Полный текст (2 115 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
الدَّم يَابسا خَفِيفا كلحوم القطا والشفانين والدرّاج مطبوخاً فِي قبوضات وعفوصات. وَمن الْأَشْيَاء المجرّبة فِي قطع دم النفث مضغ البقلة الحمقاء وابتلاع مَائه فَرُبمَا حبس فِي الْوَقْت. وَمن الْفَوَاكِه السفرجل والتفاح القابضان العفصان والعناب الرطب وَحب الآس والخرنوب الشَّامي وَمَا يجْرِي هَذَا المجرى. وَقد يتَّخذ لَهُم نقل من الطين الْمَخْتُوم والأرمني بالصمغ الْعَرَبِيّ وَقَلِيل كافور. وَإِذا احْتبسَ الدَّم وَوصل إِلَى الرَّابِع يجب أَن يغذّي ويقوّي وَيبدأ بِمثل الْخبز المغموس فِي المَاء وبمثل الهرائس والأكارع والأدمغة وَإِن كَانَ الانشقاق والانقطاع بِسَبَب حدّة الدَّم فاعمل مَا يجب من إمالة الدَّم إِلَى الْأَطْرَاف وَإِلَى خلاف الْجِهَة واستفراغ الصَّفْرَاء ثمَّ برّد بِقُوَّة ورطّب وَاسْتعْمل القوابض أَيْضا والمغريات وَمَاء الشّعير والسرطانات والقرع ودواء أندروماخس ودواء جالينوس. وَأما الْكَائِن من انفتاح الْعُرُوق فالأدوية الَّتِي يجب أَن تسْتَعْمل فِيهِ هِيَ القابضة والعفصة مَعَ تغرية كَمَا كَانَت الْأَدْوِيَة الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فِيمَا سلف هِيَ المغرية الملحمة مَعَ قبض وَهَذِه مثل الجلنار وأقماع الرُّمَّان والسماق وعصارة الطراثيث وعصارة عساليج الْكَرم وورق العوسج والبلوط والكهربا والأقاقيا والحُضَض وعصارة الْورْد وعصارة عَصا الرَّاعِي والشكاعى وعصارة الحصرم وَهُوَ فاقسطيداس. وَقد يُقَوي هَذِه وَمَا يتّخذ مِنْهَا بالشبّ والعفص وَالصَّبْر والأفسنتين يتَّخذ مِنْهَا أدوية مركبة وأقراص مَعْدُودَة لهَذَا الْبَاب. وَقد ركبت من هَذِه الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة وَرُبمَا طبخت هَذِه الْأَدْوِيَة فِي الْمِيَاه الساذجة أَو بعض العصارات وَشرب طبيخها وَرُبمَا اتخذ مِنْهَا ضمّادات وَقد تخلط بهَا وَتجمع أدوية النفث الْمَذْكُورَة والأدوية الصدرية مثل الكرفس والنانخواه والأنيسون والسنبل والرامك وَقد يخلط بهَا المخدّرات أَيْضا مثل قشور أصل اليبروج والبنج والخشخاش وَقد يخلط بهَا المغرّيات كالصمغ وقشار الكندر وكوكب ساموس والطباشير وبزر لِسَان الْحمل ولعاب بزرالقطونا وبزره وعصارة البقلة الحمقاء ولعاب حبّ السفرجل. وَأما إِذا كَانَ رشحاً من ورم فعلاجه الفصد والاستفراغ ثمَّ الإنضاج. وَلَا يعالج بالقوابض فَذَلِك يجلب آفَة عَظِيمَة بل يجب أَن يعالج بعلاج ذَات الرئة. وَأما الْكَائِن عَن التأكّل فَهُوَ صَعب العلاج عسر وكالميئوس مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يبرأ وَلَا يلتحم إِلَّا مَعَ زَوَال سوء المزاج وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا فِي مُدَّة فِي مثلهَا أما أَن تصلب القرحة أَو تعفن لَكِن رُبمَا نفع أَن لَا يدع الأكّال يستحكم بنفض الْخَلْط الْحَار وَرُبمَا أسهل الصَّفْرَاء والغليظة مَعًا بِمثل حبّ الغاريقون. فَإِن احتجت إِلَى فعل تَقْوِيَة لذَلِك قوّيته واحتملت فِي تسكين دغدغة السعال بدواء البزور فَإِنَّهُ يُرْجَى مِنْهُ أَن ينفع نفعا تَاما. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن علاجهم التنقية بالاستفراغ بالفصد وَغَيره والأغذية الجيدة الكيموس وَرُبمَا يسقى للأكال اللبان والمرّ وآذان الجداء وبزر البقلة الحمقاء وأصل الخطمي وأقراص الْكَوْكَب زيد فِيهِ من الأفيون نصف جُزْء. وأدوية مركبة ذكرهَا فولس
стр. 1052
وتذكر فِي القراباذين. وأدويتهم النافعة هِيَ مَا يَقع فِيهَا الشادنة وَدم الْأَخَوَيْنِ والكهربا والسندروس والطين الْمَخْتُوم. وَبِالْجُمْلَةِ كلّ مجفّف مغر ملحم. وَأما الْكَائِن من الصَّدْر فيعالج بالأضمدة وبالأدوية الَّتِي فِيهَا جَوْهَر لطيف أَو مَعهَا جَوْهَر لطيف قد خلط بهَا وَهِي مِمَّا ذَكرْنَاهُ ليصل إِلَى الصَّدْر وَمَاء الباذروج فِي نَفسه يجمع بَين الْأَمريْنِ وَإِذا حدس أَن سَبَب نفث الدَّم حرّ فالأدوية الْمَذْكُورَة كلهَا مُوَافقَة لذَلِك وَإِذا حدس أَن السَّبَب برد أورث نفث الدَّم على الْوَجْه الْمَذْكُور فعلاجه كَمَا زعم جالينوس أَن ذَلِك أصَاب فَتى فعالجه هُوَ بِأَن فصده فِي الْيَوْم الأول وَثني ودلك أَطْرَافه وشدّهاعلى مَا يجب فِي كل حبس نزف دم وغذّاه بحساء وَوضع على صَدره قيروطياً من الثافسيا وَرَفعه عَنهُ وَقت الْعشَاء لِئَلَّا يزِيد إسخانة على الْقدر الْمَطْلُوب وغذَّاه بحساء وسقاه دَوَاء البزور وَلما كَانَ الْيَوْم الثَّالِث اسْتعْمل على صَدره ذَلِك القيرطي ثَلَاث سَاعَات ثمَّ أَخذه وغذّاه بِمَاء الشّعير واسفيدباجة بِلَحْم البط فَلَمَّا اعتدل مزاج رئته وَزَالَ الْخَوْف عَن حُدُوث الورم نقّى الرئة بترياق عَتيق متكامل ودرجه إِلَى شرب لبن الأتن وَإِلَى سَائِر تَدْبِير نافث الدَّم. وَزعم جالينوس أَن كَانَ من أدْركهُ من هَؤُلَاءِ فِي الْيَوْم الأول برأَ وَالْأَخِرُونَ اخْتلفت أَحْوَالهم وَقد شاهدنا أَيْضا من هَذَا من نفعته هَذِه الطَّرِيقَة وَنَحْوهَا وَإِذا حدس أَن السَّبَب رُطُوبَة واسترخاء اسْتعْمل مَا فِيهِ تجفيف وتسخين وَقبض مثل أصل الأذخر والمصطكي والكمّون المقلو والفودنج الْجبلي والقلقديس والجندبيدستر والزعفران للإبلاع وَقد يخلط بهَا قوابض معتدلة بِمثل الشاهبلّوط وَقد اتَّخذت من هَذِه مركّبات ذكرت فِي القراباذين. وَإِذا حدس أَن السَّبَب يبوسة وَذَلِكَ فِي الْأَقَل اسْتعْمل المرطّبات الْمَعْلُومَة من الألبان والأدهان والعصارات بعد التَّدْبِير الْمُشْتَرك من إمالة الْمَادَّة إِلَى خلاف الْجِهَة وَلَكِن الَّذِي يَلِيق بِهَذَا الْموضع عَن الفصد وَغَيره أقلّ وأضعف من الَّذِي يَلِيق بِغَيْرِهِ. وَإِذا كَانَ السَّبَب صدمة على الكبد فعلاجه هَذَا السفوف. ونسخته: رواند صيني عشرَة لكّ خَمْسَة طين أرمني خَمْسَة والشربة من مَجْمُوعَة دِرْهَم وَنصف. وَإِمَّا الْأَدْوِيَة الْمُشْتَركَة فالمفردات مِنْهَا مَذْكُورَة فِي الْكتاب الثَّانِي فِي الجداول الْمَعْلُومَة وَالَّذِي يَلِيق بِهَذَا الْموضع الشادنج فَإِنَّهُ إِذا سحق سحقاً كالغبار وَشرب مِنْهُ مِثْقَال فِي بعض القوابض أَو العصارات نفع أجل نفع وَإِذا مضغت البقلة الحمقاء وابتلع مَاؤُهَا فَرُبمَا حبس فِي الْحَال وَمَاء الْخِيَار وعصارته وخصوصاً مَعَ بعض المغريات القابضة جدا إِذا تجرعّ يَسِيرا يَسِيرا وَقرن الأيل المحرق إِذا خلط بالأدوية كَانَ كثير النَّفْع وَذَلِكَ مَاء النعناع وَأَيْضًا ثَمَرَة الغرب وزن دِرْهَم وَأَيْضًا فقّاح الكزبرة وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم بِمَاء بَارِد غدْوَة وَعَشِيَّة وَأَيْضًا البسّد
стр. 1053
فَإِنَّهُ شَدِيد النَّفْع وطين ساموس وَزعم أَنه يُسمى باليونانية كَوْكَب الأَرْض وَيُشبه أَن يكون غير الطلق وَأَيْضًا يُؤْخَذ دم الجدي قبل أَن يجمد يسقى مِنْهُ نصف أُوقِيَّة نيئاً ثَلَاثَة أَيَّام وَأَيْضًا حبّ الآس وبزر لِسَان الْحمل وزن دِرْهَمَيْنِ فِي مَاء لِسَان الْحمل أَو عصارة الْورْد فَإِنَّهُ غَايَة والسفرجل نَافِع وخصوصاً المشوي. وَأَيْضًا أنفحة الأرانب بِمَاء الْورْد وَهِي وَغَيرهَا من الأنافح بمطبوخ عفص أَو بِمَاء الباذونج وخصوصاً للصدري أَو طين مختوم وبدله طين ساموس بِشَيْء من الْخلّ وَأَيْضًا سومقوطون وَهِي حيّ الْعَالم. وَقَالَ رجل فِي بعض مَا جمع أَنه نوع من الفوذنج ينْبت بَين الصخر يفرك ويؤكل بالملح وَيُسمى بالموصل اليبروح البرّي أَو التفاح الْبري وَفِي ذَلِك نظر وَهَذَا الدَّوَاء يسقى مَعَ مثله نشا. وَأَيْضًا: مِمَّا يَنْفَعهُ أَن يسقى من الشبّ الْيَمَانِيّ فَإِنَّهُ غَايَة وخصوصاً فِي صفرَة بيض مفترة لم دِرْهَم من بزر البنج بِمَاء الْعَسَل وَيجب أَن يسقى الْأَدْوِيَة الحابسة للنفث بِالشرابِ العفص لتنفذ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون حمى فيسقى حِينَئِذٍ مَعَ عصارة أُخْرَى. وللعتيق الْقَدِيم بزر الكراث النبطي وحبّ الآس جزآن بالسواء يسقى مِنْهُمَا إِلَى دِرْهَمَيْنِ بِمَاء عَصا الرَّاعِي أَو تُؤْخَذ عصارة الكراث الشَّامي أُوقِيَّة والخلّ نصف أُوقِيَّة يسقى بِالْغَدَاةِ أَو يسقى حراقة الإسفنج بِشَيْء من نَبِيذ. وجالينوس يعالج نزف الدَّم بالترياق والمثروديطوس والأدوية الطّيبَة الرَّائِحَة فَإِنَّهَا تقوّي الطبيعة على الْبُخْل بِالدَّمِ وإلحام الْجرْح وَكَذَلِكَ أَقْرَاص الْكَوْكَب ودواء أندروماخس والقنطوريون يجمع إِلَى حبس النفث التنقية فليسق مِنْهُ المحموم بِمَاء وَغَيره بشراب. والصقالبة يعالجون بطبيخ أصل القنطوريون الْجَلِيل. وَمن الْأَشْرِبَة عصارة لِسَان الْحمل وزن دِرْهَم عصارة لِسَان الثور وزن دِرْهَمَيْنِ عصارة بقلة الحمقاء وزن دِرْهَمَيْنِ عصارة أَغْصَان الْورْد الغضّة أُوقِيَّة يدق بِلَا رشّ المَاء عَلَيْهَا ويصفّى وَلَا يطْبخ بل يداف فِيهِ شَيْء من الطين الْمَخْتُوم ويسقى أَو تُؤْخَذ عصارة أَغْصَان الْورْد ويداف فِيهَا عصارة هيوفقسطيداس أَو الشاذنج وَقرن الأيل محرقاً وتسقى وَمن الأقراص قرص بِهَذِهِ الصّفة. ونسخته: أقاقيا وجُلَّنار وَورد أَحْمَر وعصارة لحية التيس وجفت البلّوط وقشور الكندر سَوَاء. وَأَيْضًا يُؤْخَذ زرنيخ قشور أصل اللفّاح طين الْبحيرَة كندر أقاقيا بزر بقلة الحمقاء بزر باذروج جلّنار كافور يتَّخذ أقراصاً. الشربة دِرْهَمَانِ بِنصْف أُوقِيَّة مَاء أَو شراب عفص أَو مَاء الباذروج.
стр. 1054
وَأَيْضًا بزر خشخاش وطين مختوم هيوفقسطيداس كندر كافور تسقى بِمَاء الباذروج. وَأَيْضًا قرص ذكره ابْن سرافين وَهُوَ الْمُتَّخذ بصمغ اللوز. وَأما الأدهان المستعملة على الصَّدْر فَفِي الصَّيف دهن السفرجل وَفِي الشتَاء دهن السنبل. وَهَذِه صفة قرص جيد: يُؤْخَذ طين الْبحيرَة. وبُسذ وكوكب ساموس وَورد يَابِس من كل وَاحِد جزآن كهرباء وصمغ ونشا من كل وَاحِد جُزْء يخلط ويقرص والشربة مِنْهُ أَرْبَعَة مَثَاقِيل للمحموم فِي عصارة قابضة ولغير المحموم فِي شراب وخصوصاً الْقَابِض. وَمن الأضمدة الْمُشْتَركَة دَقِيق الشّعير ودقاق الكندر وأقاقيا ببياض الْبيض وَإِذا حبست الدَّم فاقبل على إلحام الْجراحَة. وَمنع الورم وإلحام الْجراح هُوَ مِمَّا تعلمه من المغرّيات القابضة وَمنع الورم لمنع الْغذَاء وجذب الْموَاد إِلَى الْأَطْرَاف وتبريد الصَّدْر وَيجب أَن يجرع الْخلّ الممزوج مرَارًا وَيجب أَن يتحرّز بعد الاحتباس والإقبال أَيْضا عَن الْأُمُور الْمَذْكُورَة. وَأما المَاء الَّذِي يشربونه فَيجب أَن يكون مَاء الْمَطَر أَو مَاء يَقع فِيهِ الطين الأرمني والورد. وَمَاء الْحَدِيد المطفأ فِيهِ الْحَدِيد نَافِع جدا لقبضه. وَإِذا خيف جمود الدَّم فِي الرئة فَيجب أَن يسقى فِي الِابْتِدَاء خلا ممزوجاً بِمَاء إِلَّا أَن يكون سعال فَيجب أَن يحذر حِينَئِذٍ الخلّ وَأمر للدم الجامد بِنصْف دِرْهَم دندكركم بِشَيْء من مَاء الكراث وملعقة سكنجبين. وَمن المركبات كَذَلِك حلبة مطبوخة دِرْهَمَانِ زراوند دِرْهَم مر ثَلَاث دَرَاهِم دهن السوسن دِرْهَم فلفل وَاحِد بنج وَاحِد ورد دِرْهَمَانِ يقرص ويصف فِي الظل ويسقى بِمَاء الرازيانج والكرفس. وَأَيْضًا أنفحة الأرنب ورماد خشب التِّين مَعَ حاشا أَو شعير مَعَ عسل أَو يسهّلون بِمَا يستفرغ من أدوية مفرعة ذَكرنَاهَا فِي الْكتاب الثَّانِي ومركبات ذَكرنَاهَا فِي القراباذين واقرأ كتَابنَا فِي تَحْلِيل الدَّم الجامد من الْكتاب الرَّابِع. الْمقَالة الرَّابِعَة أورام أَعْضَاء نواحي الصَّدْر أصُول نظرية من علم أورام أَعْضَاء نواحي الصَّدْر وقروحها سوى الْقلب فصل فِي كَلَام كلي فِي أوجاع نواحي الصَّدْر وَالْجنب ذَات الْجنب: إِنَّه قد يعرض فِي الْحجب والصفاقات والعضل الَّتِي فِي الصَّدْر ونواحيها والأضلاع أورام دموية موجعة جدا تسمى شوصة وبرساماً وَذَات الْجنب
стр. 1055
وَقد تكون أَيْضا أوجاع هَذِه الْأَعْضَاء لَيست من ورم وَلَكِن من ريَاح فتغلظ فيظن أَنَّهَا من هَذِه العلّة وَلَا تكون. وَذَات الْجنب ورم حَار فِي نواحي الصَّدْر إِمَّا فِي العضلات الْبَاطِنَة وَفِي الْحجاب المستبطن للصدر وَإِمَّا فِي الْحجاب الحاجر وَهُوَ الْخَالِص أَو فِي العضل الظَّاهِرَة الْخَارِجَة أَو الْحجاب الْخَارِج بمشاركة الْجلد أَو بِغَيْر مُشَاركَة. وَأعظم هَذَا وأهوله مَا كَانَ فِي الْحجاب الحاجز نَفسه وَهُوَ أصعبه. ومادة هَذَا الورم فِي الْأَكْثَر مرار أَو دم رَدِيء لِأَن الْأَعْضَاء الصفاقية لَا ينفذ فِيهَا إِلَّا اللَّطِيف المراري ثمَّ الدَّم الْخَالِص وَلذَلِك تكون نَوَائِب اشتداد حماة غبا فِي الْأَكْثَر وَلذَلِك قلّما يعرض لمن يتجشأ فِي الْأَكْثَر حامضاً لِأَنَّهُ بلغمي المزاج وَمَعَ ذَلِك قد يكون من دم محترق وَقد يكون من بلغم عفن وَقد يكون فِي الندرة من سَوْدَاء عفن ملتهب وَقد بَينا فِي الْكتاب الكلّي أَنه لَيْسَ من شَرط الورم الْحَار أَن لَا يكون من بلغم وسوداء بل قد يكون من بلغم وسوداء على صفة إِلَّا أَنه لَا يكون حاراً إِلَّا إِذا كَانَ من مرّة أَو دم. فَإِن كَانَ من غَيرهمَا كَانَ مزمناً وَهَذَا شَيْء لَيْسَ يحصله كثير من النَّاس. وَلما كَانَ كل ورم إِمَّا أَن يتحلّل وَإِمَّا أَن يجمع وَإِمَّا أَن يصلب فَكَذَلِك حَال ذَات الْجنب. لَكِن الصلابة فِي ذَات الْجنب ممّا يقلّ فَهُوَ إِذن إِمَّا أَن يتحلّل وَإِمَّا أَن يجمع أَي فِي غَالب الْأَحْوَال. وَذَات الْجنب إِذا تحلّلت قبلت الرئة فِي الْأَكْثَر مَا يتَحَلَّل مِنْهُ ونفثته وأخرجته وَرُبمَا تحلّل إِلَى جِهَة أُخْرَى. وَإِذا اجْتمعت الْمدَّة احْتِيجَ ضَرُورَة إِلَى أَن تنضج لتتفجر فَرُبمَا تنفث الرئة الْمدَّة وَرُبمَا قبلهَا الْعرق الأجوف فَخرجت بالبول وَرُبمَا انصبت إِلَى مجاري الثفل فاستفرغت فِي الإسهال. وَقد تقع كثيرا إِلَى الْأَمَاكِن الخالية واللحوم الغددية فَتحدث أوراماً فِي مثل الأرنبتين والمغابن وَخلف الْأُذُنَيْنِ. وَكَثِيرًا مَا تنْدَفع الْمَادَّة إِلَى الدِّمَاغ وأعضاء أُخْرَى كَمَا سنذكر فَيَقَع خطر أَو يهْلك وَرُبمَا خنقت الْمَادَّة الرئة بكثرتها وملئها مجْرى النَّفس وَرُبمَا لم تكن كثرتها هَذِه الْكَثْرَة وَلَا كَانَت إِلَّا نضيجة مُدَّة كَانَت أَو نفثاً مثل الْمدَّة إِلَّا أَن القوى تكون سَاقِطَة فتعجز عَن النفث وَلذَلِك يجب أَن تقوى الْقُوَّة فِي هَذَا الْوَقْت حَتَّى تقوى على الانقباض الشَّديد للسعال النافث فَإِن هَذَا النفث فعل يتم بقوّتين إِحْدَاهمَا طبيعية منضجة ودافعة أَيْضا وَالْأُخْرَى إرادية دافعة وَإِذا لم تقويا جَمِيعًا أمكن أَن تعجز عَن التنقية. وَاعْلَم أَن عسر النفث إِمَّا أَن يكون من الْقُوَّة إِذا كَانَت ضَعِيفَة أَو من الْآلَة إِذا كَانَت الْآلَة تتأذى بحركة نَفسهَا أَو حَرَكَة جارها أَو من الْمَادَّة إِذا كَانَت رقيقَة جدا أَو كَانَت غَلِيظَة أَو لزجة. وَفِي مثل هَذِه الْأَحْوَال قد يعرض فِي الرئة كالغليان لاختلاط الْهَوَاء بالمادة العاصية المنصبة إِلَى الرئة والعصبة
стр. 1056
وَمَتى لم يستنق بالنفث فِي ذَات الْجنب إِلَى أَرْبَعَة عشر يَوْمًا فقد جمع. وَمَتى لم يستنق الْقَيْح بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا فقد وَقع فِي ذَات الرئة والسلّ وَقد ينق التقيح فِي السَّابِع وَأما فِي الْأَكْثَر فَيكون فِي الْعشْرين وَفِي الْأَرْبَعين وَفِي الستّين وَقد يَقع انفجار قبل النضج لدفع الطبيعة الْمَادَّة المؤذية بكثرتها أَو حدّتها أَو لحرارة المزاج وَالسّن والفصل والبلد أَو لتناول المفجرات من المشروبات قبل الْوَقْت من جِهَة خطأ الطَّبِيب. وَسَنذكر المفجرات من بعد أَو لحركة من العليل مفرطة متعبة أَو صَيْحَة وَذَلِكَ خطر. وَقد يعرض أَن ينْتَقل ذَات الْجنب إِلَى ذَات الرئة بِأَن تقبل الرئة مَادَّة الورم ثمَّ لَا تجيد نفثها وتحتبس فِيهَا فتتورّم. وَقد يعرض أَن ينْتَقل ذَات الْجنب إِلَى السل تَارَة بوساطة ذَات الرئة على النَّحْو الَّذِي سنذكر وَتارَة بِغَيْر وساطة ذَات الرئة بِأَن تقرّح الْمَادَّة أَو الْمدَّة المتحللة مِنْهُ جَوْهَر الرئة لحدّتها ورداءتها وَقد يعرض أَن ينْتَقل إِلَى التشنج والكزاز بِأَن تنْدَفع الْمَادَّة فِي الأعصاب الْمُتَّصِلَة والعضو الَّذِي فِيهِ الورم فَإِنَّهُ عُضْو عصباني وَهَذَا انْتِقَال قَاتل قد لَا ينفع مَعَه سَائِر العلاجات الجيدة. وَقد يعقب ذَات الرئة وَالْجنب كالخدر فِي مُؤخر عضد صَاحبه وأنسيه وساعده إِلَى أَطْرَاف الْأَصَابِع وَقد يحمل على جِهَة الْقلب فَيعرض مِنْهُ خفقان يتبعهُ الغشي وَإِلَى جَانب الدِّمَاغ أَيْضا فِي حَال التَّحَلُّل قبل الْجمع وَفِي حَال الْجمع وَقد تنْتَقل الْمَادَّة إِلَى الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة فَتَصِير خراجات وَقد يكون انتقالها هَذَا بنفوذها فِي جَوَاهِر العصب وَالْوتر بل الْعِظَام وَإِذا مَالَتْ إِلَى الْمَوَاضِع السفلية ثمَّ انفتحت وَصَارَت نواصير كَانَ ذَلِك من أَسبَاب الْخَلَاص وَلَكِن تكون النواصير خبيثة معدية. وَإِن مَالَتْ إِلَى المفاصل وَصَارَت نواصير خلص العليل أَيْضا لَكِن رُبمَا أزمن الْعُضْو خُصُوصا إِذا لم يكن هُنَاكَ استفراغ آخر ببراز أَو بَوْل غليظ كثير الرسوب أَو نفث كثير نضيج فَإِن كَانَ شَيْء من هَذَا كَانَ أسلم فَإِن ذَلِك يدل على قلّة الْمَادَّة المحدثة للخراج وَإِمْكَان إصلاحها بالنضج. وَهَذِه الخراجات إِذا خفيت وَغَارَتْ دلّت على آفَة ونكس وخصوصاً إِذا زحفت الْمَادَّة إِلَى الرئة وَقد يعرض من شدَّة الحمّى تَوَاتر النَّفس وَمن تَوَاتر النَّفس لزوجة النفث فَإِن النفث يجِف بِسَبَب النَّفس الْمُتَوَاتر ويعرض من لزوجة النفث شدَّة الوصب وازدياد اللهيب وَمن ازدياد اللهيب تَوَاتر النَّفس وَمن تَوَاتر النَّفس اللزوجة فَلَا يزَالَانِ يتعاونان على الغائلة. وَأما أَنه أَي أَصْنَاف ذَات الْجنب والرئة أردأ أهوَ الَّذِي يكون فِي الْجَانِب الْأَيْسَر المجاور للقلب أَو الَّذِي يكون فِي الْجَانِب الْأَيْمن فَإِن بَعضهم جعل هَذَا أردأ وَبَعْضهمْ جعل ذَلِك أردأ إِلَّا أَن الْحق هُوَ أَن الْقَرِيب من جِهَة الْمَكَان أردأ لكنه أولى بِأَن ينضج وَيقبل التَّحْلِيل إِن كَانَ من شَأْنه وَقد يُوقع فِي ذَات الْجنب الامتلاء من الأخلاط إِذا عرض فِي نَاحيَة الرَّأْس
стр. 1057
أَو نَاحيَة الصَّدْر أَو فِي بعض الْعُرُوق المنصبة إِلَى نواحي الصَّدْر وَقد يورثه كثيرا من شرب الْمِيَاه الْبَارِدَة الحاقنة للمواد وَالْبرد الزَّائِد كَمَا تحدثه الْحَرَارَة الشَّدِيدَة وَشرب الشَّرَاب الصّرْف المحرّك للأخلاط المثير لَهَا. وَذَات الْجنب أَكثر مَا يعرض فِي الخريف والشتاء وخصوصاً بعد ربيع شتوي وَيكثر فِي الرّبيع الشتوي وهبوب الشمَال يكثر الفضول أَو يحقن الفضول فتكثر مَعَه أوجاع. الْجنب والأضلاع خُصُوصا عقيب الْجنُوب وَفِي الصَّيف. وَعند هبوب الْجنُوب يقلّ جدا لكنه إِذا كَانَ الصَّيف جنوبياً مطيراً وَكَذَلِكَ الخريف يكثر فِي آخر الخريف فِي أَصْحَاب الصَّفْرَاء ذَات الْجنب وَأما على غير هَذِه الصُّورَة. فذات الْجنب يقلّ فِي الأهوية والبلدان والرياح الجنوبية. ويقل أَيْضا فِي النِّسَاء اللَّاتِي يطمثن لِأَن مزاجهن إِلَى الرُّطُوبَة دون المرارية وَإِذا عرض للحوامل كَانَ مهْلكا ويقل فِي الشُّيُوخ فَإِن عرض قتل لضعف قواهم عَن النفث والتنقية. وَذَات الْجنب رُبمَا الْتبس بِذَات الكبد فَإِن المعاليف إِذا تمددت لورم الكبد تأدى ذَلِك إِلَى الْحجاب والغشاء فأحس فِيهِ بوجع وتأذى إِلَى ضيق النَّفس فَيحْتَاج إِلَى أَن يعرف الْفرق بَينهمَا وَرُبمَا الْتبس بالسرسام وَذَات الْجنب أَو غير ذَلِك مِمَّا قيل. وَاعْلَم أَن ذَات الْجنب إِذا اقْترن بِهِ نفث الدَّم كَانَ مثل الاسْتِسْقَاء تقترن بِهِ الحمّى فَيحْتَاج الأول - وَهُوَ ذَات الْجنب - إِلَى علاج قَابض بِحَسب نفث الدَّم ملين بِحَسب ذَات الْجنب كَمَا أَن الثَّانِي يحْتَاج إِلَى علاج مسخن مجفّف أَو مجفّف معتدل بِسَبَب الاسْتِسْقَاء مبرّد مرطّب بِسَبَب الحمّى. وَكَثِيرًا مَا يكون سَبَب ذَات الْجنب وَذَات الرئة تنَاول أغذية غَلِيظَة الْغذَاء مُغَلّظَة للدم كالقبيط فيندفع إِلَى نواحي الثندوة وَالْجنب وعلاجه ترقيق الْمَادَّة بالحمام وَيخرج مِنْهُ إِلَى سكنجبين يشربه ويجتنب التمريخ بالدهن فَإِنَّهُ جذّاب وَرُبمَا اسْتغنى بِهَذَا عَن الفصد. عَلَامَات ذَات الْجنب: لذات الْجنب الْخَالِص عَلَامَات خَمْسَة: وَهِي حمّى لَازِمَة لمجاورة الْقلب وَالثَّانيَِة وجع ناخس تَحت الأضلاَع لِأَن الْعُضْو غشائي وَكَثِيرًا مَا لَا يظْهر إِلَّا عِنْد التنفس وَقد يكون مَعَ النخس تمدّد وَرُبمَا كَانَ أَكثر والتمدّد يدلّ على الْكَثْرَة والنخس على الْقُوَّة فِي النّفُوذ واللذع وَالثَّالِثَة ضيق نفس لضغط الورم وصغره وتواتر مِنْهُ وَالرَّابِعَة نبض منشاري سَببه الاختلاَف ويزداد اختلافه وَيخرج عَن النظام عِنْد الْمُنْتَهى لضعف الْقُوَّة وَكَثْرَة الْمَادَّة وَالْخَامِسَة السعال فَإِنَّهُ قد يعرض فِي أول هَذِه العلّة سعال يَابِس ثمَّ ينفث
стр. 1058
وَرُبمَا كَانَ هَذَا السعال مَعَ النفث من أول الْأَمر وَهُوَ مَحْمُود جدا وَإِنَّمَا يعرض السعال لتأذي الرئة بالمجاورة ثمَّ يرشح مَا يوشح إِلَيْهَا من مَادَّة الْمَرَض فَيحْتَاج إِلَى نفثه فَإِن تحلّل كُله وترشّح فقد استنقى مَا جمع والخالص مِنْهُ لَا يكون مَعَه ضَرْبَان لِأَن الْعُضْو عادم لِكَثْرَة الشرايين وَلما كَانَ ذَات الْجنب يشبه ذَات الكبد بِسَبَب السعال والحمّى وضيق النَّفس ولتمدّد المعاليق واندفاع الْأَلَم إِلَى الغشاء المستبطن وَجب أَن يفرق بَينهَا وَبَينهَا وَأَيْضًا يشبه ذَات الرئة بِسَبَب ذَلِك وبسبب النفث فَيجب أَن يفرق بَينهمَا. فَالْفرق بَين ذَات الْجنب وَذَات الكبد أَن النبض فِي ذَات الكبد موجي والوجع ثقيل لَيْسَ بناخس وَالْوَجْه مُسْتَحِيل إِلَى الصُّفْرَة الرَّديئَة والسعال غير نافث بل تكون سعالات يابسة متباطئة وَرُبمَا اسودّ اللِّسَان بعد صفرته وَالْبَوْل يكون غليظاً استسقائياً وَيكون البرَاز كبدياً ويحسّ بثقل فِي الْجَانِب الْأَيْمن وَلَا يُدْرِكهُ اللَّمْس فيوجع. وَرُبمَا كَانَ فِي ذَات الكبد إسهال يشبه غسالة اللَّحْم الطري لضعف الْقُوَّة وَإِذا كَانَ الورم فِي الحدبة أحسّ بِهِ فِي اللَّمْس كثيرا وَإِن كَانَ فِي التقعير كشف عَنهُ التنفس المستعصي إِذا دلّ على شَيْء ثقيل معلّق وضيق النَّفس فِي ذَات الكبد متشابه فِي الْأَوْقَات غير شَدِيد جدا وَأما الْمَجْنُون فسعاله نافث ووجعه ناخس وبوله أحسن قواماً ولونه أحسن مَا يكون وضيق نَفسه أشدّ وَهُوَ ذَاهِب إِلَى الازدياد على الِاتِّصَال حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ فِي كلّ سِتّ سَاعَات تفَاوت فِي الازدياد كثير. وَالْفرق بَينه وَبَين ذَات الرئة أَيْضا هُوَ أَن نبض ذَات الرئة موجي ووجعه ثقيل وضيق نَفسه أشدّ وَنَفسه أسخن وعلامات أُخْرَى وَلما كَانَ ذَات الْجنب قد تعرض مَعَه أَعْرَاض السرسام الْمُنكرَة مثل اخْتِلَاط الدّهن والهذيان وتواتر النَّفس والخفقان والغشي وَمَا هُوَ دون ذَلِك وصعوبة الكرب وَشدَّة الضجر وشدّة الْعَطش وتغيّر السحنة إِلَى ألوان مُخْتَلفَة وشدّة الحمّى وقيء المرارة وَالسَّبَب فِي هَذِه الْأَعْرَاض مُشَاركَة الصَّدْر للأعضاء الرئيسية ومجاورتها وَجب أَن نفرق بَين الْأَمريْنِ أَعنِي البرسام والسرسام. فَمن الفروق أَن اخْتِلَاط الدّهن يعرض فِي السرسام أَولا ثمَّ تشتدّ فِيهِ سَائِر الْأَعْضَاء وَيكون التنفس فِيهِ أسلم ويتأخر فَسَاد النَّفس عَن الِاخْتِلَاط وَيكون مَعَه أعراضه الْخَاصَّة كحمرة الْعَينَيْنِ وانجذابهما إِلَى فَوق. وَأما فِي البرسام فَيتَأَخَّر اخْتِلَاط الذِّهْن وَرُبمَا لم يكن إِلَى قرب الْمَوْت بل كَانَ عقل سليم وَلكنه يتقدّمه فِيهِ تغير النَّفس وسوءه وَيكون فِي الأولى تمدّد فِي المراق إِلَى فَوق كَأَنَّهُ ينجذب إِلَى
стр. 1059
الورم ووجع ناخس. وَمن الفروق فِي ذَلِك أَن النبض فِي السرسام عَظِيم إِلَى التَّفَاوُت وَفِي ذَات الْجنب صَغِير إِلَى التَّوَاتُر ليتلافى الصغر وَذَات الْجنب إِذا اشتدّ اشتدت الْأَعْرَاض الْمَذْكُورَة مَعَه ويبس اللِّسَان وخشن. وَإِذا ازْدَادَ عرض احمرار فِي الْوَجْه وَالْعين والقلق الشَّديد وَفَسَاد النَّفس واختلاط الذِّهْن والعرق الْمُنْقَطع وَرُبمَا أدّى إِلَى اخْتِلَاف رَدِيء. إِذا لم يكن ذَات الْجنب خَالِصا بل كَانَ فِي الغشاء المجلّل للأضلاع أَو فِي العضل الْخَارِجَة كَانَ لَهُ عَلَامَات وَكَانَ الوجع فِيهِ والآفة إِلَى حد فَإِن الَّذِي يكون فِي الغشاء الْخَارِج يُدْرِكهُ اللَّمْس وَرُبمَا شَاركهُ الْجلد فَيظْهر لِلْبَصَرِ وَرُبمَا انفجر خراجاً وَلم يُوجب نفثاً. وَهَذَا الانفجار قد يكون بالطبع وَقد يكون بالصناعة. وَالَّذِي يكون فِي العضل الْخَارِجَة يكون مَعَه ضَرْبَان فَإِن كَانَ الإحساس بِهِ مَعَ الِاسْتِنْشَاق كَانَ فِي العضل الباسطة وَإِن كَانَ الإحساس بِهِ فِي الردّ كَانَ فِي العضل القابضة. وَقد علمت أَنَّهُمَا جَمِيعًا موجودان فِي الطبقتين جَمِيعًا الدَّاخِلَة والخارجة. والغمز أَيْضا يدْرك هَذَا الضَّرْب من ذَات الْجنب الَّتِي لَيست بخالصة وَهَذَا الْغَيْر الْخَالِص لَا يفعل من الوجع الناخس وَمن ضيق النَّفس والسعال وَمن صلابة النبض ومنشاريته وشدّة الحمّى وأعراضها مَا يكون فِي الْخَالِص. وَرُبمَا كَانَ النبض ليّناً وَرُبمَا كَانَ حمّى بِسَبَب ورم فِي غير الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة أَو لسَبَب آخر مثل نفث مفرط وَغَيره وَلَا يكون ذَات الْجنب إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ وجع ناخس ونبض منشاري وَغير ذَلِك وَفِي الْأَكْثَر غير الْحَقِيقَة يكون الوجع أَسْفَل مشط الْكَتف وَمَا كَانَ من الْخَالِص فِي الْحجاب الحاجز كَانَ الوجع إِلَى الشراسيف وَكَانَ اخْتِلَاط الْعقل فِيهِ أَكثر واشتدت الْأَعْرَاض والموجع وعسر النَّفس وَلم تكن سرعَة شدَّة الحمّى كَمَا فِي غَيره بل رُبمَا تأخّر إِلَى أَن يعفن العضل فتقوى الْحمى جدا وَإِن كَانَ فِي الغشاء المستبطن للصدر وَكَانَ الوجع إِلَى الترقوة وَاخْتلف الوجع لاخْتِلَاف مماسة أَجزَاء الغشاء للترقوة ولاختلاف الْأَجْزَاء فِي الْحس وَلَا يكون مَعَه ضَرْبَان الْبَتَّةَ. والوجع المائل إِلَى نَاحيَة الشراسيف قد يكون بِسَبَب الورم فِي الْحجاب الحاجز وَقد يكون لحدوث الورم فِي الْأَعْضَاء اللحمية الَّتِي فِي الأضلاع وَلَيْسَ فِيهِ كثير خطر. عَلَامَات الرَّدِيء مِنْهُ والسليم: يدل على سَلَامَته النفث السهل السَّرِيع النضيج وَهُوَ الْأَبْيَض الأملس المستوي والنبض الَّذِي لَيْسَ بشديد الصلابة والمنشارية وقلّة الوجع وَسَائِر الْأَعْرَاض وسلامة النّوم وَالنَّفس وَقبُول العلاج وَاحْتِمَال الْمَرِيض لما بِهِ واستواء الْحَرَارَة فِي
стр. 1060
الْبدن مَعَ لين وَقلة عَطش وكرب وَكَون الْعرق الْبَارِد وَالْبَوْل وَالْبرَاز على الْحَالة المحمودة. ونضج الْبَوْل عَلامَة جَيِّدَة فِيهِ كَمَا أَن رداءته عَلامَة رَدِيئَة جدا ورداءة البرَاز ونتنه وَشدَّة صفرته عَلامَة رَدِيئَة وَظهر الرعاف من العلامات الجيدة النافعة فِي ذَات الْجنب والرديء أَن تكون أعراضه ودلائله شَدِيدَة قَوِيَّة والنفث محتبساً أَو بطيئاً وَهُوَ غير نضيج إِمَّا أَحْمَر صرفا أَو أسود ويزداد لزوجة وخنقاً كمداً وعسراً وَيكون على ضد من سَائِر مَا عددنا للجيّد. وَمن العلامات الرَّديئَة أَن يكون هُنَاكَ بَوْل عكر غير مستو وَهُوَ دموي فَإِنَّهُ رَدِيء يدل على التهاب شؤون الدِّمَاغ وَمن العلامات الرَّديئَة أَن يكون هُنَاكَ حرارة شَدِيدَة وخصوصاً إِذا كَانَ مَعَ برد فِي الْأَطْرَاف ووجع يَمْتَد إِلَى خلف وَزِيَادَة من الوجع إِذا نَام على الْجَانِب العليل فَإِذا حدث بِهِ أَو بِصَاحِب ذَات الرئة اخْتِلَاف فِي آخِره دلّ على أَن الكبد قد ضعفت وَهُوَ رَدِيء وَهُوَ فِي أَوله جيد بل أَمر نَافِع. وَإِمَّا الِاخْتِلَاف الَّذِي يَجِيء بعد ذَلِك وَلَا يَزُول بِهِ عسر النَّفس وَالْكرب فَرُبمَا قتل فِي الرَّابِع أَو قبله. واختلاج مَا تَحت الشراسيف فِي ذَات الْجنب كثيرا مَا يدل على اخْتِلَاط الْعقل لمشاركة الْحجاب الرَّأْس وَتَكون هَذِه حَرَكَة من مواد الْحجاب. وحركتها فِي الْأَكْثَر فِي مثل هَذِه الْعلَّة حَرَكَة صاعدة. وَمن العلامات الرَّديئَة أَن تغور الخراجات المنحياة عَن ذَات الْجنب من غير سُكُون الحمّى وَلَا نفث جيد فَإِن ذَلِك يدل على الْمَوْت لما يكون مَعَه لَا محَالة من رُجُوع الْمَادَّة إِلَى الْغَوْر. وَأما العلامات الجيدة والرديئة الَّتِي تكون بعد التقيّح فنفرد لَهُ بَابا. وَاعْلَم أَن ذَات الْجنب إِذا لم يكن فِيهِ نفث فَهُوَ إِمَّا ضَعِيف جدا وَإِمَّا رَدِيء خَبِيث جدا. فَإِنَّهُ إِمَّا أَن لَا يكون مَعَه كثير مَادَّة يعتدّ بهَا وَإِمَّا أَن تكون عاصية عَن الانتفات خبيثة. قَالَ أبقراط: أَنه كثيرا مَا يكون النفث جيدا سهلاً وَكَذَلِكَ النَّفس وَيكون هُنَاكَ عَلَامَات أُخْرَى رَدِيئَة قاتلة مثل صنف يكون الوجع مِنْهُ إِلَى خلف وَيكون كأنّ ظهر صَاحبه ظهر مَضْرُوب وَيكون بَوْله دموياً قيحياً وقلما يفلح بل يَمُوت مَا بَين الْخَامِس وَالسَّابِع وقليلاً مَا يَمْتَد إِلَى أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَفِي الْأَكْثَر إِذا تجَاوز السَّابِع نجا وَكَثِيرًا مَا يظْهر بَين كَتِفي صَاحبه حمرَة وتسخن كتفاه وَلَا يقدر أَن يقْعد فَإِن سخن بَطْنه وَخرج مِنْهُ برَاز أصفر مَاتَ إِلَّا أَن يُجَاوز السَّابِع. وَهَذَا إِذا أسْرع إِلَيْهِ نفث كثير الْأَصْنَاف مختلفها ثمَّ اشتدّ الوجع مَاتَ فِي الثَّالِث وَإِلَّا برِئ. وَضرب آخر يحسّ مَعَه بضربان يَمْتَد من الترقوة إِلَى السَّاق وَيكون البزاق فِيهِ نقياً لَا رسوب مَعَه وَالْمَاء نقياً وَهُوَ قَاتل لميل الْمَادَّة إِلَى الرَّأْس فَإِن جَاوز السَّابِع برِئ. عَلَامَات أوقاته: إِذا لم يكن نفث أَو كَانَ النفث رَقِيقا أَو قَلِيلا أَو الَّذِي يُسمى بزاقاً على مَا نذكرهُ فَهُوَ
стр. 1061
الِابْتِدَاء وَمَا تزداد الْأَعْرَاض فِيهِ ويزداد النفث وَيَأْخُذ فِي الرّقة ويزداد فِي الخثورة وَفِي السهولة وَيَأْخُذ فِي الْحمرَة إِن كَانَت إِلَى الاصفرار الْمُنَاسب للحمرة فَهُوَ الازدياد ثمَّ إِذا نفث العليل نفثاً سهلاً نضجاً على مَا ذَكرْنَاهُ من النضج وَيكون كثيرا وَيكون الوجع خَفِيفا فَذَلِك هُوَ وَقت الْمُنْتَهى وَوقت موافاة النضج التَّام ثمَّ إِذا أَخذ النفث ينقص مَعَ ذَلِك القوام وَتلك السهولة وَمَعَ عدم الوجع ونقصان الْأَعْرَاض فقد انحط فَإِذا أحتبس النفث عَن زَوَال الْأَعْرَاض الْبَتَّةَ فقد عَلَامَات أصنافه بِحَسب أَسبَابه: الْأَشْيَاء الَّتِي مِنْهَا يستدلّ على السَّبَب الْفَاعِل لذات الْجنب النفث فِي لَونه إِذا كَانَ بسيط اللَّوْن. أَو مختلط اللَّوْن وَمن مَوضِع الوجع وَمن الحمّى وشدتها ونوبتها فَإِن النفث إِذا كَانَ إِلَى الْحمرَة دلّ على الدَّم وَإِذا كَانَ إِلَى الصُّفْرَة دلّ على الصَّفْرَاء. والأشقر يدلّ على اجْتِمَاعهمَا وَإِذا كَانَ إِلَى الْبيَاض وَلم يكن للنضج دلّ على البلغم وَإِذا كَانَ إِلَى السوَاد والكمودة وَلم يكن لسَبَب صابغ من خَارج من دُخان وَنَحْوه دلّ على السَّوْدَاء. وَأَيْضًا فَإِن الوجع فِي البلغم والسوداء فِي أَكثر الْأَمر يكون منسفلاً وَإِلَى اللين وَفِي الآخرين متصعِّداً ملتهباً وَأَيْضًا فَإِن الْحمى إِن كَانَت شَدِيدَة كَانَت من مواد حارة وَإِن كَانَت غير شَدِيدَة كَانَت من مواد إِلَى الْبرد مَا هِيَ وَرُبمَا دلّت بالنوائب دلَالَة جَيِّدَة. عَلَامَات انْتِقَاله: أَنه إِذا لم ينفث نفثاً مَحْمُودًا سَرِيعا وَلم يستنشق فِي أَرْبَعَة عشر يَوْمًا فقد انْتقل إِلَى الْجمع وَيدل على ابْتِدَائه فِي تصعده شدَّة الوجع وعسر النَّفس وضيقه وتضاغطه عِنْد الْبسط مَعَ صغر وَشدَّة الحمّى وخشونة اللِّسَان خَاصَّة ويبس السعال لتلزج الْمَادَّة وكثافة الْحجاب وَضعف الْقُوَّة وَسُقُوط الشَّهْوَة والأخلاط والسهر ويقل نخسه فِي ذَلِك الْموضع وَإِذا جمع وَتمّ الْجمع سكنت الحمّى والوجع وازداد الثّقل فَإِذا انفجر عرض نافض مُخْتَلف واستعراض نبض مَعَ اختلافه وَتسقط القوّة وتذبل النَّفس. وَكَثِيرًا مَا تعرض حمى شَدِيدَة لِلذع الْمدَّة للأعضاء ولذع الورم فَإِذا انفجر ثمَّ لم يستنق من يَوْم الانفجار إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا أدّى إِلَى السلّ وانفجار المتقيح فِي الْيَوْم السَّابِع وأبعده فِي الْأَقَل وَأَكْثَره بعد ذَلِك إِلَى الْعشْرين وَالْأَرْبَعِينَ وَالسِّتِّينَ. وَكلما كَانَت عوارض الْجمع أشدّ كَانَ الانفجار أسْرع وَكلما كَانَت أَلين كَانَ الإنفجار أَبْطَأَ وخصوصاً الْحمى من جملَة الْعَوَارِض. وَإِذا ظَهرت العلامات الظَّاهِرَة الهائلة وَكنت قد شاهدت دَلَائِل محمودة فِي النفث وَغَيره فَلَا تجزع كل الْجزع فَإِن عروضها بِسَبَب الْجمع لَا بِسَبَب آخر. وكل ذَات جنب لَا يسكن وَجَعه بنفث وَلَا فصد وَلَا إسهال وَلَا غير ذَلِك فتوقع مِنْهُ تقييحاً أَو قتلا قبله بِحَسب سَائِر الدَّلَائِل. وَإِذا رَأَيْت النبض يشْتَد
стр. 1062
تمدده وخصوصاً إِذا اشْتَدَّ تواتره فَإِن ذَلِك ينذر إِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة بِأَنَّهُ ينْتَقل إِلَى ذَات الرئة والتقيح والسل. وَبِالْجُمْلَةِ إِذا كَانَ هُنَاكَ دَلَائِل قُوَّة وسلامة ثمَّ لم يسكن الوجع بنفث أَو إسهال أَو فصد وتكميد فَهُوَ آيل إِلَى التقيح. وَأما إِن لم تكن دَلَائِل السَّلامَة من ثبات الْقُوَّة وثبات الشَّهْوَة وَغير ذَلِك فَإِن ذَلِك يُنذر بِأَنَّهُ قَاتل وينذر بالغشي أَولا. على أَن الشَّهْوَة تسْقط فِي أَكثر الْأَمر عِنْد الانفجار وتحمر الوجنتان لما يتصاعد إِلَيْهِمَا من البخار وتسخن الْأَصَابِع لذَلِك أَيْضا. وَإِذا انفجر إِلَى فضاء الصَّدْر أوهم الخفة أَيَّامًا ثمَّ يسوءه حَاله وَإِذا انفجر رَأَيْت النب على مَا حكيناه قد ضعف واستعرض وَأَبْطَأ وتفاوت لانحلال الْقُوَّة بالاستفراغ وانطفاء الْحَرَارَة الغريزية. ويعرض أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ نافض يتبعهُ حَتَّى بِسَبَب لذع الأخلاط فَإِن كَانَت الْمَادَّة من المنفجر كَثِيرَة وَالْقُوَّة ضَعِيفَة أدَّت إِلَى الْهَلَاك. وَاعْلَم أَنه إِذا كَانَت الْقُوَّة ضَعِيفَة وَاشْتَدَّ التمدد والتواتر فَإِن ذَلِك كَمَا علمت ينذر بالغشي وَإِن كَانَ التَّوَاتُر دون ذَلِك وَدون مَا يُوجِبهُ نفس ذَات الْجنب فَرُبمَا أنذر بالسبات أَو التشنج أَو بطء النضج وَإِنَّمَا يحدث السبات لقبُول الدِّمَاغ الأبخرة الرّطبَة الَّتِي هِيَ لَا محَالة لَيست بِتِلْكَ الحادة إِلَّا لتواتر النبض جدا قبولاً مَعَ ضعفه عَن دَفعهَا فِي الأعصاب. وَيحدث التشنج لقُوَّة الدِّمَاغ على دَفعهَا فِي الأعصاب وَيدل على بطء التقيح لغلظ الْمَادَّة وَلِأَنَّهَا لَيست تنْتَقل وَأَن الدِّمَاغ والأعصاب قَوِيَّة لَا تقبله. وَرُبمَا أنذرت بالتشنج وَذَلِكَ إِذا كَانَ النَّفس يشْتَد ضيقه اشتداداً والحمى لَيست بقوية. وَإِذا رَأَيْت الْعلَّة قد سكنت يَسِيرا وَخفت وَلم يكن هُنَاكَ نفث فَرُبمَا انْتقصَ الْمَادَّة ببول أَو برَاز وَظهر اخْتِلَاف مراري رَقِيق أَو ظهر بَوْل غليظ. فَإِن لم ير ذَلِك فسيظهر خراج فَإِن رَأَيْت تمدداً فِي المراق والشراسيف وحرارة وثفلاً أنذر ذَلِك بخراج عِنْد الأرنبتين أَو إِلَى السَّاقَيْن. وميله إِلَى السَّاقَيْن شَدِيد الدّلَالَة على السَّلامَة. وَفِي مثل هَذَا يَأْمر أبقراط بالاستسهال بالخربق. فَإِن رَأَيْت مَعَ ذَلِك عسر نفس وضيق صدر وصداعاً وثفلاً فِي الترقوة والثدي والساعد وحرارة إِلَى فَوق أنذر ذَلِك بميل الْمَادَّة إِلَى نَاحيَة الْأُذُنَيْنِ وَالرَّأْس. فَإِن كَانَت الْحَالة هَذِه وَلم يظْهر ورم وَلَا خراج فِي هَذِه النَّاحِيَة فَإِن الْمَادَّة تميل إِلَى الدِّمَاغ نَفسه وَتقتل.
стр. 1063
فصل فِي كَلَام جَامع فِي النفث يبْدَأ فِي الثَّانِي وَالثَّالِث: أفضل النفث وأسرعه وأسهله وَأَكْثَره وأنضجه الَّذِي هُوَ الْأَبْيَض الأملس المستوي الَّذِي لَا لزوجة فِيهِ بل هُوَ معتدل القوام. وَمَا كَانَ قَرِيبا من هَذَا النضج يسكن أخلاطاً إِن كَانَت قبله أَو سهراً أَو عرضا آخر رديئاً ويليه المائل إِلَى الْحمرَة فِي أول الْأَيَّام والمائل إِلَى الصُّفْرَة وَبعد ذَلِك الزُّبْدِيُّ. وَسبب الزبدية هُوَ أَن يكون فِي الْخَلْط شَيْء رَقِيق قَلِيل يخالطه هَوَاء كثير وَتَكون المخالطة شَدِيدَة جدا. على أَن الزُّبْدِيُّ لَيْسَ بذلك الْجيد بل هُوَ أميل إِلَى الرداءة. وأردؤه فِي الأول الْأَحْمَر الصّرْف أَو الْأَصْفَر الصّرْف الناري. وَمن الرَّدِيء جدا الْأَبْيَض اللزج المستدير. وأردأ الْجَمِيع الْأسود وخصوصاً المنتن مِنْهُ. والأصفر خير من الْأسود. وَمن الغليظ المدحرج المستدير وَهَذَا المستدير خير من الْأَحْمَر وَإِن كَانَ رديئاً ودليلاً على غلظ الْمَادَّة واستيلاء الْحَرَارَة وينفر بطول من الْمَرَض يؤول إِلَى سلّ وذبول. والأحمر خير من الْأَصْفَر لِأَن الدَّم الطبيعي - وَهُوَ الْأَحْمَر - والبلغم المعتدل أَلين جانباً من الْأَصْفَر الأكال المحرق والأخضر يدل على جمود أَو على احتراق شَدِيد وَلَا يزِيل حكم رداءة النفث فِي جوهره سهولة خُرُوجه والمنتن رَدِيء وانتفاث أَمْثَال هَذِه الرَّديئَة يكون للكثرة لَا للنضج وكل نفث لَا يسكن مَعَه الْأَذَى فَلَيْسَ بجيد. وَمن عَادَتهم أَنهم يسمون الساذج الَّذِي لَا يخالطه شَيْء غَرِيب نضيج أَو شَيْء من الدَّم أَو شَيْء من الصَّفْرَاء أَو السَّوْدَاء بزاقاً وَلَا يسمونه نفثاً وَمثل هَذَا إِذا دَامَ وَلم يخْتَلط بِهِ شَيْء وَلم يعرض لَهُ حَال يدل على أَن الأخلاط هُوَ دَاء ينضج فَإِنَّهُ يدلّ على طول الْعلَّة وَإِذا كَانَ مَعَ عدم النضج رديئاً دلّ على الْهَلَاك. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن النفث يدل بلونه وَيدل بقوامه من غلظه ورقته وَيدل بشكله من استدارته وَغير استدارته ويدلّ بمقداره فِي كثرته وقلّته والنفث المالح يدلّ على نزلة أكّالة وَنَفث الْخَلْط الغليظ بل الْقَيْح قد لَا يكون بِسَبَب قُرُوح الرئة بل بِسَبَب رُطُوبَة صديديّة تتحلّب من أبدان من جَاوز الثَّلَاثِينَ إِلَى الْخمسين وَترك الرياضة فيجتمع فِي فضاء الصَّدْر وينتفث وَيَقَع بِهِ الاسْتِسْقَاء فِي مُدَّة أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى سِتِّينَ وَلَا يكون بِهِ كَبِير بَأْس. وَإِذ أنفث فِي الْيَوْم الأول شَيْئا رَقِيقا غير نضيج فيتوقع أَن ينضج فِي الرَّابِع ويتحرّز فِي السَّابِع. فَإِن لم ينضج فِي الرَّابِع أَو كَانَ ابْتِدَاء النفث لَيْسَ من الْيَوْم الأول فبحرانه فِي الْحَادِي عشر أَو الرَّابِع عشر. فَإِن لم ينفث إِلَى مَا بعد الرَّابِع ثمَّ نفث وَفِيه نضج مَاء فَالْأَمْر متوسط. وَإِن لم يكن فِيهِ نضج فالعلة تطول مَعَ رَجَاء وخصوصاً إِذا كَانَت هُنَاكَ عَلَامَات جَيِّدَة من الْقُوَّة والشهوة والنبض.
стр. 1064
وَأما إِذا لم ينفث إِلَى السَّابِع أَو نفث بِلَا نضج الْبَتَّةَ بل إِنَّمَا هُوَ خلط ساذج فَإِن وجدت الْقُوَّة ضَعِيفَة علمت أَنَّهَا لَا تنضج إِلَّا بعد زمَان فَإِنَّهَا تخور قبل ذَلِك وَلَا تجَاوز الرَّابِع عشر. وَرُبمَا هلك قبله لِأَن بحران مثل هَذَا إِلَى أَرْبَعِينَ وَسِتِّينَ. والطبيعة الضعيفة لَا تمتد سَالِمَة إِلَى ذَلِك الْوَقْت وَإِن وجدت الْقُوَّة قويّة وَرَأَيْت الشهوتين معتدلتين محمودتين وَرَأَيْت النّوم وَالنَّفس على مَا يَنْبَغِي وَرَأَيْت الْبَوْل نضيجاً جيدا رَجَوْت أَن يُجَاوز الرَّابِع عشر ثمَّ يَمُوت فِي الْأَكْثَر بعْدهَا. وكلّ هَذَا إِذا كَانَت الْمَادَّة الَّتِي توجب الْعلَّة حادة. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن أطول بحران الْخَفِيف مِنْهُ أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَرُبمَا امْتَدَّ إِلَى عشْرين يَوْمًا وَرُبمَا امْتَدَّ إِلَى عشْرين. وَقد زعم جالينوس أَنه رُبمَا استسقى بالنفث إِلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا وصادف بِهِ بحران بحراناً تَاما وَقد قُلْنَا أَن النفث الساذج البزاقي يدل على طول الْعلَّة وَقد يتَّفق أَن يكون توقع البحران لوقت بِعرْض دَلِيل يَجعله أقرب أَو دَلِيل فَيَجْعَلهُ أبعد مثلا إِذا كَانَ النفث وَالْأَحْوَال تدل على أَن البحران يكون فِي الرَّابِع عشر فَيظْهر بعد السَّابِع نفث أسود وخصوصاً فِي يَوْم رَدِيء كالثامن فَإِنَّهُ يدلّ على أَن البحران الرَّدِيء يتَقَدَّم وَإِن ظهر يدلّ ذَلِك دَلِيل جيد على نضج مَحْمُود دلّ على أَن البحران الرَّدِيء يتَأَخَّر والجيد يتَقَدَّم. فصل فِي ذَات الرئة ذَات الرئة ورم حَار فِي الرئة وَقد يَقع ابْتِدَاء وَقد يتبع حُدُوث نَوَازِل نزلت إِلَى الرئة أَو خوانيق انْحَلَّت إِلَى الرئة أَو ذَات جنب اسْتَحَالَ ذَات الرئة. وأمثال هَذِه يقتل إِلَى السَّابِع وَإِن قويت الطبيعة على نفث الْمَادَّة فَإِنَّهَا فِي الْأَكْثَر توقع فِي السل. وَذَات الرئة تكون عَن خلط وَلَكِن أَكثر مَا تكون تكون عَن البلغم لِأَن الْعُضْو سخيف قَلما يحتبس فِيهِ الْخَلْط الرَّقِيق كَمَا أَن أَكثر ذَات الْجنب مراري بعكس هَذَا الْمَعْنى لِأَن الْعُضْو غشائي كثيف مستحصف فَلَا ينفذ فِيهِ إِلَّا اللَّطِيف الحاد. على أَنه قد يكون من الدَّم وَقد يكون من جنس الْحمرَة وَهُوَ قتال فِي الْأَكْثَر بحدّته ومجاورته للقلب وَقلة انتفاعه بالمشروب والمضمود فَإِن المشروب لَا يصل إِلَيْهِ وَهُوَ يحفظ من قُوَّة تبريده مَا يُقَابله والمضمود لَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ تبريداً يوازيه. وَذَات الرئة قد تَزُول بالتحلل وَقد تؤول إِلَى التقيّج وَقد تصلب وَكَثِيرًا مَا تنْتَقل إِلَى خراجات وَقد تنْتَقل إِلَى قرانيطس وَهُوَ رَدِيء. وَرُبمَا انْتقل إِلَى ذَات الْجنب وَهُوَ فِي الْقَلِيل النَّادِر وَقد يعقب خدراً مثل الْمَذْكُور فِي ذَات الْجنب وَهُوَ أَكثر عقَابا لَهُ وَلَيْسَ نفع الرعاف فِي ذَات الرئة كنفعه فِي ذَات الْجنب لاخْتِلَاف الْمَادَّتَيْنِ ولأنّ الجذب من الرئة أبعد مِنْهُ فِي الْحجاب وأغشية الصَّدْر وعضلاته.
стр. 1065
العلامات: عَلَامَات ذَات الرئة حمّى حادة لِأَنَّهُ ورم حَار فِي الأحشاء وضيق نفس شَدِيد كالخانق ينصب المتنفس لأجل الورم ويُضيّق المسالك وحرارة نفس شَدِيد وَثقل لِكَثْرَة مَادَّة فِي عُضْو غير حساس الْجَوْهَر حساس الغشاء الَّذِي لُف فِيهِ وتمدد فِي الصَّدْر كُله بِسَبَب ذَلِك ووجع يَمْتَد من الصَّدْر وَمن العمق إِلَى نَاحيَة الْقصر والصلب. وَقد يحس بِهِ بَين الْكَتِفَيْنِ وَقد يحس بضربان تَحت الْكَتف والترقوة والثدي إِمَّا مُتَّصِلا وَإِمَّا عِنْدَمَا يسعل وَلَا تحْتَمل أَن يضطجع إِلَّا على الْقَفَا وَأما على الْجنب فيختنق. وَصَاحب ذَات الرئة يحمرّ لِسَانه أَولا ثمَّ يسودّ وَيكون لِسَانه بِحَيْثُ تلصق بِهِ الْيَد إِذا لمسته بهَا مَعَ غلظ وَرُبمَا شَاركهُ فِي التمدد وامتلاء الْوَجْه كُله وَيظْهر فِي الوجنتين حمرَة وانتفاخ لما يتَصَعَّد إِلَيْهِمَا من البخار مَعَ لحميتهما وتخلخلهما ليسَا كالجبهة فِي جلديتها. وَرُبمَا اشتدت الْحمرَة حَتَّى الْمَصْبُوغ وَرُبمَا أحس بصعود البخار كَأَنَّهُ نَار تعلوه وَتظهر نفخة شَدِيدَة وَنَفس عالٍ سريع لعظم الْحمى وآفتها. وتهيج العينان وتثقل حركتهما وتمتلئ عروقهما وتثقل الأجفان وَالسَّبَب فِيهِ أَيْضا البخار وَيظْهر فِي القرنية شبه تورّم وَفِي الحدقة شبه جحوظ مَعَ دسومة وَسمن وتغلظ الرَّقَبَة. وَرُبمَا حدث سبات لِكَثْرَة البخار الرطب وَرُبمَا كَانَ مَعَه برد أَطْرَاف. وَأما النبض فَيكون موجيّاً لينًا لأنّ الورم فِي عُضْو لين والمادة رطبَة والموج مُخْتَلف لَا محَالة فِي انبساط وَاحِد. وَرُبمَا انْقَطع وَرُبمَا صَار ذَا فرعتين وَذَلِكَ فِي انبساط وَاحِد. وَرُبمَا كَانَ ذَلِك بِحَسب انبساطات كَثِيرَة وَقد يَقع فِي الانبساطات الْكَثِيرَة وَقد يَقع فِيهِ الْوَاقِع فِي الْوسط. ونبضه فِي الْأَكْثَر عَظِيم لشدَّة الْحَاجة ولين الْآلَة إِلَّا أَن تضعف الْقُوَّة جدا. وَأما التَّوَاتُر فيشتد ويقل بِحَسب الْحمى وَالْحَاجة وبحسب كِفَايَة الْقُوَّة وَذَلِكَ بالعظم أَو عجزها هنه. وَقد ذكر أبقراط أَنه إِذا حدث بهم خراجات عِنْد الثديين وَمَا يليهما وانفتحت نواصير تخلصوا. وَذَلِكَ مَعْلُوم السَّبَب وَكَذَلِكَ إِذا حدثت خراجات فِي السَّاق كَانَت عَلامَة محمودة. وَإِذا انْتقل فِي النَّادِر إِلَى ذَات الْجنب خف ضيق النَّفس وَحدث وخز. ونفثهم قد يكون أَيْضا على ألوان مثل نفث ذَات الْجنب وَأَكْثَره بلغمي. وَأما ذَات الرئة الَّذِي يكون من جنس الْحمرَة فَيكون فِيهِ ضيق النَّفس. والثقل المحسوس فِي الصَّدْر أقل لَكِن الاتهاب يكون فِي غَايَة الشدَّة. وعلامات انْتِقَاله إِلَى التقيّح قريبَة من عَلَامَات ذَات الْجنب فِي مثله وَهُوَ أَن تكون الْحمى لَا تنقص وَلَا الوجع وَلَا يرى نقص يعتدّ بِهِ بنفث أَو بَوْل غليظ فِي رسوب أَو برَاز فَإِنَّهُ إِن رَأَيْت الْمَرِيض مَعَ هَذِه العلامات سالما قَوِيا
стр. 1066
فَهُوَ يؤول إِلَى التقيح أَو إِلَى الْخراج إِمَّا إِلَى فَوق وَإِمَّا إِلَى أَسْفَل بِحَسب العلامات الْمَذْكُورَة فِي ذَات الْجنب. وَإِن لم يكن هُنَاكَ قُوَّة سَلامَة فتوقع الْهَلَاك. وَإِذا صَار بصاقه حلواً فقد تقيح فَإِن تنقى فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَإِلَّا طَال وَإِذا طَال الزَّمَان بِذَات الرئة أورث تهيج الرجلَيْن لضعف الغاذية وخصوصاً فِي الأطرف وَإِذا مَالَتْ الْمَادَّة إِلَى المثانة رجيت السَّلامَة.
(فصل فِي الورم الصلب فِي الرئة)
قد يعرض فِي الرئة ورم صلب ويدلّ عَلَيْهِ ضيق النَّفس مَعَ أَنه يزْدَاد على الْأَيَّام وَيكون مَعَ ثقل وَقلة نفث وَشدَّة يبوسة من السعال وتواتره وَرُبمَا خص فِي الأحيان مَعَ قلَّة الْحَرَارَة فِي الصَّدْر. فصل فِي الورم الرخو فِي الرئة قد يعرض فِي الرئة الورم الرخو وَيدل عَلَيْهِ ضيق نفس مَعَ بصاق كثير ورطوبة فِي الصَّدْر من غير حرارة كَثِيرَة وَلَا حمرَة فِي الْوَجْه بل رصاصية. فصل فِي البثور فِي الرئة وَقد يعرض فِي الرئة بثور وعلامته أَن يحسّ ثقل وضيق نفس مَعَ سرعَة وتواتر فِي الصَّدْر والتهاب من غير حمى عَامَّة. فصل فِي اجْتِمَاع المَاء فِي الرئة قد تَجْتَمِع فِي الرئة مائية وَيدل على ذَلِك مليلة وَحمى لينَة وورم فِي الْأَطْرَاف وَسُوء التنفس وَنَفث رَقِيق مائي وَحَال كَحال المستسقي. فصل فِي الورم أَو الْجراحَة الْعَارِضَة لقصبة الرئة عَلَامَات ذَلِك حمى ضَعِيفَة وضربان فِي وسط الظّهْر فَإِن القصبة لَيست كالرئة فِي أَن لَا تحسّ وَلكنه وجع خَفِيف ويعرض مَعَ ذَلِك حكة الْجَسَد وبحّة الصَّوْت فَإِن تقرحت كَانَت نكهة سمكية وَنَفث نزر. فصل فِي الْقَيْح وَجمع الْمدَّة الْقَيْح فِي كَلَام الْأَطِبَّاء يَأْتِي على مَعْنيين: أَحدهمَا: مَاء يسْتَعْمل فِي كل مَوضِع وَهُوَ جمع الورم للمدة. وَالثَّانِي: مَا يسْتَعْمل خَاصَّة فِي أمراض الصَّدْر وَيُرَاد بِهِ امتلاء الفضاء الَّذِي بَين الصَّدْر والرئة من قيح انفجر إِلَيْهِ إِمَّا فِي الْجَانِبَيْنِ مَعًا وَإِمَّا فِي جَانب وَاحِد.
стр. 1067
وَأَسْبَاب هَذَا الامتلاء: إِمَّا نزلة تصبّ الْمَادَّة دفْعَة أَو قُرُوح فِي الرئة تسيل مِنْهَا مُدَّة صديدية فينتفح بعد عشْرين يَوْمًا فِي الْأَكْثَر ثمَّ ينفث وَإِمَّا انفجار ورم فِي نواحي الصَّدْر وَهُوَ الْأَكْثَر وَيكون ذَلِك إِمَّا مُدَّة نضيجة وَإِمَّا شَيْئا كالدردي. وأحوال ذَلِك أَرْبَعَة فَإِنَّهُ: إِمَّا يَحِيق بِالْكَثْرَةِ ليقْتل وَيظْهر ذَلِك بِأَن يَأْخُذ نَفسه يضيق وَلَا ينفث وَإِمَّا أَن تعفن الرئة فيوقع فِي السل وَإِمَّا أَن يستنقي بالنفث المتدارك السهل وَإِمَّا أَن يستنقي باندفاع من طَرِيق الْعرق الْعَظِيم والشريان الْعَظِيم إِلَى المثانة بولاً غليظاً وَيكون سلوكه أَولا من الوريد إِلَى الكبد ثمَّ إِلَى الْكُلية وَقد يرد إِلَى الأمعاء برازاً وهما محمودان وَقد سلف منا كَلَام فِي ذكر مُدَّة الانفجار. وَيعرف ذَلِك بِحَسب قوّة العلامات وبحسب السن والفصل والمزاج. والمشايخ يهْلكُونَ فِي التقيح أَكثر من الشَّبَاب لضعف نَاحيَة قُلُوبهم والشباب يهْلكُونَ فِي الأوجاع أَكثر من الْمَشَايِخ لشدَّة حسهم. وَقد ذكرنَا عَلَامَات التقيّح فِي بَاب عَلَامَات انفعالات ذَات الْجنب وَكَذَلِكَ عَلَامَات الانفجار. وَأما عَلَامَات امتلاء فضاء الصَّدْر من الْقَيْح فثقل وسعال يَابِس مَعَ بهر ووجع. وَرُبمَا كَانَ فِي كثير مِنْهُم سعال رطب يحِيل حفة من النفث وَيكون نفسهم مُتَتَابِعًا وَلذَلِك يكون كَلَامهم سَرِيعا وتتحرك وترات أنوفهم إِلَى الانضمام عِنْد التنفس وتلزمهم حمّى دقية إِلَى الإستسقاء. وَأما عَلامَة الْجِهَة الَّتِي فِيهَا الْمدَّة فتعرف بِأَن يضطجع العليل مرّة على جنب وَمرَّة على آخر والجانب الَّذِي يتَعَلَّق عَلَيْهِ ثقل ضاغط هُوَ الْجَانِب الْمُقَابل لموْضِع الْمدَّة وَيعرف من صَوت الْمدَّة ورجرجتها وخضِخضتها. وَمن النَّاس من يضع على الصَّدْر وجوانبه خرقَة كتَّان مغموسة فِي طير أَحْمَر مداف فِي المَاء ويتفقد الْموضع الَّذِي يجفّ أَولا فَهُوَ مَوضِع الْقَيْح. وَأما عَلَامَات الانفجار السَّلِيم فَأن يكون الانفجار يعقبه سُكُون الْحمى ونهوض الشَّهْوَة وسهولة النفث والتنفس أَو تحدث مَعَه خراجات فِي الْجنب أَو نَوَاحِيهَا تصير نواصير وَكَذَلِكَ الَّذِي يكون مِنْهُم أَو يبط فَتخرج مِنْهُ مُدَّة نقية بَيْضَاء. وَأما عَلَامَات الرَّدِيء فَأن تظهر عَلَامَات الاختناق والغشي أَو النفث الرَّدِيء أَو السل. وَإِذا كوي أَو بط خرجت مِنْهُ مُدَّة حميّة مُنْتِنَة. وَأما العلامات المفرّقة بَين الْمدَّة وَبَين البلغم فِي النفث فَهِيَ رسوب مُدَّة النفث فِي المَاء وإنتانها على النَّار والبلغم طَاف فِي المَاء غير منتن على النَّار على أَن الْمدَّة قد تنفث فِي غير السل على مَا بَيناهُ فِي مَوضِع متقدّم. وَقد ينفث المتقيح شَيْئا كثيرا جدا وَقد رَأَيْت من نفث فِي سَاعَة وَاحِدَة قَرِيبا من منوين بالصغير أَو منا وَأكْثر من نصف وجالينوس شهد بِأَنَّهُ رُبمَا قذف المتقيح كل يَوْم قَرِيبا من خمسين أُوقِيَّة وَهُوَ قريب من تسع قوطولات.
стр. 1068
وَقد عرفت الْفرق بَين الْمدَّة وَبَين الرطوبات الْأُخْرَى فَإِن الْمدَّة تتَمَيَّز بالنتن عِنْد النفث وَعند الْإِلْقَاء على النَّار وترسب وَلَا تطفو. وَأما عَلَامَات انْتِقَال التقيح إِلَى السل فكمودة اللَّوْن وامتداد الجبين والعنق وتسخّن الْأَصَابِع كلهَا سخونة لَا تفارق حَتَّى فِيمَن عَادَة أَطْرَافه أَن تبرد فِي الحميات وَحمى تزيد لَيْلًا بِسَبَب الْغذَاء وتعقف من الْأَظْفَار لذوبان اللَّحْم تحتهَا وتدسّم من الْعَينَيْنِ مَعَ ضرب من الْبيَاض والصفرة وعلامات أُخْرَى سنذكرها فِي بَاب السلّ. فصل فِي قُرُوح الرئة والصدر وَمِنْهَا السل هَذِه القروح إِمَّا أَن تكون فِي الصَّدْر وَإِمَّا أَن تكون فِي الْحجاب وَإِمَّا أَن تكون فِي الرئة وَهَذَا الْقسم الْأَخير هُوَ السل وَإِمَّا أَن تكون فِي القصبة وَقد ذَكرنَاهَا. وَأسلم هَذِه القروح قُرُوح الصَّدْر وَذَلِكَ لِأَن عروق الصَّدْر أَصْغَر وأجزاؤه أَصْلَب فَلَا يعظم فِيهَا الشَّرّ وَلِأَن الصديد لَا يبْقى فِيهَا بل يسيل إِلَى فضاء الصَّدْر وَلَيْسَ كَذَلِك حَال الرئة وَلِأَن حركته غير قَوِيَّة محسوسة كحركة الرئة بل يكَاد أَن يكون سَاكِنا لِأَنَّهُ لحمي واللحمي أقبل للالتحام. وَكَثِيرًا مَا يعرض لقروح الصَّدْر الكائنة عَن خراجات متعفنة أَن تفْسد الْعِظَام حَتَّى يحْتَاج إِلَى قطع العفن فِيهَا ليسلم مَا يجاوره وَرُبمَا تعدى العفن إِلَى الْأَجْزَاء العصبية فَلَا يلتحم وَإِمَّا أَن يَقع فِي الْأَجْزَاء اللحمية فيلتحم أَن تدورك فِي الِابْتِدَاء وَلم يتْرك أَن يرم. وَأما إِذا تورمت أَو أزمنت فَلَا تَبرأ. وَأما قُرُوح الرئة فقد اخْتلفت الْأَطِبَّاء فِي أَنَّهَا تَبرأ أَو لَا تَبرأ فَقَالَ قوم: إِنَّهَا لَا تَبرأ البتّة لِأَن الالتحام يفْتَقر إِلَى السّكُون وَلَا سُكُون هُنَاكَ. وجالينوس يخالفهم وَيَزْعُم أَن الْحَرَكَة وَحدهَا تمنع الالتحام إِن لم تنصف إِلَيْهَا سَائِر الْمَوَانِع وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْحجاب أَيْضا متحرّك وَمَعَ ذَلِك فقد تَبرأ قروحه. وَأما جالينوس نَفسه فَإِن قَوْله فِي قُرُوح الرئة هُوَ أَنَّهَا إِن عرضت عَن انحلال الْفَرد لَيْسَ عَن ورم أَو عَن تأكّل من خلط أكّال بل لَعَلَّه أُخْرَى فَمَا دَامَ جرحه لم يتقيّح بعد وَلَا تورم فَإِنَّهُ قَابل للبرء وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من القروح الَّذِي يحدث فِيهَا نفث وَلم تتقيّح وَمَا كَانَ عَن ورم أَو تأكّل لم يقبل الْبُرْء لِأَن القرحة المنضجة المتقيّحة حِينَئِذٍ لَا يُمكن أَن تَبرأ إِلَّا بتنقية الْمدَّة وَذَلِكَ بالسعال. والسعال يزِيد فِي توسّع القرحة وخرقها والدغدغة الكائنة مِنْهَا تزيد فِي الوجع والوجع يزِيد فِي جذب الْموَاد إِلَى النَّاحِيَة والأدوية المجففة مَانِعَة النفث والمنقّية مرطبة ملينة للقرحة والكائنة عَن خلط أكّل لَا تَبرأ دون إِصْلَاحه وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي مُدَّة يجب فِي مثلهَا إِمَّا تخرق القرحة ومصيرها ناصوراً لَا تلتحم الْبَتَّةَ وَإِمَّا سعتها حَتَّى يتأكّل جُزْء من الرئة والكائنة بعد ورم فقد يجْتَمع فِيهَا هَذِه الْمعَانِي وَمن المعاون على صعوبة
стр. 1069
الالتحام الْحَرَكَة وَأَيْضًا كَون الْعُرُوق الَّتِي فِي الرئة كبارًا وَاسِعَة صلاباً فَإِن ذَلِك مِمَّا يعسر التحام الفتق وَأَيْضًا فَإِن بعد الْمسَافَة بَين مدْخل الدَّوَاء المشروب وَبَين الرئة وَوُجُوب ضعف قوته إِلَى أَن يصل إِلَى القرحة من المعاون على ذَلِك وَمَا كَانَ من الْأَدْوِيَة بَارِدًا فَهُوَ بليد غير نَافِذ. وَمَا كَانَ حاراً فَهُوَ زَائِد فِي الحمّى الَّتِي تلْزم قُرُوح الرئة والمجفف ضار بالدقّ الَّذِي يلْزمه والمرطب مَانع من الالتحام فَإِن علاج القروح كلهَا هُوَ التجفيف وخصوصاً مثل هَذِه القرحة الَّتِي تصير إِلَيْهَا الرطوبات من فَوق وَمن أَسْفَل. وَقد يقبل هَذَا التأكّل العلاج إِذا كَانَ فِي الِابْتِدَاء وَكَانَ على الغشاء المغشى على القصبة من دَاخل وَلَيْسَ فِي الْجَوْهَر اللحمي من الرئة قبولاً سَرِيعا. وَأما الغضاريف نَفسهَا فَلَا تقبل. وَأَقْبل الْأَسْنَان لعلاج السل هم الصّبيان وَأسلم قُرُوح الرئة مَا كَانَ من جنس الخشكريشة إِذا لم يكن هُنَاكَ سَبَب فِي المزاج أَو فِي نفس الْخَلْط يَجْعَل القرحة الْيَابِسَة قوبائية. وَقد يعرض للمسلول أَن يَمْتَد بِهِ السل ممهلاً إِيَّاه بُرْهَة من الزَّمَان وَكَذَلِكَ رُبمَا امْتَدَّ من الشَّبَاب إِلَى الكهولة وَقد رَأَيْت امْرَأَة عاشت فِي السل قَرِيبا من ثَلَاث وَعشْرين سنة أَو أَكثر قَلِيلا. وَأَصْحَاب قُرُوح الرئة يتضرّرون جدا بالخريف وَإِذا كَانَ أَمر السل مُشكلا كشفه فِي صَاحبه دُخُول الخريف عَلَيْهِ وَقد يُطلق اسْم السلّ على عِلّة أُخْرَى لَا يكون مَعهَا حمّى وَلَكِن تكون الرئة قَابِلَة لأخلاط غَلِيظَة لزجة من نَوَازِل تنصبّ دَائِما ويضيق مجاريها فيقعون فِي نفس ضيق وسعال ملحّ يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى إنهاك قواهم وإذابة أبدانهم وهم بِالْحَقِيقَةِ جارون مجْرى أَصْحَاب الربو فَإِن كَانَت حرارة قَليلَة وَجب أَن يخلط علاجهم من علاج أَصْحَاب الربو. أَسبَاب قُرُوح الرئة: وَأما أَسبَاب قُرُوح الرئة فَأَما نزلة لذاعة أكّالة أَو معفنة لمجاورتها الَّتِي لَا تسلم مَعهَا الرئة إِلَى أَن تنضج أَو مَادَّة من هَذَا الْجِنْس تسيل إِلَى الرئة من عُضْو آخر أَو تقدّم من ذَات الرئة قد قاحت وتقرّحت أَو تقيّح من ذَات جنب انفجر أَو سَبَب من أَسبَاب نفث الدَّم الْمَذْكُور فتح عرقاً أَو قطعه أَو صدعه كَانَ سَببا من دَاخل مثل غليان دم أَو غير ذَلِك مِمَّا قيل أَو من خَارج مثل سقطة أَو ضَرْبَة وَقد يكون من أَسبَابهَا عفونة وأكال يَقع فِي جرم الرئة من نَفسهَا كَمَا يعرض للأعضاء الْأُخْرَى وَقد يكثر السل إِذا أعقب الصَّيف الشمالي الْيَابِس خريف جنوبي ممطر.
стр. 1070
فصل فِي المستعدين للسل فِي الْهَيْئَة والسحنة وَالسّن والبلد والمزاج هَؤُلَاءِ هم المجنحون الضيقو الصُّدُور العاريو الأكتاف من اللَّحْم وخصوصاً من خلف المائلو الأكتاف إِلَى قدّام بارز أَو كَانَ للْوَاحِد مِنْهُم جناحين وَكَانَ كَتفيهِ منقطعان عَن الْعَضُد وَقُدَّام وَخلف والطويلو الْأَعْنَاق المائلوها إِلَى قدّام قد برزت حُلُوقهمْ وَوَثَبْت وَهَؤُلَاء يكثر الرِّيَاح فِي صُدُورهمْ وَمَا يَليهَا والنفخ فِيهَا لصِغَر صُدُورهمْ وَإِن كَانَ بهم مَعَ ذَلِك ضعف الأدمغة يقبل الفضول وَلَا تنضج الأغذية فقد تمت الشَّرَائِط وخصوصاً إِن كَانَت أخلاطهم حارة مرارية والسحنات الْقَابِلَة للسل بِسُرْعَة مَعَ التجنح الْمَذْكُور هِيَ الزعر الْبيض إِلَى الشقرة وَأَيْضًا الْأَبدَان الصلبة المتكاثفة لما يعرض لَهُم من انحراف الْعُرُوق والمزاج الْقَابِل لذَلِك من كَانَ أبرد مزاجاً. والسنّ الَّذِي يكثر فِيهِ السل مَا بَين ثَمَان عشرَة سنة إِلَى حُدُود ثَلَاثِينَ سنة وَهِي فِي الْبِلَاد الْبَارِدَة أَكثر لما يعرض فِيهَا من انفتاق الْعُرُوق وَنَفث الدَّم أَكثر والفصل الَّذِي يكثر فِيهِ ذَلِك الخريف. مَا يجب أَن يتوقّاه هَؤُلَاءِ: يجب على هَؤُلَاءِ أَن يتوفوا جَمِيع الأغذية والأدوية الحريفة والحادة وَجَمِيع مَا يمدِّد أَعْضَاء الصَّدْر من صياح وضجر ووثبة. عَلَامَات السل: هِيَ أَن يظْهر نفث مدّة بعلامة الْمدَّة على مَا شرحناه من صورتهَا فِي اللَّوْن والرائحة وَغير ذَلِك وحمّى دقّية لَازِمَة لمجاورة الْقلب مَوضِع الْعلَّة تشتد مَعَ الْغذَاء وَعند اللَّيْل على الْجِهَة الَّتِي يشْتَد مَعهَا حمّى الدق لترطيب الْبدن من الْغذَاء على مَا نذكرهُ فِي مَوْضِعه. على أَنه رُبمَا تركّب مَعَ الدق فِيهَا حمّيات أُخْرَى نائبة أَو ربع أَو خُمس. وشرّها الْخمس ثمَّ شطر الغب ثمَّ النائبة وَإِذا حدث السل ظَهرت أَيْضا الدَّلَائِل الَّتِي عمدناها فِي آخر بَاب التقيح وفاض الْعرق مِنْهُم كل وَقت لِأَن قوتهم تضعف عَن إمْسَاك الْغذَاء وتدبيره. والحرارة تحلّل وتسيل فَإِن انتفث خشكريشة لم يبْق شُبْهَة وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت الْأَسْبَاب المتأذية إِلَى السل الْمَذْكُور قد سلفت وَإِذا أَخذ الْبدن فِي الذبول والأطراف فِي الانحناء وَالشعر فِي الانتثار لعدم الْغذَاء وَفَسَاد الفضول فقد صَحَّ. وَقد يكمّد اللَّوْن فِي الِابْتِدَاء من السل لكنه يحمرّ عِنْد تصعد البخارات ويتمدد الْعُنُق والجبين وخصوصاً إِذا استقرّ وتنتفخ أَطْرَافهم وخصوصاً أَرجُلهم فِي آخر الْأَيَّام وتتربل لفساد الأخلاط وَمَوْت الغريزة فِي الأقاصي من الْبدن لرداءة المزاج وَالَّذين سَبَب سلّهم خلط أكال فيقذفون بزاقاً فِي طعم مَاء الْبَحْر مالحاً جدا وَقد يكون النبض مِنْهُم ثَابتا معتدل السرعة صَغِيرا وَقد يعرض لَهُ ميلان إِلَى الْجَانِبَيْنِ ثمَّ بعد ذَلِك يحصل فِي الْبَطن قراقر وتنحني الشراسيف إِلَى فَوق ويشتدّ الْعَطش وَتبطل الشَّهْوَة للعظام لضعف القوى الطبيعية.
стр. 1071
وَرُبمَا اخْتلف بَطْنه لسُقُوط الْقُوَّة وَرُبمَا نفث خلطاً وأجرام الْعُرُوق وَذَلِكَ عِنْد قرب الْمَوْت. والمنفوث من الْعُرُوق إِن كَانَ كبارًا فَهُوَ من الرئة وَإِن كَانَ صغَارًا فَهُوَ من القصبة وَكَثِيرًا مَا ينفثون جصاً وَلنْ يقذفوا حلقا من القصبة إِلَّا بعد قرحَة عَظِيمَة وَفِي آخِره يغلظ النفث والبصاق ثمَّ يَنْقَطِع لضعف الْقُوَّة فَرُبمَا مَاتُوا اختناقاً وَرُبمَا لم يتَأَخَّر مثل هَذَا النفث بل وَقع فِي الِابْتِدَاء إِذا كَانَ السل من الْجِنْس الرَّدِيء الْكَائِن من مواد غَلِيظَة لَا ينهضم. وَإِذا انْقَطع النفث فِي آخر السل فَرُبمَا لم يزِيدُوا على أَرْبَعَة أَيَّام وَرُبمَا كَانَ انْقِطَاع النفث بِسَبَب ضعف القوّة وَحِينَئِذٍ رُبمَا ضَاقَ النَّفس بهم إِلَى أَن يصير كَغَيْر المحسوس. وَكَثِيرًا مَا يشتدّ بهم السعال وَيُؤَدِّي إِلَى نفث الدَّم المتتابع فَإِن عولج سعالهم بالموانع للنفث هَلَكُوا مَعَ خفَّة يصيبونها وَإِن تركُوا يسعلون مَاتُوا نزفاً الْمَوْت السَّرِيع. وَمن كَانَ بِهِ سلّ فَظهر على كفيه حب كَأَنَّهُ الباقلى بعد اثْنَيْنِ وَخمسين يَوْمًا. الْمقَالة الْخَامِسَة أصُول عملية فصل فِي المعالجات لأورام نواحي الصَّدْر والرئة من الْأُمُور الْمُشْتَركَة الفصد أما فِي الِابْتِدَاء فَمن الْجَانِب الْمُخَالف أعجله من الصَّافِن المحاذي فِي الطول وَبعده من الباسليق المحاذي فِي الْعرض وَبعده الأكحل المحاذي فِي الْعرض. فَإِن لم يظْهر فَلَا يجب أَن تتْرك فصد القيفال وَإِن كَانَ نَفعه أقلّ وَأَبْطَأ ثمَّ بعد أَيَّام فَمن الْجَانِب الْمُوَافق فِي الْعرض وَقد يحجم على الصَّدْر وبالشرط أَيْضا حَتَّى يجذب الْمَادَّة إِلَى خَارج ويقللها خُصُوصا قَالَ جالينوس: وَإِن كَانَت الحمّى شَدِيدَة جدا فاحذر المسهّل وَاقْتصر على الفصد فَإِنَّهُ لَا خطر فِيهِ أَو خطره أقل وَفِي الإسهال خطر عَظِيم فَإِنَّهُ رُبمَا حرك وَرُبمَا لم يسهّل وَرُبمَا أفرط وَيجب أَن لَا يقربهُمْ المخدرات مَا أمكن فَإِنَّهَا تمنع النضج والنفث. وَأما الأغذية فماء الشّعير وَمَاء الْحِنْطَة وَمَاء طبيخ الْخَبَّازِي والبقلة اليمانية والملوخية والقرع وَمَاء الباقلى والقشمش إِذا لم يكن حرارة مفرطة وَالزَّبِيب فِي الْأَوَاخِر خَاصَّة وَمَا يجْرِي مجْرى الْأَدْوِيَة فَجَمِيع مَا ينقي ويزيل الخشونة ويليّن فِي الحرجة الأولى مثل مَاء الْعنَّاب والبنفسج والخشخاش وأصل السوس ولباب الْخِيَار والقثاء وَغَيره وبزر الهندبا والسبستان وَرُبمَا جعل مَعهَا لباب حبّ السفرجل والصمغ والكثيراء وبزر الخشخاش. وَهَذَا كُله قبل الانفجار. وَأفضل الجاليات المنقية مَاء الْعَسَل إِن لم يكن ورم فِي سَائِر الأحشاء فَإِن كَانَ ورم
стр. 1072
وَاسْتعْمل وَجب حِينَئِذٍ أَن يصير كَالْمَاءِ بِكَثْرَة المزاج. والجلاب وَمَاء السكر أوفق مِنْهُ وَبعده مَاء الشّعير وَبعده الشَّرَاب الحلو وَهُوَ أفضل شراب لأَصْحَاب هَذِه الْعِلَل وخصوصاً الْأَبْيَض مِنْهُ فَهُوَ أعون على النفث لكنه لَا يَنْبَغِي أَن يشرب فِي ذَات الْجنب وَفِي ذَات الرئة إِلَّا بعد النضج على أَن فِيمَا ذكر عطشاً وإسخاناً قد يتداركان وَلَا يجب أَن يسقى ذَلِك من كبده وطحاله عليل. وَبعد الشَّرَاب الحلو الْخمر المائي وَهُوَ يقوّي الْمعدة أَكثر من المَاء وَفِيه تقطيع وتلطيف وَأما سقِِي السكنجبين الْمُتَّخذ من الْعَسَل أَو من السكّر وَقَلِيل خلّ وَإِذا مزج بِالْمَاءِ فَهُوَ يجمع مَعَاني من التطفية والتنقية. فَإِن حمض جدا فَإِنَّهُ إِمَّا أَن ينفث جدا وَإِمَّا أَن يبرد ويلزج جدا فَيصير فِيهِ وبال حَتَّى إِن مَا يقطعهُ رُبمَا احْتَاجَ إِلَى قُوَّة قَوِيَّة حَتَّى ينفث فَإِن كَانَ لَا بُد من الحامض فَيجب أَن يسقى مفتّراً أَو ممزوجاً بِمَاء حَار قَلِيلا قَلِيلا. وَأما المعتدل الحموضة فَإِنَّهُ يُؤمن هَذِه الغائلة وَيكون مَانِعا لضَرَر الْحَلَاوَة من التعطيش وإثارة الْمرة وتوليدها. وَمَاء الْعَسَل أبلغ فِي الترطيب وَمَاء الشّعير فِي التقوية. وَرُبمَا احْتِيجَ فِي تَعْدِيل الطبيعة إِلَى أَن يعْطى الحماض مَعَ دهن اللوز. وَأما مَا يسقونه من المَاء أما فِي الشتَاء فالماء الْحَار وَمَاء السكر وَمَاء الْعَسَل الرَّقِيق. وَأما فِي الصَّيف فالماء المعتدل وَيكرهُ لَهُم المَاء الْبَارِد فَإِن اشتدّ الْعَطش سقوا قَلِيلا أَو ممزوجاً بجلاب وسكنجبين مبردين فَإِن السكنجبين ينفذ بِهِ بِسُرْعَة وَيدْفَع مضرته ويسقون عِنْد الانحطاط مَاء بميبختج. وَأما مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ عِنْد الْجمع والإنضاج والتفجير وَبعده فَنحْن نفرد لَهُ بَابا. فصل فِي معالجات ذَات الْجنب يجب أَن تمنع الْمَادَّة المتجهة إِلَى الورم وتمال عَنهُ بالاستفراغ وَمَا يجلب إِلَى الْخلاف وَيقْرَأ مَا وصفناه فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا وَرُبمَا نعاود ذكره فَنَقُول أَن علاجه الفصد إِن كَانَ الدَّم غَالِبا على الْجِهَة الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَيخرج حَتَّى يتَغَيَّر لَونه فَإِنَّهُ يدل على أَن المرخي من الدَّم قد استفرغ. وَاعْلَم أَن أشدّ دم الْبدن سواداً مَا كَانَ قَرِيبا من مثل هَذَا الورم. على أَن مُرَاعَاة الْقُوَّة فِي ذَلِك وَاجِبَة فَرُبمَا لم ترخص الْقُوَّة فِي إِخْرَاج الدَّم إِلَى هَذَا الْحَد. وَإِن كَانَ خلط آخر استفرغ لَا بِمثل الهليلج وَمَا فِيهِ قبض بل بِمَا فِيهِ مَعَ الإسهال تليين مثل الْأَشْيَاء المتخذة بالبنفسج والترنجبين والشيرخشك وسكّر الْحجاز ويسهلون لَيْلًا. وَقد قَالَ قوم من أهل الْمعرفَة: إِن الأصوب مَا أمكن أَن يستفرغوا بالفصد خوفًا من الِاضْطِرَاب الَّذِي رُبمَا أوقعه المسهل وَقد ذَكرْنَاهُ. وخصوصاً إِذا كَانَ النفث مرارياً جدا وخصوصاً على مَا قَالَ جالينوس: إِذا كَانَت الْحمى شَدِيدَة جدا وجالينوس يحذر من السقمونيا وَلَا يحذر من الأيارج والخربق مَعًا ويمدح فعل مَاء الشّعير بعد اسْتِعْمَال المسهل
стр. 1073
والفراغ مِنْهُ. وَأما مَعَه فَيقطع فعله على أَنه يجب أَن يُرَاعِي جِهَة ميل الوجع والألم فَإِن كَانَ الْميل صاعداً إِلَى الترقوة والقس وَمَا فَوْقهمَا فالفصد أولى. وَإِن كَانَ الْأَلَم يمِيل إِلَى جِهَة الشراسيف فَلَا بُد من إسهال وَحده أَو مَعَ الفصد بِحَسب مَا توجبه الْمُشَاهدَة وَذَلِكَ لِأَن الفصد وَحده من الباسليق لَا يجذب من هَذَا الْموضع شَيْئا يعْتد بِهِ. وَمِمَّا يدلك على شقة الْحَاجة إِلَى الاستفراغ أَن يجد التضميد والتكميد لَا يسكنان الوجع أَو يجدهما يزيدانه فَيدل ذَلِك على الامتلاء فِي الْبدن كُله. وَلَا بدّ من الاستفراغ وخصوصاً الفصد وَإِذا فصدت واستفرغت وَلم تسكّن الْأَعْرَاض فَاعْلَم إِنَّمَا نطلبه من منع الْجمع فَلَا تعاود الفصد لِئَلَّا تتبلد الْمَادَّة الَّتِي هِيَ دَاء مُجْتَمع وَذَلِكَ مِمَّا لَا ينضج مَعَ نُقْصَان الْقُوَّة وفقدان إنضاج الدموية بالمادة. فَإِذا نَضِجَتْ فَيجب أَن يمْتَنع مصير مُدَّة ويجتهد بِأَن ينقى قبله بالنفث وَبِالْجُمْلَةِ إِذا لم يفصد ونضج وَنَفث نفثاً نضيجاً ونفثاً صَالحا ثمَّ رَأَيْت ضعفا فِي الْقُوَّة فَلَا تفصد البتّة. وَإِن حَال ضعف القوّة دون الفصد والإسهال فَلَا بُد من اسْتِعْمَال الحقن المتوسطة أَو الحادة بِحَسب مَا توجبه الْمُشَاهدَة وخصوصاً إِذا كَانَ الوجع ماثلاً إِلَى الشراسيف. وبقراط يُشِير فِي علاج ذَات الْجنب الَّذِي لَا يحس فِيهِ الوجع إِلَّا شَدِيد الْميل إِلَى الشراسيف أَن يستفرغ أما بالخربق الْأسود أَو بالفليون وَفِي نُسْخَة أُخْرَى البقلة الْبَريَّة وَهِي شَيْء يشبه البقلة الحمقاء وَلها لبن من جنس اليتّوعات فَإِذا استفرغت وَوجدت الْأَلَم أخفّ اقتصرت على مَاء السكر وَمَاء الشّعير الْمَطْبُوخ شعيره المقشّر فِي مَاء كثير طبخاً شَدِيدا. وَمَاء الخندروس إِن احْتِيجَ إِلَى تَقْوِيَة والبطيخ الْهِنْدِيّ وَمَاء الْعنَّاب وَمَاء السبستان والبنفسج المربى وبزر الخشخاش والدهن الَّذِي يسْتَعْمل مَعَ شَيْء من هَذَا ثمن اللوز. وَقد نهى قوم عَن الرُّمَّان لتبريده وَمَا عِنْدِي فِي الحلو مِنْهُ بَأْس وَقد يطْبخ من هَذِه الْأَدْوِيَة مطبوخ يسْتَعْمل للتنفس وَهَذِه هِيَ الشّعير المقشر والعناب والسبستان والبنفسج المربى وبزر الخشخاش وشراب البنفسج وشراب النيلرفر وهما أفضل من الْجلاب. وَكَانَ جالينوس يَأْمر فِي الِابْتِدَاء بأصناف الدياقود لتمنع الْمَادَّة وتنضج وتنومه. وَأَقُول أَنه يحْتَاج إِلَيْهِ إِذا لم يكن بُد لشدَّة السهر وَإِن لم يكن ذَلِك فَرُبمَا بلد الخشخاش الْمَادَّة وَمنع النفث اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون السكر المجعول مَعَه يدْفع ضَرَره وَيُشبه أَن يكون البزري أوفق من القشري حِينَئِذٍ وَيجب أَن يستفرغ مَا يحتبس بالنفث وَيقدر الْغذَاء وَلَا يكثر بل يلطف بِحَسب مَا يُوجِبهُ كَثْرَة حِدة الْعلَّة وقلتها وأعراضها. فَإِنَّهَا إِن كَانَت هادئة سهلة خَفِيفَة غذوت بِمَاء الشّعير المقشر الْمَطْبُوخ جيدا فَإِنَّهُ
стр. 1074
منفث مقطع مقوّ. وَإِن أردْت أَن تحلّيه حليت بسكر أَو بِعَسَل فَإِن كَانَت مضطربة اقتصرت على مَاء الشّعير حَتَّى تستبرئ الْحَال وخصوصاً بِحَسب النفث فَإِنَّهُ إِذا كثر أمنت كَثْرَة الْمَادَّة وَعرفت الْحَاجة إِلَى الْقُوَّة فغفوت بِمَاء الشّعير المقشّر وقويت وَإِن احْتبسَ لطفت التَّدْبِير واقتصرت على مَاء الشّعير وعَلى الْأَشْرِبَة مَا أمكن. وَإِذا حدث فِي ذَات الْجنب إسهال وَكَانَ ذَات الْجنب عقيب ذبحة إنحلت إِلَى الْجنب منع ذَلِك كل علاج من فصد وتليين طبيعة وَكَانَ تَدْبيره الِاقْتِصَار على سويق الشّعير. وَإِن دعت إِلَى الفصد ضَرُورَة فِي أَصْنَاف ذَات الْجنب وَلم يكن نضج فَالصَّوَاب أَن تقتصر على قدر ثُلثي وَزنه وتستعد للتثنية بملح وزيت على الْجراحَة وَكَثِيرًا مَا يُغني استطلاق الْبَطن كل يَوْم مَجْلِسا أَو مجلسين عَن الفصد وَمن أعقبه افصد غثياً أَو شدَّة عسر وضيق التنفس فَذَلِك يمل على أَن افصد لم يستفرغ مَادَّة الورم. وَالْأولَى أَن لَا يليّن الطبيعة فِي علاج أوجاع الصَّدْر فِي الِابْتِدَاء إِلَّا بِمَا يخص من حقن وشيافات وَمن الْخطر الْعَظِيم سقِِي المبردات الشَّدِيدَة إِلَّا فِي الْكَائِن من الصَّفْرَاء وَسقي المبرّدات القابضة أَو إطعامها مثل العدس بالحموضات وَنَحْوهَا وَاعْلَم أَن سقِِي المَاء الْبَارِد غير مُوَافق لهَذِهِ الْعلَّة وَجَمِيع الأورام الْبَاطِنَة فأقلل مَا أمكنك فَإِن عصي الْعَطش فامزجه بالسكنجبين لتنكسر سُورَة المَاء وَليقل بَقَاؤُهُ وثباته بل يبذرق وَينفذ فِي الْبدن ولينتفع بتقطيع السكنجبين وتلطيفه. وَاعْلَم أَن ذَات الْجنب إِذا كثر فِيهِ الالتهاب واستدعى التبريد فَلَا تبرد إِلَّا بِمَا فِيهِ جلاء مَا وترطيب مثل مَاء الْخِيَار وَمَاء الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ. وَأما مَاء القرع فَإِنَّهُ - وَإِن نفع من جِهَة - فَرُبمَا ضرّ وأضعف بالإدرار. وَأما مَا يجْتَنب فَمثل وَيجب أَن يكون مُعظم غرضك التنفيث بسهولة. وَمِمَّا يكثر النفث هُوَ النّوم على الْجنب العليل وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى هز يسير وَإِلَى سقيه المَاء الَّذِي إِلَى الْحَرَارَة جرعاً متتابعة فَإِنَّهُ نَافِع لَهُ جدا. وَرُبمَا أحْوج احتباس النفث الْمضيق للنَّفس إِلَى لعق ملعقة من زنجار وَعسل. وَرُبمَا أحْوج شدَّة الوجع إِلَى سقِِي باقلاة من حلتيت بِعَسَل وخل وَمَاء وَذَلِكَ عِنْد شدَّة الوجع المبرح وَإِذا بلغ عصيان النَّفس الغطيط والحشرجة أخفت من النطرون المشوي مَا يحملهُ ثَلَاثَة أَصَابِع وَمن الزنجار قدره باقلاة وَقَلِيل زَيْت وَمَاء فاتر وَعسل قَلِيل. فَإِن لم ينجع زِدْت عَلَيْهِ فقاح الْكَرم مَعَ فلفل والخل كُله مفتراً أَو زوفا وخردل وحرف بِمَاء وَعسل مفتراً وَهُوَ أقوى من الأول ثمَّ يحسى إِذا نفث صفرَة الْبيض ليذْهب بغائلة ذَلِك. فَإِن احْتِيجَ فِي أَصْحَاب ذَات الْجنب إِلَى غذَاء أقوى فالسمك الرضراضي وَذَلِكَ عِنْد انكسار الْحمى وَكَذَلِكَ الْخبز بالسكر والزبد - فَإِنَّهُ يعين على النضج والنفث - والسمك مسلوقاً بالكراث والشبث وَالْملح. واجتهد أَن يجفف نواحي الْبَطن لِئَلَّا
стр. 1075
تزاحم نواحي الصَّدْر وَذَلِكَ بتليين الطبيعة وَإِخْرَاج ثفل إِن كَانَ احْتبسَ بحقنة لينَة مثل مَاء الكشك بِقَلِيل مَاء السلق. وَيجب أَن يمْنَع النفخ. وَاعْلَم أَن بخاري الثفل والنفخة ضاران جدا فِي هَذِه الْعلَّة. وَمن المهم الشَّديد الاهتمام أَن تبادر بتنضيج الْعلَّة من قبل صَيْرُورَته مُدَّة فَإِن صَار مُدَّة فَيجب أَن تبادر إِلَى تنقيتها قبل أَن تَأْكُل. وَاعْلَم أَنه لَا بُد من ترطيب تحاوله ليسهل النفث ويسرع فَإِذا بَدَأَ النفث فِي الصعُود وَجَاوَزَ الرَّابِع قوي هَذَا الْمَطْبُوخ بِأَصْل السوس والبرشاوشان. وَإِذا كَانَت الْمَادَّة غليظه وَالْقُوَّة قَوِيَّة وَلم يكن فِي العصب آفَة لم يكن بَأْس بسقي السكنجبين الممزوج ليقطع. وَإِن لينت الطبيعة بِمثل الْخِيَار شنبر مَعَ السكر أَو الترنجبين أَو لشيرخشك كَانَ صَوَابا وَقد يستعان أَيْضا بضمادات ومروخات. وَأول مَا يجب أَن يسْتَعْمل فِيهَا قيروطي متخذ من دهن البنفسج والشمع المصفّى ثمَّ يتدرج إِلَى الشحوم والألعبة وغبار الرحا ثمَّ يتدرج إِلَى مَا هُوَ أقوى مثل ضماد البابونج وأصل الخطمي وأصل السوسن والبنفسج وطبيخ الْخَبَّازِي البستاني. وَإِن احْتِيجَ إِلَى مَا هُوَ أقوى اسْتعْمل الضماد الْمُتَّخذ من الكرنب المسلوق وَمن الرارنانج المسلوق وَأَيْضًا ضماد متخذ من الأفسنتين وأصل السوسن وَشَيْء من عسل مَعَ دهن النادرين. وَاعْلَم أَنه إِن كَانَت الْمَادَّة كَثِيرَة فالأضمدة والأطلية ضارة وَإِن كَانَت قَليلَة لم تضر وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الورم تحلل وَبقيت بَقِيَّة. وَإِذا وَقع استفراغ عَن الفصد نَافِع جَازَ أَيْضا الطلاء. صفة ضماد جيد ونسخته: ورق البنفسج والخطمي من كل وَاحِد جُزْء وأصل السوس جزءان دَقِيق الباقلاء ودقيق الشّعير من كل وَاحِد جُزْء وَنصف بابونج وكثيراء جُزْء جُزْء. فَإِن كَانَت الْمَادَّة غَلِيظَة واحتيج إِلَى زِيَادَة تَحْلِيل زيد فِيهِ بزر كتَّان وَجعل عجنه بالميبختج مَعَ شمع ودهن بنفسج. وَإِن كَانَت الْحَرَارَة أقل أَيْضا جعل بدل دهن البنفسج دهن السوسن أَو دهن النرجس. فَإِن كَانَت الْحَرَارَة قَوِيَّة ألقِي بدل الزِّيَادَات الحارة الَّتِي ألحقناها بالنسخة ورقِ النيلوفر وَورد وقرع. نُسْخَة مروخ جيد: شمع شَحم البط والدجاج وَسمن الْغنم زوفا رطب يتَّخذ مِنْهُ مروخ فَإِنَّهُ جيد جدا. وَمن الأضمدة الَّتِي تجمع الأنضاج لتسكين الوجع ضماد يتَّخذ من دَقِيق الشّعير وإكليل الْملك. وقشر الخشخاش وَقد يستعان فِيهَا بكمادات رطبَة ويابسة. والرطبة أوفق لما يضْرب إِلَى الْحمرَة. واليابسة لما يضْرب إِلَى الفلغمونية. لَكِن الرطب إِذا لم ينفع لم يضرّ. واليابس إِن ضرّ ضرّ عَظِيما. وأولاها بالتقديم الإسفنج المبلول بِالْمَاءِ الْحَار أقوى مِنْهُ مَاء الْبَحْر وَالْمَاء المالح ثمَّ يُجَاوز ذَلِك إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ فيكمد بالبخار أَو بزفت وَمَاء حارين وَأقوى من ذَلِك مَا يتَّخذ بالخل والكرسنة بالكرنب على الصُّوف المشرب دهناً وَمن اليابسات اللطيفة النخالة ثمَّ الجاورس ثمَّ الْملح.
стр. 1076
والتكميد والفصد يحل كل وجع عَال أَو سافل إِذا لم يكن مَانع من امتلاء بجذبه التكميد. وَأما الفصد فَأكْثر حلّه للأوجاع الْعَالِيَة وَإِذا ضمدت أَو كمدت فاجتهد أَن تحبس بخارها عَن وَجه العليل لِئَلَّا يهيج بِهِ الكرب وضيق النَّفس. وَرُبمَا كَانَت الْعلَّة شَدِيدَة اليبس فينفع بخار الضماد والكماد الرطبين المعتدلين إِذا ضرب الْوَجْه وَذهب فِي الِاسْتِنْشَاق. وَقد يستعان بلعوقات يستعملونها. وأليقها وأوفقها للمحرورين الشمع الْأَبْيَض الْمُصَفّى المغسول بالفصد وَغَيره والثقة بِأَنَّهُ قد استنقى فَإِن المحاجم إِذا وضعت على الْموضع الوجع ظهر مِنْهَا نفع عَظِيم. وَرُبمَا سكنت الوجع أصلا وَرُبمَا جذبته إِلَى النواحي الْخَارِجَة. وضماد الْخَرْدَل إِن اسْتعْمل فِي مثل هَذَا الْموضع عمل عمل المحاجم فِي الجذب. فَإِذا جَاوز السَّابِع فَإِن الأقدمين كَانُوا يأمرون بلعوق يتَّخذ من اللوز وَحب القريص وَالْعَسَل وَالسمن واللعوقات المتخذة من السّمن وعلك البطم وَرُبمَا استعملوا المعاجين الْكِبَار كالأنام نَاسِيا وَهُوَ طَرِيق جيد يقد عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ للصناعة الواثقون من أنفسهم بالتفطن لتلاف إِن اقْتَضَاهُ هَذَا التَّدْبِير وبالاقتدار عَلَيْهِ فيبلغون بِهِ من التنقية الْمبلغ الشافي. وَأما المُحْدَثُونَ الْجُبَنَاء الْغَيْر الواثقين من أنفسهم فِي ذَلِك فَإِنَّهُم يخَافُونَ الْعَسَل ويجعلون بدله السكر. وَكَانَ الأقدمون أَيْضا يشيرون بأدوية قَوِيَّة التنقية مهيأة بالعسل حبوباً تمسك تَحت اللِّسَان ويشيرون فِي هَذَا الْوَقْت بالأضمدة الْمُسَمَّاة ذَات الرَّائِحَة والمتخذة بالمرزنجوش والمرهم السذابي. وَبِالْجُمْلَةِ من سلك هَذَا السَّبِيل الَّذِي للقدماء فَيجب أَن يسلكه بتوق وتحرز وَخَوف أَن يفجر ورماً أَو يهيج حرارة كَثِيرَة ثمَّ لَهُ أَن يَثِق بعد ذَلِك بالنجاح العاجل فَإِن بقيت الْعلَّة إِلَى الرَّابِع عشر لم يكن بدّ من الْحجامَة وتلطيف التَّدْبِير حِينَئِذٍ. وَإِذا اشْتَدَّ بهم السهر فَلَا بُد من شراب الخشخاش وَإِذا تَوَاتر فيهم النَّفس فتدارك ضَرَره إِنَّمَا يكون بالترطيب بِمثل لعاب بزر قطونا يجرع مِنْهُ شَيْئا بعد شَيْء بِمثل الْجلاب. وَقد ينْتَفع بنطل الْجنب بِمَاء فاتر ليخف الوجع ويقل تَوَاتر النَّفس فَإِنَّهُ ضار على مَا قد عرفت. وَبعد الانحطاط الظَّاهِر يسْتَعْمل الْحمام ويجتنب التبريد الشَّديد إِلَّا فِيمَا كَانَ من جنس الْحمرَة وَكَذَلِكَ يجْتَنب التَّدْبِير المغلظ ويستقل بالتلطيف ويطبخ فِي الْمِيَاه والأشربة الْمَذْكُورَة الكراث والفودنج فِي آخِره ويلعقون بزر القريص مَعَ الْعَسَل. فَإِن استعصي الورم ونحا نَحْو الْجمع دبر التَّدْبِير الَّذِي نذكرهُ فِي بَاب ذَلِك خَاصَّة. وَيجب أَن يحذر على الناقه من أَصْحَاب ذَات الْجنب الملوحات والحرافات والامتلاء والشجع وَالشَّمْس وَالرِّيح وَالدُّخَان وَالصَّوْت العالي والنفخ وَالْجِمَاع فَإِنَّهُ إِن انتكس مَاتَ. هَذَا هُوَ قَوْلنَا إِن كَانَت ذَات الْجنب حارة خَالِصَة. وَأما إِن لم تكن كَذَلِك بل
стр. 1077
كَانَت غير خَالِصَة غير شَدِيدَة الْحَرَارَة فَعَلَيْك بالدلك ضماد نَافِع فِي ذَلِك: يُؤْخَذ رماد أصل الكرنب ويعجن بشحم ويضمد بِهِ. والبلغمي يبْدَأ فِي علاجه بالحقن الحارة والإسهال وَلَا يفصد وَيسْتَعْمل المحللات من الأضمدة والكمادات الْمَذْكُورَة الَّتِي فِيهَا قُوَّة وَيطْعم السلق وَمَاء الكرنب وَمَاء الحمص ودهن الزَّيْت أَو دهن اللوز الحلو أَو المر وَيسْتَعْمل الضمّادات والكمادات الحارة ويسقي مطبوخ يُوسُف الساهر الَّذِي يسْقِيه بدهن الخروع. وَإِمَّا السوداوي فيغذي بالاحساء المتخذة من الْحِنْطَة المهروسة مَعَ الْعَسَل ودهن اللوز وباللعوقات اللينة الحارة ويتجرع الأدهان الملينة مثل دهن اللوز الحلو والإحساء اللينة المتخذة من الباقلا وَقَلِيل حلبة وَاللَّبن الحليب وخاصة لبن الأتن نَافِع لَهُم. وَمِمَّا ينفع فِيهِ أَن يُؤْخَذ من الْقسْط وزن دِرْهَم بملعقة من مَاء طبيخ الشبث ودهن البلسان أَو شراب الْعَسَل وَهَذَا أَيْضا نَافِع للسعال الرَّدِيء. وَأما المَاء الْمُجْتَمع فِي الرئة فعلاجه أخفّ مَا نذكرهُ من علاج المتقيحين وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى بط وَفِيه خطر. فصل فِي معالجات ذَات الرئة ذَات الرئة يجْرِي فِي علاجه مجْرى ذَات الْجنب إِلَّا أَن ضمّاداته يجب أَن تكون أقوى وَيدخل فِيهَا مَا هُوَ مغوص وَيجب أَن يكون الْحِرْص على تنقيته بالنفث أشدّ وَيكون فِيهِ بدل الِاضْطِجَاع على الْجِهَة المنفثة الاستلقاء مائلاً إِلَى تِلْكَ الْجِهَة وَإِذا كَانَت الطبيعة فِيهِ معتقلة وَجب أَن يسقوا فِي كل يَوْمَيْنِ مرّة من هَذَا الشَّرَاب. ونسخته: يُؤْخَذ من الْخَيْر شنبر وَمن الزَّبِيب المنقّى من عجمه من كل وَاحِد ثَلَاثَة أساتير ويلقى عَلَيْهِ أَربع سكرجات مَاء ويطبخ حَتَّى ينتصف وَيُؤْخَذ ويلقى على سكرجة من مَاء عِنَب الثَّعْلَب وَهُوَ شربة للقويّ وللضعيف نصفهَا. وَإِن كَانَت الطبيعة لينَة لينًا مضعفاً سقِِي ربّ الآس والسفرجل الحلو المشوي وَالرُّمَّان الحلو. وَمَا كَانَ من جنس الماشر أَو الْحمرَة فَإِن علاجه كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ أصعب فَإِن نفع شَيْء فالتطفئة الْبَالِغَة بالعصارات الشَّدِيدَة الْبرد الْمَعْلُومَة من الْبُقُول والحشائش وَالثِّمَار ويسقى المبردة الملينة مِنْهَا مثل عصارة الهندبا وَنَحْوهَا. وَإِن استفرغت. الصَّفْرَاء بِمثل الشيرخشك والتمرهندي والترنجبين وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ جَائِز وَكَذَلِكَ رُبمَا احْتِيجَ فِيهِ إِلَى الفصدان كَانَ هُنَاكَ امتلاء. كَلَام فِي التقيِّح: إِذا ظهر فِي أورام ذَات الْجنب وَذَات الرئة عَلَامَات الْجمع الْمَذْكُورَة وتصعّدت فَالْوَاجِب أَن يعان على الإنضاج بعد التنقية للبدن مَعُونَة تكون بالضمادات والكمّادات مثل المتخذة من دَقِيق الشّعير وعلك الأنباط وَالشرَاب الْأَبْيَض والحلو وَالتَّمْر والتين الْيَابِس. وَأقوى مِنْهُ الَّذِي يَجْعَل مَعَه فرق الْحمام والنطرون وَهُوَ يصلح فِي آخِره أَيْضا عِنْد التفجير.
стр. 1078
وَيجب أَن يضطجع قبل وَقت الاتفجار على الْجَانِب العليل فَإِنَّهُ أعون على النفث والتفجير. فَإِن كَانَت الْحَرَارَة كَثِيرَة سقِِي مَاء الْعَسَل فِي مَاء الشّعير أَو مَاء الْعَسَل الرَّقِيق وَحده وَإِن كَانَت الْحَرَارَة لَيست بقوية وَالْقُوَّة قَوِيَّة فَيجب أَن يسقى طبيخ الزوفا والمطبوخ فِيهِ مَعَ الزوفا حاشا وفراسيون والتين وَالْعَسَل وَأَن يسقى مَاء الشّعير الْمَطْبُوخ بأصول السوسن وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى مثل المثروديطوس والترياق لينضج. وأوفق أَوْقَات سقيه بعد النضج التَّام ليفجّر على حفظ من الغريزة والمتمر جيد غَايَة فِي هَذَا الْوَقْت وَبعده وشراب الفراسيون غَايَة فِي ذَلِك. قرص لذَلِك: يُؤْخَذ بزر الخطمي والخبازي وَالْخيَار والبطيخ والقرع وربّ السوس وفقاح إكليل الْملك وبنفسج وكثيراء يقرص بلعاب بزر الْكَتَّان ويسقى بِمَاء التِّين وَأما تغذيتهم فِي التصعّد فخبز مبلول بِمَاء أَو بِمَاء الْعَسَل وَالْبيض النمبرشت وَمَا أشبه ذَلِك وَالنَّقْل حب الصنوبر الْكَبِير أَو الصَّغِير واللوز الحلو والإحساء الرقيقة المتخذة من دَقِيق الشّعير والحمص والباقلا بدهن اللوز والسكّر وَالْعَسَل. وَإِذا جَاوز وَقت الانفجار وَتمّ النضج فَيجب أَن يعان على الانفجار فَإِن تَركه يَجْعَل للمرض صعوبة وشأناً وتبخر حُلُوقهمْ باللبنى ويسقى شراب الزوفا الْقوي الَّذِي ذَكرْنَاهُ بالأضمدة القوية الَّتِي ذَكرنَاهَا. وَسقي المثروديطوس والترياق فِي هَذَا الْوَقْت نَافِع إِن لم يكن حمى وَلَا نحافة وَلَا هزال وَيطْعم السّمك المالح وَيُؤْخَذ فِي فَمه عِنْد النّوم الْحبّ الْمُتَّخذ من الأيارج وشحم الحنظل. وحمت القوقايا أَيْضا يسقونه عِنْد النّوم وَقد ينفع مِنْهُ هز كرْسِي وَهُوَ عَلَيْهِ جَالس وَقد أَخذ إِنْسَان بكتفيه. وينفع مِنْهُ الِاضْطِجَاع على الْجَانِب الصَّحِيح إِذا أُرِيد الانفجار وَقد أَمر بالقيء بعد الْعشَاء فِي مثل هَذَا الْوَقْت وَذَلِكَ خطر فَإِنَّهُ رُبمَا أورث انفجاراً عَظِيما دفْعَة وَاحِدَة وَرُبمَا خنق. وَأما إِذا لم ينفجر فَلَا بُد من الكي ثمَّ تنظر فَإِن خرجت مُدَّة بَيْضَاء نقية رُجي وَإِلَّا لم يرج وَإِذا انفجرت الْمدَّة وسالت وَحدثت بِأَنَّهَا قَليلَة أَو معتدلة وبحيث يُمكن أَن تنقى بالنفث إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَيجب أَن يسْتَعْمل بعده الجلاءة الغسالة المنقية ويسقى كَمَا يَبْدُو نفث مَا انفجر وَذَلِكَ بِمثل طبيخ الزوفا بأصول السوس والسوسن الاسمانجوني بشراب الْعَسَل والكرنب والإحساء الْمَذْكُورَة المتخذة بدقيق الحمص وَنَحْوه من الْأَدْوِيَة وَيجْعَل فِيهَا أَيْضا دَقِيق الكرسنة وينفع لعوق العنصل ولعوق الكرسنة. وَأما الْأَدْوِيَة المفردة الَّتِي
стр. 1079
هِيَ أُمَّهَات أدوية هَذَا الشَّأْن. فَهِيَ مثل دَقِيق الكرسنة وسحيق السوسن وَأَصله والزراوند والفلافل الثَّلَاثَة والخردل والحرف وحبّ الجاوشير أَيْضا والقسط والسليخة والسنبل. وَرُبمَا احْتِيجَ أَن يخلط مَعهَا شَيْء من المخدرات بِقدر. وَمن هَذِه الْأَدْوِيَة سقورديون فَإِنَّهُ شَدِيد الْمَنْفَعَة فِي هَذَا الْبَاب. وَهَذِه الْأَدْوِيَة هِيَ أُمَّهَات الْأَدْوِيَة النافعة فِي هَذَا الْوَقْت الَّتِي تتَّخذ مِنْهَا أشربة ونطولات وضمادات باسفنجات وأدهان. وَرُبمَا جعل الدّهن الَّذِي ينْقل إِلَيْهِ قوتها مثل دهن السوسن والنرجس والبابونج والحناء والناردين وَمثل دهن الْغَار وخصوصاً عِنْد الانحطاط وَرُبمَا جعل مثل دهن البنفسج بِحَسب الْحَال وَالْوَقْت وَرُبمَا جعل فِي هَذِه الأدهان مثل الريتيانج والشحوم والقنة وفقاح الأذخر والزوفا الرطب والحلبة وورق الْغَار والمقل وَمَا أشبه ذَلِك. وَإِذا كَانَت الْحمى قَوِيَّة فَلَا تفرط فِي التسخين فتضعف الْقُوَّة لسوء المزاج وتعجز عَن النفث وَيجب أَن تبادر إِلَى تَدْبِير إِخْرَاج الْقَيْح بعد الانفجار إِلَى الصَّدْر وَفِي الْأَيَّام الَّتِي يتخيل العليل فِيهَا خفته. وَأما إِذا حدثت فِي ذَات الْجنب أَن الْمَادَّة كَثِيرَة لَا تستنقي فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَمَا دونه بل يُوقع فِي السلّ فَلَا بُد من كي بمكوى دَقِيق يثقب بِهِ الصَّدْر لينشّف الْمدَّة ويستخرجها قَلِيلا قَلِيلا وَيغسل بِمَاء الْعَسَل ويعان على جذبها إِلَى خَارج فَإِذا نقيت أَقبلت على الملحم وَيجب أَن يتعرف الْجِهَة الَّتِي فِيهَا الْقَيْح من الْوُجُوه الْمَذْكُورَة من صَوت الْقَيْح وخضخضته. وَمن النَّاس من يضع على الصَّدْر خرقَة مصبوغة بطين أَحْمَر وَتنظر أَي مَوضِع يجفّ أسْرع فَهُوَ مَوضِع الْقَيْح فَيعلم عَلَيْهِ فيكوى أَو يبط هُنَاكَ فَإِنَّهُ رُبمَا لم يكو بل يبط الْجنب بمبضع وَجعلت النصبة نصبة تخرج مَعهَا الْمدَّة فَإِنَّهُ يُؤْخَذ مِنْهَا كل يَوْم قَلِيلا قَلِيلا من غير إِخْرَاج الْكثير دفْعَة. وَفِي مثل هَذَا الْوَقْت لَا بُد من حفظ الْقُوَّة بِاللَّحْمِ والغذاء المعتدل وَلَا تلْتَفت إِلَى الحمّى فَإِنَّهَا لَا تَبرأ مَا دَامَت الْمدَّة بَاقِيَة وَإِذا نقيتها أقلعت. وَإِذا قوي العليل على نفث الْمدَّة أَو على مَا يعالج بِهِ من الكي زَالَت الحمّى لَا محَالة وَكَثِيرًا مَا يتَّفق أَن ينفجر الورم قبل النضج وَيكون مَا ينفجر مِنْهُ دَمًا فحينئذٍ لَا بُد لَهُ من الفصد وَمن اسْتِعْمَال الضمادات الدفاعة وَمن المشتركات ضمّاد مرهم الكرنب وَمَاء الْعَسَل على نُسْخَة أهرن وضماد بِهَذِهِ الصّفة. ونسخته: يُؤْخَذ فلفل وبرشياوشان وزوفا يَابِس وانجرا وزراوند مدحرج يتَّخذ مِنْهُ ضماد بالعسل فَإِنَّهُ نَافِع. فصل فِي علاج قُرُوح نواحي الصَّدْر ومعالجات السلّ أما القرحة إِذا كَانَت فِي قَصَبَة الرئة فَإِن الدَّوَاء يسْرع إِلَيْهَا وَيجب أَن يضطجع العليل على قَفاهُ ويمسك الدَّوَاء فِي فِيهِ ويبلع رِيقه قَلِيلا قَلِيلا من غير أَن يُرْسل كثيرا دفْعَة فيهيج سعال وَيجب أَن يكون مرخياً عضل حلقه حَتَّى ينزل إِلَى حلقه من غير تهييج سعال. والأدوية هِيَ المغرّيات المجففة الَّتِي تذكر أَيْضا فِي السل.
стр. 1080
وَأما القروح الَّتِي فِي الصَّدْر والرئة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَإِنَّهَا يحْتَاج أَن يرْزق فِيهَا الْأَدْوِيَة الغسالة الجلاءة وَيُؤمر أَن يضطجع على الْجَانِب العليل ويسعل ويهتزّ أَو يهزّ هزاً رَقِيقا. وَرُبمَا استخرج الْقَيْح مِنْهَا بعد إرْسَال مَاء الْعَسَل فِي القرحة بالآلة الجاذبة للقيح فَإِذا نقّينا الْمَادَّة ورجوت أَنه لم يبْق مِنْهَا شَيْء فَحِينَئِذٍ تسْتَعْمل الْأَدْوِيَة الملحمة المدملة وَلَيْسَ فِي المنقيات الجلاءة فبمثل ذَلِك كالعسل فَإِنَّهُ منق وغذاء حبيب إِلَى الطبيعة لَا يضر القروح. وَأما قرحَة الرئة فَإِن تدبيرها أَمْرَانِ: أَحدهَا علاج حق وَالْآخر مداراة. أما العلاج الحقّ فَإِنَّمَا يُمكن إِذا كَانَت الْعلَّة قَابِلَة للعلاج وَقد وصفناها وَذَلِكَ بتنقية القرحة وتجفيفها ودافع الْموَاد عَنْهَا وَمنع النَّوَازِل وإعانتها على الالتحام وَقد سلف لَك تَدْبِير منع النَّوَازِل وَهُوَ أصل لَك فِي هَذَا العلاج. وَجُمْلَته تنقية الْبدن وجذب الْمَادَّة عَن الرَّأْس إِلَى الأسافل وتقوية الرَّأْس لِئَلَّا تكْثر الفضول فِيهِ وَمنع مَا ينصب من الرَّأْس إِلَى الرئة وجذبه إِلَى غير تِلْكَ الْجِهَة. وَيجب أَن تكون التنقية بالفصد وبأدوية تخرج الفضول الْمُخْتَلفَة مثل القوقايا وخصوصاً مَعَ مقل وصمغ يُزَاد فِيهِ. وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى مَا يخرج الأخلاط السوداوية مثل الأفتيمون وَنَحْوه وَرُبمَا احتجت إِلَى معاودات فِي الاستفراغ لتقلل الفضول وتستفرغ بدواء وتفصد ثمَّ ترفد ثمَّ تعاود وخصوصاً وَمن الْأَشْيَاء النافعة فِي دفع ضَرَر النَّوَازِل اسْتِعْمَال الدياقودا وخصوصاً الَّذِي من الخشخاش مِمَّا قيل فِي الأقراباذين وَغير ذَلِك وَمِمَّا يعين على قبُول الطبيعة للتدبير أَن ينْتَقل إِلَى بِلَاد فِيهَا هَوَاء جَاف ويعالج ويسقى اللَّبن فِيهَا. وَيجب أَن يكون نصبته فِي الْأَكْثَر نصبة ممددة للعنق إِلَى فَوق وَقُدَّام ليستوي وُقُوع أَجزَاء الرئة بَعْضهَا على بعض وَلَا تزَال أَجزَاء القرحة عَن الانطباق والمحاذاة الطبيعية. وَيجب أَن لَا يلح عَلَيْهِ بتسكين السعال بموانع النفث فَإِن فِيهِ خطراً عَظِيما وَإِن أوهم خفَّة. وَأما المداراة فَهِيَ التَّدْبِير فِي تصليبها وتجفيفها حَتَّى لَا تَفْشُو وَلَا تتسع وَإِن كَانَ لَا يُرْجَى مَعهَا الالتحام والاندمال وَفِي ذَلِك إرجاء فِي مهلة صَاحبهَا وَإِن كَانَت عيشته غير راضية وَكَانَ يتَأَذَّى بِأَدْنَى خطأ وَهَذِه المجففات تقبض الرئة وتجففها وتضيق القرحة إِن لم تدملها. وَمن سلك هَذِه السَّبِيل فَلَا يجب أَن يسْتَعْمل اللَّبن الْبَتَّةَ. وَالْعَسَل مركب لأدوية السل وَلَا مضرَّة فِيهِ بالقروح. وَأما تنقية القروح فبالمنقّيات الْمَذْكُورَة وطبيخ الزوفا الْمَذْكُور للسل فِي الأقراباذين. وَأقوى من ذَلِك لعوق الكرسنة بحب الْقطن الْمَذْكُور فِي الأقراداذين. وَأقوى مِنْهُ لعوق الإشقيل بِلَبن الأتن وَرُبمَا احْتِيجَ أَن يجمع إِلَيْهَا الملزجات المغَرية وَرُبمَا أعينت بالمخدرات لتمنع السعال ويتمكن الدَّوَاء من فعله.
стр. 1081
وَحِينَئِذٍ يحْتَاج إِلَى تَدْبِير ناعش قوي وَقد ذكرنَا لَك هَذِه المنقيات فِي أول الْأَبْوَاب وذكرناها أَيْضا فِي بَاب التقيّح. والمعتاد مِنْهَا الأحساء الكرسنية والأحساء الْوَاقِع فِيهَا الكرّاث الشَّامي المتخذة من دَقِيق الحمّص والخندروس وَهَذَا الكراث نَفسه مسلوقاً ومياه الْعَسَل المطبوخة فِيهَا المنقّيات والملحمات وكل ذَلِك قد مضى لَك والمعاجين المجففة مثل الكموني والأثاناسيا ولعوق بزر الْكَتَّان. وَأما المثروديطوس والترياق وَإِذا اسْتعْمل فِي أَوْقَات وخصوصاً فِي الأول وَحين لَا يكون هزال شَدِيد فَهُوَ نَافِع وَحين لَا يكون حمّى قد بالغت فِي الذبول. والطين الْمَخْتُوم أَنْفَع شَيْء فِي كل وَقت والطين الأرمني أَيْضا وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من الضمّادات والكمّادات والمروخات المنقّية وَإِذا عتقت القروح فِي الصَّدْر والرئة نفع إلعاق الْمَرِيض ملعقة صَغِيرَة من القطران غدْوَة وَاحِدَة أَو بِعَسَل أَو شَيْء من الميعة السائلة بِعَسَل. فَإِن كَانَت هُنَاكَ حرارة وَخفت المنقّيات الحارة وَلم ينْتَفع بالباردة فَخذ رئة الثَّعْلَب وبزر الرازيانج وربّ السوس النقي وعصارة برشياوشان يجمع بِمَاء السكر المغلظ فَإِنَّهُ غَايَة. وَقد يسْتَعْمل فِي هَذِه الْعلَّة أَجنَاس من البخورات تجفف وتنقى بهَا فِي قمع من ذَلِك زرنيخ وفلفل مبندق ببياض الْبيض وَمن ذَلِك ورق الزَّيْتُون الحلو وإخثاء الْبَقر الْجبلي وشحم كلى الْبَقر وزرنيخ وشحم كلى التيس وَسمن الْغنم. وَمن ذَلِك زرنيخ وزراوند وقشور أصل الْكبر أَجزَاء سَوَاء يجمع بِعَسَل وَسمن. وَأَيْضًا صنوبر فِيهِ درديّ القطران. وَأَيْضًا زرنيخ أصفر بشيرج. وَكلما سخن مزاجه فضل سخونة عولج بقرص الكافور أَيَّامًا وعود بعْدهَا التجفيف. وَأما الأغذية فَمن الدراج مطيباً بالأبازير وأفاويه وَلَا يمْنَع الشَّرَاب الْأَبْيَض الصّرْف فِي أَوله ويشمّم دَائِما الرياحين وَيلْزم النّوم والدعة والسكون وَيتْرك الْغَضَب والضجر وَلَا يُورد عَلَيْهِ مَا يغمّه وَمِمَّا جربتُه مرَارًا كَثِيرَة فِي أبدان مُخْتَلفَة وبلدان مُخْتَلفَة أَن يلْزم صَاحب الْعلَّة تنَاول الجلنجبين السكرِي الطري لغامه كل يَوْم مَا يقدر عَلَيْهِ وَإِن كثر حَتَّى بالخبز ثمَّ يُرَاعى أمره. فَإِن ضَاقَ نَفسه بتجفيف الْورْد سقِِي شراب الزوفا بِمِقْدَار الْحَاجة وَإِن اشتعلت حمّاه سقِِي أَقْرَاص الكافور وَلم يُغير هَذَا العلاج فانه يبرأ. وَلَوْلَا تقية التَّكْذِيب لحكيت فِي هَذَا الْمَعْنى عجائب وَلَا وَردت مبلغ مَا كَانَ استعملته امْرَأَة مسلولة بلغ من أمرهَا أَن الْعلَّة بهَا طَالَتْ ورقدتها واستدعى من يُهَيِّئ لَهَا جهاز الْمَوْت فَقَامَ أَخ لَهَا على رَأسهَا وعالجها بِهَذَا العلاج مُدَّة طَوِيلَة فَعَاشَتْ وعوفيت وسمنت وَلَا يمكني أَن أذكر مبلغ مَا كَانَت أَكلته من الجلنجبين. وَقد يفْتَقر اليبس والذبول إِلَى اسْتِعْمَال اللَّبن أَو الدوغ وَفِي ذَلِك تغذية وترطيب وتعديل للخلط الْفَاسِد وتغرية للقرحة بالجبنية وتنقية بجلاء مَاء اللَّبن للصديد والمدة بل كثيرا مَا أَبْرَأ هَذَا
стр. 1082
وأوفق الألبان لبن النِّسَاء رضعاً من الثدي ثمَّ لبن الأتن وَلبن الماعز وخصوصاً للقبض فِي لبن الماعز. وَلبن الرماك أَيْضا مِمَّا ينقّي ويسهل النفث وَلَكِن لَيْسَ لَهُ تغرية ذَلِك فِيمَا ظن. وَأما لبن الْبَقر وَالْغنم فَفِيهِ غلظ لَو قدر على أَن يمصّ من الضَّرع كَانَ أولى وَيجب أَن يرْعَى الْحَيَوَان المحلوب مِنْهُ النَّبَات الْمُحْتَاج إِلَى فعله. أما المدمل مثل عَصا الرَّاعِي والعوسج وحبّ الْمَسَاكِين وَمَا أشبه ذَلِك. وَأما المنقّي المنفث فَمثل الحاشا ولعبة النَّحْل والحندقوقي بل مثل اليتّوع. وَمن اشْتغل بِشرب اللَّبن فَيجب أَن يُرَاعى سَائِر التَّدْبِير فَإِنَّهُ إِن أَخطَأ فِي شَيْء فَرُبمَا عَاد وبالاً عَلَيْهِ. وَقد وصف بعض من هُوَ محصّل فِي الطِّبّ كَيْفيَّة سقِِي اللَّبن فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ مَعَ إصلاحنا أَنه يجب أَن يخْتَار من الأتن مَا ولد مُنْذُ أَرْبَعَة أشهر أَو خَمْسَة أشهر ويعمد إِلَى العلبة وتغسل بِالْمَاءِ فَإِن كَانَ قد حلب فِيهَا قبل غسل بِمَاء حَار وصبّ فِيهَا مَاء حاراً وَترك حَتَّى يتَحَلَّل شَيْء إِن كَانَ فِيهَا من المَاء ثمَّ يغسل بِمَاء حَار ثمَّ بِمَاء حَار وبارد ثمَّ تُوضَع العلبة فِي مَاء حَار ويجلب فِيهَا نصف سكرجة وَهُوَ قدر مَا يسقى فِي الْيَوْم الأول إِن كَانَت الْمعدة سليمَة وَإِلَّا فَأكْثر من ذَلِك بِقدر مَا يحمد وَيحسن. واسقه فِي الْيَوْم الثَّانِي ضعف ذَلِك الْحَلب فَإِن كَانَت الطبيعة استمسكت فِي الْيَوْم الأول جعل فِيمَا يسقى الْيَوْم الثَّانِي شَيْء من السكر وَافْعل فِي الْيَوْم الثَّالِث مَا فعلته فِي الْيَوْم الأول فَإِن لم تلن فِي الطبيعة فِي الْيَوْم الثَّالِث وخصوصاً إِذا كَانَت لم تلن إِلَى الثَّالِث فاسقه سكرجتين من اللَّبن مَعَ دانقين من الْملح الْهِنْدِيّ وَمن النشاستج وزن نصف دِرْهَم إِلَى دِرْهَم وَنصف وَلَا يزَال يسقى اللَّبن كل يَوْم يزِيد نصف اسكرجة فَإِذا بلغت السَّادِس وَلم تجب الطبيعة أخذت من اللَّبن ثَلَاث سكرجات وخلطت بِهِ سكرا وملحاً ودهن اللوز والنشاستج. فَإِن أجابت فَوق ثَلَاث مجَالِس فَلَا تخلط بعده مَعَ اللَّبن شَيْئا وانقص من اللَّبن. وَبِالْجُمْلَةِ يجب أَن لَا تزيد الطبيعة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة على ثَلَاث وَلَا تنقص من مرَّتَيْنِ فَإِن انْتفع بذلك فاسقه ثَلَاثَة أسابيع. وَقد ذكر بعض المحصّلين أَن الأجود فِي سقِِي لبن الأتن مَا كَانَ من دَابَّة ترعى مَوَاضِع فِيهَا حشائش ملطفة منقية مَعَ قبض وتجفيف مثل الأفسنتين وَغَيره والشيح والقيصوم والجعدة والعليق. وَأما لبن الْمعز فالأصوب فِيهِ أَن يمزج بحليبه شَيْء من المَاء وتحمى الْحِجَارَة وتطرح فِيهِ مرَارًا حَتَّى ينضج وَتذهب مائيته وَهَذَا أَجود هضماً من الْمَطْبُوخ على النَّار ويراعى أَيْضا لبن الطبيعة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون ذرب فَيجب أَن يَجْعَل فِيهِ طراثيث أَو سعال كثير فَيجْعَل فِيهِ كثيراء وزن دِرْهَم. وَإِن كَانَت الْمعدة ضَعِيفَة جعل مَعَه كمون وكراويا وَاللَّبن الْمَطْبُوخ إِذا هضمه المسلول فَهُوَ لَهُ غذَاء كَاف. وَإِذا حم عَلَيْهِ المسلول فَيجب أَن يقطعهُ. وَأما الدوغ فَيحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد شدَّة الحمّى وَعند الإسهال فَهُوَ نَافِع لَهُم جدا وأجوده أَن يتْرك الرائب لَيْلَة بعد أَخذ الزّبد كُله فِي وضع معتدل ثمَّ يمخض من الْغَد مخضاً شَدِيدا حَتَّى يمتزج بعضه بِبَعْض امتزاجاً شَدِيدا ثمَّ يُؤْخَذ أَقْرَاص من دَقِيق الْحِنْطَة السميذ
стр. 1083
الْجيد الْخبز المنقوطة بالمنقط حَتَّى تكون الْمُسَمَّاة يرازده بِالْفَارِسِيَّةِ ويصبّ على وزند عشرَة دَرَاهِم مِنْهَا وزن ثَلَاثِينَ درهما من الدوغ ويلعق. وَفِي الْيَوْم الثَّانِي يُزَاد من الدوغ عشرَة وَينْقص من الْخبز وزن درهَم يفعل ذَلِك دَائِما حَتَّى ينقّي المخيض وَحده ثمَّ يقلب الْقِصَّة إِن استغني عَن الدوغ وَظَهَرت الْعَافِيَة وانحطت الْعلَّة فَلَا يزَال ينقص من الدوغ وَيُزَاد فِي القرص حَتَّى يَنْقَطِع اللَّبن فَإِن كَانَ ببعضهم ذرب لم يكن بإلقاء الْحَدِيد المحمى فِي الدوغ مرَارًا بَأْس. ولنرجع من هَهُنَا إِلَى شَيْء ذكر فِي الأقراباذين. وَأما أغذيتهم فالمغزيات مثل الْخبز السميذ والأطرية والجاورسية والأرز أَيْضا ينقي وينبت اللَّحْم وكشك الشّعير الْجيد الْمَطْبُوخ مغر ومنق وَصَالح عِنْد شدَّة الْحمى وخصوصاً السرطانات المنتوفة الْأَطْرَاف الْكَثِيرَة الْغسْل بِالْمَاءِ والرماد وخصوصاً الْبُقُول الْبَارِدَة والعدس أَيْضا وَمَا يتَّخذ بالنشا وَالْخيَار والبطيخ قد يسهل النفث. وَإِن كَانَت الْحمى خَفِيفَة فَلَا كالكرنب والهليون والمنقّيات. وَأما السّمك المالح فَإِنَّهُ إِذا أكل مرّة أَو مرَّتَيْنِ نفع فِي التنقية وَإِذا كَانَت القرحة خبيثة فاجتنبه وكل مالح فَإِن غذوتهم بِاللَّحْمِ فَلْيَكُن مثل لُحُوم الطياهيج والدجاج والقنابر والعصافير كلهَا غير مسمن. والأجود أَن يطعم شواء ليَكُون أشدّ تجفيفاً وإلحاماً. والأكارع أَيْضا جَيِّدَة للزوجتها والسمك المكبّب. وَإِذا اشتهوا المرق فاخلطها بِعَسَل وَقد يجوز إدخالهم الحمّام قبل الْغذَاء وَبعده إِذا لم يكن بأكبادهم سدد فَإِنَّهُ يسمنهم ويقوّيهم. وَأما ماؤهم الَّذِي يشربونه فَلْيَكُن مَاء الْمَطَر. وَأَصْحَاب السل كثيرا مَا يعرض لَهُم نفث الدَّم على مَا سلف ذكره. وَمن الأقراص الجيدة لذَلِك قرص بِهَذِهِ الصّفة. ونسخته: يُؤْخَذ طين مختوم ثَلَاثَة دَرَاهِم نشا وطين أرمني وَورد أَحْمَر من كل وَاحِد أَرْبَعَة دَرَاهِم كهربا وَحب الآس من كل وَاحِد سِتَّة دَرَاهِم سرطان محرق وبزر الفرفير من كل وَاحِد عشرَة دَرَاهِم بسذ وكثيراء وطباشير وشاذنج من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم صمغ دودي وعصارة السوسن من كل وَاحِد سَبْعَة دَرَاهِم يعجن بِمَاء الحمقاء أَو المَاء الْورْد الطري ويقرّص وَيشْرب بِمَاء القثاء أَو بِمَاء الْمَطَر. وَكَثِيرًا مَا يبتلى المسلول بِسُقُوط اللهاة فَيَقَع فِي نخير وغطيط من قبله وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى قطعهَا. فَاعْلَم ذَلِك. وَمن المجربات الجيدة أَن يطلى نواحي الصَّدْر والجانب الْأَيْمن بالصندلين المحكوك بالماورد مَعَ قَلِيل من الطين
стр. 1084
الْفَنّ الْحَادِي عشر أَحْوَال الْقلب وَهُوَ مقالتان: الْمقَالة الأولى مبادئ أصُول لذَلِك فصل فِي تشريح الْقلب أما الْقلب فَإِنَّهُ مَخْلُوق من لحم قوي ليَكُون أبعد من الْآفَات منتسج فِيهِ أَصْنَاف من الليف قَوِيَّة شَدِيدَة الِاخْتِلَاف الطَّوِيل الجذاب والعريض الدفّاع والمورب الماسك ليكن لَهُ أَصْنَاف من الحركات وَقدر خلقته بِمِقْدَار الْكِفَايَة لِئَلَّا يكون فضل وَعظم مِنْهُ منابت الشرايين ومتعلّق الرِّبَاط وعرضاً ليَكُون فِي المنبت وقاية لنابت وَجعل هَذَا الْجُزْء مِنْهُ على حريَّة ليَكُون بَعيدا عَن الاتكاء على عِظَام الصَّدْر فَلَا يُؤْذِيه مماستها ودقق مِنْهُ الطّرف الآخر كالمجموع إِلَى نقطه ليَكُون مَا يبتلى بماسة الْعِظَام أقل أَجْزَائِهِ وصلب ذَلِك الْجُزْء مِنْهُ فضل صلابة ليَكُون الْمُبْتَلى بِتِلْكَ الملاقاة أحكم ودرج الشكل إِلَى الصنوبرية ليحسن هندام السّفل والفوق وَلَا يكون فِيهِ فضل وأودع فِي غلاف حصيف جدا هُوَ وَإِن كَانَ من جنس الأغشية فَلَا يُوجد غشاء يدانيه فِي الثخن ليَكُون لَهُ جنَّة ووقاية وَيرى جرمه من ذَلِك الغلاف بِقدر إِلَّا عِنْد أَصله وَحَيْثُ ينْبت الشريان ليَكُون لَهُ أَن ينبسط فِيهِ من غير اختناق وَعند أَصله عضوا كالأساس يشبه الغضروف قَلِيلا ليَكُون قَاعِدَة وَثِيقَة لحلقه وَفِيه ثَلَاثَة بطُون بطْنَان كبيران وبطن كالوسط ليَكُون لَهُ مستودع غذَاء يغتذي بِهِ كثيف قوي يشاكل جوهره ومعدن روح يتولّد فِيهِ عَن لحم لطيف ومجرى بَينهمَا وَذَلِكَ المجرى يَتَّسِع فِيهِ عِنْد تعرض الْقلب وينضم عِنْد تطوله. وَقَاعِدَة الْبَطن الْأَيْسَر أرفع وَقَاعِدَة الْبَطن الْأَيْمن أنزل بِكَثِير وَالْعُرُوق الضوارب - وَهِي الشرايين - خلقت إِلَّا وَاحِدَة مِنْهَا ذَات صفاقين وأصلبهما المستبطن إِذْ هُوَ الملاقي لضربان ولحركة جَوْهَر الرّوح القوية الْمَقْصُود صيانته وإحرازه وتقويته. ومنبت الشرايين هُوَ من التجويف الْأَيْسَر من تجويفي الْقلب. لِأَن
стр. 1085
الْأَيْمن أقرب إِلَى الكبد فَوَجَبَ أَن يَجْعَل مَشْغُولًا بجذب الْغذَاء اسْتِعْمَاله. وَلما كَانَ الْبَطن الْأَيْمن من الْقلب يحوي غليظاً ثقيلاً والأيسر يحوي دَقِيقًا حفيفاً عدل الجانبان بترقيق الْبَطن الَّذِي يحوي الغليظ وخصوصاً إِذا أَمن التَّحَلُّل بالرشح التفشّي بل جعل وعَاء الأدق أضيق وَأَعْدل فِي الْوسط وَله زائدتان على فوهتي مدْخل مادتي الدَّم والنسيم إِلَى الْقلب كالأذنين عصبيتان يكونَانِ متعصبتين مسترخيتين مَا دَامَ لقلب منقبضاً فَإِذا انبسط توترتا وأعانتا على حصر مَا يحتوي عَلَيْهِ إِلَى دَاخل فهما كخزانتين يقبلان عَن الأوعية ثمَّ يرسلانه إِلَى الْقلب بِقدر وأدقتا ليَكُون أحوى وَأحسن إِجَابَة إِلَى الإنقباض وصلبتا ليَكُون أبعد عَن الانفعال. وَالْقلب يغتذي مَعَ قواه الطبيعية انبساط فيجذب الدَّم إِلَى دَاخل كَمَا يجذب الْهَوَاء. وَقد وضع الْقلب فِي الْوسط من الصَّدْر لِأَنَّهُ أعدل مَوضِع وأميل يَسِيرا إِلَى الْيَسَار ليبعد عَن الكبد فَيكون للكبد مَكَان وَاسع. وَأما الطحال فنازل عَنهُ وبعيد وَفِي إنزاله مَنْفَعَة سنذكرها وَلِأَن توسيع الْقلب الْمَكَان للكبد أولى من توسيعه للطحال لِأَن الكبد أشرف وَمِمَّا قصد فِي إمالة الْقلب عَن الكبد أَن لَا يجْتَمع الْحَار كُله فِي شقّ وَاحِد وليعدل الْجَانِب الْأَيْسَر إِذْ الطحال بِنَفسِهِ غير حَار جدا وَليقل مزاحمته للعرق الأجوف الجائي إِلَيْهِ مُمكنا لَهُ بعض الْمَكَان وَمَا كَانَ من الْحَيَوَان عَظِيم الْقلب وَكَانَ مَعَ ذَلِك جذعاً خَائفًا كالأرانب والأيايل فالسبب فِيهِ أَن حرارته قَليلَة فينفس فِي شَيْء كثير فَلَا يسخنه بالتمام. وَمَا كَانَ صَغِير الْقلب وَمَعَ ذَلِك جريئاً فَلِأَن الْحَرَارَة فِيهِ كَثِيرَة تحتقن وتشتدّ وَلَكِن أَكثر مَا هُوَ أجرأ عَظِيم الْقلب وَلَا يحْتَمل الْقلب ألماً وَلَا ورماً وَلذَلِك لم يذبح حَيَوَان فَوجدَ فِي قلبه من الْآفَات مَا يُوجد فِي سَائِر الْأَعْضَاء. وَقد وجد فِي قلب بعض الْحَيَوَانَات الْكَبِير الجثة عظم وخصوصاً فِي الثيران وَهَذَا الْعظم مائل إِلَى الغضروفية وأكبره وأعظمه مَعَ زِيَادَة صلابة هُوَ مَا يُوجد فِي قلب الْفِيل وَكَذَلِكَ وجد قلب بعض القرود ذَا رَأْسَيْنِ. وَمن قُوَّة حَيَاة الْقلب أَنه إِذا سل من الْحَيَوَان وجد نبض إِلَى حِين وَقد أَخطَأ من ظن أَن الْقلب عضلة وَهُوَ وَإِن كَانَ أشبه الْأَشْيَاء بهَا لَكِن تحركها غير إرادي. فصل فِي أمراض الْقلب قد يعرض للقلب فِي خاصته أَصْنَاف الْأَمْرَاض كلهَا مثل أَصْنَاف سوء المزاجات وَقد تكون بمادة وَقد تكون ساذجة. والمادة قد تكون فِي عروقه وَقد تكون فِيمَا بَين جرمه وَبَين غلافه وخصوصاً الرُّطُوبَة وَكَثِيرًا مَا يُوجد فِي ذَلِك الْموضع رطوبات. وَمن الْمَعْلُوم أَنَّهَا إِذا كثرت ضغطت الْقلب عَن الانبساط وَقد يعرض لَهُ الأورام والسدد وَقد يعرض لَهُ شَيْء من الْوَضع أَيْضا مثل مَا يعرض لَهُ من احتقان فِي رُطُوبَة مزاحمة تَمنعهُ عَن الانبساط فَيقبل.
стр. 1086
والانحلال الْفَرد الَّذِي يعرض إِمَّا فِيهِ وَإِمَّا فِي غلافه وَإِذا استحكم فِي الْقلب سوء مزاج لم يقبل العلاج وَإِذا كَانَ غير مستحكم لم يكن سهل قبُول العلاج. والورم الْحَار قَاتل جدا فِي الْحَال والبارد مِمَّا يبعد ويندر حُدُوث صلبه ورخوه فِي الْقلب وَأَكْثَره فِي غلاف الْقلب فَإِن اتّفق أَن حدث فَإِنَّهُ لَا يقتل فِي وَحي قتل الورم الْحَار لكنه مَعَ ذَلِك قتال. وَرُبمَا أسهل الصلب الْعَارِض فِي الغلاف من الْخَلْط الغليظ وَغير الصلب الْعَارِض من خلط مائي منقط مُدَّة كالحال فِي ورم كَانَ بغلاف قلب قرد حَكَاهُ جالينوس وَقد عَاشَ ذَلِك القرد مَلِيًّا فَلَمَّا شُرح بعد مَوته عرف مَا كَانَ بِهِ فِي حَيَاته فَكَانَ لَهُ ينحف ويضعف. وَإِذا كَانَ الْقلب نَفسه لَا يحْتَمل أَن يرم فَكيف يحْتَمل أَن يجمع ويقيح وَإِذا عرضت هُنَاكَ قُرُوح مُحْتَملَة تنوبه فَإِنَّهَا تقتل بعد رُعَاف أسود على مَا قيل. وَقد يعرض فِي عروق القلي سدد ضارة بِأَفْعَال الْقلب وَأما انحلال القرد فالقلب أبعد احْتِمَالا مِنْهُ للورم وَإِذا عرض لجرمه وَنفذ إِلَى الْبَطن قتل فِي الْحَال. وَإِن لم يكن نَافِذا فَرُبمَا تَأَخّر قَتله إِلَى الْيَوْم الثَّانِي. وَقد يعرض للقلب أمراض بمشاركة غلافه الدِّمَاغ وَالْجنب والرئة والكبد والمعي وَسَائِر الأحشاء وخصوصاً الْمعدة. وَقد يكون بمشاركة أَعْضَاء أُخْرَى وَالْبدن عَامَّة كَمَا فِي الحميات حِين تخفق بنوائبها وبحارينها. ومشاركته الْأَعْضَاء الْأُخْرَى قد تكون بِسَبَب مَا يقطع مِنْهَا كمشاركته الكبد إِذا ضعفت عَن تَوْجِيه الْغذَاء إِلَيْهِ والدماغ إِذا ضعف فضعفت العضل المنفسة عَن التنفس وَقد يكون بِسَبَب مَا يتأدّى مِنْهَا إِلَيْهِ. أما الدِّمَاغ فَمثل مَا إِذا كثر فِيهِ الْخَلْط السوداوي فَينفذ فِي جَوْهَر الدِّمَاغ فنفذ فِي طَرِيق الشرايين إِلَى الْقلب فيهيج خفقاناً وَسُقُوط قُوَّة وغمّاً مَعَ الهائج. من سوء فكر وهمّ وَمثل مَا يتَأَدَّى مِنْهُ إِلَيْهِ من الْخَلْط الرطب بِهَذِهِ السَّبِيل فَيحدث بلادة وكسلاً وَسُقُوط نشاط. وَأما الكبد فِيمَا يُرْسل من لحم رَدِيء حَار أَو بَارِد أَو غليظ وَقد يكون بمشاركة فِي الْأَذَى على سَبِيل الْمُجَاورَة وَمثل تأذيه بورم حَار أَو بَارِد يكون فِي الغلاف الْمُحِيط بِهِ خُصُوصا ولسائر الأحشاء عُمُوما وتأذية لتأذي فَم الْمعدة والمعدة عَن خلط لزج أَو لذاع أَو ديدان وَحب القرع أَو قيء لذاع فَيحدث بِهِ مِنْهُ خفقان. وَقد يكون بِسَبَب المشاركهّ فِي الوجع إِذا اشْتَدَّ وانْتهى إِلَيْهِ وَكَثِيرًا مَا يقتل وَقد يكون بِسَبَب انْتِقَال الْمَادَّة من مثل خفقان أَو ذَات جنب أَو ذَات الرئة فتميل الْمَادَّة إِلَى الْقلب فتخنق وَتقتل والمشاركات الَّتِي تقع بَين الْقلب وغلافه فَلَيْسَتْ تبلغ الإهلاك وَرُبمَا لم يكن حاراً فَإِنَّهُ قَاتل وَقد يحدث فِي نفس فَم الْمعدة اخْتِلَاج فيضرّ بِالْقَلْبِ.
стр. 1087
فصل فِي وُجُوه الِاسْتِدْلَال على أَحْوَال الْقلب وَهِي ثَمَانِيَة أوجه: النبض وَالنَّفس وخلقة الصَّدْر وملمس الْبدن وَمَا يعرض فِيهِ وَالِاخْتِلَاف وَقُوَّة الْبدن وَضَعفه والأوهام. أما النبض فسرعته وعظمه وتواتره تدلّ على حرارته وأضدادها يدل على برودته وَلينه على رطوبته وصلابته على يبسه وقوته وأستواؤه وانتظام اختلافه يدل على صِحَّته وأضدادها على خلاف صِحَّته وَالنَّفس الْعَظِيم والسريع والمتواتر والحار يدل على حرارته وأضدادها على برودته والصدر الْوَاسِع العريض إِن لم يكن بِسَبَب كبر الدِّمَاغ الَّذِي يدل عَلَيْهَا كبر الرَّأْس الْمُوجب لِكَثْرَة الدِّمَاغ الْمُوجب لعظم النخاع الْمُوجب لعظم الفقرات الْمُوجب لعظم الأضلاع النابتة مِنْهَا بل كَانَ هُنَاكَ صغر رَأس أَو توسطه وَقُوَّة نبض دلّ على حرارته وضد ذَلِك إِن لم يُوجِبهُ صغر الرَّأْس دلّ على برودته. وَالشعر الْكثير على الصَّدْر خُصُوصا الْجَعْد مِنْهُ يدل على حرارته وجرد الصَّدْر وَقلة شعره يدل على برودته لعدم الْفَاعِل الدخاني أَو يبوسة لعدم الْمَادَّة للدخان وَإِن لم يكن لعَارض رُطُوبَة مزاج الْبدن جدا أَو عَادَة الْهَوَاء والبلد وَالسّن وحرارة الْبدن كُله يدل على حرارته إِن لم يقاومه الطحال والكبد الْبَارِدَة بتبريدهما وبرودته إِن لم يُقَاوم الكبد مقاومة مَا ولين الْبدن يدل على رطوبته إِن لم يُقَاوم الكبد بِأَدْنَى مقاومة وصلابته على يبسه إِن لم يُقَاوم الكبد. والحميات العفنة مَعَ صِحَة الكبد تدل على حرارته ورطوبته وَأما من طَرِيق الِاخْتِلَاف وَالْغَضَب الطبيعي الَّذِي لَيْسَ عَن اعتياده والجرأة والإقدام وخفة الحركات تدلّ على حرارته وأضدادها أَن لم تكن مستفادة من الأوهام والعادات تدل على برودته. وَأما قُوَّة الْبدن فتدل على قوته. وَضَعفه إِن لم يكن بِآفَة من الدِّمَاغ والأعصاب فتدلّ على ضعفه. وَضَعفه يدل على سوء مزاج بِهِ وقوته تدل على اعْتِدَال مزاجه الطبيعي وَهُوَ كَون الْحَار الغرزيزي وَالروح الحيواني كثيرين فِيهِ غير ملتهبين مدخنيني بل نورانيين صافيين. وَأما الْعرض من الْحَرَارَة فَيدل عَلَيْهِ شدَّة الالتهاب وضجر النَّفس وَرُبمَا أدّى إِلَى آفَة فِي النَّفس. وَأما الأوهام فالمائلة إِلَى الْقرح والأمل وَحسن الرَّجَاء يدل على قوته وعَلى اعتداله الَّذِي يحس بِهِ فِي حرارته. ورطوبته والمائلة إِلَى طلب لَا الإيحاش والإيذاء وَيدل على حرارته والمائلة نَحْو الْخَوْف وَالْغَم يدل على برده ويبسه. وَالْأَحْوَال الَّتِي تحس فِي الْقلب نَفسه مثل التهاب يعرض فِيهِ وَمثل خفقان يحس مِنْهُ فَإِنَّهَا بَعْضهَا يدل بِانْفِرَادِهِ على مزاجه مثل الالتهاب وَبَعضهَا لَا يدل إِلَّا بِقَرِينَة مثل الخفقان إِن الخفقان يتبع جَمِيع أنحاء ضعف الْقلب وَسُوء مزاجه فَلَا يدل على أَمر خَاص فِيهِ. وَرُبمَا كثر الخفقان لسَبَب قُوَّة حس الْقلب فَيعرض الخفقان من أدنى وهم أَو بخار أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا يصل إِلَيْهِ وَقد تكون أمراض
стр. 1088
الْقلب بمشاركة غَيره وخصوصاً الرَّأْس وفم الْمعدة. وَلَا تَخْلُو أمراض الدِّمَاغ المالنخولية والصرعة عَن مُشَاركَة الدِّمَاغ للقلب وَقد ينْتَقل إِلَى الْقلب من مواد مندفعة من مثل ذَات الْجنب وَذَات الرئة فَيكون سَببا لعطب عَظِيم ولهلاك. وَإِذا عرض للأخلاط نُقْصَان عَن الْقدر الْوَاجِب كَانَ أول ضَرَر ذَلِك بِالْقَلْبِ فيتغير مزاجه. وَإِذا خلص الْحر الصّرْف أَو الْبرد الصّرْف إِلَى الْقلب مَاتَ صَاحبه وَرُبمَا رَأَيْت المصرود يتَكَلَّم وَقد عَلَامَات أمزجة الْقلب الطبيعية: فَاعْلَم أَن المزاج الْحَار الطبيعي يدلّ عَلَيْهِ سَعَة الصَّدْر فِي الْخلقَة إِلَّا أَن يكون بمعارضة الدِّمَاغ وَعظم النبض الطبيعية وميله إِلَى التَّوَاتُر والسرعة وَعظم النَّفس الطبيعي وميله إِلَى التَّوَاتُر والسرعة ووفور الشّعْر على الصَّدْر وخصوصاً إِلَى الْيَسَار قَلِيلا إِن لم يُعَارض ترطيب عُضْو أخر مُعَارضَة شَدِيدَة جدا. والبلد والهواء وَشدَّة الْغَضَب والإقدام وَحسن الظنّ وفسخه الأمل. وَقد يدل عَلَيْهِ عظم الصَّدْر إِذا لم يكن بِسَبَب الدِّمَاغ على مَا قيل.
стр. 1089
وَأما المزاج الْبَارِد الطبيعي فيدلّ عَلَيْهِ ضيق الصَّدْر إِلَّا للشّرط الْمَذْكُور وَصغر النبض الطبيعي وميله إِلَى التَّفَاوُت أَو لبطء إِلَّا أَن يكون هُنَاكَ بِسَبَب يَقْتَضِي السرعة وَصغر النبض الطبيعي وميله إِلَى البطء والتفاوت وَضعف وكسل وحلم لَا بالتخلق والرياضة وأخلاق تشبه أَخْلَاق النِّسَاء ودهش وحيرة وبلادة وانفعال عَن المحفرات وَبرد الْبدن. وَأما المزاج الرطب فَيدل عَلَيْهِ لين النبض وَسُرْعَة الانفعال عَن الواردات المقبضة والمفرّحة وَسُرْعَة الِانْصِرَاف عَنْهَا ورطوبة الْجلد وَإِن لم يُقَاوم الكبد. وَأما المزاج الْيَابِس فَيدل عَلَيْهِ صلابة النبض وبطء الانفعال وبطء السّكُون وسبعية الْأَخْلَاق ويبس الْبدن إِن لم يُقَاوم الكبد. وَأما المزاج الْحَار الْيَابِس فَيدل عَلَيْهِ النبض الْعَظِيم بِمِقْدَار وَذَلِكَ لِأَن عظمه يكون للْحَاجة. ونقصانه ليبس الْآلَة والسريع وخصوصاً إِلَى الانقباض والتواتر وَالنَّفس الْعَظِيم السَّرِيع وخصوصاً فِي إِخْرَاجه للهواء الْمُتَوَاتر وشراسة الْخلق والوقاحة وخفة فِي الحركات والجلادة وَسُرْعَة الغَضَب للحرارة وبطء الرِّضَا ليبس وَكَثْرَة شعر الصَّدْر وكثافته ليبس مادته وجعودته وحرارة الملمس ويبسه. وَأما المزاج الْحَار الرطب فَيكون الشّعْر فِيهِ أقل والصدر أعرض والنبض أعظم إِلَّا أَنه أَلين وسرعته وتواتره دون مَا يكون فِي المزاج الْيَابِس إِذا ساواه فِي الْحَرَارَة وَيكون الْغَضَب فِيهِ سَرِيعا غير شَدِيد وملمس الْبدن حاراً رطبا إِن لم يُقَاوم الكبد مقاومة فِي الْبرد شَدِيدَة وَفِي الرُّطُوبَة وَإِن كَانَت دون الشَّدِيدَة وَيكثر فِيهِ أمراض العفونة. وَأما المزاج الْبَارِد الرطب فَيدل عَلَيْهِ النبض إِذا لم يكن عَظِيما بل إِلَى الصغر وَكَانَ لينًا لَيْسَ بسريع وَلَا متواتر بل مائلاً إِلَى ضديهما بِحَسب مبلغ المزاج وَيكون صَاحبه كسلاناً وجباناً عَاجِزا ميت النشاط أجرد غير حقود وَلَا غضوب وَيكون الْبدن بَارِدًا رطبا إِن لم يقاومه الكبد بتسخين كثير وتيبيس وَإِن لم يكن بِكَثِير. وَأما المزاج الْبَارِد الْيَابِس فَيكون نبض صَاحبه لَيْسَ بذلك البطء كُله وَيكون صَاحبه بطيء فصل فِي عَلَامَات أمراض الْقلب من ذَلِك دَلَائِل الأمزجة الْغَيْر الطبيعية وَقد يدلّ على سوء مزاج الْقلب ضعف وانحلال قُوَّة وذوبان غير مَنْسُوب إِلَى سَبَب بادٍ أَو سباق أَو مُشَاركَة عُضْو فَإِن أعَان الخفقان فِي هَذِه الدّلَالَة فقد تمّ الدَّلِيل وَإِن أدّى إِلَى الغشي فقد استحكم الْأَمر. وَإِذا قوي على الْقلب سوء مزاج بَارِد أَو حَار أَو يَابِس بِلَا مَادَّة أَخذ الْبدن فِي طَرِيق السل والذوبان فَيكون الْحَار مِنْهُ دقاً مطبقاً والبارد نوعا من الدقّ ينْسب إِلَى الْمَشَايِخ والهرمى واليابس نوعا من الدق والسل يُخَالف كل ذَلِك السلّ الْكَائِن عَن الرئة فَإِن الرئة فِي هَذَا لَا تكون مؤفة نَفسهَا وَلَا يكون بِصَاحِبِهِ سعال وَيُخَالف الدق الْحَار لعدم الْحَرَارَة. وَأما عَلامَة سوء المزاج الْحَار فَزِيَادَة النبض فِي السرعة والتواتر عَن الطبيعي وَخُرُوج النَّفس إِلَى السرعة والتواتر عَن الطبيعي وشدّة الْعَطش الَّذِي يسكن بالهواء الْبَارِد والاستراحة إِلَى الْبرد وَعُمُوم النحول والذوبان من غير سَبَب آخر والغمّ وَالْكرب المخالطين للالتهاب وَأما عَلامَة سوء المزاج الْبَارِد فميل النبض إِلَى الصغر والبطء والتفاوت عَن الطبيعي إِلَّا أَن تسْقط الْقُوَّة فيضطر إِلَى التَّوَاتُر فيتدارك مَا تفوت الْحَاجة بِغَيْرِهِمَا وَيكون مَعَ ضعف النَّفس وانحلال الْقُوَّة والاستراحة إِلَى مَا يسخّن من أَنْوَاع مَا يلمس ويشمّ ويذاق والتفرع والجبن والإفراط فِي الرقة وَالرَّحْمَة. وَأما عَلامَة سوء المزاج الرطب فميل النبض إِلَى اللين عَن الطبيعي وَسُرْعَة الانفعال عَن التواترات فِي النَّفس مَعَ سرعَة زَوَالهَا وَكَثْرَة حُدُوث الحمّيات العفنة. وَأما عَلامَة سوء المزاج الْيَابِس فميل النبض إِلَى اليبس عَن الطبيعي وعسر الانفعالات مَعَ ثباتها كَانَت قَوِيَّة أَو ضَعِيفَة وذوبان الْبدن. فصل فِي دَلَائِل الأورام فَمِنْهَا دَلَائِل الأورام الحارة فَإِنَّهَا فِي ابتدائها تظهر فِي النبض اخْتِلَافا عجيباً غير مَعْهُود ويعظم اللهيب فِي الْبدن وخصوصاً فِي نواحي أَعْضَاء التنفس وَيكون المتنفّس وَإِن استنشق أعظم هَوَاء وأبرده كالعادم للنَّفس ثمَّ يتبعهُ غشي متدارك وَلَا
стр. 1090
يجب أَن يتوقّع فِي تعرّف حَال أورام الْقلب الحارة مَا يكون من دلَالَة صلابة النبض على مَا جرت الْعَادة بتوفعه فِي غَيره مِمَّا هُوَ مثله فَإِن الورم لَا يبلغ بِالْقَلْبِ إِلَى أَن يصلب لَهُ النبض بل يقتل قبل ذَلِك. وَأما انحلال الْفَرد فَيُوقف عَلَيْهِ من الْأَسْبَاب الْبَادِيَة وَقد قَالَ بَعضهم أَنه إِذا عرضت فِي الْقلب قرحَة سَالَ من المنخر الْأَيْسَر دم وَمَات صَاحبه وعلامته وجع فِي الثندوة الْيُسْرَى. فصل فِي الْأَسْبَاب المؤثّرة فِي الْقلب الْأَسْبَاب المؤثرة فِي الْقلب مِنْهَا مَا هِيَ خَاصَّة بِهِ وَمِنْهَا مَا هِيَ مُشْتَركَة لَهُ وَلغيره كالأسباب الفاعلة للأمزجة والأسباب الفاعلة للأورام والفاعلة لانحلال الْفَرد وَسَائِر مَا أشبه ذَلِك مِمَّا قد عددنا ذَلِك من الْكتب الْكُلية لَكِن الْقلب يخصّه أَسبَاب تعرض من قبل النَّفس وَأَسْبَاب تعرض من قبل الانفعالات النفسانية. أما النَّفس فَإِذا ضَاقَ أَو سخن جدا أَو برد جدا لزم مِنْهُ أَن تنَال الْقلب آفَة. وَأما الانفعالات النفسانية فَيجب أَن يرجع فِيهِ إِلَى كلامنا فِي الكلّيات وَقد بَينا تأثيرها فِي الْقلب بتوسط الرّوح وكل مَا أفرط مِنْهَا فِي تَأْثِير خانق للحار الغريزي إِلَى بَاطِن أَو ناشر إِيَّاه إِلَى خَارج فقد يبلغ أَن يحدث غشياً بل يبلغ أَن يهْلك. وَالْغَضَب من جُمْلَتهَا أقلّ الْجَمِيع فَإِن الْغَضَب قلّما يهْلك. وَأما السهر والرياضة وأمثال ذَلِك فتضعف الْقلب بالتحليل. فصل فِي القوانين الْكُلية فِي علاج الْقلب إِن لنا فِي الْأَدْوِيَة القلبية مقَالَة مُفْردَة إِذا جمع الْإِنْسَان بَين مَعْرفَته بالطبّ ومعرفته بالأصول الَّتِي هِيَ أعمّ من الطِّبّ انْتفع بهَا. وَأما هَهُنَا فَإنَّا نشِير إِلَى مَا يجب أَن يُقَال فِي الْكتب الطبية الساذجة أَنه لما كَانَ الْقلب عضوا رَئِيسا أجل كل رَئِيس وأشرفه وَجب أَن يكون الْإِقْدَام على معالجته بالأدوية إقداماً معموداً بالحزم الْبَالِغ سَوَاء أردنَا أَن نستفرغ مِنْهُ خلطاً أَو نبدل لَهُ مزاجاً. أما الاستفراغ الَّذِي يجْرِي مجْرى الفصد فَإنَّا نقدم عَلَيْهِ إقداماً لَا يحوجنا إِلَى خلطه بتدابير أُخْرَى منقية بل أَكثر مَا يلْزمنَا فِيهِ أَن لَا نفرط فَتسقط الْقُوَّة وَأَن تنعش الْقُوَّة إِن خارت قَلِيلا بالأشياء الناعشة للقوة إِذا ضعفت لمزاج بَارِد أَو حَار وَهَذَا أَمر لَيْسَ إِنَّمَا يخْتَص بِهِ إِخْرَاج الدَّم فَقَط بل جَمِيع الاستفراغات وَإِن كَانَ إِخْرَاج الدَّم أشدّ استيجاباً لهَذَا الِاحْتِيَاط. وَالسَّبَب الَّذِي يسْتَغْنى مَعَه عَن محاولة أَصْنَاف من التَّدْبِير غير ذَلِك أَن إِخْرَاج الدَّم لَيْسَ بدواء يرد على الْقلب وعَلى أَن الْأَكْثَر امتلاءات الْقلب إِنَّمَا هُوَ من الدَّم والبخار فَيدْفَع ضررهما جَمِيعًا الفصد. وَأما الامتلاء الدموي فَمن الباسليق الْأَيْمن وَأما الامتلاء البُخَارِيّ فَمن الباسليق الْأَيْسَر وَأما سَائِر الاستفراغات الَّتِي تكون بالأدوية فَيجب أَن يخالط بِالتَّدْبِيرِ الْمَذْكُور وتدابير أُخْرَى وَذَلِكَ لِأَن أَكثر الْأَدْوِيَة المستفرغة مضادة للبدن فَيجب أَن يصحبها أدوية قلبية وَهِي الْأَدْوِيَة الَّتِي تفعل فِي
следующие страницы →