← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 106

بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ت الدسوقي

القاضي عياض

Полный текст (306 стр.). Показаны 118–157 · переход к 123.

стр. 118

عن كلِّ ما يُسقِطُ مُروءَتَهُ: / مِنَ الأكلِ على الموائدِ في الأسواقِ وفي الطُّرقاتِ غيرَ مُستخفٍ، وكشفِ رأسهِ وبدنِهِ بحضرةِ النَّاسِ، ومدِّ رجلَيْه بحضرتِهِم، والحكايةِ المُضحكةِ، وذكرِ أهلِهِ بالسُّخْفِ، قال: فهَذَا ومَا يُشبِهُهُ يُسقطُ العدالةَ عندَ العلماءِ، ولا تُقبلُ الشَّهادةُ معَهَا (١). قالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَدَامَ اللهُ تَوفِيقَهُ: وما قالَهُ صحيحٌ؛ لأنَّ المُداومَةَ علَى هذَا مِمَّا يُسقطُ مُروءَةَ ذَوِي المُرُوءاتِ، / ويُزيلُ سمتَ أصحابِ السَّمتِ والتَّصاوُنِ، واشتراطُ التزامِ المُرُوءَةِ مشتَرَطٌ في الشَّهادةِ والعدالَةِ كاشتِرَاطِ اجتنابِ المَحارِمِ، ولكنْ لِكُلِّ واحدٍ مُروءةٌ مَا؛ ولهَذَا قالوا فيه: مُلتَزِمًا لِمُروءَةِ مثلِهِ، وقد قال بعضُ أئمَّتِنَا مِنَ القَرَوِيِّين - وهو أَبُو القاسِمِ بنُ محرز (٢) -: المُرُوءَةُ المَطلوبَةُ في الشَّاهِدِ هِي: الصِّيانَةُ، والسَّمتُ الحسنُ، وحِفظُ اللِّسانِ، وتَجَنُّبُ السُّخْفِ والمُجُونِ وكلِّ خُلُقٍ دَنِيءٍ (٣).

стр. 119

وقال بعضُ أئمَّةِ البغدادِيِّين (١): العدالَةُ عبارةٌ عن استقامَةِ السِّيرةِ والدِّينِ، ويرجعُ حاصِلُها إلى هيئةٍ راسخةٍ في النَّفسِ تَحمِلُ على مُلازمَةِ التَّقوى والمُروءَةِ جميعًا، قال: وقَدْ شُرِطَ في العَدَالَةِ التَّوَقِّي عن بَعْضِ المُبَاحَاتِ القَادِحةُ في المُرُوءَةِ: نَحْوَ الْأَكْلِ في / الطُّرقِ، وَالبَوْلِ في الشَّارِعِ، وَصُحْبَةِ الأَرَاذِلِ، وَإِفْرَاطِ المِزَاحِ. وقال القَاضِي أبُو بكرٍ ابن الطَّيِّبِ (٢) في صِفاتِ العدْلِ: تَجنُّبُ ما يُمرِضُ القُلُوبَ، وَيُورثُ التُّهمَ فيمَا جلَّ وَقلَّ. قال: ومِنْ علمائِنَا مَنْ صَارَ إلى أنَّ عدمَ التَّوَقِّي عن المُبَاحَاتِ القَادحةِ في المُروءَةِ: كالجُلوسِ على الطُّرقاتِ، والأكلِ في الأسواقِ، ومُصاحبةِ الأرذالِ، / والإكثارِ مِنَ المُداعبةِ، يقدحُ في العَدالةِ، قال: ولا أقطعُ بذَلِك، وعِندِي أنَّ ذلِك مفوَّضٌ إلى اجتهادِ القاضِي، فرُبَّ شخصٍ في نهايةٍ مِنَ التَّديُّنِ وتجنُّبِ التَّكلُّفِ، يصدرُ ذلِك مِنه فَلا يُتَّهمُ، ورُبَّ شخصٍ يُؤذِنُ ذلِك مِنهُ بِقلَّةِ المُبَالاةِ، وهذا يختلفُ باختلافِ الأوقاتِ والأشخاصِ والأحوَالِ، وهو مفوَّضٌ إلى الاجتهادِ (٣).

стр. 120

قالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَبُو الفَضْلِ ﵁: وما قالَهُ القَاضِي سيفُ السُّنَّةِ (١) مِنْ ذلِك صحيحٌ حقٌّ بَيِّنٌ، / وهو بمعنى قولِ غيرِهِ الَّذِي قدَّمناه مِنْ أنَّ لكلِّ واحدٍ مُروءَةً مَا، فتِلْكَ معتبَرَةٌ، وذلِك أنَّ مَنْ أسقَطَ مُروءَتَهُ / ولم يَهْتَبِلْ بها، دلَّ على اختلالٍ في مِيَزِهِ؛ إذْ لمْ يَحْتَطْ لنفسِهِ، وَلَا اهْتَبَلَ بصلاحِ خاصَّتِهِ، فتعدَّتْ (٢) تُهمتُنا بذلِك لهُ في دِينِه، ولَمْ نَسْتَتِمْ إلى باطنِهِ لمَّا اضطربَ علينا ظاهِرُهُ. وهذه نكتةٌ بالِغَةٌ في هذا الفَصلِ، تَغَلْغَلَ القولُ بِهَا، لَعلَّك لا تجدُها بهذا البيانِ في غيرِ هذِهِ الأوراقِ، وقدْ طاشِ سَهْمُ القولِ بما- اعتُرِضَ- عن الغَرَضِ، فلنكْتَفِ بِمَا اقْتَضبْناهُ مِنْ معقولٍ ومنقولٍ، ونعودُ إلى بُغيَتِكَ فنقُولُ: ٨ - وَفيهِ مِنَ الفِقْهِ: بسطُ المحدِّثِ والعالمِ لما أَجْمَلَ مِنْ علمِهِ لمَنْ حولَهُ، وبيانُهُ عليهم مِنْ تلقاءِ نفسِهِ، كما فعلَ رسولُ اللهِ ﷺ في هذا الحديثِ، وقدْ قال لعائشةَ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»، قالَتْ: ثمَّ أنشَأَ يُحدِّثُ الحديثَ. وقدْ وَرَدَ في غيرِ مَا حديثٍ صحيحٍ ابْتِدَاؤُهُ ﷺ لأصحابِهِ المسائلَ جَمْلًا وتفصِيلًا. ٩ - وَفيهِ مِنَ الفِقْهِ: سؤالُ السَّامِعِ العالمَ شرحَ مَا أجمَلَهُ له؛ فَقدْ وقعَ / في بعضِ طُرقِهِ عن عائشةَ ﵂ أنَّهَا -لمَّا قال لَهَا: «أَنَا لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ» - قالَتْ: يَا رسولَ اللهِ! ومَا حديثُ أَبِي زرعٍ؟ فذكرَ رسولُ اللهِ ﷺ الحديثَ.

стр. 121

الغَرِيبُ قولُ عائشةَ ﵂ «كَانَ أَبِي ألَّفَ (١) ألفَ أُوقِيَّةٍ» / (أي: جمَعَ) (٢). قال اللهُ تعالى: ﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. ومَنْ رَوَاهُ: «آلف» بالمدِّ، فمعناه. وهو فعلٌ مشتقٌّ مِنَ الأَلْفِ، يُقالُ: آلفتُ القومَ فآلفُوا، اللَّازِمُ والمتعدِّي واحدٌ، قالَهُ الهَرَوِيُّ (٣). أيْ جمعتُهم ألفًا، أو صيَّرتُهم ألفًا (٤). / وقولُها «تَعَاهَدْنَ وتَعَاقَدْنَ»: أَيْ ألْزَمْنَ أنفُسَهُنَّ بالقولِ موثِقًا وعهْدًا، وعقَدْنَ على الصِّدقِ والوفاءِ من ضمائِرِهِنَّ بذلك عقدًا. قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] أي بِمَا وافَقَ به نُطقُكُم نِيَّتَكُم. والأصلُ أنَّ العهدَ والعقدَ في اللُّغةِ بمعنًى واحدٍ، قالَهُ الخليلُ، وابنُ دُرَيْدٍ وغيرهما (٥)، ومعناهُ التَّوَثُّقُ، مِنْ: عقدتُ الحبلَ والشَّيءَ بالشَّيءِ، وهو التَّوَثُّقُ

стр. 122

مِنه / ورَبْطُ بعضِهِ ببعضٍ، فكأنَّ هَؤُلَاءِ النِّسوةَ رَبطنَ على الصِّدقِ قولَهُنَّ الظَّاهِرِ، بإخلاصِهِنَّ الباطِنِ. وقولُهَا في الرِّوايةِ الأُخرى: «تَبَايَعْنَ» مِنْ هذَا المَعنى، وأصلُهُ (١): مبايَعَةُ الأُمراءِ، وهُوَ تَوَثُّقُهُم مِنَ النَّاسِ، ومُعاهدَتُهُم إيَّاهم على الطَّاعةِ، وأصلُهُ مِنَ البيعِ، وذلِكَ أنَّ المُتبايِعَيْنِ يمدُّ كلُّ واحدٍ منهُما يدَهُ إلى صاحِبِهِ بشَيئِه (٢). وقِيلَ: بلْ كَانُوا يضرِبُ كلُّ واحدٍ مِنهم بِيَدِ صاحِبِهِ عند التَّبايُعِ، ولهَذا سُمِّيتْ صفْقةً، لإصْفاقِ أيدِيهم بعضُها بِبعضٍ عندها. ولمَّا كانَ الأُمراءُ / يأخُذون عِندَ التَّوَثُّقِ بأيدِي مَنْ عَاهَدوا / وأشْبهَ ذلِك فعلَ المُتبايعَيْن، سُمِّيتْ مُبايعةً لذلك. غَرِيبُ قوْلِ الأُولَى «لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ» أيْ: مَهزُولٍ، قال الشَّاعر: ........................... ... فأمسَتْ قُريشٌ قدُ أغثَّ سمِينُها (٣) و «الغَثُّ» أيضًا: الفَاسِدُ من الطَّعامِ، ومِنه: الغَثِيثة: وهي المِّدَّة (٤) التي تجتمع في الجُرحِ (٥). ويقالُ: غثَّ الطَّعامُ يَغِثُّ، وأغَثَّ.

стр. 123

والأصلُ (١) أنْ يكونِ هُنا: الهَزيلُ؛ لِقولِهَا بعدُ: «لاسَمِينٌ فيُنْتَقَى». ومَنْ رواهُ «قَحْرٌ» فمعناهُ: هَرِمٌ قَلِيلُ اللَّحمِ، صِفَةٌ للبعيرِ. يُقالُ: جَمَلٌ قَحْرٌ وقَحَارِيَّة (٢). قال ابنُ الأنباريِّ (٣): تُريدُ: لحمَ جملٍ مَهزولٍ. يريدُ / ابنُ الأنبارِيِّ أنَّ المُسنَّةَ الغالبُ عليها الهُزالُ. وقولُها: «عَلى رَأسِ جَبلٍ وَعْرٍ» / أي: حزنٍ غلِيظٍ. والقَوْزُ: مثلُ الجبلِ منَ الرَّمْلِ، والجمعُ: أقُوازٌ، وقِيزانٌ، وأقاوِزُ (٤). ومَنْ رواهُ: «وَعْثٍ»، فمعناهُ: ذُو وَعْثٍ، والوَعْثُ: الدَّهْسُ، وهُو مِمَّا يشتدُّ فيه المشيُ ويَشقُّ، فاستُعمِلَ لكلِّ مَا شَقَّ، ومِنه: وَعْثاءُ السَّفرِ (٥)، أي شدَّتُهُ

стр. 124

ومشقَّتُهُ (١). وقولُهَا: «ليسَ بِلبدٍ فَيُتَوَقَّلُ»، أي ليسَ بِمُسْتمسكٍ فيَسهُل صُعودهُ. يُقالُ: لَبَدَ بالشَّيء يَلْبُدُ لُبُودًا، إذا لزَقَ به. ولَبَدَ الغيثُ الأرضَ: أي ألزَقَ بعضَها بِبعضٍ وجعَلَهَا لا تسُوخُ فيها الأرجُلُ (٢). والتَّوَقُّلُ: إسراعُ المشيِ، قالَهُ ابنُ الأنباريِّ (٣)، وقال غيرُه: هو الإسراعُ في الصُّعودِ، وقال ابنُ دُرَيْدٍ في «الجمهرة» (٤): توقَّلَ في الجبلِ توَقُّلًا فهو مُتَوَقِّلٌ، وكلُّ صاعدٍ في شيءٍ مُتوقِّلٌ، والاسمُ منه: الوَقُل / والوَقَل. وقولُها: «لا سَهْلٌ فيُرتَقَى»، أي (٥) يُطلعُ إليه، تَعْنِي الجبلَ؛ لِحُزُونتِهِ / وَوَعَرِهِ (٦).

стр. 125

«وَلَا سمينٌ فَيُنتَقَى»، تَعنِي اللَّحمَ، أي ليسَ بسمينٍ له نِقْيٌ- أي مخٌّ- فيُخرَجُ، هذا نحو لفظِ الهرويِّ (١)، وفيه تجاوُزٌ؛ إذْ ليسَ يَستبِينُ مِنه المعنى، وقريبٌ منه قولُ أبي عُبيدٍ، ويعقوبَ (٢). وبيانُ معنى ما وقعَ هاهُنا أنْ يُقال: ليسَ بسمينٍ لهُ نِقْيٌ، فيُطلبُ لأجْلِ نِقْيِهِ؛ فلذلك قال: «يُنتَقَى»، أي يُطلبُ طيبُهُ لأجلِ ما فيه مِنَ النِّقْيِ، لا أنَّه أرادَ استخراجَ نِقْيَهُ -وهو مُخُّهُ- وذلك أنَّ الجملَ إذا هزَلَ فلابُدَّ أنْ يَبقى (٣) فيه نِقْيُ عِظامِهِ. قالَ الخَلِيلُ (٤): النِّقْيُ مُخُّ العظامِ، وشحمُ العينِ. قالوا: وآخرُ ما يَبقَى في الجملِ (٥) إذا هزَلَ مُخُّ السُّلامَى ومُخُّ العَينِ (٦)، فإذا لمْ يكنْ / فيهِ ذلِك فلمْ يبقَ فيه شيءٌ من خيرٍ ولا يُنتفعُ به، بدليلِ قولِهِ: لا يَشْتَكِينَ عَمَلًا مَا أَنْقَيْنَ ... مَا دَامَ مُخٌّ في سُلامَى أوْ عَيْنْ (٧)

стр. 126

/ ومَنْ رَواهُ: «فَيُنتَقَلُ»، أي: ينتقِلُهُ النَّاسُ إلى بيوتِهِم فيأكلونَهُ، ولكنَّهم يزهدون فيه. قالَ أبُو سعيدٍ النَّيْسَابوريُّ (١): ليس شيءٌ أخبثَ غثاثةً مِنَ (٢) الأنعامِ مِنَ الجملِ؛ لأنَّه يجمعُ خُبْثَ الرِّيحِ وخُبثَ الطَّعمِ (٣). يريدُ: فلذلك ضَرَبَتْ به / المثلَ. * * * معناه مَعْنَاهُ: وصفَتْ هذِهِ المرأةُ زوجَهَا بالبُخلِ وقِلَّةِ الخيرِ، وبُعدِهِ مِنْ أنْ يُنالَ خيرُهُ- مع قلَّتِه- كاللَّحمِ الهزيلِ أو الفاسدِ المُنتنِ الَّذي يُزهدُ فيه فلا يُطلبُ، فكيف إذا كانَ في رأس جبلٍ صعبٍ وَعْرٍ، أو قوْزِ رمْلٍ دهسٍ؛ لا يُمكنُ المشي فيه، ولا يُنالُ إلَّا بمشقَّةٍ؟ وإلى هذا أشارَ القاسمُ بنُ سلَّامٍ (٤) وغيرُه، وذهبَ الإمامُ أبُو سُليمانَ (٥) إلى أنَّ تمثيلَهَا له بالجبلِ الوعرِ هاهُنا إشارةً إلى سوءِ خلقِهِ،

стр. 127

والذِّهابِ بنفسه وترفيعِها تِيها وكِبرًا، تُريد أنَّه مع قلَّةِ خيرِهِ يتكبَّرُ على عشيرتِهِ، فيجمعُ إلى البخلِ سوءُ الخلقِ، وليسَ عِنده مِنَ الخيرِ ما يَحتملُ سوءَ عشرتِهِ له. * * * عَرَبِيُّهُ: قولُها هذَا، اعلمْ أنَّه يجوزُ في «غَثّ» الرَّفعُ؛ وصْفًا لِلَّحمِ، والكسرُ؛ وصفًا للجملِ، ورُوي بالوجهين؛ لأنَّ الوصفَ بالهُزالِ فيهما معًا صحيحٌ. ومن رواه: «لحم غَثّ» فالرَّفعُ على ما تقدَّمَ، والكسرُ على الإضافةِ بتقديرِ حذفِ: «جمل» وإقامةِ وصفِهِ مقامَهُ. / وأمَّا مَنْ رواهُ: «قحرٌ»، فلا يجوزُ فيه إلَّا الكسرُ؛ لأنَّه لا يكونُ إلَّا وصفًا للجملِ. وقولُها: «لا سَهلٌ فيُرتَقَى»، يجوزُ فيه ثلاثةُ وجوهٍ -كلّها مرويَّةٌ-: نصبُ لامِ «سهلَ» دونَ تنوين، (ورفعُهُما، وخفضُهُما) (١) منوَّنةً. وأعْرَبُها (٢) عِندي هاهُنا: الرَّفعُ في الكلمتين؛ ووجْهُهُ: أنْ يكونَ خبرًا لمبتدإٍ محذوفٍ، تقديرُهُ: لَا هُوَ سَهْلٌ، (أوْ لَا) (٣) هذَا سَهْلٌ، وَلَا ذَاكَ سَمِينٌ، أَوْ لَا الجبلُ سهلٌ، ولَا اللَّحمُ سَمِينٌ، فتكونُ (٤) كلُّ واحدةٍ مِنَ الكلِمتين خبرًا لمبتدإٍ محذوفٍ، / كما قال:

стр. 128

.............. ... فأَصْبَحَ اليَومَ لَا مُعْطٍ وَلَا قَارِ (١) أيْ لَا هو مُعطٍ ولَا هُو قارٍ. ويصحُّ أن / يكونَ «سهلٌ» (٢) مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ مقدَّرٌ، أي: لَا سهلٌ في هذا مُرتقى، ولا سَمينٌ مِنْ هذا منتقى، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، قُرِئ بالوجهين، الرَّفعُ والنَّصبُ، وتكونُ: «لا» هاهُنا بمعنى ليس، كما قال: ............................ ... فأنَا ابنُ قَيْسٍ لَا براحُ (٣) وأما وجهُ نصبِ «سهلَ»: فعلى إعمالِ «لَا» وجعلِها ناقصةً محذوفةَ الخبرِ، فتنصبُ بِهَا، والتَّقديرُ: لَا سهلَ فيه أو مِنه، مثل قولِهم: لا بأسَ، ولا خوفَ، / ومنه قولُهم: لَا حَولَ ولَا قوَّةَ إلَّا باللهِ. وأمَّا الخفضُ فعلى وجهين: على النَّعتِ للجبلِ، وتركِ إعمالِ «لا» وتقديرُها مُلغاةً زائدة في اللَّفظِ لا في المعنى، وهذا أحدُ وجوهِهَا عند النُّحاةِ، كقولِهِم: سِرتُ بِلا زادٍ، وعجِبتُ مِنْ لا شيءٍ. فإنَّ «لا» مُلغاةُ العملِ زائدةٌ في اللَّفظِ / لا في المعنى.

стр. 129

ومنه قولُه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣]، وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣، ٤٤]، فـ ﴿مَقْطُوعَةٍ﴾، و ﴿مَمْنُوعَةٍ﴾: نعتٌ للـ ﴿فاكِهَةٍ﴾، و ﴿بَارِدٍ﴾، و ﴿كَرِيمٍ﴾: نعتٌ للـ ﴿ظِلّ﴾، ولكنْ بتقديرِ: «لا» في المعنى وإلغائِها في العملِ؛ / لأنَّك لو لم تُلغِهَا، لَعملتْ عملَها، وحالتْ بين العاملِ في النَّعتِ والمنعوتِ، فكأنَّها في التَّقديرِ، ولو أَبْطلتَ أيضًا حكمَها في المعنى لَبطلَ المعنى، وكانَ ما بعدَها إثباتًا من حيث كان نفيًا، فهي مُلغاةٌ في العملِ زائدةٌ، غيرُ فاصلةٍ بين العاملِ والمعمولِ فيه، فكذلك قولُها: «لا سهلٌ»، «ولا سمينٌ». وقد يكونُ له أيضًا وجهٌ آخر: وهو أنْ تُقدَّرَ: «لا» بمعنى: «غير»، فيكونُ: «سهلٍ» خفضًا (١) بالإضافةِ إليها. فإذا تقرَّرَ هذا في قولِها: «لا سهلٌ»: فَلَكَ أنْ تَرُدَّ قولَهَا بعدَ ذلك «ولا سَمِين» على ذلِك كُلِّه، وتُجرِيَه على / إعرابِ ما قبلَه مِنَ الوجوهِ الثَّلاثةِ عطفًا عليه، وإنْ شئتَ نوَّنْتَ: «سَمِينًا» في حالِ النَّصبِ، وإن شئتَ قلتَ: «لا سهلٌ، ولا سمينٌ» فأبقيتَ الأوَّلَ على حالِه ورفعتَ الآخرَ على الوجهين اللذَين ذكرناهما قبلُ في رفعِ الحرفَين معًا، وإنْ شئتَ قلتَ: «لا سهلٌ ولا سَمِينَ»، فرفعتَ الأوَّلَ ونصبتَ الثَّانِي، كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] في قراءَةِ أبِي عمروٍ (٢)، وكقولِ أُميَّةَ بنِ أبي الصَّلتِ: /

стр. 130

فَلا لَغْوٌ وِلا تأْثِيمَ فِيها ... وَمَا فاهُوا بِهِ لَهُمُ (١) مُقِيمُ * * * بَيَانٌ: إنْ قلتَ: ذكرتَ أنَّ أعربَ الوجُوهِ عندك الرَّفعُ في / الحرفين، وأصل «لا» العاملةِ نصبُ النَّكرةِ المنفِيَّةِ المفردةِ التَّاليةِ لها، وقصارَاكَ إنْ عطفتَ النَّكراتِ عليها مع تكرارِها أنْ تجوِّزَ الرفعَ تجويزَ النَّصبِ، فأمَّا ترجيحُهُ عليه فدعوى، وكيف وقُدوةُ الجماعةِ يقولُ: النَّصبُ أجودُ وأكثرُ منَ الرَّفعِ (٢)؟ فاعلمْ- وفَّقكَ اللهُ- أنِّي إذا بيَّنتُ لك قولي ورفعتُ منارَهُ، رأيتُ ترجِيحَه وإيثارَهُ؛ وذَاك أنِّي لمْ أرَ ذلِك من جِهَةِ مذهبِ النُّحاةِ وتقويمِ الألفاظ، ولكنْ مِن جِهَةِ المعنى وتصحيحِ الأغراضِ، وترتيبِ الكلامِ ونظامِهِ، وردِّ أعجازِهِ لصُدُورِهِ وتفصيلِ أقسامِهِ؛ وذلك أنَّ هذِه المرأةَ أوْدعَتْ أوَّلَ كلامِها تشبيهَ / شيئين مِنْ زوجِها بشيئين كما تقدَّمَ، فشبَّهتْ باللَّحمِ الغَثِّ: بُخلَه وقِلَّةَ عُرْفِهِ، وبالجبلِ الوعْثِ: شراسَةَ خُلُقِهَ وشموخَ أنفِهِ. فلمَّا أتمَّتْ كلامَها، جعلتْ تفسِّرُ- مُستأنِفَةً- كلَّ واحدةٍ مِنَ الجملتين، وتُفصِّلُ- ناعتةً- كلَّ قسمٍ من التَّشبيهين، فَفَصَّلتْ الكلامَ وقسَّمتْهُ، وأبانتْ الوجهَ الذي به علَّقتْ التَّشبيهَ وشرحَتْه، فقالَتْ: لا الجبلُ سهلٌ، فلا يُشقُّ ارتقاؤه لِأخذِ اللَّحمِ الغَثِّ المزهودِ فيه؛ لأنَّ الشَّيءَ المزهودَ / فيه ربَّما أُخِذَ إذا جاء عفوًا، وتُنُوِّلَ إذا سَهُلَ مأخذُهُ،

стр. 131

ثم قالَتْ: ولا اللَّحمُ سمينٌ؛ فيُتحمَّلُ في طلبِهِ واقتفائهِ (١) مشقَّةُ / صعودِ الجبلِ، ومعاناةُ وُعورتِهِ؛ إذ الشيءُ المرغوبُ فيه قد / تُتَحمَّلُ المشاقُّ دونَه، فإذا لم يكُنْ هذَا ولا ذاك، واجتمعَ قِلَّةُ الحرصِ عليه، ومشقَّةُ الوصولِ إليهِ، لم تَطْمحْ إليه هِمَّةُ طالبٍ، ولا امتدَّتْ نحوه أمنيَّةُ راغبٍ، فكذلك زوجُهَا قد أُيِسَ مِنْ خيرِهِ / لهذين الوجهين. فقطعُ الكلامِ عند تمامِ التَّشبيهِ والتَّمثيلِ، وابتداؤُهُ بحكمِ التَّفسيرِ والتَّفصيلِ، ألْيقُ بنظمِ الكلام، وأحسنُ مِنْ نفْيِ التَّبرئةِ وسردِ الصِّفةِ في نمط البيان، وأجلى في ردِّ الأعجازِ على صدورِ هذه الأقسامِ. وتأمَّلْ كتابَ اللهِ العزيزِ، فإنَّ المنفيَّاتِ حيثُ تردَّدَتْ فيه معطوفةً لشيءٍ واحدٍ، جاءتْ بالوجوهِ الثَّلاثةِ، كقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]، و ﴿كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣]، و ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، قُرِئ بالوجَهين الرَّفعُ والنَّصبُ (٢)، و ﴿لَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وحيث وردَتْ المنفيَّاتُ فيه لِصفاتِ أشياءٍ أو لشَيئينِ يختَصُّ كلُّ واحدٍ منها بوصفٍ، وقُصِدَ كلُّ شيءٍ منها بنفْيِ عيبٍ: ابتُدِأ الكلامُ حينئذٍ مستأنفًا، فقال: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٦ - ٤٧].

стр. 132

فقولُهُ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ من صفةِ المشروبِ، وقولُهُ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ مِنْ صفةِ الشَّاربين، وهذا مِنَ التَّرتيبِ البديعِ، والتَّناسُبِ العجيبِ؛ فإنَّه جعلَ الوصفَ الأوَّلَ للموصوفِ الأوَّلِ، والثَّانِي للثَّانِي، وهو مِن أبدعِ أنواعِ التَّأليفِ، وأحسنِ أساليب التَّرصيفِ (١)، ومثلُهُ قولِ امرئ القيسِ: / كَأنَّ قلُوبَ الطَّيرِ رَطْبًا ويابِسًا ... لَدَى وَكْرِهَا العُنَّابُ، والحَشَفُ البَالِي (٢) / فأتَى «بالعُنَّابِ» أوَّلًا «للقلوبِ الرَّطبةِ» المذكورةِ أوَّلًا، و «الحَشَفُ» ثانِيًا «لليابِسَةِ» المذكورةِ ثَانِيًا، وقول بعضِهم: سَلْ عنه، وانْطِقْ بِهِ، وانْظُرْ إليهِ، تَجِدْ ... مِلءَ المَسامِعِ، والأَفْواهِ، والمُقَلِ (٣) فإنَّه قابَلَ بقولِهِ: «مِلء المَسامِعِ» أوَّلًا في الشَّطرِ الثَّانِي قولَهُ: / «سل عنه» أوَّلًا في الشَّطرِ الأوَّلِ.

стр. 133

وأتَى «بالأَفْواهِ» ثانيًا في الثَّانِي مُقابِلًا «للنطقِ» ثانيًا في الأوَّلِ. وأتى «بالمُقَلِ» ثالثًا في الثَّانِي مُقابِلًا «للنظرِ» ثالثًا في الأوَّلِ، ومثلُهُ: قَلْبِي وَطَرْفي مِنْكَ هَذَا فِي حِمى ... قَيْظٍ، وَهَذا فِي رياضِ رَبيعِ (١) فإنَّه حملَ: «حِمى القيظِ» الذي جاء به أوَّلًا في العَجُزِ / على «القلبِ» الذي جاء به أوَّلًا في الصَّدرِ. (وحَمَلَ: «رياضَ الرَّبيعِ» الذي أَتى به في العَجُزِ آخِرًا على «الطَّرْفِ» (٢) الَّذي أتى به (٣) في الصَّدرِ) (٤) آخِرًا، فتناسبَ النَّظمُ على نسقِهِ، وتطاردَ التَّرتيبُ على جادَّةِ طلقِهِ. وكذلك جاءَ في بعضِ رواياتِ حديثِ أمِّ زرعٍ تقديمُ: «لا سَمِينٌ» لعَوْدِهِ على اللَّحمِ المُقدَّمِ، وتأخيرُ: «لا سَهْلٌ» لِعطفِهِ على الجبلِ المؤخَّرِ. وقد ترامى بِنا القولُ هُنا إلى لمْحَةٍ وإلماعَةِ مِمَّا في كلامِها مِنْ أبوابِ البلاغةِ، / وهو فصلٌ لَمْ نَرَ التَّطويلَ بَهَ هاهُنا، وسنذكرُهُ بعدُ مع أشباهِهِ مِمَّا في كلامِ صواحِبِها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. * * *

стр. 134

فِقْهُهُ: استدَلَّ بعضُ العلماءِ مِنْ هذا الحديثِ على أنَّ ذكرَ السُّوءِ والعَيبِ إذا ذكَرَهُ أحدٌ فيمَنْ لا يُعرفُ بعينِهِ واسمِهِ أنَّه ليس / بِغِيْبَةٍ، وإنَّما الغِيبَةُ: أنْ تقصِدَ مُعيَّنًا بما يكرَهُ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قد حكَى عن بعضِ هَؤُلاءِ النِّسوةِ مَا ذكرْنَهُ مِنْ عَيْبِ أزواجِهِنَّ، ولا يَحكِي عن نفسِهِ أو غيرِهِ ﷺ إلَّا ما يجوزُ ويُباحُ، وقال مثلَ ذلِك أبُو سُليمانَ الخَطَّابِيُّ (١). ورأيتُ شيخَنَا الإمامَ أبَا عبدِ اللهِ محمَّدَ بنِ عليٍّ التَّمِيمِيَّ (٢) لا يرتَضِي هذا القولَ / وقال: «إنَّما كانَ يكونُ هذا حجَّةٌ لو سمِعَ النبيُّ ﷺ / امرأةً تغتابُ زوجَهَا ولا تُسمِّيه فأقرَّها عليه، وأمَّا هذه الحكايةُ عن نساءٍ مجهولاتٍ غيرِ حاضراتٍ يُنكِرُ عليهِنَّ فليس بحُجَّةٍ في جواز ذلك، وحالُهُنَّ كحالِ مَنْ قال: في العالَمِ مَنْ يسرقُ ويزنِي، فلا يكونُ غِيبَةً، قال: ولكنَّ المسألةَ لو نزلتْ فوصفتْ امرأةٌ زوجَهَا بما هو غِيبَةٌ وهو معروفٌ عند السَّامعِ فإنَّ ذلك ممنوعٌ، ولو كان مجهولًا لكانَ لا حرَجَ فيه على رأي بعضهم الَّذي قدَّمنَاهُ، قال: وللنَّظرِ فيه مجالٌ». قال الفَقِيهُ القَاضِي أَبُو الفَضْلِ أَعْلى اللهُ قَدْرَهُ: وما قالَهُ الشَّيخُ ﵁ فيه للنَّظرِ أيضًا مجالٌ عندِي، وتحقيقُ المسألةِ: أنَّ فائدةَ النَّهي عن الغِيبةِ حمايةٌ عن أذى المؤمنِ، فإذا ذَكرَ المجهولين عند القائلِ والسَّامعِ بالقبيحِ دونَ أنْ يُذكَرَ لهم اسمٌ أو وصفٌ عساهم أنْ يعرفَهُم به غيرُهُما، ليس بغِيبةٍ؛ لأنَّ مثلَ هذَا لا يَصِلُ به أذًى للمقولِ فيه، إذ لا يتأذَّى إلَّا

стр. 135

بتعيينِهِ، أمَّا عندَ القائلِ أو السَّامعِ أو مَنْ يبلُغُهُ الخبرُ. وهذا مثل قولِك: في العالَمِ من يَفسُقُ، وفي بنِي آدمَ من / يسرِقُ، فهذا ليس بِغِيبةٍ. وقد أشارَ إلى نحوِ هذا الحارثُ بنُ أسدٍ (المُحاسِبِيُّ) (١) ﵀، قال: وقال إبراهيمُ: «لَا تكُونُ غِيبَةً مَا لَمْ يُسَمَّ صَاحِبُهَا» (٢)، وكانَ النبيُّ ﷺ إذا بلَغَهُ عن أحدٍ شيءٌ لمْ يُصرِّحْ بِهِ، وكانَ يقول (٣): «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يفعلُونَ كَذَا»، وهو ﷺ وإنْ عرَفَهُم، فليسَ بمُغتَابٍ لهم؛ إذ نِيَّتُهُ غيرُ الغِيبةِ والأذى، بل التَّحذيرُ والعِظةُ، ولو فعلَ ذلِك إنسانٌ / / لمِثْلِ هذا لمْ يكُنْ مُغتابًا إذا لمْ يُصرِّحْ ولمْ يُعرِّضْ باسمه تعريضًا يُفهِمُ عينَهُ. وكذلِك قولُه في هذا الحديثِ: «اجتَمَعَ إحْدَى عشْرَةَ امرَأَةً»، فذكرَ نساءً مجهولاتِ الأعيانِ والأسماءِ، مجهولاتِ الأزواجِ، بائداتِ الزَّمانِ، فمَا حكى عن بعضِهِنَّ منْ قبِيحِ ذكرِ أزواجِهِنَّ ليس بغِيبةٍ. نعم، وإن كانَ قدْ سمَّى في بعضِ الطُّرقِ / - كما / ذكرْنَا (٤) - بعضّهُنَّ، فإنَّ أزواجَهُنَّ غيرُ مُسَمّين، ومع أنَّ تلك التَّسميةِ- لِقدمِ الزَّمانِ- لم تزدْ معرفةً.

стр. 136

وأيضًا فإنَّه أخبرَ عن قومٍ من أهلِ الجاهليَّةِ؛ اللهُ أعلمُ هلْ كانوا على ديانةٍ أم لا؟ فلمْ يَكُنْ فيهِم- ولو عُرِفوا، إنْ كانُوا على الجاهِليَّة- غِيبةٌ. وأمَّا متى كان المَقُولُ له معروفًا عند القائلِ أو السَّامعِ فهي غِيبةٌ، وكذلِك لو لمْ يَعرِفاهُ ولكنْ بلغَ أحدًا منَ النَّاسِ: أنَّ فلانًا الـ (كذا) أَتى دناءَةَ كذا، أو تَخَلَّقَ منَ القَبيحِ بكذَا، فحدَّثَ به مَنْ لا يعرِفُ المُسمَّى واستمَعَ الآخرُ إليه لكَانَا مُغتابَيْن؛ لأنَّ ذلك المسمَّى لو بلغهُ ذلك أو سمِعَهُ لتأذَّى به، إلَّا أنْ يكونَ القائلُ يعرِفُهُ ولكنْ لمْ يُفصِحْ به وذَكَرَ / عَيْبَهُ لضرورةِ التَّحذيرِ أو الوَعْظِ كما تقدَّمَ. قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَبُو الفَضْلِ وفَّقَهُ اللهُ: وقولُ شيخِنَا أبي عبدِ اللهِ: «وإنَّما حكَى عن نساءٍ مجهولاتٍ غيرِ حاضراتٍ يُنكرُ عليهِنَّ». غيرُ سديدٍ عندي؛ فإنَّ الحُجَّةَ إنَّما هي في حكايةِ النَّبيِّ ﷺ عنهُنَّ، أوْ الحكايةِ لهُ عنهُنَّ ما حُكِي، ولو حَكى رجلٌ عن غائبةٍ أنَّها قالَتْ في زوجِها كذا، ونبَزَتْهُ بكذا، لكانَ غِيبةً منَ الرَّاوي والسَّامعِ له، وإنَّما الحُجَّةُ مِنْ هذا الحديثِ حكايَتُهُ ﷺ عن / مجهولاتٍ، والمَقولُ فيهم مجهولون عند جميعِ السَّامعين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. تَنْبِيهٌ: كنتُ نَوَيتُ أن أذكرِ ما في كلامِ كلِّ واحدةٍ من هؤلاءِ النِّسوةِ من أبوابِ الفصاحةِ، وأُنبِّهُ على ما فيه من فنونِ البلاغةِ، وأُبَيِّنُ ما اشتملَ عليه من أبوابِ البديعِ على مذهبِ أهلِ هذه الصِّناعةِ؛ فإنَّ كلامَ هؤلاءِ النِّسوةِ من الكلامِ العالِي الفصيحِ، الجامعِ للَّفظِ المختارِ والنَّظمِ المتناسِبِ المليحِ، والمعنى الجَيِّدِ / البليغِ الصَّحيحِ، لكنِّي رأيتُ أنَّ إفرادَ الكلامِ عليه عند شرحِ قولِ كلِّ

стр. 137

واحدةٍ يطولُ؛ لِمَا يتوجَّه من التَّكرارِ والمداخلةِ في بعضِ الفصولِ، فرأيتُ تأخيرَ ذلِك إلى آخرِ الحديثِ أولى، ليأتِيَ الكلامُ عليه دَفْعةً ويَفيضَ سَجْلًا، جرْيًا على (١) ما اشتَرَطتُهُ منَ الاختصارِ، وكُرهًا لِما بسطتُه منْ عذرِ الإكثارِ، والعونُ مِنَ اللهِ جَلَّ اسمُهُ. / غَرِيبُ قولِ الثَّانِيَةِ «لَا أَبُثُّ»: لا أنشرُ وأذكُرُ، ومنْ رَواهُ: «أنُثُّ»، فمِنْ هذَا يُقالُ: «بثَّ الحديثَ، / ونَثَّهُ» بمعنًى، إلَّا أنْ النُّونَ أكثرُ ما يُستعملُ في الشَّرِّ، وهو بمعنى أُنبِئ في الرِّوايةِ الأخرى أي: أُعلمُ. قالَ أبُو عُبيدٍ (٢): «والعُجَرُ: تَعَقُّدُ العصبِ والعروقِ في الجسدِ، حتَّى تراها ناتِئةً، والبُجَرُ: مثلُها (٣)، إلَّا أنَّها مُختصَّةٌ بالبطنِ». وقال نحوَهُ الأصمعِيُّ (٤)، وقال ابنُ الأعرابيِّ (٥): «العُجْرَةُ / نَفْخَةٌ في الظَّهْر، فَإِذا كَانَت في السُّرَّة فَهِيَ بُجْرَة، ثمَّ يُنْقَلانِ إلَى الهُمُومِ والأَحْزَانِ»، ونحوه عن ثَعْلبٍ والأَصْمَعِيِّ، قال: «ومنهُ قولُ عليٍّ ﵁ يومَ الجَمَلِ: «إلَى اللهِ / أَشْكُو عُجَرِي وبُجَرِي» (٦)، أي هُمُومِي وأحْزَانِي».

стр. 138

وقال أحمدُ بنُ عُبَيْدٍ (١): «العُجَرُ: في البَطْنِ والجَنبِ، والبُجَرُ: في السُّرَّةِ» (٢). وقال الأَصْمعِيُّ: إنَّهَا تُستعملُ في المعايِبِ أيضًا. قال الهَرَوِيُّ (٣): عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ: أي عُيوبهُ، وقالَهُ (٤) ابنُ حبِيبٍ. وقال ابنُ السِّكِّيتِ (٥): أسْرَارُهُ، وقال نحوَه المُبَرّدُ (٦)، وبه فسَّرَ قولَ عليٍّ ﵁ قال: أي ما أُسِرُّ مِنْ أمرِي، وحَكى نحوَه عن الأصمعيِّ قال عنه: وهو كلامٌ سائرٌ مِنْ أمثالِ العربِ: لَقِيَ فُلانٌ فُلانًا، فأَبَثَّهُ عُجَرَهُ وبُجَرَهُ أي أسرَارَهُ. وقال أبو سعِيدٍ النَّيسابُورِيِّ (٧): إنَّما عَنَتْ أنَّ زوجَهَا كثيرُ العيوبِ، مُتعقِّدُ النَّفسِ عن المكارِمِ.

стр. 139

مَعْنَاهُ: قولُهَا: «لَا أَبُثُّ خبَرَهُ، أَخَافُ ألَّا أَذَرَهُ»: أي: أترُكَ حدِيثَهُ، والهَاءُ عائِدَةٌ على الخبرِ، / أي: إنَّه لطولِهِ وكثرتِهِ؛ إنْ بدأتُهُ لمْ أقدِرْ على تمَامِهِ، / وإلَى هذَا ذَهَبَ يعقوبُ (١)؛ ويُعضِّدُ هذا: ما ورَدَ في زيادةِ بعضِهِم: «ولَا أبْلُغُ قَدْرَهُ». وفيه تأويلٌ آخر ذكرَهَ أحمدُ بنَ عُبَيْدِ بنِ نَاصِحٍ (٢): أنَّ الهاءَ عائدةٌ على الزَّوجِ، وكأنَّها خشِيَتْ فراقَهُ إنْ ذكرَتْه وكرِهَتْ ذلِك، وتكونُ «لَا» هُنا- علَى قولِهِ- زائدةً، كما قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وشبَهَهُ، فيكونُ «أَذَرَهُ» - على هذا- التَّأويلِ: أفارِقُهُ. ويحتملُ على رجوعِ الهاءِ إلى الزَّوجِ تأويلًا آخَر: أي: إنِّي إنْ أَخبرْتُ بشيءٍ من عيوبِهِ ونقائِصِهِ؛ أفضَى إلى ذكرِ شيءٍ آخَرَ أقبحَ منه، وقد عاهدَتْ صواحِبَها على ألَّا تكتُمَ شيئًا / من صفاتِهِ عنهُنَّ، فهذه كرِهَتْ ما تعاقدَتْ عليه معهُنَّ، وذهبتْ إلى سَتْرِ عيوبِ زوجِهَا لِكثْرَتِها، ولمْ تَرَ أنْ تذكرَ بعضًا دون بعضٍ، وأنَّها إنْ ذكرتْ شيئًا تسبَّبَ ذِكْرَ شيءٍ آخر؛ فرأتْ الإمساكَ أوْلَى، ويدُلُّ على هذا: ما وقعَ في بعضِ طُرُقِهِ: «أخافُ ألَّا أذَرَهُ مِنْ سُوءٍ» (٣).

стр. 140

ومعنَى قولِهَا: «إن أذْكُرْهُ، أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ»، فعلى مذهبِ ابنِ الأعرابيِّ وثعلبٍ والأصمعيِّ (١): أي: إنِّي إنْ ذكرتُهُ، ذكرتُ هُمومِي وأحزانِي بِهِ. وعلى مذهبِ الأصمعيِّ الآخرِ والهرويِّ والنَّيسابوريِّ (٢): إنْ ذكرتُهُ، ذكرتُ معايِبَه وقبائِحَه. وعلى مذهبِ ابنِ السِّكِّيتِ: ذكرتُ أسرارَه. وبعضُها قريبٌ مِنْ بعضٍ، قال الخطَّابِيُّ (٣): أرَادَتْ عُيوبَهُ الباطِنَةَ، وأسرارَهُ الكَامِنَةَ. قالَ الفَقِيهُ / القَاضِي ﵁: وأرَى- واللهُ أعلمُ- أنَّه كان مستورَ / الظَّاهِرِ، ردِيءَ الباطنِ، فلم تُرِدْ هتكَ سترِهِ، وإنَّها إنْ تكلَّمتْ بِما / قد عاقدَتْ عليه صواحِبَها كشفَتْ مِنْ قبائِحِهِ ما استَتَرَ، وأبدَتْ من سوءِ حالِها وعِظَمِ همِّهَا به ما- قَبْلُ- لمْ يظهرْ، ولكنَّها وإنْ لوَّحتْ وما صرَّحَتْ، وأجْمَلَتْ وما شرحَتْ، فقد بثَّتْ، وإنْ قالَتْ: لَا أبُثُّ؛ إذ لابُدَّ للمصدُورِ أنْ يَنفُثَ، وهذا كما قال (٤): / ولَولَا أَنْ يُقالَ صَبَا نَصِيبٌ ... لَقُلتُ بِنَفْسِي النَّشَأُ الصِّغارُ ففي ضمنِ الصَّريحِ: أنَّه لم يَقُلْ، وفي نصِّ الصَّريحِ: أنه قد قال.

стр. 141

ولكنْ هذِه اكتفتْ بالإيماءِ والإجمالِ في الخبرِ عنه، ولم تهتِكْ حجابَ الصِّدقِ (١) عن عَوْراتِ ما عرفتْ منه. / غَرِيبُ قَوْلِ الثَّالِثَةِ قولُها: «زَوْجِي العَشَنَّقُ»، فالعشنَّقُ: الطَّويلُ، قالَهُ أبو عُبَيدٍ (٢) وغيرُهُ من الشَّارِحِين، وخطَّأَهُ في ذلك عبدُ الملكِ بنِ حَبِيبٍ، وقال: العشَنَّقُ: المِقْدامُ على مَا يُرِيدُ، الشَّرِسُ في أمُورِهِ، بدلِيلِ بَقِيَّةِ وصفِها له، وقال أبُو سعيدٍ النَّيْسابُوريِّ قولًا يجمعُ التَّفسِيرين، قال: العَشَنَّقُ: الطَّويلُ النَّحِيفُ، الذِي ليسَ أمرُهُ إلى امرأتِهِ، وأمرُها إليهِ، فهو يحكمُ فيها بما يشاءُ، وهي تَخافُهُ (٣). وقال أبُو منصورٍ الثَّعالبِيُّ (٤): العشَنَّقُ، والعَشَنَّطُ: المَذمومُ الطُّولِ. قال غيرُه (٥): ومثلُهُ: القَاقُ والقُوقُ، وهذا يقْرُبُ من قولِ النَّيسابُورِيِّ. وقال صاحبُ «العَينِ» (٦): العشَنَّقُ: الطَّويلُ العُنُقِ.

стр. 142

وقال ابنُ أبِي أُويسٍ (١): العشَنَّقُ: الصَّقْرُ مِنَ الرِّجَالِ، الْمِقْدَامُ الْجَرِيءُ، قال: ويُقالُ / للطَّويلِ مِنَ الرِّجالِ: العَشَنَّقُ. وحَكى ابنُ الأنباريِّ عنه أنَّه: الطَّويلُ الجَرِيءُ، والقَصِيرُ، قال أبُو بكرٍ: فكأنَّهُ جعَلَهُ مِنَ الأضَّدادِ، والمَشْهورُ: أنَّه الطَّويلُ (٢). تَنْبِيهٌ: قال القاضِي: الذي قرأنَاهُ في حديثِ ابنِ أبِي أُويسٍ: الصَّقرَ كما ذكرناهُ، ولمْ يذكرْ- فيما رأيتُ- أحدٌ مِنْ أهلِ اللُّغةِ العشنَّقَ في القِصارِ، ولَعَلَّهُ تصحِيفٌ مِنْ أبِي بكرٍ، واللهُ أعلمُ. وقولُهَا: «أُعَلَّقُ»: أي يَترُكُنِي مُعَلَّقةً كمَنْ لا زوجَ لها، ولا هِي أَيِّمٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. و «السِّنانُ»: الرُّمحُ. و «المُذَلَّقُ»: المُحَدَّدُ. أي أنَّها مَعَهُ على مثلِ سِنانٍ مُحَدَّدٍ، / وذَلْقُ كُلِّ شيءٍ: حدُّهُ، ومنه قولُهم: لِسانٌ ذَلْقٌ، أي حدِيدٌ فَصِيحٌ (٣). أرادتْ أنَّها لا تجِدُ معه قرارًا، وأنَّها معه على حذرٍ، كمن هو على طرفِ السِّنانِ، أو أنَّه هو لِهوَجِهِ لا يستقِرُّ على حالةٍ. مَعْنَاهُ: وصْفُهَا له بالطُّولِ- على رأيِ أبي عُبَيدٍ- تُريدُ مِدْحَتَهُ بذلك؛ لأنَّ العربَ تمدحُ الرِّجالَ / والسَّادةَ بطولِ القامةِ، وفخامَةِ الظَّاهرِ، ومنه قولُ الأُخرى:

стр. 143

طَويلُ النِّجادِ، وقال الشَّاعرُ (١): فجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كَأنَّمَا ... عِمَامَتُهُ بينَ الرِّجالِ لِواءُ / وقال آخر (٢): / خِدَبٌّ (٣) يَضِيقَ السَّرْجُ عنهُ كَأَنَّمَا ... يَمُدَّ رِكَابَيْهِ مِنَ الطُّولِ مَاتِحُ (٤) وقال غَيرُهُ (٥): بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ ... يُحْذَى نِعَالَ السَّبْتِ لَيْسَ بتَوْأَم / يقولُ: كأنَّ ثيابَهُ مِنْ طولِه على سَرْحةٍ، أي شجرةٍ عظيمةٍ طويلةٍ، لِكمالِ خلقِهِ، وأنَّه وُلِدَ وحدَهُ، غَيرَ توأمٍ لولدٍ آخرٍ زَحِمَهُ في الرَّحِمِ فأضعفَهُ ونقصَ خَلقَهُ. ومِنه قولُ الشَّعبيِّ: لولَا أنِّي زُوحِمتُ في الرَّحمِ مَا قامَتْ لأحَدٍ مَعِي قائِمَةٌ (٦). واقتِصَارُها مِنْ صِفاتِهِ على الطُّولِ وحدَهُ: قال الأَصمعيُّ (٧): أرَادَتْ بذلِك: أي ليس عِندَهُ أكثرُ مِن طولِهِ بِلا نَفعٍ، فإنْ ذكرتُ ما فيه مِنَ المعايِبِ طلَّقَنِي، وإنْ سكتُّ تركني معلقةً: لا أَيِّمًا، ولا ذاتَ بعْلٍ، تعني: يُنتفعُ به منفعةَ البُعُولَةِ،

стр. 144

ولستُ (١) مطلقةً فأستريحُ / وأتفرَّغُ لغيرِهِ وأيأسُ منهُ، ولَا أحسَنَ صُحبتِي فأغتبِط به، فأنا كالشَّيءِ المُعلَّقِ بين العُلُوِّ والسُّفلِ، غيرِ المستقرِّ في أحدِهما. وقيلَ: يُحتملُ قولُها أنْ يكونَ من عَلاقَةِ الحبِّ؛ ولذلك كانت تكرهُ أن تنطقَ لِئلَّا يفارِقَها، وإنْ سكتتْ، بقِيَتْ بعلاقِها ولم يهتبلْ بها، ولا وصلَها فشفى غليلَ صدرِها. قال أبُو بكرِ ابن (٢) الأنبارِيِّ (٣): أرادتْ: أنَّ زوجِي لهُ منظَرٌ بلا خُبْرٍ (٤). وعلى المذهبِ الآخرِ: فمقتضى جميعِ ما وصفتْهُ به سوءُ الخلُقِ والعِشرةِ، وأنَّها لا تأمنُ أذاهُ وضرَّهُ، وأنَّه مع هذا مذمومٌ، المَرْأَى والخِلْقَةِ، وأنَّها على حذرٍ من / صُحبَتِهِ، غيرُ مطمئِنَّةِ النَّفْسِ، ولا مستقرَّةِ الجأشِ معه، متوقِّعةً أذَاهُ أو فراقَهُ؛ فهي معه كمَنْ هو على حدِّ السِّنانِ منَ المَخافَةِ والحذارِ، وعدمِ الطّمأنِينَةِ والاستقرارِ، والعربُ تقولُ لِمن يكونُ على حذرٍ وغيرِ استقرارٍ: كأنَّه على مثلِ سنِّ الرُّمحِ، / ومثلِ حدِّ السَّيفِ، ومثلِ قرنِ الظَّبيِ، قال امرُؤ القيسِ (٥):

стр. 145

............ ... كَأَنِّي وأصْحَابِي عَلَى قرنِ أَعْفَرَا وقد أبانَ هذه العِلَّةَ أبُو العلاءِ بنِ سُليمان (١) بقولِهِ: ............................... ... كأنَّنِي فَوقَ قَرْنِ الظَّبيِ مِنْ حَذَرِ (٢) * * * غَرِيبُ قَوْلِ الرَّابِعَةِ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ»: القَرُّ: البَرْدُ، والسَّآمَةُ: المَلَالُ، والوَخَامَةُ: الثِّقَلُ؛ يُقالُ: رجلٌ وَخِيمٌ: أي ثقيلٌ، وطعامٌ وخِيمٌ: / ثقيلٌ غيرُ (٣) مُسْتَمْرَإٍ (٤)، ومرعًى وخيمٌ: لا تَنْجَعُ عليه الماشِيَةُ. عَرَبِيَّتُهُ: يجري في قولِها: «لا حَرٌّ ولا قَرٌّ، ولا مَخَافَة ولا سَآمَة» ما تقدَّمَ من الوجوهِ في قولِ الأُخرَى: «لا سهلٌ ولا سمينٌ»، ولكن كلامُ هذه أجْلَي في بعضِ الوجُوهِ مِنَ الكَسرِ / على الصِّفةِ؛ لتكرُّرِ الأوصافِ ولكونِها كلّها أوصافًا لشيءٍ واحدٍ، وسِيبوَيْه (٥) / يستقبحُهُ إذا لم تتكرَّرْ الأوصافُ، ومن العطف على

стр. 146

الموضع إذا نصبتَ أوَّلًا ورفعتَ آخرًا لكونِها جملةً واحدةً واشتراكُهما في الخبرِ كما قال تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وكما قال: ........................ ... لَا أمَّ لِي إنْ كَانِ ذَاك وَلَا أَبُ (١) مَعْنَاهُ: وصفتْهُ بحُسنِ صحبَتِها، وجميلِ عشرَتِها، واعتدالِ حالِهِ، وسلامةِ باطِنِهِ، وثقتِهَا به، وضربتْ المثلَ بليلِ تِهامة؛ لأنَّ تِهامةَ مِنْ بلادِ الحِجازِ- مكة وما والاها- بلادٌ حارَّةٌ (راكِدةُ) (٢) الرِّيحِ، / وبهذا سُمِّيتْ تِهامةَ. قال الأصمعيُّ (٣): العربُ تقولُ: إذا انحدرتَ مِنْ ثنَايَا ذَاتِ عِرْقٍ فقد أَتْهَمْتَ إلى البحرِ، وإذا تصوَّبْتَ من ثنايا العرجِ فقد استقبلتَ الأراكَ والمرخَ وشجرَ / تِهامةَ، (وأَتْهَمْتَ. قال الأصمعيُّ (٤): والتَّهَمةُ: الأرضُ المُتصوِّبَةُ إلى البحر. قال ابنُ دُرَيدٍ (٥): التَّهَمُ (٦): الحرُّ، ورُكودُ الرِّيحِ، وبه سُمِّيتْ تِهامَةُ) (٧)،

стр. 147

وأنشدَ غيرُهُ (١): نَجِدْ (٢) بردَ نَجْدٍ بَعْدَ مَا لَعِبتْ بِنا ... تِهَامَةُ فِي حَمَّامِها (٣) المُتَوَقِّدُ وقال الحسنُ الهَمَدَانِيُّ (٤): تِهامةُ: ما استطالَ مِنْ جزيرةِ / العَرَبِ بين بحرِها الغربِيِّ والسَّراةِ، وكانتْ فيه طمأنينةٌ وحرارةٌ (٥). قَالَ القَاضِي: فليلُها لَا قَرَّ فيه، أي ليس فيه رِياحٌ باردةٌ شديدةٌ، ولَا حَرَّ؛ لأنَّ بردَ اللَّيلِ على حالٍ يُطفِيه (٦) ويَكسرُ سورَتَه، فهي معتدلةٌ، وبلادُ الحجازِ بالجملة موصوفةٌ بطيبِ اللَّيلِ والأصائلِ والظِّلالِ.

стр. 148

وقد أكثرَ في ذلك شعراؤُهُم ومنه قال بعضُهم (١): أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّ الْمُصَلَّى مَكَانَهُ ... وَأَنَّ الْعَقِيقَ ذَا الظِّلَالِ وَذَا الْبَرْد وَأَنَّ بِهِ لَوْ تَعْلَمَانِ أَصَائِلًا ... وَلَيْلًا رَقِيقًا مِثْلَ حَاشِيَةِ الْبُرْد تقولُ: لَا أذًى عِندهُ ولَا مَكروهٌ، كمثلِ هذه اللَّيلةِ التي ليس فيها حرٌّ ولا بردٌ ولا ريحٌ؛ لأنَّ في الرِّيحِ والحرِّ والبردِ أذًى إذا اشتدَّ. وتقولُ: لا عِندهُ غائلةٌ ولا شرٌّ فأخافُهُ، ولا يسأمُنِي ولا يستثقِلُنِي؛ فيملُّ صُحبتي، ويكون هذا معنى قولِها: «ولَا وَخَامَة». أو يرجعُ قولُها: «ولَا وَخَامَة» إلى صفةِ ليلِ / تِهامةَ؛ لأنَّ بلادَ تِهامةَ وأشرافَ بلادِ الحجازِ ونجدٍ صحيحةُ الهواءِ، غيرُ وخِمَةٍ، ولا وبيئةٍ. وقد يكونُ قولُها: «ولَا وَخَامَة»، أي: أنَّه- تعني زوجَها- ليس فيه ثِقَلٌ ولا فَدَامَةٌ (٢)، بلْ هو حُلْوُ الشَّمائلِ، خفيفٌ على المُصاحَبِ، مُسْتَلانُ الجانبِ. وقولُها في الرِّوايةِ الأخرى: «ولَا يخافُ خلفَهُ، ولا أمَامَهُ»، قال ابنُ الأنبارِيِّ: تُريدُ أنَّ بلدَ تِهامةَ لا يخافُ أهلُهُ مِنْ أمامِهِم وَلَا مِنْ خَلفِهِم؛ لِتَحَصُّنِ أهلِهِ بالجبالِ. / ويحتملُ عندي / أنْ تُردَّ: «خلفَهُ» و «أمَامَهُ» على زوجها، أي أنَّه مأمونٌ،

стр. 149

لا تَخشَى مضرَّتَه مِنْ جهَةٍ منْ جِهاتِهِ، كما قالَتْ: / «ولا مَخَافَةَ»، أو تُخبِرُ أنَّه حامٍ لِذِمارِهِ، مانعٌ لحوزَةِ دارِهِ وجارِهِ. ثمَّ وصفَتْه بالكَرَمِ والسَّخاءِ بقولِهَا: «والغَيثُ غَيثُ غَمَامةٍ»، أي أنَّ جودَهُ يُنْهَلُ، ويَحيَا به / الأنامُ، كَغيثِ الغَمامِ. * * * غَرِيبُ قَوْلِ الخَامِسَةِ «زَوجِي إنْ دَخَلَ فَهِدَ»، قال أبُو عُبيدٍ (١): تصِفُهُ بكثرَةِ النَّومِ والغَفلةِ، على وجهِ المدحِ لهُ. وقولُها: «إنْ خرجَ أَسِدَ»، تمدَحُهُ بالشَّجاعةِ، أي صارَ كالأسدِ، يُقالُ: أَسِدَ الرَّجلُ واسْتأسَدَ إذا صارَ كذلك. وقولُها: «عمَّا عَهِدَ»، أي: رَأَى في البيتِ وعرَفَ، قال أبُو عُبيدٍ (٢): لا يتفَقَّدُ ما ذهبَ من مالِهِ، ولا يلتفِتُ إلى معايِبَ البيتِ وما فيه، فكأنَّه ساهٍ عن ذلك. وقولُه هذا يقتضِي تفسيرَيْنِ لـ «عَهِدَ»: أحدُهُمَا: عهِدَ قَبْلُ، فهو يَرجِعُ إلى تَفَقُّدِ المالِ. والثَّانِي: عَهِدَ الآنَ، فهو بمعنى الإغْضَاءِ عن المَعَايِبِ (٣) / والاحتِمَالِ. وقال ابنُ أبِي أُويسٍ (٤): تقولُ: إنْ دَخَلَ وَثَبَ عليَّ وُثُوبَ الفهْدِ، وإنْ خَرَجَ

стр. 150

كانَ كالأسدِ جُرْأةً وإقدامًا. فقولُه: وَثَبَ عليَّ، يُحتمَلُ أنْ تُريدَ به البطشَ بِهَا، والضَّربَ لها، أو تُريدُ به المُبادَرَةَ إلى جِماعِهَا، وكثرَةِ الحظِّ من استمتاعِها، أو سُوءَ تناوُلِهِ ذلك دُونَ مُلاعَبَتِهَا وتقدِيمِ الإيناسِ قَبْلَ الإبْسَاسِ بمواقَعَتِهَا. قال ابنُ حَبِيبٍ (١): «وصفَتْهُ بأنَّهُ في اللِّين والدَّعَةِ والغَفْلةِ عندها كالفهدِ، فإذَا خَرَجَ كانَ كالأسدِ في شجاعَتِهِ، ولمْ تُرِدْ النَّومَ كما قال شارِحُ العِراقِيين (٢)، قال: وقد وَرَدَ للنبيِّ ﷺ مثلُ هذا في وصْفِ عليٍّ وذَمِّ مَنْ كانَ بِخلافِهِ، فرُوِيَ عنه / أنَّه ﷺ قال: / «إنَّ اللهَ يُبغِضُ الذَّواقَ المِطْلاقَ، الذِي أَرَاهُ لَا يَأكلُ مَا وَجَدَ، ويَسألُ عمَّا فَقَدَ، وهو عِندَ أهلِهِ كالأسَدِ، وكانَ خَاِرجًا كالثَّعلبِ، لكنْ عليُّ لِفاطِمةَ: يأكلُ مَا وَجَدَ، ولا يسألُ عمَّا فَقَدَ، وهوَ عِندَها كالثَّعلبِ وخَارِجًا كالأسَدِ» (٣). قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَيَّدَهُ اللهُ: والأَوْلى أنْ يكونَ ذِكرُ: «فَهِدَ» هذا (٤) على معنى الاستِعارةِ؛ جعلتْ كثرةَ

стр. 151

تغافُلِهِ كالنَّومِ، واللهُ أعلمُ، لاسِيَّما وقد وُصِفَ الفهدُ بالحياءِ وقِلَّةِ الشَّرَهِ، وهذه كلُّها خلقُ مدحٍ، وهي راجِعةٌ إلى ما أشارَ إليهِ أبُو عُبَيْدٍ، ومِمَّا يُبيِّنُه: قولُها: «ولَا يسألُ عمَّا عَهِدَ»، وكثيرًا ما وصفَتْ العربُ الكرماءَ والسَّادةَ بالتَّغافُلِ والحياءِ في بيوتِها وأندِيَتِها؛ / قالَتْ لَيلَى الأَخْيَلِيَّةُ (١): ............. تَخَالُهُ ... وَسْطَ البُيُوتِ مِنَ الحَيَاءِ سَقِيمَا / وقال الآخَرُ (٢): نَزَرُ الكَلامَ مِنَ الحَيَاءِ تَخَالُهُ ... ضِمْنًا وَلَيْسَ بِجِسْمِهِ (سُقْمُ) (٣) وقال آخر (٤): كَرِيمٌ يَغُضُّ الطَّرفَ (دُونَ) (٥) حَيَائِهِ ... وَيَدْنُو وَأَطْرَافُ الرِّمَاحِ دَوَانِ (٦) وأمَّا كثرَةُ النوَّمِ فمَذْمُومٌ، وقِلَّتُهُ مَحمُودَةٌ، دَالَّةٌ على اليقظةِ والذَّكَاءِ،

стр. 152

قال الهُذَلِيُّ (١): فَأَتَتْ بِهِ حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّنًا ... سُهُدًا إذَا مَا نَامَ لَيلُ الهَوْجَلِ (٢) وقال الآخرُ (٣): ............................... ... وأَفْضَلُ أبْنَاءِ الرِّجَالِ المُسَهَّد وقال عبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ لِمُعلِّمِ بَنِيهِ: عَلِّمْهُم العَوْمَ، وخُذْهُم / بِقِلَّةِ النَّومِ. / قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي ﵁: وقد يَظهرُ لِي فيه وجْهٌ آخر- مع صِحَّةِ ما ذكروه- وبَيَانه: وذلك أنَّهم بنَوا قولَها: «فَهِدَ» على الاشتِقاقِ مِنْ خُلُقِ الفَهْدِ، والمَثَلِ المضروبِ به في النَّوم، وفي الفهْدِ أيضًا مثلٌ آخر ذكرَهُ أصحابُ الأمثالِ كما ذكرُوا / الأوَّلَ، وهو قولُهُم: أَكْسَبُ مِنْ فَهْدٍ، قال أبُو عبدِ اللهِ حَمْزةُ

стр. 153

الأصبهانيُّ (١) في «شرحِ الأمثالِ» (٢): وذلِك أنَّ الفُهودَ الهَرِمةَ التي تَعجزُ عن الصَّيدِ تجتمِعُ على فهدٍ فتًى، فَيَصِيدُ عليها كلَّ يومٍ / شبعَهَا. قُلْتُ: فلا يمتنعُ أنْ يكونَ قولُها: «إذَا دَخَلَ فَهِدَ»، أي إذا جاءِ المنزلَ جاءَهُ بالكسبِ والخيرِ والفوائدِ، كما يفعلُ الفهدُ في كسبِهِ، ولا فَرقَ بين هذا في التَّأويلِ وبين الأوَّلِ؛ إذ كلُّ واحدٍ إنَّما اشتُقَّ من خُلقِ الفهدِ، وكانتْ العربُ تتمادَحُ بالكسبِ والاستفادَةِ، وفي حديثِ أبي بكرٍ: «إنَّك تَكْسِبُ المعدُومَ» (٣)، ومثلهُ في وصفِ ورقةَ للنَّبيِّ ﷺ (٤)، وهذا أحدُ التَّأويلينِ في هَذين (٥) الحديثَينِ. وقال المُساوِرُ بنُ هِنْدٍ من أناشيد أبي تمَّامِ (٦): ............................. ... تَجَرَّدَ فِيهَا مُتْلِفُ المَالِ كَاسِبُهْ

стр. 154

فلا يَبعُدُ هذا التَّأويلُ عِندِي، وإنْ كانَ الأوَّلُ أظهرَ وأليَقَ بالكلامِ؛ لِمطابقةِ لفظِهِ ومعناهُ قولَها: «وإذَا خَرَجَ أَسِدَ»، كمَا سنُبَيِّنُهُ عند الكلامِ على ما فيهِ مِن البلاغةِ وأبوابِ الفصاحةِ، إن شاء اللهُ تعالى. كما أنَّ -أيضًا- قولَها: «ولَا يَسْألُ عمَّا عَهِدَ»، مِنْ معنى: «إذا دَخَلَ فَهِدَ» على التَّأويلِ الأوَّلِ، وفيه مُطابقَةٌ ومُمَاثَلةٌ للتَّأويلِ الثَّاني، فحَمْلُ كُلِّ فِقرةٍ / على معنًى مفردٍ، أولى بالكلامِ الفَصِيحِ وأسعَدُ. عَرَبِيَّتُهُ: قولُها: «فَهِدَ»: فعلٌ مشتقٌّ مِنَ الفهدِ لِاتِّصافِهِ (١) بوصفِهِ كما ذكرنا، مثلَ قولِها: «أَسِدَ»، فعلٌ مشتقٌّ مِنَ الأسَدِ أيضًا كذلِك (٢)، وكثيرًا مَا أَتَتْ أفعالُ التَّخَلُّقِ والتَّغيُّرِ المُشتقَّةُ مِنْ ذلك على فَعِلَ وفَعَلَ. وقد يُحتملُ أنْ يُقال: إنَّ فَهِدَ هَاهُنَا اسمٌ، ويكونُ خبرًا لمبتدإٍ مُضمرٍ، أي: / فهُوَ فَهْدٌ، كمَا قال ﷺ : «الحَمْوُ المَوْتُ» (٣). وكما تقولُ: زيدٌ الأسَدُ، / أي: مثلُ الأسَدِ، ويكونُ / كسرُ الهاءِ هَاهُنا كما قالوا: فَخْذٌ وفَخِذٌ. أو لِمُناسبَةِ قولِها: أسِدَ (٤) في السَّجعِ الآخرِ، وهو بابٌ مِنَ الإتْباعِ (٥) يتقدَّمُ لِتحسينِ الكلامِ

стр. 155

ومناسبةِ الألفاظِ، ومنه قولُهُ ﷺ : «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» (١) [وحَقّهُ:

стр. 156

مَوْزُورَاتٍ، ولكنَّهُ حَمَلَهُ على لفظِ مَأْجُورَاتٍ] (١) لِتحسينِ الكلامِ، وللعربِ في هذا البابِ مذهبٌ معلومٌ. ويُعضِّدُ هذا التَّأويلُ: أنَّه قد رُوِي: «فَفَهِد» (٢)، و «فَأَسِد»، وقد يُحتملُ أنْ تكونَ هاتَانِ اللَّفظتانِ اسمًا للفاعلِ من: فَهِدَ، وأَسِدَ؛ فكثيرًا ما / جاء اسمُ (٣) الفاعلِ من فَعِلَ على هذا الباب كحَرِج وخَجِل ووَجِل وعَمِر (٤) وشَرِق وبَرِق وفَرِق، في أمثلةٍ كثيرةٍ، لكنْ حملُ ذلك على فِعلين، وحذفُ الفاءينِ أفصحُ، وتقابُلُهما أسهلُ للكلامِ وأَسْمَحُ. مَعْنَاهُ: وصفتْهُ بأنَّه كريمُ الطَّبعِ، نَزِهُ الهمَّةِ، حسنُ العشرةِ، ليِّنُ الجانبِ في بيتِهِ، ليس يتفقَّدُ ما ذهبَ مِنْ مالِهِ، ولا يَلتفِتُ إلى جانبِ البيتِ، ولا يطلُبُ ما فَقَدَ منه وعَهِدَ فيه من طعامٍ أو / مأكولٍ وشبهِهِ، ولا يسألُ عنه لِسخاوَةِ نفسِهِ، وسعَةِ قلبِهِ، فكأنَّه ساهٍ أو نائمٌ أو غافلٌ عن ذلك؛ فشبَّهتْهُ بالفهدِ لذلك، وهذه الخصلةُ من مكارمِ الأخلاقِ، وقد قيلَ: العَاقِلُ: الفَطِنُ المُتَغَافِلُ (٥)، وبَيَّنَتْ ذلك بقولِهَا:

стр. 157

«يأكُلُ مَا وَجَدَ» (١)، فعرفتْ أنَّه نزِهُ (٢) الهمَّةِ، قنوعُ النَّفسِ، ليس بِبَرِمٍ (٣) ولا لُعْمُوظٌ (٤)، ثم أكدَتْ ذلك كلَّه من أوصافِهِ بقولِها: «ولا / يَرْفَعُ اليَوْمَ لِغَدٍ»، أي أنَّه مِمَّنْ لا يُعِدُّ الزَّادَ ويَدَّخِرَهُ، بل يُفنِيهِ من يومِهِ، ويجودُ به لحِينِهِ، ويوسِّعُ عيشَةَ مَنْ معَهَ في جميعِهِ، وقد كانتْ هذه خُلُقَ نبيِّنَا ﷺ وأشرافِ العربِ، وقد نَهَى ﷺ عن خلافِها، / فرُوِيَ عن أنسٍ: أنَّه كان ﷺ لَا يَدَّخِرُ شيئًا لِغَدٍ (٥)، حدَّثنَاهُ
следующие страницы →