← Акыда

Акыда · id 10699

تبسيط العقائد الإسلامية

حسن أيوب

Полный текст (311 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٢ - العلامات الكبرى وأهمها الآيات الآتية: ١ - طلوع الشمس من المغرب: وهي أول الآيات الكبرى المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي حتى ينتهي بقيام الساعة. روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى. وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً" أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود ومسلم واللفظ له. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً". أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه. والمعنى أنه إذا طلعت الشمس من المغرب فإن الإيمان حينئذٍ لا ينفع نفساً لم تكن مؤمنة قبل ذلك. كما لا تنفع التوبة نفساً كانت عاصية قبلها. وهذا بالنسبة لمن طلعت عليه الشمس وهو بالغ مكلف والله أعلم. وطلوع الشمس من المغرب يكون في يوم ثم تطلع من الشرق كعادتها وإذا طلعت من المغرب غربت في المشرق. وحينئذ يغلق باب التوبة إلى يوم القيامة على القول الراجح بالنسبة لمن طلعت عليهم وهم بالغون لقوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا يفنع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]. والمراد ببعض آيات الرب طلوع الشمس من المغرب كما في الحديث السابق .

стр. 212

٢ - خروج الدابة: والظاهر أن خروجها يكون في زمن طلوع الشمس من مغربها كما في فتح الباري لابن حجر أخذاً مما سبق. قال تعالى: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ [النمل: ٨٢]. قال ابن كثير: هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق. وهذه الدابة قيل تخرج من مكة وقيل من غيرها. وحين تخرج تكلم الناس وتخبرهم بما هم عليه من إيمان أو كفر، ومن صلاح أو فسق وبخروجها ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم فائدة ذلك. فإن التوبة لا تقبل بالنسبة لمن رآها أو علم بها وهو مكلف. وقد سبق الدليل على إثباتها. ٣ - خروج المسيح: وسمي المسيح بالحاء على الصحيح، لأنه يمسح الأرض ويقطعها في أربعين يوماً، ولأنه ممسوح نور العين اليمنى، وهو الآية الكبرى المؤذنة بتغيير الأحوال العامة في معظم الأرض. وهو أول هذه الآيات. وقد وصفه النبي ﷺ وصفاً كافياً لنكون منه على حذر، ولننجو من فتنته. فعن أبي سعيد الخدري قال: "حدثنا النبي حديثاً طويلاً عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة (١) فينتهي إلى بعض السباخ (٢) التي تلي المدينة. فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر، فيقولون: لا. فيقتله

стр. 213

ثم يحييه. فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قط أشدّ بصيرة مني الآن فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلّط عليه" أخرجه أحمد والشيخان واللفظ لمسلم. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ما بعث الله من نبي إلا أنذر أمته من الدجال. وإنه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه، فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية (١) ". وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم عن الدجال حديثاً ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار فالتي تقول: إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه". أخرجه مسلم. وعن حذيفة أن النبي ﷺ قال: "إن مع الدجال إذا خرج ماء ونار، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء عذب، وأما الذي يرى الناس إنه ماء فنار تحرق. فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنه نار فإنه ماء بارد عذب". أخرجه الشيخان وأبو داود. ومن حديث النواس بن سمعان قال: قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال أربعون يوماً. يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة. وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله. فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال. لا. اقدُروا له قدره ... الخ. الحديث أحمد ومسلم وابن ماجه، والترمذي. وقال: غريب حسن صحيح. ٤ - نزول المسيح عيسى ﵇ وقتله الدجال: دلت السنة على أن سيدنا عيسى ﵊ ينزل قرب الساعة، ويقتل الدجال ويحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، ويمكث في الأرض ما شاء الله أن يمكث. ثم يموت ويصلي عليه المسلمون.

стр. 214

فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها". ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً﴾ [النساء: ١٥٩]. أخرجه أحمد والخمسة إلا النسائي. وعن عروة بن مسعود الثقفي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين: لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً. فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه. ثم يحكم الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة. ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً. ولا ينكرون منكراً فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارٌّ رزقهم (١) حسن عيشهم. ثم يفنخ في الصور فيصعق الناس، ثم ينزل الله مطراً كأنه الطل (٢) فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: يأيها الناس هلم إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسئولون، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فقال: من كل ألف تسعمائه وتسعة وتسعين، قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيباً، وذلك يوم يكشف عن ساق" أخرجه أحمد ومسلم. والأحاديث في هذا كثيرة شهيرة صحيحة. قال القاضي عياض: نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك. وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته.

стр. 215

٥ - يأجوج ومأجوج: قال تعالى: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب (١) ينسلون﴾ [الأنبياء: ٩٦]. قال ابن كثير في تفسيره (٢): إنهم من سلالة آدم ﵇، بل هم من نسل نوح أيضاً من أولاد يافث، أي أبي الترك، والترك شرذمة منهم تركوا وراء السد الذي بناه ذو القرنين ... وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية، وأن خروجهم يكون مع وجود عيسى ونزوله، وإليك الدليل: فعن عبد الرحمن بن جبير بن نقير الحضرمي عن أبيه أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع (٣) حتى ظنناه في ناحية النخل فقال: غير الدجال أخوفني عليكم فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه شاب جعد قطط (٤)، عينه طافية، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وشمالاً - يا عباد الله اثبتوا - قلنا يا رسول الله: ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً. يوم كسنة ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله. فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟؟ قال: لا. اقدروا له قدره، قلنا يا رسول الله: فما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون

стр. 216

له، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم (١) وهي أطول ما كانت ذرى وأمده خواصر وأسبغه ضروعاً، ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم، فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل - قال: ويأمر برجل فيقتل فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله المسيح عيسى بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً يديه على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لد الشرقي - قال - فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى ابن مريم ﵇ أني قد أخرجت عباداً من عبادي لا يدان لك بقتالهم فحرّز عبادي إلى الطور فيبعث الله يأجوج ومأجوج (وهم من كل حدب ينسلون) فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل نغفاً (٢) في رقابهم فيصبحون كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتاً إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب (٣) عيسى وأصحابه إلى الله ، فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البُخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله" قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أوغيره قال فتطرحهم بالمهيل. قال ابن جابر: فقلت يا أبا يزيد: وأين المهيل؟ قال: مطلع الشمس قال: ويرسل الله مطراً لا يُكنّ منه بيت مدر ولا وبر أربعين يوماً، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة. ويقال للأرض: أنبتي ثمرك، ودري بركتك، قال: فيومئذ يأكل النفر من الرمانة فيستظلون بقحفها، ويبارك في الرّسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم - أو قال مؤمن - ويبقى شرار الناس يتهارجون

стр. 217

تهارج الحُمُر وعليهم تقوم الساعة". رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي: حسن صحيح. ونكتفي بهذا الحديث مع ما سبق. ٦ - الريح التي تقبض أرواح المؤمنين: وقد ذكرت الريح في الحديثين السابقين: حديث عروة ابن مسعود، وحديث النواس بن سمعان السالف، فلا داعي لإعادة ذكر الأدلة. السمعيات: معناها - مصدرها مشتملات اليوم الآخر ... يشتمل اليوم الآخر أموراً كثيرة المذكور منها ههنا أحد عشر وإليك بيانها: ١ - البعث: وهو إحياء الله الموتى ليلقى كل منهم جزاءه، الذي قدر له من نعيم أو عذاب. قال تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ [الحج: ٠٦ - ٠٧]. وقال تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد﴾ [المجادلة: ٠٦].

стр. 218

وقال تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾ [التغابن: ٠٧]. وقال تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ (أي هيّن عليه) [الروم: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]. وعن كعب بن مالك أن النبي ﷺ قال: "إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه". أخرجه مالك، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي بسند صحيح. وهذا البعث مع ثبوته شرعاً بأدلة قطعية فهو يعتبر ضرورة حيوية بالنسبة للإنسان، ولا يتصور عقل عاقل يؤمن بالله تعالى أن ينتهي أمر الخلائق بمجرد موتهم، لأن الله تعالى خلقهم لغاية، وأنزل إليهم الكتب وأرسل الرسل من أجل تحقيق هذه الغاية. فمن الناس من استجاب، ومنهم أعرض، ومن استجاب ضحى بكل شيء في سبيل مرضاة ربه، ومن أعرض فعل بمن استجاب الأفاعيل، وعاث في الأرض فساداً، وظلم العباد، وخرب ودمر، وفسق وفجر، وزرع في الناس أنواع الكفر والفسوق والضلال،

стр. 219

فهل يخطر ببال عاقل أن يمر الأمر بدون مجازاة للمحسن على إحسانه وللمسيء على إساءته؟ تعالى الله وتنزه عن ذلك. قال تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون. فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]. ٢ - الحشر: وهو سوق الناس إلى مكان الحساب الذي يجتمع فيه الخلائق، وفيه يحاسبون وتوزن أعمالهم، ويعرف كل مصيره. قال تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وقال تعالى: ﴿وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً﴾ [الكهف: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٤]. وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار

стр. 220

يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين﴾ [يونس: ٤٥]. وعن ابن عباس ﵄ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: "يأيها الناس إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلا (١) ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين﴾ ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇. إلا إنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوه بعدك فأقول: كما قال العبد الصالح (٢): ﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ... ﴾ إلى قوله: ﴿العزيز الحكيم﴾ قال: فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول: سحقاً، سحقاً". أخرجه أحمد والشيخان والنسائي والترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم". قيل: يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب (٣) وشوك". أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه. ٣ - الحساب: وهو توقيف الله عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم أقوالاً وأفعالاً واعتقادات تفصيلاً بعد أخذهم كتبهم. وكيفيته أمر غيبي لم يرد ما يدل عليه. والناس فيه متفاوتون (فمنهم) من يحاسب حساباً يسيراً بأن يعرض عمله عليه فيطلعه الله على سيئاته سراً

стр. 221

بحيث لا يطلع عليها أحد، ثم يعفو عنه ويأمر به إلى الجنة. (ومنهم) من يناقش الحساب. بأن يسأل عن كل جزئية، ويطالب بالعذر والحجة، فلا يجد عذراً ولا حجة فيهلك مع الهالكين ويفتضح بين الخلائق. قال تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حساباً يسيراً. وينقلب إلى أهله مسروراً. وأما من أوتي كتابه وراء ظهره. فسوف يدعو ثبوراً. ويصلى سعيراً﴾ [الانشقاق: ٧ .. ١٢]. وقال تعالى: ﴿وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. وقال تعالى: ﴿والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب﴾ [الرعد: ٤١]. وقال تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ [النساء: ٤٠].

стр. 222

وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "من نوقش الحساب عذب". فقلت: أليس يقول الله ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً﴾ فقالت: إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك". أخرجه الشيخان والترمذي، وأبو داوود. وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ " أخرجه الترمذي، وقال حسن صحيح. والطبراني، وأبو نعيم في الحلية. هذا، واعلم أن سيشهد على العاصي يوم القيامة أحد عشر شاهداً: اللسان، والأيدي، والأرجل، والسمع، والبصر، والجلد، والأرض، والليل، والنهار، والحفظة والكرام، والمال، فضلاً عن الشهداء من الناس. قال تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ [النور: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون﴾ [فصلت: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وجاءت كل نفسٍ معها سائق وشهيد﴾ [ق: ٢١].

стр. 223

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ فقال: "أتدري ما أخبارها؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا. قال فهذه أخبارها". أخرجه أحمد، والبغوي، وابن حبان، والترمذي وصححه. وعن أنس ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: "هل تدرون مم أضحك؟ " قلنا الله ورسوله أعلم. قال: "من مخاطبة العبد ربه فيقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ يقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهداً إلا مني فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، والكرام الكاتبين شهوداً فيختم على فيه، ويقول لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل". أخرجه مسلم. وفي الحديث: "ما من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه: يا بن آدم أنت خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك شهيد. فاعمل خيراً أشهد لك به غداً، فإني لو مضيت لن تراني أبداً، ويقول الليل مثل ذلك". أخرجه أبو نعيم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن هذا المال خضرة حلوة، ونعم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون شهيداً عليه يوم القيامة". أخرجه مسلم. ٤ - صحائف الأعمال: وهي الكتب التي كتبت فيها الملائكة ما فعله العباد في الدنيا من اعتقادات وأقوال وأفعال، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع فمنكرها كافر. وقد سبقت الأدلة العديدة على ذلك في الحساب وغيره. وهذه الصحف لا يأخذها الأنبياء والملائكة ومن يدخلون الجنة بغير حساب، لأنهم لا يحاسبون. ٥ - الميزان: هو ذو كفتين ولسان (كالميزان المعهود) توزن

стр. 224

فيه أعمال من يحاسب بقدرة الله تعالى دفعة واحدة. والصنج مثاقيل الذر والخردل تحقيقاً لإظهار تمام العدل. وقيل إن حقيقته لا يعلمها إلا الله تعالى. ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفسٌ شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه. فهو في عيشة راضية. وأما من خفت موازينه. فأمه هاوية. وما أدراك ماهيه. نار حامية﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. وعن الحسن عن عائشة ﵄ أنها ذكرت النار فبكت فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قالت: ذكرت النار فبكيت. فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً. عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟ وعند الكتاب حين يقال: ﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حتى يجوز". أخرجه أبو داوود. وعن ابن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر فيقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا يا رب،

стр. 225

فيقول الله : بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة له فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيقول: اخصر وزنك، فيقول: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لن تظلم. فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء ... ". أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". أخرجه أحمد، والشيخان، والترمذي. ومما تقدم يعلم أنه يوزن عمل كل من يحاسب حتى من لا حسنة له، ليزداد خزياً على رؤوس الأشهاد، وبالوزن يظهر العدل في العذاب والعفو عن الآثام. ٦ - الصراط: وهو جسر ممدود على ظهر جهنم يمر عليه الأولون والآخرون كل بحسب عمله، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح العاصف، وناس كالجواد، وناس هرولة، وناس حبواً، وناس زحفاً، وناس يتساقطون في النار، وعلى جوانبه كلاليب، لا يعلم عددها إلا الله تخطف بعض الخلائق (الكلاليب مثل الخطاطيف). قال تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢]. وعن ابن مسعود: الصراط على جهنم مثل حد السيف. فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة

стр. 226

كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: "اللهم سلم سلم". أخرجه ابن جرير. وعن السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: "يرد الناس جميعاً الصراط وورودهم قيامهم حول النار ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل حتى أن آخرهم مروراً رجل نوره على موضع إبهام قدميه فيتكفأ به الصراط. والصراط دحض مذلة عليه حسك كحسك القتاد حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس". الحديث أخرجه ابن حاتم، وذكره ابن كثيرن وقال: لهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما من رواية أنس وأبي سعيد وأبي هريرة، وجابر وغيرهم ولشدة الهول حينئذٍ يقول المؤمنون "رب سلم سلم". عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: شعار المؤمنين على الصراط يوم القيامة: "رب سلم سلم". أخرجه الترمذي، والحاكم، وصححاه. وعن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم﴾ قال: "على قدر أعمالهم يمرون على الصراط .. منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة". أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير. ٧ - الحوض: يجب الإيمان بأن لكل رسول حوضاً يرده الطائعون من أمته، وأن حوض النبي ﷺ أكبرها وأعظمها. طوله مسيرة شهر، مربع الشكل له ميزابان يصبان فيه من الكوثر. ماؤه أشد بياضاً م اللبن، وأحلى من العسل، كيزانه أكثر من نجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً ظمأ ألم. ولو دخل النار يعذب بغير العطش. ويكون شربه منه أو من غيره كالتنسيم بعد ذلك لمجرد اللذة، يرده الأخيار وهم المؤمنون بالنبي ﷺ الآخذون بسنته وسنة

стр. 227

الخلفاء الراشدين المهديين، ويطرد عنه الكفار والمبتدعة في العقيدة وكل من تعامل بالربا أو جار في الأحكام أو أعان ظالماً أو جاوز حداً من حدود الله. وهو ثابت بأحاديث مشهورة تفيد التواتر المعنوي. منها حديث ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منه فلا يظمأ أبداً". أخرجه الشيخان. وحديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: "إني لبعقر حوضي أذود الناس عنه لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفَضّ عليهم، فسئل عن عرضه فقال: من مقامي إلى عمان، وسئل عن شرابه فقال: أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل يُغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة. أحدهما من ذهب والآخر من ورق". أخرجه أحمد ومسلم والبغوي وفيه، حتى يرفضوا عنه (أي ينصرفوا عنه). وعن أنس ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه ضاحكاً فقيل: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي سورة آنفاً فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. إنا أعطيناك الكوثر﴾ فقال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير. وهو حوض عرد عليه أمتي يوم القيامة. آنيته عدد نجوم السماء. فيختلج العبد منهم فأقول: ربي إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك". أخرجه الشيخان. (فائدة) صحح الغزالي أن الحوض قبل الصراط وكذا القرطبي وقال: المعنى يقتضيه. فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشاً. فناسب تقديم الحوض، وأيضاً فإنه من جاز الصراط لا يتأتى طرده عن الحوض فقد كلمت نجاته (ورجح) القاضي عياض أنه بعد الصراط، وأن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار. ويؤيده من جهة المعنى أن الصراط يسقط منه من يسقط من المؤمنين، ويخدش فيه من يخدش ووقوع ذلك للمؤمن بعد شربه من الحوض بعيد فناسب تقديم الصراط حتى إذا خلص

стр. 228

من خلص شرب من الحوض. وقيل: يشهد له ما تقدم من أن للحوض ميزابين يصبان فيه من الكوثر. ولو كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين وصول ماء الكوثر إليه. ولكن وصول ذلك ممكن. والله على كل شيء قدير ويمكن الجمع بأن يكون الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم. وبعده لآخرين بسبب ما عليهم من ذنوب، فيؤخرون حتى يطهروا من الذنوب بالعذاب في النار. هذا ولم يقم دليل صريح على شيء مما يذكر. فالواجب اعتقاده هو أن للنبي ﷺ حوضاً تعدد أو اتحد، تقدم على الصراط أو تأخر. ولا يضرنا جهل ذلك، والله الموفق. ٨ - الشفاعة: وهي لغة الوسيلة والطلب. وعرفاً سؤال الخير للغير، وهي تكون من الأنبياء والعلماء العاملين والشهداء والصالحين. فعن عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء". أخرجه ابن ماجه، وهو حسن. يشفع كل لأهل الكبائر على قدر منزلته عند الله تعالى. والنبي محمد ﷺ أول من يفتح باب الشفاعة حين يشفع في فصل القضاء. وهي الشفاعة العظمى المختصة به، والتي يغبطه عليها الأولون والآخرون، وهي المقام المحمود المذكور في قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ [الإسراء: ٧٩]. فعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن المقام المحمود في الآية فقال: "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي". أخرجه أحمد والترمذي والبيهقي في الدلائل. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن الشمس تدنو

стр. 229

يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن. فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست بصاحب ذلك ثم بموسى فيقول كذلك ثم بمحمد ﷺ فيشفع ليقضي بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة. فيومئذٍ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم". أخرجه البخاري وابن جرير. وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان وأبو داوود والترمذي وقال: حديث غريب. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع". أخرجه مسلم وأبو داوود. والشفاعة خمسة أنواع: ١ - الشفاعة في فصل القضاء لإراحة الخلق جميعاً مسلمهم وكافرهم من طول الموقف وأهواله. وهي مختصة بالنبي ﷺ . وتسمى الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود المذكور في الآية. ٢ - الشفاعة في إدخال فريق الجنة بغير حساب. وهي مختصة به ﷺ ، أيضاً. ٣ - الشفاعة في زيادة الدرجات: وهذه ليست خاصة بالنبي إجماعاً. وهذه الأنواع الثلاثة لم يخالف فيها أحد من علماء التوحيد. ٤ - الشفاعة في مرتكب الكبيرة المستحق دخول النار قبل أن يدخلها. ٥ - الشفاعة في إخراج مرتكب الكبيرة من النار. وهذان النوعان أنكرهما المعتزلة والخوارج، وكل من قال: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وأثبتها الأشاعرة والماتريدية وأهل السنة لوجود الأدلة في ذلك، وقد مر بعضها وهناك شفاعات أخرى داخلة تحت ما ذكر.

стр. 230

٩ - النار: وهي دار العذاب والعقاب أعدها الله للكافرين والعصاة وثبتت بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة، لها سبعة أبواب لكل باب جزء مقسوم. والعذاب فيها مختلف الأنواع والأقسام وهي موجودة الآن باقية لا تفنى، والكفار فيها مخلدون. قال تعالى: ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾. وقال تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿إن أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهال يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً﴾ [الكهف: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثيابٌ من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم (١). يصهر (٢) به ما في بطونهم والجلود. ولهم مقامع (٣) من حديد. كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غمٍ أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢].

стр. 231

وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ناركم هذه التي توقدون فيها جزء من سبعين حزءاً من حر جهنم". قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال: "فإنها فضلت بتسعة وستين جزءاً كلهم مثل حرها". أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وقال حسن صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تخرج عنق من النار يوم القيامة، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين". أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو أن قطرة من الزقوم (١) قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟ ". أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم والترمذي وقال: حسن صحيح. واعلم أنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد ولو ارتكب الكبائر، أما من مات على الشرك والكفر فإنه لا يخرج منها أبداً. قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾ [البينة: ٠٦]. فأهل الكبائر: من مات منهم قبل التوبة يدخله الله النار ليصلى جزاء ما فعل ثم تكون نهايته ومأواه الجنة إلا أن يغفر الله له فيدخله الجنة بدون سابق عذاب.

стр. 232

عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن بُرّة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير". أخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح. ١٠ - الجنة: وهي لغة البستان. والمراد هنا دار الثواب والنعيم المقيم التي أعدها الله للمؤمنين. فيها الحور العين، والولدان المخلدون، ولحم طير مما يشتهون، وأنهار من الماء العذب والعسل المصفى، واللبن الذي لم يتغير طعمه، والخمر التي فيها لذة للشاربين، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أهلها إخوان على سرر متقابلين، نزع الله ما في قلوبهم من غلّ فصاروا أحبة متمتعين، تحيتهم فيها سلام، ونعيمهم دائم في دار السلام. وللجنة ثمانية أبواب، وهي أنواع وأقسام ودرجات، أعلاها جنة الفردوس، وأقل الناس في الجنة له من النعيم ما يعدل الدنيا وسبعة أمثالها معها، لا يلقى أهلها موتاً ولا يقربهم فناء، وهي موجودة الآن في مكان يعلمه الله وحده كما يعلم وحده مكان النار. دل على ذلك كله الكتاب والسنة وإجماع الأئمة. قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم

стр. 233

جنات الفردوس نزلاً. خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية. جزاؤهم عند ربهم جنات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه﴾ [البينة: ٠٧ - ٠٨]. وقال تعالى: ﴿إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وقال تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون، فيها أنهارٌ من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسلٍ مصفى، ولهم فيها من كل الثمرات، ومغفرة من ربهم، كمن هو خالد في النار، وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥].

стр. 234

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال بشر". قال أبو هريرة اقرأوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ أخرجه السبعة إلا أبا داوود. وعنه قال: قلت يا رسول الله: الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وملاطها (١) المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من دخلها ينعم ولا يبؤس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم". (الحديث) أخرجه أحمد والدارمي والبزار وابن حبان والترمذي. وعنه أن النبي ﷺ قال: "إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم (٢) الألوة (٣)، أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء" أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه. ١١ - رؤية الله تعالى: إعلم أن أهل أجمعوا على أن رؤية الله تعالى ممكنة عقلاً واجبة نقلاً، واقعة فعلاً في الآخرة للمؤمنين دون الكافرين، بلا كيف ولا انحصار. فيرى بلا حدود ولا مشابهة ولا كيفية من مقابلة أو اتصال شعاع، أو ثبوت مسافة بين الرائي وبين الله تعالى، فإن الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، لا يشترط فيها الأشعة، ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك، فلا يلزم من رؤيته تعالى تحديد له، بل يراه

стр. 235

المؤمنون رؤية تليق به كما يعلمونه كذلك، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ذلك. قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥]. وقال جرير بن عبد الله: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر، لا تضامون (١) في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا". ثم قرأ: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾ [ق: ٣٩]. وعن صهيب أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: "تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوههنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ أخرجه مسلم والأربعة إلا أبا داوود. وأما رؤيته تعالى في الدنيا فهي ممكنة: ولذلك طلبها سيدنا موسى ﵇ فعلق الله حصولها له على استقرار الجبل حين يتجلى الله تعالى له

стр. 236

ولم يستقر الجبل حينئذٍ، ولم تحصل له ﵇ مع إمكانها كما أشير إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿قال رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وأما رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء يقظة بجسمه وروحه بعد السماء السابعة فالجمهور على أنها وقعت، وعلى ذلك الرأي بعض الصحابة ومنهم ابن عباس وأنس والحسن وغيرهم. وقال قوم: لم تقع له ﷺ في الدنيا، ومنهم بعض الصحابة والسيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، والخلاف في ذلك معروف ولكل أدلته (١) والله ولي التوفيق والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 237

ما ليس من التوحيد معنى التوحيد - النذر لغير الله تعالى - دعاء غير الله والاستغاثة به - الغلو في الأنبياء والصالحين - الرياء - السحر إن القضايا التي ذكرت في هذا الكتاب وسبق الكلام عليها من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره من السهل الإيمان بها علمياً لأن الأدلة عليها قائمة واضحة، وإنكارها لا تسوغه العقول السليمة. ليس له دليل علمي يعتمد عليه. ولكن الأمر الذي تورط فيه كثير من المؤمنين هو إخلاص التوحيد لله تعالى، ولكي يتضح ذلك نبين لك معنى التوحيد أولاً، ثم نبين ما تورط فيه بعض المؤمنين حتى خرجوا من هذا التوحيد حقيقة أو حكماً أو كادوا يخرجون. معنى التوحيد ... قال ابن القيم: التوحيد نوعان: ١ - توحيد في المعرفة والإثبات: وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات بمعنى أن يعتقد المؤمن إثبات ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وأنه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو الخالق الرازق المهيمن المدبر العزيز العليم الحكيم المريد المتكلم إلى آخر ما يجب أن يتصف به تعالى من الصفات وما يسمى به من الأسماء. ٢ - توحيد في العبادة والقصد: وهو توحيد الإلهية والعبادة. بمعنى أن المؤمن لا يعبد إلا الله ولا يقصد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا ابتغاء وجهه ورضاه وحبه، ولا يسأل إلا الله ولا ينذر إلا له، ولا يخضع إلا لعظمته وجلاله وأمره ونهيه. والتوحيد بالمعنى الأول لم يكن مثار جدال ونقاش بين المسلمين والمشركين فإن المشركين كانوا يؤمنون بوجود الله تعالى، وبأنه هو الخالق الرزاق المدبر المهيمن المالك للسموات والأرض كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم.

стр. 238

قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ [الزخرف: ٠٩]. وقال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقال تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر، فسيقولون الله فقل أفلا تتقون﴾ [يونس: ٣١]. أما التوحيد بالمعنى الثاني فهو الذي لقي المعارضة الشديدة من المشركين وهو الذي بسببه سمي الكفار مشركين وخلد في النار من مات منهم غير موحد توحيد الإلهية السابق. وكثير من المسلمين تورطوا في أفعال وأقوال واعتقادات تتنافى مع هذا النوع من التوحيد عن حسن قصد أو عن سوء قصد، وفي كلا الحالين لا يعذر أحد منهم بعمله المنافي لتوحيد الألوهية والعبادة والقصد بعد أن بلغته الدعوة واستبان له السبيل. مع ملاحظة أن التوحيد بالمعنى الثاني هو الذي جاءت به الرسل، وهو الذي وقعت بسببه الحروب بين المؤمنين والمشركين، وهو الذي حاول المشركون القضاء على الدعوة إليه بكل طريقة استطاعوها متمسكين بأصنامهم.

стр. 239

وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون﴾ [الزمر: ٠٣]. وقال تعالى حكاية لقول المشركين المتعجبين من الدعوة في التوحيد: ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إنّ هذا لشيء عجاب﴾ [ص: ٠٥]. وقال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨]. فإشراك غير الله مع الله تعالى في العبادة هو الكفر الذي حاربته الأديان وفضحت القائلين به، وهو الذي حاول الرسل القضاء عليه حتى يخلص التوحيد لله تعالى بلا شائبة من شرك خفي أو جلي. قال تعالى: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين.

стр. 240

وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل الله أعبد مخلصاً له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ [الزمر: ١١ - ١٥]. وإليك بعض ما ليس من التوحيد لتتقيه وتنأى عنه وتنهي الناس عن الوقوع فيه. ١ - إطاعة من حرم ما أحل الله وأحل ما حرم الله مع العلم بذلك قال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عمّا يشركون﴾ [التوبة: ٣١]. الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، وقد وقع النصارى في الشرك بسبب انحرافهم عن التوحيد الخالص لله وحده. وقد أمروا أن يعبدوا إلهاً واحداً هو الله وألا يتخذوا أحداً غيره رباً يعبد من دون الله، ولكنهم افتروا على الله وضلوا سواء السبيل فعبدوا المسيح واتخذوه رباً، كما عبدوا علماءهم وعبادهم، ولكن عبادتهم للعلماء والعباد كانت من نوع آخر غير عبادتهم المسيح ﵇. فإنهم بالنسبة للمسيح تشعبت أقوالهم، فمنهم من قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، ومنهم الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة: هم الأب والابن وروح القدس، ومنهم من قالوا: إن المسيح ابن الله. وكل ذلك ذكر في القرآن الكريم. أما بالنسبة للعلماء والعباد فإنهم لم يقولوا فيهم: إنهم آلهة أو أبناء الإله،

стр. 241

ولكن أشركوهم مع الله تعالى فيما هو من خصوصيات الإله أصلاً وحقيقة وهو التحليل والتحريم. فإن الحكم على الشيء بكونه حلالاً أو حراماً هو تشريع من الله وحده ولا يحق لبشر أن يفعله إلا بإذن من الله تعالى وفيه الحدود المرسومة، كما أذن الله للرسل في ذلك باعتبارهم معصومين ومبلغين عنه تعالى وكما أذن للعلماء أن يجتهدوا فيما لا نص فيه. وهذه الآية قد فسرها رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم - وكان نصرانياً قبل أن يسلم - ولما جاء مسلماً دخل على رسول الله ﷺ فقرأ عليه هذه الأية: قال: - أي عدي - فقلت إنهم لم يعبدوهم فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" - رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذه الآية: هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين. أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر. وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم. فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك المخالف دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء. الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتاً لكنهم أطاعوا علماءهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف". ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهداً قصده اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخده الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه.

стр. 242

ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من الشرك الذي ذمه الله ولا سيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باليد واللسان، مع علمه أنه مخالف للرسل. فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يحوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال، وإن كان عاجزاً عن إظهار الحق الذي يعلمه. فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء كالنجاشي وغيره. وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزاً عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه مثله، من الاجتهاد في التقليد. فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة. وأما من قلد شخصاً دون غيره من نظرائه بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيباً لم يكن عمله صالحاً، وإن كان متبوعه مخطئاً كان آثماً كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. ١. هـ. وهو كلام قيم وتفصيل نادر فافهمه واحرص عليه. وبهذا التفصيل الدقيق يتضح لك موضع الخطورة في اتباع الآخرين في التحليل والتحريم والتشريع. ويتبع هذا بالأولى أن يعتبر مشركاً كل من رضي بدين غير دين الإسلام وهو يعلم الإسلام. أو رضي بأي مبدأ أو مذهب من المذاهب الحديثة أو القديمة يناقض المبادئ الإسلامية ويضادها وهو يعلم أن ما ارتضاه لا يرتضيه الله ورسوله ولا هو من دين الإسلام في شيء. كما يدخل في هذا الشرك والكفر كل إنسان قدس وعظم أي دين أو مبدأ من المبادئ المضادة للإسلام وهو يعلم ذلك. فما بالك إذا قدمها على الإسلام وأخره؟؟!!!

стр. 243

٢ - الذبح لغير الله تعالى الذبح الذي تحل به الذبيحة ويجوز الأكل منها نوعان: ١ - ذبح أريد به التقرب إلى الله تعالى كالذبح للهدي في الحج والذبح للأضحية وللنذر، وكل ما هو مطلوب ذبحه شرعاً على سبيل الندب أو الوجوب. ٢ - ذبح أريد به الانتفاع بلحم الذبيحة وتحليله حيث لا يحل إلا بالتذكية الشرعية وذلك كالذبائح التي تذبح كل يوم ويتداولها الناس بالبيع والشراء وغيرهما. والذبح الذي لا تحل به الذبيحة بحيث يحرم الأكل منها ثلاثة أنواع: ١ - الذبح الذي لم يستوفِ شروطه الشرعية مثل ذبح الحيوان من مكان غير مكان الذبح المشروع أو عدم قطع ما يطلب قطعه إلى غير ما ذكر من شروط في كتب الفقه. ٢ - أن يذكر الذابح على الذبيحة وقت الذبح اسم غير الله تعالى كأن يقول: باسم المسيح أو باسم النبي الفلاني أو باسم الولي الفلاني لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة: ٠٣]. ومعنى أهل لغير الله به: أي رفع الذابح صوته عند الذبح بذكر اسم غير اسم الله تعالى على عادة العرب في ذكر أصنامهم عند الذبح، فكأن الذابح يقول باسم اللات، أو باسم العزى، والله تعالى لم يحدد اسماً معيناً تحرم الذبيحة بذكره بل حرم الله تعالى كل ذبيحة يذكر عليها عند الذبح

стр. 244

اسم غير الله تعالى، سواء أكان اسم صنم أو انسان أو جني أو أي اسم غير اسم الله على الإطلاق. ٣ - أن يريد الذابح بذبحه التقرب بالذبيحة لغير الله تعالى، وذلك كأن يذبح الذبيحة تقرباً إلى ولي أو نبي أو حاكم أو جني أو عفريت أو غير هؤلاء. والدليل على ذلك ما في الآية السابقة من قوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ظاهره أنه ما ذبح لغير الله تعالى مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا وإذا كان هذا هو المقصود فسواء تلفظ به أو لم يتلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه باسم المسيح أو نحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان هو أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه بسم الله. فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك من باب أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفراً من الاستعانة بغير الله. وعلى هذا: فلو ذبح لغير الله متقرباً إليه يحرم ويعتبر هذا نوعاً من الشرك وإن قال عند الذبح: باسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة ... ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبائح الجن. قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا داراً أو بنوها أو استخرجوا عيناً ذبحوا ذبيحة خوفاً أن تصيبهم الجن فأضيفت إليهم الذبائح لذلك. ١. هـ. كلامه وذكر إبراهيم المروزي: أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه، لأنه مما أهلّ به لغير الله. ومن الأدلة الصريحة على تحريم الذبح لغير الله تعالى أمره تعالى بأن يكون الذبح له وحده دون سواه. فقال تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. والمراد بالنسك في الآية الذبح كما قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير. ومعنى "ومحياي ومماتي" وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح. وعن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله. لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض". رواه مسلم. ومعنى اللعن: "الطرد والإبعاد من رحمة الله". ومعنى آوى محدثاً: منع ونصر جانياً حتى لا يقتص منه ولا يؤخذ منه الحق الذي عليه وينفد فيه حد الله، وينتصر منه للمظلوم. ومعنى غير منار الأرض: قيل أراد حدود الحرم خاصة، وقيل هو عام في جميع الأرض، أو أراد المعالم التي يهتدي بها في الطريق، وقيل: "هو أن يدخل الرجل في ملك غيره فيقتطعه ظلماً". ولا مانع من إرادة الجميع. وعن طارق بن شهاب: أن رسول الله ﷺ قال: دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم. لا يجوزه (يمر به) أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهما، قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً، فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة". رواه أحمد.

стр. 245

٤ - الذبح بمكان يذبح فيه لغير الله أو فيه معبود غير الله عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً بُبَوانة (١) فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم". رواه أبو داوود. وإسناده على شرطهما. أي على شرط البخاري ومسلم. ويؤخذ من الحديث ما يأتي: ١ - أن يسأل المفتي ويستفصل عن الجوانب المتعلقة بالسؤال لتتضح له. ٢ - أن تخصيص أي بقعة ليفي بنذره فيها لا بأس به إذا خلا من الموانع. ٣ - يمنع الوفاء بالنذر في مكان معين إذا كان ذلك فيه وثن من أوثان الجاهلية أو فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زوال الوثن والعيد فإن فعل فقد عصى الله تعالى بتشبهه بالكافرين ما دام يعلم ذلك ولو لم يقصد التشبه. ويدخل في ذلك الذبح في مقبرة معينة أو أمام ضريح معين أو في أي مكان يزعم الناس أن الذبح فيه يرضي الجن مثلاً أو يطرد العفاريت والأمراض الخ هذه الخرافات. ٤ - لا يجوز الوفاء بما نذر الناذر أن يذبحه في تلك البقعة، لأنه نذر معصية، وعليه كفارة يمين، وقيل: لا كفارة عليه ولا شيء. ٥ - لا نذر لابن آدم فيما لا يملك. فإذا قال مثلاً: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أذبح بقرة فلان أو أتصدق بجزء معين من مال فلان فإن هذا النذر لاغٍ، أما إذا قال: إن شفى الله مريضي فعلي أن أنحر بعيراً مثلاً وهو لا يملك البعير فإن النذر يلزمه ويتعلق بذمته كجميع الديون إن حصل شفاء المريض المذكور.

стр. 246

٥ - النذر لغير الله تعالى قال تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب

стр. 247

العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. في هاتين الآيتين أمر من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ أن يقول لمن يشركون مع الله غيره في العبادة: إن صلاتي بجميع أنواعها وذبيحتي التي أذبحها للتقرب إلى الله تعالى، وما أعمله في حياتي من القربات وما أعمله عند الممات منها مثل الوصية بالصدقة وغيرها. كل ذلك أجعله لله وحده خالصاً من إشراك أحد معه تعالى، وبهذا الإخلاص أمرت وأنا أول مسلمي أمتي وأول من علمها ودلها على الله والإخلاص له والصدق معه. والنذر بإجماع المسلمين نوع من العبادة التي يتقرب بها إلى الله تعالى فإن كان خالصاً له فهو نذر صحيح ومشروع وإن كان لغير الله فهو حرام وباطل وإليك أقوال العلماء في ذلك لتعرف حكم النذر للنبي أو للولي أو الأماكن أو الأشياء مما فتن به المسلمون. قال الرافعي في شرح المنهاج: وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء أو تردد في تلك البقعة من الأولياء، والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك - وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة - تعظيم البقعة أو المشهد أو الزاوية أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع به البلاء، ويستجلب

стр. 248

بها النعماء، ويستشفي بالنذر لها من الأدواء، حتى أنهم ليذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر، يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء المريض أو قدوم الغائب أو سلامة المال وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه الباطل لا شك فيه. وقال الشيخ الحنفي في شرح درر البحار: النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون للإنسان غائب أو مريض أو له حاجة، فيأتي إلى بعض الصلحاء ويقول: يا سيدي فلان، إن رد الله غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا. فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه: منها أنه نذر لمخلوق، والنذر لمخلوق لا يجوز، لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. ومنها: أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر ... إلى أن قال: إذا علمت هذا، فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقرباً إليها فحرام بإجماع المسلمين، ولا يحل لأحد الانتفاع به بأكل أو غيره ولو كان فقيراً. وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء: فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان فهو لغير الله فيكون باطلاً، وفي التنزيل ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]. ﴿قل إن صلاتي ... ﴾ ثم قال: والنذر لغير الله إشراك مع الله كالذبح لغيره. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو بمنزلة أن يحلف بغير

стр. 249

الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قاله النبي ﷺ : "من حلف وقال في حلفه واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله". وقال في من نذر للقبور أو نحوها دهناً لتنور به ويقول: إنها تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين، وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين، لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالاً لسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن فيهم شبهاً من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال الخليل فيهم: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ والذين مر موسى ﵇ وقومه عليهم بعد النجاة من مصر، قال تعالى: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم﴾ [الأعراف: ١٣٨]. فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد في الهند والمجاورين عندها. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، "زاد الطحاوي: "وليكفر عن يمينه" فيستدل من الحديث أن هناك نذراً بمعصية فلا يجوز تنفيذه، والنذر لغير الله تعالى هو نذر بمعصية فلا يحل أن ينفذ. قال الحافظ: وقد يستدل بالحديث على صحة النذر في المباح كما هو

стр. 250

مذهب أحمد وغيره، ويؤيده ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأحمد والترمذي عن بريدة أن امرأة قالت يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال: "أوفي بنذرك". فيستفاد من الآية والحديث السابقين وجوب الحذر من الوقوع في المعصية بالنذر لغير الله تعالى، كما يستفاد مما سبق حرمة أكل المال المنذور لغير الله تعالى واستفادة الأشخاص به، لأنه سحت وشبيه بما كان يهدى لسدنة الأصنام فإن كان لا بد من صرفه في وجه الخير فليكن ذلك في بناء المساجد وتعميرها وبناء المستشفيات والملاجئ ونحوها مما ليس فيه تمليك لفرد أو لأفراد من الناس، والله الموفق. ٦ - الاستعاذة بغير الله تعالى من الجن والشياطين وغيرها معنى الاستعاذة: هو الالتجاء والاعتصام ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذاً وملجأ. فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه، واعتصم واستجار به والتجأ إليه. وهذا تمثيل وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله والاعتصام به، والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه، والتذلل له، أمر لا تحيط به العبارة. قاله ابن القيم ﵀، وقال ابن كثير: الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر. والعياذ يكون لدفع الشر، واللّياذ يكون لطلب الخير. وقد بين القرآن أن الاستعاذة بالجن والشياطين لا تفيد المستعيذ شيئاً. قال تعالى: ﴿وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقاً﴾ [الجن: ٠٦].
следующие страницы →