← Акыда

Акыда · id 10699

تبسيط العقائد الإسلامية

حسن أيوب

Полный текст (311 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولو فعل مثله الصانع والتاجر والمكتشفون والمخترعون والباحثون في أسرار الكون لوقفت المصانع، وأغلقت المتاجر، وعم الجهل وهلك الناس من أمد بعيد. والعجب كبير ممن يؤمن بآيات القدر ويكفر بآيات السنن. فالله الذي قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ (٢١)﴾ (١) هو الذي قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢) فإنزال الله للأرزاق وغيرها جعل له سببا هو السعي في الأرض، وطلب الرزق وهذه سنة الله. وإدخال الله تعالى الخلق الجنة أو النار جعل الله له سببا هو الطاعة أو المعصية. وما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز من هدايته لقوم وإضلاله للآخرين قائم على هذه السنن، ونظام الأسباب والمسببات. وتستطيع أن تجد ذلك واضحا في مثل قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣)

стр. 107

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً﴾ (٢) فإنك إذا أنعمت النظر في الآيات وجدت أن إضلال الله لقوم إنما ترتب على فسقهم وأن إزاعته قلوب آخرين جاء نتيجة اختيارهم طريق الضلال. إذن فهي نفس الأسباب والمسببات، وما جاء في القرآن مطلقا محمول على هذا الأساس. وإذا كنت قد وجدت هذا المبدأ واضحا بالنسبة للآيات التي ذكر فيها الضلال والزيغ فإنك كذلك تجد نفس الخط بالنسبة لآيات الهداية: خط الأسباب والمسببات. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٣) فهداية الله لهم جاءت نتيجة جهادهم في دينه. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ (٤)

стр. 108

فهم قد زادهم الله هدى بعد أن اهتدوا. وقال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (١) فهو أناب إلى الله فهداه وثبته. إذن فهي أيضا أسباب ومسببات. والله تعالى هو خالق الكون، وخالق السنن، ومرتب المسببات على الأسباب، وهو الذي قدر السبب والمسبب، فالكل منه وإليه كما قال تعالى: ﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ (٢) وأمور الدين كأمور الدنيا داخلة في سنن الكون كما خلقه الله وقدره، وهذا هو فهم الرسول (صلى) لآيات الله تعالى، وعنه فهم صحابته ﵃، فجاهدوا في سبيل الله وعملوا في حياتهم على هذا الأساس، حتى أقاموا دينا، وبنوا دولة، وأسسوا خير أمة أخرجت للناس، ولن تجد في مسيرتهم الطويلة موضعا للتواكل والاعتماد على القدر مع ترك الواجب. القضاء والقدر الخلاصة والخلاصة التي يمكن الاهتداء إليها والاعتماد عليها أخذا بما ورد في كتاب الله تعالى أن الله تعالى ثبت له العلم والقدرة والإرادة، فما من شيء إلا وهو داخل تحت علمه تعالى ومخصص بإرادته ومنفذ وواقع بقدرته. كما ثبت أن للإنسان علما وإرادة وقدرة، وأن ما ثبت للإنسان هو مستمد من الله تعالى، كما ثبت أن قضية القضاء والقدر مبنية على ثبوت علم الله تعالى وإرادته وقدرته.

стр. 109

وأن ثبوت حرية الإنسان في عمله الإرادي ناشىء عما وهبه الله وأعطاه من علم وإرادة وقدرة، وأن تكليف الله عباده ومجازاتهم على أعمالهم مترتب على ذلك أيضا. والمنطقة المجهولة التي لم يستطع الإنسان أن يكشف غامضها إلى اليوم هي منطقة نوع الصلة بين علم الله تعالى وإرادته وقدرته، وبين علم الإنسان وإرادته وقدرته. ولكن هل هذه وحدها هي منطقة الغموض فيما يتصل بشأن الله تعالى؟ إن جميع صفات الله تعالى نحن لا نعرف منها إلا أسماءها وبعض آثارها، أما حقائقها فهي كذاته تعالى: يستحيل على الإنسان إدراكها. وإذا كنا نؤمن بذلك إيمانا لا شك فيه، فلماذا إذا نأتي إلى قضية القضاء والقدر فنحاول سبر غورها، وإدراك سبر غورها، وإدراك حقيقتها، وهي لا تعدو أن تكون شأنا من شؤون الله تعالى وخاصة به وليست شأنا من شؤون البشر؟. إن الله تعالى خلقنا وأمرنا ونهانا، وخاطب عقولنا، وكرم فينا إنسانيتنا، وعاملنا بقدر ما أعطانا من قدرة فهم، وقدرة عمل، وجعل حياتنا في عمومها تقوم على الأسباب والمسببات، سواء فيها عالمها العلوي وعالمها السفلي، وسواء فيها الإنسان وغيره من المخلوقات، والله تعالى ثبت لنا من صفاته مع العلم والإرادة والقدرة صفات الحكمة والعدل والرحمة وأنه لا يظلم مثقال ذرة، ولا يكلف نفسا إلا وسعها، وأنه رفع القلم عن النائم والمجنون والصبي والمكره. فعلينا إذن أن نشغل أنفسنا بما هو مطلوب منا، ولن نجد القدر يوما معوقا لنا بل سنجده يساعدنا ويمدنا بالقوة ويأخذ بأيدينا ما دمنا عاملين مخلصين. ولماذا كان موضوع القدر هو الشاغل لأمة الإسلام في حال ضعفها وتأخرها وانحطاطها؟ أليس ذلك ليجد المهمل والمقصر والمتواكل وجميع

стр. 110

الحمقى مظلة يترامون تحتها في بلاهة وغفلة وسقوط يسمونها القضاء والقدر؟ والله يعلم أن القضاء والقدر بريئان من أمثال هؤلاء الذين كانوا خزيا لأمتهم، وعارا لدينهم، وعبئا على الذين يريدون أن ينطلقوا باسم الله كما انطلق آباؤهم الأولون، في بناء وعبادة ونفع للإنسانية ودفع لركبها إلى حضارة نظيفة مؤمنة، تنفيذا لأمر الله القائل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)

стр. 111

النبوات وإرسال الرسل تمهيد الله لطيف بعباده، وأرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، وعلاقته بهم في المعاملة قائمة على الكرم الإلهي، والعفو والمغفرة، وإنارة سبل الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة، ولا يأخذ الله تعالى عبده بالشدة إلا ليربيه نتيجة انحرافه فينأى عن الضلال ويستقيم مع ربه، أو ليجازيه بعدله على تمرده وظلمه وعصيانه بعد أن أمهله فلم يزدجر، ووعظه فلم يتذكر، ودعاه فلم يلب النداء. هذه هي أصول المعاملة بين الله وبين عباده، ولا يمكن معرفة الخط الإلهي الحكيم وإدراك التشريع الرباني الكامل، والشعور بما بين العبد وربه من علاقة طيبة رحيمة جميلة إلا إذا نزل بذلك من عند الله كتاب فيه ما يريد الله أن يقوله لعباده، وما يأمرهم به وما ينهاهم عنه، ويرشدهم إليه لتتحقق مصالحهم في دنياهم، وليجازيهم بما رتبه على أوامره ونواهيه من جزاء. وفيه بيان أنواع العلاقات بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والأشياء. وفيه بيان بعض ما في الكون من مخلوقات لها صلة بالإنسان مع أنه لا يراها وعليه أن يتخذ منها مواقف معينة كالملائكة والجن والشياطين وغيرهم. وفيه بيان مصير الإنسان وجزائه، في اليوم الآخر بالجنة أو النار، وفيه غير ذلك مما لا يمكنه الوصول إليه عن طريق آخر غير طريق الوحي الإلهي المنزل على نبي أو رسول اختاره الله سبحانه واصطفاه ليتلقى عن الله وحيه ويبلغه إلى الناس ويسير فيهم على هدى هذا الوحي منفذا له ومطبقا بدقة لكل ما فيه من تشريعات وأخلاق وآداب.

стр. 112

إذا فالكلام على النبوات يشمل: (١) الكلام على النبي والرسول الذي اختاره الله لوحيه ورسالته وأيده بمعجزته، (٢) والكتاب الذي أنزل عليه، (٣) وكيفية التلقي عن الله تعالى وعن ملك وحيه، وإليك تفصيل البيان في ذلك. النبوات وإرسال الرسل الفرق بين النبي والرسول النبي هو من أوحى الله تعالى إليه بشرع، وسمي نبيا لأنه نبئ وأخبر من قبل الله تعالى، فإن أمر بتبليغ الشرع إلى الخلق سمي رسولا أيضا، لأن الله أرسله وبعثه إلى خلقه ليبلغهم شرعه، فهو إذا مرسل ومبعوث وموفد من قبل الله تعالى إلى الخلق برسالة معينة. ومن أجل ذلك سمي رسولا، أما إذا لم يؤمر بالتبليغ فهو نبي فقط وليس رسولا لأن معنى النبوة تحقق فيه ولم يتحقق فيه معنى الرسالة: فكل رسول نبي ولا عكس. فإذا انتفت النبوة عن شخص انتفت الرسالة عنه ولا بد، لأنه لا يرسل إذا أنبأه الله وأخبره بأنه اختاره واصطفاه لوحيه أولا، ثم يخبره بأنه أرسله إلى من أرسله إليهم بعد ذلك، فالنبوة هي طريق الرسالة، ولا رسالة بدون نبوة، لذلك كان إخبار الله تعالى في القرآن بأن محمدا ﷺ خاتم النبيين دليلا على أنه لا نبي ولا رسول بعد محمد ﷺ وهو تعبير موجز بليغ رائع. قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (١). ولم يثبت أن نبيا من الأنبياء كان عبدا مملوكا لأحد من الناس، كما لم يتأكد أن أحدا منهم كان أنثى، أو أن رسولا كان من الجن أو الملائكة وأرسل إلى الإنس ليعيش معهم، لذلك قال العلماء في تعريف النبي: إنه

стр. 113

"إنسان-ذكر حر- أوحى إليه بشرع، فإن أمر بتبليغه فهو رسول أيضا وإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي فقط. وهذا هو القول المشهور في الفرق بين الرسول والنبي، وهناك رأي يقول: إن الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يشمله ويشمل من بعثه الله لتقرير شرع من قبله مثل أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيس ﵉ ولذلك شبه علماء أمة الإسلام بهم، وقيل: الرسول من جمع الى المعجزة كتابا منزلا عليه، والنبي غير الرسول من لا كتاب له، وقيل: الرسول من يأتيه الملك بالوحي والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام" ١. هـ. من شرح العقائد النسفية ص ٣١. كما يشترط أن يكون النبي أو الرسول خاليا من العيوب التي تنفر الناس منه لأن وجودها يمنع الفائدة من رسالته، فما قيل عن أيوب ﵇ من أنه مرض مرضا منفرا كذب وافتراء عليه. النبوات وإرسال الرسل الإيمان بالرسل والأنبياء جملة وتفصيلا الإيمان بالرسل والأنبياء واجب، لأنه أصل من أصول الدين من أخل به كفر. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ (١). فيجب على كل مكلف أن يعتقد أن الله ، أرسل رسلا مبشرين بثوابه، ومنذرين بعقابه، قاموا بتبليغ ما أمروا به على خير وجه، وأن يعتقد أن تصديقهم واجب، وأن منلصرتهم فريضة، وأن الاقتداء بهم لازم، وأنه هو طريق النجاة من غضب اله وعذابه، كما يؤمن بأنهم مؤيدون من عند الله تعالى بالمعجزات الدالة على صدقهم.

стр. 114

ويجب الإيمان إجمالا بجميع أنبياء الله ورسوله بدون حصر، لأن حصرهم غير معلوم بنص القرآن، لقوله تعالى: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً (١٦٤) رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٢). والحديث الذي ورد فيه أن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا وأن عدد المرساين منهم ثلثمائة وثلاثة عشر رسولا لم يثبت عن الرسول ﷺ . بل هو دائر بين الضعف والوضع فلا يصلح الاعتماد عليه. ويجب الإيمان تفصيلا بالمرسلين الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، وعددهم أربعة وعشرون، وهم حسب ترتيب وجودهم: آدم-إدريس-نوح-هود-صالح-إبراهيم-لوط-إسماعيل-إسحاق-يعقوب-يوسف-شعيب-موسى-هارون-يونس-داود-سليمان-إلياس-اليسع-زكريا-يحيى-عيسى-محمد. عليهم الصلاة والسلام وعد أكثر المفسرين منهم (ذا الكفل) فيكون عددهم خمسة وعشرين رسولا ذكرت آيات الأنعام-٨٣ - ٨٤ - ٨٥ - ٨٦

стр. 115

منهم ثمانية عشر، ويبقى سبعة ذكرهم أحد الشعراء مع الإشارة إلى آيات الأنعام في البيتين الآتيين: في تلك حجتنا منهم ثمانية ... من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا وأولو العزم من الرسل عددهم خمسة على الترتيب الآتي مبدوءا بأعلاهم منزلة: محمد- إبراهيم - موسى - عيسى - نوح - عليهم الصلاة والسلام قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (١). وسموا بذلك لأنهم صبروا على أذى قومهم وصبروا على المشاق والمتاعب وتحملوا أكثر من غيرهم. النبوات وإرسال الرسل هل يمكن اكتساب النبوة والرسالة ؟ والنبوة والرسالة لا يمكن لأحد أن يكتسب إحداهما عن طريق المجاهدة والرياضة والتقوى وغيرها. لأنهما منحة من الله تعالى يختص بهما من يشاء من عباده ويتفضل بهما على من يختاره من خلقه. فهما إذن من شأن الله وحده لا دخل للخلق فيهما بأي وجه من الوجوه: قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٣).

стр. 116

ولا عبرة بقول من قال من الفلاسفة: إن النبوة يمكن اكتسابها بمباشرة أسباب مخصوصة كملازمة الخلوة والعبادة، وأكل الحلال ... الخ، لأنه لم يقم على ذلك دليل عقلي ولا شرعي. وهم في ذلك خلطوا بين النبوة والولاية التي سيأتي الكلام عنها. وإرسال الرسل من الأمور الجائزة، في حق الله تعالى، فهو تعالى يجوز في حقه أن يرسل إلى الناس رسلا، ويجوز ألا يرسل، لكنه تعالى أخبر من جهة الشرع أنه لا يؤاخذ أحدا على خطأ ارتكبه إلا إذا أرسل إليه رسولا يعلمه ويرشده، ويبشره وينذره كما سبق، وأخبر تعالى أنه أراد وقرر إرسال الرسل إلى عباده رحمة بهم، لأن عقلهم وحده غير كاف في هدايتهم وإسعادهم، وما دام قد أراد الله ذلك وقرره فلا بد من وقوعه شأن كل شيء أراده الله تعالى وقرره من الأمور الجائزة في حقه تعالى: النبوات وإرسال الرسل الفرق بين الرسل والفلاسفة وأشباههم ١ - قال المرحوم محمد رشيد رضا: إن حكمة الحكماء، وعلوم الفلاسفة آراء بشرية ناقصة، وظنون لا تبلغ من عالم الغيب إلا أنه موجود ومجهول، وهي عرضة للتخطئة والخلاف، ولا يفهمها إلا فئة مخصوصة من الناس- وما كل من يفهمها يقبلها، ولا كل من يقبلها ويعتقد صحتها يرجحها على هواه وشهواته، إذ لا سلطان لها على وجدان العالم بها، فلا يكون لها تأثير الإيمان وإسلام الإذعان والتعبد، لأن النوع البشري يأبى طبعه وغريزته أن يدين ويخضع خضوع التعبد لمن يعتقد أن له سلطانا غيبيا عليه بما يملكه من القدرة على النفع والضر بذاته دون الأسباب الطبيعية المبذولة لجميع الناس حسب سنة الكون. وأضيف إلى ما قاله الأستاذ ما يأتي: ٢ - إن الرسل يتلقون عن الله تعالى دينه ويبلغونه للناس بأمانة وليس

стр. 117

لهم رأي في الدين إلا في الحدود التي أذن الله لهم فيها، وليس ذلك شأن الفلاسفة الذين يعتمدون على العقل فقط، والعقل وحده ثبت عدم كفايته. ٣ - الرسل طائفة ممتازة من البشر يختارهم الله تعالى بنفسه، ويصنعهم لرسالته، ويربيهم بحكمته، ويعصمهم من الزلل والإثم والفواحش حتى يصلحوا للقيادة بعد نزول الرسالة عليهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١). وقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٢). وقال لمحمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣). ٤ - رسالات الرسل تنزل من عند الله تعالى- وهو أعلم بخلقه- لتصنع لهم الحياة الطيبة في جميع النواحي سواء أكانت شخصية أم اجتماعية أم اقتصادية أم ساسية، وسواء اتصلت بالفرد أم بالجماعة أم بالأمة أم بالإنسانية. والرسالات في ذلك تعالج الأمور بما يتفق مع الغرائز والعواطف والاحتياجات المختلفة، وكل متطلبات الإنسان.

стр. 118

والرسالات ترعى مع ذلك التواؤم بين الإنسان وبين ما يحيط به من جميع المخلوقات سواء منها الحيوانات والحشرات والنباتات والبحار والجبال وغيرها، وهذا الشمول الناجح المؤتلف مع جميع الأشياء المعالج لجميع الأمراض، المدرك لخفيات الأمور، الذي يتحسس نبضات القلوب فيرعاها، وخلجات النفوس فيحنو عليها لم يوجد لأي فيلسوف ظهر على وجه الأرض. ٥ - من التاريخ الإنساني ندرك أن الفلاسفة لم ينجحوا في إقامة دولة أو أمة على فلسفتهم ومبادئهم، وذلك بسبب عجز الفلاسفة عن سد حاجة البشرية، ومن قيل عنه: إن أمة من الأمم قامت على فلسفته فإنك بالبحث ترى أن الفلسفة التي جاء بها الفيلسوف ليست هي التي جمعت عليها الأمة، وإنما هناك مؤثر آخر هو القوة والضغط، والتعذيب، والتنكيل، فهي ليست أمة قائمة على فلسفة اقتنعت بها، وإنما هي فلسفة ضيقة عذبت في سبيلها أمة، وحطمت نفوسا بشرية، وجعلت الحياة على سعتها سجنا لأهلها. فأين هذا من قول الله لرسوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ (٢). ولذلك نجح الأنبياء نجاحا منقطع النظير في تكوين الأمم التي آمنت برسالتهم، ونجحوا في إسعادهم وإعزازهم، وفي توفير حياة الحرية والكرامة والسيادة والقوة لهم، ما دام المؤمنين ملتزمين بتعاليم هؤلاء الأنبياء. وذلك أمر لا يشك فيه عاقل.

стр. 119

لذلك كله تجد العلماء والمفكرين المنصفين عرفوا للرسل مكانتهم، ووضعوهم في الموضع اللائق بهم بالنسبة لحاجة الناس إليهم، وضرورة الأخذ بما جاءوا به من دين-فيقول ابن القيم في ذلك: إنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ور في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إل على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجع الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال. وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلالة، فالضرورة إليهم اعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة؟؟ فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء من الرسول كهذه الحال بل أعظم، ولكن لا يحس بها إلا قلب حي، وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ ، فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلية ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه. والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. النبوات وإرسال الرسل وظائف الرسل الرسل سفراء بين الله تعالى وبين خلقه يقومون بأخطر عمل بالنسبة لقومهم، فهم: ١ - الرسل يتلقون الوحي والعلم والدين عن الله على الوجه والكيفية التي يختارها الله تعالى:

стр. 120

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ (١). ٢ - ويبلغون رسالات الله إلى عباده، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢). ٣ - ويشرحون كتب الله. ويبينون للناس ما أبهم عليهم منها، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣). ٤ - وينفذون دين الله ويطبقونه بكل دقة لتقتدي بهم أممهم وتسير على نهجهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤). (أي قدوة حسنة) ٥ - ويقومون بمناقشة من أرسلوا إليهم ومجادلتهم لإقناع من يقتنع، وإبطال حجج من يكابر ويعاند، ولإزالة الشبهات، والإجابة على جميع التساؤلات المهمة، ومعالجة هذه الأمور بالرفق والحكمة والحجة حتى لا يبقى لعداء الله شبهة، وحتى لا تكون لهم يوم يجازون على مواقفهم من المرسلين حجة-قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٥).

стр. 121

٦ - يقومون بتربية أتباعهم تربية عالية ربانية تليق بإيمانهم بربهم، وتعدهم للشرف العظيم الذي ينتظرهم يوم لقائه وتحيته تعالى لهم وتكريمهم بنعيمه الذي لا ينفذ، كما تعدهم هذه التربية لتحمل الأمانة مع رسولهم وبعده ثم يورثونها من بعدهم جيلا بعد جيل. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (١). وبذلك تدرك مدى أهمية الرسل بالنسبة لصلتهم بالله ولعلمهم في أممهم، ومن أجل هذا رأى العلماء أن الرسل يجب عقلا وشرعا أن يتصفوا بصفات معينة لا يتصور العقل ولا يرضى الشرع انتفاء صفة منها عن أي رسول. وقد حصروا هذه الصفات في أربع هي: الصدق-الأمانة-التبليغ-الفطانة. فيجب اتصاف الرسل بهذه الصفات الأربع، ويستحيل عليهم أضدادها وهي: الكذب، والخيانة، والكتمان، والبلادة. وسيأتيك ذكر ما يجوز في حقهم عليهم الصلاة والسلام. وإليك تفصيل الكلام في ذلك: النبوات وإرسال الرسل ما يجب قي حق الرسل من الصفات وما يستحيل ١ - الأمانة أو العصمة يجب للرسل عليهم الصلاة والسلام الأمانة، وهي العصمة. ومعناها حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمعصية. ويستحيل عليهم ضدها- وهي الخيانة.

стр. 122

فهم محفوظون ظاهرا من الزنا وشرب الخمر، والسرقة، والكذب، وأمثال ذلك من المنهيات والمستقبحات. كما أنهم محفوظون باطنا من الحسد والكبر والرياء وأمثال ذلك من المنهيات الباطنة. والدليل على وجوب اتصفاهم بالأمانة أنهم لو خانوا بفعل المعصية لكان أتباعهم مأمورين من الله بفعل المعصية التي فعلها الرسول، لأن أتباع الرسل مأمورون من الله باتباع الرسل في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم من غير تفصيل، والله تعالى لا يأمر بالمعصية: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء﴾ (١). فالأنبياء إذن معصومون من الله تعالى من الوقوع في المعصية سواء أكانت هذه المعصية صغيرة أم كبيرة. وذلك ما يتفق مع جلال أعمالهم وشرف رسالتهم وصلاحيتهم للقدوة الواجبة على أتباعهم والطاعة المفروضة لهم على هؤلاء الأتباع. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (٣).

стр. 123

النبوات وإرسال الرسل شبهات حول عصمة الأنبياء والمرسلين قد ورد في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ ما ربما فهم منه وقوع الأنبياء في الذنوب والمعاصي، وهنا يجد المغرضون وأعداء الدين مجالا يحاولون فيه تسميم الأفكار، وبلبلة النفوس بزرع الشك فيها، ويجترئون على رسل الله وصفوة خلقه بوصفهم بأوصاف لو وصفت أنت بها زعيمهم الذي يتبعونه ويؤمنون به لهاجوا وماجوا وآذوا، وتوقحوا، واعتدوا على من يتنقص زعيمهم بكل ما أمكنهم الاعتداء به. مع أن ما ورد في حق الأنبياء مما يوهم مخالفتهم هو نفسه أكبر دليل على عصمتهم كما أنه أكبر دليل على أن الله تعالى يعامل أنبياءه معاملة خاصة فيها شدة أكثر وتكليف أشق، ليتناسب ذلك مع مكانتهم عند الله. وللرد على هذه الشبهات نذكر أولا أصولا عامة على المسلم فهمها ووعيها فنقول: ١ - إن المنطق السليم والتفكير العقلي الواعي يوجب الاعتقاد بأن هذه الطائفة المختارة من الله، والتي تميزت عن جميع البشر باصطفاء الله لها لتلقي وحيه وتبليغ رسالته، والتي تربي الأمم، وتكون قدوة يجب اتباعها ةترسم منهجها. لا بد من أن تكون متصفة بصفات نفسية وخلقية وروحية تتفق مع جلال وعظمة وظيفتها. وأقل تطبيق لهذه الصفات ألا يقع الرسل في أمر نهى الله عنه، وألا يتورطوا في ذنب أو معصية. بل لا يليق بهم عقلا أن يقعوا أثناء رسالتهم في أمر مكروه أو الأولى تركه شرعا. إن وقوعهم في معصية أو ذنب أثناء الرسالة يتناقض مع جلال رسالتهم، ووجوب اتباعهم.

стр. 124

٢ - الله تعالى وصف المرسلين في القرآن بأوصاف تدل على اختياره لهم وتمييزهم عن غيرهم ووضعهم في درجات فوق مستوى غيرهم من البشر، فلو ارتكبوا ذنوبا، أو وقعوا في معصية لكانوا مساوين لأي فرد من عامة البشر، وذلك ما لا يتفق مع الأوصاف التي ذكرهم الله بها في كتابه، والتي يجب الإيمان بها لثبوتها بدليل قطعي، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١). وقال تعالى في جملة من المرسلين: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣). وقال تعالى في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤). وقال تعالى في حق موسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾ (٥).

стр. 125

وقال تعالى في شأن ثمانية عشر رسولاً: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١). وقال تعالى في حق نبينا ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). ٣ - إن جميع المرسلين يأمرون بأمر الله وينهون بنهيه، ويعلنون الثورة على الباطل الذي يغشاه قومهم، ويحاربون في وضح النهار العبادات الباطلة، والتقاليد الضارة، والأخلاق الفاسدة، ويقفون وحدهم أمام الجبابرة، والعتاة، وعظماء الناس، ورؤسائهم، وملوكهم، يناقشونهم بالحجة، ويثبتون رسالتهم بالمعجزة، ويسخرون من عقول الكافرين ومن معبوداتهم المقدسة عندهم، ويهددونهم بالويل والهلاك من الله إن لم يستجيبوا لداعي الحق. ولا بد حينئذ من أن يبذل أهل الباطل- وفي يدهم إمكانيات كثيرة، ولهم أتباع يسمعون لهم ويطيعون، وفي يدهم قوة المال والجيش والشعب- لابد من أن يجتهدوا في حرب هؤلاء المرسلين، لإبطال حججهم وصرف الناس عنهم. وأسهل شيء يفعلونه ضدهم- وهو في نفس الوقت أخطر سلاح- أن يبحثوا في "أرشيف" هؤلاء المرسلين لعلهم يعثرون على سقطة أو زلة، فيكفي لو وجدوها أن يرفعوها في وجه الرسول فينتهي كل شيء. ولكن أصدق مرجع في تاريخ المرسلين مع أممهم- وهو القرآن الكريم- لم يذكر حادثة واحدة اتهم بها الكفار رسلهم وتصلح أن تكون ثلمة في أخلاقهم ونقصا في حقهم، با إن ما وجه من تهم إلى الرسل لم يكن إلا افتراء اكتشف في حينه، وباء المفتري بالخزي والسخرية بين قومه.

стр. 126

ولقد نجح المرسلون نجاحا لم ينجح ولن ينجح مثله أي زعيم أو مصلح، أو فيلسوف، وكان نجاحهم شاملا جميع نواحي الحياة. وقام نجاحهم على الإقناع بالحجة والموعظة الحسنة، والمجادلة النظيفة ولو وجدت في حياتهم لوثة لسقطت معها أقوى حجة. ولذلك أوضح القرآن الكريم الآثار السئة المترتبة على الكلوة الطيبة حين تصدر من إنسان لا يمثلها ولو كان مؤمنا عادياً فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١). ٤ - إن أي رسول مهما علا شأنه، وعظمت مكانته لا يزيد عن كونه عبدا لله تعالى. وعظمة الرسالة أساسها الشعور بذل العبودية وعرفان الرسل أكثر من غيرهم بحق الإلهية. وبذلك جاء وصف كثير منهم في مجال مدحهم وإظهار رضاء الله تعالى عنهم وتكريمه إياهم. فقال تعالى في شأن محمد ﷺ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (٤).

стр. 127

وفي القرآن من ذلك كثير. وما دام الشعور بذل العبودية وضعفها واحتياجها إلى ربها الكبير المتعال العظيم ذي الفضل والإنعام- ما دام هذا الشعور هو أصل وسر جلال الرسالة فكلما زاد هذا الشعور بالعبودية وعظمة الربوبية زاد معه الكمال والترقي. وذلك مبدأ مستقر في النفوس. وتجد له أمثلة في الناس خصوصا بين الرؤساء والملوك وبين المحيطين بهم. فكلما كان المخالط المقرب لهؤلاء الرؤساء خبيرا بواجبه نحو رؤسائه، قالئما بحقهم، مراعيا لمرضاتهم كان ذلك سبب زيادة تكريمه ورفعته ودوام نعمته. وحين يتغاضى هذا المقرب أي تغاض - ولو كان غير مقصود - عن القيام ببعض ما ينبغي - وقد يكون ما ينبغي أمرا ليس في حساب أحد اعتباره حين يفعل ذلك يعاتب من رئيسه أو يلام فيظن من يسمع اللوم أنه أذنب ذنبا حقيقيا. وليس الأمر كذلك، إنما هي تكاليف المقامات العالية وضريبة القرب ممن بعدت في العظمة مكانته- وهذا مثل ضربته لتقريب المعنى- إذا كان هذا الأمر مركوزا في الفطر وعهودا عند الناس، فغنك تستطيع أن تنطلق من هذا الفهم إلى ما بين المرسلين وبين ربهم (ولله المثل الأعلى) فمقام العبودية يوجب على الأنبياء المحاولة الدائمة لطلب الكمال عند الله- والكمال اللائق بجلال الله تعالى غير ممكن للبشر. لأن البشر يعيشون حياتهم في حدود بشريتهم لذلك شعر الأنبياء والمرسلون دائما بأنهم عبيد مقصرون في حق الله تعالى مع أنهم في غاية الكمال الإنساني. من أجل ذلك تجد هؤلاء المرسلين يكثرون التوبة إلى الله. ويخافون ربهم أكثر من غيرهم. ويبكون البكاء الحار. ويجهدون أنفسهم أضعاف أضعاف ما يجهد أقوى رجل مؤمن من أتباعهم نفسه. لماذا كل هذا؟ ألأنهم وقعوا في فاحشة؟ ألأنهم بارزوا ربهم بمعصية؟ ألأنهم فعلوا ما نهوا عنه وتركوا ما أمروا به؟ كلا. وألف كلا، وإلا لانهدم كل صرح أقاموه ورفض كل دين جاءوا به.

стр. 128

إنهم يعبدون بقوة الرب الذي رباهم وقربهم وأحبهم. وأعطاهم مقاليد البشر. . إنهم يخشون التقصير في حق الله وهو مالك أمرهم. وإليه مرجعهم. . إنهم يبكون على أنفسهم لعجزها عن عبادته تعالى عبادة تليق بجلاله وكماله. ولا أحد من البشر يستطيع أن يبلغ بعبادته هذا المستوى. وهم مع ربهم في هذا المقام يشعرون برحمته بهم وعطفه الكبير عليهم وزيادة تكريمه لهم، فبناء على ما بينهم وبين الله تعالى من قرب وود، يصف الله عجزهم بأنه معصية، وقصورهم بأنه ذنب ويشتد عليهم- فيما يبدو للناس- في العتاب ولكنه بأسلوب يفيض حنانا وعطفا ورحمة وعفوا. لذلك لا تستطيع أن تجد في القرآن الكريم نوعا من العتاب إلا وتجد معه ما يقابله من الرحمة والتكريم والرفعة لمكانة المرسلين الذين عاتبهم الله تعالى وإليك أمثلة لذلك تضيء لك جوانب الموضوع: ١ - فآدم ﵇ قال الله في شأنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (١). هذا هو الخبر والعتاب. ثم قال تعالى بعد ذلك مباشرة: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٢). ففي الآية الأولى كلمتا عتاب هما: "عصى وغوى" وفي الآية الثانية كلمات تكريم وتقريب وتلطف جميل ... كلمات وليس كلمتين- "فعصى" قابلتها كلمة "اجتباه" أي قربه "وآدم" قابلتها كلمة "ربه" وما ألذها من مقابلة، "وغوى" قابلتها كلمة "فتاب عليه" وزيد هنا كلمة

стр. 129

"هدى" فأي معصية هذه التي تجلب ذلك كله؟ وهل هي معصية بالمعنى العام؟ لو كانت كذلك لدخل آدم تحت مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (١). ٢ - وإبراهيم الخليل ﵇: أخذوا عليه قوله في الكوكب وفي القمر وفي الشمس "هذا ربي" متوهمين أن هذا لا يليق بمقام إبراهيم، حتى ولو كان المراد منه التدرج مع قومه في إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته بطريقة تربوية منطقية ... وهذا وهم منهم وجهل بالقرآن نفسه فإن الله تعالى اعتمد هذه الطريقة في كتابه القويم وزكاها. وبين أنها مما أنعم به على إبراهيم حتى صار واسع الأفق ثابت اليقين قوي الحجة مرفوع الدرجة عند ربه. فقبل آيات المناقشة قال تعالى في مدح إبراهيم بسعة العلم وقوة اليقين: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٢). وفي نهاية مجادلة إبراهيم قومه وانتصاره عليهم قال الله تعالى في شأنه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). فهل يجد متوهم مجالا بعد ذلك لوهمه وغروره وتشككه؟! - إن إبراهيم دعا إل ربه بطريقة معينة، وربه زكى طريقته وبين أنها توفيق من الله له فمن الذي يرى لنفسه بعد ذلك وجها يلقى به الله وهو يعترض على إبراهيم وفي الحقيقة إنه يعترض على الله لا على إبراهيم!!! فتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

стр. 130

٣ - واقرأ عن يوسف ﵇ قول الله في شأن ما حدث بينه وبين امرأة العزيز التي فتنت به وغلقت الأبواب وراودته عن نفسه بطريقة مكشوفة وبأسلوب صريح. فقد قال تعالى في قمة هذا الموضوع: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ (١). فقد استغلت الإسرائيليات هذه الواقعة كما استغلها أصحاب القلوب المريضة لينسجوا منها قصة عشق متبادل، وهيام عنيف، وتحرك إلى الفاحشة من كلا الطرفين- يوسف وزليخا- مع أن المقام يدفع عن يوسف كل شبهة ويضعه في قمة الطهارة والعفة ورعاية أسمى آيات النبل والوفاء. فإن الهم المذكور في هذه الآية وضع في غطار من العصمة الإلهية، والتزكية الربانية. بحيث لا يسع أي منصف إلا أن يقف أمام موقف يوسف ﵇ في إجلال وإكبار وإعظام. فقبل هذا الهم قال تعالى في يوسف: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). وبعده يأتي قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣). أما العبارة التي نسجوا منها الافتراء على نبي الله وهي قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ فبعدها قوله: ﴿لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ والمعنى أن يوسف

стр. 131

لولا برهان ربه- وهو اليقين والإيمان وشدة مراقبة الله تعالى- لفتن ووقع في الفحشة، وما دام إيمانه هو الذي عصمه فإنه يستحق الثناء العاطر والثواب الجزيل، وذلك ما نطق به القرآن الكريم، فمن أين لهؤلاء المفترين ما ينسجون وما يأفكون؟؟ ٤ - وداود ﵇ قال الله في شأنه: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ (١). هذا موقف داود -استغفار- وركوع، وتوبة إلى الله- فما موقف العناية الربانية منه؟ قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (٢). فداود فقط ظن أنه امتحن وأنه قصر فيما يناسب عظيم مكانته عند ربه. فانفطر قلبه استغفارا، وطأطأ رأسه سجودا، وأعلن التوبة بكاء .. فبماذا قوبل من ربه؟ أفاض عليه مغفرة، وزيادة قرب، وتمام نعمة في الآخرة ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي مرجع، وأعطاه زيادة تمكين في الدنيا ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ كل ذلك وخطأ داود غير معروف، وربه لم يذكر أنه أخطأ فكيف افترى الكاذبون قصصا حول هذا الموقف وتنقصوا داود بإفكهم وافترائهم؟ وليس لهم حجة ولا برهان على ما قالوه زورا وبهتانا؟؟ ٥ - وسليمان ﵇: قال الله تعالى في شأنه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ (٣).

стр. 132

ما هي هذه الفتنة وما هذا الامتحان الذي مقع فيه سليمان؟ لم يأت دليل من قرآن أو سنة صحيحة يخبرنا عن نوعه، وكل الذي جاء هو حديث صحيح ذكر أن سليمان ترك قول (إن شاء الله) فعوتب على ذلك ولم يذكر الحديث أن هذا العتاب هو نفسه الفتنة التي وقع فيها سليمان، ولكننا نجد أنفسنا مسوقين إلى القول بأن هذا الحديث هو وحده الذي يصلح تفسيرا وشرحا لنوع هذه الفتنة ونوع الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل (نصف رجل) والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون" فجائز أن يكون الجسد الذي ألقى على كرسيه هو هذا الوليد الشق، وهو أقرب الاحتمالات، وجاءت به الرواية الصحيحة. فلا داعي للتجديف في حق هذا الرسول اتباعا لأهواء المغترين، والدليل على أن هذه الفتنة هي من نوع ما بين الخواص وبين ربهم ما جاء بعد هذه الآية من طلب سليمان ﵇ مزيدا من نعم الله وإعطاء الله إياه ما طلبه وأكثر منه- اقرأ هذه الآيات يتضح لك ذلك: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً

стр. 133

مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ (١). ولم أذكر ما حصل من موسى ﵇ من قتله القبطي بوكزة، لأن ذلك مع أنه كان قبل النبوة فإن موسى لم يرد بالوكزة قتل القبطي ولم يكن يدري أنه أوتي من القوة فوق ما أوتي غيره من بني عصره. والموقف كله كان موقف دفاع لا أكثر. وأمره واضح. ٧ - وأما محمد ﷺ فإن القول في جنابه وساحته يجب أن يكون في غاية الأدب والخشوع والإكبار والاحترام لهذه الشخصية العظيمة الفذة إنه ﷺ عبد خاضع لربه، أعطى عبوديته كل ذله وخشوعه وخضوعه. وأعطاه ربه من التكريم ما لم يط أحدا غيره. ولا تجد في القرآن الكريم صورة ظاهرها العتاب من الله لحبيبه إلا وتجد إطار هذه الصورة وظلالها وملامح جوهرها تفيض حبا وتعظيما وتكريما وثناء عاطرا من الله لحبيبه محمد ﷺ كما تجد الجو الذي وضعت فيه هذه الصورة كله جوا جميللا مزهرا معطرا من الحبيب محمد ﷺ . وأسوق لك مثلا على ذلك: قصة زواج زيد بن حارثة الذي كان مملوكا للنبي ﷺ فأعتقه النبي ثم تبناه أعني اتخذه ولدا على عادة العرب حينئذ ثم زوجه بأمر الله تعالى زينب بنت جحش ابنة عمته ﷺ . وكانت كارهة هذا الزواج لأنها حرة وزيد مولى من الموالي. وكان أخوها عبد الله بن جحش كارها أيضا هذه المصاهرة غير المتكافئة في نظره، ولم ينفذها هو وأخته إلا بعد نزول قوله تعالى:

стр. 134

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾. (١) وأراد الله تعالى من هذا الزواج إبطال تقليد اجتماعي خطير من مبادئ الجاهلية، وهو أن يكون للابن المتبني كل ما للابن الصلب من الحقوق والأحكام سواء في ذلك الميراث وحرمة تزوج الأب من زوجة ابنه المتبني وغير ذلك. فكان زواج زيد بن حارثة من زينب توطئة لذلك. فقد أخبر الله نبيه محمدا ﷺ بالوحي بأن زيدا سيطلق زينب ثم تتزوجها أنت بعده لإبطال هذه العادة الجاهلية عمليا على يد رسول الله نفسه حتى ينحسم الأمر نهائيا وبصورة قاطعة. وجاء زيد بن حارثة يشكو إلى رسول الله ﷺ زينب، وأنها تتعالى عليه، وأن العشرة بينهما غير مستطاعة. والرسول ﷺ وحده يعلم أن الطلاق سيتم ولكنه قال لزيد: (أمسك عليك زوجك واتق الله). إنه يريد أن يعالج الأمر على طريقة البشر في مثل هذه الأمور الحرجة بالتدرج، كما أنه مع علمه بالنتيجة لم ينزل عليه من الله توقيت معين للتنفيذ، فله إذن حرية التصرف حتى يبلغ الأمر مداه، وهو مع ذلك ينظر إلى القضية على أنها خطيرة، وسوف تثير حوله الأقاويل والأراجيف إلى أبعد مدى، والمدينة مشحونة بأعدائه من اليهود والمنافقين المتربصين لكل حركة وكل كلمة. وتزوج إنسان عادي زوجة آخر بعد الموافقة على تطليقها منه كثيرا ما يكون سببا في هدم شخصية الزوج، وتنقيص مكانته بين الناس، فما بالك

стр. 135

إذا كان الذي وافق على الطلاق وتزوج المطلقة هو رسول الله ﷺ ، وكانت المطلقة قبل طلاقها زوجة من يسميه العرب ابن محمد) لذلك كان لا بد من نزول قرآن يحسم الموقف، ويشرح القضية ويذكر جميع ملابساتها ويدفع الرسول ﷺ إلى السرعة في التنفيذ بأسلوب التهييج والإثارة. وهو أسلوب بلاغي معروف لدى العرب. قال تعالى في القضية كلها: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ (١). وهنا تعلق المغرضون بقوله تعالى لرسوله (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) وظنوها غلطة لا تليق بمقام الرسالة، وافتروا على الله وعلى رسوله فيما يتوهمون، ولو تذوقوا الأسلوب القرآني لوجدوه يستعمل مثل هذا التعبير في التهييج والدفع إلى الشيء الخطير وتنفيذ أمر ذي شأن كبير وأهمية معينة. قال تعالى في حض المؤمنين على قتال أعدائهم: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ (٢).

стр. 136

والذين يقال لهم هذا هم الصحابة رضوان الله عليهم وشأنهم في التزاحم على جهاد أعداء الله معروف، وقال تعالى في إثارة النفوس لتنفيذ حد الله (حد الزنا): ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). ومثل هذا الأسلوب في القرآن كثير، وهو لا يراد به التنقيص، إنما يراد به الإثارة والتهييج ... ولكي ترى الصورة على حقيقتها عليك أن ترى الإطار الذي وضعت فيه هذه العبارة (وتخشى الناس). فإنها جزء من آية جاء فيها بعد هذه العبارة (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) .... فالله تعالى هو الذي تولى تزويج رسوله لإبطال هذه العادة ويكفي رسول الله شرفا أن الله هو الذي زوجه .. وقبل هذه الآية وبعدها في نفس السورة آيات عديدة كلها تكريم ورفعة لمقام رسولنا محمد ﷺ . منها قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٤).

стр. 137

فهل تجد بعد هذا تكريما لرسول الله ﷺ ؟؟؟ هذا وقد ضربت لك أمثلة فقط لم أرد بها الاستقصاء، ولكن أردت للقارئ أن يحيا معي في هذا الجو الإلهي، وأن يحاول التمتع بما في كتاب الله تعالى من كمال واتساق حتى يرى الأمور على حقيقتها بغير زيف أو تضليل أو تحريف، وصدق الله القائل: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ (١). هذه الأصول التي ذكرتها لك هي خلاصة ما ذكره الفخر الرازي في كتاب عصمة الأنبياء، وما ذكره غيره من العلماء وما فتح الله به علي فيما يتصل بوجوب اعتقاد عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإن ألأحت عليك- بعد معرفة الأصول التي مرت بك- شبهة حول رسول من رسل الله ذكرتها لآية من آيات الله أو حديث من أحاديث رسول الله ﷺ فعليك بالتفاسير المتحررة من الإسرائيليات مثل تفسير الفخر الرازي والألوسي والبيضاوي والقاسمي والمراغي وظلال القرآن. وبالنسبة للأحاديث عليك بشراح الأحاديث البعيدين عن الخرافات مثل ابن حجر في فتح الباري والنووي في شرح مسلم والشوكاني والأحوذي وأمثالهم، والله الموفق. ٢ - الصدق: يجب الإعتقاد بصدق الرسل عليهم الصلاة والسلام. وبأنهم يستحيل عليهم الكذب استحالة عقلية وشرعية. فأما وجوب صدقهم واستحالة كذبهم فيما يبلغون عن الله تعالى فدليله أنهم لو كذبوا في ذلك للزم الكذب في خبره تعالى: لأن الله تعالى صدق رسله بتأييدهم بالمعجزات، فإن المعجزة التي يظهرها الله تعالى على أيدي رسله منزلة قول الله تعالى للمرسل إليهم: "إن رسولي صادق في قوله بدليل تأييدي له بالمعجزة التي لا يقدر عليها أحد سواي".

стр. 138

فلو كان الرسل كاذبين لكان الكذب منصبا على المعجزة أيضا (أي على ما يعتبر خبرا عن الله تعالى بتصديق رسله) لكن الكذب في خبر الله تعالى محال. فكذب الرسل فيما يبلغون عن الله تعالى محال، فثبت صدقهم فيما يبلغونه عنه تعالى واستحال كذبهم في ذلك. قال تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (١). وقال تعالى في شأن افتراء الكفار على محمد ﷺ وقولهم إن القرآن من عنده هو لا من عند الله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٢). وموجز المعنى أن الله يقول: لو قال محمد على الله كلمة واحدة لم يقلها الله تعالى لقتله الله شر قتلة. وأما وجوب صدق الرسل واستحالة كذبهم في غير ما يبلغون عن الله تعالى فالدليل عليه أن الرسل لو كذبوا لكان كذبهم خيانة ومعصية وذنبا، وقد ثبت أنهم معصومون من الذنوب والخيانة واتضحت الأدلة على ذلك. ٣ - الفطانة وهي حدة العقل وذكاؤه، وقوة الفهم وعمقه. وسرعة البديهة. وحضور الذاكرة بحيث يستطيع الإنسان المتصف بها إلزام خصمه وإفحام

стр. 139

المعاندين والمكابرين له. كما يستطيع بسهولة الإبانة والإفصاح عما يريد أن يقوله. والدليل على زجزب اتصاف الرسل بها أن الرسل أرسلوا لبيان الشرائع والأحكام وإزالة الشبهة وترسيخ مبادئهم بالإقناع بالحجة بالنسبة لمن آمن بهم كما أرسلوا بإقامة الحجة وإلزام الخصم، وإبطال جميع حججه وأدلته، فلم لم يتصفوا بالفطانة لاتصفوا بضدها، من البلادة والعي والغفلة فتضيع فائدة الرسالة. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٢). ٤ - التبليغ ومعناه أن يوصل الرسول ما أمره الله بإيصاله إلى من أرسل إليهم. فيجب للرسل التبليغ، ويستحيل عليهم ضده وهو كتمان شيء مما أمروا بتبليغه. والدليل على وجوب التبليغ أنهم لو كتموا شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق لكنا مأمورين بكتمان العلم، لأن الله تعالى أمرنا بالإقتداء بهم، وكوننا مأمورين بكتمان العلم باطل. فكتمانهم شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق يكون باطلا. فثبت لهم التبليغ، واستحال عليهم الكتمان لشيء مما أمروا بتبليغه. كما أن كتمانهم يضيع الفائدة من رسالتهم. ولذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٣).

стр. 140

الجائز في حق الرسل وأما الجائز في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام فهو كل الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم ومكانتهم. فالرسل من البشر يجوز عليهم كل ما يجوز على البشر من الأمور الغريزية والعاطفية في حدود مكانة رسالتهم وما يتفق مع منزلتهم كرسل من الله إلى عباده. فيجوز عليهم الأكل والشرب والاتصال الجنسي كما يجوز أن يرضوا ويفرحوا ويغضبوا ويستحيوا ويخافوا- كما يجوز أن يمرضوا بالأمراض التي لا تعجزهم عن أداء رسالتهم، ولا تنفر الناس منهم (وما قيل عن أيوب ﵇ من أنه مرض مرضا نفر الناس منه يعتبر كذبا وافتراء عليه) وهكذا يجوز في حقهم جميع أعراض البشرية في حدود ما ذكر. والدليل على ذلك مشاهدة تلك الأعراض بهم، كما أن هذه الأعراض لا تخل بمنصب الرسالة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٢). فالرسل رجال من البشر فيهم جميع خواص البشرية ولا يمتازون عنهم بشيء سوى أنهم رسل اختارهم الله لوحيه وهداية من شاء من خلقه، ففيهم جميع الأعراض التي تصيب البشر ولا تخل بالرسالة.

стр. 141

أما الأعراض التي تخل بمنصب الرسالة مثل الإغماء الطويل والجذام، والبرص والجنون والعمى والأمراض المنفرة كلها ممتنعة عليهم. وأما السهو والنسيان فلا يجوزان عليهما إلا فيما يتصل بأمر التشريع فقط كسهو الرسول ﷺ في الصلاة لتعليم الأمة. وأمل النسيان من جانب الشيطان فمستحيل عليهم إذ ليس للشيطان عليهم سبيل. وما كان قول يوشع ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ (١) إلا تواضعا وتأدبا مع الله.

стр. 142

المعجزة تعريف المعجزة إذا جاء أحد الناس وادعى أن الله اختاره واجتباه وارتضاه لأن يكون رسولا من عند الله تعالى إلى الناس فإن الناس لا يمكن أن يقبلوا قوله في بادئ الأمر- مهما كان حميد السيرة مرضي الخلق حسن العشرة بين قومه- إلا إذا جاء بدليل قاطع يثبت أنه حقا رسول الله إليهم، وهذا الدليل الذي يثبت رسالته لا بد من أن يكون صادرا من عند الله تعالى، فإذا جاء الدليل من الله تعالى يثبت رسالته وجب على المرسل إليهم اتباع رسولهم، وإلا نزل بهم عذاب الله ووعيده، لأنهم كذبوا المرسل إليهم بعد وجود دليل صدقه. هذا الدليل الذي يثبت رسالة الرسول، وأنه موفد من عند الله هو المسمى (المعجزة). تعريف المعجزة فالمعجزة دليل حسي أو معنوي يعجز جميع البشر الموجودون عند إرسال الرسول عن الإتيان بمثله. وعجز البشر دليل على أن المعجزة فعل الله القادر على كل شيء. والله لا يفعل المعجزة إلا ليثبت للمرسل إليهم أنه تعالى هو الذي أرسل هذا الرسول إليهم وأنهم مكلفون باتباعه والعمل بما جاء به من دين وشرع. وقد عرف العلماء المعجزة بالتعريف الآتي: المعجزة: هي أمر يظهره الله بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرون عن الإتيان بمثله. فشروط المعجزة حسب هذا التعريف هي:

стр. 143

١ - أن تكون المعجزة من الله تعالى دون غيره، لأنها تصديق منه لرسول فلا يصدقه بفعل غيره، سواء كان هذا الأمر (المعجزة) الذي يظهره الله قولا مثل القرآن، أم فعلا كفلق البحر لسيدنا موسى، أم تركا كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم ﵇. ٢ - أن تكون خارقة للعادة لأنها لو لم تكن كذلك لأمكن للكاذب ادعاء الرسالة، وخرج بهذا السحر والشعوذة والمخترعات الغربية. ٣ - أن تظهر على يد من يدعي النبوة ليعلم أنه تصديق له ... فخرج بهذا الكرامة والمعونة والإستدراج. ٤ - أن تكون مقرونة بدعوى النبوة ومصاحبة لها حقيقة أو حكما كما إذا تأخرت بزمن يسير ... وخرج بهذا الإرهاص. ٥ - أن تكون المعجزة موافقة للمطلوب، فإن جاءت مخالفة للمطلوب سميت إهانة كما حصل لمسيلمة الكذاب، فإنه تفل في عين لتبرأ فعميت السليمة. ٦ - أن لا تكون مكذبة للمدعي. فلو قال الإنسان: معجزتي نطق هذا الجماد فنطق الجماد مكذبا له فإن تكذيبه يعتبر دليلا على كذب المدعي. ٧ - أن تتعذر معارضة الأمر الخارق للعادة والإتيان بمثله لأن المعارضة لو أمكنت واستطاع أحد أن يأتي بمثل الأمر الخارق للعادة الذي جاء به النبي لأمكن لأي كاذب أن يدعي النبوة. ٨ - زاد بعضهم أن لا تحصل المعجزة زمن نقض العادات- وذلك كزمن طلوع الشمس من مغربها وتكلم الدابة، وظهور المسيح الدجال، فإن الخوارق فيه ليست معجزة. الفروق بين المعجزة وبين غيرها من خوارق العادات ١ - هو: أن المعجزة أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة. ٢ - والكرامة: أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد صالح غير مدع للنبوة.

стр. 144

٣ - والمعونة: أمر خارق للعادة يظهر على يد بعض العوام تخليصا من شدة. ٤ - والإهانة: أمر خارق للعادة يظهر على يد كاذب مدع للنبوة خلاف مطلوبه كما حصل لمسيلمة الكذاب. ٥ - والإستدراج: أمر خارق للعادة يظهر على يد فاسق مدع للإلهية، كما يظهر على يد المسيح الدجال. ٦ - والإرهاص: أمر خارق للعادة يظهر على يد نبي قبل بعثته كتظليل الغمام لنبينا محمد ﵊. ٧ - والسحر: قواعد يقتدر بها على أفعال غريبة بالنظر لمن جهل قواعده ويمكن اكتسابه بالتعلم. ٨ - والشعوذة: خفة في اليد بوساطتها يرى الشخص أشياء على أنها حقيقية وليست كذلك في الواقع كما يفعل الحواة. ٩ - وغرائب المخترعات: هي الناشئة عن معرفة بعض خصائص المادة وأسرار الكون. مثل الراديو- والتلفزيون وسفن الفضاء وغيرها. المعجزة إمكان المعجزة المعجزة أمر ممكن عقلا، وواقع فعلا- إذ قد ثبتت معجزة القرآن الكريم بالتواتر. وقص علينا القرآن الكريم كثيرا من معجزات الأنبياء السابقين التي تحدوا بها قومهم، وأثبتوا بها رسالتهم واو لم تكن المعجزة ممكنة لما وقعت.

стр. 145

وأما مخالفة المعجزة للسنن العادية في إيجاد الممكنات فإن ذلك أمر لا يمتنع على الله، لأنه تعالى قادر على كل شيء. وقد يكون للخوارق عند الله سنن خاصة لا نعرفها ولكن يظهر أثرها على يد مدعي النبوة. المعجزة دلالة المعجزة ذهب جمهور العلماء إلى أن دلالة المعجزة على صدق الرسول في دعواه يقينية، فالمعجزة تثبت إثباتا لا شك فيه أن الذي جرت على يديه هو رسول من عند الله. وهذه الدلالة اليقينية تلزم من عاصر الرسول ومن غاب عنه وجاء بعده لأن الذين يشاهدون المعجزة يكونون عددا كثيرا، فإذا نقل العدد الكير أمر المعجزة إلى الغائبين كان ذلك حجة عليهم توجب تصديقهم بها وذلك هو الحاصل في حياة الناس والمركوز في فطرهم، فإن أكثرهم يؤمن بكثير من المدن والقرى ومن الشخصيات التاريخية والأحداث العظيمة وليس من سبب في إيمانهم بها إلا الأخبار المتواترة. المعجزة ذكر بعض معجزات الرسل اعلم أن من حكمة الله تعالى البالغة أنه يؤيد رسله بمعجزات من نوع ما فاق وأبدع فيه القوم المرسل إليهم حتى تنقطع حجتهم عن رسولهم، لأن الرسول لو جاء بمعجزة من نوع يجهلونه وطالبهم أن يأتوا بمثلها لكان لهم أن يقولوا: إن هذا شيء نجهله ولو علمناه لعارضناه، أما إذ تحداهم الرسول بمعجزاته في أمر قد برعوا فيه وأجادوه ثم لم يستطيعوا معارضته فإن ذلك يفحمهم ويلزمهم الحجة، فمثلا عندما أرسل الله تعالى سيدنا موسى ﵇ كان فن السحر شائعا في القبط قوم فرعون، ولهم فيه المهارة التامة، ويعلمون من شأنه ما هو ممكن للبشر معرفته وصنعه منه وما ليس ممكنا لهم،
следующие страницы →