← Медицина

Медицина · id 10706

القانون في الطب

ابن سينا

Полный текст (2 115 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَالْحكمَة فِي تبعيد هَذِه الشّعب الراجعة هِيَ أَن تقَارب مثل هَذَا الْمُتَعَلّق وَأَن تستفيد بالتباعد عَن المبدأ قُوَّة وصلابة وَأقوى العصب الرَّاجِع هُوَ الَّذِي يتفرق فِي الطبقتين من عضل الحنجرة مَعَ شعب عصب مُعينَة ثمَّ سَائِر هَذَا العصب ينحدر فيتشعب مِنْهُ شعب تفرق فِي أغشية الْحجاب والصدر وعضلاتها وَفِي الْقلب والرئة والأوردة والشرايين الَّتِي هُنَاكَ وَبَاقِيه ينفذ فِي الْحجاب فيشارك المنحدر من الْجُزْء الثَّالِث ويتفرقان فِي أغشية الاحشاء وتنتهي إِلَى الْعظم العريض. وَأما الزَّوْج السَّابِع فمنشؤه من الحدّ الْمُشْتَرك بَين الدِّمَاغ والنخاع وَيذْهب أَكْثَره مُتَفَرقًا فِي العضل المحركة للسان والعضل الْمُشْتَركَة بَين الدرقي والعظم اللامي وسائره قد يتَّفق أَن يتفرق فِي عضل أُخْرَى مجاورة لهَذِهِ العضل وَلَكِن لَيْسَ ذَلِك بدائم وَلما كَانَت الأعصاب الْأُخْرَى منصرفة إِلَى وَاجِبَات أُخْرَى وَلم يكن يحسن أَن تكْثر الثقب فِيمَا يتَقَدَّم وَلَا من تَحت كَانَ الأولى أَن تَأتي حَرَكَة اللِّسَان عصب من هَذَا الْموضع إِذْ قد أَتَى حسّه من مَوضِع آخر. الْفَصْل الثَّالِث تشريح عصب نخاع الْعُنُق ومسالكه العصب النَّابِت من النخاع السالك من فقار الرَّقَبَة ثَمَانِيَة أَزوَاج: زوج مخرجه من ثقبتي الْفَقْرَة الأولى ويتفرق فِي عضل الرَّأْس وَحدهَا وَهُوَ صَغِير دَقِيق إِذْ كَانَ الْأَحْوَط فِي مخرجه أَن يكون ضيقا على مَا قُلْنَا فِي بَاب الْعِظَام. وَالزَّوْج الثَّانِي: مخرجه مَا بَين الثقبة الأولى وَالثَّانيَِة أَعنِي الثقبة الْمَذْكُورَة فِي بَاب الْعِظَام ويوصل أَكْثَره إِلَى الرَّأْس حسّ اللَّمْس بِأَن يصعد مورباَ إِلَى أَعلَى الفقار وينعطف إِلَى قُدَّام وينبت على الطَّبَقَة الْخَارِجَة من الأذنيين فيتدارك تَقْصِير الزَّوْج الأوّل لصغره. وقصوره عَن الانبثاث والانبساط فِي النواحي الَّتِي تليه بالتمام وَبَاقِي هَذَا الزَّوْج يَأْتِي العضل الَّتِي خلف الْعُنُق والعضلة العريضة فيؤتيها الْحَرَكَة. وَالزَّوْج الثَّالِث: منشؤه ومخرجه من الثقبة الَّتِي بَين الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَيتَفَرَّع كل وَاحِد فرعين فرع يتفرق فِي عمق العضل الَّتِي هُنَاكَ مِنْهُ شعب وخصوصاً المقلبة للرأس مَعَ الْعُنُق ثمَّ يصعد إِلَى شوك الفقار فَإِذا حاذاها تشبث بأصولها ثمَّ ارْتَفع إِلَى رؤوسها وخالطه أربطة غشائية تنْبت من تِلْكَ السناسن ثمَّ ينفذان منعطفين إِلَى جِهَة الْأُذُنَيْنِ وَفِي غير الْإِنْسَان يَنْتَهِي إِلَى الْأُذُنَيْنِ فيحرّك عضل الْأُذُنَيْنِ وَالْفرع الثَّانِي يَأْخُذ إِلَى قُدَّام حَتَّى يَأْتِي العضلة العريضة وأوّل مَا يصعد يلتف بِهِ عروق وعضل تكتنفه ليَكُون أقوى فِي نَفسه وَقد يخالط أَيْضا عضل الصدغين وعضل الْأُذُنَيْنِ فِي الْبَهَائِم وَأكْثر تفرقه إِنَّمَا هُوَ فِي عضل الْخَدين. وَأما الزَّوْج الرَّابِع: فمخرجه من الثقبة الَّتِي بَين الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة وينقسم كَالَّذي قبله إِلَى جُزْء مقدم وجزء مُؤخر. والجزء المقدّم مِنْهُ صَغِير وَلذَلِك يخالط الْخَامِس وَقيل أَنه قد ينفذ مِنْهُ شُعْبَة كنسج العنكبوت ممتدّة على الْعرق السباتي إِلَى أَن يَأْتِي الْحجاب الحاجز ماراً على شقي الْحجاب الْمنصف للصدر. والجزء الْأَكْبَر مَه يَنْعَطِف إِلَى خلف

стр. 72

فيغور فِي عمق العضل حَتَّى يخلص إِلَى السناسن وَيُرْسل شعْبَان إِلَى العضل الْمُشْتَرك بَين الرَّأْس والرقبة يَأْخُذ طَرِيقه منعطفاً إِلَى قُدَّام فيتصل بعضل الخد والأذنين فِي الْبَهَائِم وَقد قيل إِنَّه ينحدر مِنْهُ إِلَى الصلب. وَأما الزَّوْج الْخَامِس: فمخرجه من الثقبة الَّتِي بَين الرَّابِع وَالْخَامِس ويتفرعّ أَيْضا فرعين: وَأحد الفرعين وَهُوَ الْمُقدم هُوَ أصغرهما يَأْتِي عضل الْخَدين وعضل تنكيس الرَّأْس وَسَائِر العضل الْمُشْتَركَة للرأس والرقبة. وَالْفرع الثَّانِي يَنْقَسِم إِلَى شعبتين: شُعْبَة هِيَ المتوسّطة بَين الْفَرْع الأول وَبَين الشعبة الثَّانِيَة يَأْتِي أعالي الْكَتف ويخالطه شَيْء من السَّادِس وَالسَّابِع والشعبة الثَّانِيَة تخالط شعبًا من الْخَامِس وَالسَّادِس وَالسَّابِع وتنفذ إِلَى وسط الْحجاب. وَأما الزَّوْج السَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن: فَإِنَّهَا تخرج من سَائِر الثقب على الْوَلَاء وَالثَّامِن مخرجه فِي الثقبة الْمُشْتَركَة بَين آخر فقار الرَّقَبَة وأوّل فقار الصلب وتختلط شعبها اختلاطاً شَدِيدا لَكِن أَكثر السَّادِس يَأْتِي السَّطْح من الْكَتف وَبَعض مِنْهُ أَكثر الْبَعْض الَّذِي من الرَّابِع وَأَقل من الْبَعْض الَّذِي للخامس يَأْتِي الْحجاب وَالسَّابِع أَكْثَره يَأْتِي الْعَضُد وَإِن كَانَ من شعبه مَا تَأتي عضل الرَّأْس والعنق والصلب مصاحبة لشعبة الْخَامِس وَتَأْتِي الْحجاب وَأما الثَّامِن فَبعد الإختلاط والمصاحبة يَأْتِي جلد الساعد والذراع وَلَيْسَ مِنْهُ مَا يَأْتِي الْحجاب لَكِن الصائر من السَّادِس إِلَى نَاحيَة الْيَد لَا يُجَاوز الْكَتف وَمن السَّابِع لَا يُجَاوز الْعَضُد وَأما الَّذِي يَجِيء للساعد من الْكَتف فَهُوَ من الثَّامِن مخلوطاً بِأول النوابت من فقار الصَّدْر وَإِنَّمَا قسم للحجاب من هَذِه الأعصاب دون أعصاب النخاع الَّتِي تَحت هَذِه ليَكُون الْوَارِد عَلَيْهِ منحدراً من مشرف فَيحسن انقسامه فِيهِ وخصوصاً إِن كَانَ أول مقْصده هُوَ الغشاء الْمنصف للصدر وَلم يُمكن أَن يَأْتِيهِ عصب النخاع على استقامة من غير انكسار بزاوية وَلَو كَانَ جَمِيع العصب المنحدر إِلَى الْحجاب نازلاً من الدِّمَاغ لَكَانَ يطول مسلكه وَإِنَّمَا جعل متّصل هَذِه الأعصاب من الْحجاب وَسطه لِأَنَّهُ لم يكن يحسن انبثاثها وانتشارها فِيهِ على عدل وسوية لوا اتَّصَلت بِطرف دون الْوسط أَو كَانَت تتّصل بِجَمِيعِ الْمُحِيط وَكَانَ ذَلِك ناكساً لمجرى الْوَاجِب إِذْ كَانَت العضل إِنَّمَا تفعل التحريك بأطرافها ثمَّ الْمُحِيط هُوَ المتحرّك من الْحجاب فَوَجَبَ أَن يكون انْتِهَاء العصب إِلَيْهِ لَا ابتداؤه. وَلما وَجب أَن تَأتي الْوسط وَجب تعلقهَا ضَرُورَة فَوَجَبَ أَن تحمى وتغشى وقاية فغشيت وقاية حامية بِصُحْبَة من الغشاء الْمنصف للصدر وَترك مُتكئا عَلَيْهِ. وَلما كَانَ فعل هَذَا الْفَصْل الرَّابِع تشريح عصب فقار الصَّدْر الأوّل من أَزوَاجه مخرجه بَين الأولى وَالثَّانيَِة من فقار الصَّدْر وينقسم إِلَى جزأين أعظمهما يتفرق فِي عضل الأضلاع

стр. 73

وعضل الصلب وَثَانِيهمَا يَأْتِي ممتدًا على الأضلاع الأول فيرافق ثامن عصب الْعُنُق ويمتدان مَعًا إِلَى الْيَدَيْنِ حَتَّى يوافيا الساعد والكف. وَالزَّوْج الثَّانِي يخرج من الثقبة الَّتِي تلِي الثقبة الْمَذْكُورَة فَيتَوَجَّه جُزْء مِنْهُ إِلَى ظَاهر الْعَضُد ويفيده الْحس وَبَاقِيه مَعَ سَائِر الْأزْوَاج الْبَاقِيَة يجْتَمع فينحو نَحْو عضل الْكَتف الْمَوْضُوعَة عَلَيْهِ المحرّكة لمفصله وعضل الصلب فَمَا كَانَ من هَذَا العصب نابتاً من فقار الصَّدْر فالشعب الَّتِي لَا تَأتي الْكَتف مِنْهُ تَأتي عضل الصلب والعضل الَّتِي فِيمَا بَين الأضلاع الخلص والموضوعة خَارج الصَّدْر وَمَا كَانَ منبته من فقار أضلاع الزُّور فَإِنَّمَا يَأْتِي العضل الَّتِي فِيمَا بَين الأضلاع وعضل الْبَطن وَيجْرِي مَعَ شعب هَذِه الأعصاب عروق ضارِبة وساكنة وَتدْخل فِي مخارجها إِلَى النخاع. الْفَصْل الْخَامِس تشريح عصب الْقطن عصب الْقطن تشترك فِي أَنَّهَا جُزْء مِنْهَا يَأْتِي عضل الصلب وجزء عضل الْبَطن والعضل المستبطنة للصلب لَكِن الثَّلَاثَة الْعلَا تخالط العصب النَّازِلَة من الدِّمَاغ دون بَاقِيهَا والزوجان السافلان يرسلان شعبًا كبارًا إِلَى نَاحيَة السَّاقَيْن ويخالطهما شُعْبَة من الزَّوْج الثَّالِث وَشعْبَة من أول أعصاب الْعَجز إِلَّا أَن هَاتين الشعبتين لَا تجاوزان مفصل الورك بل يتفرقان فِي عضله وَتلك تجاوزها إِلَى السَّاقَيْن وتفارق عصب الفخذين وَالرّجلَيْنِ عصب الْيَدَيْنِ فِي أَنَّهَا لَا تَجْتَمِع كلهَا فتميل غائرة إِلَى الْبَاطِن إِذْ لَيست هَيْئَة اتِّصَال الْعَضُد بالكتف كَهَيئَةِ اتِّصَال الْفَخْذ بالورك وَلَا اتِّصَاله بمنبت أعصابه كاتصال ذَلِك بمنبت أعصابه فَهَذِهِ العصب تتَوَجَّه إِلَى نَاحيَة السَّاق توجهاً مختامًا مِنْهُ مَا يستبطن وَمِنْه مَا يستظهر وَمِنْه مَا يغوص مستتراً تَحت العضل. وَلما لم يكن للعضل الَّتِي تنْبت من نَاحيَة عظم الْعَانَة. طَرِيق إِلَى الرجلَيْن من خلف الْبدن وَمن بَاطِن الفخذين لِكَثْرَة مَا هُنَاكَ من العضل وَالْعُرُوق أجري جُزْء من العصب الْخَاص بالعضل الَّتِي فِي الرجلَيْن فأنفذ فِي المجرى المنحدر إِلَى الخصيتين حَتَّى يتوجّه إِلَى عضل الْعَانَة ثمَّ ينحدر إِلَى عضل الرّكْبَة. الْفَصْل السَّادِس تشريح عصب الْعَجز الزَّوْج الأول من العجزي: يخالط القطَنية على مَا قيل وَبَاقِي الْأزْوَاج والفرد النَّابِت من طرف العصعص يتفرّق فِي عضل المقعدة والقضيب نَفسه وعضلة المثانة وَالرحم وَفِي غشاء الْبَطن وَفِي الْأَجْزَاء الانسية الدَّاخِلَة من عظم الْعَانَة والعضل المنبعثة من عظم الْعَجز. الْجُمْلَة الرَّابِعَة الشرايين وَهِي خَمْسَة فُصُول الْفَصْل الأول صفة الشرايين الْعُرُوق الضوارب وَهِي الشرايين خلقت إِلَّا وَاحِدَة مِنْهَا ذَات صفاقين وأصلبهما

стр. 74

المستبطن إِذْ هُوَ الملاقي للضربان. وحركة جَوْهَر الرّوح القوية الْمَقْصُود صِيَانة جوهره وإحرازه وتقوية وعائه ومنبت الشرايين هُوَ من التجويف الْأَيْسَر من تجويفي الْقلب لِأَن الْأَيْمن مِنْهُ أقرب من الكبد فَوَجَبَ أَن يَجْعَل مَشْغُولًا بجذب الْغذَاء واستعماله. الْفَصْل الثَّانِي وأوّل مَا ينْبت من التجويف الْأَيْسَر شريانان أَحدهمَا يَأْتِي الرئة وينقسم فِيهَا لاستنشاق النسيم وإيصال الدَّم الَّذِي يغذو الرئة إِلَى الرئة من الْقلب فَإِن ممر غذَاء الرئة هُوَ الْقلب وَمن الْقلب يصل إِلَى الرئة ومنبت هَذَا الْقسم هُوَ من أرق أَجزَاء الْقلب وَحَيْثُ تنفذ فِيهِ الأوردة إِلَيْهِ وَهُوَ ذُو طبقَة وَاحِدَة بِخِلَاف سَائِر الشرايين وَلِهَذَا يُسمى الشريان الوريدي وَإِنَّمَا خلق من طبقَة وَاحِدَة ليَكُون أَلين وأسلس وأطوع للانبساط والانقباض وليكون أطوع لترشح مَا يترشح مِنْهُ إِلَى الرئة من الدَّم اللَّطِيف البُخَارِيّ الملائم لجوهر الرئة الَّذِي قد قَارب كَمَال النضج فِي الْقلب. وَلَيْسَ يحْتَاج إِلَى فضل نضج كحاجة الدَّم الْجَارِي فِي الوريد الأجوف الَّذِي نورده وخصوصاً إِذْ مَكَانَهُ من الْقلب قريب فتتأدى إِلَيْهِ قوته الحارة المنضجة بسهولة وَأَيْضًا فَإِن الْعُضْو الَّذِي ينبض فِيهِ عُضْو سخيف لَا يخْشَى مصادمته لذَلِك السخيف عِنْد النبض أَن تُؤثر فِيهِ صلابته فاستغنى لذَلِك عَن تثخين لجرمه مَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ فِي كل مَا يجاور من الشرايين سَائِر الْأَعْضَاء الصلبة. وَأما الوريد الشرياني الَّذِي نذكرهُ فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مجاوراً للرئة فَإِنَّمَا يجاور مِنْهُ مؤخره مِمَّا يَلِي الصلب وَهَذَا الشريان الوريدي إِنَّمَا يتفرق فِي مقدم الرئة ويغوص فِيهَا وَقد صَار أَجزَاء وشعباً بل إِذا قيس بَين حَاجَتي هَذَا الشريان إِلَى الوثاقة وَإِلَى السلاسة المسهلة عَلَيْهِ الإنبساط والإنقباض وَرشح مَا يرشح مِنْهُ وجدت الْحَاجة إِلَى التسليس أمس مِنْهَا إِلَى التوثيق والتثخين. وَأما الشريان الآخر وَهُوَ الْأَكْبَر ويسميه ارسطوطالس أورطي فَأول مَا ينْبت من الْقلب يُرْسل شعبتين أكبرهما تستدير حول الْقلب وتتفرق فِي أَجْزَائِهِ والأصغر يستدير ويتفرق فِي التجويف الْأَيْمن وَمَا يبْقى بعد الشعبتين فَإِنَّهُ إِذا انْفَصل انقسم قسمَيْنِ: قسم أعظم مرشح للإنحدار وَقسم أَصْغَر مرشح للإصعاد. وَإِنَّمَا خلق المرشح للإنحدار زَائِدا فِي مِقْدَاره على الآخر لِأَنَّهُ يؤم أَعْضَاء هِيَ أَكثر عددا وَأعظم مقادير وَهِي الْأَعْضَاء الْمَوْضُوعَة دون الْقلب. وعَلى مخرج أورطي أغشية ثَلَاثَة صلبة هِيَ من دَاخل إِلَى خَارج. فَلَو كَانَت وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ لما كَانَت تبلغ الْمَنْفَعَة الْمَقْصُودَة فِيهَا إِلَّا بتعظيم مِقْدَاره أَو مقدارها فَكَانَت الْحَرَكَة تثقل بهما وَلَو كَانَت أَرْبَعَة لصغرت جدا وَبَطلَت منفعيتها وَإِن عظمت فِي مقاديرها ضيقت المسلك. وَأما الشريان الوريدي فَلهُ غشاءان موليان إِلَى دَاخل وَإِنَّمَا اقْتصر على اثْنَيْنِ إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ من الْحَاجة إِلَى إحكام السكن مَا هَهُنَا بل الْحَاجة هُنَاكَ إِلَى السلاسة أَكثر ليسهل اندفاع البخار الدخاني وَالدَّم الصائر إِلَى الرئة.

стр. 75

الْفَصْل الثَّالِث تشريح الشريان الصاعد أما الْجُزْء الصاعد من جزأي أورطي فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ أكبرهما يَأْخُذ مصعداً نَحْو اللثة ثمَّ يتورب إِلَى الْجَانِب الْأَيْمن حَتَّى إِذا بلغ اللَّحْم الرخو التوثي الَّذِي هُنَاكَ انقسم ثَلَاثَة أَقسَام: اثْنَان مِنْهَا هما الشريانان المسميان بالسباتيين ويصعدان يمنة ويسرة مَعَ الوداجين الغائرين اللَّذين نذكرهما بعد ويرافقانهما فِي الانقسام على مَا نذكرهُ بعد. وأمّا الْقسم الثَّالِث فَيَتَفَرَّق فِي القص وَفِي الأضلاع الأول الخلص والفقارات الستّ الْعلَا من الرَّقَبَة وَفِي نواحي الترقوة حَتَّى يبلغ رَأس الْكَتف ثمَّ يُجَاوِزهُ إِلَى أَعْضَاء الْيَدَيْنِ. وَأما الْقسم الْأَصْغَر من قسمي أورطي الصاعد فانه يَأْخُذ إِلَى نَاحيَة الْإِبِط وينقسم انقسام الثَّالِث من الْقسم الْأَكْبَر. الْفَصْل الرَّابِع تشريح الشريانين السباتيين وكل وَاحِد من الشريانين السباتيين يَنْقَسِم عِنْد انتهائه إِلَى الرَّقَبَة إِلَى قسمَيْنِ: قسم مقدم وَوَاحِد مُؤخر والمقدم يَنْقَسِم قسمَيْنِ: قسم يستبطن فَيَأْخُذ إِلَى اللِّسَان والعضل الْبَاطِنَة من عضل الفك الْأَسْفَل وَقسم يستظهر ويرتقي إِلَى مَا يَلِي قُدَّام الْأُذُنَيْنِ إِلَى عضل الصدغين ويجاوزها بعد أَن يخلف فِيهَا شعبًا كَثِيرَة إِلَى قلَة الرَّأْس وتتلاقى أَطْرَاف الْيُمْنَى مَعَ أَطْرَاف الْيُسْرَى مِنْهَا. وَأما الْجُزْء الآخر فيتجزأ جزأين والأصغر مِنْهُمَا يرتقي كثره إِلَى خلف ويتفرَق فِي العضل المحيطة بمفصل الرَّأْس وَبَعضه يتَوَجَّه إِلَى قَاعِدَة مُؤخر الدِّمَاغ دَاخِلا فِي ثقب عَظِيم عِنْد الدرز اللامي. وَأما الْأَكْبَر فَيدْخل قُدَّام هَذَا الثقب فِي الثقب الَّذِي فِي الْعظم الحجري إِلَى الشبكة بل وتنتسج عَنهُ الشبكة عروقاً فِي عروق وطبقات على طَبَقَات من غُضُون على غُضُون من غير أَن يُمكن أَخذ كل وَاحِد مِنْهَا بِانْفِرَادِهِ إِلَّا ملتصقاً باَخر مربوطاً بِهِ كالشبكة ويتفرق قداماً وخلفاً ويمنةً ويسرةً وينتشر فِي الشبكة ثمَّ يجْتَمع مِنْهَا زوج كَمَا كَانَ أَولا وينثقب لَهُ الغشاء ويرتقي إِلَى الدِّمَاغ ويتفرّق مِنْهُ فِيهِ الغشاء الرَّقِيق ثمَّ فِي جرم الدِّمَاغ إِلَى بطونه وصفاق بطونه ويلاقي فوهات شعبها الَّتِي قد صعدت ثمَّ فوهات شعب الْعُرُوق الوريدية النَّازِلَة وَإِنَّمَا أصعدت هَذِه وأنزلت تِلْكَ لِأَن تِلْكَ ساقية صابة للدم الَّذِي أحسن أوضاع أوعيته الساقية أَن تكون منتكسة الْأَطْرَاف. وَأما هَذِه فَإِنَّهَا تنفذ الرّوح وَالروح لطيف متحرّك صاعد لَا يحْتَاج إِلَى تنكيس وعائه حَتَّى ينصب بل إِن فعل ذَلِك أدّى إِلَى إفراط إستفراغ الدَّم الَّذِي يَصْحَبهُ وَإِلَى عسر حَرَكَة الرّوح فِيهِ لِأَن حركته إِلَى فَوق أسهل. وَبِمَا فِي الرّوح من الْحَرَكَة واللطافة كِفَايَة فِي أَن ينبث مِنْهُ فِي الدِّمَاغ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ ويسخنه وَلِهَذَا فرشت الشبكة تَحت الدِّمَاغ فيتردّد الدَّم الشرياني وَالروح فِيهَا ويتشبه بمزاج

стр. 76

الدِّمَاغ بعد النضج ثمَّ يتخلّص إِلَى الدِّمَاغ على تدريج والشبكة مَوْضُوعَة بَين الْفَصْل الْخَامِس تشريح الشريان النَّازِل وَأما الْقسم النَّازِل فَإِنَّهُ يمْضِي أَولا على الاسْتقَامَة إِلَى أَن يتدلَى على الْفَقْرَة الْخَامِسَة إِذْ وَضعهَا بحذاء وضع رَأس على الْقلب وَهُنَاكَ التوثة كالمسند والدعامة لَهُ ليحول بَينه وَبَين عِظَام الصلب والمري إِذا بلغ ذَلِك الْموضع تنحّى عَنهُ يمنة وَلم يُجَاوِزهُ ثمَّ اسْتَقل مُتَعَلقا بأغشية عِنْد موافاته الْحجاب لِئَلَّا يضايقه. وَهَذَا الشريان النَّازِل إِذا بلغ الْفَقْرَة الْخَامِسَة انحرف وَانْحَدَرَ إِلَى أَسْفَل ممتداً على الصلب إِلَى أَن يبلغ عظم الْعَجز وَلما يُحَاذِي الصَّدْر ويمر بِهِ يخلف شعبًا مِنْهَا شُعْبَة صَغِيرَة دقيقة تتفرق فِي وعَاء الرئة من الصَّدْر وَتَأْتِي أَطْرَافه قَصَبَة الرئة وَلَا يزَال يخلف عِنْد كل فقرة يمر بهَا شُعْبَة حَتَّى يصير إِلَى مَا بَين الأضلاع والنخاع فَإِذا تجَاوز الصَّدْر تفرع مِنْهُ شريانان يأتيان الْحجاب ويتفرقان فِيهِ يمنة ويسرة. وَبعد ذَلِك يخلف شرياناً تتفرق شعبه فِي الْمعدة والكبد وَالطحَال ويتخلَّص من الكبد شُعْبَة إِلَى المثانة وينبت بعد ذَلِك شريان يَأْتِي الجداول الَّتِي حول الأمعاء الدقاق وقولون ثمَّ من بعد ذَلِك ينْفَصل مِنْهُ ثَلَاثَة شرايين: الْأَصْغَر مِنْهَا يخص الْكُلية الْيُسْرَى ويتفرق فِي لفاتها وَمَا يُحِيط بهَا من الْأَجْسَام ويفيدها الْحَيَاة والآخران يصيران إِلَى الكليتين لتجتذب الْكُلية مِنْهُمَا مائية الدَّم فَإِنَّهُمَا كثيرا مَا يجتذبان من الْمعدة والأمعاء دَمًا غير نقي ثمَّ ينْفَصل شريانان يأتيان الْأُنْثَيَيْنِ فالآتي إِلَى الْيُسْرَى مِنْهُمَا يستصحب دَائِما قِطْعَة من الْآتِي إِلَى الْكُلية الْيُسْرَى بل رُبمَا كَانَ منشأ مَا يَأْتِي الخصية الْيُسْرَى هُوَ من الْكُلية الْيُسْرَى فَقَط وَالَّذِي يَأْتِي الْيُمْنَى يكون منشؤه دَائِما من الشريان الْأَعْظَم وَفِي الندرة رُبمَا استصحب شَيْئا مِمَّا يَأْتِي الْكُلية الْيُمْنَى ثمَّ ينْفَصل من هَذَا الشريان الْكَبِير شرايين تتفرق فِي جداول الْعُرُوق الَّتِي حول المعي الْمُسْتَقيم وَشعب تتفرق فِي النخاع وَتدْخل فِي ثقب الفقار وعروق تصير إِلَى الخاصرتين وَأُخْرَى تَأتي الْأُنْثَيَيْنِ. وَمن جملَة هَذَا زوج صَغِير يَنْتَهِي إِلَى القُبُلِ غير الَّذِي نذكرهُ بعد ذَلِك فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء ويخالط الأوردة ثمَّ إِن هَذَا الشريان الْكَبِير إِذا بلغ آخر الفقار انقسم مَعَ الوريد الَّذِي يَصْحَبهُ كَمَا نذكرهُ قسمَيْنِ على هَيْئَة اللَّام فِي كِتَابَة اليونايين هَكَذَا قسم يتيامن وَقسم يتياسر وكل وَاحِد مِنْهُمَا يمتطي عظم الْعَجز آخِذا إِلَى الفخذين وَقبل موافاتهما الْفَخْذ يخلف كل وَاحِد مِنْهُمَا عرقاً يَأْخُذ إِلَى المثانة والى السرّة ويلتقيان عِنْد السُّرَّة ويظهران فِي الأجنة ظهوراً بَينا.

стр. 77

وَأما فِي المستكملين فَيكون قد جفّت أطرافهما وَبَقِي أصلاهما فيتفرغّ مِنْهُمَا فروع تتفرّق فِي العضل الْمَوْضُوعَة على عظم الْعَجز. وَالَّتِي تَأتي مِنْهَا المثانة تَنْقَسِم فِيهِ وَتَأْتِي أَطْرَافه الْقَضِيب وَبَاقِيه يَأْتِي الرَّحِم من النِّسَاء وَهُوَ زوج صَغِير. وَأما النازلان إِلَى الرجلَيْن فَإِنَّهُمَا يتشعبان فِي الفخذين شعبتين عظيمتين وحشياَ وإنسياً. والوحشي فِيهِ أَيْضا ميل إِلَى الأنسيّ ويخلف شعبًا فِي العضل الْمَوْضُوعَة هُنَاكَ ثمَّ ينحدر ويميل مِنْهَا إِلَى قدَام شُعْبَة كَبِيرَة بَين الْإِبْهَام والسبابة وتستبطن بَاقِيه وَهِي فِي أكبر أَجزَاء الرجل تنفذ ممتدّة تَحت الشّعب الوريدية الَّتِي نذكرها بعد. فَمن هَذِه الضوارب مَا يُوَافق الأوردة كالإتيان من الكبد إِلَى السُّرَّة فِي أبدان الأجنة وَشعب الضَّارِب الوريدي والضارب النَّافِذ إِلَى الْفَقْرَة الْخَامِسَة والصاعد إِلَى اللبة والمائل إِلَى الْإِبِط والسباتيين حَيْثُ يتفرقان فِي الشبكة والمشيمة وَالَّتِي تَأتي الْحجاب والنافذ إِلَى الْكَتف مَعَ شُعْبَة وَالَّتِي تَأتي الْمعدة والكبد وَالطحَال والأمعاء وَالَّذِي ينحدر من مراق الْبَطن وَالْعُرُوق الَّتِي فِي عظم الْعَجز وَحده. وَإِذا رافق الشريان العضل الْمَوْضُوعَة على الوريد على الصلب امتطى الشريان الوريد ليَكُون أخسهما حَامِلا للأشرف. وَأما فِي الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة فَإِن الشريان يغور تَحت الوريد ليَكُون أستر وأكنّ لَهُ وَيكون الوريد لَهُ كالجنة وَإِنَّمَا استصحب الشرايين الأوردة لشيئين: أَحدهمَا لترتبط الأوردة بالأغشية المجللة للشرايين وتستقي مِمَّا بَينهمَا من الْأَعْضَاء وَالْآخر ليستقي كل وَاحِد مِنْهُمَا من الآخر فَاعْلَم ذَلِك الْجُمْلَة الْخَامِسَة الأوردة وَهِي خَمْسَة فُصُول الْفَصْل الأول صفة الأوردة أما الْعُرُوق الساكنة فَإِن منبت جَمِيعهَا من الكبد وَأول مَا ينْبت من الكبد عرقان: أَحدهمَا من الْجَانِب المقعر وَأكْثر منفعَته فِي جذب الْغذَاء إِلَى الكبد وَيُسمى الْبَاب وَالْآخر من الْجَانِب المحدب ومنفعته إِيصَال الْغذَاء من الكبد إِلَى الْأَعْضَاء وَيُسمى الأجوف. الْفَصْل الثَّانِي تشريح الوريد الْمُسَمّى بِالْبَابِ ولنبدأ بتشريح الْعرق الْمُسَمّى بِالْبَابِ فَنَقُول: إِن الْبَاب أوّلاَ يَنْقَسِم طرفه الغائر فِي تجويف الكبد خَمْسَة أَقسَام ويتشعب حَتَّى يَأْتِي أَطْرَاف الكبد المحدبة وَيذْهب مِنْهَا وريد إِلَى المرارة. وَهَذِه الشّعب هِيَ مثل أصُول الشَّجَرَة النابتة تَأْخُذ إِلَى غور منبتها. وَأما الطّرف الَّذِي يَلِي تقعيره فَإِنَّهُ

стр. 78

فأحد الْقسمَيْنِ الصغيرين يتَّصل بِنَفس المعي الْمُسَمّى اثْنَي عشري ليجذب مِنْهُ الْغذَاء وَقد يتشعّب مِنْهُ شعب تتفرق فِي الجرم الْمُسَمّى بانقراس. وَالْقسم الثَّانِي: يتفرق فِي أسافل الْمعدة وَعند البواب الَّذِي هُوَ فَم الْمعدة السافل ليَأْخُذ الْغذَاء. وَأما السِّتَّة الْبَاقِيَة فَوَاحِدَة مِنْهَا تصير إِلَى الْجَانِب المسطح من الْمعدة لتغذو ظَاهرهَا إِذْ بَاطِن الْمعدة يلاقي الْغذَاء الأول الَّذِي فِيهِ فيغتذي مِنْهُ بالملاقاة. وَالْقسم الثَّانِي يَأْتِي نَاحيَة الطحال ليغذو الطحال ويتشعب مِنْهُ قبل وُصُوله إِلَى الطحال شعب تغذو الجرم الْمُسَمّى بانقراس من أصفى مَا ينفذ فِيهِ إِلَى الطحال ثمَّ يتَّصل بالطحال وَمَعَ اتِّصَاله بِهِ ترجع مِنْهُ شُعْبَة صَالِحَة تَنْقَسِم فِي الْجَانِب الْأَيْسَر من الْمعدة لتغذوه. وَإِذا نفذ النَّافِذ مِنْهُ فِي الطحال وتوسطه صعد مِنْهُ جُزْء وَنزل جُزْء فالصاعد يتفرق مِنْهُ شُعْبَة فِي النّصْف الفوقاني من الطحال ليغذوه والجزء الآخر يبرز حَتَّى يوافي حدبة الْمعدة ثمَّ يتَجَزَّأ جزأين: جُزْء يتفرّق مِنْهُ فِي ظَاهر يسَار الْمعدة ليغذوه وجزء يغوص إِلَى فَم الْمعدة لتدفع إِلَيْهِ الْفضل العفص الحامض من السَّوْدَاء ليخرج فِي الفضول ويدغدغ فَم الْمعدة لدغدغة المنبهة للشهوة. وَقد ذَكرنَاهَا قبل. وَأما الْجُزْء النَّازِل مِنْهُ فَإِنَّهُ يتَجَزَّأ أَيْضا جزأين: جُزْء مِنْهُ يتفرق شُعْبَة فِي النّصْف الْأَسْفَل من الطحال ليغذو ويبرز الْجُزْء الثَّانِي إِلَى الثرب فَيَتَفَرَّق فِيهِ ليغذوه والجزء الثَّالِث من السِّتَّة الأول يَأْخُذ إِلَى الْجَانِب الْأَيْسَر ويتفرق فِي جداول الْعُرُوق الَّتِي حول المعي الْمُسْتَقيم ليمتصّ مَا فِي الثّقل من حَاصِل الْغذَاء والجزء الرَّابِع عَن السِّتَّة يتفرق كالشعر فبعضه يتوزع فِي ظَاهر يَمِين حدبة الْمعدة مُقَابلا للجزء الْوَارِد على الْيَسَار مِنْهُ من جِهَة الطحال وَبَعضهَا يتَوَجَّه إِلَى يَمِين الثرب ويتفرق فِيهِ مُقَابلا للجزء الْوَارِد عَلَيْهِ من جِهَة الْيَسَار من شعب الْعرق الطحالي. وَأما الْخَامِس من السِّتَّة فيتفرّق فِي الجداول الَّتِي حول معي قولون ليَأْخُذ الْغذَاء. وَالسَّادِس كَذَلِك أَكْثَره يتفرق حول الصَّائِم وباقية حول اللفائف الدقيقة الْمُتَّصِلَة بالأعور فيجذب الْغذَاء فَاعْلَم ذَلِك. الْفَصْل الثَّالِث تشريح الأجوف وَمَا يصعد مِنْهُ وَأما الأجوف فَإِن أَصله أوّلاً يتفرق فِي الكبد نَفسه إِلَى أَجزَاء كالشعر ليجذب الْغذَاء من شعب الْبَاب المتشعِّبة أَيْضا كالشعر أما شُعَب الأجوف فواردة من حدبة الكبد إِلَى جَوْفه وَأما شعب الْبَاب فواردة من تقعير الكبد إِلَى جَوْفه ثمَّ يطلع سَاقه عِنْد الحدبة فينقسم إِلَى قسمَيْنِ: قسم صاعد وَقسم هابط فَأَما الصاعد مِنْهُ فيخرق الْحجاب وَينفذ فِيهِ ويخلف فِي الْحجاب عرقين يتفرقان فِيهِ ويؤتيانه الْغذَاء ثمَّ يُحَاذِي غلاف الْقلب فَيُرْسل إِلَيْهِ شعبًا كَبِيرَة تتفرع

стр. 79

قسم مِنْهُ عَظِيم يَأْتِي الْقلب فَينفذ فِيهِ عِنْد أذن الْقلب الْأَيْمن وَهَذَا الْعرق أعظم عروق الْقلب. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْعرق أعظم من سَائِر الْعُرُوق لِأَن سَائِر الْعُرُوق هِيَ لاستنشاق النسيم. وَهَذَا هُوَ للغذاء والغذاء أغْلظ من النسيم فَيحْتَاج أَن يكون منفذه أوسع ووعاؤه أعظم وَهَذَا كَمَا يدْخل الْقلب يتَخَلَّف لَهُ أغشية ثَلَاثَة مسقفها من دَاخل إِلَى خَارج وَمن خَارج إِلَى دَاخل ليجتذب الْقلب عِنْد تمدده مِنْهَا الْغذَاء ثمَّ لَا يعود عِنْد الإنبساط وأغشيته أَصْلَب الأغشية. وَهَذَا الوريد يخلف عِنْد محاذاة الْقلب عروقاً ثَلَاثَة تصير مِنْهُ إِلَى الرئة ناتئاً عِنْد منيت الشرايين بِقرب الْأَيْسَر منعطفاً فِي التجويف الْأَيْمن إِلَى الرئة. وَقد خلق ذَا غشاءين كالشريانات. فَلهَذَا يُسمى الوريد الشرياني. وَالْمَنْفَعَة الأولى فِي ذَلِك أَن يكون مَا يرشح مِنْهُ دَمًا فِي غَايَة الرقة مشاكلاً لجوهر الرئة إِذْ هَذَا الدَّم قريب الْعَهْد بِالْقَلْبِ لم ينضج فِيهِ نضج المنصبّ فِي الشريان الوريدي. وَالْمَنْفَعَة الثَّانِيَة أَن ينضج فِيهِ المم فضل نضج. وَأما الْقسم الثَّانِي من هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة فيستدير حول الْقلب ثمَّ ينبثُّ فِي دَاخله ليغذو وَذَلِكَ عِنْدَمَا يكَاد الوريد الأجوف أَن يغوص فِي الْأذن الْأَيْمن دَاخِلا فِي الْقلب. وَأما الْقسم الثَّالِث فَإِنَّهُ يمِيل من النَّاس خَاصَّة إِلَى الْجَانِب الْأَيْسَر ثمَّ ينحو نَحْو الْفَقْرَة الْخَامِسَة من فقار الصَّدْر ويتوكأ عَلَيْهَا ويتفرق فِي الأضلاع الثَّمَانِية السُّفْلى وَمَا يَليهَا من العضل وَسَائِر الأجرام وَأما النَّافِذ من الأجوف بعد الْأَجْزَاء الثَّلَاثَة إِذا جاوزنا حَبَّة الْقلب صعُودًا تفرّق مِنْهُ فِي أعالي الأغشية المنصفة للصدر وأعالي الغلاف

стр. 80

وَفِي اللَّحْم الرخو المسمّى بتوثة شعب شعرية ثمَّ عِنْد الْقرب من الترقوة يتشعب مِنْهُ شعبتان يتوجّهان إِلَى نَاحيَة الترقوة متوربتين كلما أمعنتا تباعدتا فَتَصِير كل شُعْبَة مِنْهُمَا شعبتين وَاحِدَة مِنْهُمَا من كل جَانب تنحدر على طرف القص يمنة ويسرة حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى الحنجري ويخلف فِي ممرّها شعبًا تتفرّق فِي العضل الَّتِي بَين الأضلاع وتلاقي أفواهها أَفْوَاه الْعُرُوق المنبثة فِيهَا ويبرز مِنْهَا طَائِفَة إِلَى العضل الْخَارِجَة من الصَّدْر فَإِذا وافت الحنجري برزت طَائِفَة مِنْهَا إِلَى المتراكمة المحرَّكة للكتف وتتفرَق فِيهَا وَطَائِفَة تنزل تَحت العضل الْمُسْتَقيم وتتفرق فِيهَا مِنْهَا شعب وأواخرها تتَصِل بالأجزاء الصاعدة من الوريد العجزي الَّذِي سَنذكرُهُ. وَأما الْبَاقِي من كل وَاحِد مِنْهُمَا وَهُوَ زوج فَإِن كل وَاحِد من فرديه يخلف خمس شعب: شُعْبَة تتفرق فِي الصَّدْر وتغذو الأضلاع الْأَرْبَعَة الْعليا وَشعْبَة تَغْدُو مَوضِع الْكَتِفَيْنِ وَشعْبَة تَأْخُذ نَحْو العضل الغائرة فِي الْعُنُق لتغذوها وَشعْبَة تنفذ فِي ثقب الفقرات الستّ الْعليا فِي الرَّقَبَة وتجاوزها إِلَى الرَّأْس وَشعْبَة عَظِيمَة هِيَ أعظمها تصير إِلَى الْإِبِط من كل جَانب وتتفرع فروعاً أَرْبَعَة: أوّلها: يتفرّق فِي العضل الَّتِي على القصّ وَهِي من الَّتِي تحرّك مفصل الْكَتف وَثَانِيها فِي اللَّحْم الرخو والصفاقات الَّتِي فِي الْإِبِط وَثَالِثهَا يهْبط ماراً على جَانب الصَّدْر إِلَى المراق وَرَابِعهَا أعظمها وينقسم ثَلَاثَة أَجزَاء: جُزْء يتفرق فِي العضل الَّتِي فِي تقعير الْكَتف وجزء فِي العضلة الْكَبِيرَة الَّتِي فِي الْإِبِط وَالثَّالِث أعظمها يمرّ على الْعَضُد إِلَى الْيَد وَهُوَ المسمّى بالإبطي وَالَّذِي يبْقى من الانشعاب الأول الَّذِي انشعب أحد فرعيه هَذِه الْأَقْسَام الْكَثِيرَة فإنّه يصعد نَحْو الْعُنُق وَقبل أَن يمعن فِي ذَلِك يَنْقَسِم قسمَيْنِ: أَحدهمَا: الوداج الظَّاهِر وَالثَّانِي الوداج الغائر. والوداج الظَّاهِر يَنْقَسِم كَمَا يصعد من الترقوة قسمَيْنِ: أَحدهمَا كَمَا ينْفَصل يَأْخُذ إِلَى قُدَّام وَإِلَى جَانب وَالثَّانِي يَأْخُذ أَولا إِلَى قدّام ويتسافل ثمَّ يصعد ويعلو مستظهراً ثَانِيًا من الترقوة ويستدير على الترقوة ثمَّ يصعد ويعلو مستظهر الرَّقَبَة حَتَّى يلْحق بالقسم الأول فيختلط بِهِ فَيكون مِنْهُمَا الوداج الظَّاهِر الْمَعْرُوف. وَقبل أَن يخْتَلط بِهِ ينْفَصل عَنهُ جزآن: أَحدهمَا يَأْخُذ عرضا ثمَّ يَلْتَقِيَانِ عِنْد ملتقى الترقوتين فِي الْموضع الغائر وَالثَّانِي يتورب مستظهراً الْعُنُق وَلَا يتلاقى فرداه بعد ذَلِك وَيتَفَرَّع من هذَيْن الزَّوْجَيْنِ شعب عنكبوتية تفوت الحسّ وَلكنه قد يتَفَرَّع من هَذَا الزَّوْج الثَّانِي خَاصَّة فِي جملَة فروعه أوردة ثَلَاثَة محسوسة لَهَا قدر. وسائرها غير محسوسة. وَأحد هَذِه الأوردة يَمْتَد على الْكَتف وَهُوَ الْمُسَمّى الكتفي وَمِنْه القيفال وَاثْنَانِ عَن جنبتي هَذَا يلزمانه إِلَى رَأس الْكَتف مَعًا لَكِن أَحدهمَا يحتبس هُنَاكَ وَلَا يُجَاوِزهُ بل يتفرّق فِيهِ. وَأما المتقدّم مِنْهُمَا فيجاوزه إِلَى رَأس الْعَضُد ويتفرق هُنَاكَ. وَأما الكتفي فيجاوزهما جَمِيعًا إِلَى آخر الْيَد هَذَا. وَأما الوداج الظَّاهِر بعد اخْتِلَاف طرديه فقد يَنْقَسِم بِاثْنَيْنِ فيستبطن جُزْء مِنْهُ ويفرّع شعبًا صغَارًا تتفرق فِي الفكّ الْأَعْلَى وشعباَ أعظم مِنْهَا بِكَثِير تتفرق فِي الفكّ الْأَسْفَل وأجزاء من كلا صنفي الشّعب تتفرق حول اللِّسَان وَفِي الظَّاهِر من أَجزَاء العضل الْمَوْضُوعَة هُنَاكَ. والجزء الآخر يستظهر فَيَتَفَرَّق فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تلِي الرَّأْس والأذنين. وَأما الوداج الغائر فَإِنَّهُ يلْزم المريء ويصعد مَعَه مُسْتَقِيمًا ويخلف فِي مسلكه شعبًا تخالط الشّعب الْآتِيَة من الوداج الظَّاهِر وتنقسم جَمِيعهَا فِي المريء والحنجرة وَجَمِيع أَجزَاء العضل الغائرة وَينفذ آخِره إِلَى مُنْتَهى الدرز اللامي وَيتَفَرَّع هُنَاكَ مِنْهُ فروع تتفرّق فِي الْأَعْضَاء الَّتِي بَين الفقارة الأولى وَالثَّانيَِة وَيَأْخُذ مِنْهُ عرق شعري إِلَى عِنْد مفصل الرَّأْس والرقبة وَيتَفَرَّع مِنْهُ فروع تَأتي الغشاء المجلّل للقحف وَتَأْتِي ملتقى جمجمتي القحف وتغوص هُنَاكَ فِي القحف. وَالْبَاقِي بعد إرْسَال هَذِه الْفُرُوع ينفذ إِلَى جَوف القحف فِي مُنْتَهى الدرز اللامي ويتفرق مِنْهُ شعب فِي غشائي الدِّمَاغ ليغذوهما وليربط الغشاء الصلب بِمَا حوله وفوقه ثمَّ يبرز فيغذو الْحجاب المجلل للقحف. ثمَّ ينزل من الغشاء الرَّقِيق إِلَى الدِّمَاغ ويتفرق فِيهِ تفرق الضوارب ويشملها كلهَا طي الصفاق الثخين

стр. 81

ويؤدّيها إِلَى الْوَضع الْوَاسِع وَهُوَ الفضاء الَّذِي ينصت إِلَيْهِ الدَّم ويجتمع فِيهِ. ثمَّ يتفرق عَنهُ فِيمَا بَين الطاقين وَيُسمى معصرة فَإِذا قاربت هَذِه الشّعب الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ احْتَاجَت إِلَى أَن تصير عروقاً كبارًا تمتص من المعصرة ومجاريها الَّتِي تتشعب مِنْهَا ثمَّ تمتد من الْبَطن الْأَوْسَط إِلَى البطنين المقدمين وتلاقي الضوارب الصاعدة هُنَاكَ وتنسج الغشاء الْمَعْرُوف بالشبكة المشيمية. الْفَصْل الرَّابِع تشريح أوردة الْيَدَيْنِ أما الكتِفِيّ وَهُوَ القيفال فَأول مَا يتَفَرَّع مِنْهُ إِذا حَاذَى الْعَضُد شعب تتفرق فِي الْجلد وَفِي الْأَجْزَاء الظَّاهِرَة من الْعَضُد ثمَّ بِالْقربِ من مفصل الْمرْفق يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا: حَبل الذِّرَاع وَهُوَ يَمْتَد على ظَاهر الزند الْأَعْلَى ثمَّ يمتدّ إِلَى الوحشي مائلاً إِلَى حدبة الزند الْأَسْفَل ويتفرق فِي أسافل الْأَجْزَاء الوحشية من الرسغ. وَالثَّانِي: يتوجّه إِلَى معطف الْمرْفق فِي ظَاهر الساعد ويخالط شُعْبَة من الإبطي فَيكون مِنْهُمَا وَالثَّالِث: يتعمق ويخالط فِي العمق شُعْبَة أَيْضا من الإبطي. وَأما الإبطي فَإِنَّهُ أول مَا يفرعّ يفرع شعبًا تتعمّق فِي العضل وتتفرّق فِي العضل الَّتِي هُنَاكَ وتفنى فِيهِ إلاّ شُعْبَة مِنْهَا تبلغ الساعد وَإِذا بلغ الإبطي قرب مفصل الْمرْفق انقسم اثْنَيْنِ: أَحدهمَا: يتعمق ويتصل بالشعبة المتعمقة من القيفال وتجاوره يَسِيرا ثمَّ ينفصلان فينخفض أَحدهمَا إِلَى الْإِنْسِي حَتَّى يبلغ الْخِنْصر والبنصر وَنصف الْوُسْطَى ويرتفع جُزْء يَنْقَسِم فِي أَجزَاء الْيَد الْخَارِجَة الَّتِي تماس الْعظم. وَالْقسم الثَّانِي من قسمي الإبطي فَإِنَّهُ يتفرعّ عِنْد الساعد فروعاً أَرْبَعَة: وَاحِد مِنْهَا يَنْقَسِم فِي أسافل الساعد إِلَى الرسغ وَالثَّانِي يَنْقَسِم فَوق انقسام الأوّل مثل انقسامه وَالثَّالِث يَنْقَسِم كَذَلِك فِي وسط الساعد وَالرَّابِع أعظمها وَهُوَ الَّذِي يظْهر ويعلو فَيُرْسل فروعاً تضام شُعْبَة من القيفال فَيصير مِنْهَا الأكحل وَبَاقِيه هُوَ الباسليق وَهُوَ أَيْضا يغور ويعمق مرّة أُخْرَى. والأكحل يبتدي من الانسيّ ويعلو الزند الْأَعْلَى ثمَّ يقبل على الوحشي ويتفرعّ فرعين على صُورَة حرف اللَّام اليونانية فَيصير أَعلَى جزئه إِلَى طرف الزند الْأَعْلَى وَيَأْخُذ نَحْو الرسغ ويتفرغ خلف الْإِبْهَام وَفِيمَا بَينه وَبَين السبابَة وَفِي السبابَة والجزء الْأَسْفَل مِنْهُ يصير إِلَى طرف الزند الْأَسْفَل وَيتَفَرَّع إِلَى فروع ثَلَاثَة: فرع مِنْهُ يتَوَجَّه إِلَى الْموضع الَّذِي بَين الْوُسْطَى والسبابة ويتّصل بشعبة من الْعرق الَّذِي يَأْتِي السبابَة من الْجُزْء الْأَعْلَى ويتحد بِهِ عرقاً وَاحِدًا وَيذْهب فرع ثَان مِنْهُ وَهُوَ الأسليم فَيَتَفَرَّق فِيمَا بَين الْوُسْطَى والبنصر ويمتد الثَّالِث إِلَى البنصر والخنصر وَجَمِيع هَذِه تَنْقَسِم فِي الْأَصَابِع.

стр. 82

الْفَصْل الْخَامِس تشريح الأجوف النَّازِل قد ختمنا الْكَلَام فِي الْجُزْء الصاعد من الأجوف وَهُوَ أَصْغَر جزأيه فلنبدأ فِي ذكر الأجوف النَّازِل فَنَقُول: الْجُزْء النَّازِل أول مَا يتفرعّ مِنْهُ كَمَا يطلع من الكبد وَقبل أَن يتَوَكَّأ على الصلب هُوَ شعب شعرية تصير إِلَى لفائف الْكُلية الْيُمْنَى ويتفرّق فِيهَا وَفِيمَا يقاربها من الْأَجْسَام ليغوذها ثمَّ من بعد ذَلِك ينْفَصل مِنْهُ عرق عَظِيم فِي الْكُلية الْيُسْرَى ويتفرعّ أَيْضا إِلَى عروق كالشعر يتفرق فِي لفافة الْكُلية الْيُسْرَى وَفِي الْأَجْسَام الْقَرِيبَة مِنْهَا لتغذوها ثمَّ يتفرق مِنْهُ عرقان عظيمان يسمّيان الطالعين يتوجهان إِلَى الكليتين لتصفية مائية الدَّم إِذْ الْكُلية إِنَّمَا تجتذب مِنْهُمَا غذاءها وَهُوَ مائية الدَّم وَقد يتشعب من أيسر الطالعين عرق يَأْتِي الْبَيْضَة الْيُسْرَى من الذكران وَالْإِنَاث. وعَلى النَّحْو الَّذِي بَيناهُ فِي الشرايين لَا يغادره فِي هَذَا وَفِي أَنه يتَفَرَّع بعد هذَيْن عرقان يتوجهان إِلَى الْأُنْثَيَيْنِ فَالَّذِي يَأْتِي الْيُسْرَى يَأْخُذ دَائِما شُعْبَة من أيسر هذَيْن الطالعين وَرُبمَا كَانَ فِي بَعضهم كلاّ منشئه مِنْهُ وَالَّذِي يَأْتِي الْيُمْنَى فقد يتَّفق لَهُ أَن يَأْخُذ فِي الندرة شُعْبَة من أَيمن هذَيْن الطالعين وَلَكِن أَكثر أَحْوَاله أَن لَا يخالطه وَمَا يَأْتِي الْأُنْثَيَيْنِ من الْكُلية وَفِيه المجرى الَّذِي ينضج فِيهِ الْمَنِيّ فيبيض بعد احمراره لِكَثْرَة معاطف عروقه واستدارتها وَمَا يَأْتِيهَا أَيْضا من الصلب وَأكْثر هَذَا الْعرق يغيب فِي الْقَضِيب وعنق الرَّحِم وعَلى مَا بَيناهُ من أَمر الضوارب وَبعد نَبَات الطالعين. وَشعْبَة تتوكأ الأجوف عَن قريب على الصلب وَتَأْخُذ فِي الانحدار وَيتَفَرَّع مِنْهُ عِنْد كل فقرة شعب ويدخلها ويتفرق فِي العضل الْمَوْضُوعَة عِنْدَمَا فتتفرع عروق تَأتي الخاصرتين وتنتهي إِلَى عضل الْبَطن ثمَّ عروق تدخل ثقب الفقار إِلَى النخاع. فَإِذا انْتهى إِلَى آخر الفقار انقسم قسمَيْنِ: يتَنَحَّى أَحدهمَا عَن الآخر يمنة ويسرة كل وَاحِد مِنْهُمَا يَأْخُذ تِلْقَاء فَخذ ويتشعب من كل وَاحِد مِنْهُمَا قبل موافاة الكبد طَبَقَات عشر: وَاحِدَة مِنْهَا تقصد المتنين. وَالثَّانيَِة دقيقة الشّعب شعريتها تقصد بعض أسافل أَجزَاء الصفاق. وَالثَّالِثَة تتفرق فِي العضل الَّتِي على عظم الْعَجز. وَالرَّابِعَة تتفرق فِي عضل المقعدة وَظَاهر الْعَجز. وَالْخَامِسَة تتَوَجَّه إِلَى عنق الرَّحِم من النِّسَاء فَيَتَفَرَّق فِيهِ وَفِيمَا يتَّصل بِهِ وَإِلَى المثانة ثمَّ يَنْقَسِم القاصد إِلَى المثانة قسمَيْنِ: قسم يتفرق فِي المثانة وَقسم يقْصد عُنُقهَا وَهَذَا الْقسم فِي الرِّجَال كثير جدا لمَكَان الْقَضِيب وللنساء قَلِيل. وَالْعُرُوق الَّتِي تَأتي الرَّحِم من الجوانب تتفرع مِنْهَا عروق صاعدة إِلَى الثدي ليشاكل بهَا الرَّحِم الثدي. وَالسَّادِسَة تتَوَجَّه إِلَى العضل الْمَوْضُوع على عظم الْعَانَة. وَالسَّابِعَة تصعد إِلَى العضل الذَّاهِب فِي استقامة الْبدن على الْبَطن وَهَذِه الْعُرُوق تتصل

стр. 83

بأطراف الْعُرُوق الَّتِي قُلْنَا إِنَّهَا تنحدر فِي الصَّدْر إِلَى مراق الْبَطن وَيخرج من أصل هَذِه الْعُرُوق فِي الْإِنَاث عروق تَأتي الرَّحِم. والعرَوق الَّتِي تَأتي الرَّحِم من الجوانب يتَفَرَّع مِنْهَا عروق صاعدة إِلَى الثدي ليشارك بهَا الرَّحِم الثدي. وَالثَّامِنَة تَأتي الْقبل من الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا. والتاسعة تَأتي عضل بَاطِن الْفَخْذ فَيَتَفَرَّق فِيهَا. والعاشرة تَأْخُذ من نَاحيَة الحالب مستظهرة إِلَى الخاصرتين وتتصل بأطراف عروق منحدرة لَا سِيمَا المنحدرة من نَاحيَة الثديين وَيصير من جُمْلَتهَا جُزْء عَظِيم إِلَى عضل الْأُنْثَيَيْنِ. وَمَا يبْقى من هَذِه يَأْتِي الْفَخْذ فيتفرع فِيهِ فروع وَشعب: وَاحِد مِنْهَا يَنْقَسِم فِي العضل الَّتِي على مقدم الْفَخْذ وَآخر فِي عضل أَسْفَل الْفَخْذ وإنسيه متعمقاً. وَشعب أُخْرَى كَثِيرَة تتفرق فِي عمق الْفَخْذ وَمَا يبْقى بعد ذَلِك كُله يَنْقَسِم كَمَا يتَحَلَّل مفصل الرّكْبَة قَلِيلا إِلَى شعب ثَلَاث: فالوحشي مِنْهَا يَمْتَد على القصبة الصُّغْرَى إِلَى مفصل الكعب والأوسط يَمْتَد فِي منثنى الرّكْبَة منحدراً وَيتْرك شعبًا فِي عضل بَاطِن السَّاق ويتشعب شعبتين تغيب إِحْدَاهمَا فِيمَا دخل من أَجزَاء السَّاق. وَالثَّانيَِة تَأتي إِلَى مَا بَين القصبتين ممتدة إِلَى مقدّم الرجل وتختلط بشعبة من الوحشي الْمَذْكُور. وَالثَّالِث وَهُوَ الْإِنْسِي فيميل إِلَى الْموضع المعرق من السَّاق ثمَّ يَمْتَد إِلَى الكعب وَإِلَى الطّرف المحدب من القصبة الْعُظْمَى وَينزل إِلَى الْإِنْسِي الْمُقدم وَهُوَ الصَّافِن وَقد صَارَت هَذِه الثَّلَاثَة أَرْبَعَة: إثنان وحشيان يأخذان إِلَى الْقدَم من نَاحيَة القصبة الصُّغْرَى وإثنان إنسيان: أَحدهمَا يَعْلُو الْقدَم ويتفرق فِي أعالي نَاحيَة الْخِنْصر وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي يخالط الشعبة الوحشية من الْقسم الْإِنْسِي الْمَذْكُور ويتفرقان فِي الْأَجْزَاء السفلية. فَهَذِهِ هِيَ عدد الأوردة وَقد أَتَيْنَا على تشريح الْأَعْضَاء المتشابهة الْأَجْزَاء. فَأَما الإلية فسنذكر تشريح كل وَاحِد مِنْهَا فِي الْمقَالة الْمُشْتَملَة على أَحْوَاله ومعالجاته. وَنحن الْآن نبتدىء بعون الله ونتكلم فِي أَمر القوى.

стр. 84

التَّعْلِيم السَّادِس القوى وَالْأَفْعَال وَهُوَ جملَة وَفصل الْجُمْلَة القوى وَهِي سِتَّة فُصُول الْفَصْل الأول أَجنَاس القوى بقول كلي فَاعْلَم أَن القوى وَالْأَفْعَال يعرف بَعْضهَا من بعض إِذْ كَانَ كل قُوَّة مبدأ فعل مَا وكل فعل إِنَّمَا يصدر عَن قُوَّة فَلذَلِك جمعناهما فِي تَعْلِيم وَاحِد. فأجناس القوى وأجناس الْأَفْعَال الصادرة عَنْهَا عِنْد الْأَطِبَّاء ثَلَاثَة: جنس القوى النفسانية وجنس القوى الطبيعية وجنس القوى الحيوانية. وَكثير من الْحُكَمَاء وَعَامة الْأَطِبَّاء وخصوصاً جالينوس يرى أَن لكل وَاحِدَة من القوى عضوا رَئِيسا هُوَ مَعْدِنهَا وَعنهُ يصدر أفعالها ويرون أَن الْقُوَّة النفسانية مَسْكَنهَا ومصدر أفعالها الدِّمَاغ وَأَن الْقُوَّة الطبيعية لَهَا نَوْعَانِ: نوع غَايَته حفظ الشَّخْص وتدبيره وَهُوَ الْمُتَصَرف فِي أَمر الْغذَاء ليغذو الْبدن مُدَّة بَقَائِهِ وينميه إِلَى نِهَايَة نشوه ومسكن هَذَا النَّوْع ومصدر فعله هُوَ الكبد وَنَوع غَايَته حفظ النَّوْع والمتصرّف فِي أَمر التناسل ليفصل من أمشاج الْبدن جَوْهَر الْمَنِيّ ثمَّ يصور بِإِذن خالقه ومسكن هَذَا النَّوْع ومصدر أَفعاله هُوَ الأنثيان وَالْقُوَّة الحيوانية وَهِي الَّتِي تدبر أَمر الرّوح الَّذِي هُوَ مركّب الْحس وَالْحَرَكَة وتهيئة لقبوله إيَّاهُمَا إِذا حصل فِي الدِّمَاغ وتجعله بِحَيْثُ يُعْطي مَا يفشو فِيهِ الْحَيَاة ومسكن هَذِه القوى ومصدر فعلهَا هُوَ الْقلب.

стр. 85

وَأما الْحَكِيم الْفَاضِل أرسطوطاليس فَيرى أَن مبدأ جَمِيع هَذِه القوى هُوَ الْقلب إِلَّا أَن لظُهُور أفعالها الأوَلية هَذِه المبادىء الْمَذْكُورَة كَمَا أَن مبدأ الْحس عِنْد الْأَطِبَّاء هُوَ الدِّمَاغ ثمَّ لكل حاسة عُضْو مفرَد مِنْهُ يظْهر فعله ثمَّ إِذا فتش عَن الْوَاجِب وحقق وجد الْأَمر على مَا رَآهُ أرسطوطالس دونهم. وتوجد أقاويلهم منتزعة من مُقَدمَات مقنعة غير ضَرُورِيَّة إِنَّمَا يتبعُون فِيهَا ظَاهر الْأُمُور. لكنّ الطَّبِيب لَيْسَ عَلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ طَبِيب أَن يتعرّف الْحق من هذَيْن الْأَمريْنِ بل ذَلِك على الفيلسوف أَو على الطبيعي. والطبيب إِذا سلم لَهُ أَن هَذِه الْأَعْضَاء الْمَذْكُورَة مبادٍ مَا لهَذِهِ القوى فَلَا عَلَيْهِ فِيمَا يحاوله من أَمر الطِّبّ كَانَت هَذِه مستفادة عَن مبدأ قبلهَا أَو لم تكن لَكِن جهل ذَلِك مِمَّا لَا يرخص فِيهِ للفيلسوف. الْفَصْل الثَّانِي القوى الطبيعية المخدومة وَأما القوى الطبيعية فَمِنْهَا خادمة وَمِنْهَا مخدومة. والمخدومة جِنْسَانِ: جنس يتصرّف فِي الْغذَاء لبَقَاء الشَّخْص وينقسم إِلَى نَوْعَيْنِ: إِلَى الغاذية والنامية. وجنس يتَصَرَّف فِي: الْغذَاء لبَقَاء النَّوْع وينقسم إِلَى نَوْعَيْنِ: إِلَى المولدة والمصوَرة فَأَما الْقُوَّة الغاذية فَهِيَ الَّتِي تحيل الْغذَاء إِلَى مشابهة المغتذي ليخلف بدل مَا يتَحَلَّل. وَأما النامية فَهِيَ الزائلة فِي أقطار الْجِسْم على التناسب الطبيعي ليبلغ تَمام النشء بِمَا يدْخل فِيهِ من الْغذَاء والغاذية تخْدم النامية والغاذية تورد الْغذَاء تَارَة مُسَاوِيا لما يتَحَلَّل وَتارَة أنقص وَتارَة أَزِيد والنمو أَزِيد والنمو لَا يكون إِلَّا بِأَن يكون الْوَارِد أَزِيد من المتحلل إِلَّا أَنه لَيْسَ كل مَا كَانَ كَذَلِك كَانَ نموًا فَإِن السّمن بعد الهزال فِي سنّ الْوُقُوف هُوَ من هَذَا الْقَبِيل وَلَيْسَ هُوَ بنمو وَإِنَّمَا النموّ مَا كَانَ على تناسب طبيعي فِي جَمِيع الأقطار ليبلغ بِهِ تَمام النشء ثمَّ بعد ذَلِك لَا نمو الْبَتَّةَ. وَإِن كَانَ سمن كَمَا أَنه لَا يكون قبل الْوُقُوف ذيول وَإِن كَانَ هزال على أَن ذَلِك أبعد وَعَن الْوَاجِب أخرج. والغادية يتم فعلهَا بِأَفْعَال جزئية ثَلَاثَة: أَحدهَا: تَحْصِيل جَوْهَر الْبدن وَهُوَ الدَّم والخلط الَّذِي هُوَ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَة من الْفِعْل شَبيه بالعضو وَقد تحل بِهِ كَمَا يَقع فِي عِلّة تسمى أطروفيا. وَهُوَ عدم الْغذَاء. وَالثَّانِي الإلزاق وَهُوَ أَن يَجْعَل هَذَا الْحَاصِل غذَاء بِالْفِعْلِ التَّام أَي صائراً جُزْء عُضْو وَقد يخل بِهِ كَمَا فِي الإستسقاء اللحمي. وَالثَّالِث التَّشْبِيه وَهُوَ أَن يَجْعَل هَذَا الْحَاصِل عِنْدَمَا صَار جزءاَ من الْعُضْو شَبِيها بِهِ من كل جِهَة حَتَّى فِي قوامه ولونه وَقد يخل بِهِ كَمَا فِي البرص والبهق فَإِن الْبَدَل والإلزاق موجودان فيهمَا والتشبيه غير مَوْجُود وَهَذَا الْفِعْل للقوة الْمُغيرَة من القوى الغاذية وَهِي وَاحِدَة فِي الْإِنْسَان بِالْجِنْسِ أَو المبدأ الأول وتختلف

стр. 86

بالنوع فِي الْأَعْضَاء المتشابهة إِذْ فِي كل عُضْو مِنْهَا بِحَسب مزاجه قُوَّة تغير الْغذَاء إِلَى تَشْبِيه مُخَالف لتشبيه الْقُوَّة الْأُخْرَى لَكِن الْمُغيرَة الَّتِي فِي الكبد تفعل فعلا مُشْتَركا بِجَمِيعِ الْبدن. وَأما الْقُوَّة المولدة فَهِيَ نَوْعَانِ: نوع يُولد الْمَنِيّ فِي الذُّكُور وَالْإِنَاث وَنَوع يفصل القوهَ الَّتِي فِي الْمَنِيّ فيمزجها تمزيجات بِحَسب عُضْو عُضْو فيخص للعصب مزاجاً خَاصّا وللعظم مزاجاً خَاصّا وللشريانات مزاجاً خَاصّا وَذَلِكَ من مني متشابهة الْأَجْزَاء أَو متشابهة الإمتزاج وَهَذِه الْقُوَّة تسميها الْأَطِبَّاء الْقُوَّة الْمُغيرَة. وَأما المصورة الطابعة فَهِيَ الَّتِي يصدر عَنْهَا بِإِذن خَالِقهَا تخطيط الْأَعْضَاء وتشكيلاتها وتجويفاتها وثقبها وملاستها وخشونتها وأوضاعها ومشاركاتها. وَبِالْجُمْلَةِ الْأَفْعَال الْمُتَعَلّقَة بنهايات مقاديرها. وَالْخَادِم لهَذِهِ الْقُوَّة المتصرفة فِي الْغذَاء بِسَبَب حفظ النَّوْع هِيَ الْقُوَّة الغاذية والنامية. الْفَصْل الثَّالِث الْقُوَّة الطبيعية الخادمة وَأما الخادمة الصرفة فِي القوى الطبيعية فَهِيَ خوادم الْقُوَّة الغاذية وَهِي قوى أَربع: الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة. والجاذبة: خلقت لتجذب النافع وَتفعل ذَلِك بِلِيفٍ الْعُضْو الَّذِي هِيَ فِيهِ الذَّاهِب على الإستطالة. والماسكة: خلقت لتمسك النافع ريثما تتصرّف فِيهِ الْقُوَّة المغيّرة لَهُ الممتازة مِنْهُ وَيفْعل ذَلِك وَأما الهاضمة فَهِيَ الَّتِي تحيل مَا جذبته الْقُوَّة الجاذبة وأمسكته الماسكة إِلَى قوام مُهَيَّأ لفعل الْقُوَّة الْمُغيرَة فِيهِ وَإِلَى مزاج صَالح للإستحالة إِلَى الغذائية بِالْفِعْلِ. هَذَا فعلهَا فِي النافع وَيُسمى هضماً. وَأما فعلهَا فِي الفضول فَإِن تحيلها إِن أمكن إِلَى هَذِه الْهَيْئَة وَيُسمى أَيْضا هضماً أَو يسهل سَبِيلهَا إِلَى الاندفاع من الْعُضْو المحتبس فِيهِ بِدفع من الدافعة بترقيق قوامها إِن كَانَ الْمَانِع الغلظ أَو تغليظه إِن كَانَ الْمَانِع الرقة أَو تقطيعه إِن كَانَ الْمَانِع اللزوجة. وَهَذَا الْفِعْل يُسمى الإنضاج وَقد يُقَال الهضم والإنضاج على سَبِيل الترادف. وَأما الدافعة: فَإِنَّهَا تدفع الْفضل الْبَاقِي من الْغذَاء الَّذِي لَا يصلح للإغتذاء أَو يفضل عَن الْمِقْدَار الْكَافِي فِي الإغتذاء أَو يَسْتَغْنِي عَنهُ أَو يستفرغ عَن إستعماله فِي الْجِهَة المرادة مثل الْبَوْل. وَهَذِه الْقُوَّة تدفع هَذِه الفضول من جِهَات ومنافذ معدة لَهَا. وَأما إِن لم تكن هُنَاكَ منافذ معدة فَإِنَّهَا تدفع من الْعُضْو الْأَشْرَف إِلَى الْعُضْو الأخس وَمن الأصلب إِلَى الأرخى. وَإِذا كَانَت جِهَة الدّفع هِيَ جِهَة ميل مَادَّة الْفضل لم تصرفها الْقُوَّة الدافعة عَن تِلْكَ الْجِهَة مَا أمكن. وَهَذِه القوى الطبيعية الْأَرْبَع تخدمها الكيفيات الْأَرْبَع الأولى أَعنِي الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة. أما الْحَرَارَة فخدمتها بِالْحَقِيقَةِ مُشْتَركَة للأربع وَأما الْبُرُودَة فقد يخْدم بَعْضهَا خدمَة بِالْعرضِ لَا بِالذَّاتِ فَإِن الْأَمر الَّذِي بِالذَّاتِ للبرودة أَن يكون مضاداً لجَمِيع القوى لِأَن أَفعَال جَمِيع القوى

стр. 87

هِيَ بالحركات. أما فِي الجذب وَالدَّفْع فَذَلِك ظَاهر. وَأما فِي الهضم فَلِأَن الهضم يستكمل بتفريق أَجزَاء مَا غلظ وكثف وَجَمعهَا مَعَ مارق ولطف. وَهَذِه بحركات تفريقية وتمزيجية. وَأما الماسكة فَهِيَ تفعل بتحريك الليف المورب إِلَى هَيْئَة من الإشتمال متقنه. والبرودة مميتة محدرة مالعة عَن جَمِيع هَذِه الْأَفْعَال إِلَّا أَنَّهَا تَنْفَع فِي الْإِمْسَاك بِالْعرضِ بِأَن يحبس الليف على هَيْئَة الإشتمال الصَّالح فَتكون غير دَاخِلَة فِي فعل القوى الدافعة بل مهيئة للآلة تهيئة تحفظ بهَا فعلهَا. وَأما الدافعة فتنتفع بالبرودة بِمَا يمْنَع من تَحْلِيل الرّيح الْمعينَة للدَّفْع وَبِمَا يعين فِي تغليظه وَبِمَا يجمع الليف العريض العاصر ويكنفه. وَهَذَا أَيْضا تهيئة للآلة لَا مَعُونَة فِي نفس الْفِعْل. فالبرد إِنَّمَا يدْخل فِي خدمَة هَذِه القوى بِالْعرضِ وَلَو دخل فِي نفس فعلهَا لأضر ولأخمد الْحَرَكَة. وَأما اليوبسة فالحاجة إِلَيْهَا فِي أَفعَال قوى ثَلَاث: الناقلتان والماسكة. أما الناقلتان وهما الجاذبة والدافعة فلِما فِي اليبس من فضل تَمْكِين من الإعتماد الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي الْحَرَكَة أَعنِي حَرَكَة الرّوح الحاملة لهَذِهِ القوى نَحْو فعلهَا باندفاع قوي تمنع عَن مثله الإسترخاء الرطوبي إِذا كَانَ فِي جَوْهَر الرّوح أَو فِي جَوْهَر الْآلَة. وَأما الماسكة فللقبض. وَأما الهاضمة فحاجتها إِلَى الرُّطُوبَة أمس ثمَّ إِذا قايست بَين الكيفيات الفاعلة والمنفعلة فِي حَاجَة هَذِه القوى إِلَيْهَا صادفت الماسكة حَاجَتهَا إِلَى اليبس أَكثر من حَاجَتهَا إِلَى الْحَرَارَة لِأَن مُدَّة تسكين الماسكة أَكثر من مُدَّة تحريكها الليف المستعرض إِلَى الْقَبْض لِأَن مُدَّة تحريكها وَهِي الْمُحْتَاج فِيهَا إِلَى الْحَرَارَة قَصِيرَة وَسَائِر زمَان فعلهَا مَصْرُوف إِلَى الْإِمْسَاك والتسكين. وَلما كَانَ مزاج الصّبيان أميل كثيرا إِلَى الرُّطُوبَة ضعفت فيهم هَذِه الْقُوَّة. وَأما الجاذبة فَإِن حَاجَتهَا إِلَى الْحَرَارَة أَشد من حَاجَتهَا إِلَى اليبس لِأَن الْحَرَارَة قد تعين فِي الجذب بل لِأَن أَكثر مُدَّة فعلهَا هُوَ التحريك. وحاجتها إِلَى التحريك أمس من حَاجَتهَا إِلَى تسكين أَجزَاء اَلتها وتقبيضها باليبوسة وَلِأَن هَذِه الْقُوَّة لَيست تحْتَاج إِلَى حَرَكَة كَثِيرَة فَقَط بل قد تحْتَاج إِلَى حَرَكَة قَوِيَّة. والإجتذاب يتم إِمَّا بِفعل الْقُوَّة الجاذبة كَمَا فِي المغناطيس الَّتِي بهَا يجذب الْحَدِيد وَأما باضطرار الْخَلَاء كانجذاب المَاء فِي الزراقات. وَأما الْحَرَارَة كاجتذاب لَهب السراج الدّهن وَإِن كَانَ هَذَا الْقسم الثَّالِث عِنْد الْمُحَقِّقين يرجع إِلَى اضطرار الْخَلَاء بل هُوَ هُوَ بِعَيْنِه فَإِذا مَتى كَانَ مَعَ الْقُوَّة الجاذبة معاونة حرارة كَانَ الجذب أقوى. وَأما الدافعة فَإِن حَاجَتهَا إِلَى اليبس أقل من حاجتهما أَعنِي الجاذبة والماسكة لِأَنَّهَا لَا تحْتَاج إِلَى قبض الماسكة وَلَا لزم الجاذبة وَقَبضهَا واحتوائها على المجذوب بإمساك جُزْء من الْآلَة ليلحق بِهِ جذب الْجُزْء الآخر. وَبِالْجُمْلَةِ لَا حَاجَة بالدافعة إِلَى التسكين الْبَتَّةَ بل إِلَى التحريك وَإِلَى قَلِيل تكثيف يعين الْعَصْر وَالدَّفْع لَا مِقْدَار مَا تبقى بِهِ الْآلَة حافظة لهيئة شكل الْعُضْو أَو الْقَبْض كَمَا فِي الماسكة زَمَانا طَويلا وَفِي الجاذبة زماناَ يَسِيرا ريث تلاحق جذب الْأَجْزَاء. فَلهَذَا حَاجَتهَا إِلَى اليبس قَليلَة

стр. 88

وأحوجها كلهَا إِلَى الْحَرَارَة هِيَ الهاضمة وَلَا حَاجَة بهَا إِلَى اليبوسة بل إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى الرُّطُوبَة لتسهيل الْغذَاء وتهيئته للنفوذ فِي المجاري وَالْقَبُول للأشكال. وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول: إِن الرُّطُوبَة لَو كَانَت مُعينَة للهضم لَكَانَ الصّبيان لَا يعجز قواهم عَن هضم الْأَشْيَاء الصلبة فَإِن الصّبيان لَيْسُوا يعجزون عَن هضم ذَلِك والشبان يقدرن عَلَيْهِ لهَذَا السَّبَب بل لسَبَب المجانسة. والبعد عَن المجانسة فَمَا كَانَ من الْأَشْيَاء صلباً لم يجانس مزاج الصّبيان فَلم تقبل عَلَيْهَا قواهم الهاضمة وَلم تقبلهَا قواهم الماسكة وَدفعهَا بِسُرْعَة قواهم الدافعة. وَأما الشبّان فَذَلِك مُوَافق لمزاجهم صَالح لتغذيتهم فيجتمع من هَذِه أَن الماسكة تحْتَاج إِلَى قبض وَإِلَى إِثْبَات هَيْئَة قبضٍ زماناَ طَويلا وَإِلَى مَعُونَة يسيرَة فِي الْحَرَكَة. والجاذبة إِلَى قبض وثبات قبض زَمَانا يسيراَ جدا ومعونةً كَثِيرَة فِي الْحَرَكَة. والدافعة إِلَى قبض فَقَط من غير ثبات يعْتد بِهِ وَإِلَى مَعُونَة على الْحَرَكَة. والهاضمة إِلَى إذابة وتمزيج فَلذَلِك تَتَفَاوَت هَذِه القوى فِي اسْتِعْمَالهَا للكيفيات الْأَرْبَع واحتياجها إِلَيْهَا. الْفَصْل الرَّابِع القوى الحيوانية وَأما الْقُوَّة الحيوانية فيعنون بهَا الْقُوَّة الَّتِي إِذا حصلت فِي الْأَعْضَاء هيأتها لقبُول قُوَّة الْحس وَالْحَرَكَة وأفعال الْحَيَاة. ويضيفون إِلَيْهَا حركات الْخَوْف وَالْغَضَب لما يَجدونَ فِي ذَلِك من الإنبساط والإنقباض الْعَارِض للروح الْمَنْسُوب إِلَى هَذِه الْقُوَّة. ولنفضل هَذِه الْجُمْلَة فَنَقُول: إِنَّه كَمَا قد يتَوَلَّد عَن كَثَافَة الأخلط بِحَسب مزاج مَا جَوْهَر كثيف هُوَ الْعُضْو أَو جُزْء من الْعُضْو فقد يتولّد من بخارية الأخلاط. ولطافتها بِحَسب مزاج مَا هُوَ جَوْهَر لطيف هُوَ الرّوح وكما أَن الكبد عِنْد الْأَطِبَّاء مَعْدن التولد الأول كَذَلِك الْقلب مَعْدن التولد الثَّانِي. وَهَذَا الرّوح إِذا حدث على مزاجه الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ إستعد لقُوَّة تِلْكَ الْقُوَّة بعد الْأَعْضَاء كلهَا لقبُول القوى الْأُخْرَى النفسانية وَغَيرهَا. والقوى النفسانية لَا تحدث فِي الرّوح والأعضاء إِلَّا بعد حُدُوث هَذِه الْقُوَّة وَإِن تعطّل عُضْو من القوى النفسانية وَلم يتعطل بعد من هَذِه الْقُوَّة فَهُوَ حَيّ أَلا ترى أَن الْعُضْو الخدر والعضو المفلوج فَاقِد فِي الْحَال لقُوَّة الحسّ وَالْحَرَكَة لمزاج يمنعهُ عَن قبُوله أَو سدة عارضة بَين الدِّمَاغ وَبَينه وَفِي الأعصاب المنبثة إِلَيْهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك حَيّ والعضو الَّذِي يعرض لَهُ الْمَوْت فَاقِد الحسّ وَالْحَرَكَة ويعرض لَهُ أَن يعفن وَيفْسد. فَإِذن فِي الْعُضْو المفلوج قُوَّة تحفظ حَيَاته حَتَّى إِذا زَالَ العائق فاض إِلَيْهِ قُوَّة الْحس وَالْحَرَكَة وَكَانَ مستعدًّا لقبولها بِسَبَب صِحَة الْقُوَّة الحيوانية فِيهِ وَإِنَّمَا الْمَانِع هُوَ الَّذِي يمْنَع عَن قبُوله بِالْفِعْلِ. وَلَا كَذَلِك الْعُضْو الْمَيِّت وَلَيْسَ هَذَا الْمعد هُوَ قُوَّة التغذية وَغَيره حَتَّى إِذا كَانَت قُوَّة التغذية بَاقِيَة كَانَ حَيا وَإِذا بطلت كَانَ مَيتا. فَإِن هَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه قد يتَنَاوَل قُوَّة التغذية فَرُبمَا بَطل فعلهَا فِي بعض الْأَعْضَاء وَبَقِي حَيا وَرُبمَا بَقِي فعلهَا والعضو إِلَى الْمَوْت.

стр. 89

وَلَو كَانَت الْقُوَّة المغذية بِمَا هِيَ قُوَّة مغذية تعد للحسّ وَالْحَرَكَة لَكَانَ النَّبَات قد يستعد لقبُول الْحس وَالْحَرَكَة فَيبقى أَن يكون الْمعد أمرا آخر يتبع مزاجاً خاصاَ وَيُسمى قُوَّة حيوانية وَهُوَ أول قُوَّة تحدث فِي الرّوح إِذا حدث الرّوح من لطافة الأمشاج. ثمَّ إِن الرّوح تقبل بهَا - عِنْد الْحَكِيم ارسطوطاليس - المبدأ الأول وَالنَّفس الأولى الَّتِي ينبعث عَنْهَا سَائِر القوى إِلَّا أَن أَفعَال تِلْكَ القوى لَا تصدر عَن الرّوح فِي أول الْأَمر كَمَا أَن أَيْضا لَا يصدر الإحساس عِنْد الْأَطِبَّاء عَن الرّوح النفساني الَّذِي فِي الدِّمَاغ مَا لم ينفذ إِلَى الجليدية أَو إِلَى اللِّسَان أَو غير ذَلِك فَإِذا حصل قسم من الرّوح فِي تجويف الدِّمَاغ قبل مزاجاً وَصلح لِأَن يصدر بِهِ عِنْد أَفعَال الْقُوَّة الْمَوْجُودَة فِيهِ بدناَ. وَكَذَلِكَ فِي الكبد وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ. وَعند الْأَطِبَّاء مَا لم يسْتَحل الرّوح عِنْد الدِّمَاغ إِلَى مزاج آخر لم يستعد لقبُول النَّفس الَّتِي هِيَ مبدأ الْحَرَكَة والحس. وَكَذَلِكَ فِي الكبد وَإِن كَانَ الامتزاج الأول قد أَفَادَ قبُول الْقُوَّة الأولى الحيوانية وَكَذَلِكَ فِي كل عُضْو كَانَ لكل جنس عَن الْأَفْعَال عِنْدهم نفس أُخْرَى. وَلَيْسَت النَّفس وَاحِدَة يفِيض عَنْهَا القوى أَو كَانَت النَّفس مَجْمُوع هَذِه الْجُمْلَة فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ الإمتزاج الأول فقد أَفَادَ قبُول الْقُوَّة الأولى الحيوانية حَيْثُ حدث روح وَقُوَّة هِيَ كَمَاله لَكِن هَذِه الْقُوَّة وَحدهَا لَا تَكْفِي عِنْدهم لقبُول الرّوح بهَا سَائِر القوى الْأُخَر مَا لم يحدث فِيهَا مزاج خَاص. قَالُوا: وَهَذِه الْقُوَّة مَعَ أَنَّهَا مهيئة للحياة فَهِيَ أَيْضا مبدأ حَرَكَة الْجَوْهَر الروحي اللَّطِيف إِلَى الْأَعْضَاء ومبدأ قَبضه وَبسطه للتنسم والتنقي على مَا قيل كَأَنَّهَا بِالْقِيَاسِ إِلَى الْحَيَاة تقبل انفعالاً وبالقياس إِلَى أَفعَال النَّفس والنبض تفِيد فعلا. وَهَذِه الْقُوَّة تشبه القوى الطبيعية لعدمها الْإِرَادَة فِيمَا يصدر عَنْهَا وتشبه القوى النفسانية لتعين أفعالها لِأَنَّهَا تقبض وتبسط مَعًا وتحرك حركتين متضادتين. إِلَّا أَن القدماء إِذا قَالُوا نفس للنَّفس الأرضية عنوا كَمَال جسم طبيعي آلي وَأَرَادُوا مبدأ كل قُوَّة تصدر عَنْهَا بِعَينهَا حركات وأفاعيل متخالفة فَتكون هَذِه الْقُوَّة على مَذْهَب القدماء قُوَّة نفسانية. كَمَا أَن القوى الطبيعية الَّتِي ذَكرنَاهَا تسمى عِنْدهم قُوَّة نفسانية. وَأما إِذا لم يرد بِالنَّفسِ هَذَا الْمَعْنى بل عَنى بِهِ قُوَّة هِيَ مبدأ إِدْرَاك وتحريك تصدر عَن إِدْرَاك مَا بِإِرَادَة مَا وَأُرِيد بالطبيعة كلّ قوّة يصدر عَنْهَا فعل فِي جسمها على خلاف هَذِه الصُّورَة لم تكن هَذِه الْقُوَّة نفسانية بل كَانَت طبيعية. وَأَعْلَى دَرَجَة من الْقُوَّة الَّتِي يسميها الْأَطِبَّاء طبيعية. وَأما إِن سمي بالطبيعية مَا يتَصَرَّف فِي أَمر الْغذَاء وحالته سَوَاء كَانَ لبَقَاء شخص أَو بَقَاء نوع لم تكن هَذِه طبيعية وَكَانَت جِنْسا ثَالِثا. وَلِأَن الْغَضَب وَالْخَوْف وَمَا أشبههما إنفعال لهَذِهِ الْقُوَّة. وَإِن كَانَ مبدؤها الْحس وَالوهم والقوى الدَاركة كَانَت منسوبة إِلَى هَذِه القوى. وَتَحْقِيق بَيَان هَذِه القوى وَإِنَّهَا وَاحِدَة أَو فَوق وَاحِدَة هُوَ إِلَى الْعلم الطبيعي الَّذِي هُوَ جُزْء من الْحِكْمَة. (الْفَصْل الْخَامِس القوى النفسانية المدركة) وَالْقُوَّة النفسانية تشْتَمل على قوتين هِيَ كالجنس لَهما: إِحْدَاهمَا قُوة مدرِكَة

стр. 90

وَالْأُخْرَى قُوة مُحَركة. وَالْقُوَّة المدركة كالجنس لقوتين: قُوَّة مدركة فِي الظَّاهِر وَقُوَّة مدركة فِي الْبَاطِن. وَالْقُوَّة المدركة فِي الظَّاهِر هِيَ الحسية وَهِي كالجنس لقوى خمس عِنْد قوم وثمان عِنْد قوم. وَإِذا أخذت خَمْسَة كَانَت قُوَّة الإبصار وَقُوَّة السّمع وَقُوَّة الشم وَقُوَّة الذَّوْق وَقُوَّة اللَّمْس. وَأما إِذا أخذت ثَمَانِيَة فالسبب فِي ذَلِك أَن أَكثر المحصلين يرَوْنَ أَن اللَّمْس قوى كَثِيرَة بل هُوَ قوى أَربع. ويخصون كل جنس من الملموسات الْأَرْبَع بِقُوَّة على حِدة إِلَّا أَنَّهَا مُشْتَركَة فِي الْعُضْو الحساس كالذوق واللمس فِي اللِّسَان والإبصار واللمس فِي الْعين وَتَحْقِيق هَذَا إِلَى الفيلسوف. وَالْقُوَّة إِحْدَاهَا: الْقُوَّة الَّتِي تسمى الْحس الْمُشْتَرك والخيال: وَهِي عِنْد الْأَطِبَّاء قُوَّة وَاحِدَة وَعند المحصلين من الْحُكَمَاء قوتان. فالحس الْمُشْتَرك هُوَ الَّذِي يتَأَدَّى إِلَيْهِ المحسوسات كلهَا وينفعل عَن صورها ويجتمع فِيهِ. والخيال هُوَ الَّذِي يحفظها بعد الِاجْتِمَاع ويمسكها بعد الغيبوبة عَن الْحس وَالْقُوَّة الْقَابِلَة مِنْهُمَا غير الحافظة. وَتَحْقِيق الْحق فِي هَذَا هُوَ أَيْضا على الفيلسوف. وَكَيف كَانَ فَإِن مسكنهما ومبدأ فعلهمَا هُوَ الْبَطن الْمُقدم من الدِّمَاغ. وَالثَّانيَِة: الْقُوَّة الَّتِي تسميها الْأَطِبَّاء مفكرة: والمحققون تَارَة يسمونها متخيلة وَتارَة مفكرة فَإِن استعملتها الْقُوَّة الوهمية الحيوانية الَّتِي نذكرها بعد أَو نهضت هِيَ بِنَفسِهَا لفعلها سَموهَا متخيلة وَإِن أَقبلت عَلَيْهَا الْقُوَّة النطقية وصرفتها على مَا ينْتَفع بِهِ سنّهَا سميت مفكرة. وَالْفرق بَين هَذِه الْقُوَّة وَبَين الأولى كَيفَ مَا كَانَت: أَن الأولى قَابِلَة أَو حافظة لما يتَأَدَّى إِلَيْهَا من الصُّور المحسوسة. وَأما هَذِه فَإِنَّهَا تتصرف على المستودعات فِي الخيال تصرفاتها من تركيب وتفصيل فتستحضر صوراً على نَحْو مَا تأدى من الْحس وصوراً مُخَالفَة لَهَا كإنسان يطير وجبل من زمرد. وَأما الخيال فَلَا يحضرهُ إِلَّا للقبول من الْحس. ومسكن هَذِه الْقُوَّة هُوَ الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ. وَهَذِه الْقُوَّة هِيَ اَلة لقُوَّة هِيَ بِالْحَقِيقَةِ المدركة الْبَاطِنَة فِي الْحَيَوَان وَهِي الْوَهم وَهُوَ الْقُوَّة الَّتِي تحكم فِي الْحَيَوَان بِأَن الذِّئْب عَدو وَالْولد حبيب وَأَن المتعهد بالعلف صديق لَا ينفر عَنهُ على سَبِيل غير نطقي. والعداوة والمحبة غير محسوسين لَيْسَ يدركهما الْحس من الْحَيَوَان فَإِذن إِنَّمَا يحكم بهما ويدركهما قُوَّة أُخْرَى وَإِن كَانَ لَيْسَ بالإدراك النطقي إِلَّا أَنه لَا محَالة إِدْرَاك مَا غير النطقي. وَالْإِنْسَان أَيْضا قد يسْتَعْمل هَذِه الْقُوَّة فِي كثير من الْأَحْكَام وَيجْرِي فِي ذَلِك مجْرى الْحَيَوَان الْغَيْر النَّاطِق. وَهَذِه الْقُوَّة تفارق الخيال لِأَن الخيال يستثبت المحسوسات وَهَذِه تحكم فِي المحسوسات بمعان غير محسوسة وتفارق الَّتِي تسمّى مفكرة ومتخيلة بِأَن أَفعَال تِلْكَ لَا يتبعهَا حكم مَاء وأفعال هَذِه يتبعهَا حكم مَا بل هِيَ أَحْكَام مَا وأفعال تِلْكَ تركبّت فِي المحسوسات وَفعل هَذِه هُوَ حكم فِي المحسوس من معنى خَارج عَن المحسوس. وكما أَن الْحس فِي الْحَيَوَان حَاكم

стр. 91

على صور المحسوسات كَذَلِك الْوَهم فِيهَا حَاكم على مَعَاني تِلْكَ الصُّور الَّتِي تتأدى إِلَى الْوَهم وَلَا تتأدى إِلَى الْحس وَمن النَّاس من يتجوز ويسمي هَذِه الْقُوَّة تخيلاً وَله ذَلِك إِذْ لَا مُنَازعَة فِي الْأَسْمَاء بل يجب أَن يفهم الْمعَانِي والفروق وَهَذِه الْقُوَّة لَا يتَعَرَّض الطَّبِيب لتعرفها وَذَلِكَ أَن مضار أفعالها تَابِعَة لمضار أَفعَال قوى أُخْرَى قبلهَا مثل الخيال والتخيّل وَالذكر الَّذِي سنقوله بعد. والطبيب إِنَّمَا ينْتَظر فِي القوى الَّتِي إِذا لحقها مضرَّة فِي أفعالها كَانَ ذَلِك مَرضا فَإِن كَانَت المضرّة تلْحق فعل قُوَّة بِسَبَب مضرَّة لحقت فعل قبلهَا وَكَانَت تِلْكَ الْمضرَّة تتبع سوء مزاج أَو فَسَاد تركيب فِي عُضْو مَا فيكفيه أَن يعرف لُحُوق ذَلِك الضَّرَر بِسَبَب سوء مزاج ذَلِك الْعُضْو أَو فَسَاده حَتَّى يتداركه بالعلاج أَو يتحفظ عَنهُ. وَلَا عَلَيْهِ أَن يعرف حَال الْقُوَّة الَّتِي إِنَّمَا يلْحقهَا مَا يلْحقهَا كَمَا أَن الخيال خزانَة لما يتَأَدَّى إِلَى الْحس من الصُّورَة المحسوسة بِوَاسِطَة إِذْ كَانَ قد عرف حَال الَّتِي يلْحقهَا بِغَيْر وَاسِطَة. وَالثَّالِثَة مِمَّا يذكر الْأَطِبَّاء وَهِي الْخَامِسَة أَو الرَّابِعَة عِنْد التَّحْقِيق وَهِي الْقُوَّة الحافظة والمذّكرة وَهِي خزانَة لما يتَأَدَّى إِلَى الْوَهم من معَان فِي المحسوسات غير صورها المحسوسة وموضعها الْبَطن الْمُؤخر من بطُون الدِّمَاغ وَهَهُنَا مَوضِع نظر حكمي فِي أَنه هَل الْقُوَّة الحافظة والمتذكرة المسترجعة لما غَابَ عَن الْحِفْظ من مخزونات الْوَهم قُوَّة وَاحِدَة أم قوتان وَلَكِن لَيْسَ ذَلِك مِمَّا يلْزم الطَّبِيب إِذا كَانَت الْآفَات الَّتِي تعرض لأيهما كَانَ هِيَ الْآفَات الْعَارِضَة للبطن الْمُؤخر من الدِّمَاغ إِمَّا من جنس المزاج وَإِمَّا من جنس التَّرْكِيب. وَأما الْقُوَّة الْبَاقِيَة من قوى النَّفس المدركة فَهِيَ الإنسانية الناطقة. وَلما سقط نظر الْأَطِبَّاء عَن الْقُوَّة الوهمية لما شرحناه من الْعلَّة فَهُوَ أسقط عَن هَذِه الْقُوَّة بل نظرهم مَقْصُور على أَفعَال القوى الثَّلَاث لَا غير. الْفَصْل السَّادِس وأمّا الْقُوَّة المحركة فَهِيَ الَّتِي تشنج الأوتار وترخيها فتحرّك بهَا الْأَعْضَاء. والمفاصل تبسطها وتثنيها وتنفذها فِي العصب الْمُتَّصِل بالعضل وَهِي جنس يتنوع بِحَسب تنوع مبادي الحركات فَتكون فِي كل عضلة طبيعة أُخْرَى وَهِي تَابِعَة لحكم الْوَهم الْمُوجب للْإِجْمَاع. الْفَصْل الْأَخير فِي الْأَفْعَال نقُول: إِن من الأفاعيل المفردة مَا يتم بِقُوَّة وَاحِدَة مثل الهضم وَمِنْهَا مَا يتم بقوّتين مثل شَهْوَة الطَّعَام فَإِنَّهَا تتمّ بِقُوَّة جاذبة طبيعية وبقوة حساسة فِي فَم الْمعدة. أما الجاذبة فبتحريكها الليف المطاول متقاضية مَا يجذبه وامتصاصها مَا يحضر من الرطوبات وَأما الحساسة فبإحساسها بِهَذَا الإنفعال وبلذع السَّوْدَاء المنبّهة للشهوة الْمَذْكُورَة قصَّتهَا. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْفِعْل مِمَّا يتم بقوتين لِأَن الحساسة إِذا عرض لَهَا آفَة بَطل الْمَعْنى الَّذِي يسمّى جوعا وشهوة فَلم يشته الطَّعَام. وَإِن كَانَ للبدن إِلَيْهِ حَاجَة وَكَذَلِكَ الازدراد يتم بقوتين: إِحْدَاهمَا الجاذبة الطبيعية وَالْأُخْرَى الجاذبة الإرادية. وَالْأولَى يتم فعلهَا

стр. 92

بالليف المطاول الَّذِي فِي فَم الْمعدة والمريء. وَالثَّانيَِة يتم فعلهَا بِلِيفٍ عضل الإزدراد. وَإِذا بطلت إِحْدَى القوتين عسر الإزدراد بل إِذا لم تكن بطلت إِلَّا أَنَّهَا لم تنبعث بعد لفعلها عسر الازدراد. أَو ترى أَنه إِذا كَانَت الشَّهْوَة لم تصدق عسر علينا ابتلاع مَا لَا تشتهيه بل إِذا كُنَّا نعاف شَيْئا ثمَّ أردنَا ابتلاعه فنفرت عَنهُ الْقُوَّة الجاذبة الشهوانية صَعب على الإرادية ابتلاعه. وعبور الْغذَاء أَيْضا يتمّ بِقُوَّة دافعة من الْعُضْو الْمُنْفَصِل عَنهُ وجاذبة من الْعُضْو المتوجه إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إِخْرَاج الثفل من السَّبِيلَيْنِ وَرُبمَا كَانَ الْفِعْل مبدؤه قوتان نفسانية وطبيعية وَرُبمَا كَانَ سَببه قُوَّة وَكَيْفِيَّة مثل التبريد الْمَانِع للمواد فَإِنَّهُ يعاون الدافعة على مقاومة الْخَلْط المنصبّ إِلَى الْعُضْو وَمنعه وَدفعه فِي وَجهه والكيفية الْبَارِدَة تمنع بشيئين بِالذَّاتِ أَي بتغليظ جَوْهَر مَا ينصب وتضييق المسام وبشيء ثَالِث هُوَ مِمَّا بِالْعرضِ وَهُوَ إطفاء الْحَرَارَة الجاذبة. والكيفية الجاذبة تجذب بِمَا يُقَابل هَذِه الْوُجُوه الْمَذْكُورَة واضطرار الْخَلَاء إِنَّمَا يجذب أَولا مَا لطف ثمَّ مَا كثف وَأما الْقُوَّة الجاذبة الطبيعية فَإِنَّمَا تجذب الأوفق أَو الَّذِي يخصّها فِي طبيعتها جذبة وَرُبمَا كَانَ الأكثف هُوَ الأوفق والأخصّ.

стр. 93

الْفَنّ الثَّانِي الْأَمْرَاض والأسباب والأعراض الْكُلية وَهُوَ تعاليم ثَلَاثَة التَّعْلِيم الأوّل الْأَمْرَاض وَهُوَ ثَمَانِيَة فُصُول الْفَصْل الأول السَّبَب وَالْمَرَض وَالْعرض نقُول: إنَ السَّبَب فِي الطِّبّ وَهُوَ مَا يكون أَولا فَيجب عَنهُ وجود حَالَة من حالات بدن الْإِنْسَان أَو ثباتها. وَالْمَرَض هَيْئَة غير طبيعية فِي بدن الْإِنْسَان يجب عَنْهَا بِالذَّاتِ آفَة فِي الْفِعْل وجوبا أولياً وَذَلِكَ إمّا مزاج غير طبيعي وَإِمَّا تركيب غير طبيعي. وَالْعرض هُوَ الشَّيْء الَّذِي يتبع هَذِه الْهَيْئَة وَهُوَ غير طبيعي سَوَاء كَانَ مضاداً للطبيعي مثل الوجع فِي القولنج أَو غير مضاد مثل إِفْرَاد حمرَة الخد فِي ذَات الرئة مِثَال السَّبَب العفونة. مِثَال الْمَرَض الْحمى مِثَال الْعرض الْعَطش والصداع. وَأَيْضًا مِثَال السَّبَب امتلاء فِي الأوعية المنحدرة إِلَى الْعين مِثَال الْمَرَض السدّة فِي العنبية وَهُوَ مرض آلي تركيبي مِثَال الْعرض فقدان الإبصار وَأَيْضًا مِثَال السَّبَب نزلة حادة مِثَال الْمَرَض قرحَة فِي الرئة مِثَال الْعرض حمرَة الوجنتين وانجذاب الْأَظْفَار. وَالْعرض يسمّى عرضا بِاعْتِبَار ذَاته أَو بقياسه إِلَى المعروض لَهُ وَيُسمى دَلِيلا بِاعْتِبَار مطالعة الطَّبِيب إِيَّاه وسلوكه مِنْهُ إِلَى معرفَة مَاهِيَّة الْمَرَض وَقد يصير الْمَرَض سَببا لمَرض آخر كالقولنج للغشي أَو للفالج أَو الصرع بل قد يصير الْعرض سَببا للمرض كالوجع الشَّديد يصير سَببا للورم لانصباب الْموَاد إِلَى مَوضِع الوجع. وَقد يصير الْعرض بِنَفسِهِ مَرضا كالصداع الْعَارِض عَن الْحمى فَإِنَّهُ رُبمَا اسْتَقر واستحكم حَتَّى يصير مَرضا قد يكون الشَّيْء بِالْقِيَاسِ إِلَى نَفسه وَإِلَى شَيْء قبله وَإِلَى شَيْء بعده مَرضا وعرضاً وسبباً مثل الْحمى السلية فإنَها عرض لقرحة الرئة وَمرض فِي نَفسهَا وَسبب لضعف الْمعدة مثلا. وَمثل الصداع الْحَادِث عَن الحمّى إِذا استحكم فَإِنَّهُ عرض للحمّى وَمرض فِي نَفسه وَرُبمَا

стр. 94

جلب البرسام أَو السرسام فَصَارَ ذَلِك سَببا للمرضين الْمَذْكُورين. الْفَصْل الثَّانِي أَحْوَال الْبدن وأجناس الْمَرَض أَحْوَال بدن الْإِنْسَان عِنْد جالينوس ثَلَاث: الصِّحَّة وَهِي هَيْئَة يكون بهَا بدن الْإِنْسَان فِي مزاجه وتركيبه بِحَيْثُ يصدر عَنهُ الْأَفْعَال كلهَا صَحِيحَة سليمَة. وَالْمَرَض هَيْئَة فِي بدن الْإِنْسَان مضادة لهَذِهِ وَحَالَة عِنْده لَيست بِصِحَّة وَلَا مرض إِمَّا لعدم الصِّحَّة فِي الْغَايَة وَالْمَرَض فِي الْغَايَة كأبدان الشُّيُوخ والناقهين والأطفال أَو لِاجْتِمَاع الْأَمريْنِ فِي وَقت وَاحِد إِمَّا فِي عضوين وَإِمَّا فِي عُضْو وَلَكِن فِي جِنْسَيْنِ متباعدين مثل أَن يكون صَحِيح المزاج مَرِيض التَّرْكِيب. أَو فِي عُضْو وَفِي جِنْسَيْنِ متقاربين مثل أَن يكون صَحِيحا فِي الشكل لَيْسَ صَحِيحا فِي الْمِقْدَار والوضع أَو صَحِيحا فِي الكيفيتين المنفعلتين لَيْسَ صَحِيحا فِي الفاعلتين أَو لتعاقب من الْأَمريْنِ فِي وَقْتَيْنِ مثل من يَصح شتاء ويمرض صيفاً. والأمراض مِنْهَا مُفْردَة وَمِنْهَا مركبة. والمفردة هِيَ الَّتِي تكون نوعا وَاحِدًا من أَنْوَاع مرض المزاج أَو نوعا وَاحِدًا من أَنْوَاع مرض التَّرْكِيب الَّذِي نذكرهُ بعد. والمركبة هِيَ الَّتِي يجْتَمع مِنْهَا نَوْعَانِ فَصَاعِدا يتحد مِنْهَا مرض وَاحِد. فلنبدأ أَولا بالأمراض المفردة فَنَقُول: إنّ أَجنَاس الْأَمْرَاض المفردة ثَلَاثَة: الأول: جنس الْأَمْرَاض المنسوبة إِلَى الْأَعْضَاء المتشابهة الْأَجْزَاء وَهِي أمراض سوء المزاج وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الْأَعْضَاء المتشابهة الْأَجْزَاء لأنّها أَولا وبالذات تعرض للمتشابهة الْأَجْزَاء وَمن أجلهَا تعرض للأعضاء المركّبة حَتَّى إِنَّهَا يُمكن أَن تتصوّر حَاصِلَة مَوْجُودَة فِي أَي عُضْو من الْأَعْضَاء المتشابهة الْأَجْزَاء شِئْت. والمركبة لَا يُمكن فِيهَا. وَالثَّانِي: جنس أمراض الْأَعْضَاء الآلية وَهِي أمراض التَّرْكِيب الْوَاقِع فِي أَعْضَاء مؤلفة من الْأَعْضَاء المتشابهة الْأَجْزَاء هِيَ آلَات الْأَفْعَال. وَالثَّالِث: جنس الْأَمْرَاض الْمُشْتَركَة الَّتِي تعرض للمتشابهة الْأَجْزَاء وَتعرض للآلية بِمَا هِيَ آلية من غير أَن يتبع عروضها للآلية عروضها للمتشابهة الْأَجْزَاء وَهُوَ الَّذِي يسمُّونه تفرق لاتصال وانحلال الْفَرد فَإِن تفرق الإتصال قد يعرض للمفصل من غير أَن تعرض للمتشابهة الْأَجْزَاء الَّتِي ركب مِنْهَا الْمفصل الْبَتَّةَ. وَقد يعرض لمثل العصب والعظم وَالْعُرُوق وَحدهَا. وَبِالْجُمْلَةِ الْأَمْرَاض ثَلَاثَة أَجنَاس: أمراض تتبع سوء المزاج وأمراض تتبع سوء هَيْئَة التَّرْكِيب وأمراض تتبع تفرّق الإتصال. وكل مرض يتبع وَاحِدًا من هَذِه وَيكون عَنهُ تنْسب إِلَيْهِ وأمراض سوء المزاج مَعْرُوفَة وَهِي سِتَّة عشرَة قد ذَكرنَاهَا.

стр. 95

الْفَصْل الثَّالِث أمراض التَّرْكِيب وأمراض التَّرْكِيب أَيْضا تَنْحَصِر فِي أَرْبَعَة أَجنَاس: أمراض الْخلقَة. وأمراض الْمِقْدَار وأمراض وأمراض الْخلقَة: تَنْحَصِر فِي أَجنَاس أَرْبَعَة: أمراض الشكل وَهُوَ أَن يتَغَيَّر الشكل عَن مجْرَاه الطبيعي فَيحدث تغيره اَفة فِي الْفِعْل كاعوجاج الْمُسْتَقيم واستقامة المعوج وتربع المستدير واستدارة المربّع وَمن هَذَا الْبَاب سفيط الرَّأْس إِذا عرض مِنْهُ ضَرَر وَشدَّة استدارة الْمعدة وَعدم القرحة فِي الحدقة. وَالثَّانِي أمراض المجاري وَهِي ثَلَاثَة أَصْنَاف لِأَنَّهَا إِمَّا أَن تتسع كانتشار الْعين وكالسبل وكالدوالي أَو تضيق كضيق ثقب الْعين ومنافذ النَّفس والمريء أَو تنسدّ كانسداد الثقبة العنبية وعروق الكبد وَغَيرهَا. وَالثَّالِث أمراض الأوعية والتجاويف وَهِي على أَصْنَاف أَرْبَعَة: فَإِنَّهَا إمّا أَن تكبر وتتسع كاتساع كيس الْأُنْثَيَيْنِ أَو تصغر وتضيق كضيق الْمعدة وضيق بطُون الدِّمَاغ عِنْد الصرع أَو تنسدُ وتمتلئ كانسداد بطُون الدِّمَاغ عِنْد السكتة أَو تستفرغ وتخلو كخلو تجاويف الْقلب عَن الدَّم عِنْد شدَّة الْفَرح الْمهْلكَة وشدّة اللَّذَّة الْمهْلكَة. وَالرَّابِع أمراض صَفَائِح الْأَعْضَاء إِمَّا بِأَن يتملس مَا يجب أَن يخشن كالمعدة والمعي إِذا تملست أَو يخشن مَا يجب أَن يتلمس كقصبة الرئة إِذا خشنت. هَذَا وَأما أمراض الْمِقْدَار: فَهِيَ صنفان: فَإِنَّهَا إِمَّا أَن تكون من جنس الزِّيَادَة كداء القيل وتعظم الْقَضِيب وَهِي عِلّة تسمى فريسميوس وكما عرض لرجل يُسمى نيقوماخس أَن عظمت أعضاؤه كلهَا حَتَّى عجز عَن الْحَرَكَة. وَإِمَّا أَن تكون من جنس النُّقْصَان كضمور اللِّسَان والحدقة وكالذبول. وَأما أمراض الْعدَد: فإمَّا أَن تكون من جنس الزِّيَادَة وَتلك إِمَّا طبيعية كالسن الشاغبة والإصبع الزَّائِدَة أَو غير طبيعية كالسلعة والحصاة وَإِمَّا من جنس النُّقْصَان سَوَاء كَانَ نُقْصَانا فِي الطَّبْع كمن لم يخلق لَهُ إِصْبَع أَو نُقْصَانا لَا فِي الطَّبْع كمن قطعت أُصْبُعه. وَأما أمراض الْوَضع: فَإِن الْوَضع عِنْد جالينوس يَقْتَضِي الْموضع وَيَقْتَضِي الْمُشَاركَة. فأمراض الْوَضع أَرْبَعَة: انخلاع الْعُضْو عَن مفصله أَو زَوَاله عَن وَضعه من غير انخلاع كَمَا فِي الفتق الْمَنْسُوب إِلَى الأمعاء أَو حركته فِيهِ لَا على المجرى الطبيعي أَو الإرادي كالرعشة أَو لُزُومه مَوْضِعه فَلَا يَتَحَرَّك عَنهُ كَمَا يعرض عِنْد تحجر المفاصل فِي

стр. 96

مرض النقرس. وأمراض الْمُشَاركَة وَهِي تشْتَمل على كل حَالَة تكون للعضو بِالْقِيَاسِ إِلَى عُضْو يجاوره من مقاربته أَو مباعدته لَا على المجرى الطبيعي وَهُوَ صفنان: أَحدهمَا أَن يعرض لَهُ امْتنَاع حركته إِلَيْهِ أَو تعسرها بعد أَن كَانَ ذَلِك مُمكنا لَهُ مثل الإصبع إِذا إمتنع تحركها إِلَى ملاصقة جارتها أَو يعرض لَهَا امْتنَاع تحركها عَنْهَا ومفارقتها إِيَّاهَا بعد أَن كَانَ ذَلِك مُمكنا أَو تعسر تباعدها وَذَلِكَ مثل استرخاء الجفن الْفَصْل الرَّابِع أمراض تفرق الإتصال وَأما أمراض تفرق الإتصال فقد تقع فِي الْجلد وَتسَمى خدشاً وسحجاً وَقد تقع فِي اللَّحْم والقريب مِنْهُ الَّذِي لم يقيح وتسمّى جِرَاحَة. وَالَّذِي قيح تسمى قرحَة وَيحدث فِيهِ الْقَيْح لاندفاع الفضول إِلَيْهِ لضَعْفه وعجزه عَن اسْتِعْمَال غذائه وهضمه فيستحيل أَيْضا فضل فِيهِ وَرُبمَا قبلت الْجراحَة والقرحة لتفرق اتِّصَال يعرض فِي غير اللَّحْم وَقد يَقع فِي الْعظم إِمَّا مكسر إِلَى جزأين أَو أَجزَاء كبار هاما مفتتاً أَو وَاقعا فِي طوله صادعاً وَإِمَّا أَن يَقع فِي الغضاريف على الْأَقْسَام الثَّلَاثَة أَو يَقع فِي العصب. فَإِن وَقع عرضا سمي بتراً وَإِن وَقع طولا وَلم يكن غوراً كَبِيرا سمي شقًا وَإِن كَانَ غوراً كَبِيرا سمي شدخاً. وَقد يَقع فِي أَجزَاء العضلة فَإِن وَقع على طرف العضلة سمي هتكاً سَوَاء كَانَ فِي عصبَة أَو وتر وَإِن وَقع فِي عرض العضلة سمي جزاً وَإِن وَقع فِي الطول وَقل عدده وَكبر غوره سمي فدغاً وَإِن كثر أجزاؤه وَفَشَا وغار سمي رضَا وفسخاً وربّما قيل الْفَسْخ والرضض والفدغ لكل مَا يتَّفق فِي وسط العضلة كَيفَ كَانَ. فَإِن وَقع فِي الشرايين أَو الأوردة سمي انفجاراً ثمَّ إِمَّا أَن يعترضها فيسمى قطعا أَو فصلا أَو ينفذ فِي طولهَا فيسمى صدعاً أَو يكون ذَلِك على سَبِيل تفتح فوهاتها فيسمى بثقاً. وَإِن كَانَ فِي الشريان فَلم يلتحم وَكَانَ الدَّم يسيل مِنْهُ إِلَى الفضاء الَّذِي يحويه حَتَّى يمتلئ ذَلِك الفضاء. وَإِذا عصرت عَاد إِلَى الْعرق سمّي أم الدَّم وَقوم يَقُولُونَ أم الدَّم لكل انفجار شرياني. وَاعْلَم أَنه لَيْسَ كل عُضْو يحْتَمل انحلال الْفَرد فَإِن الْقلب لَا يحْتَملهُ وَيكون مَعَه الْمَوْت وَإِمَّا أَن يَقع فِي الأغشية والحجب فيسقى فتقاً وَإِمَّا أَن يَقع بَين جزأين من عُضْو مركّب فيفصل أَحدهمَا من الآخر من غير أَن ينَال الْعُضْو الْمُتَشَابه الْأَجْزَاء تفرق اتِّصَال فيسمى انفصالاً وخلعاً. وَإِذا

стр. 97

كَانَ ذَلِك فِي عصب زَالَ عَن مَوْضِعه سمي فكاً. وَقد يكون تفرّق الِاتِّصَال فِي المجاري فيوسع وَقد يكون فِي غير المجاري فَيحدث مجاري لم تكن وَزَوَال الإتصال والتقرح وَنَحْوه إِذا وَقع فِي عُضْو جيد المزاج صلح بِسُرْعَة وَإِن وَقع فِي عُضْو رَدِيء المزاج استعصى حينا وَلَا سِيمَا فِي أبدان مثل أبدان الَّذين بهم الاسْتِسْقَاء أَو سوء الْقنية أَو الجذام. وَاعْلَم أَن القروح الصيفية إِذا تطاولت وَقعت الآكلة وَأَنت ستجد فِي كتب التَّفْصِيل استقصاء لأمر تفرق الإتصال مُؤَخرا إِلَيْهِ فَاعْلَم ذَلِك. الْفَصْل الْخَامِس الْأَمْرَاض المركبة وَأما الْأَمْرَاض المركبة فلنقل فِيهَا أَيْضا قولا كلياً فَنَقُول: إِنَّا لسنا نعني بالأمراض المركبة أَي أمراض اتّفقت متجمعة بل الْأَمْرَاض الَّتِي إِذا اجْتمعت حدث من جُمْلَتهَا شَيْء هُوَ مرض وَاحِد وَهَذَا مثل الورم والبثور من جنس الورم فَإِن البثور أورام صغَار كَمَا أَن الأورام بثور كبار. والورم يُوجد فِيهِ أَجنَاس الْأَمْرَاض كلهَا فيوجد فِيهِ مرض مزاج لآفة لِأَنَّهُ لَا ورم إِلَّا وَيحدث من سوء مزاج مَعَ مَادَّة وَيُوجد فِيهِ مرض الْهَيْئَة والتركيب فَإِنَّهُ لَا ورم إِلَّا وَهُنَاكَ آفَة فِي الشكل والمقدار وَرُبمَا كَانَ مَعَه أمراض الْوَضع وَيُوجد فِيهِ الْمَرَض الْمُشْتَرك وَهُوَ تفرق الإتصال فَإِنَّهُ لَا ورم إِلَّا وَهنا تفرق اتِّصَال فَإِنَّهُ لَا شكّ أَن تفرق الِاتِّصَال لما انصبت الْموَاد الفضلية إِلَى الْعُضْو الوَرِمِ وسكنت بَين أَجْزَائِهِ مفرقة بَعْضهَا عَن بعض حَتَّى تَأْخُذ لأنفسها أمكنة. والورم يعرض للأعضاء اللينة وَقد يعرض شَيْء شَبيه بالورم فِي الْعِظَام يغلظ لَهُ حجمها وتزداد رطوبتها وَلَا يغرب أَن يكون الْقَابِل للزِّيَادَة بالغذاء يقبلهَا بِالْفِعْلِ إِذا أنفذ فِيهِ أَو حدث فِيهِ وكل ورم لَيْسَ لَهُ سَبَب بادٍ وَسَببه البدني يتضمّن انْتِقَال مَادَّة من عُضْو إِلَى مَا تَحْتَهُ فيسمى نزلة. وَرُبمَا كَانَ السَّبَب المادي الَّذِي تتولد مِنْهُ الأورام والبثور مغموراً فِي أخلاط أُخْرَى غير مؤذية فِي كيفيتها فَإِذا استفرغت الأخلاط الجيدة فِي وُجُوه من الاستفراغ: إِمَّا الطبيعي كَمَا يعرض للنفساء فِي الْإِرْضَاع وَإِمَّا غير الطبيعي كَمَا يعرض لجراحة تسيل دَمًا مَحْمُودًا بقيت تِلْكَ الأخلاط الرَّديئَة خَالِصَة مُفْردَة فتأذّى بهَا الطَّبْع فَدَفعهَا. وَرُبمَا كَانَ وَجه دَفعهَا إِلَى الْجلد فَحدثت أورام وبثور. فالأورام قد تنفصل بفصول مُخْتَلفَة إِلَّا أَن فصولها بِالِاعْتِبَارِ هِيَ الْفُصُول الكائنة عَن أَسبَابهَا وَهِي الْموَاد الَّتِي تكون عَنْهَا الأورام وَالْمرَاد الَّتِي تكون عَنْهَا الأورام سِتَّة: الأخلاط الْأَرْبَعَة والمائية وَالرِّيح. فالورم إِمَّا أَن يكون حاراَ وَإِمَّا أَن لَا يكون وَلَا يَنْبَغِي أَن يظنّ أَن الورم الْحَار هُوَ الْكَائِن عَن دم أَو مرّة فَقَط بل عَن كل مَادَّة كَانَت حارة بجوهرها أَو عرضت لَهَا الْحَرَارَة بالعفونة وَإِن كَانَت هَذِه الْأَجْنَاس أَيْضا قد تَنْقَسِم بِحَسب انقسام أَنْوَاع كل مَادَّة وَذَلِكَ بالْقَوْل النوعي فِي الأورام أولى. وعادتهم أَن يسموا الدموي الْمَحْض فلغمونيا

стр. 98

والصفراوي الْمَحْض جَمْرَة والمركب مِنْهَا باسم مركّب مِنْهُمَا ويقدّمون الْأَغْلَب فَيَقُولُونَ مَرَة فلغموني جَمْرَة وَمرَة جَمْرَة فلغمونية وَإِذا جمع سمي خراجاً وَإِذا وَقع الْخراج فِي اللحوم الرخوة والمغابن وَخلف الْأُذُنَيْنِ والأرنبة وَكَانَ من جنس فَاسد - وسنذكره فِي مَوْضِعه الجزئي - سمي طاعوناً. وللأرام الحارة ابْتِدَاء فِيهِ ينْدَفع الْخَلْط وَيظْهر الحجم ثمَّ يزِيد وَيزِيد مَعَه الحجم ويتمدد ثمَّ يقف عِنْد غَايَة الحجم ثمَّ يَأْخُذ فِي الانحطاط فينضج بتحلّل أَو قيح وماَل أمره إِمَّا تحلّل وَإِمَّا جمع مُدَّة وَإِمَّا اسْتِحَالَة إِلَى الصلابة. وَأما الأورام الْغَيْر الحارة فإمَّا أَن تكون من مَادَّة سوداوية أَو بلغمية أَو مائية أَو ريحية. والكائنة عَن مَادَّة سوداوية ثَلَاثَة أَجنَاس: الصلابة والسرطان وأكثرهما حريفية. وأجناس الغدد الَّتِي مِنْهَا الْخَنَازِير والسلع. وَالْفرق بَين أَجنَاس الغدد وَبَين الجنسين الآخرين أَن أَجنَاس الغدد تكون مبتدئة عَمَّا يحويها مثل الغدد الْمَحْضَة أَو متشبثة بظاهرها فَقَط مثل الْخَنَازِير. وَأما تِلْكَ الْأُخَر فَتكون مُخَالطَة مداخلة لجوهر الْعُضْو الَّتِي هِيَ فِيهِ. وَالْفرق بَين السرطان والصلابة أَن الصلابة ورم سَاكن هاد مُبْطل للحس أَو آيف فِيهِ لَا وجع مَعَه. والسرطان متحرك متزيّد مؤذٍ لَهُ أصُول ناشئة فِي الْأَعْضَاء لَيْسَ يجب أَن يبطل مَعَه الْحس إِلَّا أَن تطول مدَّته فيميت الْعُضْو وَيبْطل حسّه وَلَيْسَ يبعد أَن يكون الْفَصْل بَين الصلابة والسرطان بعوارض لَازِمَة لَا بفصول جوهرية. والأورام الصلبة السوداوية تبتدىء فِي أول كَونهَا صلبة وَقد تنْتَقل إِلَى الصلابة وخصوصاً الدموية وَقد يعرض ذَلِك أَيْضا فِي البلغمية أَحْيَانًا وتفارق الغدد والسلع وَمَا أشبههما من تعقد العصب بِأَن التعقد ألزم لموضعه وملمسه عصبي وَإِذا مدد بالغمز عَاد وَإِذا تبدَد بدواء قوي غير الغمز لم يعد. وأكثرها تحدث عَن التَّعَب وَتبطل بالمثقلات من الأسرب وَنَحْوه وَأما جنس الأورام البلغمية فينقسم إِلَى نَوْعَيْنِ: الورم الرخو والسلع اللينة ويتفاصلان بِأَن السّلع متميزة فِي غلف والورم الرخو مخالط غير متميّز وَأكْثر أورام الشتَاء بلغمية حَتَّى الحارة مِنْهَا تكون بيض الألوان. وَاعْلَم أَن الأورام البلغمية تخْتَلف بِحَسب غلظ البلغم ورخاوته ورقته حَتَّى تشبه تَارَة السوداوية وَتارَة الريحية وَكَثِيرًا مَا ينزل البلغم الرَّقِيق فِي النَّوَازِل فِي خلل لِيف الأعصاب حَتَّى يبلغ إِلَى مثل عضلات الحنجرة السُّفْلى مِنْهَا فَمَا دونهَا. وَأما الأورام المائية فَهِيَ كالاستسقاء والقيلة المائية والورم الَّذِي يعرض فِي القحف من المائية وَمَا يشبه ذَلِك وَأما الأورام الريحية فَهِيَ أَيْضا تتنوع إِلَى نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا التهيج وَالْآخر النفخة وَالْفرق بَين التهيج والنفخة من وَجْهَيْن: أَحدهمَا القوام وَالثَّانِي

стр. 99

المخالطة. وَبَيَان هَذَا أَن الرّيح فِي التهيج مُخَالطَة لجوهر الْعُضْو وَفِي النفخة مجتمعة متمددة غير مُخَالطَة للعضو وَأَن التهيج يستلينه الْحس والنفخة تقاوم المدافع مقاومة كَثِيرَة أَو قَليلَة والبثور أَيْضا على عدد الأورام فَمِنْهَا دموية كالجدري وصفراوية مَحْضَة كالشري الصفراوي والجاورسية ومختلطة كالحصبة والنملة والمسامير والجرب والثآليل وَغير ذَلِك وَقد تكون مائية كالنفاطات وريحية كالنفّاخات وَأَنت تَجِد ذَلِك فِي الْكتاب الرَّابِع تَفْصِيلًا لأحوال الأورام والبثور ويليق بذلك الْموضع. الْفَصْل السَّادِس أُمُور تُعد مَعَ الْأَمْرَاض وَهَهُنَا أُمُور خَارِجَة عَن الْأَمْرَاض وتعد فِيهَا وَهِي الْأُمُور الدَّاخِلَة فِي الزِّينَة أَحدهَا فِي الشّعْر وَالثَّانِي فِي اللَّوْن وَالثَّالِث فِي الرَّائِحَة وَالرَّابِع فِي السحنة بعد اللَّوْن. وأجناس أمراض الشّعْر التناثر والتمرط وَالْقصر والفلة والشقاق والدقة والغلظ وإفراط الجعودة وإفراط السبوطة والشيب واستحالة اللَّوْن كَيفَ كَانَ. وآفات اللَّوْن تدخل فِي أَربع أَجنَاس: جنس استحالته عَن سوء مزاج بمادة كاليرقان أَو بِغَيْر مَادَّة كالحصبة الْعَارِضَة للون عَن مزاج بَارِد مُفْرد والصفرة الَّتِي رُبمَا كَانَت عَن مزاج حَار مُفْرد وجنس إستحالته عَن أَسبَاب بادية كَمَا تسفع الشَّمْس وَالْبرد وَالرِّيح اللَّوْن وجنس إنبساط أجسام غَرِيبَة اللَّوْن على الْجلد الْحَامِل اللَّوْن كالبهق الْأسود والتقاطها فِيهِ كالخيلان والنمش. وجنس الْآثَار الْعَارِضَة من التئام تفرق إتصال عرض كآثار الجدري وأنداب القروح وآفات الرَّائِحَة كالضأن وَغَيره من الروائح الكريهة الَّتِي تفوح من الْأَبدَان وآفات السحنة بعد اللَّوْن إِمَّا الهزال المفرط وَإِمَّا السّمن المفرط. الْفَصْل السَّابِع أَوْقَات الْأَمْرَاض وَاعْلَم أَن لأكْثر الْأَمْرَاض أَرْبَعَة أَوْقَات: وَقت الِابْتِدَاء وَوقت التزايد وَوقت مُنْتَهى وَوقت الإنحطاط. وَمَا خرج من هَذِه فَهِيَ من أَوْقَات الصِّحَّة. وَلَيْسَ نعني بِوَقْت الإبتداء والإنتهاء طرفان لَا يستبان فيهمَا حَال الْمَرَض بل لكل وَاحِد مِنْهُمَا زمَان محسوس يكون لَهُ حكم مَخْصُوص. وَوقت الإبتداء هُوَ الزَّمَان الَّذِي يظْهر فِيهِ الْمَرَض وَيكون كالمتشابه فِي أَحْوَاله لَا يستبان فِيهِ تزايده. والتزايد هُوَ الْوَقْت الني يستبان فِيهِ اشتداده كل وَقت بعد وَقت. وَوقت الِانْتِهَاء هُوَ الْوَقْت الَّذِي يقف فِيهِ الْمَرَض فِي جَمِيع أَجْزَائِهِ على حَالَة وَاحِدَة. والانحطاط هُوَ الزَّمَان الَّذِي يظْهر فِيهِ انتقاصه. وكل مَا أمعن كَانَ الانتقاص أظهر. وَهَذِه الْأَوْقَات قد تكون بِحَسب الْمَرَض من أَوله إِلَى آخِره فِي نوائبه وَتسَمى أوقاتاً كُلية وَقد تكون بِحَسب نوبَة نوبَة وَتسَمى أوقاتاَ جزئية.

стр. 100

الْفَصْل الثَّامِن تَمام القَوْل فِي الْأَمْرَاض إِن الْأَمْرَاض قد تلحقها التَّسْمِيَة من وُجُوه. إمّا من الْأَعْضَاء الحاملة لَهَا كذات الْجنب وَذَات الرئة وَإِمَّا من أعراضها كالصرع وَإِمَّا من أَسبَابهَا كَقَوْلِنَا مرض سوداوي وَإِمَّا من التَّشْبِيه كَقَوْلِنَا دَاء الْأسد وداء الْفِيل وَإِمَّا مَنْسُوبا إِلَى أول من يذكر أَنه عرض لَهُ ذَلِك كَقَوْلِهِم قرحَة طيلانية منسوبة إِلَى رجل يُسمى طيلانس وَإِمَّا مَنْسُوبا إِلَى بَلْدَة يكثر حدوثها فِيهِ كَقَوْلِهِم القروح البلخية وَإِمَّا مَنْسُوبا إِلَى من كَانَ مَشْهُورا بالإنجاح فِي معالجاتها كالقرحة السيروتية وَإِمَّا قَالَ جالينوس: إِن الْأَمْرَاض إمّا ظَاهِرَة فتعرف حسا وَإِمَّا باطنة سهلة الْوُقُوف عَلَيْهَا كأوجاع الْمعدة والرئة أَو عسرة الْوُقُوف عَلَيْهَا كآفات الكبد ومجاري الرئة وَإِمَّا غير مدركة إِلَّا بالتخمين كالآفات الْعَارِضَة لمجاري الْبَوْل. والأمراض قد تكون خَاصَّة وَقد تكون بِالشّركَةِ والعضو يُشَارك عضوا فِي مَرضه إِمَّا لِأَنَّهُمَا متواصلان بالطبع يتّصل بَينهمَا اَلات كالدماغ والمعدة يُوصل بَينهمَا العصب وَالرحم والثدي يُوصل الأوردة بَينهمَا وَإِمَّا لِأَن أَحدهمَا طَرِيق إِلَى الثَّانِي كالأربيتين لورم السَّاق وَإِمَّا لِأَنَّهُمَا متجاوران كالرئة والدماغ فَكل يُشْرك الآخر وخصوصاً إِذا كَانَ أَحدهمَا حاراً ضَعِيفا فَيقبل الْفضل من صَاحبه كالإبط للقلب وَإِمَّا لِأَن أَحدهمَا مبدأ فَاضل لفعل الثَّانِي كالحجاب للرئة فِي التنفس وَإِمَّا لِأَن أَحدهمَا يخْدم الثَّانِي كالعصب للدماغ وَإِمَّا لِأَنَّهُمَا يشاركان عضوا ثَالِثا مثل الدِّمَاغ تشارك الْكُلية بِسَبَب أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُشَارك الكبد. وَرُبمَا عَادَتْ الشّركَة. وبالأمثل أَن الدِّمَاغ إِذا لم تشاركه الْمعدة فضعف هضمها فأوصلت إِلَيْهِ أبخرة رَدِيئَة وغذاء غير منهضم فزادت فِي ألم الدِّمَاغ نَفسه. والمشاركة تجْرِي على أَحْكَام الأَصْل فِي الدَّوَام وَفِي الدّور. ومراتب الْأَبدَان من الصِّحَّة وَالْمَرَض سِتَّة على مَا نَحن نصفه: بدن فِي غَايَة الصِّحَّة وبدن فِي الصِّحَّة دون الْغَايَة وبدن لَا صحي وَلَا مرضيّ كَمَا قيل ثمَّ الْبدن المستقام الْقَابِل للصِّحَّة سَرِيعا ثمَّ الْبدن الْمَرِيض مَرضا يَسِيرا ثمَّ الْبدن الْمَرِيض فِي الْغَايَة وكل مرض إِمَّا مُسلم وَإِمَّا غير مُسلم. وَالْمُسلم هُوَ الْمَرَض الَّذِي لَا عائق عَن معالجته كَمَا يَنْبَغِي. وَغير الْمُسلم هُوَ الَّذِي يقْتَرن بِهِ عائق لَا يرخص فِي صَوَاب تَدْبيره مثل الصداع إِذا قارنته النزلة. وَاعْلَم أَن الْمَرَض الْمُنَاسب للمزاج وَالسّن وَالْفضل أقل خطراً من الَّذِي لَا يُنَاسِبه. فَإِن الَّذِي لَا يُنَاسِبه وَلَا يحدث إِلَّا عَن عظم سَببه. وَاعْلَم أَن أمراض كل فصل يُرْجَى أَن ينْحل فِي صَدره من الفضول. وَاعْلَم أَن من الْأَمْرَاض أمراضاً تنْتَقل إِلَى أمراض أُخْرَى وتقلع هِيَ وَيكون فِيهَا خيرة فَيكون مرض وَاحِد شِفَاء من أمراض أُخْرَى مثل الرّبع فَإِنَّهُ كثيرا مَا يشفي من الصرع والنقرس والدوالي وأوجاع المفاصل والجرب والحكة والبثور وَمن التشنّج. وَكَذَلِكَ الذرب من الرمد وَمن زلق الأمعاء وَمن ذَات الْجنب وَكَذَلِكَ انفتاح عروق المقعدة وينفع من كل مرض سوداي وَمن وجع الورك وَمن أوجاع الكِلى والأرحام. وَقد ينْتَقل بعض الْأَمْرَاض إِلَى أمراض أُخْرَى فَيصير الْحَال لذَلِك أَشد رداءة مثل انْتِقَال ذَات الْجنب إِلَى ذَات الرئة وانتقال العلّة الْمَعْرُوفَة بقرانيطس إِلَى ليثرغس.

стр. 101

وَمن الْأَمْرَاض أمراض معدية مثل الجذام والجرب والجدري والحمى الوبائية والقروح العفنة وخصوصاً إِذا ضَاقَتْ المساكن وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ المجاور فِي أَسْفَل الرّيح وَمثل الرمد وخصوصاً إِلَى متأمله بِعَيْنِه وَمثل الضَرَس حَتَّى إِن تخيل الحامض يَفْعَله وَمثل السبل وَمثل البرص. وَمن الْأَمْرَاض أمراض تتوارث فِي النَّسْل مثل القرع الطبيعي والبرص والنقرس والسبل والجذام. وَمن الْأَمْرَاض أمراض جنسية تخْتَص بقبيلة أَو بسكان نَاحيَة أَو يكثر فيهم. وَاعْلَم أَن ضعف الْأَعْضَاء تَابع لسوء المزاج أَو تحلّل البنية.

стр. 102

التَّعْلِيم الثَّانِي الْأَسْبَاب وَهُوَ جملتان الْجُمْلَة الأولى الْأَشْيَاء الَّتِي تحدث عَن سَبَب من الْأَسْبَاب الْعَامَّة وَهِي تِسْعَة عشر فصلا الْفَصْل الأول قَول كلي فِي الْأَسْبَاب أَسبَاب أَحْوَال الْبدن وَقد قدمناها أَعنِي الصِّحَّة وَالْمَرَض وَالْحَال المتوسطة بَينهمَا ثَلَاثَة: السَّابِقَة والبادية والواصلة وتشترك السَّابِقَة والواصلة فِي أَنَّهُمَا أُمُور بدنية أَعنِي خلطية أَو مزاجية أَو تركيبية. والأسباب الْبَادِيَة هِيَ من أُمُور خَارِجَة عَن جَوْهَر الْبدن إِمَّا من جِهَة أجسام خَارِجَة مثل مَا يحدث عَن الضَّرْب وسخونة الجو وَالطَّعَام الْحَار أَو الْبَارِد الواردين على الْبدن وَإِمَّا من جِهَة النَّفس فَإِن النَّفس شَيْء آخر غير الْبدن مثل مَا يحدث عَن الْغَضَب والأسباب السَّابِقَة والبادية تشترك فِي أَنه قد يكون بَينهمَا وَبَين هَذِه الْأَحْوَال وَاسِطَة مَا. والأسباب الْبَادِيَة والأسباب الْوَاصِلَة تشترك فِي أَنه قد لَا يكون بَينهمَا وَبَين الْحَالة الْمَذْكُورَة وَاسِطَة لَكِن الْأَسْبَاب السَّابِقَة تنفصل عَن الْأَسْبَاب الْوَاصِلَة بِأَن الْأَسْبَاب السَّابِقَة لَا يَليهَا الْحَالة بل بَينهمَا أَسبَاب أُخْرَى أقرب إِلَى الْحَالة من السَّابِقَة. والأسباب السَّابِقَة تنفصل من الْبَادِيَة بِأَنَّهَا بدنية وَأَيْضًا فَإِن الْأَسْبَاب السَّابِقَة يكون بَينهَا وَبَين الْحَالة وَاسِطَة لَا محَالة. والأسباب الْبَادِيَة لَيْسَ يجب فِيهَا ذَلِك. والأسباب الْوَاصِلَة لَا يكون بَينهَا وَبَين الْحَالة وَاسِطَة الْبَتَّةَ. والأسباب الْبَادِيَة لَيْسَ يجب فِيهَا ذَلِك بل الْأَمر أَن فِيهَا ممكنان فالأسباب السَّابِقَة هِيَ أَسبَاب بدنية أَعنِي خلطية أَو مزاجية أَو تركيبية هِيَ الْمُوجبَة للحالة إِيجَابا غير أولي أَعنِي توجبها بِوَاسِطَة. والأسباب الْوَاصِلَة أَسبَاب بدنية توجب أحوالاً بدنية إِيجَابا أولياً أَي بِغَيْر وَاسِطَة والأسباب الْبَادِيَة أَسبَاب غير بدنية توجب أحوالاً بدنية إِيجَابا أولياً وَغير أولي مِثَال الْأَسْبَاب السَّابِقَة الإمتلاء للحمى وإمتلاء أوعية الْعين لنزول المَاء فِيهَا. وَمِثَال الْأَسْبَاب الْوَاصِلَة العفونة للحمى والرطوبة السائلة إِلَى النفث للسدة والسدة للحمى وَمِثَال الْأَسْبَاب الْبَادِيَة حرارة الشَّمْس وَشدَّة الْحَرَارَة أَو الْغم أَو السهر أَو تنَاول شَيْء مسخن

стр. 103

كالثوم. كل ذَلِك للحمى أَو الضَّرْبَة للانتشار ونزول المَاء فِي الْعين. وكل سَبَب إِمَّا سَبَب بِالذَّاتِ كالفلفل يسخن والأفيون يبرد وَإِمَّا بِالْعرضِ كَالْمَاءِ الْبَارِد إِذا سخن بالتكثيف وتحقن الْحَرَارَة وَالْمَاء الْحَار إِذا برد بالتحليل والسقمونيا إِذا برد باستفراغ الْخَلْط المسخًن وَلَيْسَ كل سَبَب يصل إِلَى الْبدن يفعل فِيهِ بل قد يحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى أُمُور ثَلَاثَة: إِلَى قُوَّة من قوته الفاعلة وَقُوَّة من قُوَّة الْبدن الإستعدادية وَتمكن من ملاقاة أَحدهمَا الآخر زَمَانا فِي مثله يصدر ذَلِك الْفِعْل عَنهُ. وَقد تخْتَلف أَحْوَال الْأَسْبَاب عِنْد موجباتها فَرُبمَا كَانَ السَّبَب وَاحِدًا وَاقْتضى فِي أبدان شَتَّى أمراضاً شَتَّى أَو فِي أَوْقَات شَتَّى أمراضاً شَتَّى وَقد يخْتَلف فعله فِي الضَّعِيف وَالْقَوِي وَفِي شَدِيد الحسّ وَضَعِيف الْحس. وَمن الْأَسْبَاب مَا هُوَ مخلِف وَمِنْهَا مَا هُوَ غير مخلِف والمخلِف هُوَ الَّذِي إِذا فَارق يبْقى تَأْثِيره. وَغير المخلِف هُوَ الَّذِي يكون الْبُرْء مَعَ مُفَارقَته. ونقول: إِن الْأَسْبَاب الْمُغيرَة لأحوال الْأَبدَان والحافظة لَهَا إِمَّا ضَرُورِيَّة لَا يَتَأَتَّى للْإنْسَان التفصي عَنْهَا فِي حَيَاته وَإِمَّا غير ضَرُورِيَّة. والضرورية سِتَّة أَجنَاس: جنس الْهَوَاء الْمُحِيط وجنس مَا يُؤْكَل وَيشْرب وجنس الْحَرَكَة والسكون البدنيين وجنس الحركات النفسانية وجنس النّوم واليقظة وجنس الاستفراغ والاحتقان فلنشرع أَولا فِي جنس الْهَوَاء. الْفَصْل الثَّانِي تَأْثِير الْهَوَاء الْمُحِيط بالأبدان الْهَوَاء عنصر لأبداننا وأرواحنا وَمَعَ أَنه عنصر لأبداننا وأرواحنا فَهُوَ مددة يصل إِلَى أَرْوَاحنَا وَيكون عِلّة إصلاحها لَا كالعنصر فَقَط لَكِن كالفاعل أَعنِي الْمعدل وَقد بيّنا مَا نعني بِالروحِ فِيمَا سلف ولسنا نعني بِهِ مَا تسميه الْحُكَمَاء النَّفس. وَهَذَا التَّعْدِيل الَّذِي يصدر عَن الْهَوَاء فِي أَرْوَاحنَا يتَعَلَّق بفعلين هما الترويح والتنقية. والترويح هُوَ تَعْدِيل مزاج الرّوح الْحَار إِذا أفرط بالإحتقان فِي الْأَكْثَر وتغيّره - وأعني بالتعديل - التَّعْدِيل الإضافي الَّذِي عَلمته وَهَذَا التَّعْدِيل يفِيدهُ الإستنشاق من الرئة. وَمن منافس النبض الْمُتَّصِلَة بالشرايين والهواء الَّذِي يُحِيط بأبداننا بَارِد جدا بِالْقِيَاسِ إِلَى مزاج الرّوح الغريزي فضلا عَن المزاج الْحَادِث بالاحتقان فَإِذا وصل إِلَيْهِ صدمه الْهَوَاء وخالطه وَمنعه عَن الإستحالة إِلَى النارية والإحتقانية المؤدية إِلَى سوء مزاج يَزُول بِهِ عَن الاستعداد لقبُول التأثر النفساني فِيهِ الَّذِي هُوَ سَبَب الْحَيَاة وَإِلَى تحلل نفس جوهره البُخَارِيّ الرطب. وَأما التنقية فَهِيَ باستصحابه عِنْد رد النَّفس مَا تسلمه إِلَيْهِ الْقُوَّة المميّزة من البخار الدخاني

стр. 104

الَّذِي نسبته إِلَى الرّوح نِسْبَة الْخَلْط الفضلي إِلَى الْبدن. وَالتَّعْدِيل هُوَ بورود الْهَوَاء على الرّوح عِنْد الِاسْتِنْشَاق والتنقية بصدوره عَنهُ عِنْد رد النَّفس وَذَلِكَ لِأَن الْهَوَاء المستنشق إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي تعديله أول وُرُوده أَن يكون بَارِدًا بِالْفِعْلِ فَإِذا إستحال إِلَى كَيْفيَّة الرّوح بالتسخين لطول مكثه بطلت فَائِدَته فاستغنى عَنهُ. واحتيج إِلَى هَوَاء جَدِيد يدْخل وَيقوم مقَامه فاحتيج ضَرُورَة إِلَى إِخْرَاجه لإخلاء الْمَكَان لمعاقبة ولتندفع مَعَه فضول جَوْهَر الرّوح والهواء مَا دَامَ معتدلاَ وصافياً لَيْسَ يخالطه جَوْهَر غَرِيب منَاف لمزاج الرّوح فَهُوَ فَاعل للصِّحَّة وحافظ لَهَا فَإِذا تغير فعل ضد فعله. والهواء يعرض لَهُ تغيرات طبيعية وتغيرات غير طبيعية وتغيّرات خَارِجَة عَن المجرى الطبيعي مضادة لَهُ. والتغيرات الطبيعية هِيَ التغيرات الفضلية فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل عِنْد كل فصل إِلَى مزاج آخر. الْفَصْل الثَّالِث طباع الْفُصُول اعْلَم أَن هَذِه الْفُصُول عِنْد الْأَطِبَّاء غَيرهَا عِنْد المنجمين فَإِن الْفُصُول الْأَرْبَعَة عِنْد المنجّمين هِيَ أزمنة انتقالات الشَّمْس فِي ربع ربع من فلك البروج مبتدئة من النقطة الربيعية وَأما عِنْد الْأَطِبَّاء فَإِن الرّبيع هُوَ الزَّمَان الَّذِي لَا يحوج فِي الْبِلَاد المعتدلة إِلَى إدفاء يعْتد بِهِ من الْبرد أَو ترويح يعْتد بِهِ من الْحر وَيكون فِيهِ ابْتِدَاء نشوء الْأَشْجَار وَيكون زَمَانه زمَان مَا بَين الاسْتوَاء الربيعي أَو قبله أَو بعده بِقَلِيل إِلَى حُصُول الشَّمْس فِي نصف من الثور. وَيكون الخريف هُوَ الْمُقَابل لَهُ فِي مثل بِلَادنَا. وَيجوز فِي بِلَاد أُخْرَى أَن يتَقَدَّم الرّبيع ويتأخر الخريف. والصيف هُوَ جَمِيع الزَّمَان الْحَار والشتاء هُوَ جَمِيع الزَّمَان الْبَارِد فَيكون زمَان الرّبيع والخريف كل وَاحِد مِنْهُمَا عِنْد الْأَطِبَّاء أقصر من كل وَاحِد من الصَّيف والشتاء. وزمان الشتَاء مُقَابل للصيف أَو أقل أَو أَكثر مِنْهُ بِحَسب الْبِلَاد. فَيُشبه أَن يكون الرّبيع زمَان الأزهار ابْتِدَاء الأثمار والخريف زمَان تغير لون الْوَرق وَابْتِدَاء سُقُوطه وَمَا سواهُمَا شتاء وصيف. فَنَقُول إِن مزاج الرّبيع هُوَ المزاج المعتدل وَلَيْسَ على مَا يظنّ أَنه حَار رطب. وَتَحْقِيق ذَلِك بكنهه هُوَ إِلَى الْجُزْء الطبيعي من الْحِكْمَة بل ليسلم أَن الرّبيع معتدل والصيف حَار لقرب الشَّمْس من سمت الرؤوس وَقُوَّة الشعاع الفائض عَنْهَا الَّذِي يتَوَهَّم انعكاسه فِي الصَّيف إِمَّا على زَوَايَا حادة جدا وَإِمَّا ناكصاً على أعقابه فِي الخطوط الَّتِي نفذ فِيهَا فيكثف عِنْدهَا الشعاع. وَسبب ذَلِك فِي الْحَقِيقَة هُوَ أَن مسْقط شُعَاع الشَّمْس مِنْهُ مَا هُوَ بِمَنْزِلَة مخروط السهْم من الأسطوانة والمخروط كَأَنَّهُ ينفذ من مَرْكَز جرم الشَّمْس إِلَى مَا هُوَ محاذيه. وَمِنْه مَا هُوَ بِمَنْزِلَة الْبَسِيط وَالْمُحِيط أَو المقارب للمحيط وَأَن قوته عِنْد سَهْمه أقوى إِذْ التَّأْثِير يتَوَجَّه إِلَيْهِ من الْأَطْرَاف كلهَا وَأما مَا يَلِي الْأَطْرَاف فَهُوَ أَضْعَف وَنحن فِي الصَّيف

стр. 105

واقعون فِي السهْم أَو بِقرب مِنْهُ ويدوم ذَلِك علينا سكان الْعرُوض الشمالية. وَفِي الشتَاء بِحَيْثُ يقرب من الْمُحِيط وَلذَلِك مَا يكون الضَّوْء فِي الصَّيف أنور مَعَ أَن الْمسَافَة من مقامنا إِلَى مقَام الشَّمْس فِي قرب أوجهها أبعد. أما نِسْبَة هَذَا الْقرب والبعد فتبتين فِي الْجُزْء النجومي من الْجُزْء الرياضي من الْحِكْمَة. وَأما تَحْقِيق إشتداد الْحر لاشتداد الضَّوْء فَهُوَ يتَبَيَّن فِي الْجُزْء الطبيعي من الْحِكْمَة. والصيف مَعَ أَنه حَار فَهُوَ أَيْضا يَابِس لتحلل الرطوبات فِيهِ من شدّة الْحَرَارَة ولتخلخل جَوْهَر الْهَوَاء ومشاكلته للطبيعة النارية ولقلة مَا يَقع فِيهِ من الأنداء والأمطار. والشتاء بَارِد رطب لضد هَذِه الْعِلَل. وَأما الخريف فَإِن الْحر يكون قد انْتقصَ فِيهِ وَالْبرد لَا يستحكم بعد وكأنَا قد حصلنا فِي الْوسط من التبعد بَين السهْم الْمَذْكُور وَبَين الْمُحِيط. فَإِذن هُوَ قريب من الإعتدال فِي الْحر وَالْبرد إِلَّا أَنه غير معتدل فِي الرُّطُوبَة واليبوسة وَكَيف وَالشَّمْس قد جففت الْهَوَاء وَلم يحدث بعد من الْعِلَل المرطبة مَا يُقَابل تجفيف الْعلَّة المجففة وَلَيْسَ الْحَال فِي التبريد كالحال فِي الترطيب لِأَن الإستحالة إِلَى الْبُرُودَة تكون بسهولة والإستحالة إِلَى الرُّطُوبَة لَا تكون بِتِلْكَ السهولة. وَأَيْضًا لَيست الإستحالة إِلَى الرُّطُوبَة بالبرد كالاستحالة إِلَى الْجَفَاف بِالْحرِّ لِأَن الاستحالة إِلَى الْجَفَاف بِالْحرِّ تكون بسهولة فَإِن أدنى الْحر يجفف. وَلَيْسَ أدنى الْبرد يرطب بل رُبمَا كَانَ أدنى الحرّ أقوى فِي الترطيب إِذا وجد الْمَادَّة من أدنى الْبرد فِيهِ لأنّ أدنى الْحر يبخر وَلَا يحلّل. وَلَيْسَ أدنى الْبرد يكثف ويحقن وَيجمع. وَلِهَذَا لَيْسَ حَال بَقَاء الرّبيع على رُطُوبَة الشتَاء كَحال بَقَاء الخريف على يبوسة الصَّيف فَإِن رُطُوبَة الرّبيع تعتدل بِالْحرِّ فِي زمَان لَا تعتدل فِيهِ يبوسة الخريف بالبرد وَيُشبه أَن يكون هَذَا الترطيب والتجفيف شَبِيها بِفعل ملكة وَعدم لَا بِفعل ضدين لِأَن التجفيف فِي هَذَا الْموضع لَيْسَ هُوَ إِلَّا إفقاد الْجَوْهَر الرطب. والترطيب لَيْسَ هُوَ إفقاد الْجَوْهَر الْيَابِس بل تَحْصِيل الْجَوْهَر الرطب لأَنا لسنا نقُول فِي هَذَا الْموضع هَوَاء رطب وهواء يَابِس وَنَذْهَب فِيهِ إِلَى صورته أَو كيفيته الطبيعية بل لَا نتعرض لهَذَا فِي هَذَا الْموضع أَو نتعرض تعرضاً يَسِيرا وَإِنَّمَا نعني بقولنَا هَوَاء رطب أَي هَوَاء خالطته أبخرة كثيفة مائية أَو هَوَاء اسْتَحَالَ بتكثفه إِلَى مشاكلة البخار المائي ونقول هَوَاء يَابِس أَي هَوَاء قد تفشش عَنهُ مَا يخالطه من البخارات المائية أَو اسْتَحَالَ إِلَى مشاكلة جَوْهَر النَّار بالتخلخل أَو خالطته أدخنة أرضية تشاكل الأَرْض فِي تنشفها. فالربيع ينتفض عَنهُ فضل الرُّطُوبَة الشتوية مَعَ أدنى حر يحدث فِيهِ لمقارنة الشَّمْس السمت. والخريف لَيْسَ بِأَدْنَى برد يحدث فِيهِ بترطب جوه. وَإِذا شِئْت أَن تعرف هَذَا فَتَأمل هَل تندى الْأَشْيَاء الْيَابِسَة فِي الجو الْبَارِد كتجفف الْأَشْيَاء الرّطبَة فِي الجو الْحَار على أَن يَجْعَل الْبَارِد

стр. 106

فِي برده كالحار فِي حره تَقْرِيبًا فَإنَّك إِذا تَأَمَّلت هَذَا وجدت الْأَمر فيهمَا مُخْتَلفا على أَن هَهُنَا سبباَ آخر أعظم من هَذَا وَهُوَ أَن الرطوبات لَا تثبت فِي الْجور الْبَارِد والحار جَمِيعًا إلاّ بدوام لُحُوق المدد. والجفاف لَيْسَ يحْتَاج إِلَى مدد الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا صَارَت الرُّطُوبَة فِي الأجساد المكشوفة للهواء أَو فِي نفس الْهَوَاء لَا تثبت إِلَّا بمدد لِأَن الْهَوَاء إِنَّمَا يُقَال لَهُ إِنَّه شَدِيد الْبرد بِالْقِيَاسِ إِلَى أبداننا وَلَيْسَ يبلغ برده فِي الْبِلَاد المعمورة قبلنَا إِلَى أَن لَا يحلل الْبَتَّةَ بل هُوَ فِي الْأَحْوَال كلهَا مُحَلل لما فِيهِ من قُوَّة الشَّمْس وَالْكَوَاكِب فَمَتَى انْقَطع المدد وَاسْتمرّ التَّحَلُّل أسْرع الْجَفَاف. وَفِي الرّبيع يكون مَا يتَحَلَّل أَكثر مِمَّا يتبخر وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن التبخر يَفْعَله أَمْرَانِ: حرارة ورطوبة لَطِيفَة قَليلَة فِي ظَاهر الجو وحر كامن فِي الأَرْض قوي يتَأَذَّى مِنْهُ شَيْء لطيف إِلَى مَا يقرب من ظَاهر الأَرْض. وَفِي الشتَاء يكون بَاطِن الأَرْض حازَا شَدِيد الْحَرَارَة كَمَا قد تبين فِي الْعُلُوم الطبيعية الْأَصْلِيَّة وَتَكون حرارة الجو قَليلَة فيجتمع إِذن السببان للترطيب وَهُوَ التصعيد ثمَّ التَّغْلِيظ وَلَا سِيمَا وَالْبرد أَيْضا يُوجب فِي جَوْهَر الْهَوَاء نَفسه تكاثفاً واستحال إِلَى البخارية. وَأما فِي الرّبيع فان الْهَوَاء يكون تَحْلِيله أقوى من تبخيره والحرارة الْبَاطِنَة الكامنة تنقص جدا وَيظْهر مِنْهَا مَا يمِيل إِلَى بارز الأَرْض دَفعه شَيْء هُوَ أقوى من المبخر أَو شَيْء هُوَ لطيف التبخير لشدَّة استيلائه على الْمَادَّة فيلطفها: ويصادف تبخيره اللَّطِيف زِيَادَة حر الجو فيتمّ بِهِ التَّحْلِيل. هَذَا بِحَسب الْأَكْثَر وبحسب انْفِرَاد هَذِه الْأَسْبَاب دون أَسبَاب أُخْرَى توجب أَشْيَاء غير مَا ذَكرْنَاهُ. ثمَّ لَا تكون هُنَاكَ مَادَّة كَثِيرَة تلْحق مَا يصعد ويلطف فَلهَذَا يجب أَن يكون طباع الرّبيع إِلَى الِاعْتِدَال فِي الرُّطُوبَة واليبس كَمَا هُوَ معتدل فِي الْحَرَارَة والبرودة على إِنَّا لَا نمْنَع أَن تكون أَوَائِل الرّبيع إِلَى الرُّطُوبَة مَا هِيَ إِلَّا أَن بعد ذَلِك عَن الإعتدال لَيْسَ كبعد مزاج الخريف من اليبوسة عَن الِاعْتِدَال ثمَّ إِن الخريف من لم يحكم عَلَيْهِ بِشدَّة الإعتدال فِي الْحر وَالْبرد لم يبعد عَن الصَّوَاب فَإِن ظهائره صيفية لِأَن الْهَوَاء الخريفي شَدِيد اليبس مستعد جدا لقبُول التسخين والاستحالة إِلَى مشاكلة النارية بتهيئة الصَّيف إِيَّاه لذَلِك ولياليه وغدواته بَارِدَة لبعد الشَّمْس فِي الخريف عَن سمت الرؤوس ولشدة قبُول اللَّطِيف المتخلخل لتأثير مَا يبرد. وَأما الرّبيع فَهُوَ أقرب إِلَى الِاعْتِدَال فِي الكيفيتين لِأَن جوه لَا يقبل من السَّبَب المشاكل للسبب فِي الخريف مَا يقبله جو الخريف من التسخين والتبريد فَلَا يبعد ليله كثيرا عَن نَهَاره. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا بَال الخريف يكون ليله أبرد من ليل الرّبيع وَكَانَ يجب أَن يكون هواؤه أسخن لِأَنَّهُ ألطف فنجيبه ونقول: إِن الْهَوَاء الشَّديد التخلخل يقبل الحرّ وَالْبرد أسْرع وَكَذَلِكَ المَاء الشَّديد التخلخل وَلِهَذَا إِذا سخنت المَاء وعرضته للإجماد كَانَ أسْرع جموداً من الْبَارِد لنفوذ التبريد فِيهِ لتخلخله على أَن الْأَبدَان لَا تحس من برد الرّبيع مَا تحس من برد الخريف لِأَن الْأَبدَان فِي

стр. 107

الرّبيع منتقلة من الْبرد إِلَى الحرّ متعودة للبرد وَفِي الخريف بالضدّ وعَلى أَن الخريف مُتَوَجّه إِلَى الشتَاء وَالربيع مُسَافر عَنهُ. وَاعْلَم أَن اخْتِلَاف الْفُصُول قد يثير فِي كل إقليم ضربا من الْأَمْرَاض وَيجب على الطَّبِيب أَن يتعرف ذَلِك فِي كل إقليم حَتَّى يكون الِاحْتِرَاز والتقدم بِالتَّدْبِيرِ مَبْنِيا عَلَيْهِ وَقد يشبه الْيَوْم الْوَاحِد أَيْضا بعض الْفُصُول دون بعض فَمن الْأَيَّام مَا هُوَ شتوي وَمِنْهَا مَا هُوَ صَيْفِي وَمِنْهَا مَا هُوَ خريفي يسخن ويبرد فِي يَوْم وَاحِد (الْفَصْل الرَّابِع أَحْكَام الْفُصُول) وتعابيرها كل فصل يُوَافق من بِهِ مزاج صحي مُنَاسِب لَهُ وَيُخَالف من بِهِ سوء مزاج غير مُنَاسِب لَهُ إِلَّا إِذا عرض خُرُوج عَن الِاعْتِدَال جدا فيخالف الْمُنَاسب وَغير الْمُنَاسب بِمَا يضعف من الْقُوَّة وَأَيْضًا فَإِن كل فصل يُوَافق المزاج العرضي المضاد لَهُ وَإِذا خرج فصلان عَن طبعهما وَكَانَ مَعَ ذَلِك خروجهما متضاداً ثمَّ لم يَقع إفراط متماد مثل أَن يكون الشتَاء كَانَ جنوبياً فورد عَلَيْهِ ربيع شمَالي كَانَ لُحُوق الثَّانِي بِالْأولِ مُوَافقا للأبدان معدلاً لَهَا فَإِن الرّبيع يتدارك جِنَايَة الشتَاء. وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الشتَاء يَابسا جدا وَالربيع رطبا جدا فَإِن الرّبيع يعدل بيبس الشتَاء. وَمَا لم تُفْرِط الرُّطُوبَة وَلم يطلّ الزَّمَان لم يتغيّر فعله عَن الإعتدال إِلَى الترطيب الضار. تغيّر الزَّمَان فِي فصل وَاحِد أقل جلباً للوباء من تغيره فِي فُصُول كَثِيرَة تغيّراً جالباً للوباء لَيْسَ تغير امتداد كَالْمَاءِ يجنيه التغيّر الأول على مَا وَصفنَا. وَأولى أمزجة الْهَوَاء بِأَن يَسْتَحِيل إِلَى العفونة هُوَ مزاج الْهَوَاء الْحَار الرطب وَأكْثر مَا تعرض تغيرات الْهَوَاء إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمَاكِن الْمُخْتَلفَة الأوضاع والغائرة ويقلّ فِي المستوية والعالية خُصُوصا. وَيجب أَن تكون الْفُصُول ترد على واجباتها فَيكون الصَّيف حاراً والشتاء بَارِدًا وَكَذَلِكَ كل فصل فَإِن انخرق ذَلِك فكثيراً مَا يكون سَببا لأمراض رَدِيئَة. وَالسّنة المستمرة الْفُصُول على كَيْفيَّة وَاحِدَة سنة رَدِيئَة مثل أَن يكون جَمِيع السّنة رطبا أَو يَابسا أَو حاراً أَو بَارِدًا فَإِن مثل هَذِه السّنة تكون كَثِيرَة الْأَمْرَاض الْمُنَاسبَة ليكفيتها ثمَّ تطول مددها فان الْفَصْل الْوَاحِد يثير الْمَرَض اللَّائِق بِهِ فَكيف السّنة مثل أَن الْفَصْل الْبَارِد إِذا وجد بدناً بلغمياً حرك الصرع والفالج والسكتة وَالْقُوَّة والتشنُّج وَمَا يشبه ذَلِك. والفصل الْحَار إِذا وجد بدناً صفراوياً أثار الْجُنُون والحمّيات الحادة والأورام الحارة فَكيف إِذا استمرت السّنة على طبع الْفَصْل. وَإِذا استعجل الشتَاء استعجلت الْأَمْرَاض الشتوية وَإِن استعجل الصَّيف استعجلت الأمراص الصيفية وتغيّرت الْأَمْرَاض الَّتِي كَانَت قبلهَا بِحكم الْفَصْل وَإِذا طَال فصل كثرت أمراضه وخصوصاً الصَّيف والخريف. وَاعْلَم أَن لانقلاب الْفُصُول تَأْثِيرا لَيْسَ هُوَ بِسَبَب الزَّمَان لِأَنَّهُ زمَان بل لما يتغيّر مَعَه من الْكَيْفِيَّة هُوَ تَأْثِير عَظِيم فِي تغيّر الْأَحْوَال وَكَذَلِكَ لَو تغيّر الْهَوَاء فِي يَوْم وَاحِد من الْحر إِلَى برد

стр. 108

لتغيّر مقتضاهما فِي الْأَبدَان. وَأَصَح الزَّمَان هُوَ أَن يكون الخريف مطيراً والشتاء معتدلاً لَيْسَ عادماً للبرد وَلَكِن غير مفرط فِيهِ بِالْقِيَاسِ إِلَى الْبَلَد. هان جَاءَ الرّبيع مطيراً وَلم يخل الصَّيف من مطر فَهُوَ أصحّ مَا يكون. الْفَصْل الْخَامِس الْهَوَاء الْجيد الْهَوَاء الجيّد فِي الْجَوْهَر هُوَ الْهَوَاء الَّذِي لَيْسَ يخالطه من الأبخرة والأدخنة شَيْء غَرِيب وَهُوَ مَكْشُوف للسماء غير محقون للجدران والسقوف اللَّهُمَّ إِلَّا فِي حَال مَا يُصِيب الْهَوَاء فَسَاد عَام فَيكون المكشوف أقبل لَهُ من المغموم والمحجوب وَفِي غير ذَلِك فَإِن المكشوف أفضل. فَهَذَا الْهَوَاء الْفَاضِل نقي صافٍ لَا يخالطه بخار بطائح وآجام وخنادق وأرضين نزه ومباقل وخصوصاً مَا يكون فِيهِ مثل الكرنب والجرجير وأشجار خبيثة الْجَوْهَر مثل الْجَوْز والشوحط والتين وأرياح عفنة وَمَعَ ذَلِك يكون بِحَيْثُ لَا يحتبس عَنهُ الرِّيَاح الفاضلة لأنّ مَهابُّها أَرض عالية ومستوية فَلَيْسَ ذَلِك الْهَوَاء هَوَاء محتبساً فِي وهدة يسخن مَعَ طُلُوع الشَّمْس ويبرد مَعَ غُرُوبهَا بِسُرْعَة وَلَا أَيْضا محقوناً فِي جدران حَدِيثَة الْعَهْد بالصهاريج وَنَحْوهَا لم تَجف بعد تَمام جفافها وَلَا عَاصِيا على النَّفس كَأَنَّمَا يقبض على الْحلق وَقد علمت أَن تغيرات الْهَوَاء مِنْهَا طبيعية وَمِنْهَا مضادة للطبيعة وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بطبيعي وَلَا خَارج عَنهُ وَاعْلَم أَن تغيرات الْهَوَاء الَّتِي لَيست عَن الطبيعة كَانَت مضادة أَو غير مضادة قد تكون بأدوار وَقد تكون غير حافظة للأدوار وَأَصَح أَحْوَال الْفُصُول أَن تكون على طبائعها فَإِن تغيرها يجلب أمراضاً. الْفَصْل السَّادِس كيفيات الأهوية ومقتضيات الْفُصُول الْهَوَاء الْحَار يحلل ويرخي فَإِن اعتدل حمر اللَّوْن بجذب الدَّم إِلَى خَارج وَإِن أفرط صفره بتحليله لما يجذب وَهُوَ يكثر الْعرق ويقلل الْبَوْل ويضعف الهضم ويعطش والهواء الْبَارِد يشد وَيُقَوِّي على الهضم وَيكثر الْبَوْل لاحتقان الرطوبات وَقلة تحلّلها بالعرق وَنَحْوه

стр. 109

ويقلل الثفل لانعصار عضل المقعدة ومساعدة المعي الْمُسْتَقيم لهيئتها فَلَا ينزل الثفل لفقدان مساعدة المجرى فَيبقى كثيرا وتحلل مائيته إِلَى الْبَوْل. والهواء الرطب يليّن الْجلد ويرطب الْبدن. واليابس يفحل الْبدن يجفف الْجلد. والهواء الكدر يوحش النَّفس ويثير الأخلاط. والهواء الكدر غير الْهَوَاء الغليظ فَإِن الْهَوَاء الغليظ هُوَ الْمُتَشَابه فِي خثورة جوهره والكدر هُوَ المخالط لأجسام غَلِيظَة. وَيدل على الْأَمريْنِ قلَّة ظُهُور الْكَوَاكِب الصغار وَقلة لمعان مَا يلمع من الثوابت كالمرتعش. وسببهما كَثْرَة الأبخرة والأدخنة وَقلة الرِّيَاح الفاضلة. وَسَيَعُودُ لَك الْكَلَام فِي هَذَا الْمَعْنى وَيتم إِذا شرعنا فِي تغييرات الْهَوَاء الْخَارِجَة عَن المجرى الطبيعي. وكل فصل يرد على واجبه أَحْكَام خَاصَّة ويشترك آخر كل فصل وَأول الْفَصْل الَّذِي يتلوه فِي أَحْكَام الْفَصْلَيْنِ وأمراضهما. وَالربيع إِذا كَانَ على مزاجه فَهُوَ أفضل فصل وَهُوَ مُنَاسِب لمزاج الرّوح وَالدَّم وَهُوَ مَعَ اعتداله الَّذِي ذَكرْنَاهُ يمِيل عَن قرب إِلَى حرارة لَطِيفَة سمائية ورطوبة طبيعية وَهُوَ يحمر اللَّوْن لِأَنَّهُ يجذب الدَّم باعتدال وَلم يبلغ أَن يحلله تَحْلِيل الصَّيف الصَّائِف. وَالربيع تهيج فِيهِ الْأَمْرَاض المزمنة لِأَنَّهُ يجْرِي الأخلاط الراكدة ويسيلها وَلذَلِك السَّبَب تهيج فِيهِ ماليخوليا أَصْحَاب الماليخوليا وَمن كثرت أخلاطه فِي الشتَاء لنهمه وَقلة رياضته استعد فِي الرّبيع للأمراض الَّتِي تهيج من تِلْكَ الْموَاد بتحليل الرّبيع لَهَا وَإِذا طَال الرّبيع واعتداله قلت الْأَمْرَاض الصيفية. وأمراض الرّبيع اخْتِلَاف الدَّم والرعاف وتهيج الماليخوليا الَّتِي فِي طبع الْمرة والأورام والدماميل والخوانيق وَتَكون قتالة وَسَائِر الخراجات وَيكثر فِيهِ انصداع الْعُرُوق وَنَفث الدَّم والسعال وخصوصاً فِي الشتوي مِنْهُ الَّذِي يشبه الشتَاء ويسوء أَحْوَال من بهم هَذِه الْأَمْرَاض وخصوصاً السد ولتحريكه فِي المبلغمين مواد البلغم تحدث فِيهِ السكتة والفالج وأوجاع المفاصل وَمَا يُوقع فِيهَا حَرَكَة من الحركات الْبَدَنِيَّة والنفسانية مفرطة وَتَنَاول المسخنات أَيْضا فَإِنَّهُمَا يعينان طبيعة الْهَوَاء وَلَا يُخَلص من أمراض الرّبيع شَيْء كالفصد والإستفراغ والتقليل من الطَّعَام والتكثير من الشَّرَاب وَالْكَسْر من قُوَّة الشَّرَاب الْمُسكر بمزجه. وَالربيع مُوَافق للصبيان وَمن يقرب مِنْهُم. وَأما الشتَاء فَهُوَ أَجود للهضم لحصر الْبرد جَوْهَر الْحَار الغريزي فيقوي وَلَا يتَحَلَّل ولقلة الْفَوَاكِه واقتصار النَّاس على الأغذية الْخَفِيفَة وَقلة حركاتهم فِيهِ على الإمتلاء ولإيوائهم إِلَى المدافىء وَهُوَ أَكثر الْفُصُول للمدة السَّوْدَاء لبرده وَقصر نَهَاره مَعَ طول ليله. وأكثرها حَقنا للمواد وأشدها إحواجاً إِلَى تنَاول المقطعات والملطفات والأمراض الشتوية أَكْثَرهَا بلغمية. وَيكثر فِيهِ البلغم حَتَّى إِن أَكثر الْقَيْء فِيهِ البلغم ولون الأورام يكون فِيهِ إِلَى الْبيَاض على أَكثر الْأَمر. وَيكثر فِيهِ أمراض الزُّكَام ويبتدىء الزُّكَام مَعَ اخْتِلَاف

стр. 110

الْهَوَاء الخريفي ثمَّ يتبعهُ ذَات الْجنب وَذَات الرئة والبحوحة وأوجاع الْحلق ثمَّ يحدث وجع الْجنب نَفسه وَالظّهْر وآفات العصب والصداع المزمن بل السكتة والصرع كل ذَلِك لإحتقان الْموَاد البلغمية وتكثرها. والمشايخ يتأذون بالشتاء وَكَذَلِكَ من يشبههم. والمتوسطون يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَيكثر الرسوب فِي الْبَوْل شتاء بِالْقِيَاسِ إِلَى الصَّيف ومقداره أَيْضا يكون أَكثر. وَأما الصَّيف فَإِنَّهُ يحلل الأخلاط ويضعف الْقُوَّة وَالْأَفْعَال الطبيعية لسَبَب إفراط التَّحْلِيل ويقل الدَّم فِيهِ والبلغم وَيكثر المرار الْأَصْفَر ثمَّ فِي آخِره المرار الْأسود بِسَبَب تحلل الرَّقِيق واحتباس الغليظ واحتقانه. وتجد الْمَشَايِخ وَمن يشبههم أقوياء فِي الصَّيف ويصفر اللَّوْن بِمَا يحلل من الدَّم الَّذِي يجذبه وتقصر فِيهِ مدد الْأَمْرَاض لِأَن الْقُوَّة إِن كَانَت قَوِيَّة وجدت من الْهَوَاء معينا على التَّحْلِيل فأنضجت مَادَّة الْعلَّة ودفعتها وَإِن كَانَت ضَعِيفَة زَادهَا الْحر الهوائي ضعفا بالإرخاء فسقت وَمَات صَاحبهَا. والصيف الْحَار الْيَابِس سَرِيعا مَا يفصل الْأَمْرَاض وَالرّطب مضاغ طَوِيل مدد الْأَمْرَاض وَلذَلِك يؤول فِيهِ أَكثر القروح إِلَى الآكلة ويعرض فِيهِ الاسْتِسْقَاء وزلق الأمعاء وتلين الطَّبْع ويعين فِي جَمِيع ذَلِك كُله كَثْرَة إنحدار الرطوبات من فَوق إِلَى أَسْفَل وخصوصاً من الرَّأْس. وَأما الْأَمْرَاض القيظية فَمثل حَتَّى الغبّ والمطبقة والمحرقة وضمور الْبدن. وَمن الأوجاع أوجاع الْأذن والرمد وَيكثر فِيهِ خَاصَّة إِذا كَانَ عديم الرّيح الْحمرَة والبثور الَّتِي تناسبها وَإِذا كَانَ الصَّيف ربيعياً كَانَت الحميات حَسَنَة الْحَال غير ذَات خشونة وحدة يابسة وَكثر فِيهِ الْعرق وَكَانَ متوقعاً فِي البحارين لمناسبة الْحَار الرطب لذَلِك فَإِن الْحَار يخلل وَالرّطب يُرْخِي ويوسع المسام. وَإِن كَانَ الصَّيف جنوبياً كثرت فِيهِ الأوبئة وأمراض الجدري والحصبة. وَأما الصَّيف الشمالي فَإِنَّهُ منضج لكنه يكثر فِيهِ أمراض الْعَصْر. وأمراض الْعَصْر أمراض تحدث من سيلان الْموَاد بالحرارة الْبَاطِنَة أَو الظَّاهِرَة إِذا ضربتها برودة ظَاهِرَة فعصرتها وَهَذِه الْأَمْرَاض كلهَا كالنوازل وَمَا مَعهَا وَإِذا كَانَ الصَّيف الشمالي يَابسا انْتفع بِهِ البلغميون وَالنِّسَاء وَعرض لأَصْحَاب الصَّفْرَاء رمد يَابِس وحميات حارة مزمنة وَعرض من احتراق الصَّفْرَاء للإحتقان غَلَبَة سَوْدَاء. وَأما الخريف فَإِنَّهُ كثير الْأَمْرَاض لِكَثْرَة تردد النَّاس فِيهِ فِي شمس حارة ثمَّ رَوَاحهمْ إِلَى برد ولكثرة الْفَوَاكِه وَفَسَاد الأخلاط بهَا ولانحلال الْقُوَّة فِي الصَّيف. والأخلاط تفْسد فِي الخريف بِسَبَب المأكولات الرَّديئَة وبسبب تخَلّل اللَّطِيف وَبَقَاء الكثيف وإحتراقه. وَكلما أثار فِيهَا خلط من تثوير الطبيعة للدَّفْع والتحليل رده الْبرد إِلَى الحقن ويقلّ الدَّم فِي الخريف جدا بل هُوَ مضاد للدم فِي مزاجه فَلَا يعين على توليده وَقد تقدّم تَحْلِيل الصَّيف الدَّم وتقليله مِنْهُ. وَيكثر فِيهِ من الأخلاط المرار الْأَصْفَر بَقِيَّة عَن الصَّيف وَالْأسود لترمد الأخلاط فِي الصَّيف فَلذَلِك تكْثر
следующие страницы →