لا ثواب فيه، لأن الثواب في المعاملات والأخلاق وأمثالها يأتي نتيجة نية صالحة.
وكذلك عقود البيع والتجارة والشركات، والمعاهدات بين الدول، والاتفاقيات بينها، أو بين الأشخاص بعضهم مع بعض في جميع أمور الحياة لا يشترط في صحتها أن يراد بها وجه الله، بل تصح بدون هذه الإرادة، أو بإرادة سيئة كإرادة الرياء، والجاه والاستعلاء، والمنافع الشخصية، والإضرار بالآخرين. كمن اشترى داراً بنية الإضرار بالجيران أو بساكن معين في الشارع.
ثانياً: هذه الأمور مطلوب من المسلم أداؤها كما أمر الله تعالى وبين رسوله ﷺ سواء فهم المسلم الحكمة في أدائها أم لم يفهم. إنها خضوع خالص لله تعالى على الوجه الذي جاءت به الشريعة، فإن كان العبد مستسلماً حقاً نفذ أمر الله وأمر رسوله بدون أن يسأل: لم شرع؟ ولم كان على هذا النظام؟ ولم لم يكن على نظام كذا وكذا. إن عليه أن يقول:
﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥].
صحيح أن جميع شرع الله يجب أن يتلقاه المسلم بالقبول والتسليم والخضوع له سواء فهم الحكمة أو العلة أم لم يفهم، غير أن باب المعاملات أوضح
стр. 268
الشارع أنه قائم على مصلحة المسلم، وأنه ما دامت هناك مصلحة فهناك شرع الله، وما دام هناك ضرر فهناك منع الله وتحريمه.
ومجال الاجتهاد في المعاملات متفوح دائماً، وتحدث للناس أحكام بعدد ما يحدث من أقضية ومشكلات كما قال عمر بن عبد العزيز، ولذلك من سن سنة حسنة في المعاملات من أجل مصالح المسلمين فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
وليس الأمر كذلك في العبادات فإن الواجب فيها الوقوف على ما جاء منصوصاً عليه في الكتاب والسنة بدون زيادة أو نقصان. فمن ابتدع فقد ضل وهوى. ولذلك جرى الفقهاء على أن يقولوا هذا "أمر تعبدي" يعني نأخذه كما جاء بدون تدخل مطلقاً من جهتنا وهذا "أمر غير تعبدي" يعني لنا فيه مجال واجتهاد حسب أصول مشروعة.
ثالثاً: العبادات عبارة عن أعمال يعملها العبد بينه وبين الله مباشرة بدون أدنى حاجة إلى وسيط أو وسيلة من الخلق، ولو دخل فيها وسيط لتحولت إلى وثنية، وذلك كما كان الكفار يفعلون لأصنامهم من تقديم النذور، والدعاء والاستغاثة وطلب الحاجات، وتفريج الكربات قائلين:
﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٠٣].
فهي عقد بين العبد وبين الله مباشرة إذا وفى العبد بشروطه نال من فضل الله ثواب حسن جزائه. أما جميع المعاملات فهي أعمال بين عبد وعبد، فهي مرتبطة أصلاً بتعامل الناس بعضهم مع بعض على اساس الدين.
رابعاً: العبادات مطلوبة من كل مسلم سواء كان هناك حسب نظره داع إلى فعلها أم لم يكن، لأن الله وحده هو العليم بأمرنا وبما يصلحنا فيما بيننا وبينه، فمثلاً لو لم يوجد إنسان محتاج للزكاة وجب إخراج الزكاة من المال وينتظر بها وقت الحاجة، ولا يجوز لمسلم إبقاء نصاب الزكاة داخل ماله اعتماداً على عدم وجود محتاج.
стр. 269
وكذلك لو أحس إنسان أن كل آثار الصيام هو متصف بها فلا حاجة إلى صيامه رمضان، فإنه لا يجوز له أن يفطر ولو فعل لوجب تعزيره واعتبر فاسقاً ومجرماً، وهكذا قل في الصلاة والحج والذكر والدعاء والجهاد وغيرها.
وهذا بخلاف المعاملات الاجتماعية والمالية والاقتصادية وغيرها فإنها موقوفة على الحاجة إليها فإن وجدت الحاجة كانت وإلا فلا. وهذا غير رقم (٢) فإن هذا جانب آخر مختلف عنه في النظر.
والخلاصة أن العبادات سميت بهذا الاسم وخصصت به عرفاً لأنها لم تصلح أن تؤدى إلا على وجه التعبد لله تعالى، ولذلك يوصف الملتزم بها، والمغرق فيها بأنه عابد وبأنه تقي وولي وصالح ... الخ. بشرط الالتزام بالكتاب والسنة في جميع تصرفاته وأن يكون ذلك كله مبنياً على عقيدة سليمة.
العبادات وصلتها بالعقيدة
مكانة العبادة وصلتها بالعقيدة
١ - حين تذكر العقيدة في الكتاب والسنة فإنما يراد بها العقيدة الحية المؤثرة التي تحدث تغييراً شاملاً في النفس، وفي الفكر، وفي الثقافة، وفي المبادئ والقيم، وفي السلوك والعمل، وفي تحديد الأهداف والغايات. ولن تكون العقيدة كذلك إلا إذا نشأت عن إعمال الفكر، واقتناع العقل، واطمئنان النفس إلى جميع قضاياها.
أماعقيدة التقليد والوراثة، والمناخ والبيئة، والتبعية وضياع الشخصية، عقيدة المحاكاة للآخرين في غباء، وترديد ما يقوله الكبار في بلاهة وبلادة وصغار، فإنها لا تصلح أن تسمى عقيدة ولا أن يكون لها اعتبار في نظر الإسلام.
وهي لذلك لا تكوِّن، شخصية، ولا تقوم معوجاً، ولا تنير لصاحبها طريقاً، ولا تعطيه عطاء جديداً يحدد له الهدف والغاية، ويرسم له السبيل والوسيلة.
إن العقيدة الحية أصحابها أحياء، في مشاعرهم ووجدانهم، في صدقهم مع الله وثباتهم، في حبهم لله وخوفهم منه، في ذكرهم لله واندفاعهم في
стр. 270
طاعته، في خشيتهم لله ونفورهم من معصيته، فهم لهم شخصية تميزهم عن جميع البشر، ولذلك كانوا غرباء.
إن الذين يدعون الإسلام والإيمان كثيرون، ولكن دعواهم يفضح كذبها سلوكهم المشين، وأخلاقهم السيئة، وانحرافهم عن الصراط المستقيم. وانخراطهم في سلك الغواية والضلالة والسقوط بدون خجل أو حياء.
إن أمتنا الإسلامية اليوم تعيش في تناقض كبير بين الكلمة التي تقولها، وبين الأعمال التي تميزها عن غيرها ... فهي تنطق بكلمة الإسلام، وتردد شعائر الإيمان، وتكثر من قراءة القرآن .. بينما أعمالها تقليد لأعدائها، وحياتها في أكثريتها تعتبر ترديداً لحياة من غضب الله عليهم ولعنهم في جميع كتبه، وشعورها بشخصيتها شعور ناقص يزري بكرامتها ويحط من قدرها ... ومكانتها الرائدة قد اهتزت كثيراً حتى في نفوس أبنائها ... كل ذلك بسبب ضعف العقيدة، أو موتها. ولا أمل في إصلاح إلا على أساس إحيائها وتقويتها.
إن الذي يقول: "لا إله إلا الله والله أكبر" بعمق فكر، وصدق صلة، ولذة معرفة بالله، يشعر بزلزلة كيانه، وانفعال وجدانه وأركانه، وامتلاء قلبه بنور الله، وامتزاج روحه بفيض رحمة الله، وعزة انتمائه إلى حزب الله، ويجد أبواب السماء مفتّحة له، وملائكة الرحمة محيطة به وحملة العرش يستغفرون الله له ويطلبون له ولذريته وأزواجه وآبائه الرحمة والجنة، لذلك يندفع في حب يطلب رضاء الله بطاعته، ويسهر الليل عابداً، أو يقضي النهار صائماً، ويحمل سيفه مجاهداً ويضحي بنفسه وماله في سبيل ربه، لا يبالي بمشقة أو تعب، ولا يشكون من بلاء أو نصب، له في كل خير قدم ثابتة، وفي كل عبادة وفضيلة منزلة سامية.
لو منعته الصلاة لبكى وقال: "كيف تحرمني الركوع والسجود لعظمة الله؟ ".
стр. 271
ولو منعته الصيام أو الذكر لقال: "وكيف أحيا مؤمناً وأنا مقطوع الصلة بالله؟ ".
ولو دفعته إلى منكر لقال لك: "قتلي أهون من إقدامي على معصية الله".
وهكذا لا تجد مؤمناً صادقاً إلا وهو عابد صالح، ولا تجد عابداً صالحاً إلا وهو مؤمن صادق.
فالعقيدة الحية هي: اندفاع في العبادة الحقة، والعبادة الحقة ناشئة عن عقيدة حية.
العقيدة شجرة، والعبادة ثمرتها والعقيدة أصل والعبادة فروعه:
﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].
فمن لا عبادة له فلا عقيدة له، ولذا جاء في حديث صحيح:
"من ترك الصلاة فقد كفر".
وأنت حين تقرأ القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف لا تجد العمل التعبدي إلا جُزءاً من العقيدة، وفرعاً قائماً على أصولها، وذلك في مثل قوله تعالى:
﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم
стр. 272
يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ [الأنفال: ٠٢ - ٠٤].
وقوله تعالى:
﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥].
وجاء في حديث رواه البخاري وغيره:
"الإيمان بضعٌ وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
وجاء في الصحيح قوله ﷺ لوفد عبد القيس:
"آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم".
وانظر قوة الربط بين الإيمان بالله وتحكيم آياته وسنة رسوله في حياة المؤمنين وما يعرض لهم من قضايا في قوله تعالى:
стр. 273
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ [النساء: ٦٥].
وليس أصرح في نفي الإيمان عمن ادعاه وهو لم يعمل بمقتضاه من قوله تعالى:
﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ [النور: ٤٧].
"ولهذا ذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهوية وسائر أهل الحديث وأهل المدينة وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى أن اسم الإيمان يراد منه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، بمعنى أن من آمن بقلبه ونطق بالشهادتين ولكنه لم يعمل بمقتضى الإيمان فإنه يسمى كافراً، بمعنى أنه كافر بنعمة الله تعالى، ولم يقم بواجب شكره، وليس المراد أنه كافر كفر التخليد في النار، فإن أحداً من المذكورين لم يقل بذلك". أ. هـ. ملخصاً من شرح الطحاوية ص ٢٣٦.
وبناء على ما تقدم ندرك أن فيض العقيدة الصادقة الحية، ونور الإيمان الغامر المؤثر والشعور بالقرب من الله ومراقبته في كل لحظة وخطوة، كل ذلك يجعل العبادة أمراً مطلوباً للنفس، وضرورياً لها بحيث لو لم يفرضه الشرع لطالبت النفس بالإذن به لأن فيه متعتها وسعادتها وقوام حياتها، ولذا كان ﷺ يقول كما جاء في البخاري وغيره:
"وجعلت قرة عيني في الصلاة" رواه البخاري وغيره.
стр. 274
٢ - كل صاحب عقيدة يضبط سلوكه وجميع أقواله وأفعاله على مبادئ عقيدته، ويستمد قوة ارتفاعه أو هبوطه من الأصول التي اعتنقها وآمن بها. تجد ذلك واضحاً في حياة وتصرفات وسلوك الشيوعي والوجودي والانحلالي، كما تجده في سلوك الشيعي والسني والدرزي والقادياني والبهائي، كما تجده في سلوك اليهودي والنصراني والبوذي وغيرهم.
فما لم يظهر على المسلم أثر عقيدته فمعنى ذلك أنه إنسان غير عقائدي، وبالتالي فهو لا شخصية له ... وأهم شيء يظهر ملامح عقيدته عباداته الممثلة في أركان الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج وذكر ودعاء وقراءة قرآن، وحب الله وخوف منه وتوكل عليه ... الخ.
٣ - للعبادات في الإسلام وظائف تقوم بها، وآثار تتفرع عنها وتترتب عليها، ولا يحيط علماً بهذه الوظائف والآثار أحد غير الله تعالى، ونحن يظهر لنا منها قدر ما تطيق عقولنا، فمن أقام هذه العبادات فقد أقام كل ما تفرع منها، ومن أضاعها فقد أضاع كل آثارها .. فكيف يسمى نفسه بعد ذلك مسلماً أو مؤمناً على وجه الحقيقة من أضاع أهم ما في هذا الدين وحطم أعظم أركانه التي ما خلق إلا لأجلها؟ قال تعالى:
﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦].
فالصلاة صلة مستمرة بين العبد وربه، تظهر فيها عبوديته لخالقه، وخضوعه لجلال الله وجماله وكماله ... فمن قطع هذه الصلة فقد قطع عن نفسه موارد الرحمة، وحرم مناجاة ربه، وعاش مبتوراً ضائعاً تلعب به الشياطين كيف تشاء.
والصيام فترة تربية وتهذيب للنفس ومراجعة بين العبد وخالقه، تكشف للإنسان جوانب ضعفه، وتنمي فيه أسباب قوته، وتأخذه مما ألف واعتاد وهوى إلى ما يحب الله ورسوله، وفيه تربيته ونجاته وشفافية روحه.
стр. 275
والزكاة كنز الله يفاض على أصحاب العقيدة الواحدة، فيجمع الصف، ويوحد الجمع، ويطهر القلوب من الحسد والحقد، والنفوس من البخل والأنانية، ويجعل الجميع يشعر بأن المؤمنين رحماء فيما بينهم، أقوياء بتعاونهم، سعداء بأخوتهم، قادرون على أن يكونوا أغنى أهل الأرض حين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
أما الحج فإنه مجمع الوفود والأفئدة، ورياضة للفرد والجماعة، ووقوف في المشعر يشبه الوقوف في المحشر، ومناجاة وضراعات، وبكاء واستغاثات، ومراجعة للنفس في اليوم المشهود يوم عرفات. فيه تلين القلوب لربها، وتخشع النفوس لمعزها ومذلها، وتلتقي أفكار المسلمين وعقولهم في حل المشكلات وإقامة صروح المجد والكرامة والرخاء للمسلمين، فيه يشهد المسلمون منافع لهم، ويرفعون اسم الله ويذكرونه على ما هداهم، فلو صدر نداء من جميع ملوك الأرض لجمع المسلمين في صعيد واحد على الوجه المعروف يوم الحج الأكبر ما استطاعوا جمعهم. فهل يليق بمسلم بعد ذلك أن يهمل نداء الله إلى عبادته؟ وهل يسمى مسلماً من حرم قلبه وجوارحه عبادة الله فذبل عود عقيدته؟ وهل هناك شقاء أشد من حرمان من يدعي الإيمان بالله وهو يتمرغ في وحل كسله وشهوته؟
٤ - العبادات في كل دين هي شعائر الله المعلنة عن هذا الدين والمظهرة لقداسته وتعظيمه في النفوس، فإذا أضاعت الأمة هذه الشعائر فهي لما سواها أضيع، وإذا حافظت عليها فهي أشد محافظة على غيرها. فهي معيار الأمة ومخبارها، وعلامة نجاحها في الدين أو سقوطها، ولذا قال تعالى:
﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢].
وشعائر الله هي معالم دينه وأماراته.
العبادات وصلتها بالعقيدة
آثار العبادة النفسية والاجتماعية
١ - الإشراق الروحي والنقاء النفسي: قال تعالى:
стр. 276
﴿قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
٢ - الاطمئنان القلبي والاستقرار العاطفي. قال تعالى:
﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨].
٣ - الهداية والتوفيق لما فيه خير المتعبد وسعادته في الدنيا والآخرة قال تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم﴾ [الأنفال: ٢٩]
والمراد بالفرقان: ما يفرق به المرء بين الحق والباطل، وبين الخير والشر].
٤ - الحصول على شرف ذكر الله لعبده وتكريمه له بإفاضة الرحمات عليه.
قال تعالى:
﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً. وسبحوه بكرة وأصيلاً. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيماً﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
стр. 277
٥ - الحصول على نصر الله وتأييده وتمكينه للمؤمنين في الأرض.
قال تعالى:
﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقويٌ عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
٦ - وجود الترابط الاجتماعي والتآخي الروحي، والتعاون بين المؤمنين العابدين.
قال تعالى:
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم﴾ [التوبة: ٧١].
٧ - وحدة الصف، وجمع الكلمة، وقوة الأمة، وذلك بسبب اجتماع أفرادها كل يوم خمس مرات في الصلاة، وتعاطفهم وتراحمهم بأداء الزكاة، وتأمرهم وتشاورهم في الجمع والأعياد والحج ومواسم التجميع الرباني. ولو راجع المسلمون دينهم، ورجعوا إلى ربهم، وقاموا بواجبات التعبد لله كما أمروا لعادت لهم قوتهم ووحدتهم وعزتهم، واستخلصوا حقوقهم من أيدي أعدائهم بشرف الجهاد والتضحية والدماء الطاهرة، وما تخبطوا عشرات السنين في متاهات وظلمات وخزي لا يرضاه لنفسه كريم أبي.
стр. 278
بين العقيدة والأخلاق
تقديم
حين تكون العقيدة حية في أنفس المؤمنين، فإنها تضيء جوانب النفس، وتكتسح جميع الظلمات، وتشرق بسببها شمس الحقيقة في القلوب، وينتفض الكيان الإنساني بها انتقاضة الحق فيرمي بالباطل بعيداً بعيداً حتى كأنه لم يوجد.
وهذه العقيدة كما عرفنا فيها جلال الربانية، وكمال الألوهية، وروح الكلمات القرآنية، ونور الإرشادات المحمدية، فلا مثيل لها على الإطلاق يمكن أن يملأ الوعاء الإنساني بالسعادة، ويحول الفكر الإنساني إلى التشبع بفيوضات الرحمة والعزة والقوة والاطمئنان والركون الكامل والخضوع الذليل السعيد لله الذي يقول للشيء كن فيكون.
فإذا أضيف إليها الأعمال التعبدية السابقة فإن هذه العقيدة تظل حية مؤثرة، وتزداد في النفس فاعليتها، وتدوم أنوار إشراقها، وتطهر القلوب بما يعلق بها من ران وصدأ من آن لآخر بسبب غلطة، أو ذنب يرتكبه الإنسان ساعة حمق وجهالة ... وكل ابن آدم خطاء ... كما جاء في الحديث الصحيح.
وبالعقيدة التي يرتكز عليها الفكر والتكوين العقلي الإسلامي، والتغيير إلى الخط الإلهي، وبالعبادة التي تنمي العقيدة، وتحافظ على إشراقها وحيويتها وفاعليتها يظهر الجانب الخلقي الجميل في الإنسان المؤمن أوضح ما يكون، وأحسن ما يكون. فالأخلاق الإسلامية وليدة العقيدة الإسلامية النقية المشرقة المؤثرة كما أنها أثر من آثار العبادة الحقة، والعبودية الصادقة لله وحده، ولا نقول:
стр. 279
إن هذا الأثر لازم للعقيدة والعبادة، ولكن نقول: إن شبيه باللازم في تأكد وقوعه، ما لم توجد موانع، ولذلك يربط القرآن والسنة كثيراً بين الإيمان والعبادة، وبين الأخلاق الإسلامية، فيقول تعالى في الصلاة:
﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥].
ومعنى ذلك أن الصلاة الحقة تطهر الإنسان من الأخلاق الذميمة، وتنمي فيه الأخلاق الحسنة، وذكر الله أكبر تأثيراً وتطهيراً، وسيتضح أمر الأخلاق ومعناها فيما يأتي.
وقال تعالى في الزكاة:
﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣].
فالزكاة مطهرة من الذنوب ومزكية لفاعلها بمعنى أنها تنمي في نفسه جوانب الجمال والكمال بعد أن طهرته من العيوب والذنوب والنقائص، والآيات في ذلك كثيرة بالنسبة للعبادة.
وفي العقيدة يقول تعالى:
﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠].
ويقول تعالى:
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١].
﴿يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط (العدل) شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥].
стр. 280
ويقول ﷺ :
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" [رواه البخاري ومسلم].
فالربط واضح بين الإيمان والأخلاق. وذلك كثير جداً لو تتبعته.
بين العقيدة والأخلاق
معنى الخلق
... قال في القاموس المحيط: الخلق: السجية والمروءة والطبع والدين. وهذا من معانيه في اللغة، أما عند علماء الأخلاق فإنه له تعاريف كثيرة سواء عند قدماء الفلاسفة أو محدثيهم أو عند علماء الإسلام، وأقرب تعريف إلى الصحة هو تعريف الإمام الغزالي المتوفي سنة ٥٠٥ هفي كتابه "إحياء علوم الدين" وهو موافق ابن مسكويه الفيلسوف الإسلامي المتوفي سنة ٤٢١ هفي كتابه "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق".
قال الغزالي في تعريف الخق اصطلاحاً: "الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً، سميت الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً" ثم ذكر أن الخلق ليس هو فعل الجميل أو القبيح، ولا القدرة على الجميل أو القبيح، ولا التمييز بين الجميل والقبيح، وإنما هو الهيئة النفسية والحالة التي بها تستعد النفس لأن يصدر عنها الجميل أو القبيح ١. هـ. من "الأخلاق عند الغزالي" للدكتور "زكي مبارك" ومن إحياء علوم الدين جـ ٢ ص ١٤٣٤ الصادر عن دار الشعب بالقاهرة.
стр. 281
فقوله "هيئة" معناها: حال أو صفة، أو ملكة.
وقوله: "راسخة" معناها: ثابتة ومستقرة حتى تصلح أن تسمى خلقاً، فإن من تظهر منه الشجاعة أو المروءة على وجه الندور لا يسمى شجاعاً، ولا ذا مروءة. ولا يقال: إنه متخلق بالشجاعة أو المروءة.
وأما قوله: "تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير فكر أو روية" فذلك لأن الذي يتكلف العمل بعد أن يفكر ويزن المصلحة والمنفعة المترتبة على فعله، والمضرة المترتبة على تركه لا يسمي ما صدر عنه هذا العمل خلقاً. كالشخص الي يدعى إلى البذل فينظر ويفكر حتى يصل إلى أن عدم البذل المطلوب سيفوت عليه منفعة، أو يجلب عليه مذمة ونقصاً، ثم يمد يده بالبذل بعد ذلك فإنه لا يسمى جواداً.
ولا يخفى على القارئ الصلة بين المعنى اللغوي (السجية والطبيعة) والمعنى الاصطلاحي الذي سبق تفصيله.
بين العقيدة والأخلاق
الأخلاق طبيعية أم كسبية ؟
... هذا سؤال اختلف حوله العلماء كثيراً، قديمهم وحديثهم، فلاسفة وغير فلاسفة. والرأي المختار، وهو الذي نص عليه الكتاب الكريم والسنة النبوية هو: أن الأخلاق منها ما هو طبيعي، ومنها ما هو كسبي.
والمراد من الطبيعي أن الإنسان بعد التمييز نجده مفطوراً على أخلاق معينة، فمثلاً نجد بعض الأطفال يتصف بالحياء، أو العفة، أو الشجاعة بدون تدريب أو تعليم، وكذلك نرى بعضهم في صغره يتصف بالجبن، أو البخل، أو الشر، بدون تدريب أو تعليم، أو حتى تقليد للأقربين.
والمراد بالكسبي هو الخلق الذي يربى عليه الإنسان ويدرب بأساليب التربية المختلفة، والتي منها التلقين، والتقليد، والوعظ، والترغيب والترهيب ... الخ.
стр. 282
قال تعالى:
﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠]. فطري.
وقال تعالى:
﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: ١١]. كسبي.
وجاء في حديث مسلم أن الرسول ﷺ قال للمنذر بن عائذ ويلقب الأشج. (أشج عبد القيس):
"إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". وزاد في مسند أبي يعلى وغيره أنه قال حين قال النبي ﷺ له ذلك: يا رسول الله: كانا فيّ أم حدثا؟ قال: "بل قديم" قال:
"الحمد لله الذي جبلني (خلقني) على خُلقين يحبهما" (١).
وإذا ثبت أن من الأخلاق ما هو مكتسب ومنها ما هو فطري فإن علينا أن ندرك أن الاكتساب يكون بالعلم، والتدريب وأساليب التربية المختلفة كما يكون بالتقليد والمحاكاة للغير من أب وأم وإخوة وأصدقاء، وغيرهم من أفراد المجتمع، كما يكون للمعارف وأنواع العلوم تأثيرها الأخلاقي كذلك طبيعة الأمكنة والأحوال التي تعيشها الأمة، وأنواع المسارح والملاهي، ودور عرض الأفلام، وجميع أجهزة الإعلام لها تأثير واضح على الأخلاق في تكوينها، وتعديلها، وتغييرها.
وهل يمكن التأثير على الأخلاق الفطرية الطبيعية (أي التي نشأت مع الطفل أو نشأ بها الطفل) أو لا يمكن ذلك؟
стр. 283
والجواب: أن الطبيعة إن أريد بها الغريزة فإن التأثير فيها بالتغيير غير ممكن عادة، ولكن الممكن هو التحكم في الغريزة حتى تكون على مستوى وسطي بدون إفراط أو تفريط. وذلك مثل غريزة الحاجة إلى الطعام والماء، وغريزة القتال، وغريزة حب الاستطلاع، وغريزة الجنس وغيرها، وذلك ما يسمى في علم النفس "إعلاء الغرائز" أي التسامي بها لتؤدي ما خلقت له بدون انحراف.
وإن أريد بالطبيعة الميول والرغبات فإن هذه يمكن التأثير فيها بالتعديل وبالتغيير ويشهد لذلك ويثبته ما جاء في الحديث
"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه".
وهذا هو المراد من كلمة "طبيعي أو فطري": أي الميول والرغبات التي ولد بها الإنسان.
بين العقيدة والأخلاق
خطر يجب تداركه
إذا كانت الأخلاق كسبية في أكثرها، وما هو طبيعي منها يكون صالحاً للتغيير والتعديل، فمعنى ذلك أن البحث في المؤثرات التي يتأثر بها الإنسان حتى تتكون فيه ملكات أخلاقية معينة يعتبر أمراً لازماً وهاماً.
وإذا عرفنا أن المؤثرات المحبوبة إلى النفوس العادية وهي في نفس الوقت تصل إلى الجميع بسهولة وبدون كلفة، كما أنها تكوِّن مناخاً عاماً يعيش فيه الأفراد، سواء قصدوه أم لم يقصدوه، إذا عرفنا ذلك ازداد الأمر أهمية وخطورة، فإن الناس في عصرنا هذا سواء منهم الكبار والصغار، والبنون والبنات قد فتحت عليهم جميع أبواب الآداب والفنون، ما هو صالح منها وما هو فاسد، كما فتحت عليهم جميع أجهزة الإعلام، الشرقية والغربية، المتحفظة والإباحية، الإيمانية والكفرية، ما يدعو منها إلى الفضيلة وما يدغدغ الغرائز، ويلهب المشاعر ويؤجج فيها الثورة على كل ما هو
стр. 284
دين وفضيلة وسمو، وعلينا أن ندرك أن الأسرة مناخ خاص، وأن المدرسة مناخ خاص، وكذلك الجامعة، والمسجد، والمكتب والشركة. وأن هذا كله متفاعل مع المناخ العام الذي هو البلد. والمجتمع. والأمة. والدولة والمنطقة. والعالم، وأن كلاً منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، والأقوى تأثيراً له الغلبة والكلمة الأخيرة في أخلاق الناس. وقد دخلت الإذاعة كل بيت، واقتحم التلفاز كل منزل، وأصبح الشبان والشواب، والناشئون والناشئات بين شقي رحى، فهذه أسرة تأمر بالدين وتحرص عليه، وتلقن البنين والبنات كل ما هو خير وفضيلة، ولكن أجهزة الإعلام ليست كلها مع الدين، أو الفضيلة، أو الخلق، ويستطيع أي إنسان أن يدير مفتاح المذياع ليسمع العهر والفجور والدعوة الصريحة إلى الفحش من بلاد كثيرة في العالم، ويستطيع أن يشتري من المجلات والكتب ما هو بؤرة فساد ودعارة، وما هو حرب على الدين والفضيلة وكل خلق كريم. زد على ذلك الشوارع العامة والمسارح، ودور العرض "السيمائي" وغيرها مما ملأ الجو العام فساداً، وكل من عاش مع الناس أدرك الحيرة والاضطراب، وأدرك الظلام والضباب والفتنة التي يعيش فيها الجميع. والواقع أن المناخ العام أفسد كل ما أصلحه المناخ الخاص، وكل جهود المصلحين اليوم تعتبر ضائعة، والنادر لا حكم له.
لذلك يجب على الباحثين والمصلحين، والغيورين على الدين، وعلى الأخلاق، وعلى الشبان والشواب أن يطوروا كثيراً من المناهج الفكرية، والعلمية، والتربوية. وأن يبحثوا بحثاً جدياً من أجل إنقاذ أجيال أضاعوها أو كادوا بسبب الجمود، والروتينية البغيضة، والفهم الضيق للدين والحياة، والمؤثرات الخطيرة على الاثنين معاً.
لقد قام مصلحون كثيرون. ونادوا، وبحت أصواتهم. ولا يزالون يفعلون، فمتى تستجيب أمتنا المسلمة، ومتى تدرك الخطر، ومتى تصدق مع نفسها ومع الله، ومع شبابها. حتى تنقذ الغرقى، والحرقى، ومن أصيبوا بطاعون الانهيار الخلقي، ومن انهالت عليهم جميع الأتربة والرمال التي حملتها رياح الكفر والفسوق والفجور والضياع والضلال؟؟؟.
стр. 285
بين العقيدة والأخلاق
الإسلام ومكارم الأخلاق
... مما سبق عرفنا أن الأخلاق منها ما هو حسن، ومنها ما هو قبيح والميزان في ذلك هو الشرع، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. أما العقل فهو تابع للشرع في ذلك. وهذا هو رأي أهل السنة والجماعة وهو الحق الذي لا يقبل غيره.
وللأخلاق الحسنة في الإسلام مكانة عالية، ودرجة رفيعة، وأهمية كبيرة حتى جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم والبيهقي قوله ﷺ :
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
والحصر بـ "إنما" يفيد أن معنى الحديث: ما بعثت إلا لأتمم مكارم الأخلاق. وقد أثنى الله على نبيه ﷺ بحسن الخلق فقال له:
﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٠٤].
واقرأ هذه الآية التي جمعت مكارم الأخلاق بشهادة الكفار أنفسهم:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ [النحل: ٩٠].
واقرأ الوصايا العشر في آخر سورة "الأنعام" ابتداء من قوله تعالى:
﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم .... ﴾ إلى ﴿تتقون﴾ [الآيات من ١٥١ - ١٥٣].