٣ - وكتب الأستاذ سعيد حوى القصة الآتية في كتاب "الله ﷻ " (١).
أذاع راديو دمشق في ١٠ - ١ - ٦٥ الساعة الثالثة إلا ربعا من بعد الظهر نقلا عن مجلة الأبحاث الطبية الصادرة في انجلترا حادثة نشرتها المجلة المذكورة بتوقيع الطبيب الذي جرت معه الحادثة. والقصة: أن شابا بقي مريضا بمرض مزمن ثلاثة عشر عاما، وأعيا الأطباء دون جدوى، وقد دخل عليه كآخر طبيب الطبيب الذي يروي القصة، وبعد أن أتم فحصه رآى أنه لا أمل منه، وهناك سأله المريض بلهجة اليائس: لا أمل يا دكتور؟ فقال الدكتور: هناك أمل واحد في السماء فجرب أن تدعو ... ألا تعرف أن تصلي؟ ولأول مرة يدعو الشاب الذي دام مرضه ثلاثة عشر عاما، وعندما زاره الطبيب بعد أسبوع وجد المريض معافى، وقد شفي من مرضه الذي لم يستطع الأطباء أن يعالجوه.
٤ - وأنت أيها القارئ الكريم: ألم تخرج من بيتك يوما عازما أمرا أعددت له العدة، وأجهدت النفس من أجله، ثم إذا بك في اللحظة الأخيرة تعرض عنه وتجد أنك مصروف بقوة خفية إلى أمر آخر لم يخطر على بال، ولم تسهر الليالي في التجهيز له، ثم يتضح لك بعد ذلك أن الخير فيما نالك وليس فيما فاتك؟ فمن الذي حولك عما دبرت؟ ومن الذي أنالك عكس ما قدرت؟ إنه الله الذي بيده الخلق والأمر، والذي يحول بين المرء وقلبه.
٥ - هل أصاب أحدا تعرفه أو أصابتك نكبة أحسست إزاءها أن الأحياء كلهم أعجز من أن ينقذوك، وأضعف من أن يرحموك وقد يكونون هم أيضا يريدون بك الشر. ويحيكون لك حبال الدواهي، فلما يئست من الناس، ويئست من الأمل نفسه إذا شعاع يطل عليك، وأمل يبرق في قلبك، وراحة تستكين إليها نفسك، وأنت لا تدري مصدر ذلك كله. ثم بعد ساعات أو أيام أو أشهر يتبدد اليأس كله، وينسلخ الظلام، وتتواكب أمام عينيك ألوان الأمل تطارد فلول اليأس. وأنوار النصر تكتسح ظلمات الهزيمة. وترى من وراء ذلك قدرة حولت دفة الحياة من أجلك. فإذا بك
стр. 72
تشفق على عدوك وظالمك، وقد كان بالأمس القريب أو البعيد سبب يأسك وشقلئك ... من الذي غير وبدل؟ مع أن العجز الكامل كان ملازما لك والقدرة والبطش كنتا في يد عدوك؟ من نشرك؟ من أحياك وأعزك؟ من رد إليك الأمل الضائع والحياة المطمئنة؟ قل ولاتنتظر .. إنه الله ...
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ (٣٧)﴾ (١).
الخلاصة
وخلاصة كل ما سبق أن الإيمان بوجود الله تعالى مركوز في ذات كل إنسان بفطرته، وأن الكرامة الإنسانية مستمدة من هذا الإيمان، وأن جميع الآمال التي يحيا الإنسان بها ويعيش عليها ليس لها مصدر إلا وجود ذات عليا هي المفيضة لهذه الآمال. وهي العماد الذي يعتمد عليه الإنسان سواء اعترف بذلك أم أنكر.
والإنسان بدون الإيمان المشع في كيانه مثل عود ذبل، لأنه حرم مادة الحياة.
وكل قلب خلا من ومضات الإيمان أشبه بجذع جذ أصله فجف واستعد للنار.
وكل عقل حرم موجات الأثير الرباني (الإيمان) فهو مبتوت الصلة بالخير والسعادة وأسباب النجاة.
وكل شعور لا يسري فيه ري الإيمان وعذوبته هو شعور حيواني يدبر أمره عقل شيطان.
стр. 73
وأخيرا وليس آخرا- لو حاولت أن تستقرئ حال الفريقين- فريق المؤمنين وفريق الكافرين المنكرين لوجود الله تعالى لوجدت الآتي:
١ - المؤمنون بالله على رأسهم الأنبياء والمرسلون والعلماء العادلون. وهم طائفة جعلت حياتها رحمة للإنسانية وشفقة وعطفا عليها، عكس الطائفة المنكرة التي لا تجد منها إلا قسوة القلوب، وسفك الدماء، وإذلال البشر، وتحطيم كل القيم.
٢ - المؤمنون بالله- وإن اختلفوا في صفات الله تعالى ةمعرفة ما يجب له- هم أهل الأرض جميعا تقريبا، أما المنكرون فهم قلة مسحوقة لا تكاد تذكر.
٣ - لم يأت المنكرون بدليل واحد، بل بالعكس يقفون عاجزين عجزا كاملا أمام تحديات المؤمنين وأدلتهم. إذن فلنقرأ في سعادة قول الله تعالى:
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ (١)
وقل للمنكرين وأنت مطمئن: أجيبوا عن سؤال الله المفحم لكم:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ (٢)
وعش في طمأنينة الإيمان، وسعادة الإيمان، ولذة المعرفة بالله الرحمن الرحيم.
стр. 74
الصفات
الصفة الثانية (هو الأول) - الصفة الثالثة (والآخر)
الصفة الثانية (هو الأول)
الله قديم بمعنى أنه لا أول لوجوده، فوجوده تعالى ليس مسبوقا بعدم، وقدم الله تعالى بهذا المعنى واجب وثابت ثبوتا عقليا بحيث لا يتصور ضده. وضد القدم الحدوث. وهو مستحيل على الله ، لأنه تعالى لو كان حادثا لاحتاج إلى من يحدثه ويوجده، والذي يحدثه ويوجده يحتاج إلى محدث أيضا فلا بد من وصول العقل إلى ذات تحدث وتوجد غيرها، ولا يصح أن يوجدها ويحدثها غيرها، وهي ذات الله تعالى.
قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ (١).
ومعنى الأول: الذي لا ابتداء لوجوده، والذي هو سابق في وجوده كل حادث فيكون وجوده من ذاته ولا علة لوجوده.
وروى البخاري عن النبي (صلى) وسلم حديثا طويلا جاء في آخره: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء".
فإذا أراد الشيطان أن يبلبل فكرك بأمر ليس في قدرة العقل الإنساني القاصر إدراكها فالجأ إلى ربك واطلب حمايته ومعونته بقولك "إياك نعبد وإياك نستعين" وقف عند ذلك مستسلما لله قائلا: "آمنت بالله" كما قال النبي (صلى): "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله" (٢)
стр. 75
الصفة الثالثة (والآخر)
وتسمى صفة "البقاء" ومعناها: أن الله تعالى لا آخر له، فلا يعتريه فناء، بل البقاء ملازم له أبداً. فالله تعالى يمتنع ويستحيلُ لحوق العدم به، لأنه تعالى لو جاز وأمكن في العقل أن يفنى لكان حادثاً ولم يكن قديماً مع أنه تعالى ثبُت قدمه، وأيضاً اتفق العقلاء على أن ما لا أول له لا آخر له، وأن من ثبت قدمه استحال عدمه.
وضد البقاء الفناء. وهو مستحيل على الله تعالى استحالة عقلية وشرعية، أما العقلية فقد ذكرناها، وأما الشرعية النقلية فلقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ (٣).
وروى مسلم عن النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ والظاهرُ والباطن﴾. قوله: " أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء " ا. هـ. شرح الطحاوية ص ١٩٥.
стр. 76
الصفات
الصفة الرابعة (ليس كمثله شيء)
وهي صفة معناها: أن الله تعالى لا يمكن أن يكون مشابهاً لحوادث في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله، لأنه تعالى لو كان مشابهاً ومماثلاً للحوادث التي أحدثها وخلقها في أي شيء، لكان حادثاً مثلها ولو كان كان حادثاً مثلها لما ثبت قدمه، مع أنه تعالى ثبت قدمه، فحدوثه إذاً مستحيل، وعلى هذا يكون ما أدى إلى هذا الحدوث وهو مشابهته للحوادث مستحيل، وثبت حينئذ نه تعالى مخالف للحوادث. قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)﴾ (٢).
أي ولم يكن أحد مشابها لله في أي شيء.
ومن هذا ندرك ونعلم أنه تعالى وجب وثبت له مخالفته للحوادث، ويستحيل عقلا وشرعا مشابهته تعالى لها.
القول في النصوص الموهمة للتشبيه
ثبت أن الله تعالى مخالف للحوادث. ولكن جاء في القرآن والسنة آيات وأحاديث ظاهرها يوهم أن الله تعالى يشبه خلقه، وإليك أمثلة لذلك:
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٤)
стр. 77
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤)
وقال ﷺ : "ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ". (٥)
قال ﷺ : "إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع كقلب واحد يصرفها كيف يشاء". (٦)
هذه النصوص وأمثالها يجب تجاهها ما يأتي:
أولا: الإيمان بها. لأنها ثابتة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، والإيمان بكل ما جاء في السنة فإن كانت متواترا فكذلك وإن لم يكن متواترا فإنه بالنسبة للعقيدة، لا يفيد الجزم والقطع المؤدي نفيه إلى الكفر ولكن يجب تصحيح العقيدة إزاءه.
стр. 78
ثانيا: مع الإيمان بهذه النصوص يجب الإيمان كما سبق بأن الله تعالى لا يشبه خلقه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
ثالثا: لا نحاول تأويل هذه النصوص وتفسيرها وتحديد معان لها، لأننا لا ندري هل هذه المعاني مرادة الله تعالى أم ليست مرادة؟ فالتأويل والتفسير لمثل هذه النصوص مجازفة لم يؤذن لنا فيها.
وبناء عليه نقول في هذه النصوص: إن الله تعالى استوى على عرشه. لأنه قال ذلك ولكن كيفية استوائه لا يعلمها إلا هو، لأنه قال: ليس كمثله شيء.
ونؤمن بأنه تعالى فوق عباده. وأن هذه الفوقية ليست كفوقية المكان التي نعرفها.
وكذلك نؤمن بأن لله وجها ويدا وأعينا، ولكنها ليست كأوجهنا وأيدينا وأعيننا، وأن الحقيقة يعلمها الله تعالى، وكذلك يقال في كل ما يرد موهما تشبيه الله تعالى بخلقه وهذا الذي ذكرناه هو رأي السلف رضوان الله عليهم. وهو أسلم، لأنه أبعد عن الوقوع في خطأ التأويل الذي قد يكون غير مراد له تعالى، خصوصا وأن هذه النصوص متصلة بالعقيدة، وخطر العقيدة لا يستهان به.
ولكن كثيرا من العلماء الذين جاؤوا بعد القرن الخامس الهجري رأوا أن تلك النصوص إن تركت بدون تأويل ربما يترتب على عدم تأويلها وتفسيرها وقوع الذين لم يتعمقوا في فهم الإسلام في خطأ الإنحراف عن العقيدة السليمة والوقوع في ورطات فكرية خطيرة. وقد جاءت آيات الله في كتابه كما جاءت أحاديث رسول الله ﷺ على نمط اللسان العربي، وباللغة العربية الفصحى، واللغة العربية فيها الأساليب والكلمات التي يراد بها في عرف اللغة حقيقتها والأخرى التي يراد بها المجاز أو الكناية، وما دامت الآيات والأحاديث المذكورة لا يمكن أن تكون حقيقتها مرادة لإفادتها التشبيه. فلماذا لا نذهب إلى المجاز المناسب لجلال الله وعظمته؟ وفي اللغة العربية أمثلة كثيرة لذلك.
стр. 79
وعلى هذا الأساس انطلقوا في تأويل ما سبق على الوجه الآتي:
قالوا: إن المراد بالاستواء في الآية هو استيلاء الله على عرشه، وذلك دليل على قدرته تعالى وعظمته، والمراد بكونه تعاى قاهرا فوق عباده أن العباد خاضعون لسلطانه وحكمه، والمراد بكونه تعالى في السماء وفي الأرض أن علمه تعالى محيط بكل شيء. والمراد بوجه الله تعالى ذاته، والمراد باليد في الآية قدرته، والمراد بالأعين الرعاية، والمراد بنزول الله إلى السماء الدنيا نزول ملك بأمره، والمراد بأصبعي الرحمن قدرته وإرادته وهكذا ...
وقال العلماء في الفرق بين المذهبين - مذهب السلف ومذهب الخلف - إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم، والذي أرتضيه للقارئ هو أن يكون سلفيا بعيدا عن التأويل وأن يرفض مذهب الخلف رفضا تاما فإنه بدع من القول لا يسوغ الأخذ به، وبناء على ذلك يجب القول بأن الله تعالى متصف بالعلو على خلقه، والاستواء على عرشه، وأن اليد والرجل والقدم والعين والأعين والنزول إلى السماء الدنيا وغير ذلك مما وردت به نصوص الكتاب والسنة الصحيحة كل ذلك من صفاته تعالى على الوجه الذي يليق بذاته تعالى. ويستحيل أن يشبه في شيء من ذلك شيئا أو أحدا من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الصفات
الصفة الخامسة (هو الغني الحميد)
ومعنى ذلك قيامه تعالى بنفسه واسغناؤه عن سواه وعدم احتياجه إليه في ذاته أو صفاته أو أفعاله، لأنه تعالى قديم، ووجوده من ذاته بمعنى أنه ليس أحد ولا شيء علة في وجوده. وهو تعالى متصف بجميع صفات الكمال، وكل موجود مستمد وجوده منه تعالى ومن كان كذلك يستحيل أن يحتاج إلى غيره.
لأنه لو احتاج إلى غيره لكان ناقصا ولكان حادثا ولكان غيره مؤثرا فيه. وكل ذلك مستحيل في حقه تعالى فما أدى إليه وهو احتياجه إلى غيره يكون مستحيلا، وثبت قيامه تعالى بنفسه. واسغناؤه عن غيره.
стр. 80
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ (١)
ويحسن هنا أن نقرأ هذا الحديث القدسي الذي ذكر أمورا كلية ملموسة ودالة بوضوح على احتياج الخلوقات إلى الله واستغناء الله تعالى عن جميع مخلوقاته.
عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر جندب بن جنادة-﵁-عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال:
"يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار. وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي: إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني. ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي: لو أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". قال سعيد: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. (٢)
стр. 81
الصفات
الصفة السادسة (هو الله أحد)
ومعناها: أن الله تعالى واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله. فليس في الوجود ذات تشبه ذات الله تعالى، وليس أحد متصفا بصفة تشبه صفة الله تعالى وليس لأحد غير الله فعل يشبه فعل الله تعالى.
الدليل على وحدانية الذات
يقوم الدليل على هاتين الآيتين:
الأولى - قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١)
الثانية - قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢)
وذلك لأننا لو فرضنا وجود أكثر من إله، كان لا بد أن يكون لكل منهم من العلم والإرادة والقدرة ما يخالف بداهة ما للآخر من هذه الصفات. وهذا يكون من شأنه أن يؤدي إلى الاختلاف في الأفعال وتدبير العالم. ومن ثم يكون لا بد من فساد السموات والأرض وما بينهما.
بل قد يؤدي إلى عدم وجود هذا العالم بسبب التضارب بين هذه الصفات التي ثبتت لكل منهم. وما يكون عنها من آثار. ولكن العالم بجميع أجزائه موجود على أحسن نظام. فلا بد أن يكون خالقه وموجوده إلها واحدا لا شريك له.
стр. 82
وقد يقال: إن لنا أن نفرض وجود آلهة متعددين ولكنهم يتفقون فيما بينهم على أن لكل منهم (منطقة عمل ونفوذ) - إن صح هذا التعبير- ونقول ردا على هذا: إن هذا يجعل لنا أكثر من عالم واحد، لكل عالم قوانينه وسننه ونظمه التي يسير عليها، ولكن الواقع أنه لا يوجد إلا عالم واحد متماسك الأجزاء والأطراف، وله نظم وقوانين واحدة. إذن فالإله الخالق واحد لا غير (١).
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)﴾ (٣)
فهو تعالى أحد: أي واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.
وهو الصمد: أي الغني الذي يقصده الناس في حوائجهم لاحتياجهم إليه وغناه عنهم.
لم يلد: أي لم ينبثق عنه ولد، فهو في غاية الكمال.
ولم يولد: أي لم ينبثق عن غيره، لأنه لا أول لوجوده.
ولم يكن له كفوا أحد: أي لم يكن ولم يوجد أحد يساويه ويماثله.
الدليل على وحدانية الصفات
هو أنه لو كان لأحد صفة مثل صفة الله تعالى في الكمال لكان هذا الأحد إلها آخر، والإله الآخر مستحيل كما سبق، فيستحيل على هذا أن يتصف أحد بصفة تشبه صفة الله في الكمال. فإن قيل: إن هناك صفات يتصف بها
стр. 83
البشر تتفق في الإسم مع الصفات التي يتصف الله بها فيقال: فلان: عالم. قادر. مريد. سميع. بصير. متكلم. حليم. رحيم. كريم .. الخ. وقد وصف النبيصلى الله عليه وسلم في القرآن بالرأفة والرحمة كما وصف إبراهيم ﵇ بالحلم.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ (٢)
فهل الذين يوصفون بما يوصف به الإله يعتبرون آلهة؟
والجواب هو أن الله تعالى إذا وصف بصفة فإن هذه الصفة تكون كاملة كمالا مطلقا يليق بالله، وأما الإنسان وغيره فإنه إذا وصف بصفة، فإن هذه الصفة تكون مناسبة للموصوف الذي هو الإنسان مثلا، فهي صفة محدودة بحدود الطاقة الإنسانية لا تتعداها، ولذلك حين جاء المرسلون بالمعجزات- وهي أمور فوق طاقة البشر- لم ينسبوا هذه المعجزات لأنفسهم. لأن طاقتهم محدودة، وإنما قالوا: هذه المعجزات من صنع الله وحده. وقد أظهرها على أيدينا دليلا على أنه اختارنا لتبليغ دينه وأننا صادقون في قولنا "إننا رسل الله".
الدليل على وحدانية الفعل
قلنا إن الله واحد في فعله: بمعنى أنه لا يوجد فعل لغيره تعالى يشبه فعله بدليل أنه لو كان لغيره تعالى فعل يشبه فعله تماما لكان هذا الفاعل
стр. 84
متصفا بصفات الله، وحينئذ يكون إلها آخر، وقد ثبت أن تعدد الآلهة مستحيل. فوجود فعل لأحد كفعل الله مستحيل.
قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)
وقال تعالى عن نفسه: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٢)
الصفات
الصفة السابعة (بكل شيء عليم)
الله تعالى هو الذي أبدع هذا الكون، وأقامه على سنن ونظم لا تختل ولا تضطرب. وهو الذي يمسك السموات والأرض وجميع النجوم والكواكب حتى لا يصدم بعضها بعضا أو يختل بعضها عن مداره المقدر له، وهو الذي يسير مل ذرة، ويرعى كل نسمة. ويدبر أمر خلقه، ويصرف كل شأن بحكمته، ويستحيل أن يحصل ذلك كله من الله بغير علم مطلق شامل. وجميع الأدلة التي ثبت بها وجود الله تعالى ثبت بها وجود علمه فيجب أن يكون الله تعالى عالما علما مطلقا شاملا كاملا. ويستحيل في حقه تعالى الجهل بأي شيء، لأنه لو جهل أي شيء ما كان متصرفا فيه وذلك نقص في جناب الألوهية والنقص في حقه تعالى محال.
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (٣)
стр. 85
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٢)
وعلماء الكلام يعرفون صفة العلم بأنها: صفة أزلية (قديمة) قائمة بذاته تعالى تنكشف بها المعلومات انكشافا تاما لم يسبقه خفاء. سواء أكانت هذه المعلومات واجبة أم مستحيلة أم ممكنة، فالله تعالى يعلم كل شيء على ما هو عليه في الواقع.
وهذا العلم لا يتغير بتغيير المعلوم- بمعنى أن الله يعلم الشيء الموجود على ما هو عليه. فإذا تغير الموجود وحصل له تطور لم يحصل لله علم
стр. 86
جديد غير العلم القديم، لأن تغيير العلم لا يليق بالله تعالى المحيط بكل ما كان وما قد يكون. فالله تعالى يعلم كل شيء قبل وجوده وبعد وجوده وحال وجوده بدرجة واحدة. فالماضي والحاضر والمسقبل أطوار وتغييرات تحصل للمعلوم، ولا يترتب عليها تغيير في علم الله تعالى، لأن الله تعالى علم كل شيء في الأزل وكل ما يحدث فهو يحدث حسب علم الله الأزلي.
الصفات
الصفة الثامنة والتاسعة (كل شيء بإرادته وقدرته)
فالإرادة معناها القصد، وترادفها في المعنى (المشيئة).
ومعناها في عرف علماء التوحيد واصطلاحهم: أنها صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى يخصص بها الممكن ببعض ما يجوز عليه.
ومعنى هذا أن الإرادة صفة قديمة مثل كل صفات الله تعالى عملها وتعلقها يكون بالأمور الممكنة، فهي لا تتعلق بالواجب ولا بالمستحيل.
وعملها وتعلقها بالممكن يكون من أجل تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه.
فمثلا: وجود أي شخص من الناس وعدمه أمران ممكنان تختار الإرادة واحدا منهما وكون هذا الشخص متصفا بصفة البياض أو السمرة أو الصفرة أو السواد مثلا أمر تحدد الإرادة، وكون هذا الشخص يوجد في زمن ما دون غيره من الأزمنة وفي مكان معين دون غيره من الأماكن وفي جهة معينة دون غيرها من الجهات. وكون هذا الشخص يوجد بمقدار معين من الوزن والقياس دون غيره. هذا كله تخصصه الإرادة وتحدده.
فعمل الإرادة في الممكنات هو أشبه بما نسميه في عصرنا هذا (التخطيط) فهي تخطط تخطيطا مبنيا على العلم، والقدرة تنفذ ما حددته وخصصته وخططته الإرادة. وعلى ذلك تكون القدرة مثل الإرادة متعلقة أيضا بالممكنات ولا تتعلق ولا تعمل في الواجبات ولا في المستحيلات.
لأن الواجب عقلا هو الأمر الثابت الذي لا يقبل الانتقاء والعدم.
стр. 87
والمستحيل عقلا هو الأمر الذي لا يقبل الثبوت بحال من الأحوال.
فلو تعلقت القدرة والإرادة بالواجب لتزيل ثبوته لم يكن واجبا عقليا. واو تعلقت القدرة والإرادة بالمستحيل لتزيل انتفاءه لم يكن مستحيلا عقليا.
والقدرة مثل الإرادة أيضا في أنها صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى غير أن عملها وتعلقها بالممكن يكون لإيجاده أو إعدامه على وفق الإرادة.
والإرادة والقدرة تشملان جميع الممكنات، فلا يخلق في ملك الله أمر لم يرده وإلا كان غافلا أو مكرها والكل مستحيل على الله تعالى. كما لا يقع في ملك الله أمر إلا بقدرته وإلا كان عاجزا والعجز على الله محال.
فثبت لله تعالى صفتا الإرادة والقدرة واستحال عليه أن يكون مكرها أو عاجزا.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (٤)
стр. 88
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (٢)
هذا الكون كله كتاب مفتوح تقرأ فيه دلائل الإرادة والقدرة. وتشعر بعد التأمل فيه بالخشوع لله والرهبة من عظمته، كما تشعر بالنشوة والفرحة كلما أدركت أنك عبد لخالق هذا الكون ومدبره، وأن خضوعك لله وحده لا لأحد سواه.
الصفات
الصفة العاشرة (هو الحي القيوم)
الحياة صفة قديمة يترتب عليها صحة اتصاف الله تعالى بجميع صفاته الكمالية من العلم والقدرة وغيرهما، وحياته تعالى- ككل صفاته- ليست من جنس حياة البشر، وإنما هي حياة تليق به تعالى، ولا تشبه حياة مخلوق.
وضد الحياة الموت. وهو مستحيل على الله تعالى، لأنه تعالى لو كان ميتا ما صح اتصافه بصفات الكمال.
لكنه صح وثبت اتصافه بصفات الكمال، ولا يتصف بها إلا الحي فثبتت له الحياة واستحال عليه ضدها وهو الموت.
стр. 89
قال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ (٣)
الصفات
الصفتان ١١، ١٢ - (هو السميع البصير)
فالسمع صفة من صفات الله تعالى القديمة القائمة بذاته تنكشف بها جميع المسموعات. وسمع الله تعالى ليس بأذن وصماخ وغيرهما مما تتركب منه أداة السمع عند المخلوقات وإنما لله سمع يليق بذاته تعالى، ويستحيل عليه تعالى ضده وهو الصمم، لأن الصمم نقص والنقص في حقه تعالى محال.
أما البصر فهو صفة من صفات الله تعالى القديمة القائمة بذاته تعالى تنكشف بها جميع المبصرات. وبصر الله تعالى لا يشبه في شيء بصر مخلوقاته وإنما له بصر يليق بذاته.
ويستحيل عليه تعالى ضده وهو العمي، لأنه نقص والنقص في حقه تعالى محال. ومن شرط الخالق المبدع الحكيم أن يكون مدركا لما يخلقه ويصنعه بكل نوع من أنواع الإدراك، ومن ثم يجب أن يكون الله ﷻ سميعا بصيرا وإلا لك يكن كاملا.
стр. 90
قال تعالى حكاية لقول إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ (١)
وقال تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٣)
الصفات
الصفة الثالثة عشرة (الكلام)
وهو صفة قديمة قائمة بذاته تعالى لا تشبه كلام الناس في شيء. مثلها في ذلك مثل جميع صفات الله تعالى:
وهذه الصفة تدل على الواجب والمستحيل والجائز، ما كان من ذلك وما يكون، فيفهم الله سبحانه بهذه الصفة من أراد أن يفهمه من عباده أي أمر من الأمور سواء أكانت هذه الأمور مما يتصل بالواجبات كوحدانية الله تعالى، أو بالمستحيلات كالولد بالنسبة له تعالى، أو بالجائزات مثل الإحياء والإماته والإعزاز والإذلال .... الخ.
وطريقة إيصال الله تعالى كلامه للملك أو للبشر أو لغيرهما نحن لا نعلمها لعدم ورود ما يدل عليها أو يشرحها من الأدلة الصحيحة، والدليل على الكلام قول الله تعالى:
أسماء الله الحسنى
جميع أسماء الله تعالى تعتبر صفات الله تعالى إلا اسما واحدا فقط هو (الله) فإنه علم على الذات وليس صفة.
وهذه الصفات عددها لا يقل عن مائة إلا واحدا إن قلنا إن أسماء الله تعالى (توقيفية) وهو قول الجمهور. بمعنى أننا نتوقف عن إطلاق أي صفة على الله تعالى وأي اسم إلا إذا ورد بهذا الاسم نص من كتاب أو سنة. وعددها يزيد على ذلك كثيرا إن قلنا: إن أسماء الله تعالى (توفيقية) بمعنى أن كل اسم يليق بالله تعالى يجوز إطلاقه عليه ولو لم يرد به نص. وقد ذكرعلماء التوحيد من الصفات التي يتصف بها الله ثلاث عشرة صفة وقالوا إن كل مكلف يجب أن يلم بها ويعرفها ويؤمن بها إيمانا جازما، لأن هذه الصفات لا بد منها للإله، وما عداها متفرع منها، أو داخل فيها، أو تابع لها. وقد سبقت. وأسماء الله الحسنى كلها هي التي ننادي بها ربنا. وبها نذكره ونعبده ونسأله.
قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١)
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - من أحصاها دخل الجنة" (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن لله تسعة وتسعين اسما -مائة إلا واحدا- لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة. وهو وتر يحب الوتر" (٣).
стр. 93
وإليك هذه الأسماء كما ذكرتها رواية الترمذي. ونذكر أمام كل اسم معناه لتمام الإفادة:
الله ... : علم على الذات الإلهية المقدسة
الرحمن ... : المنعم بجلائل النعم
الرحيم ... :المنعم بدقائقها "صغارها"
الملك ... : المتصرف في ملكه كما يشاء
القدوس ... : المطهر من العيوب والنقائص
السلام ... : الأمان لخلقه
المؤمن ... : المؤمن لخلقه من العذاب والمصدق وعده لهم
المهيمن ... : المسيطر
العزيز ... : الغالب
الجبار ... : المنفذ لأوامره
المتكبر ... : المنفرد بصفات العظمة
الخالق ... : الموجد للمخلوقات من غير أصل. أو المقدر
البارئ ... : الخالق لما فيه الروح والموجد لما له أصل
المصور ... : المعطي لكل شيء صورة تميزه عن غيره
الغفار ... : كثير المغفرة وستر الذنوب
القهار ... : القابض على كل شيء والقاهر لكل شيء
الوهاب ... : كثير النعم دائم العطايا والمنن
الرزاق ... : خاق الأرزاق وخالق أسبابها
الفتاح ... : الذي يفتح خزائن رحمته لعباده
العليم ... : العالم بكل شيء فلا يغيب عنه شيء
القابض ... : قابض الأرواح أو مضيق الرزق على من يشاء من عباده
الباسط ... : موسع الرزق على من يشاء
стр. 94
الخافض: الذي يخفض من يستحق الخفض بالخزي والذل والعذاب
الرافع ... : الذي يرفع من يستحق الرفعة من المتقين
المعز ... : يعز من استمسك بدينه ويعطيه النصرة والغلبة
المذل ... : الذي يذل أعداءه
السميع ... : المدرك لكل ما يسمع
البصير: المدرك لكل ما يبصر
الحكم ... : الحاكم الذي لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه
العدل ... : العادل الكامل في عدالته
اللطيف: الذي لطف (دق) علمه بما في القلوب
الخبير ... : العالم بخبايا الأمور ودقائقها
الحليم ... : الذي لا يستفزه غضب ولا يتعجل العقوبة
العظيم: البالغ أقصى مراتب العظمة
الغفور: كثير الغفران
الشكور: الذي يعطي الكثير على العمل القليل
العلي ... : الذي بلغ أعلى مراتب العظمة التي لا يتصورها عقل ولا يدركها الفهم
الكبير: الذي لا تستطيع الحواس ولا العقول إدراكه
الحفيظ: الذي يحفظ الكون من الخلل والإضطراب ويحفظ أعمال العباد فلا يضيع منها شيء
المقيت: خالق الغذاء الروحي والمادي
الحسيب: الذي يكفي عباده أو الذي يحاسبهم يوم القيامة
الجليل: الذي له صفات الجلال
الكريم: المعطي من غير سؤال ولا عوض
стр. 95
الرقيب: الذي يراقب الأشياء ويلاحظها
المجيب: الذي يستجيب لمن دعاه
الواسع: الذي وسع علمه ورحمته كل شيء
الحكيم: صاحب الحكمة
الودود: المحب الخير لخلقه والمحسن إليهم في كل الأحوال
المجيد: البلغ النهاية في المجد والشرف والعظمة
الباعث: باعث الرسل ومن في القبور
الشهيد: العالم بكل مخلوق
الحق: الثابت الذي لا يتغير
الوكيل: القائم بأمور عباده وسائر ما يحتاجون إليه
القوي: صاحب القدرة التامة
المتين: الذي بلغ النهاية في الشدة
الولي: المتولي أمر خلقه
الحميد: المحمود المستحق للثناء
المحصي: الذي لا يغيب عن علمه شيء
المبدئ: المظهر للأشياء من العدم
المعيد: الذي يعيدها بعد عدمها
المحيي: خالق الحياة في كل حي
المميت: سالب الحياة من الأحياء
الحي: صاحب الحياة الدائمة
القيوم: القائم بنفسه والمقيم لغيره
الواجد: الذي يجد كل ما أراده فلا يحتاج لغيره لغناه المطلق
الماجد: البلغ النهاية في المجد والعظمة
стр. 96
الواحد-الصمد-القادر-المقتدر
المقدم: الذي بيده تقديم كل شيء حسا ومعنى
المؤخر:
الأول:
الآخر:
الظاهر: الذي أظهر وجوده بآياته ومخلوقاته
الباطن: الخفي بذاته فلا يعلمها أحد على ما هي عليه
الوالي: الذي تولى الأشياء وملكها
المتعالي: المنزه عن النقائص
البر: كثير الخير عظيم الإحسان
التواب: الذي يوفق العصاة للتوبة ويقبلها منهم
المنتقم: المعاقب من يستحق العقوبة
العفو: الماحي لسيئات من أناب إليه
الرؤوف: عظيم الرأفة والرحمة
مالك الملك: ذو الجلال والإكرام
المقسط: المنصف للمظلومين من الظالمين
الجامع: الذي يجمع الناس يوم القيامة
الغني: المستغني عن كل ما عداه والمفتقر إليه كل من سواه
المغني: المتفضل بإغناء من شاء من خلقه
المانع: الذي يمنع أسباب الهلاك
الضار: الذي ينزل عقابه بأعدائه
النافع: الذي عم خيره
النور: الظاهر بنفسه والمظهر لغيره
стр. 97
الهادي: الذي هدى وأرشد كل شيء إلى ما فيه صلاحه
البديع: الذي لا نظير له
الباقي: الدائم الوجود
الوارث: الباقي بعد فناء الموجودات
الرشيد: المرشد لعباده والذي تجري تصاريفه بمنتهى الحكمة والسداد (١)
الصبور: الذي لا يتعجل بالعقوبة ولا يتعجل بشيء قبل أوانه
стр. 98
إشراقة الصفات
إن صفات الله تعالى وأسماءه الحسنى لها في نفس المؤمن إشراقة روحية يحس بها من صفا بالإيمان قلبه، وزكت بنور أسماء الله وصفاته نفسه، وتلذذ بالمعرفة بربه شعوره الداخلي ووجدانه. وهذا النور لا يتأتى من العلم وحده، فكم من عالم قوي الحجة باهر البرهان، فصيح اللسان، واسع الاطلاع، ومع ذلك تجده مغلق القلب، مصمت الحس، جامد المشاعر، همه من العلم الاحتراف به، وغاية بيانه أن يأكل الدنيا بدينه. وأن يظهر في الناس علما مرموقا يشار إليه، وأنت لا تشعر بأنه عالم إلا حين يتكلم في العلم، فإن تكلم في غيره فإن أحدا لا يجد انطباعات علمه في لسانه، كما لا تجدها في عمله وأخلاقه ومعاملاته. فهو يصلح أن يكون في العلم ورقة، أكثر مما يصلح أن يكون فيه قدوة.
وأخشى ما أخشاه على من درس علم التوحيد أن يصير بذلك ورقة علم لا أكثر، وأن تقف استفادته منه عند حد الفهم وإزالته الشبه لا يعدوها.
والذي أرجوه وأضرع إلى الله به أن يجعل العلم بصفاته تعالى نورا يغمر القلب. ونشوة تملأ الوجدان. وسعادة تسري في كيان المؤمن.
فإن المؤمن الذي يوقن بأن الله تعالى متصف بكل كمال. منزه عن كل نقص، وبأنه تعالى موجودا لا أول له، وباق بقاء لا نهاية له، وبأنه لا يشبه خلقه في شيء، وهو غني بذاته غناء مطلقا عن كل ما سواه، وأن كل ما سواه حادث ومحتاج في وجوده إليه تعالى: إن من يوقن بذلك يسعد سعادة لا حد لها لأنه يدرك أنه على ما فيه من نقص قد خلقه إله كامل. وعلى ما فيه من ضعف فهو مربوب لرب قوي. وأن سنده وملجأه في دنياه وأخراه إله منه الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، فلا يليق به أن يذل لغير ربه، أو أن يخضع لغير خالقه وموجوده ومالك أمره، فهو
стр. 99
من الله، وبالله، وإلى الله. هو من قدرة الله وجد، وبعناية الله ورحمته يسلك سبل الحياة، ومرجعه في النهاية إلى الله، والذي يؤمن بأن الله تعالى واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله إيمانا صادقا واعيا فإنه ينقض عن نفسه آثار الشرك في قوله وعمله، ويتطهر منه في تصرفاته الفعلية كما تطهر منه في عقيدته.
فالله وحده معبوده، وهو لا يعبد أحد سواه ليحقق معنى: لا إله إلا الله.
والله وحده العليم بكل شيء، لذلك لا يعرض مشاكله إلا على الله.
والله وحده القادر على كل شيء فلا يستغيث ولا يستعين إلا بالله.
والله وحده الرحمن الرحيم، فلا يرجو في كل أموره إلا الله.
والله يستجيب دعوة الداعي إذا دعاه فلا حاجة إلى وساطة بين المؤمن وبين الله .
إنه يشعر بأن كل شيء يبعده عن عبادة الله وطاعته هو إله معبود من دون الله، فيخجل من ربه ويتألم لكبير ذنبه، ويحاول العودة السربعة إلى التوحيد الخالص ليكون من الصادقين. والذي يؤمن بعلم الله وقدرته وإرادته، وبأنه تعالى يرى ويسمع ولا تخفى عليه خافية يجد الحياة مع الله هي الحياة، ويجد المتعة التي لا حد لها في كلمة ينطق بها لسانه، وصلاة ركعة يهتز لها كيانه، ونفع إنسان احتاج إلى مساعدته، وفعل خير لأي من مخلوقات الله تعالى. الإيمان بهذه الصفات هو الذي تعيش به مع ربك، وهو الذي يحدد سلوكك، ويقيم على الطهر حياتك، ويملأ بالأمل قلبك، ويشع النور في بيتك ومجتمعك، ويفيض الخير على من عاشرك وعرفك. هذه إشراقة من إشراقات الإيمان بصفات الله تعالى. فلعلها تؤتى في النفوس ثمارها.
стр. 100
الجائز في حق الله تعالى
يجوز في حق الله تعالى فعل كل ممكن أو تركه مهما كان هذا الممكن عظيما دقيق الصنعة، لأن كل ممكن قابل للإيجاد إن كان معدوما أو للإعدام إن كان موجودا، والله تعالى كامل العلم والإرادة والقدرة، فهو تعالى بذلك يتصرف في الممكن كما يشاء بقدرته حسب علمه وإرادته، وقد مضت الأدلة الكافية في ذلك.
стр. 101
القضاء والقدر
الإيمان بالقضاء والقدر عقيدة من العقائد الإسلامية، التي أسست على الإيمان بالله ، وبنيت على المعرفة الصحيحة لذاته تعالى وأسمائه الحسنى، وصفاته العظمى الواجبة له تعالى. فقد جاء فيما يجب الإيمان به أن الله تعالى متصف بالعلم والإرادة والقدرة، وأنه سبحانه فعال لما يريد.
وعلى هذا الأساس قامت عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، فكان الإيمان بهما متمما للإيمان بالله تعالى وصفاته، وعنصرا من حقيقته المشرقة.
فعلم الله تعالى أحاط بكل شيء، وحسب علمه كتب كل شيء.
قال تعالى:
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (٦١)﴾ (١)
وفي صفحات هذا الكتاب الغيبي الذي يعلم الله وحده حقيقته ومكانه خطت سطور القدر، وكتبت مصاير الأمور، ووضحت نهايتها من شقاوة وسعادة، ولكن أنى لنا علم بذلك؟
إنما الغيب كتاب صانه ... عن عيون الخلق رب العالمين
ليس يبدو منه للناس سوى ... صفحة الحاضر حينا بعد حين
والقضاء والقدر لكل منهما معنى مستقل.
стр. 102
فالقدر معناه: إيجاد الله تعالى الأشياء حسب علمه وإرادته.
وبعض العلماء عرف كلا منهما بتعريف الآخر، ولا ضرر .. فمرجع القضاء والقدر إذا إلى العلم والإرادة والقدرة كما سبق.
القضاء والقدر
منطقة الجبر
هناك أمور تحدث حسب مشيئة الله تعالى وقدرته، وتنفذ في الناس طوعا أو كرها سواء شعر بها الناس أم لم يشعروا.
فالعقول ومقدار ما يودع فيها من ذكاء أو غباء، والأمزجة وما يلابسها من هدوء أو عنف، والأجسام وما تكون عليه من طول أو قصر. ومن جمال أو قبح، والشخصيات وما تطبع عليه من امتداد أو انكماش، والزمان التي تولد فيه، والمكان الذي تحيا به، والبيئة التي تنشأ في ظلها، والوالدان اللذان تنحدر منهما، والحياة والموت، والسعة والضيق، كل ذلك ومثله لا يد للإنسان فيه، فالقدر هو الذي يوجد ذلك كله.
وغني عن البيان أن شيئا من هذا ليس محل مؤاخذة ولا محاسبة، لأن هذا من الأمور التي لا قبل لنا بها، ولا سبيل لنا إليها، وفي مثلها يساق قوله تعالى:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ (١)
والإيمان بهذا النوع من القدر واجب، والأدلة عليه متظاهرة من العقل والنقل، ويلحق به كل ما يصيب الإنسان في نفسه أو ماله أو ولده، من الأمراض والآفات، وجميع المصائب بعد أن يتخذ الإنسان نحوها ما يمكنه
стр. 103
من حيطة ويقوم بما يطلب منه من حذر في حدود أمر الله تعالى وشرعه، فإذا حدثت بعد ذلك مصيبة أيقن أن ما أصابه قضاء وقدر لا مفر منهما، وعليه أن يرضى بهما، ويسلم لله في حكمته، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وفي الحديث الحسن: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللع عليك" (١).
وذلك مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ (١٧)﴾ (٢)
ومن هذه العقيدة التي تربى عليها السلف الصلح تنشأ الصفات الحميدة التي تليق بالمؤمن. مثل الشجاعة، والمرؤة، والتوكل، وإباء الضيم، ودفع المهانة والذل بكل قوة، كما تنشأ حالة الاطمئنان والاستقرار والراحة النفسية في قلب المؤمن مهما أحيط بالأخطار، لأنه يحيا في إطار قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (٣)
القضاء والقدر
هنا لنا إرادة
أما النوع الثاني من متعلقات القضاء والقدر فهو يتصل بأعمال على عكس الأول. ونحن نشعر عند أدائها بيقظة عقولنا، وحرية ميولنا، ورقابة ضمائرنا.
стр. 104
إننا نحس باستقلال إرادتنا وقدرتنا فيما نباشر من عمل يقع في دائرتيهما، وكان هذا الإحساس دليلا كافيا على هذه الحرية، ولكننا نطمئن القارئ بما جاء في كتاب الله تعالى دليلا على ذلك (١).
قال تعالى:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً (٢٩)﴾ (٢)
وقال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ (٣)
ولو كنا مجبورين ما نسبت إلينا هداية ولا ضلال، ولو كنا بغير إرادة حرة لكان قوله تعالى:
﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ (٤)
عبثا والعبث على الله محال، فثبت أن لنا إرادة وأننا لسنا مجبورين.
والله تعالى أنزل كتابا هو القرآن وأمر الناس باتباع أوامره واجتناب نواهيه ورتب على ذلك جزاء في الدنيا والآخرة لمن أطاع ولمن عصى، وكذلك أرسل رسولا لدعوة الناس إلى كتاب الله ودينه، وأمره ومن معه من المؤمنين أن يصبروا على أذى الكافرين، ثم أمرهم بعد ذلك أن يقاتلوهم لاعتدائهم عليهم، تمردهم على الله تعالى.
стр. 105
ولو كان الإنسان كالريشة المعلقة في الفضاء يحركها الهواء كيف يشاء بدون أن يكون له أدنى حرية أو إرادة ما استدعى الأمر إنزال كتب ولا إرسال رسل، لأن الحرية والإرادة والاختيار منتفية أصلا، فيكون إنزال الكتب وإرسال الرسل وترتيب الجزاء على العمل بالسعادة في الدنيا والآخرة لمن أطاع، والشقاء فيهما لمن عصى وكفر.
يكون كل ذلك شبه العبث الذي لا فائدة فيه، والعبث محال على الله تعالى، فثبت أن للإنسان حرية واختيارا بدليل إنزال الله الكتب وإرساله الرسل وترتيب الجزاء على ما يفعله الإنسان بعد ذلك.
والله تعالى خلق الكون وما فيه ومن فيه وجعل له سننا وقوانين ونظما يسير عليها، ومن
ويحكمه قانون السببية. والإنسان جزء من هذا الكون فهو خاضع لهذا القانون في أمور دنياه وأمر دينه على السواء.
قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣)﴾
وقد جرت سنة الله بالنسبة للزارع والصانع والتاجر وكل عامل أن يقوم أحد هؤلاء بعمل معين فيترتب عليه آثار معينة.
فالزارع مثلا يشق الأرض ويبذر الحب ويروي بالماء، فإذا فعل ذلك وكانت الأرض طيبة والبذرة صالحة والآفة ممنوعة فإن الله تعالى يخلق من البذرة النبات ثم الثمرة وهكذا ...
ولو أن الفلاح نظر إلى أن رزقه مقدر، وأن ما كتب له منه لا بد واصل إليه، ثم جلس في بيته لا يحرث ولا يزرع ما حصد إلا البؤس والشقاء.
стр. 106
ولو فعل مثله الصانع والتاجر والمكتشفون والمخترعون والباحثون في أسرار الكون لوقفت المصانع، وأغلقت المتاجر، وعم الجهل وهلك الناس من أمد بعيد.
والعجب كبير ممن يؤمن بآيات القدر ويكفر بآيات السنن. فالله الذي قال:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ (٢١)﴾ (١)
هو الذي قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢)
فإنزال الله للأرزاق وغيرها جعل له سببا هو السعي في الأرض، وطلب الرزق وهذه سنة الله.
وإدخال الله تعالى الخلق الجنة أو النار جعل الله له سببا هو الطاعة أو المعصية.
وما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز من هدايته لقوم وإضلاله للآخرين قائم على هذه السنن، ونظام الأسباب والمسببات.
وتستطيع أن تجد ذلك واضحا في مثل قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣)
стр. 107
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١)
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً﴾ (٢)
فإنك إذا أنعمت النظر في الآيات وجدت أن إضلال الله لقوم إنما ترتب على فسقهم وأن إزاعته قلوب آخرين جاء نتيجة اختيارهم طريق الضلال.
إذن فهي نفس الأسباب والمسببات، وما جاء في القرآن مطلقا محمول على هذا الأساس.
وإذا كنت قد وجدت هذا المبدأ واضحا بالنسبة للآيات التي ذكر فيها الضلال والزيغ فإنك كذلك تجد نفس الخط بالنسبة لآيات الهداية: خط الأسباب والمسببات.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٣)
فهداية الله لهم جاءت نتيجة جهادهم في دينه.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ (٤)
стр. 108
فهم قد زادهم الله هدى بعد أن اهتدوا.
وقال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (١)
فهو أناب إلى الله فهداه وثبته. إذن فهي أيضا أسباب ومسببات.
والله تعالى هو خالق الكون، وخالق السنن، ومرتب المسببات على الأسباب، وهو الذي قدر السبب والمسبب، فالكل منه وإليه كما قال تعالى:
﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ (٢)
وأمور الدين كأمور الدنيا داخلة في سنن الكون كما خلقه الله وقدره، وهذا هو فهم الرسول (صلى) لآيات الله تعالى، وعنه فهم صحابته ﵃، فجاهدوا في سبيل الله وعملوا في حياتهم على هذا الأساس، حتى أقاموا دينا، وبنوا دولة، وأسسوا خير أمة أخرجت للناس، ولن تجد في مسيرتهم الطويلة موضعا للتواكل والاعتماد على القدر مع ترك الواجب.
القضاء والقدر
الخلاصة
والخلاصة التي يمكن الاهتداء إليها والاعتماد عليها أخذا بما ورد في كتاب الله تعالى أن الله تعالى ثبت له العلم والقدرة والإرادة، فما من شيء إلا وهو داخل تحت علمه تعالى ومخصص بإرادته ومنفذ وواقع بقدرته.
كما ثبت أن للإنسان علما وإرادة وقدرة، وأن ما ثبت للإنسان هو مستمد من الله تعالى، كما ثبت أن قضية القضاء والقدر مبنية على ثبوت علم الله تعالى وإرادته وقدرته.
стр. 109
وأن ثبوت حرية الإنسان في عمله الإرادي ناشىء عما وهبه الله وأعطاه من علم وإرادة وقدرة، وأن تكليف الله عباده ومجازاتهم على أعمالهم مترتب على ذلك أيضا.
والمنطقة المجهولة التي لم يستطع الإنسان أن يكشف غامضها إلى اليوم هي منطقة نوع الصلة بين علم الله تعالى وإرادته وقدرته، وبين علم الإنسان وإرادته وقدرته.
ولكن هل هذه وحدها هي منطقة الغموض فيما يتصل بشأن الله تعالى؟ إن جميع صفات الله تعالى نحن لا نعرف منها إلا أسماءها وبعض آثارها، أما حقائقها فهي كذاته تعالى: يستحيل على الإنسان إدراكها.
وإذا كنا نؤمن بذلك إيمانا لا شك فيه، فلماذا إذا نأتي إلى قضية القضاء والقدر فنحاول سبر غورها، وإدراك سبر غورها، وإدراك حقيقتها، وهي لا تعدو أن تكون شأنا من شؤون الله تعالى وخاصة به وليست شأنا من شؤون البشر؟.
إن الله تعالى خلقنا وأمرنا ونهانا، وخاطب عقولنا، وكرم فينا إنسانيتنا، وعاملنا بقدر ما أعطانا من قدرة فهم، وقدرة عمل، وجعل حياتنا في عمومها تقوم على الأسباب والمسببات، سواء فيها عالمها العلوي وعالمها السفلي، وسواء فيها الإنسان وغيره من المخلوقات، والله تعالى ثبت لنا من صفاته مع العلم والإرادة والقدرة صفات الحكمة والعدل والرحمة وأنه لا يظلم مثقال ذرة، ولا يكلف نفسا إلا وسعها، وأنه رفع القلم عن النائم والمجنون والصبي والمكره.
فعلينا إذن أن نشغل أنفسنا بما هو مطلوب منا، ولن نجد القدر يوما معوقا لنا بل سنجده يساعدنا ويمدنا بالقوة ويأخذ بأيدينا ما دمنا عاملين مخلصين.
ولماذا كان موضوع القدر هو الشاغل لأمة الإسلام في حال ضعفها وتأخرها وانحطاطها؟ أليس ذلك ليجد المهمل والمقصر والمتواكل وجميع
стр. 110
الحمقى مظلة يترامون تحتها في بلاهة وغفلة وسقوط يسمونها القضاء والقدر؟ والله يعلم أن القضاء والقدر بريئان من أمثال هؤلاء الذين كانوا خزيا لأمتهم، وعارا لدينهم، وعبئا على الذين يريدون أن ينطلقوا باسم الله كما انطلق آباؤهم الأولون، في بناء وعبادة ونفع للإنسانية ودفع لركبها إلى حضارة نظيفة مؤمنة، تنفيذا لأمر الله القائل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)