← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 106

بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ت الدسوقي

القاضي عياض

Полный текст (306 стр.). Показаны 258–297 · переход к 263.

стр. 258

وهذا كما قال الآخرُ (١): تَساهَمَ ثوْباهَا فَفي الدِّرْعِ رَأْدَةٌ ... وفي المِرْط لفَّاوانِ رِدْفُهُما عَبْلُ وكما قال ابنُ الطَّثريَّةِ (٢): عُقَيْلِيَّةٌ أمَّا ملاثُ إزَارِها / ... فَدِعْصٌ وأمَّا خَصْرُها فبَتِيلُ ويؤيِّدُ هذا / المعنى: ما وقع في بعض الرِّوَاياتِ: «مِلءُ إزَارِهَا»، في موضعِ: «كِسَائِهَا» (٣)، فجاء مطابقًا للبيتينِ؛ فإنَّ الإزارَ هو ما ائتُزِرَ به، والمِرْطُ (٤): كساءٌ مِنْ صوفٍ مُربعٍ، كانَ النِّساءُ يَأْتَزِرْنَ به، وقد يكونُ مِنْ غيرِ الصُّوفِ. وقال ابنُ دُرَيْدٍ (٥): المرط: مِلْحَفَة يُؤتَزَرُ بهَا. فاستبانَ من هذا: أنَّ الإزارَ والكِساءَ [هَاهُنا] (٦) بمعنى: المِرْطِ في البيتِ. ثمَّ أكدَتْ الثَّناءَ عليها بأنَّها خيرُ نسائِها، أي: نساءِ وقتِها أو قومِها، وأنَّها لِتمامِ حُسنِها، وتشابُهِ خَلْقِها في الكمالِ وخُلُقِها: غَيْظُ جارتِها، أي: ضَرَّتِها، / أو مجاوِرَتِها، وأنَّ ما تراهُ مِنْ ذلك يَغِيظُها وتغارُ له، وتَحارُ مِنه، وتَعتَبِرُ حتَّى لا

стр. 259

تهتدِيَ لِأمرِها، ولا تستقيمَ لِسبيلِها، ويكادَ بصرُها يَعْشُو إذا نظرتْ إلى جمالِها وكمالِها؛ إذ ليستْ كذلك، ويَعقِرَها ويُبْكِيَها حسدًا لها، وعِبْرةً (١) بها. فيكونُ معنى يَعقِرُهَا: إمَّا (٢): يُهلِكُها حسدًا، (ويُسبِّبُ حَيْنَها) (٣)، أو يجرحُ لذلك قلبَها ويُبكِيه، على ما تقدَّم منْ تفسيرِ: «عَقْرِ»، ويكونُ معنى هذِه الألفاظِ كلِّها متشابهًا، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. / فِقْهُهُ: في هذا الحديثِ: جوازُ وصفِ النِّساءِ ومحاسِنِهِنَّ مع النِّساءِ والرِّجالِ إذا كُنَّ مجهُولاتٍ؛ فبِنْتُ أبي زَرعٍ- وإنْ كانتْ منسُوبةً- فهي في حكمِ المجهُولةِ؛ لِبُعدِ وقتِها، وفناءِ زمنِها، ومَجْهَلةِ عينِها وأبِيها، والَّذي يُمنعُ منْ ذلك: وصفُ النِّساءِ المُعيَّناتِ بحضرَةِ الرِّجالِ، وأنْ يُذكرَ منْ أوصافِهِنَّ على التَّفصيلِ مَا لَا يجوزُ للرِّجالِ إشفَافُ النَّظرِ إليه، أو تُوصَفَ عَوْرَاتُهُنَّ، وما لا يجوزُ إطلاعُ الرِّجالِ والنِّساءِ عليه؛ وقد قال ﷺ : «لَا تَصِفُ إحْدَاكُنَّ جَارَتَها إلى زَوْجِهَا، حتَّى كأنَّهُ يَرَاهَا» (٤). وزَجَرَ ﷺ «هِيتَ» المُخَنَّثَ، ويُقالُ: «مَاتِعٌ» المُخَنَّثُ- والقِصَّةُ [لِهِيتَ] (٥) أشهرُ- ومنعَهُ الدُّخولَ على نسائِهِ؛ إذ سَمِعَ منه مِنْ وصَفِهِ لبادِيَةَ بنتِ غَيْلَانَ

стр. 260

الثَّقفِيَّةِ ما سَمِعَ، فقالَ له ﷺ : «لقد غَلْغَلْتَ النَّظرَ يا عدُوَّ اللهِ» (١). وفي روايةٍ: «أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا» (٢)، ثمَّ نفاهُ ﷺ عن المدينةِ لِذلك إلى الحِمَى. وكَرَاهَةُ النَّبيِّ ﷺ لِما سمِعَ منه، ونَهْيُهُ عنه لوُجوهٍ: أحدُهَا: ما ذكرنَاهُ منْ وصْفِ ما وصفَهُ مِنَ النِّساءِ مِنْ أجسامِهِنَّ وعَوْراتِهِنَّ بينَ النِّساءِ والرِّجالِ مِمَّا لا يجوزُ الاطلاعُ عليه. / والوجهُ الثَّاني: / أنَّه ﷺ أنكرَ عليه غَلْغَلَةَ النَّظرِ إلى أنْ / وصلَ معهُ (٣) إلى معرفَةِ ذلك مِمَّا لا يُباحُ للنِّساءِ، فكيفَ للرِّجالِ؟

стр. 261

و [الوجهُ] (١) الثَّالثُ: أنَّهم كانوا يَعدُّونَهُ من غيرِ أولي الإرْبَةِ منَ الرِّجالِ الَّذين يجوزُ لهمُ / الاطلاعُ على ظواهرِ محاسِنِ / النِّساءِ، فلمَّا رآهُ ﷺ يقصدُ منِ أوصافِ النِّساءِ إلى ما يستحسِنُهُ الرِّجالُ، دَلَّ على أنَّ عندَهُ إربةً في النِّساءِ، ومَيلًا إلى ما يرغبُهُ الرِّجالُ ويميلون إليه. وقولُها: «طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا»، أي: أنَّهَا بارَّةٌ بِهما، غيرُ خارجةٍ عنْ رأيِهِما؛ وهذا يدُلُّ على عِفَّتِها وعقلِها. ومنْ رواهُ: «زَيْنُ»، فمعناهُ: أنَّ مَنْ لهُ مثلُ هذِه البِنتِ في كمالِها وجمالِها، يَتزيَّنُ بِها ويَتجمَّلُ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. وَغَرِيبُ قَوْلِهَا: «بُرُودُ الظِّلِّ» ، أي: أنَّها حسنةُ العِشرةِ، كريمةُ الجوارِ، يُقالُ: فلانٌ يأوِي إلى ظِلِّ فُلانٍ، إذا كانَ تحتَ إكرامِهَ وعزِّهِ وحمايتِهِ، كأنَّه استراحَ إليه استراحَةَ المُسْتَحِرِّ للظِّلِّ (٢)، والظِّلُّ يُعبَّرُ به عنْ العزِّ، حكاه ابنُ دُرَيْدٍ (٣)، وهذا يؤيِّدُ روايةَ مْن رَوَى: «حَبْرُ جَارَتِهَا». وقولُها: «وَفِيُّ الإلِّ»، أي: العهدِ، قالَهُ ابنُ الأنباريِّ، والهرويُّ (٤). و «الإلُّ» أيضًا: القرابَةُ؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠] أي: قرابةً ولا عهدًا عندَ بعضِهم (٥).

стр. 262

وقولها: «كَرِيمُ الخِلِّ»، أي: الخليلِ والصاحبِ، وقد تصفُها بشرفِ الزَّوجِ فهو خِلُّها، وقد تُريدُ بـ «الخِلِّ» هنا: المُخَالَلَةَ والصُّحبةَ، قال الحربيُّ (١): يقالُ: فلانٌ كريمُ الخُلَّةِ والخِلِّ والمُخَالَلَةِ، أي: الصُّحبةِ. عَرَبِيَّتُهُ: ذكرَتْ: «بُرُودًا وكَرِيمًا وَوَفِيًّا»، والموصُوفُ به مُؤنَّثٌ؛ لأنَّها ذهبتْ به مذهبَ التَّشبيهِ، أي: هي كرجلٍ بهذه / الصِّفةِ، قالَهُ [ابنُ] (٢) الأنباريِّ (٣) / وأنشدَ عليه لعُروةَ بنِ حِزَامٍ (٤): ........................... ... وَعَفْرَاءُ عنِّي المُعْرِضُ المُتَوَانِي وفيه وجه آخر: على تقديرِ الحملِ لهُ على مُذَكَّرٍ محذوفٍ، كأنَّها قالتْ: هي شخصٌ أو شيءٌ بُرودُ الظِّلِّ، أو كذا كذا، وقد حُمِلَ عليه مَعنى بيتِ عُروةَ المَذكورِ (٥).

стр. 263

مَعْنَاهُ: وصفَتْها بحُسنِ الصُّحبةِ والرِّعايةِ لِمَنْ صَحِبَهَا وجاوَرَهَا، وكرَمِ العشرةِ معهُم وعزِّهم في جوارِها، وأنَّها ذاتُ خِلٍّ كريمٍ، وزوجٍ شريفٍ- إن فسَّرْنا الخِلَّ بالخليلِ- أو أنَّها كريمةُ المُخالَلَةِ والمُعاشرَةِ- إنْ كانتْ كَنَّتْ بالخِلِّ عنْ ذلك- وأنَّها وفيةٌ لِعُهُودِ الزَّوجِ والجارِ، وَصَولَةٌ لِمنْ بينَها وبينَهُ ذِمَّةٌ أو سببٌ. غَرِيبُ قَوْلِهَا فِي جَارِيَةِ أَبِي زَرْعٍ: «لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا»: أَيْ: لَا تَنْشُرُهُ وتُظهِرُهُ، يقالُ: بَثَثْتُ فُلانًا سِرِّي، أي: أظهَرْتُهُ وأطلعْتُهُ عليه، وأصلُهُ: النَّشرُ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]. ومَنْ قال: «تَنُثُّ»، بالنُّونِ: فمعناه: تُظهِرُ، يُقالُ: / نَثَّ الحديثَ يَنُثُّ. قال ابنُ الأعرابيِّ (١): النَّثَّاثُ: المُغْتَابُ. قال ابنُ حبيبٍ (٢): النَّثُّ والبَثُّ بمعنًى. ويُعضِّدُهُ (٣) ما / ورَدَ / مفسرًا في الحديثِ الآخرِ. قولُها: «ولا تُخرِجُ حدِيثَنَا»، و «تَنْثِيثًا» (٤): مصدرُهُ، ومن رواهُ: «تَفْشِيشًا» (٥)، فمعناهُ: اسْتِقْصَاءً على حدِيثِهِم ونَمًّا بِهِم.

стр. 264

وقولُها: «وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا»، قال أبو عُبيدٍ (١): التَّنْقِيثُ: / الإسراعُ في السَّيرِ. أي: لا تذهبُ به وتخونُ فِيهِ، وهذا مثلُ قولِه في الرِّوايةِ الثَّانية: «تَنْقُلُ»، وأصلُهُ مِنْ قولِهم: تَنَقَّثْتُ العَظْمَ، إذا استخرجتُ ما فيه. وقال النَّيسابورِيُّ (٢): التَّنْقِيثُ: إخراجُ ما في منزلِ (٣) أهلِهَا إلى غيرِهِم، وهما مُتقارِبَتَان. وقال ابنُ حبيبٍ (٤): معناهُ: لا تفسِدُهُ، ولا تُفرِّقُهُ، ولا تسرعُ / فيه. وليسَ مِنَ الإسراعِ في السَّيرِ، والتَّنْقِيثُ: مِنَ الفسادِ، والتَّفرِقَةِ. وقال ابنُ السِّكِّيتِ (٥): تنقِيثًا، أي: نَقْلًا. وقال ابنُ أبِي أُويسٍ (٦): لا تسرقُ. وعلى روايةِ مَنْ قال: «تَعُثُّ» (٧)، فمعناهُ: تُفْسِدُ. وكذلِك رُوِيَ: «تُفْسِدُ»، مُفسَّرًا في الحديثِ الآخرِ.

стр. 265

ومنهُ حديثُ أبي بكرٍ: إنَّ مِمَّا صَغَرَ عِندِي هذا الفَتْحَ وعَثَّثَهُ (١) عليَّ: بكاءُ الحيِّ على القتِيلِ (٢). قال ثابتٌ: أي: أفسدَهُ، وأصلُهُ: مِنَ العُثَّةِ، وهِيَ السُّوسَةُ، يُقالُ: عَثَّتْ الصُّوفَ، إذا أكَلَتْهُ. قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي [أَبُو الفَضْلِ] (٣) ﵁: فعلَى هذَا أيضًا، يَصِحُّ معنى: «تَعِثُّ» (٤)، أي: تأكلُ أكلَ فسادٍ كما تفعلُ السُّوسَةُ. وقولُها في روايةِ الزُّبيرِ: «تُفْسِدُ مِيرَتَنَا تَقْشِيشًا (٥)»، فمعناهُ عندي قريبٌ مِنَ الأوَّلِ، أي: لا تُفسِدُ ميرتَنَا بالنَّقلِ والخيانةِ والاحتجانِ (٦) والإسرافِ في أكلِها. قال الخليلُ: (أقَشَّ القومُ، وأنْقَشُوا) (٧): إذا اختَلَطُوا.

стр. 266

قال: و (القَشُّ، والإقْشَاشُ) (١): طَلَبُ الأكلِ (٢). قال ابنُ دُريدٍ (٣): والتَّقْشِيشُ (٤) مثلُه. قال: وقَشَّ (٥) ما على الخِوانِ إذا أكلَهُ أجمع. قال: (وقَشَشْتُ الشَّيءَ قَشًّا) (٦) إذا جمعتُهُ. وحكى الثَّعالِبِيُّ (٧)، عنْ الليثِ: (القَشُّ، والتَّقْشِيشُ) (٨): طلبُ الأكلِ من هُنا وهُنا. / و«المِيْرَةُ» (٩): ما يمتارُهَ البدوِيُّ مِنَ الحَضَرِ مِنْ دقيقٍ وغيرِهِ. فمعاني هذِه الألفاظِ وإنْ اختلفتْ متقارِبةٌ. وقولُها: «وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا»، فمنْ رواهُ بالعَيْنِ المُهملةِ، فمعناهُ: أي أنَّها مصلحةٌ للبيتِ، مُهْتَبِلَةٌ بتنظِيفِهِ وإلقاءِ كُناستِهِ وإبعادِهَا منه، وليستْ مِمَّنْ تضمُّ كُناسَتَهُ وسقطَهُ هاهنا وهاهنا، وتترُكُها مجتمعةً في أماكنَ منه كأنَّها الأعشاشُ، هكذا فسَّرَ هذا المعنى بعضُهم (١٠).

стр. 267

وقال ابنُ أبِي أُويسٍ (١)، / عن أبِيه: / أرادَتْ: أنَّها تقُمُّ بيتَنَا، ولا تدعُ فيه القُمامَةَ والقَشْبَ، فكأنَّه عشُّ طائرٍ في قذرِهِ وقَشْبِهِ. وقال الهروِيُّ (٢): «لَا تُفْسِدُ مِيرَتَنَا تَعْشِيشًا»، معناه: أنَّها لا تخونُنا في طعامنا؛ فتخبِّأُ في هذه الزَّاويةِ شيئًا وفي هذه شيئًا كالطُّيورِ إذا عَشَّشَتْ عِشَشَةً (٣) في مواضعَ شَتَّى. وقال الخطَّابيُّ (٤): هو مأخوذٌ مِنْ قولِهم: عَشَشَ الخبزُ، إذا فسدَ. يريدُ: أنَّها تُحسِنُ مُراعاةَ الطَّعامِ، وتتعاهَدُهُ بأنْ تُطعِمَ منه أوَّلًا / فَأوَّلًا طرِيًّا، ولَا تغفلُهُ فيفسُدُ. ومَن قال: «تَغْشِيشًا» بالغَيْنِ المعجمةِ، فهو مِنَ الغِشِّ. قال / الهروِيُّ (٥): وهو بمعنى الأول. وقال ابنُ السِّكِّيتِ (٦): هو مِنَ النَّمِيمةِ. وقولُها: «وَلَا تُنَجِّثُ أخْبَارَنَا تَنْجِيثًا»، أي: لَا تستخرِجُهَا (٧) استخراجًا.

стр. 268

والنَّجِيثَةُ (١): ما يخرجُ مِنَ البِئرِ من تُرابٍ. (ومثلُهُ: النَّبِيثَةُ) (٢). مَعْنَاهُ: وصفَتْهَا بالأمانةِ على السِّرِّ والمالِ، والقيامِ بمصالحِ خدمتِهِم، والنُّصحِ لهم، وأنَّها لا تُفشِي لهم حديثًا ولا تبذرُ لهم طعامًا، ولا تخونُ فيه، ولا تنقلُه إلى غيرِهم، ولا تُفسدُهُ، وتضيِّعُهُ، / ولا تُدخلُ بينهم الضَّغائنَ، ولا تُهملُ أمرَ خدمتِهِم وصلاحِ منزلِهِم. وَ غَرِيبُ قَوْلِهَا فِي ضَيْفِ أَبِي زَرْعٍ: «فِي رَتَعٍ ورِيٍّ» أي: تَنَعُّمٍ. قال اللهُ تعالى: ﴿نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ﴾ (٣) [يوسف: ١٢]. وأكثرُ تفاسِيرِهِ ترجعُ إلى اللهوِ والمسرَّةِ (٤). وقولُها: «طُهَاةُ أَبِي زَرْعٍ»، أي: طبَّاخُوه، وقال امرؤ القيسِ (٥):

стр. 269

فظلّ طُهاةُ اللَّحمِ من بَينِ مُنْضِجٍ ... ................................ وقولُها: «لَا تَفْتُرُ»، أي: لا تسكنُ ولا تضعفُ في خدمتِهَا، والفتورُ: السُّكونُ، والفتورُ: الضَّعفُ. وقولُها: «ولا تُعْدَى»، أي: لَا تُصرَفُ، قالَهُ ابنُ الأنبارِيِّ، يُقالُ: عدَاهُ عنْ الشَّيءِ يعدُوه إذا صرَفَهُ (١). قال ابنُ دُريدٍ (٢): ويُقالُ: العَدَاءُ والعُدْوَاءُ: الشُّغْلُ يَعْدُوكَ عنْ الشَّيءِ. / وقولُها: «تُقْدَحُ»، أي: تُغْرَفُ، والمِقْدَحَةُ: المِغْرَفَةُ، قالَه الهروِيُّ وغيرُهُ (٣). «وَتُنْصَبُ»: تُرفَعُ على النَّارِ. قال ابنُ دُريدٍ (٤): نَصبَ القومُ السَّيرَ إذا رفعُوهُ، وكلُّ شيءٍ رفعتَهُ، فقد نصبْتَهُ. والمِنْصَبُ: شيءٌ منْ حديدٍ تُنصَبُ عليه القِدرُ. وقد يكونُ النَّصْبُ مِنَ التَّعَبِ منْ قولِهم: عَيْشٌ ذُو مَنْصَبَةٍ، أي: كدٍ وتعبٍ.

стр. 270

وقولُها في مالِهِ: «عَلَى الجُمَمِ مَعْكُوسٌ»، الجُمَمُ: جمعُ جُمَّةٍ، وهم القومُ يسألونَ في الدِّيَةِ، قالَهُ ابنُ الأنبارِيِّ، وأنشد (١): * نَضْرِبُ فِي الهَيْجَا ونُعْطِي [فِي] (٢) الجُمَمِ * و «مَعْكُوسٌ»، أي: مَردُودٌ مَعطوفٌ. و «العُفَاةُ»: السَّائِلُونَ. و «مَحْبُوسٌ»: مَوقُوفٌ عليهم. مَعْنَاهُ: وصفتْ توسِعَتَهُ على ضيفانِهِ في المأكولِ والمشروبِ، / وإكرامَهُم بما يُطرِبُهُم / ويُلهِيهِم ويَسُرُّهم، وأنَّه جوادٌ كريمٌ، لا ينقطعُ إطعامُه، ولا تَغِبُّ قُدُورُهُ (٣)، ولا تَستريحُ طُهاتُهُ، وأنَّ مالَه محبوسٌ على السُّؤَّالِ والطَّالبين، موقوفٌ على مُبْتَغِي (٤) الرِّفْدِ وقاصدِي النَّيلِ، مردودٌ عليهم.

стр. 271

وغَرِيبُ قَوْلِهَا: «وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ»: الأوطابُ: تختصُّ بأسقيةِ اللبنِ، وتسمِيَةُ غيرِ أوعيةِ اللبنِ بها على ضربٍ من المجازِ والمُشابَهةِ، واحِدُها وَطْبٌ، وجمعُهُ المعروفُ: وِطَابٌ في الكثرةِ، وأَوْطُبٌ في القِلَّةِ، وقد جمعوا: أَوْطُبًا على أَوَاطِبَ، وأمَّا أَوْطَابٌ، فنادِرٌ (١). تَنْبِيهٌ: ذكرَ أبو سعيدٍ النَّيسابورِيُّ (٢): أنَّ جمعَ وَطْبٍ على أَوْطَابٍ في هذا الحديثِ مُنكرٌ في العربيَّةِ؛ لأنَّ فَعْلًا لا يُجمعُ على / أَفْعَالٍ. قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي (أَبُو الفَضْلِ) (٣) ﵁: لمْ يقُلْ أبو سعيدٍ شيئًا، أمَّا إنكارُهُ: أنْ يُجمَعَ وَطْبٌ على أَوْطَابٍ / في العربيَّةِ / فهذِهِ عربِيَّةٌ (فصِيحَةٌ) (٤) صَحِيحَةٌ (٥)، منقولةٌ على أفصحِ العربِ، وبأصحِّ الطُّرقِ؛ فحكاهَا [النَّبيُّ] (٦) ﷺ أو حكتْهَا عائشةُ ﵂ بحضرتِهِ ﷺ ، وروَاهَا / فُصحاءُ التَّابعين، ولا يحكُون لحنًا، وذكرُوها عن عربٍ، عارِبَةٍ وجاهليَّةٍ بائدةٍ قولُها حُجَّةٌ، وليتنا وجدْنا مثلَ هذه الطُّرُقِ في أكثرِ اللُّغةِ، ولا يُقالُ في مثل هذا: منكرٌ ولا خطأٌ، ولكنَّه يُقالُ: نادِرٌ، وكيف! وأئمَّةُ هذا الشَّأنِ يخالِفُونَه؟

стр. 272

قال الخليلُ (١): جمعُ الوَطْبِ: وِطَابٌ، وأوْطَابٌ. وحكَى مثلَه ابنُ دُريدٍ في «الجمهرة» (٢). وأمَّا قولُه: فإنَّ فَعْلًا لا يُجمعُ على أَفْعَالٍ، فغيرُ مُسَلَّمٍ؛ فقد جُمِعَ فَعْلٌ على أَفْعَالٍ في حُروفٍ معلومةٍ؛ قالُوا: أَزْنَادٌ، وأَفْرَاخٌ، وأَفْرَادٌ، وأَجْدَادٌ، وأَنْفٌ وآنَافٌ، ورَفْغٌ، وأَرْفَاغٌ، ورَأْدٌ، وأرآد (٣)، حكاهَا سِيبوَيْه ﵀، قال: وقد يجيء في فَعْلٍ أفعالٍ مكان أفعُلٍ، كما قال الشَّاعرُ (٤): ........................ ... وزَنْدُكَ أَثْقبُ أَزْنادِهَا قال سِيبوَيْه (٥): وليسَ ذَا بالبابِ في كلامِ العربِ، يعني: أنَّهُ ليسَ بالمُطَّرِدِ، ومثلُهُ (٦):

стр. 273

.............. ... وأَمْسَتْ على آنافِها غَبَراتُها قال (١): والقياسُ في فعلٍ: أفْعُلٌ في القليلِ، وفي الكثيرِ: فَعَالٌ أو فُعُولٌ، وما سوى ذلك فلا يُعلمُ إلَّا بالسَّمعِ. وحكى الفَرَّاءُ (٢): أَحْلَاقٌ جمعُ حَلْقٍ. وفي الحديثِ الصَّحيحِ: «علَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ» (٣)، جمعُ نَقْبٍ. وأمَّا ما كانَ عينُهُ ياءً، أو وَاوًا منْ بابِ فَعْلٍ فجمعُهُ في القليلِ: أَفْعَالٌ، نحو: أسْوَاطٌ، وأَثْوَابٌ، وأَنْوَاعٌ، وأَقْوَاسٌ، وأَلْوَاحٌ، وأَبْيَاتٌ، وأقْيَادٌ، وأشْيَاخٌ، وأَعْيَارٌ وأعْيَانٌ، وهو بابٌ مُطَّرِدٌ كثيرٌ مُستعملٌ معروفٌ في المُعتَلِّ، وهو في الصَّحيحِ نادِرٌ، وقد قالُوا: / أَهْلٌ وآهَالٌ، وأَرْضٌ وأرَاضٌ، ومثلُهُ: أجْفَانٌ، وأشْكَالٌ، وحَكى بعضُهم حَمْلٌ وأَحْمَالٌ، وحَبْرٌ وأحْبَارٌ. وقد يُقالُ: إنَّ أفْعَالًا هاهُنا محمولٌ على فِعْلٍ؛ فقد قالُوا: حِبْرٍ أيضًا، وقالُوا: حِمْلٍ. كما حملوا أشعارًا وأنهارًا على فَعَلَ، مِنْ: شَعَرَ، ونَهَرَ، فلا يُنكَرُ ما جاءَ على هذا إذا سُمِعَ / كما قال سِيبوَيْه (٤) ﵀.

стр. 274

وقد / رأيتُ في بعضِ رواياتِ هذا الحديثِ في أصلٍ قديمٍ منْ كتابِ النَّسائِيِّ روايةِ: حَمْزَةَ الحافظِ: «والإطَابَ تُمْخَضُ»، مَبْشُورَ الواوِ مُصلَحًا، فإن صحَّتْ هذه الرِّوايةُ ولمْ تكنْ وهمًا وإسقاطًا، فهي على الأصلِ وجمعِ وِطَابٍ، ثمَّ أبدلَ الواوَ همزةً، كما قالُوا: إِشَاحٌ ووِشَاحٌ، ووِعَاءٌ وإِعَاءٌ، ووِكَافٌ وإِكَافٌ، ووِقَاءٌ وإِقَاءٌ، ووِسَادَةٌ وإِسَادَةٌ، واللهُ أعلمُ. ووقعَ في روايةِ يعقوبَ بنِ السِّكِّيتِ- في زيادةٍ غريبةٍ وقعتْ في بعضِ نُسخ «الألفاظِ» على الأصلِ- حدَّثنا بهذه الزِّيادةِ: شيخُنا (أبو عبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ سُليمَانَ النَّحْوِيُّ (١)، عنْ) (٢) خالِهِ أبي محمَّدٍ غانمِ بنِ وَلِيدٍ (٣)، وفي أصلِهِ قرأتُ، ومنه نقلتُ، عنْ أبي عُمَرَ السَّهمِيِّ (٤) بسندِهِ إلى يعقوبَ ﵀.

стр. 275

مَعْنَاهُ: قولُها: «خَرَجَ أبُو زَرْعٍ، والأَوْطَابَ تُمْخَضُ»، يُحتملُ / أنَّها أرادتْ تبكيرَ خروجِهِ من منزِلِها، وغُدُوِّهِ لذلك؛ لأنَّه وقتُ قيامِ الخدمِ والعبيدِ لأشغالِهِم ومِهنِهِم، وانْطوَى أثناءَ ذلك كثرةُ خيرِ دارِهِ، وغُزْرُ لبنِهِ، وأنَّ عندَهم منه ما يُشربُ صَرِيحًا، ومَخِيضًا، ويَفضُلُ عنْ حاجتِهِم، حتَّى يَمخُضُوهُ في الأوطابِ ويَستخرجوا زُبْدَهُ وسَمْنَهُ، كمَا قالَتْ: «فَنَقَلَنِي إلى أَهْلِ صَاهِلٍ، وجَامِلٍ / وَدَائِسٍ، وَمُنِقٍّ». ومِنْ هذا: حديثُ الحَجَّاجِ وقد سألَ وافِدًا عليه عَنْ الغَيْثِ، فقال لهُ: كانتْ سماءً، ولم أَرَهَا، وسَمِعتُ الرُّوَّادَ تدعوا إلى زِيادَتِها، وسمِعتُ قائلًا يقولُ: هَلُمَّ أُظْعِنُكُم، إلى مَحِلَّةٍ تُطْفَأُ / فِيهَا النِّيرَانُ، وتَشتَكِي فيها النِّساءُ، وتَنافَسُ فيها المِعْزَى، قال: فلمَ يفهَمْ الحَجَّاجُ مُرادَهُ، فاعْتَلَّ عليه، وقال لهُ: إنَّما تُخاطبُ أهلَ الشَّامِ فَأَفْهِمْهُمْ، فقال: أمَّا طَفْءُ النِّيرانِ، / فأخصبَ النَّاسُ وكثُرَ الزُّبدُ والسَّمنُ واللبنُ، فاستَغْنَوا عن النَّارِ للخُبْزِ، وأمَّا تَشكِّي النِّساءِ، فإنَّ المرأةَ تَرْبُقُ بَهْمَهَا، وتُمخَضُ لبَنَها، فتَبِيتُ ولَهَا أنِينٌ من عَضُدَيْها، في حديثٍ طويلٍ (١).

стр. 276

ويحتملُ أنْ تريدَ: أنَّه خرجَ في استقبالِ الزَّمنِ وطِيبِهِ وربِيعِهِ، ووقتِ يَمخُضُ النَّاسُ، وأنَّ خروجَه- إمَّا لسفرٍ أو غيرِهِ- كانَ في هذَا الزَّمنِ، فتكونُ الفائِدةُ في الاحتمالِ الأوَّلِ: تعريفَهَا بخروجِهِ عنها بُكرةً من النَّهارِ، / وفي الاحتمالِ الثَّاني: إعلامَها بوقتِ خروجِهِ عنها في فُصولِ الزَّمانِ. وقولُها: «مَعَهَا وَلَدَانِ كَالفَهْدَيْنِ» - وفي روايةٍ: «كالصَّقْرَيْنِ» - وصفتْ ولدَيْهَا بالفهدينِ أو الصَّقرينِ؛ لِأَسْرِ خلقِهِمَا، واكتِنَازِ أجسامِهِمَا؛ واحتاجَتْ إلى ذكرِهما هاهُنا- واللهُ أعلمُ- لِتنبِّهَ أنَّ ذلك كانَ أحدُ أسبابِ تزوِيجِ أبي زرعٍ لها؛ لأنَّ العربَ كانتْ ترغبُ في الأولادِ، وتحرصُ على النَّسلِ وكثرةِ العددِ، وتستعدُّ لذلك بالنِّساءِ المُنجِباتِ في الخَلْقِ والخُلُقِ؛ فيحتملُ أنَّ أبَا زَرْعٍ لمَّا رأى هذِه المرأةَ، وأعجبَهُ خَلْقَها، وولدَاها، لِكمالِ خلقِهِمَا، وظهورِ مخايلِ النَّجابَةِ فيهما، حرصَ عليها.

стр. 277

وقال إسماعيلُ بنُ أبِي أُويسٍ (١): «سَارَّيْنِ، حَسَنَيْنِ، نَفِيسَيْنِ». ومن رواهُ: «أَخَوَاهَا» (٢)، / خِلافُ المشهورِ والأصحِّ والأكثرِ من الرِّواياتِ، فإنْ حُمِلَ على ظاهرِهِ، كان أمدحَ لهَا، وأدَلَّ على صغرِ سِنِّها، ونهودِ ثَديِهَا، كما قال الهُذَلِيُّ (٣):

стр. 278

............ ... لَهَا كُنْيَةٌ عمرٌو وَلَيْسَ لَهَا عَمْرُو ويُؤيِّدُهُ: قولُه في روايةِ غُنْدَرٍ (١): «فَمَرَّ بِجَارِيَةٍ شابَّةٍ». وقدْ يُتأوَّلُ فيُجمعُ بينَهُ وبينَ روايةِ مَنْ روى أنَّهما ولدَاها بأنْ (٢) يُجعلَا أخوَين لَهَا في حُسنِ الصُّورةِ، وكمالِ الخِلقةِ. وقولُها: «يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا / بِرُمَّانَتَيْنِ»، ذهبَ بعضُهم إلى أنَّه أرادَ ثديَيْهَا، وردَّ هذَا أبُو عُبيدٍ (٣) قال: وليسَ هذَا موضِعَهُ، وإنَّما أرادَ أنَّها ذاتُ كَفَلٍ عظيمٍ، فإذا اسْتَلقَتْ نَتَأَ الكَفَلُ بِها عنْ الأرضِ حتَّى تصيرَ تحتَها فجوةٌ يَجرِي فيها الرُّمَّانُ. ويُؤيِّدُ تأوِيلَ / أبي عُبيدٍ: ما وردَ في إحدى الرِّواياتِ المُتقدِّمَةِ: «يُرْمَى مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِالرُّمَّانَتَيْنِ» ولا يُقالُ في الثَّديَيْنِ: «يُرْمَيَانِ». ويُعضِّدُهُ أيضًا: ما وقعَ مفسَّرًا في حديثِ أبي مُعاويةَ، عنْ هشامٍ الَّذي قدَّمناه، وقولُهُ فيه: «فَمَرَّ بِجَارِيَةٍ يَلْعَبُ مَعَهَا أَخَوَاهَا، وَهِيَ مُسْتَلْقِيَةٌ عَلَى قَفَاهَا، وَأَخَوَاهَا مَعَهُمَا رُمَّانَةٌ يَلْعَبَانِ بِهَا، يَرْمِيَانِ بِهَا مِنْ تَحْتِهَا فَتَخْرُجُ مِنَ الْجَانِبِ الآخَرِ، مِنْ عِظَمِ أَلْيَتِهَا» (٤)، ففسَّرَ الأمرَ كما تَراهُ، فإنْ سلِمَتْ هذِه الرِّوايةُ مِنْ

стр. 279

عِلَّةٍ ارتفعَ الاحتمالُ. علَى أنَّ هذا الكلامَ بعيدٌ مِنْ لفظِ (١) كلامِ أمِّ زرعٍ جدًّا. ويُعضَّدُ التَّأويلَ الآخرَ: قولُه في الرِّوايةِ الأُخرى: «يَلعَبَانِ مِنْ تَحْتِهَا»، / و «مِنْ تَحْتِ / صَدْرِهَا»، وقولُه في روايةِ غُنْدَرٍ (٢): «يُلْعَبُ مِنْ تَحْتِ دِرْعِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ»؛ ولأنَّ العادةَ لمْ تجرِ بلعبِ الصِّبيانِ ورميِهِم بالرُّمانِ تحتَ أصلابِ أمَّهاتِهِم، وكيفَ تجلسُ هذِهِ المرأةُ لهم وتسْتَلقِي حتَّى / يُشاهِدَ منها الرِّجالُ هذا ومِنْهُمْ؟ وأيضًا: فإنَّ حملَ «الرُّمَّانَتينِ» بالألفِ واللامِ على ما وقعَ في بعضِ الرِّواياتِ على رُمَّانتينِ مِنَ الرُّمَّانِ لا يجوزُ في العربِيَّةِ؛ لأنَّ رُمَّانَتينِ مِنَ الرُّمَّانِ نَكِرتَانِ، ولَا يَصحُّ أنُ تَدْخُلَ (٣) فيها الألفُ واللامُ، ولا يصحُّ أنْ يُريدَ رُمَّانَتَينِ مِنَ الرُّمَّانِ معهودَتَينِ، والأشبهُ أنْ يكونَ المرادُ بِهما النَّهدينِ، ويكونَ قولُه: «يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا، أَوْ صَدْرِهَا»: / أي أنَّ ذلك مكانُ الولدَين، لا مكانُ الرُّمَّانتينِ، وأنَّ ولدَيهَا كانَا في حِضْنَيْهَا، أو حَفَافَيْ جنبَيْهَا. وتشبيهُهُ النَّهدَينِ بالرُّمَّانتين؛ يدلُّ على نُهودِهِما وكُعُوبِهِما، وذلك لِصغرِها، وفَتَاءِ سِنِّهَا، وأنَّها بَعْدُ مِمَّنْ لمْ تُسِن وتَتَرهَّلْ وتُهَبَّلْ، فتنكسِرْ ثديَاها وتَتَدَلَّى، وليسَ يُشبَّهَانِ حينئذٍ بالرُّمَّانِ. وذهب الدَّاوُدِيُّ (٤) أنَّ معنى هذا: أي يَرمِيَان مِنْ تحتِها إذا رقدَتْ على

стр. 280

جنبِهَا؛ لِرِقَّةِ خَصرِها. والكلامُ فيه على ما تقدَّمَ. وقولُها: «وَكُلُّ بَدَلٍ أَعْوَرُ»، فهذا مَثَلٌ (١)، ومعناهُ: أنَّ البدلَ مِنَ الشَّيءِ لا يقومُ مقامَ المُبدلِ منه، وأنَّه دونَه وأنْزَلُ منه. وقولُها: «أَعْوَرُ»، أي: مَعِيبٌ رَدِيءٌ، وليس مِنْ عَوَرِ العينِ، حكَى ثَعْلَبٌ (٢): الأعْوَرُ: الرَّدِيءُ، قال: والعربُ تقولُ للرَّدِيءِ مِنْ كُلِّ شيءٍ: أعورُ، والأُنثى عَوْراءُ، ومنهُ قالُوا: كَلِمةٌ عَوْرَاءُ، أي: قبِيحَةٌ. / قال الشَّاعرُ (٣): / إذا قِيلَتِ العَوْراءُ أَغْضَى (٤) كَأَنَّهُ ... ذَلِيلٌ بِلا ذُلٍّ ولَوْ شاء لانْتَصَرْ وقال الكُمَيْتُ (٥): ..................... ... وَلَا استعذب العوراء يَوْمًا فَقَالَهَا فأخبرتْ أنَّ هذا البدلَ لم يَسُد مسدَّ أبي زرعٍ كما فسرتْهُ بعد هذا. و«السَّرِيُّ»، بالسِّينِ المُهمَلةِ: الرَّجلُ السَّيِّدُ ذُو السَّرْوِ، أي المُرُوءَةِ، قال

стр. 281

الحربِيُّ في تفسِيرِهِ: سَخِيًّا، / والسَّرِيُّ مِنْ كُلِّ شيءٍ: خِيَارُهُ، ويُقالُ: بالشِّينِ المُعجمةِ أيضًا، والجمعُ: سَرَاةٌ، وشَرَاةٌ، حكاهُمُا يعقوبُ (١). وحكى لَنا شيخُنا أبو الحُسينِ ابنُ سِرَاجٍ ﵀ عنْ أبي عليٍّ القالِيِّ: أنَّ الشَّرَاةَ (٢) بالشِّينِ المُعجمةِ أيضًا: الرَّدِيءُ فهو مِنَ الأضدادِ (٣). و«الشَّرِيُّ»، بالشِّينِ المُعجمةِ: الفرسُ الَّذي يَستشرِي في سيرِهِ، أي: يَلِجُ ويمضِي بِلا فُتورٍ ولا انكِسَارٍ (٤). قال ثابِتٌ (٥): / شَرِيَ البَعِيرُ في سيرِهِ: إذا أسرعَ، ومنه: شَرِيَ البرْقُ إذا كثُرَ لمعانُهُ، وشَرِيَ الأمرُ إذا تَرَامى وتفاقَمَ. وقال مَعْمَرٌ (٦): معناهُ: جادُّ السَّيرِ.

стр. 282

وقال يعقوبُ: فرسٌ شَرِيٌّ: خِيارٌ فائقٌ (١). ومن رَوى: «أَعْوَجِيًّا»، فهو منسوبٌ إلى فرسٍ اسمُهُ: أَعْوَجُ، هو مِنَ الخيلِ العِرابِ (٢) المشهورةِ / الَّتي تَنسبُ العربُ إليها جِيادَ الخيلِ، وهما فرسانِ: أحدُهما فرسٌ كانَ لِكِنْدةَ، ثمَّ تصيرُ لسُلَيمٍ، ثمَّ لبني هِلالِ بنِ عامِرٍ. قال ابنُ خَالَوَيْه: وكانَ لبعضِ الملوكِ- يعنى من كندة- فغزَا بَنِي سُلَيمٍ، فقتلُوه وأخذُوا فرسَهُ. وقال أبو العبَّاِس المُبَرّدِ (٣): أعوجُ فرسٌ لغَنِيٍّ، وقيل: لِبني كِلابٍ. قيل: وسُمِّي: أعوَجٌ؛ لأنَّه رُكِبَ صغيرًا / رطبًا قبلَ أنْ تشتدَّ عظامُهُ، فاعوَجَّتْ قوائِمُهُ. وقيل: بل اعْوَجَّ ظهرُهُ (٤). وأمُّهُ: سَبَلُ (٥)، / فرسٌ كانتْ لغنِيٍّ مشهورةٌ أيضًا. وهذَا هَو أَعْوَجُ الأصغرُ، وأمَّا أعوجُ الأكبرُ، فمشهورٌ أيضًا، وهو ولدُ فرسٍ اسمُهُ أزاو (٦) (الهِجْرِس.

стр. 283

والهِجْرِسُ) (١): ولدُ فرسٍ اسْمُهُ: (الدِّينَارُ، والدِّينَارُ) (٢): ولدُ زَادِ الرَّاكِبِ، فرسٌ لسُليمانَ بنِ دَاودَ ﵉، مِنْ بَقِيَّةِ الخيلِ الَّتي خرجَتْ لهُ منَ البحرِ، وكانَ أعطاهُ لقومٍ وَفَدُوا عليه مِنْ جُرْهُمَ، وقال لهُم: تَصِيدُوا على هذَا الفرسِ ما شِئتُمْ. فكانَ لا يفوتُهُ شيءٌ، فسُمِّيَ: زَادَ الرَّاكِبِ (٣). قال ابنُ خَالَوَيْه (٤): وإليه تُنسبُ أكثرُ الأفراسِ المشهورةِ. ذكرَ لنا ذلِكَ كلَّهُ الأستاذُ أبو عبدِ اللهِ ابنُ سُليمانَ، وبعضُهُ عن غيرِهِ، وذكرَ مثلَهُ ابنُ لَهِيعَةَ (٥) الأَخْبَارِيُّ في كتابِ: «الحَلائِبِ والجَلائِبِ» (٦).

стр. 284

و «الخَطِّيُّ»: الرُّمحُ، نُسِبَ إلى الخَطِّ، وهو موضِعٌ من ناحِيةِ البَحْرَيْنِ، تأتي الرِّماحُ إليها مِنَ الهِنْدِ، ثمَّ تُفرَّقُ منَ الخَطِّ إلى بلادِ العرَبِ فَيُنْسَبُ إليه، ولا يصحُّ قولَ منْ / قال: إنَّ هذا (المَوضِعَ) (١) يَنْبِتُ الرِّماحَ (٢). وقيل: إنَّ سفينةً في أوَّلِ الزَّمانِ مملُوءَةٌ رماحًا، قذَفَها البحرُ مرَّةً إلى هذه النَّاحيةِ، فخرجَتْ رماحُهَا فيها، فنُسِبَ إليها (٣). وقيلَ: الخَطُّ: السَّاحِلُ، وكلُّ ساحِلٍ خَطٌّ، حكاهُ صاحِبُ «الجَمْهَرَةِ» عنْ بعضِ اللُّغَوِيين، قال: والخَطُّ: سيفُ البحرَيْنِ، وعُمَانَ (٤). و«أَرَاحَ»: مِنَ الرَّوَاحِ، ومعناهُ: أتى بِهَا للمُرَاحِ، وهو موضِعُ مبِيتِ الماشِيَةِ، ولهذا سمَّاها بعْدُ: «رَائِحَةً» (٥). وقال ابنُ أبي / أُوَيسٍ (٦): تقولُ: غَزَا فأَتَى بنَعَمٍ كثيرةٍ. و«النَّعمُ»: الإبِلُ خاصَّةً، جمعٌ لا واحِدَ لهُ مِن لفظِهِ، وذكرَ بعضُهُم: أنَّه ينطَلِقُ / أيضًا على جماعةِ المواشِي إذا / كانَ فيها إبِلٌ. والأنْعَامُ المَواشِي مِنَ الإبِلِ وغيرِها. وقد قيل: إنَّ النَّعمِ والأنْعَامِ بمعنًى واحدٍ، والنَّعمُ تُذَكَّرُ وتُؤنَّثُ؛

стр. 285

قال اللهُ تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، ثمَّ قالَ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] فذكرَ أنواعَ المَاشِيَةِ (١). ووقعَ في بعضِ الرِّواياتِ: «نِعَمًا»، جمعُ نِعمَةٍ، والأشهَرُ: «نَعَمًا» بالفتحِ. و «الثَّرِيُّ»: الكثيرُ مِنْ كلِّ شيءٍ، يُقالُ: ثَرِي بنُو فُلانٍ بِبَنِي (٢) فُلانٍ، أيْ صارُوا أكثرَ مِنهُم، ويُقالُ: أثْرَى الرَّجُلُ: إذا كَثُرَ مالُهُ. وقولُهُ: «مِيرِي أَهْلَكِ»، أيْ: صِلِيهم بالمِيرَةِ، وهي الطَّعامُ، وأصلُهُ مِنْ امْتِيارِ البَوَادِي مِنَ الحَوَاضِرِ. / عَرَبِيَّتُهُ: قولُها: «نَعَمًا، أو نِعَمًا ثَرِيًّا»، والنَّعمُ مُؤنَّثَةٌ، وجاءَ بـ: «ثَرِيٍّ» الَّذي هو وصفُ المُذكَّرِ، ولمْ يأتِ فيه بعلامةِ تأنِيثٍ، فيقول: «ثَرِيَّةً»، وكذلِك يلزمُ على القولِ بِتأنِيثِ النَّعَمِ، ولكنْ وجْهُهُ: أنَّ كلَّ ما ليسَ بحقِيقِيِّ التَّأنِيثِ، فلكَ وجْهانِ في إظهارِ علامةِ تَأنِيثِهِ في الفعلِ واسمِ الفَاعِلِ والصِّفَةِ أو تركِها، وكذلِك في جُموعٍ مِنَ المُذكَّرِ والمُؤنَّثِ الحقِيقِيِّ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠]، و ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات: ١٤]، / وقال: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١]، و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]. وقال الشَّاعرُ (٣):

стр. 286

......... ... طَوِيلًا سَوَارِيه شَدِيدًا دَعائِمُهْ وقال (١): ............................ ... لَئِيمٍ مَآثِرُهُ قُعْدُد كما لو قال: كثيرةٌ، ومُنقعِرَةٌ، وطوِيلةٌ، وشدِيدةٌ، / ولئيمةٌ، الوجهانِ جائِزان. وأما على رِوايةِ: «النِّعَمِ»، والقولُ بأنَّها مذكَّرةٌ، / فهو الوجهُ، فَلا يُحتاجُ فيه إلى كلامٍ. مَعْنَاهُ: وصفتْ هذا الرَّجُلَ الَّذي تزوجَتْهُ بالسُّؤدُدِ في ذاتِهِ، والسَّعَةِ في ذاتِ يدِهِ، وأنَّهُ صاحبُ حربٍ ورُكوبٍ، وبالإحسانِ إليها، والتَّفضُّلِ على أهلِهَا. ثمَّ أخبرتْ أنَّه مع هذا كلِّهِ لمْ يقعْ عندَها موقِعَ أبِي زَرعٍ، وأنَّ كثيرَهُ دونَ قليلِ أبي زرعٍ، فكيفَ بكثيرِهِ؟ وأنَّ حالَ هذا الآخَرِ عندَها معِيبٌ إذا أضافتْهُ إلى حالِ أبي زرعٍ، مع إساءَةِ أبي زرعٍ لها أخيرًا في تطلِيقِهَا، والاستبدالِ بِهَا، ولكِنْ حُبُّهَا لهُ بغَّضَ إليها النَّاسَ بعدَهُ؛ ولهذا كرِهَ أولُو الرَّأيِ تزوِيجَ امرأةٍ لها زوجٌ طلَّقَها، لمَيلِ نفسِها إليهِ. وقالُوا: لا تتزَوَّجْ: حَنَّانَةً، ولا أَنَّانَةً، ولا مَنَّانَةً. ففي الحنَّانَةِ وجهانِ:

стр. 287

أحدهما: الَّتي لها زوجٌ، فهي تحِنُّ إليه. والثَّانِي: الولدُ مِمِّنْ قبْلَكَ، فهِيَ أيضًا كثيرةَ الحنينِ إليه، مُشتغِلةً به عنْكَ. والأَنَّانَةُ: الكثيرةُ الأمراضِ، فهِيَ تَئِنُّ أبدًا، فلا يَصفُو عيشُك معها لذلك. والمَنَّانَةُ: الَّتي لَها مالٌ تَمُنُّ عليك به (١). وقولُها: «وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ» - ويُروَى: «وآتَانِي مِنْ كُلِّ سَائِمَةٍ زوجًا». وآتَانِي، وأَعْطَانِي: بمعنًى واحدٍ. و «السَّائِمَةُ»: الرَّاعِيَةُ. و «الرَّائِحَةُ»: أصلُهُ: الآتِيَةُ وقتَ الرَّواحِ، وهو آخرُ النَّهارِ، ومنه سُمِّيَ المُراحُ، وهو موضِعُ مَبِيتِها، والرَّواحُ ضِدُّ الغُدُوِّ، / وفي الحديثِ: «لَغَدْوَةٌ فِي / سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ» (٢)، وفيه: «كَالطَّيْرِ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (٣).

стр. 288

وقد وجدُ لَلعربِ استعمالُهُ / / في النَّهارِ كُلِّهِ، حكاهُ الهروِيُّ وغيرُهُ (١)، وعليه حملَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وغيرُهُ حديثَ: رَوَاحِ الجُمُعِةِ (٣)، ويُقالُ: تَرَوَّحَ القومُ،

стр. 289

ورَاحُوا: إذا سَارُوا أيَّ وقتٍ كانَ (١). ومَنْ رَوَاهُ: «وَأَراحَ علَيَّ مِنْ كُلِّ سَائِمَةٍ زَوْجَيْنِ، وَمِنْ كُلِّ / آبِدَةٍ اثْنَيْنِ». فالآبِدَةُ: المُتَوَحِّشَةُ، والجمعُ: أوَابِدُ، يُقالُ: أَبَدَتْ (تأبُدُ) (٢) إذا توحَّشَتْ، ومنه: كلمةٌ آبِدَةٌ، ورمَاهُ بآبِدَةٍ، أيْ: بكلمَةٍ غريبَةٍ لم يُعْهدْ مثلُهَا، والأَوَابِدُ: الوَحْشُ، قال امرُؤُ القَيْسِ (٣): . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكل وقد تُشَبَّهُ بِها الإبِلُ المُؤبَّلَةُ، والنَّعَمُ المُهْمَلَةُ. (عَرَبِيَّتُهُ (٤): ومنْ رَوَاهُ: «مِنْ كُلِّ ذِي رَائِحَةٍ»، فعلى قولِهِ: ذَا صَبَاحٍ، وذَاتَ يَوْمٍ، كأنَّهُ دَعْمٌ للكلامِ وصِلَةٌ لهُ) (٥)، وإلَّا فـ «ذِي» أصلُهَا ألَّا تُضافَ إلَّا إلى الأجناسِ، كقولِكَ: ذُو مالٍ، وذُو علمٍ، ولا تُضافَ إلى الصِّفاتِ، فتقولُ: ذُو عالِمٍ ولا ذُو عاقِلٍ؛ لأنَّه يُكْتفَى بِذكرِ الصِّفةِ عنها، بخلافِ الجنسِ الَّذي لا تَصِفُ به إذا أَرَدْتَ الوصفَ إلَّا بـ «ذي»، أو بِتصَرُّفِ اسمِ صِفةٍ منه، فأدْخَلْتَ: «ذِي» لِتتوصَّلَ بها إلى الوصفِ بالأجناسِ، ولأجلِ ذلك لمْ تُضَفْ إلى صِفَةٍ مُشتقَّةٍ، وإنَّما

стр. 290

تُضافُ إلى ظاهرٍ غيرِ صفَةٍ، ولا أعلمُ لهذِهِ القِصَّةِ (١) مِثْلًا في كلامِ العربِ. مَعْنَاهُ: أرادَتْ بقولِها هذَا: كثرَةَ ما أعطَاهَا مِن جميعِ ما يَرُوحُ إلى منزِلِهَا، / من إبلٍ، وبقرٍ، وغنمٍ، وعبيدٍ، ودوابٍّ، / وأنَّه أعطاها أصنافًا مِنْ ذلك ولم يقتصِرْ على الفَرْدِ في ذلك، حتَّى ثنَّاهُ وضعَّفَهُ؛ إحسانًا إليها، وتكرُّمًا عليها، وأنَّه صاحبُ صيدٍ وقنصٍ، يرُوحُ بِها مَثنى مَثنى، ويضيفُها إلى ما اكتسبَ واقتَنَى. و «الزَّوْجُ»: يقعُ على الواحدِ، ويقعُ على الاثنينِ، ولذلك قالُوا: زَوجَانِ، / ولكنْ لا يقعُ على الواحدِ إلَّا إذا كانَ معه آخرُ، قالَهُ الهَرَوِيُّ (٢). وقال ابنُ دُرَيدٍ (٣): الاثنانِ: زوج وزوجان. والزَّوجُ: الصِّنْفُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى: ٥٠]، وقولُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، أي: أصنافًا. وأنكرَ ابنُ الأنبارِيِّ (٤) أنْ يُسمَّى الاثنانِ زوجًا، وإنَّما يُقالُ لهُمُا: زوجَانِ. وقولُ النَّبيِّ ﷺ لعائشةَ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»: تطيِيبًا لنفسِهَا، ومبالغةً في حُسنِ معاشرتِها؛ لما ذكرَتْهُ أمُّ زرعٍ منْ حُسنِ صحبتِهِ لها، وشكرَتْهُ منْ جِماعِ حالِهِ معها، ثمَّ استثنى من ذلك الأمرِ المكرُوهَ منه، بقوله: «إنَّهُ طلَّقَهَا وإنِّي لَا أُطُلِّقُكِ»؛ تتمِيمًا لِتطيِيبِ نفسِها، وإكمالًا لطُمأنينَةِ قلبِهَا، ورفعًا للإيهامِ، لعمومِ التَّشبيهِ بجُملةِ أحوالِ أبي زرعٍ؛ إذ لم يَكُنْ فيها ما يُذَمُّ سِوَى طلاقِهِ لها.

стр. 291

ومثلُهُ قولُه في الرِّوايةِ الأُخرى: «فِي الْأُلْفَةِ والرِّفَاءِ، لَا فِي الفُرْقَةِ والخِلَاءِ»، أي: في الاتفاقِ لا في الافتراقِ؛ لأنَّ الرِّفاءَ هو مِنْ بابِ الأُلفةِ والاتِّفاقِ، والخِلاءَ مِنْ بابِ الفُرقةِ والطَّلاقِ. قال أبو عُبيدٍ (١): يكونُ / الرِّفاءُ بمعنَيينِ: / يكونُ مِنَ الاتفاقِ / وحسنِ الاجتماعِ، / ومنهُ رَفْوُ الثَّوبِ؛ لأنَّه يَضُمُّ بعضَهُ إلى بعضٍ، ويكونُ الرِّفاءُ مِنَ الهُدُوءِ والسُّكونِ. وقال أبو زَيْدٍ (٢): الرِّفَاءُ: المُوَافَقَةُ، وقيل: الرِّفاءُ: المالُ، حكاهُ المُفَضَّلُ (٣) عن اليَمَامِيِّ (٤) في «مُنْتخبِهِ». وقيل: الرِّفاءُ: السُّرورُ. وقال ابنُ الأنبارِيِّ (٥): الخِلاءُ: المُباعدَةُ والمُجانَبَةُ، وكأنَّه مأخوذٌ مِنْ خِلَاءِ الإبلِ، وهو كالحِرَانِ للدَّوَابِّ، ومنهُ حديثُ النَّبيِّ ﷺ يومَ الحُدَيْبِيَةِ: «مَا خَلَأَتِ (القَصْوَاءُ) (٦)» (٧).

стр. 292

لاسِيَّمَا وقد وردَ في رِوايةِ أبي مُعاوِيَةَ الضَّريرِ ما دَلَّ أنَّ / الطَّلاقَ لم يكنْ مِنْ قِبَلِ أبي زَرْعٍ واختيارِه؛ فإنَّهُ قال: «فَلَمْ تَزَلْ بِهِ أُمُّ زَرْعٍ حَتَّى طَلَّقَهَا» (١). وقول عائشة ﵂: «بَأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، بَلْ أَنْتَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَبِي زَرْعٍ»: جوابُ مثلِهَا في فضلِهَا وعلمِهَا؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا أخبَرَها أنَّه لهَا كأبِي زرعٍ لأُمِّ زرعٍ، لِفَرْطِ محبَّةِ أمِّ زَرْعٍ لهُ وإحسانِهِ لها، أخبرَتْهُ هي أنَّه عندها أفضلُ، وهي لَهُ أحبُّ مِنْ أمِّ زرعٍ لأبِي زَرْعٍ. عَرَبِيَّتُهُ: قولُه ﷺ : «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ» أي: أنا لكِ كأبي زرعٍ لأُمِّ زرعٍ، كما قال بعضُهم في قولِه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتُم، وكان زائِدَةٌ. قالُوا: مثله قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾ [مريم: ٢٩] أي: هو في المَهْدِ. وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: أنتَ عليها. و ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) [النمل: ٢٧] وفي بعضِ هذا اختلافٌ. / قالُوا: ومنه قولُه في الحديثِ: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» (٣).

стр. 293

وقد يحتملُ عندِي غيرَ هذا / ما قالُوهُ، وأنشدُوا (١): .......................... ... وَجِيرَانٍ لنَا كَانوا كِرَام وقد يصحُّ أنْ تكونَ: «كُنْتُ» هَاهُنا على بابِها في النَّقصِ والاستعمالِ وإفادةِ زمانٍ مُحصَّلٍ، أي: كنتُ لكِ في سابِقِ علمِ اللهِ وقضائِهِ كأبِي زرعٍ لأُمِّ زرعٍ، في إحسانِهِ لهَا، ومحبَّتِها فيه. ويَتوجَّهُ فيها أيضًا وجهٌ ثالثٌ: وهو أنْ تكونَ: «كَانَ» على بابِهَا، ثمَّ يُرادُ بِهَا الاتصَالُ، أي: كنتُ لكِ فيما مَضَى مِنْ صُحبَتِي لكِ وعِشرَتِي إيَّاكِ كأبِي زرعٍ لأُمِّ زرعٍ (٢)، وأنا كذلِك لا أتبدَّلُ عنه، كما قالُوا في قولِ مُرَّةَ بنِ مَحْكَانَ السَّعْدِيِّ (٣): أَنَا ابْنُ مَحْكَانَ أخْوَالِي بَنُو مَطَرٍ ... أُنْمِي إليْهِمْ وَكَانُوا مَعْشَرًا نُجُبَا

стр. 294

/ أي: كانَ مَنْ مضى منهم نجِيبًا، ومن بقِيَ كذلك. وفي الكتابِ العزيزِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، و ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١) [الإسراء: ٤٤] في أمثلةٍ كثيرةٍ، وهو تعالى كان في الأَزَلِ كذلك، وكذلك هو جلَّ اسمُهُ، وعليه حملَ بعضُهُم قولَهُ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، و ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. فِقْهٌ: قال المُهَلَّبُ بنُ أَبِي صُفْرَةَ الفَقِيهُ (٢): فيهِ مِنَ / الفقهِ: جوازُ التَّأسِّي بأهلِ الإحسانِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ؛ ألَا تَرَى أنَّ أمَّ زرعٍ أخبرتْ عنْ أبي زرعٍ بجميلِ عِشرتِهِ فامتَثَلَهُ النَّبيُّ / ﷺ . قال الفقيه القاضي أبو الفضل ﵁: وهذا عِندِي غيرُ مُسلَّمٍ؛ لأَنَّا لا نقولُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ اقتدَى / بأبي زرعٍ، بلْ أخبرَ أنَّه لها كأبي زرعٍ، / وأَعْلَمَ أنَّ حالَهُ معهَا مثلُ حالِ ذلِكَ، لا على التَّأسِّي بهِ، وأمَّا قولُه بجوازِ التَّأسِّي بأهلِ الإحسانِ مِنْ كلِّ أُمَّةٍ، فصحيحٌ ما لمْ تُصادِمْهُ الشَّريعةُ. وفيهِ مِنَ الفِقْهِ: جوازُ ذلِكَ، قولُ المرءِ لصاحِبِهِ: بِأبِي أنتَ وأمِّي ، وفداكَ أبِي وأمِّي، وهما بمعنًى واحدٍ، وقد قالَهُ النَّبيُّ ﷺ لِسَعْدٍ ﵀ (٣)

стр. 295

والزُّبَيرِ (١) وغيرِهِمَا، وهوَ مِنْ معروفِ كلامِ العربِ، وقالَهُ أبُو بكرٍ وغيرُه للنَّبيِّ ﷺ (٢)، وكذلِك قولُهُم: جُعِلتُ فِدَاكَ، ونفسِي فِدَاؤُكَ، وقالَهُ أبُو طَلْحَةَ (٣)، وأبُو ذَرٍّ (٤)،

стр. 296

ورافِعُ بنُ خَدِيجٍ (١) للنَّبيِّ ﷺ .

стр. 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →