← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 106

بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ت الدسوقي

القاضي عياض

Полный текст (306 стр.). Показаны 293–332 · переход к 298.

стр. 293

وقد يحتملُ عندِي غيرَ هذا / ما قالُوهُ، وأنشدُوا (١): .......................... ... وَجِيرَانٍ لنَا كَانوا كِرَام وقد يصحُّ أنْ تكونَ: «كُنْتُ» هَاهُنا على بابِها في النَّقصِ والاستعمالِ وإفادةِ زمانٍ مُحصَّلٍ، أي: كنتُ لكِ في سابِقِ علمِ اللهِ وقضائِهِ كأبِي زرعٍ لأُمِّ زرعٍ، في إحسانِهِ لهَا، ومحبَّتِها فيه. ويَتوجَّهُ فيها أيضًا وجهٌ ثالثٌ: وهو أنْ تكونَ: «كَانَ» على بابِهَا، ثمَّ يُرادُ بِهَا الاتصَالُ، أي: كنتُ لكِ فيما مَضَى مِنْ صُحبَتِي لكِ وعِشرَتِي إيَّاكِ كأبِي زرعٍ لأُمِّ زرعٍ (٢)، وأنا كذلِك لا أتبدَّلُ عنه، كما قالُوا في قولِ مُرَّةَ بنِ مَحْكَانَ السَّعْدِيِّ (٣): أَنَا ابْنُ مَحْكَانَ أخْوَالِي بَنُو مَطَرٍ ... أُنْمِي إليْهِمْ وَكَانُوا مَعْشَرًا نُجُبَا

стр. 294

/ أي: كانَ مَنْ مضى منهم نجِيبًا، ومن بقِيَ كذلك. وفي الكتابِ العزيزِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، و ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١) [الإسراء: ٤٤] في أمثلةٍ كثيرةٍ، وهو تعالى كان في الأَزَلِ كذلك، وكذلك هو جلَّ اسمُهُ، وعليه حملَ بعضُهُم قولَهُ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، و ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. فِقْهٌ: قال المُهَلَّبُ بنُ أَبِي صُفْرَةَ الفَقِيهُ (٢): فيهِ مِنَ / الفقهِ: جوازُ التَّأسِّي بأهلِ الإحسانِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ؛ ألَا تَرَى أنَّ أمَّ زرعٍ أخبرتْ عنْ أبي زرعٍ بجميلِ عِشرتِهِ فامتَثَلَهُ النَّبيُّ / ﷺ . قال الفقيه القاضي أبو الفضل ﵁: وهذا عِندِي غيرُ مُسلَّمٍ؛ لأَنَّا لا نقولُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ اقتدَى / بأبي زرعٍ، بلْ أخبرَ أنَّه لها كأبي زرعٍ، / وأَعْلَمَ أنَّ حالَهُ معهَا مثلُ حالِ ذلِكَ، لا على التَّأسِّي بهِ، وأمَّا قولُه بجوازِ التَّأسِّي بأهلِ الإحسانِ مِنْ كلِّ أُمَّةٍ، فصحيحٌ ما لمْ تُصادِمْهُ الشَّريعةُ. وفيهِ مِنَ الفِقْهِ: جوازُ ذلِكَ، قولُ المرءِ لصاحِبِهِ: بِأبِي أنتَ وأمِّي ، وفداكَ أبِي وأمِّي، وهما بمعنًى واحدٍ، وقد قالَهُ النَّبيُّ ﷺ لِسَعْدٍ ﵀ (٣)

стр. 295

والزُّبَيرِ (١) وغيرِهِمَا، وهوَ مِنْ معروفِ كلامِ العربِ، وقالَهُ أبُو بكرٍ وغيرُه للنَّبيِّ ﷺ (٢)، وكذلِك قولُهُم: جُعِلتُ فِدَاكَ، ونفسِي فِدَاؤُكَ، وقالَهُ أبُو طَلْحَةَ (٣)، وأبُو ذَرٍّ (٤)،

стр. 296

ورافِعُ بنُ خَدِيجٍ (١) للنَّبيِّ ﷺ .

стр. 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 298

وفي شعرِ حسَّانَ (١): فَإنَّ أبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحمدٍ منكمْ فِدَاءُ وفِيهِ: الرَّدُّ على مَنْ لَمْ يُجزْ قولَ هذا، وما يُحكَى مِنْ إنكارِهِ عن الحسنِ (٢)،

стр. 299

ومنْ قالَ بقولِهِ، وأنَّهُ لا يُفدَّى أحدٌ بمُسْلمٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما قالَهُ لأنَّ أَبوَيْهِ مُشرِكان. وهذِهِ عائِشةُ أَبَواهَا مُسلمان، وقد قالَتْهُ لهُ ﷺ . وما رُوِي مِنْ كراهِيَةِ عَمرَ / لِقولِ القائلِ لهُ: جَعلنِي اللهُ فِدَاكَ (١)، وكراهَةِ النَّبيِّ ﷺ مثلَ ذلك مِنَ الزُّبيرِ مِنْ قولِهِ: جعلَنِي اللهُ / فِداكَ يا رسولَ اللهِ، وقولِهِ له: «مَا تَرَكْتَ أَعْرَابِيَّتَكَ بَعْدُ» (٢). وقد ضعَّفَ الطَّبرِيُّ (٣) هذِهِ الآثارَ، وتأوَّلَ إنكارَها إنْ صحَّتْ، وبجوازِ ذلِكَ قالَ هو وغيرُهُ.

стр. 300

وفِيهِ مِنَ الفِقْهِ: شُكرُ المرأةِ إحسانَ زوجِهَا ، وهكذا ترجَمَ أبُو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائِيُّ على هذا الحديثِ، / وخرَّجَ في البابِ معه حديثَ ابنِ عُمرَ (١): «لَا يَنْظُرُ اللهُ إلى امْرَأةٍ لَا تَشْكُرُ لِزَوْجِهَا» (٢).

стр. 301

ألَا تَرَى أمَّ زرعٍ كيفَ شكرتْ فِعلَ زوجِهَا؟ ثمَّ انظرْ عائشةَ بعدُ كيف شكرتْ للنِّبيِّ ﷺ واعترفتْ بأنَّه خيرٌ لَهَا مِنْ أَبِي زرعٍ لأمِّ زرعٍ. وفِيهِ مِنَ الفِقْهِ: تقرِيظُ الرَّجلِ في وجهِهِ بمَا فيهِ إذا عُلِمَ أنَّ ذلك غيرُ مُفسدٍ له، ولا مُغيِّرٌ نفسَهَ، والنَّبيُّ ﷺ مَظِنَّةُ كلِّ مدحٍ، ومُستحِقٌّ كلِّ ثناءٍ، وأنَّ مَنْ أَثْنَى عليهِ بِمَا أَثْنَى، فهُو فوقَ ذلِك كلِّه، وقد وردَ في الأثرِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ لا يقبلُ الثَّناءَ إلَّا مِنْ مُكافِئٍ (١).

стр. 302

قال القُتَيْبِيُّ (١): معناهُ: إلَّا أنْ يكونَ مِمَّنْ أنعمَ عليه ﷺ ؛ فيكافِئُهُ الآخرُ بالثَّناءِ، / وردَّ هذَا ابنُ الأنبارِيِّ (٢) وقال: هذَا غَلَطٌ؛ لا ينفكُّ أحدٌ منْ إنعامِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأنَّ اللهَ تعالى بعثَهُ للنَّاسِ كافَّةً، وهداهُمْ ورحِمهُم به، فكلُّهم تحتَ نِعمتِهِ، والثَّناءُ عليه فرضٌ لا يتمُّ الإسلامُ إلا بِهِ، وإنَّما المعنى: / لا يقبلُ الثَّناءَ إلَّا مِنْ رجلٍ عرفَ حقيقةَ إسلامِهِ مِمَّنْ لا يُنْبَزُ بنفاقٍ. وقيل: «مُكَافِئٌ»: مُقارِبٌ في مدحِه، غيرُ مُفرِّطٍ فيه، كما قال ﷺ : / «لا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى» (٣).

стр. 303

وفِيهِ مِنَ الفِقْهِ: جَوازُ ترْفِيَةِ المُتزوِّجَ بلفظِ الرِّفَاءِ على ما كانتْ عليهِ عادَةُ العربِ؛ لقولِهِ / ﵇: «كُنْتُ لَكِ كَأبِي زَرْعٍ في الأُلْفَةِ والرِّفَاءِ»، فيُستفادُ مِنْ هذا اللفظِ- / إنْ لم يَصِح النَّهيُ عنه- جوازُ قولِهِ للمُتزوِّجِ؛ لأنَّه إذا قالَهُ أحدُ الزَّوجينِ لِصاحبِه فما يَمنعُ أن يقولَهُ الأجنبيُّ لأحدِهِمَا؟ وقد اختلفَ العلماءُ في هذا، فرُوِيَ جوازُهُ، وقال عبدُ الملكِ بنُ حَبِيبٍ (١): واستحبُّوا تهنِئَةَ النَّاكحِ والدُّعاءَ له، وكانَ مِمَّا يُقالُ: بالرِّفاءِ والبَنينَ، باركَ اللهُ لكَ، ولا بأسَ بالزِّيادةِ على هذا مِنْ ذكرِ السَّعادةِ وما أحبَّ مِنْ خيرٍ. وحُكِيَ عن شُريحٍ أنَّه قالَ لمُتزوِّجٍ: بالرِّفاءِ والبَنينَ (٢). وكرِههُ آخرُون؛ فرُوِيَ عنْ عَقِيْلِ بنِ أبي طَالِبٍ أنَّهُ تزوَّجَ امرأةً فقالُوا لهُ: بالرِّفاءِ والبَنينَ، فقال: قُولُوا كمَا قال رسولُ اللهِ ﷺ : «بَارَكَ اللَّهُ لَكُمْ وَبَارَكَ فِيكُمْ»، ذكرَهُ النَّسائِيُّ (٣)، وفي روايةٍ: «عَلَيْكُم» مكانَ: «فِيكُمْ».

стр. 304

وقد رُوي عنْ النَّبيِّ ﷺ النَّهيُ أنْ يُقالَ للمُتزوِّجِ: بالرِّفاءِ والبَنِينَ، حدَّثناهُ القاضِي أبو عبدِ اللهِ التَّمِيميُّ وغيرُه، قالُوا: أبنا أبو مَرْوانَ بنُ سِراجٍ، ثنا

стр. 305

أبو القاسِمِ الزُّهرِيُّ، ثنا أبو زكرِيَّاءَ بنُ عائِذٍ قال: ثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، ثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ القاسِمُ بنُ سلَّامٍ (١)، / ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، عنْ شيخٍ سمَّاهُ، عنْ الحسنِ، عنْ عَقِيلِ بنِ أبي طالِبٍ عنْ النَّبيِّ ﷺ . واختُلِفَ في توجِيهِهِ: فحكَى المُفَضَّلُ بنُ سَلَمَةَ في كتابِهِ «الفَاخِر» (٢) فيه وجهَينِ: أحدُهما: أنَّ ذلك كانَ لأنَّ العربَ كانتْ تعتقدُ بقولِها ذلِك اجتماعًا لا فُرقةَ فيه، وهذا ليسَ كذلِك. والثَّاني: أنَّه كلامٌ ليسَ فيه / ذكرُ اللهِ، واللهُ أعلمُ. وذكرَ هذا الحديثَ: / الطَّبرِيُّ والخطَّابِيُّ، قال الطَّبرِيُّ (٣): إلَّا أنَّ الحسنَ راوِي حديثِ عَقِيلِ بنِ أبي طَالبٍ لم يسمعْ منه، وقد حدَّثَ به غيرُهُ فلم يرفعْهُ / إلى النَّبيِّ ﷺ ، قال الطَّبرِيُّ: والَّذي اختارُهُ ما صحَّتْ به الرَّوايةُ عنه ﷺ أنَّه كانَ إذا رَفَأَ الرَّجلَ يتزوَّجُ قال: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ»، قال: والزِّيادةُ غيرُ محظورةٍ. وقد ذكرَ أبو داوُدَ، والتِّرمذيُّ (٤) هذا الحديثَ من طريقِ أبي هُريرةَ وزادَ

стр. 306

فيه: «وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا في خَيْرٍ». أخبرناهُ: هشامُ بنُ أحمدَ الفقِيهُ ﵀ قراءةً عليه، قال: ثنا أبو عليٍّ الحافظُ، قال: ثنا أبو عمرَ ابنُ عبدِ البرِّ، قال: ثنا أبو مُحمَّدِ ابنُ عبدِ المُؤمنِ، قال: ثنا أبو بكرِ ابنِ داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داوُدَ (١)، (حدَّثنا قُتيبةُ) (٢)، ثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمَّدٍ، (عنْ سُهيلٍ) (٣)، عن أبِيهِ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ... الحديثَ. وترجَمَ البخارِيُّ: (كيف يُدعى للمُتزوِّجِ)، وأدخلَ حديثَ عبدِ الرحمَّنِ بنِ عَوْفٍ، وقولِ النَّبيِّ ﷺ / وقد رأى عليه أثرَ صُفرةٍ: «مَا هَذَا؟ » قالَ: إنِّي تَزَوَّجتُ امْرَأَةً، قالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (٤). وقد رُوِيَ عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ (٥): شهِدَ النَّبيُّ ﷺ أملاكَ رجلٍ منَ الأنصارِ

стр. 307

فقال: «عَلَى الْأُلْفَةِ وَالْخَيْرِ وَالطَّيْرِ الْمَيْمُونِ، وَالسَّعَةِ فِي الرِّزْقِ، بَارِكَ اللهُ لَكُمْ». وفِيهِ مِنَ الفِقْهِ: جوازُ المَزْحِ في الأحَايِينِ ، وإباحةُ المُداعبةِ مع الأهلِ، وبسْطُ الوجهِ واللسانِ / مع جميعِ النَّاسِ بالكلامِ الحُلوِ السَّهلِ، فهُوَ مِنْ حُسْنِ / العشرةِ، وطِيبِ النَّفسِ، وقد كان النَّبيُّ ﷺ / يمزحُ ولا يقولُ إلَّا حقًّا، ورَوَى عنه أبو هُريرةَ قال: قالوا لِرسولِ اللهِ ﷺ : إنَّكَ تُداعِبُنا، قال: «إنِّي لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» (١). ورُوِيتْ عنه أحادِيثُ مشهُورَةٌ في مُمازحتِهِ بِلالًا، وأبا عُميرٍ، وخَوَّاتًا،

стр. 308

وزَاهِرًا، وأنسًا، وعائشةَ، وغيرَهُم، وقال لعجُوزٍ: «إنَّ الجَنَّةَ لا تَدْخُلُهُا العُجُزُ (١)» (٢).

стр. 309

وقال لامْرأةٍ سألتْهُ عنْ زوجِها: «أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ؟ » (١). وقال لآخرٍ: «لَأَحْمِلَنَّكَ عَلَى ابْنِ النَّاقَةِ» (٢).

стр. 310

وقال لجابرٍ: «فَهَلَّا بكرًا؛ تُدَاعِبُهَا وتُدَاعِبُكَ»، ويروى: «وتُلاعِبُهَا (١) وتُلاعِبُكَ» (٢). في أخبارٍ معروفةٍ كلِّها دالَّةٌ على تواضعِهِ وانبساطِهِ للنَّاسِ وتحبُّبِهِ. وقد رَوى القاسِمُ بنُ سَلَّامٍ (٣) - فيما حدَّثنا به جماعةٌ من شيوخِنا

стр. 311

بأسانِيدِهم- عن عِكْرِمَةَ- يرفَعُهُ-: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانتْ فِيه دُعَابَةٌ. / وذلِكَ أنَّ معَ المَزْحِ والانبِساطِ، التَّحبُّبَ والقَبُولَ- لاسِيما مع الأهلِ والأصحابِ- وقد مُدِحَ بمثلِهِ الأشرافُ والكِرامُ، كما قال الشَّاعرُ (١): هُوَ الظَّفِرُ المَيْمُونُ إِنْ رَاحَ أَوْ غَدَا ... بِهِ الرَّكْبُ وَالتِّلْعَابةُ المُتَحبِّبُ ويُحكى مثلُه عن جماعةٍ من الصَّحابةِ والأئمَّةِ مثلُ عليٍّ، وابنِ ثابِتٍ، وابنِ سِيرِين، / والشَّعبيِّ، وغيرِهم (٢)، ولا أعلم أحدًا منع الدُّعابَةَ مع الأهلِ والانبساطِ مع الحامَةِ (٣) وأهلِ البيتِ؛ وقد قال عُمرُ ﵁: ينبغِي للرَّجلِ أن يكونَ في أهلِهِ كالصَّبيِّ، فإذا التُمِسَ ما عندَه وُجِدَ رجُلًا (٤). /

стр. 312

وعن زيدِ بنِ ثابِتٍ: أنَّه كانَ مِن أفكَهِ النَّاسِ في أهلِهِ وأزْمَتِهِم (١) إذا جلسَ مع القومِ (٢). وأمَّا ما رُوِيَ في ذمِّ المِزَاحِ والنَّهيِ عنه مثلُ: ما حدَّثنَاهُ القاضِي مُحمَّدُ بنُ إسماعِيلَ (٣)، عن أبي الولِيدِ هشامِ بنِ مُحمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ (٤)، عن أبي مُحمَّدٍ ابنِ النَّحَّاسِ، عن أبي سعيدٍ ابنِ الأعرابِيِّ، عن مُحمَّدِ / بنِ عبدِ اللهِ الحَضْرَمِيِّ، ثنا ابنُ نُميرٍ، ثنا المُحارِبِيُّ، عن ليثٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عِكرِمَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ

стр. 313

قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ» (١).

стр. 314

وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ الخَوْلانِيُّ (١) - إجازةً- عن أبي عُمر الطَّلَمَنْكِيِّ (٢)، عن أحمد بن عون الله (٣)، عن أبي سعيدٍ ابنِ الأعرابيِّ، عن أبي دَاوُدَ (٤)، ثنا سُليمانَ بنُ عبدِ الرحمنِ، ثنا شُعيبُ بنُ إسحاقَ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ، عن عبدِ اللهِ ابنِ السَّائِبِ، عن أبِيه، عن جَدِّهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ / جَادًّا لَاعِبًا» (٥).

стр. 315

وقولُ عُمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ: إيّايَ (١) والمُزَاحِ (٢)؛ فَإِنَّهُ يَجُرُّ الْقَبِيحَةَ، وَيُورِثُ الضَّغِينَةَ (٣).

стр. 316

وقولُ خالدِ بنِ صَفْوانَ (١): المُزاحُ سِبابُ النَّوْكَى (٢). فليسَ هذا مِنَ المُزاحِ المحمُودِ المُباحِ؛ فإن ما يُهيِّجُ الضَّغائِنَ وَيُعَدُّ مِنَ السِّبابِ والكذبِ، أو تُسلِّطَ (٣) به على عرضِ رجلٍ أو مالِهِ، فليس هو مِنَ المُزاحِ المحمُودِ، ولا هُوَ من جِنسِ ما مازحَ به النَّبيُّ ﷺ ؛ فإنه ليس من (٤) مِزاحِ النَّبيِّ / ﷺ شيءٌ زائِدٌ على خفضِ الجَناحِ، وبسطِ الجانبِ، وجلبِ التَّودُّدِ، ومَن ذهبَ إلى أنَّه يُسْقِطُ (٥) الهَيْبَةَ (٦) - كما قال أَكْثَمُ / بنُ صَيْفِيٍّ (٧) - فلعلَّه في

стр. 317

الإكثارِ منه، والتَّخلُّقِ به، حتى يؤدِّي إلى سقوطِ المُرُوءَةِ، واستشعارِ سِمةِ السَّخْفِ والمَجانَةِ، وإنَّما المحمودُ منه ما قلَّ ونَدُرَ، واستجمَّتْ به النَّفسُ عند كَلالِهَا- كما قدَّمناهُ في أوَّلِ الكتابِ وبيَّنَّاهُ- أو بُسِطَتْ له نفسُ الغيرِ عند انقباضِهَا- كما شَرَحْنَاهُ-. وقدْ قال أبو الفَتْحِ البُسْتِيِّ (١): / أَفِدْ طَبْعَكَ المَكْدُودَ بِالجَدِّ رَاحَةً ... يَجِمُّ (٢) وعَلِّلْهُ بِشَيءٍ مِن المَزْح وَلَكِنْ إِذَا أَعْطَيْتَهُ المَزْحَ فَلْيَكُنْ ... بِمِقْدَارِ مَا تُعْطِي الطَّعَامَ مِنَ المِلْحِ (٣) وأمَّا قولُ مَنْ قال: إنَّما سُمِّي المُزَاحُ مزاحًا؛ لأنَّه زاحَ عنْ الحقِّ، فلا يصِحُّ لفظًا ولا معنى؛ أمَّا المعنى: فقد كان النَّبيُّ ﷺ / يمزحُ ولا يقولُ إلَّا حقًّا، وأمَّا اللفظُ: فلأنَّ الميمَ في المزاحِ / أصليَّةٌ ثابتةٌ في الاسمِ والفعلِ، ولو كانَ كما قال،

стр. 318

كانتْ زائِدةً ساقِطةً من الفعلِ، وأنشد أبو عُبيدٍ لبعضِهم في ذمِّه (١): أمّا المُزاحةُ والمِراءُ فدَعْهما ... خُلُقان لَا أرضاهما لصديق إِنِّي بلَوْتُهُما فلَمْ أحْمَدْهُما ... لِمُجَاوِرٍ جَارًا وَلَا لِرَفِيق وأنشدْتُ أنا في هذا المعنى مِمَّا قلتُه قديمًا، وهو مِنَ المُتشابِهِ القَوافي: إذَا مَا بَسَطْتَ بِساطَ انْبِسَاطٍ ... فمِنْهُ فَدَيْتُك فَاطْوِ المُزَاحَا فَإنَّ المُزَاحَ كَمَا قَدْ رَآَهُ ... ألُو العِلمِ قَبْلُ عَنْ الحِلْمِ زَاحَا وفِيهِ مِنَ الفِقْهِ: أنَّ المُشبَّهَ بالشَّيءِ لا يَنزِلُ منزِلَتَهُ في كلِّ شيءٍ ، والنَّبيُّ / ﷺ قد شبَّهَ نفسَه النَّفِيسةَ في صُحبةِ عائشةَ ﵂ بأبي زرعٍ، ومِنْ فِعلِ أبي زرعٍ معها الطَّلاقُ، فلم يكُنْ لازِمًا، ولو أنَّ رجلًا ذكرَ امرأةً له قد طلَّقَها فوصفَها لِزوجةٍ أخرى له بأوصافٍ كثيرةٍ جيِّدةٍ أو ردِيئةٍ، ثمَّ ذكرَ أنَّه طلَّقها، ثمَّ قال للأُخرى: وأنتِ مِثلُها، ولم يَنْوِ مثلَها في الطَّلاقِ، لم يَلزمْهُ الطَّلاقُ، وحُمِلَ على مُرادِهِ منَ التَّشبِيهِ لها فيما تقدَّمَ ذِكرُهُ، ولم يَلزمْهُ طلاقٌ حتى يَنوِي: مثلَها في الطَّلاقِ، أو يكونَ لم يذكرْ شيئًا من الأوَّلِ (٢) سِوى الطَّلاقِ، مثلَ أنْ يقولَ: فُلانةٌ / طالِقٌ، أو قد طلَّقْتُها، أو فُلانٌ طلَّقَ زوجَهُ فُلانَةً، ثمَّ يقولُ لزوجةٍ له أخرى: وأنتِ مِثلُها، فهذا يَلزمُهُ الطَّلاقُ- نواهُ أو لم يَنوِهِ- إذا قامتْ عليه / باللفظِ بيِّنةٌ؛ إذ لا احتِمالَ لقولِه سِوى إلزامِ الطَّلاقِ.

стр. 319

تَنْبِيهٌ: ذكرَ بعضُ من تكلَّمَ على معاني الحديثِ: أنَّ في هذا الحديثِ منَ الفقهِ: قَبولَ خبرِ الواحدِ، قال: لأنَّ أمَّ زرعٍ أَخبرتْ بِما أَخبرتْ، فامتثَلَهُ النَّبيُّ ﷺ (١). قال الفَقِيهُ القَاضِي ﵁: هذا كلامُ مَنْ لا يعرِفُ خبرَ الواحدِ ولا قَبولَهُ، والنَّبيُّ ﷺ لا نقولُ أنَّه امتثلَ / حالَ أبي زرعٍ في إحسانِهِ لأمِّ زرعٍ، بل قد كان كذلِك، وإنَّما أخبر عائشةَ أنَّه لها مثلُ أبي زرعٍ لأمِّ زرعٍ؛ ألا تَراهُ كيف قال: «كنتُ لَكِ» فأخبرَ عنْ حالةٍ كائِنةٍ ثابِتةٍ، وإنْ كانَ إنَّما تأسَّى بشِيمةِ أبي زرعٍ، كما قال المُهلَّبُ (٢) قبلُ: / إنَّ فيه التَّأسِّي بأهلِ الإحسانِ منْ كلِّ أمَّةٍ. فليس هذا منْ بابِ قَبولِ خبرِ الواحدِ؛ لأنَّ التَّأسِّي بِمحاسِنِ الأخلاقِ / شِيمةُ أهلِ الفضلِ، وامتِثالَ محاسِنِ السِّيرِ مِنْ شمائِلِ أولِي العدلِ، وخبرُ الواحدِ من بابٍ آخَرَ، مأخذُهُ ومُستندُهُ إلى صاحبِ الشَّرعِ، وقَبُولُهُ وامتثالُ مقتضاهُ حكمٌ، طريقُهُ عند أهلِ التَّحقيقِ: القَطعُ، وفِيما ألمَعْنَا به مِنَ القولِ كِفايةٌ لا يَحتمِلُ أكثرَ منها الوُسْعُ. بَيَانٌ: ونحنُ الآنَ نَفِي بما وَعدْنَاهُ (٣) مِنْ ذكرِ ما اشتَملَ عليه هذا الحديثُ مِنْ ضُرُوبِ الفصاحَةِ، وفُنونِ البلاغَةِ، والأبوابِ المُلقَّبَةِ بالبديعِ في هذِه الصِّناعَةِ، مِنْ لفظٍ رائِقٍ، / ومعنًى فائِقٍ، ونظمٍ مُتناسِبٍ، وتأليفٍ مُتعاضِدٍ مُتناسِقٍ.

стр. 320

وبالجُملةِ، فكلامُ هؤلاءِ النِّسوةِ مِنَ الكلامِ الفصيحِ الألفاظِ، الصَّحيحِ الأغراضِ، / البليغِ العِبارةِ، البديعِ الكنايةِ والإشارةِ، الرَّفِيعِ التَّشبيهِ والاستعارَةِ، وبعضُهُنَّ أبلغُ قولًا، وأعلى يدًا، وأكثرُ طولًا، وأمكنُ قاعِدةً وأصلًا، وكلامُ بعضِهِنَّ أكثرُ رونقًا ودِيبَاجَةً، وأرَقُّ حاشِيةً وأحلى مَجَاجَةً، وبعضُهُنَّ أصدقُ في الفصاحَةِ لهجَةً، وأوضحُ في البيانِ محجَّةً، وأبلغُ في البلاغةِ والإيجازِ حُجَّةً. فأنتَ إذا تأمَّلتَ كلامَ أمِّ زرعٍ وجدتَهُ- مع كثرةِ فُصُولِهِ، وقِلَّةِ فُضُولِهِ- مُختارَ الكلماتِ، واضِحَ السِّماتِ، بَيِّنَ القَسِمَاتِ، قد قَدَّرَتْ ألفاظَهُ قيسَ معانِيهِ، وقرَّرَتْ قواعِدَهُ، وشيَّدتْ / مبانِيهِ، وجعلتْ لبعضِهِ في البلاغةِ موضِعًا، وأودعتْهُ مِنَ البدِيعِ بِدِعًا. وإذا لَمَحْتَ كلامَ التَّاسِعةِ صاحِبةِ العِمادِ والنِّجادِ والرَّمادِ، ألفيتَها لِأَفانِينِ البلاغةِ جامِعةً، ولِعلمِ البيانِ رافِعةً، وبِعصا الإيجازِ والقصدِ قارِعةً. واعتبِرْ كلامَ الأُولى؛ فإنَّه مع صدقِ تشبِيهِهِ، وصقالَةِ وجُوهِهِ، قد جمعَ مِنْ حسنِ الكلامِ أنواعًا، وكشفَ عَنْ مُحيَّا البلاغَةِ قِناعًا، وقرَنَ بين جزالَةِ اللفظِ وحلاوةِ البديعِ، وضمَّ تفارِيقَ المُناسبَةِ والمُقابَلةِ، والمُطابقةِ والمُجانسةِ، والتَّرتيبِ والتَّرصيعِ؛ فأمَّا صدقُ تشبيهِهَا، فعلى ما شرحْناهُ قبلُ. والتَّشبيهُ أحدُ أبوابِ (١) البلاغةِ، وأبدعُ أفانِينِ / هذِه الصِّناعةِ، وهو موضوعٌ للجلاءِ والكشفِ، والمُبالغةِ في البيانِ والوصفِ، والعبارةِ عنْ الخفِيِّ بالجلِيِّ، والمُتوهَّمِ بالمحسُوسِ، والحقيرِ بالخطِيرِ، والشَّيءِ بما هو أعظمُ منه

стр. 321

وأحسنُ، أو أخَسُّ وأدوَنُ، وعن القليلِ الوُجودِ بالمألُوفِ المعهُودِ؛ وكلُّ هذا لتأكيدِ البيانِ، والمُبالغةِ في الإيضاحِ؛ فانظرْ أينَ / قولُ القائِلِ: الَّذين كفرُوا أعمالُهم لا ينتفِعونَ / بها، مِنْ قولِهِ تعالى: / ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ (١) [النور: ٣٩] الآية. وتأمَّلْ بَوْنَ ما بين الموضِعيَنِ مِنَ البيانِ، وفرقَ ما بينَ الكلامَيْنِ في الإيضاحِ، وإنْ كانَ الغرضُ واحدًا والموضوعُ سواءً. وكذلِك قولُ امرأةٍ: زوجي بخِيلٌ، لا يُوصَلُ إلى شيءٍ مِمَّا عندَه، وبينَ كلامِ هذِه المرأةِ المُتكلَّمِ عليه. ووَجْهُ بلاغةِ / التَّشبيهِ: ما فيه مِنَ الجلاءِ والإيضاحِ- كما قدَّمناهُ- وأكثرُ تشبيهاتِ الكتابِ العزيزِ مِنْ هذا النَّمطِ، كقولِهِ تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] الآية. و﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: ٤٥] الآية. أو لِمَا فيه منَ المُبالغةِ والغُلُوِّ، وهو مِنْ أبوابِ البلاغةِ، ومرجعُهُ إلى البيان والإيضاحِ، كتسمِيَةِ (٢) الشَّيءِ بما هو أعظمُ منه وأكبرُ (٣)، نحو قولِهِ تعالي: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤]. أو أفضلُ منِه وأحسنُ، كقولِهِ تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]. أو أحقرُ مِنه وأدْوَنُ، كقولِهِ: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] الآية. /

стр. 322

أو لِمَا فيه مِنَ التَّخريجِ والتَّوليدِ لغريبِ الشَّبهِ ومَخِيلةِ المِثالِ، وهو وجهُ بلاغتِهِ، كقولِ المَعَرِّي في كَفِّ الثَّريَّا (١): كَأنَّ يَمِينَها سَرَقَتْكَ شَيْئًا ... وَمَقْطُوعٌ عَلَى السَّرْقِ البَنَانُ وقد يقعُ تشبِيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ تشبيهًا مُجرَّدًا؛ لِضَرْبٍ منَ الشَّبهِ، ليس في شيءٍ منَ الأبوابِ المُتقدِّمةِ، كقولِ امرِئِ القيسِ (٢): كَأنَّ قلُوبَ الطَّيرِ رَطْبًا ويابِسًا ... لَدَى وَكْرِهَا العُنَّابُ، والحَشَفُ البَالِي لكِنَّه يلحَقُ بنوعِ التَّولِيدِ (٣) والتَّخريجِ، الَّذي بلاغتُهُ الفِطنَةُ لِإدْرَاكِ التَّشبيهِ لا غَيْرَ. وصِدقِه فيه، وإنْ كانَ لبعضِهِم في هذا البيتِ مَقالٌ لا أرتضِيه، ولابُدَّ أنَ يكونَ التَّشبيهُ صادِقًا / من الوجهِ الَّذي وقع به التَّشبيهُ، وإلَّا اختلَّ به الكلامُ، وهذِه / المرأةُ قد شبَّهتْ بُخلَ زوجِها، وأنَّه لا يُنالُ ما عندَه، مع شراسةِ خُلُقِهِ، وكِبْرِ نفسِهِ، بِلَحمِ الجملِ الغَثِّ، على رأسِ الجبلِ الوَعْثِ؛ فشبَّهْت وُعُورَةَ خُلُقهِ بوُعُورةِ الجبلِ، وبعدَ خيرِهِ بِبُعدِ اللحمِ على رأسِهِ، والزُّهدَ فيما يُرجى منه لِقلَّتِهِ وتعذُّرِهِ بالزُّهدِ في لحمِ الجملِ الغَثِّ، فأعطَتْ التَّشبيهَ حقَّه، ووَفَّتْهُ قِسْطَهُ، وهذا مِنْ تشبيهِ الجَلِيِّ بالخَفِيِّ (٤)، والمُتَوَهَّمِ بالمحسوسِ، والحقيرِ بالخطيرِ.

стр. 323

ومِمَّا جاء في كلامِ صواحِبِها منَ التَّشبِيهِ: قولُ الثَّالثةِ: «عَلَى مِثْلِ حَدِّ السِّنانِ المُذَلَّقِ»، فصدقَتِ التَّشبيهَ؛ لأنَّها أخبرتْ / أنَّ حالَها معه منَ الخوفِ وعدمِ / الاستقرارِ، كمَنْ هو على مِثلِ حدِّ السِّنانِ المُحدَّدِ: إمَّا أنْ تَحيدَ عنه فتهْلَكَ سقوطًا، أو تَثبُتَ فيُهلِكَهَا، فبيَّنتْ بهذا التَّشبيهِ قولَها قَبْلُ: «إنِ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ، وإنْ أَنْطِقْ أُطَلِّقْ». وكذلِك تشبِيهُ الأُخرى زوجَهَا بِليلِ تِهَامَةَ، وغَيثِ غَمَامَةَ، وهذا كُلُّه مِنْ تشبِيهِ الخَفِيِّ بالجَلِيِّ، والمُتوَهَّمِ بالمَحسُوسِ، وهوَ مِنَ / بابِ المُبالغةِ والغُلُوِّ. ومِثلُ هذا قولُ أُمِّ زرعٍ: «مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ»، فهو مِنْ بابِ الغُلُوِّ، إلى سائِرِ ما عِندهُنَّ منَ التَّشبِيهاتِ، فكُلُّها حِسانٌ بيِّناتٌ، قد تقدَّمُ الكلامُ عليها في مواضِعِهَا. وقولُ الثَّامِنةِ: «المَسُّ مَسُّ أَرْنِبٍ، والرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ» تشبِيهٌ أيضًا، ولكنْ بِغيرِ / أدَاةِ التَّشبِيهِ؛ فإنَّ التَّشبِيهَ على ضَرْبَيْنِ: بأداتِهِ: وهِي الكافُ، وكأنَّ، ومِثلُ، وشِبْهُ وأخواتُها، وبغيرِ أداةِ التَّشبيهِ، ومثلهُ قولُ أمِّ زرعٍ: «يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهِا بِرُمَّانَتَيْنِ» على تأوِيلِ أنَّهما النَّهْدانِ، ومثلُهُ / قولُ الرَّابِعةِ: «والغَيْثُ غَيْثُ غَمَامَةٍ»، فهذا تشبِيهٌ بغيرِ آلةِ التَّشبِيهِ، كقولِه تعالى: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. وكقول امرِئ القَيْسِ (١): سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَ مَا نَامَ أَهْلُهَا ... سُمُوَّ حَبَابِ المَاءِ حَالًا عَلَى حَال ثم انظر حُسنَ نظمِ كلامِها وتَطارُدِهِ، وأخذِهِ حقَّهُ مِنَ المُؤالَفَةِ والمُناسبَةِ

стр. 324

في الألفاظِ، الَّتي هي رأسُ الفصاحةِ، / وزِمامُ البلاغَةِ؛ فإنَّها وازنَتْ ألفاظَها، وماثلَتْ كلِمَها، وقدَّرتْ فِقَرَهَا، وحسَّنَتْ أسجاعَهَا، فوازنَتْ في الفقرةِ الأولى «لَحمَ» «بِرأسٍ» في الثَّانِيةِ، و «جَمَلَ» «بِجَبَلٍ»، وَ «غَثَّ» «بِوَعْثٍ»، في الرِّوايةِ الواحدَةِ، و «قَحْرَ» «بِوَعرٍ»، في الرِّوايةِ الأُخرَى، فأفرغَتْ كُلَّ فقرةٍ في قالِبِ أختِها، ونسجَتْها على مِنْوالِ صاحبتِها. ومِنْ هذا البابِ في القرآنِ العزيزِ في حسنِ التَّأليفِ ومُناسبةِ الألفاظِ ومُقابلةِ الكلماتٍ كثيرٌ، كقولِه: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩ - ١٠]. وقولِه: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ٤ - ٥]. على أنَّ هذا داخلٌ في بابِ «التَّرْصِيعِ». ومنه قولُ السَّادسةِ: «إنْ / أَكَلَ اقْتَفَّ، وإنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وإنْ هَجَعَ الْتَفَّ». وقولُ الخامسةِ: «إنْ خَرَجَ أَسِدَ، وإنِ دَخَلَ فَهِدَ». وقولُ الرَّابعةِ: «لَا حَرَّ ولَا قُرَّ، ولَا مَخَافَةَ ولَا سَآمَةَ». وقولُ الثَّامنةِ: «المَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، والرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ». فهذا كلُّه مِنْ حُسنِ النَّظمِ، ومُناسبةِ اللفظِ، وهو بابٌ آخرُ منَ البدِيعِ يُسمَّى: «المُناسَبَةَ» (١).

стр. 325

ومنه قولُ التَّاسِعةِ: «رَفِيعُ العِمَادِ، طَوِيلُ / النِّجادِ، كَثِيرُ الرَّمَادِ»، فكُلُّ لفظةٍ على وزنِ صاحبتِها. وكقولِ أُمِّ زرعٍ: «أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، ومَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ». وقولِها (١): «صِفْرُ رِدَائِهَا، ومِلْءُ كِسَائِهَا». وقولِ النَّبيِّ ﷺ في / حديثِهِ (٢) لعائشةَ: «في الأُلفَةِ / والرِّفَاءِ، لَا في الفُرْقَةِ والخِلَاءِ». وقولِها: «أَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ، وآكُلُ فَأَتَمَنَّحُ». وقولِ / العاشِرةِ: «قَلِيلَاتُ المَسَارِحِ، كَثِيرَاتُ المَبَارِكِ».

стр. 326

وفي كلامِ الأُولى نوعٌ ثالثٌ مِنَ البديعِ يُسمَّى: «التَّرْصِيعَ» (١)، وقد يُسَمَّى بـ «المُوازَنَةِ»، وبـ «التَّسْمِيطِ»، وبـ «التَّضْفِيرِ»، وبـ «التَّشِجِيعٍ»، وهو أنْ تتضمَّنَ الفِقَرُ أو بيتُ الشِّعرِ مقاطِعَ أُخرَ بقوافي مُتماثِلةٍ، غيرِ فِقَرِ السَّجعِ وقوافي الشِّعرِ اللازمَةِ، فيتوشَّحَ بها القولُ، وينفصِلَ بِها نظمُ اللفظِ، كما أتَتْ هذه بـ «جَمَلٍ» في وسطِ الفِقرَةِ الأُولى، و «جَبَلٍ» في وسطِ الفِقرةِ الأُخرى، ففصَلَتْ بذلك الكلامَ، على حدٍّ منَ المُقابلةِ، أثناءَ السَّجعينِ اللذَينِ هما: «غَثٌّ، ووَعْثٌ»، / فجاء لكلِّ فِقْرَةٍ سجعان مُتماثِلَانِ مُتقابِلانِ. ومثلُهُ: قولُ أمِّ زرعٍ في إحدى الرِّواياتِ: «لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، ولا تُنقِّثُ مَيرَتَنا تَنْقيثًا، وَلَا تَغُثُّ طَعَامَنَا تَغْثِيثًا»، فإنَّ التزامَ الثَّاءِ في: «تَغُثُّ، وتَبُثُّ، وتُنقِّثُ» ترصيعٌ لِمقاطِع أسْجاعِ هذِه الفِقَرِ، وقولُ الثَّامنةِ: «شَجَّكِ، أو فَلَّكِ، أو بَجَّكِ، أو جمعَ كُلًّا لكِ». ومنه في الحديثِ قولُ عليٍّ ﵁: «إنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ، وأَتْقَى لِرَبِّكَ» (٢).

стр. 327

وفي طَيِّهَ بابٌ رابِعٌ من البديعٍ، وهو: مُجانَسةُ «جَمَلٍ» «بِجَبَلٍ»، وهو- إنْ لم يجانسْهُ في كُلِّ حروفِهِ- فقد جانَسَهُ في أكثرِها، / وقد اختلفَ أربابُ البلاغةِ والنَّقدِ في هذا النَّوعِ إذا لم يكنْ مُشتقًّا من أصلٍ واحدٍ: فسمَّاها بعضُهم: «مُجانَسَةً» تغليبًا للأكثرِ. وأمَّا أبو الفرجِ قُدامَةُ (١) فسمَّى هذا النَّوعَ: «مُضارَعَةً» (٢)، وهذا مثلُ قولِ أمِّ زرعٍ أيضًا: «رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا».

стр. 328

وقولِها: «بَيْتُهَا فَسَاحٌ، وفِنَاؤُهَا فَيَاحٌ». وقولِ الثَّانيةِ: «عُجَرَهُ وبُجَرَهُ». وقولِ أمِّ زرعٍ: «تَعْشِيشًا»، و «تَغْشِيشًا». وأمَّا التَّجنيسُ الحقيقيُّ: فهو أنَ يكونَ في الكلامِ لفظتانِ إحداهُما / مشتقةٌ منَ الأخرى، كقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]. و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أو بمنزِلةِ المشتقِّ كقولِه تعالى: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]. وقولِه: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]. وقولِهِ ﷺ : / «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، / وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (١). وقال امرُؤ القيسِ (٢): لقد طَمَحَ الطَّمَّاحُ من بُعْدِ أرْضِهِ ... ............................ في أمثلةٍ كثيرةٍ. أو تكونَ لفظتانِ على صيغةٍ واحدةٍ، مختلفةِ المعاني، كقوله ﷺ : «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٣).

стр. 329

ومِنْ قولِ مَنْ تقدَّمَ فيه قولُ / الأَفْوَهِ الأوْدِيِّ (١): / وأَقْطَعُ الهَوْجَلَ مُسْتَأْنِسًا ... بِهَوْجَلٍ عَيْرَانَةٍ عَنْتَرِيسْ وقريبٌ مِنْ هذا البابِ قولُه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. ووَلَعَ المحدِّثون والمتأخِّرون بَعْدُ بِهِ حتَّى أكثرُوا منه، فمِنْ مُقصِّرٍ ومُجيدٍ، كقولِ البُسْتِيِّ (٢): سَمَا وحَمَى بَنِي سَامٍ وحَامٍ ... فَلَيْسَ كَمِثْلهِ سَامٍ وَحَام وقولِ الطَّائِيِّ (٣): إنَّ الصَّفَائِحَ مِنْكَ قَدْ نُضِدَتْ ... عَلى مُلْقِي عِظَامٍ لَوْ عَلِمِتْ عِظَام وقولِ الخَطَّابِيِّ (٤): ..................... ... وَكَانَ عِقَابِي في سُلُوكِ عِقَاب وكان أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ يُسمِّي ما كان على صيغةِ بيتِ الأَفْوَهِ بـ «المُتَشَابِهِ».

стр. 330

واخترعَ قومٌ مِنَ المُتأخِّرين أنواعًا غريبةً سَمَّوْهَا: «تَجنيسَ التَّركيبِ» كقولِ المَعَرِّي (١): * مقاليتًا مقاليتًا * و (٢): مَطَايَا مَطَايَا ... ......................... وهو نوعٌ مُتكلَّفٌ مِنْ غيرِ حُدودِ البلاغةِ، ولكنْ رُبما نَدَرَ منه المُسْتحسَنُ، كقولِ / المِيكَالِيِّ (٣): تَمَّتْ مَحَاسِنُهُ فَمَا يَزْرِي بِهَا ... مَعَ فَضْلِهِ وَسَخَائِهِ وكَمَالِه إلَّا قُصُورُ وُجُودِهِ عَنْ جُودِهِ ... لَا عَوْنَ للرَّجُلِ الكَرِيمِ كَمَالِه / وقولِ البُسْتِيِّ (٤):

стр. 331

...... ... فَهَلْ لِمِنْهَاجِي مِنْ هَاجِي / وقولِهِ (١): . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فَدَعِينِي (٢) فِإِنَّ يَقِينِي يَقِينِي وقولِ الآخر (٣): إلى أجَلِي مَشَى قَدَمِي ... أَرَى قَدَمِي أَرَاقَ دَمِي وأَلحَقوا به أيضًا: «تَجنِيسَ التَّصحيفِ» (٤)، وهو مُشاكَهةُ (٥) صورةِ الحرفِ في الخطِّ دونَ اللفظِ، وهذا لا يدخلُ في بابِ البلاغةِ المُستجادَةِ ولا المُتكلَّفةِ أصلًا، ولا في شيءٍ من حدودِ الكلامِ ولا صناعتِهِ؛ إذ لا يقرعُ السَّمعَ منه لهجَةٌ، ولا يقومُ له في النَّطق حُجَّةٌ، وقد رأيتُ أبا منصورٍ الثَّعالِبِيَّ قد عدَّ هذا البابَ في بابِ التَّجنيسِ، وذكرَ فيه قولَهُ تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، وأشباهًا لهذا من الكلام، وليس عِندِي من هذا البابِ، وهو منَ البابِ الأوَّلِ الَّذي سمَّاه قُدامةُ بالمُضارَعةِ، وهو التَّجنِيسُ في أكثرِ الكلمةِ أو بعضِها.

стр. 332

وذُكرَ في هذا البابِ قولُ بعضِهم: النَّارُ في الفَتِيلَةِ، كالتَّعَادِي لِلقَبِيلَةِ (١). وقولُ بعضِهم: «الصَّبُّ» مع «الضَّبِّ» (٢)، / و «سَجْفٌ»، و «سَخْفٌ»، و «صَحَاصِحُ»، و «ضَحَاضِحُ»، وشِبْهُ هذا، فلم يَحسنْ هذا، ولم يقلْ شيئًا لأجلِ صورةِ الحروفِ؛ إذْ لَا حَظَّ لهذا كما قُلناهُ في / الفَصاحةِ، ولَا حظَّ له منَ التَّجنيسِ، وإنَّما حَسُنَ لوزنِ الكلمتينِ، واتِّفاقِ أواخرِها، وقُربِ مخارِجِ أوائلِها وأواسِطِها، فهذِه هي أنواعُ / التَّجنيسِ. إلَّا أنَّ قُدامةَ بنَ جعفرٍ كان يُسمِّي اتِّفاقَ صِيغتَي اللفظةِ باختلافِ المعنى الَّذي من جنسِ بيتِ الأَفوهِ: «ب الإطْباقِ» (٣)، والنَّاسُ كلهم على خلافِهِ، وقد ردَّ قولَه هذا: الأخفشُ، وأبو القاسمِ الآمديُّ (٤) وغيرُهما، وحَكَوا أنَّ مذهبَ الخليلِ والأصمعيِّ خِلافَهُ. ثمَّ أتتْ هذِه المرأةُ في كلامِها بنوعٍ خامسٍ من البديعِ، وهو / المُسمَّى «بالمُطابقةِ» عند الجُمهورِ، وهو مُقابلةُ الشَّيءِ بِضدِّه؛ فقابلتْ الوعرَ بالسَّهلِ، والغَثَّ بالسَّمينِ، في الفِقرتين الأخيرَتَين، وهو مِمَّا يَحْسُنُ الكلامُ بمقابلتِهِ، ويُروقُ بمناسبتِهِ، لا خلافَ بين أربابِ النَّقدِ في ذلك، وإنَّما اختلفُوا في تلقِيبِهِ، فكانَ قُدامةُ يُخالِفُ فيه أيضًا، ويُسمِّي هذا: «المُتَكَافِئ» (٥)، وخالفَهُ في هذا الجميعُ، ولا يكونُ هذا النَّوعُ عِنده متكافِئًا إلَّا إذا كانتْ الكلمةُ وضِدُّها