← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 106

بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ت الدسوقي

القاضي عياض

Полный текст (306 стр.). Показаны 83–122 · переход к 88.

стр. 83

ابنِ عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . هكذا قال النَّسائيُّ (١): عن عُروةَ، عن عائشةَ. وقال الدَّارقطنيُّ (٢): عن أبِيه، عن عائشةَ. فجعلُوه من قولِ النبيِّ ﷺ نصًّا من غيرِ احتمالٍ، وأسندُوهُ بطولِهِ. وهكذا ظاهرُ روايةِ حنْبلِ بنِ إسحاقَ (٣)، عن مُوسى بنِ إسماعيلَ

стр. 84

المِنْقَرِيِّ، عن سعيدِ بن سلمةَ، عن هشامٍ، إلَّا أنَّه قال: عن هشامٍ، عن أَخِيهِ، عن

стр. 85

أبِيه، عن عائشةَ قالَتْ: قال لِي رسولُ اللهِ ﷺ : «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ»، / ثُمَّ أَنْشَأَ / يُحَدِّثُ حَدِيثَ أمِّ زرعٍ، وساقَ الحديثَ بطولهِ. وكذلك قال أحمدُ بنُ داودَ الحرَّانِيُّ (١)، عن عِيسى بنِ يونُسَ، عن هشامِ ابنِ عُروةَ، عن [أَخِيه عبدِ اللهِ] (٢)، عن أبِيه، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وكذا حكاهُ عنهُ القاسمُ بنُ سلَّامٍ (٣). وكذلِك رفعَهُ الهيثمُ بنُ عدِيٍّ (٤)، عن هشامٍ، إلَّا أنَّه قال: عن أخِيهِ يحيى ابنِ عُروةَ، عن عُروةَ، وساقَهُ كلَّه مِنْ قولِ النَّبيِّ ﷺ نصًّا. ورواه عليُّ بن حُجْرٍ (٥)، وابنُ جَنابٍ (٦)، وسُليمانُ بنُ

стр. 86

عبدِ الرَّحمنِ (١)، ومحمَّدُ بنُ جعفرٍ غُندر (٢)، وهشامُ بنُ عمَّارٍ (٣)، ومحمَّدُ بنُ جعفرٍ الوَركَانِيُّ (٤)، وصالحُ بنُ مالكٍ الخُوَارِزْمِيُّ (٥)، / عن عيسى بنِ يُونُسَ،

стр. 87

عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ من قولِها. / وكذلك أسندَهُ سُويدُ بنُ عبدِ العزيزِ (١)، عن هشامٍ. وحسنٌ الحُلْوانِيُّ (٢)، عن ابنِ أبي الحُسامِ عنه. وكذلك رواهُ أبو عُقْبةَ (٣)، عن أبِيه عُقْبةَ بنِ خالدٍ، عن هشامٍ، إلَّا أنَّه قال: عن هشامٍ، عن أبِيهِ، عن عائشةَ.

стр. 88

وهكذا قال فيه ابنُ أبي أُويسٍ (١): عن أبِيه، عن هشامٍ. وكذا قال يوسُفُ بنُ زيادٍ (٢)، وسليمانُ بنُ بلالٍ (٣)، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ أبِي الزِّنادِ (٤)،

стр. 89

عن هشامٍ، وأبو مُعاويةَ الضَّريرُ (١)، عنه مختصرًا. وكذا ساقَه داودُ بن شابُور (٢)، عن عمرَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُروةَ، عن عُروةَ،

стр. 90

ويُقالُ: عن أبِيه، عن عائشةَ من قولِها. وقال عُقبةُ بنُ خالدٍ (١) أيضًا: قال هشامٌ: فحدَّثني يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عُروةَ، عن / عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ بمثلِه مختصرًا. / يريدُ قولَهُ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ». وكذَا قال أبُو أُويسٍ، وإبراهيمُ بنُ أبِي يَحيى، عن / يزيدَ بنِ رُومانَ، [عن عُروةَ] (٢) عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (٣). وكذلك رواهُ أبو الزِّنادِ (٤)، عن عُروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 91

قال أبُو عبدِ الرحمنِ النَّسائِيُّ (١) بإثْرِ حديثِ عُقبةَ: يعني آخرَ الحديثِ. يريدُ قولَه: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ». وقد وقعَ مفَسَّرًا عند (٢) غيرِ أبي عبدِ الرَّحمنِ؛ فذكر أحمدُ بنُ عَمرٍو البزَّارُ (٣) روايةَ عقبةَ، عن هشامٍ، عن يزيدَ بنِ رُومَانَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قال أحمدُ: فذكر منه حرفًا وقال: «كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأمِّ زرعٍ». وفي روايةِ ابنِ الأنباريِّ (٤) قال عُروةُ (٥): إنَّما يُرادُ هذا الحديثُ لِهذا الحرفِ، فذكرَه. قالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَبُو الفَضْلِ ﵁: ولا خلافَ في رفعِ قولِه في هذا الحديثِ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ»، وإنَّما الخلافُ في بقيَّتِهِ؛ وقد قال أبو بكر ابن ثابتٍ الخطيبُ (٦): المرفوعُ مِنْ هذا الحديثِ إلى النبيِّ ﷺ / قوله لعائشةَ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ»، وما عداه فمِنْ كلامِ عائشةَ ﵂، حدثتْ به هي النَّبيَّ ﷺ ؛ بيَّنَ ذلك عيسى بنُ يونُسَ في روايته، وأبو أُويسٍ، وأبو معاويةَ الضَّريرِ. وقد رُوِي أنَّ القائلَ في حديثِ سعيدِ بن سلمةَ: «ثمَّ أنشأ يُحدِّثُ الحديثَ»

стр. 92

هو هشامٌ، حكى أنَّ أباهُ أنشأ يحدِّثُ الحديثَ، فأوهمَ السَّامعَ / (بِذلِكَ) (١): أنَّ عائشةَ ﵂ أخبرتْ بذلِك عن النَّبيِّ ﷺ . وقال أبو الحسنِ الدَّارقطنيُّ (٢): الصَّحيحُ / عن عائشةَ: أنَّها هي حدثتْ النَّبيَّ ﷺ بقصَّةِ النِّسوةِ، فقال لها حينئذ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ»، وقولُ عيسى بنِ يونُسَ، وسعيدِ بن سلمةَ، وسُويدِ بنِ عبدِ العزيزِ، ومَن تابعَهُم: عن هشامٍ، عن أخيهِ عبدِ اللهِ، عن أبِيه، عن عائشةَ هو الصوابُ. ولا يَدفعَ قولَ عقبةَ، عن هشامٍ، عن يزيدَ بن رُومانَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ. / * * *

стр. 93

التَّعْرِيفُ ذُكرَ في الخبرِ المُتقدِّمِ: أنَّ هؤلاءِ النِّسوةِ كنَّ في زمنِ الجاهليةِ، وذُكرَ في الخبرِ الآخرِ الذي رواهُ الدَّراوَردِيُّ: أنَّهنَّ مِنْ بطنٍ مِنْ بطونِ اليمنِ، وأخبرنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمَّدٍ النَّسَّابةُ الأديبُ (١): أنَّه وقفَ على تعليقٍ بخطِّ أبي محمَّدٍ عليِّ بنِ أحمدَ الفارسيِّ (٢) في قصَّتهنَّ؛ فذكرَ فيه أنَّهنَّ من «خَثْعَمٍ»، وخَثْعَمٌ بطنٌ مِن بطونِ اليمنِ، كما وردَ في الحديثِ المتقدِّمِ، وهو خَثْعَمُ بنُ أَنْمارِ بنِ إرَاشَه- ويُقالُ: إرَاش، ويُقالُ: أَرش- بنِ عمروِ بنِ الغَوْثِ بنِ نبتِ ابنِ مالك بنِ زيدِ بنِ كَهْلانَ بنِ سَبَإِ بنِ يَشْجُبَ (٣) بنِ يَعْرُبَ بنِ قَحْطانَ، كذا / قال الهَمَذانِيُّ (٤)، وحكى ابنُ إسحاقَ (٥) عن اليمنيين: إراشُ بنُ لِحْيانَ بنِ عمرٍو، ويُقالُ:

стр. 94

ابن عمرِو بنِ لِحْيانَ بنِ الغَوْثِ، ونسَّابُ مُضرٍ يزعمون أنَّ خثعمَ: ابنُ أنْمارِ بنِ نِزَارٍ، / وأنَّهم حالفُوا ولدَ أنْمارِ بنِ سبإٍ، فَجَرَّ أنْمارُ بنُ سبإٍ نسبَهُم إلى سبإٍ باسْمِ أبِيهم، والأوَّلُ / أصحُّ، ويصدِّقُه حديثُه ﵇ في ذكرِ سبإٍ وولدِهِ، فسمَّى منهُم أنمارًا، ثُمَّ قال: «الذين منهُم خثعمٌ وبَجِيلَةُ» (١).

стр. 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 97

قال الهَمَذَانِيُّ (١): واسمُ خثْعَمٍ: أَفْتَلُ، وسُمِّي خثعمٌ / باسمِ جبلٍ نزلَه بنوه. وقيل: باسمِ جملٍ كانَ له اسمُهُ خثعم، فيقالُ: احتلَّ خثعمُ، ونزلَ خثعمُ. وقيل: بل نَحَروا عند تحالُفِهِم بعيرًا وتلطَّخوا بدَمِهِ، وهو التَّخَثْعم في لغتهم. وقد رُوِي في هذا الحديث من روايةِ أحمدَ بنِ عُبيدِ بن ناصحٍ، عن الهيثمِ ابنِ عدِيٍّ الطَّائيِّ (٢) بسندِهِ عن عائشةَ قالَت: قال لي النَّبيُّ ﷺ وقد اجتمعَ عندَه نساؤُهُ ليخصَّني بذلك-: «يَا عائِشَةُ أنَا لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ»، قالَتْ: يا رسول الله! ومن أبو زرع؟ قال: «اجْتَمعَ نِسْوةٌ مِنْ قُريشٍ بِمَكَّةَ، إحْدَى عشْرةَ امرأةً»، وساقَ الحديثَ بطولِهِ، فهذا مخالفٌ للأوَّلِ، والهيثمُ بنُ عدِيِّ عندهُم متكَلَّمٌ فيه. قال البخارِيُّ (٣): الهيثمُ بنُ عديٍّ- على علمِهِ وفضلِهِ- يَروِي مناكِيرَ.

стр. 98

وضعَّفَه أبو حاتمِ الرَّازيُّ (١) ويحيى بنُ مَعين (٢). وقرأتُ في كتُبِ (٣) بعضِ الأدباءِ أنَّ امرأةً زوَّجتْ إحدى عشْرةَ ابنةً في ليلةٍ، ودخلَ بهنَّ أزواجُهنَّ فأمهلتْهُنَّ سنةً، ثمَّ زارتْهُنَّ فسألتْ كلَّ واحدةٍ عن زوجِها، فأخبرتْها بصفتِهِ. ووافقَ (٤) من حديثِ أمِّ زرعٍ كلامَ صاحبةِ: «المسُّ مسُّ أرنبٍ» بنصِّهِ، وكلامَ (٥) صاحبةِ: «رفيعُ العمادِ»، وصاحبةِ: «زوجِي لحمُ جملٍ غَثٍّ»، وخالفَ في البَوَاقِي. ويُشبِهُ أنَّه حديثٌ موضوعٌ؛ فإنَّ ألفاظَه / تُنبِئ عن ذلك، رُكِّبَ على بعضِ حديثِ أمِّ زرعٍ، ولا يصحُّ أنْ يكونَ هُو هذا / لصحَّةِ سندِ حديثِ أمِّ زرعٍ وضعفِ هذا، وإنَّا قد ذكرْنا في بعضِ رواياتِ حديثِ أمِّ زرعٍ / ما دلَّ على أنَّهنَّ (٦) غيرُ أخواتٍ، والمُوفَّقُ اللهُ. * * *

стр. 99

العَرَبِيَّةُ: وقعَ في بعضِ رواياتِ النَّسائيِّ لهذا الحديثِ: «اجْتمَعْنَ»، وفي روايةِ الطَّبريِّ (١) من «صحيحِ (٢) مسلمٍ» فيما حدَّثنا به عبدُ اللهِ بنُ / محمدٍ الفقيهُ عنه: «جَلَسْنَ إحْدَى عشْرةَ امرأةً»، وفي بعضِها: «نِسْوَةً». ووقعَ في بعضِ رواياتِ البخاريِّ: «جلَسَ إحْدى عشْرَةَ (٣) نِسُوَةً»، وهكذا وجدتُها في أصلِ الأصِيليِّ أبي محمدٍ (٤) بخطِّه داخلَ الكتابِ، وأصلُ كتابِه على روايةِ [أبِي] (٥) أحمدَ الجُرجَانيِّ (٦) أحدِ شيخيهِ في «الصحيحِ» المذكورِ.

стр. 100

وروى أبو عُبَيدٍ القاسمُ بن سلَّامٍ هذا الحرفَ: «اجتَمعتْ» (١) بالتَّاءِ، فتقديرُ / الكلامِ في هذا الفصلِ في محلَّين: المحلُّ الأوَّلُ: قولُه: «اجتمَعْنَ -أو جَلَسْنَ، أو اجْتَمَعَتْ- إحْدَى عشَرةَ» فأظهرَ في هذه الرواياتِ علامةَ التَّأنيثِ، ونونَ الجماعة مع تقدُّمِ الفعلِ، وبابُه في العربيةِ والأحسنُ في الكلامِ حذفُه وتركُ علامةِ التَّثنِيةِ والجمعِ، وإفرادُ الفعلِ. قال سِيبَويْه (٢): حذفُوا ذلك اكتفاءً بِما أظهَرُوا- يريدُ: مِن صيغةِ الجمعِ والتَّثنيةِ- فقالوا: قامَ أبواكَ، وقامَ قومُكَ، فاستغنَوا بِما أظهَرُوا عن: «قامُوا وقامَا»، وكذلك فعلُوا في المؤنَّثِ فقالوا: قالَتْ (٣) جارِيَتاك، وقالَتْ (٤) نِساؤُك، إلَّا أنَّهم أدخلوا التَّاءَ للتَّأنيثِ، وحذفُوا علامةَ الجمعِ والتَّثنيةِ كما فعلُوا في المُذكَّرِ، ولو بدأْتَ / بأسمائهم، لم يكُنْ بُدٌّ للمُضمَرِ أنْ يجِيءَ بمنزلةِ المُظهَرِ في المُذكَّرِ والمؤنَّثِ والتَّثنيةِ والجمعِ، / فتقول: أخوَاك قالا، وقومُك قالوا، وجارِيتاكَ قالَتَا، ونساؤك قُلن؛ لأنَّه قد وقعَ هنا إضمارٌ في الفعلِ هُو أسماءُ المذكورين، فلم يكُنْ بُدٌّ أنْ يُجاءَ بِهِ مَجيءَ المُظهَر، والفعلُ المقدَّمُ / لم يكُنْ فيه إضمارٌ فيظهرْ، وليستْ تاءُ التَّأنيثِ فيه علامةَ إضمارٍ فيلزمُ إظهارُها في الجميعِ (٥)، وإنَّما هي علامةُ تأنيثٍ كهاءِ «طلحةَ».

стр. 101

هذا تعليلُ سِيبَوَيْه، وأمَّا الفارِسِيُّ (١) فقال: لزمتْ التَّاءُ هاهُنا في المؤنَّثِ الحقيقيِّ ليُشعرَ (٢) بتأنيثِه حَسَبَ لزومِه له وحقيقتِه، ولم يلزمْ في ذلك الجمعَ والتثنيةَ؛ إذْ ليسَا بلازمَيْن لُزومَ التَّأنيثِ (٣). وقدْ قال بعضُ العربِ: قال امرأةٌ. كأنَّهم جعلوا إظهارَ المؤنَّثِ بعده يُغنِي عن العلامةِ، وهو إذا طالَ الكلامُ أحسن وأكثر، كما قال: لقد ولدَ الأخَيطِلَ أمُّ سوءٍ (٤) ... ................................. قال سِيبوَيْه (٥): وهو في واحدِ الحيوانِ قليلٌ، - يريدُ: فيما تأنيثُهُ حقيقيٌّ- وهو في المواتِ كثيرٌ- يريدُ: ما ليس بحقيقيِّ التَّأنيثِ- وهو في القرآن العزيز بالوجهين، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ [البقرة: ٢٧٥]. و﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ [يونس: ٥٧]. ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧].

стр. 102

﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]. ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وكذلك إذا تقدَّمَ الفعلُ جماعةَ مؤنَّثٍ حقيقيًّا كان أو غيرَه، ففيه وجهان: قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠]. و﴿جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. و﴿جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٠٩]. و﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠]. و﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ [المائدة: ٣٢]. / و﴿اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]. لأنَّه يصلُحُ فيه جماعةٌ / وجمعٌ وجميعٌ. قال (١): ومِن العربِ مَنْ يقولُ: ضَرَبُونِي قومُك، / وضربَانِي أخوَاكَ، فشبهُّوها / بالتَّاءِ المُظْهَرةِ في: قالَتْ جاريَتُكَ، كأنَّهم أرادُوا أنْ يجعَلُوا للجمعِ علامةً كما جُعِلتْ للتأنيثِ، وهي قليلةٌ كما قال الفَرَزْدَقُ: ............................... ... يَعْصِرْنَ (٢) السَّلِيطَ أقَارِبُهُ (٣)

стр. 103

وقال الآخرُ: يلُومُونَنِي في اشتراءِ النَّخِيـ ... ـلِ أهلي فكُلُّهُم يعذِلُ (١) وعلى هذا حمَلَ الأخْفشُ (٢) قولَه تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، وفي «صحيح مسلم» (٣) حديثه ﷺ : «يَتَعَاقَبُونَ فيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ»، وقال بعضُ العربِ: «أَكَلُونِي البَراغِيثُ». / قال الفَقِيهُ القاضِي ﵁: (فإذ قدْ) (٤) قرَّرتُ لكَ مِنْ كلامِ إمامِ الجماعةِ (٥) وحذَّاقِ الصِّناعةِ ما رأيتَ، نظرتَ في قولِه: «اجتَمَعْنَ»، و «جلَسْنَ إحدى عشْرةَ»، فإنْ حملتَه على هذه اللغةِ الأخيرةِ، وتأويلِ الأخفشِ في الآيةِ كان وجهًا حسنًا.

стр. 104

وفيه وجهٌ آخر: وهو أنْ تحملَهُ على المعروفِ في الكلامِ، وتجعلَ: «إحدَى عشْرةَ» بدلًا مِن الضَّميرِ في: «اجتمعن»، وهذا تأويلُ سِيبَوَيْه (١) في الآية، وحكاه عن يونُسَ (٢)، قال: وكأنَّه (٣) قال: انطلَقُوا، فقيلَ: مَن هم؟ فقيلَ: بنُو فُلانٍ. ولكنْ يتحقَّقُ هذا في الحديثِ بأنْ نُقَدِّرَ أنَّه ﷺ أخبرَ عنهُنَّ على هذا الوجهِ، / وقد جرى مِنْ ذكرِ الخبرِ ما صارَ كالمُخبِرِ عنهُنَّ، بتأخيرِ الفعلِ وأنَّهنَّ في نفسِهِ وذكرِهِ مُقدَّماتٌ، وتكونُ النُّونُ ضميرًا اسمًا لا حرفَ علامةٍ، فيكونُ ما بعدها بدلًا منها، كما كانَ في الآيةِ، لِتقدُّمِ (٤) الذِّكرِ لِمَنْ يعُودُ / عليه الضميرُ، ألَا ترى أنَّهُ قد جرى شيءٌ من حديثِهِنَّ قبلُ؟ وهو قولُه ﷺ : «كُنتُ لَكِ كَأبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»، ثم سؤالُ عائشةَ له عن قصَّةِ أمِّ زرعٍ، قالَتْ: فأنشَأَ يحدِّثُنا الحديثَ. وقد يكونُ -أيضًا- قولُه: «إحدَى عشْرةَ» خبرًا لمبتدإٍ مُضمَرٍ، كأنَّه قيلَ: من هُنَّ؟ فقال: هُنَّ إحدَى عشْرةَ، وهو أحدُ التَّأويلاتِ في الآيةِ، وبها قدَّرَ سِيبَوَيْه (٥) فيها البدلَ، فانظره.

стр. 105

وفيه وجهٌ رابعٌ: أنْ تجعلَ: «إحدى عشْرةَ» نصبًا بـ «أَعْنِي»، وهو أحدُ تأويلاتِ الآيةِ (١). وفي الآيةِ وجوهٌ أخرى غير هذه لا نُطَوِّلُ بذكرِها؛ إذ ليستْ من غرضِنا. وأما على روايةِ أبي عُبيدٍ: فعلى أحدِ الوجهين المعروفَيْنِ في تقدُّمِ الفعلِ الجماعةَ كما ذكرناه. المحلُّ الثَّاني: قولُهُ: «إحدى عشْرةَ نِسوةً»: وبابُ العددِ في العربيَّةِ أنَّ ما بين الثلاثةِ إلى العشَرةِ مضافٌ إلى جنسهِ ليبيِّنَه ويوضِّحَه، ومِنْ أحدَ عشَرَ إلى تسعةٍ وتسعين / مميَّزٌ بواحدٍ منصوبٍ على التمييزِ يدلُّ على جنسِهِ، وما بعدَ هذا مضافٌ إلى واحدٍ من جنسِهِ، وقد جاءَ هاهُنا: / «النِّسوة» وهُو جنسٌ بعدَ: «أحدَ عشرَ» (٢)، وهو خارجٌ عن وجهِ الكلامِ، ولا يصحُّ نصبُه على التَّفسيرِ؛ إذْ لا يُفسَّرُ في العددِ إلَّا بواحدٍ، ولا يصلُحُ إضافةُ العددِ الذي قبلَه إليه؛ إذْ لا يُضافُ / ما بعدَ العشرِ مِنَ العددِ إلى المئةِ. فوجهَ نصبِهِ عندي: /على إضمارِ «أعني»، أو يكونُ مرفوعًا بدلًا مِنْ «إحدَى عشْرةَ» وهو الأظهرُ فيه، وعلى هذا أعربُوا قولَه تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]، فـ ﴿أَسْبَاطًا﴾ (٣) بدلٌ مِنْ ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ وليسَ

стр. 106

بتفسيرٍ، قالَهُ الفارِسِيُّ (١) وغيرُه. / وحَمْلُ هذا الموضعِ مِن الحديثِ على هذا أولى عندِي وأحسنُ، وباللهِ التَّوفيقُ. * * *

стр. 107

الفِقْهُ: في استهلالِ هذا الحديثِ من الفقهِ: ١ - حسنُ عشرةِ الرَّجلِ مع أهلِهِ ، وتأنيسُهُنَّ، واستحبابُ محادثتِهِنَّ بما لا إثم فيه، كما فعلَ النبيُّ ﷺ هاهُنا بحديثه لعائشةَ ومَن كانَ معها مِنْ أزواجِهِ بخبرِ هؤلاءِ النِّسوةِ، وهكذا ترجمَ البخاريُّ عليه: «بَابُ حُسْنِ المُعَاشَرَةِ مَعَ الأَهْلِ» (١) وقد وردتْ الآثارُ الصَّحاحُ (٢) الصَّحيحةُ بحُسنِ عشرتِهِ ﷺ لأهلِهِ ومُباسطَتِهِ إيَّاهم، وكذلك عن السَّلفِ الصَّالحِ. وقدْ كانَ مالكٌ (٣) ﵀ يَقُولُ: في ذَلِكَ مَرْضَاةٌ لِرَبِّكِ، وَمَحَبَّةٌ في أَهْلِكِ، وَمَثْرَاةٌ (٤) في مَالِكَ وَمَنْسَأَةٌ (٥) في أَجَلِكِ. قال: وَقَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عن بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (٦).

стр. 108

وكان مالكٌ ﵀ مِن أحسنِ النَّاسِ خُلُقًا مع أهلِهِ وولدِهِ، وكان يحدِّثُ يقولُ: يجبُ على الإنسانِ أنْ يتحبَّبَ إلى أهلِ دارِهِ حتى يكونَ أحبَّ النَّاسِ إليهِم (١). ٢ - وفيهِ مِنَ الفِقهِ: منعُ الفخرِ / بحُطامِ الدُّنيا، وكراهتُهُ؛ ألا ترى أنَّ النبيَّ ﷺ قال لعائشةَ حين فخَرتْ في أوَّلِ هذا الحديثِ بمالِ أبِيها، قال لهَا: «اسْكُتِي يَا عائشةُ». ثم إنَّه أنَّسَهَا بأنْ قرَّرَ عندها / فخرًا آخر، هو أولى بِها وأسعدُ لها، بقوله: «كُنتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»، فمكانَتُها مِنهُ ومِنْ محبَّتِهِ وزَوْجِيَّتِه وحسنِ عشرتِهِ وكثرةِ منفعتِهَا لِدِينِها ودُنياها بهِ ﷺ أعرقُ في الفخرِ، وأرفعُ في الصِّيتِ والذِّكرِ، / مِن كثرةِ مالِ أبي بكرٍ ﵁.

стр. 109

٣ - وفيهِ مِنَ الفِقهِ: جوازُ إخبارِ الرَّجلِ زوجَهُ وأهلَهُ بصورةِ حالِهِ معَهُم، وحسنِ صُحبتِهِ إيَّاهم، وإحسانِهِ إليهم، وتذكيرِهم بذلك تَطْييبًا لأنفُسهِم، واستجلابًا لِمودَّتِهِم، وإذَا جازَ لهُ أنْ يكْذِبَهُم، وأبيحَ لهُ أنْ يُمنِّيهم بالمواعيدِ غيرِ الصَّادقةِ فهذا أجوزُ، وإذا جازَ مِنَ النِّساءِ كفرانُ العشيرِ جازَ تذكيرُهُنَّ بالإحسانِ لهُنَّ، وحَسُنَ ذلك فيهنَّ. ٤ - وفيهِ مِنَ الفِقهِ: إكرامُ الرَّجلِ بعضَ نسائِهِ بحضرةِ / ضرائرِهَا، بما يراهُ مِنْ قولٍ أو فعلٍ، وتخصيصُها بذلك، كما قالَتْ عائشةُ ﵂: لِيَخُصَّنِي بذلك؛ ولأنَّهَا كانتْ المقصودةَ بهذا الحديثِ، وهذا إذا لمْ يكُنْ قصدُهُ الأثَرَةَ والميلَ (بذلك) (١)، بل لسببٍ اقتضاهُ، ومعنًى أوجبَهُ من تأنِيسِ وحشةٍ بدتْ مِنها، أو مكافأةِ جميلٍ صدَرَ عنها. وقدْ أجازِ لهُ بعضُ أهلِ العلمِ تفضيلَ إحداهُما على الأُخرى في المَلْبسِ إذا أَوْفَى الأُخرى حقَّهَا، وأن يُتحِفَ إحداهُما ويَلْطُفَهَا إذا كانتْ شابَّةً، أو هِي أبرَّ به. ولمَالكٍ نحوٌ مِنْ هذا ولأصحابِهِ (٢)، قال ابنُ حبيبٍ (٣): والمساواةُ أولى (٤).

стр. 110

والمكرُوهُ مِن ذلك / كلِّهِ: ما قصَدَ بِهِ الأثَرَةَ والمَيلَ والتَّفضيلَ، / لا لسببٍ سواهُ. والنبيُّ ﷺ وإنْ لمْ يكُنْ العدلُ في القَسْمِ / بينَ النِّساءِ واجبًا عليه لقولِه : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]- فقد التزَمَهُ ﷺ وأخذَ به نفسَهُ، تفضُّلًا منه، وتخلُّقًا / بالعدلِ، ولتقتدِي به أمَّتُهُ، حتَّى قال: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تُؤَاخِذْنِي فيمَا لَا أَمْلِكُ» (١)،

стр. 111

يريدُ (١) القلبَ. ٥ - وفيهِ من الفِقهِ: جوازُ تحدُّثِ الرجلِ معَ إحدى (٢) زوجاتِه، ومجالسَتِها في يومِ الأخرى، ومحادثتِه إيَّاها؛ لقولِ عائشةَ ﵂: قال لِي رسولُ اللهِ ﷺ وقد اجتمعَ عندَه نساؤُه. وفي الروايةِ الأخرى: دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ وعندِي بعضُ نِسَائِه، فالظَّاهرُ أنَّه في بيتِهَا، وقد رُوِي عنه في «الصَّحيحِ» (٣): أنَّهُ ﷺ كانَ إذا صلَّى العصرَ، يدخلُ على نِسائِه، فيَدْنُو من إحدَاهِنَّ. وأنَّهُنَّ كُنَّ يَجتمِعْنَ عِندَ الَّتِي هُوَ يومُهَا (٤). وقد اختَلفَ العلماءُ في هذَا، فأجازَهُ بعضُهم، وقال مالكٌ- في كتابِ

стр. 112

محمَّدٍ (١) - بإجازَةِ دخولِهِ عندَ إحدَى نسائِه في يومِ صاحبتِها لحاجةٍ، أو عيادةٍ، أو يضعُ ثيابَهُ عندَها، إذا كانَ ذلِك منه عَلى غيرِ المَيْلِ (٢)، وقد حَكَى (٣) بعضُهُم (٤) أنَّهُ لَا يختلفُ العلماءُ- فيما عَلِمَه- في الدُّخولِ الخفيفِ للحاجةِ يقضِيها، قال: وليسَ حقيقةُ القَسْمِ إلَّا بالَّليلِ خاصَّةً. ووقعَ لمالِكٍ أيضًا: لا يُقيمُ عندَها إلَّا مِنْ عُذرٍ لابدَّ منه (٥). وعن معاذٍ: أنَّهُ كانتْ لهُ زوجتَان فكانَ لَا يشربُ الماءَ مِنْ عِندِ إحداهُما في يومِ الأُخرى (٦). /

стр. 113

وقال عبدُ الملكِ بن المَاجِشُون: يقفُ ببابِ إحداهُنَّ ويُسلِّمُ ولا يدخلُ (١). وتأوَّلَ أهلُ هذِهِ المقالَةِ ما رُوي عنه ﵇ في الحديثِ المذكورِ: خُصوصًا / للنَّبيِّ ﷺ ؛ إذ لم يكُنْ القسمُ واجبًا / عليه كما تقدَّمَ، وأنَّه إنِّما كانَ يفعلُ - / صلى الله عليه- هذا نادرًا وأحيانًا، وغالبُ أمرِهِ العدلُ والتَّسويةُ؛ ليَسُنَّ العدلَ، ويُحسِنَ العشرةَ. ٦ - وفيهِ مِن الفقهِ: جوازُ الحديثِ عن الأُممِ الخاليةِ، والأجيالِ البائدةِ، والقرونِ الماضيةِ، وضَرْبُ الأمثالِ بهم؛ لأنَّ في سيرِهِم اعتبارًا للمُعتبِرِ، واستبصارًا للمستبصِرِ، واستخراجَ الفائدةِ للباحثِ المُستكثِرِ؛ فإنَّ في هذا الحديثِ -لاسِيَّما إذا حُدِّث به النِّساءُ- منفعةً في الحضِّ على الوفاءِ للبُعولةِ، والنَّدبِ لقصْرِ الطَّرفِ والقلبِ عليهِم، والشكرِ لجميلِ فِعلِهِم، وحُسنِ المعاشرةِ معهم، كحالِ أمِّ زرعٍ وما ظهرَ من إعجابِهَا بأبي زرعٍ، وثنائِها عليه وعلى جميعِ أهلِهِ، وشكرِها إحسانَهَ لها، واستصغارِهَا كلَّ شيءٍ بعده. وبسببِ قِصَّتِها كانَ جَلْبُ الحديثِ، كما وقعَ مُبيَّنًا في بعضِ الرِّواياتِ، مع ما فيه مِن التَّعريفِ بصبرِ الأُخرِ اللاتي ذَمَمْنَ أزواجَهُنَّ، والإعلامِ بما تحمَّلنَهُ من سوءِ عِشرتِهِم، وشراسَةِ أخلاقِهِم؛ ليَقتدِيَ بذلك من النِّساءِ مَنْ بلغَهَا خبرَهَنَّ في الصَّبرِ على ما يكونُ مِنَ الأزواجِ وتأتَسِيَ بمن تقدَّمَها في ذلك.

стр. 114

٧ - وفيهِ مِنَ الفِقْهِ: التَّحدُّثُ بِمُلَحِ الأخبارِ، وطُرَفِ الحِكاياتِ؛ تسلِيَةً للنَّفسِ، وجلاءً للقلبِ، وهكذا ترجمَ أبو عيسى التِّرمذيُّ / عليه: «بابُ ما جَاءَ في كَلامِ رسولِ اللهِ ﷺ في السَّمَرِ» (١). وأدخلَ في البابِ هذا الحديثَ، وحديثَ خُرَافةَ (٢).

стр. 115

ويُروى عن عليٍّ ﵁ أنَّه قال: «سَلُّوا هذِهِ النُّفوسَ سَاعةً بعدَ سَاعةٍ؛ فإنَّها / تصدَأُ كمَا يصدَأُ الحديدُ» (١). ويُروى عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ أنَّه كان يقولُ إذَا أفَاضَ مَنْ عِندَهُ في الحديثِ بعدَ القرآنِ والتفسيرِ: «أحْمِضُوا» (٢). / أَيْ إذا مَلَلْتُمْ مِنَ الفقهِ والحديثِ (٣) وعلمِ القرآنِ، فخُذُوا في الأشعارِ وأخبارِ العربِ، كما أنَّ الإبلَ إذا ملَّتْ ما حَلَا مِنَ النَّبتِ، رعتْ الحَمْضَ، وهو ما مَلُحَ منه.

стр. 116

ومِنهُ قولُ الزُّهريِّ: «هَاتُوا مِنْ أَشْعَارِكُمْ فَإِنَّ الْأُذُنَ مَجَّاجَةٌ ولِلنِّفْسِ حَمْضَةٌ» (١). أي أنَّهَا تَشتَهِي الشَّيءَ بعدَ الشَّيءِ كمَا تفعلَ الإبِلُ. ومِنهُ قولُ أبِي الدَّرداءِ: «إنِّي لَأَسْتَجِمُّ نفْسِي بِبَعضِ اللهوِ لِيكونَ ذَلِك عَوْنًا لِي على الحقِّ» (٢). وقال عليٌّ ﵁: «القلبُ إذَا أُكرِهَ عَمِي» (٣). وقال بعضُ الحُكماءِ: «إنَّ لِلآذانِ مَجَّةً، وللقُلُوبِ مَلَلًا؛ فَفَرِّقُوا بينَ الحِكمَتَينِ؛ لِيكونَ ذَلِكَ استِجْمَامًا» (٤). وهذا كلُّه ما لمْ يكنْ دائمًا متصلًا، وإنَّما يكونُ في النَّادرِ والأحيانِ، كمَا

стр. 117

قال: «سَاعةً بعدَ سَاعةٍ»، وأمَّا أنْ يكونَ ذلِك عادةَ الرَّجلِ حتَّى يُعرفَ بذلِك / ويَتَّخِذَه ديْدَنًا ويُطرِبَ بهِ النَّاسَ ويُضحِكَهُم- دَأبَهُ- فهَذَا مذمُومٌ، غيرُ محمودٍ، دالٌّ على سقوطِ المُروءَةِ ورذالةِ الهِمَّةِ، وخلْعِ بُردِ نزاهةِ النَّفسِ، واطِّراحِ ربقَةِ الوقارِ والسَّمتِ، مولِجًا صاحِبَهُ / في بابِ المُجُونِ والسُّخْفِ. وقدْ عَدَّ هذَا الفنَّ الفقهاءُ فيمَا يقدحُ في عدالةِ الشَّاهدِ؛ فذكرَ أبُو بكرٍ الأَبْهَريُّ (١) وغيرُ واحدٍ منْ أئمَّتِنَا أنَّ التزامَ المُروءَةِ مُشترطٌ (٢) في العدالةِ (٣)، ونحوَهُ للشَّافعيِّ وأئمَّةِ أصحابِهِ (٤). وذكرَ شيخُنَا الإمامُ أبُو بكر محمَّدُ بنُ الوليدِ الفِهريُّ (٥) أنَّ الشَّاهدَ يتنزَّهُ

стр. 118

عن كلِّ ما يُسقِطُ مُروءَتَهُ: / مِنَ الأكلِ على الموائدِ في الأسواقِ وفي الطُّرقاتِ غيرَ مُستخفٍ، وكشفِ رأسهِ وبدنِهِ بحضرةِ النَّاسِ، ومدِّ رجلَيْه بحضرتِهِم، والحكايةِ المُضحكةِ، وذكرِ أهلِهِ بالسُّخْفِ، قال: فهَذَا ومَا يُشبِهُهُ يُسقطُ العدالةَ عندَ العلماءِ، ولا تُقبلُ الشَّهادةُ معَهَا (١). قالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَدَامَ اللهُ تَوفِيقَهُ: وما قالَهُ صحيحٌ؛ لأنَّ المُداومَةَ علَى هذَا مِمَّا يُسقطُ مُروءَةَ ذَوِي المُرُوءاتِ، / ويُزيلُ سمتَ أصحابِ السَّمتِ والتَّصاوُنِ، واشتراطُ التزامِ المُرُوءَةِ مشتَرَطٌ في الشَّهادةِ والعدالَةِ كاشتِرَاطِ اجتنابِ المَحارِمِ، ولكنْ لِكُلِّ واحدٍ مُروءةٌ مَا؛ ولهَذَا قالوا فيه: مُلتَزِمًا لِمُروءَةِ مثلِهِ، وقد قال بعضُ أئمَّتِنَا مِنَ القَرَوِيِّين - وهو أَبُو القاسِمِ بنُ محرز (٢) -: المُرُوءَةُ المَطلوبَةُ في الشَّاهِدِ هِي: الصِّيانَةُ، والسَّمتُ الحسنُ، وحِفظُ اللِّسانِ، وتَجَنُّبُ السُّخْفِ والمُجُونِ وكلِّ خُلُقٍ دَنِيءٍ (٣).

стр. 119

وقال بعضُ أئمَّةِ البغدادِيِّين (١): العدالَةُ عبارةٌ عن استقامَةِ السِّيرةِ والدِّينِ، ويرجعُ حاصِلُها إلى هيئةٍ راسخةٍ في النَّفسِ تَحمِلُ على مُلازمَةِ التَّقوى والمُروءَةِ جميعًا، قال: وقَدْ شُرِطَ في العَدَالَةِ التَّوَقِّي عن بَعْضِ المُبَاحَاتِ القَادِحةُ في المُرُوءَةِ: نَحْوَ الْأَكْلِ في / الطُّرقِ، وَالبَوْلِ في الشَّارِعِ، وَصُحْبَةِ الأَرَاذِلِ، وَإِفْرَاطِ المِزَاحِ. وقال القَاضِي أبُو بكرٍ ابن الطَّيِّبِ (٢) في صِفاتِ العدْلِ: تَجنُّبُ ما يُمرِضُ القُلُوبَ، وَيُورثُ التُّهمَ فيمَا جلَّ وَقلَّ. قال: ومِنْ علمائِنَا مَنْ صَارَ إلى أنَّ عدمَ التَّوَقِّي عن المُبَاحَاتِ القَادحةِ في المُروءَةِ: كالجُلوسِ على الطُّرقاتِ، والأكلِ في الأسواقِ، ومُصاحبةِ الأرذالِ، / والإكثارِ مِنَ المُداعبةِ، يقدحُ في العَدالةِ، قال: ولا أقطعُ بذَلِك، وعِندِي أنَّ ذلِك مفوَّضٌ إلى اجتهادِ القاضِي، فرُبَّ شخصٍ في نهايةٍ مِنَ التَّديُّنِ وتجنُّبِ التَّكلُّفِ، يصدرُ ذلِك مِنه فَلا يُتَّهمُ، ورُبَّ شخصٍ يُؤذِنُ ذلِك مِنهُ بِقلَّةِ المُبَالاةِ، وهذا يختلفُ باختلافِ الأوقاتِ والأشخاصِ والأحوَالِ، وهو مفوَّضٌ إلى الاجتهادِ (٣).

стр. 120

قالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَبُو الفَضْلِ ﵁: وما قالَهُ القَاضِي سيفُ السُّنَّةِ (١) مِنْ ذلِك صحيحٌ حقٌّ بَيِّنٌ، / وهو بمعنى قولِ غيرِهِ الَّذِي قدَّمناه مِنْ أنَّ لكلِّ واحدٍ مُروءَةً مَا، فتِلْكَ معتبَرَةٌ، وذلِك أنَّ مَنْ أسقَطَ مُروءَتَهُ / ولم يَهْتَبِلْ بها، دلَّ على اختلالٍ في مِيَزِهِ؛ إذْ لمْ يَحْتَطْ لنفسِهِ، وَلَا اهْتَبَلَ بصلاحِ خاصَّتِهِ، فتعدَّتْ (٢) تُهمتُنا بذلِك لهُ في دِينِه، ولَمْ نَسْتَتِمْ إلى باطنِهِ لمَّا اضطربَ علينا ظاهِرُهُ. وهذه نكتةٌ بالِغَةٌ في هذا الفَصلِ، تَغَلْغَلَ القولُ بِهَا، لَعلَّك لا تجدُها بهذا البيانِ في غيرِ هذِهِ الأوراقِ، وقدْ طاشِ سَهْمُ القولِ بما- اعتُرِضَ- عن الغَرَضِ، فلنكْتَفِ بِمَا اقْتَضبْناهُ مِنْ معقولٍ ومنقولٍ، ونعودُ إلى بُغيَتِكَ فنقُولُ: ٨ - وَفيهِ مِنَ الفِقْهِ: بسطُ المحدِّثِ والعالمِ لما أَجْمَلَ مِنْ علمِهِ لمَنْ حولَهُ، وبيانُهُ عليهم مِنْ تلقاءِ نفسِهِ، كما فعلَ رسولُ اللهِ ﷺ في هذا الحديثِ، وقدْ قال لعائشةَ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»، قالَتْ: ثمَّ أنشَأَ يُحدِّثُ الحديثَ. وقدْ وَرَدَ في غيرِ مَا حديثٍ صحيحٍ ابْتِدَاؤُهُ ﷺ لأصحابِهِ المسائلَ جَمْلًا وتفصِيلًا. ٩ - وَفيهِ مِنَ الفِقْهِ: سؤالُ السَّامِعِ العالمَ شرحَ مَا أجمَلَهُ له؛ فَقدْ وقعَ / في بعضِ طُرقِهِ عن عائشةَ ﵂ أنَّهَا -لمَّا قال لَهَا: «أَنَا لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ» - قالَتْ: يَا رسولَ اللهِ! ومَا حديثُ أَبِي زرعٍ؟ فذكرَ رسولُ اللهِ ﷺ الحديثَ.

стр. 121

الغَرِيبُ قولُ عائشةَ ﵂ «كَانَ أَبِي ألَّفَ (١) ألفَ أُوقِيَّةٍ» / (أي: جمَعَ) (٢). قال اللهُ تعالى: ﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. ومَنْ رَوَاهُ: «آلف» بالمدِّ، فمعناه. وهو فعلٌ مشتقٌّ مِنَ الأَلْفِ، يُقالُ: آلفتُ القومَ فآلفُوا، اللَّازِمُ والمتعدِّي واحدٌ، قالَهُ الهَرَوِيُّ (٣). أيْ جمعتُهم ألفًا، أو صيَّرتُهم ألفًا (٤). / وقولُها «تَعَاهَدْنَ وتَعَاقَدْنَ»: أَيْ ألْزَمْنَ أنفُسَهُنَّ بالقولِ موثِقًا وعهْدًا، وعقَدْنَ على الصِّدقِ والوفاءِ من ضمائِرِهِنَّ بذلك عقدًا. قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] أي بِمَا وافَقَ به نُطقُكُم نِيَّتَكُم. والأصلُ أنَّ العهدَ والعقدَ في اللُّغةِ بمعنًى واحدٍ، قالَهُ الخليلُ، وابنُ دُرَيْدٍ وغيرهما (٥)، ومعناهُ التَّوَثُّقُ، مِنْ: عقدتُ الحبلَ والشَّيءَ بالشَّيءِ، وهو التَّوَثُّقُ

стр. 122

مِنه / ورَبْطُ بعضِهِ ببعضٍ، فكأنَّ هَؤُلَاءِ النِّسوةَ رَبطنَ على الصِّدقِ قولَهُنَّ الظَّاهِرِ، بإخلاصِهِنَّ الباطِنِ. وقولُهَا في الرِّوايةِ الأُخرى: «تَبَايَعْنَ» مِنْ هذَا المَعنى، وأصلُهُ (١): مبايَعَةُ الأُمراءِ، وهُوَ تَوَثُّقُهُم مِنَ النَّاسِ، ومُعاهدَتُهُم إيَّاهم على الطَّاعةِ، وأصلُهُ مِنَ البيعِ، وذلِكَ أنَّ المُتبايِعَيْنِ يمدُّ كلُّ واحدٍ منهُما يدَهُ إلى صاحِبِهِ بشَيئِه (٢). وقِيلَ: بلْ كَانُوا يضرِبُ كلُّ واحدٍ مِنهم بِيَدِ صاحِبِهِ عند التَّبايُعِ، ولهَذا سُمِّيتْ صفْقةً، لإصْفاقِ أيدِيهم بعضُها بِبعضٍ عندها. ولمَّا كانَ الأُمراءُ / يأخُذون عِندَ التَّوَثُّقِ بأيدِي مَنْ عَاهَدوا / وأشْبهَ ذلِك فعلَ المُتبايعَيْن، سُمِّيتْ مُبايعةً لذلك. غَرِيبُ قوْلِ الأُولَى «لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ» أيْ: مَهزُولٍ، قال الشَّاعر: ........................... ... فأمسَتْ قُريشٌ قدُ أغثَّ سمِينُها (٣) و «الغَثُّ» أيضًا: الفَاسِدُ من الطَّعامِ، ومِنه: الغَثِيثة: وهي المِّدَّة (٤) التي تجتمع في الجُرحِ (٥). ويقالُ: غثَّ الطَّعامُ يَغِثُّ، وأغَثَّ.
следующие страницы →