Полный текст (400 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عليّا وأصحابه تولّوا نقض تدبيرهم بأيديهم ولم يدفعوه ولم يحتالوا فيه وكيف سهلوا وكيف هان عليهم موقعه وهم لا يطمعون في سواه ولا حيلة لهم غيره؟ وبعد فمدار الكلام إنّما هو على أنّ عليهما أن ينظروا في كتاب الله وفي سنّة نبيّه ﷺ ، فإن دلّ الكتاب على أنّ عليا هو الإمام فعليّ هو الإمام وسبيل السنّة في ذلك سبيل الكتاب وكذلك حالهما في الحكم لمعاوية.
فخبّرني- رحمك الله- وقف عندما أسألك عنه عن الكتاب، كيف يجوز أن يدلّ على معاوية وكيف جواز ذلك وأين بابه وأين مفتاحه والطريق إليه، في أيّ سورة ذلك الدليل وفي [أيّ] آية ذلك البرهان يصاب؟ وأين تلك السنّة، وأين تطلب، ومن أيّ شكل هي، وما لفظها، وما أصل معناها؟ وقد علمت أنّ القرآن الذي أشاروا إليه هو الذي في مصاحفنا وإنّ السنن التي قصدوا إليها هي التي في صحفنا ممّا فرض الله في كتابه وسنّة النبيّ ﷺ في أمّته؛ فانظر فيهما وتبينهما وفتشهما بالنظر الشافي والتقليب المستقصي: هل تجد فيهما اسم معاوية أو صفته او جليته او صفة عمله او جليّة عمله؟.
وقد علمنا ان الله الجليل قدره لم يقل في كتابه: «اقبلوا شهادة أبي بكر وعمر وعثمان» ولكنّ الله لمّا قال: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ
وجدناهم مرضيين نصّا فقبلنا شهادتهم؛ وقال رسول الله ﷺ : «ليؤمّكم خياركم» ، فإذا كان الغرض الذي إليه ينزع الكلام ويشير القول إليه الخير دون الشرّ والفضل دون النقص، فكلّ من كان خيرا كان احقّ بتلك الإمامة؛ فإن كان كتاب القضيّة إنّما دعا الحكمين إلى هذا الجنس من النظر، فليس لمعاوية فيه درك، ولا متعلق ولا طمع، وإن كان على غير هذا الوجه فخبّرني ما هو وما شكله وأيّ صورة هو.
وقد قالوا في وصف السنّة فجعلوها العادلة والجامعة غير المفرقة، والسنن كلّها عادلة وكلّها جامعة غير مفرقة، فأيّتهنّ هي وما علامتها وما شبهتها؟
ويدلك على فساد هذا الأمر أنّه لم يأتنا قطّ أنّهما مذ نفذا إلى أن انقضى امرهما
стр. 142
تذاكرا شيئا من ذلك في خلاء ولا ملاء ولا التمسا تأويلا ولا خرّجا تفسيرا؛ ولا سمعنا في ذلك إلّا ما كان منهما عند المراوضة انّ الناس لا يكتبون بعد تفريقهم إلّا على رجل لم يخض في الدماء وليس لأحد قبله بيعة ولا وتر؛ فهذا خلاف الشريطة والذي وقعت فيه القضية وإنّما جعل إليهما سطرا في كتاب الله والسنّة على أيّهم أدلّ فقط، فتركا ذلك البتّة.
ثمّ ابتدءا بابا آخر لم يجر لهما ذكره ولا وقع عليه شرط؛ فلو ان أبا موسى قال: «قد صرفتها إلى ابن عمر» ، وقال عمرو: «قد صرفتها الى ابني عبد الله إبن عمرو ما كان إلّا كقول ابي موسى، وهذا عند جميع من شهد القضية خلاف ما وقع عليه شرط القضية، وهما- حفظك الله- لم يحكما على ان لهما ان نحرجاها إلى من أحبّا وإنّما جعل إليهما في ظاهر الكتاب أن يجتمعا على أحد الرجلين اللذين حكّماهما، فأمّا ان يقول له عمرو وهو يعرف رأيه في عمر وميله إلى ابن عمر: «ما لهذا الأمر خير من رجل لم يخض في الفتنة، له صحبة ولم يتلطّخ بالدماء وليست قبله تباعة ولا ضغينة، فيكون مرضيّا ابن مرضيّ» ثمّ توهّمه ذلك ليسكن إليه ويظهر أن الرأي في وضع شورى بين من كان هذا شكله وهذا صفته، وهذا خروج من حدّ القضية، وقد صارا حينئذ يختاران للأمّة، فلا يثبت ذلك الحكم منهما إلّا أن يكونا عن توكيل منهما لهما، أو يكون لأنّ مكانهما من الإسلام أن يضعا الإمامة حيث أحبّا؛ وإذا كانا كذلك فهما أحق بالإمامة ممّن يريان إقامته وتقويمه، فلا الأمّة وكّلتهما ولا مكانهما هذا المكان والحمد لله.
ووجه آخر تستدلّ به على صواب ما قلنا وتعرف به صحّة ما فسّرنا: كأن قائلا قال: كان عليّ قد كان علم انّ عمرا وأبا موسى يوم القضيّة وفي تلك الحال لم يكونا عند أهل العراق وأهل الحجاز عدلين مرضيين، وإذا لم يكونا مرضيين لم يكونا شاهدين، وإذا كانا بعيدين من جواز الشهادة كانا من جواز الحكم أبعد؛ فأظهر عليّ قولا يتوهّم المتوهّم معه أنه قد رضي بحكم عمرو وقد علم انّ في قلوب اصحابه منه ومن سقوط عدالته ما فيها، وعلم انّ عمرا وأبا موسى [إن]
стр. 143
اجتمعا على الحكم له فقد كفي القيل والقال، وإن اجتمعا على معاوية، وعمرو عندهم لا يجوز حكمه، كان على دارس أمره، لأنّ الحكم كان مجعولا إليهما ولا باجتماعهما يقع؛ ولا يقع أن يلزم عليّا حكم عمرو لمعاوية ولا يلزم معاوية حكم ابي موسى لعليّ، وإنّما الشرط ان يجتمعا ومن اجتمعا عليه فله إنكار ذلك الحكم إذ كان واحد من لا تتم الحكومة إلّا به فاسد الحكم؛ وإنّما استجاز علي ان يظهر كلاما ما، يحتمل الحكم الفاسد لمكان التقية، وليس هذا التدبير كان معروفا عنده؛ وهذا- أبقاك الله- تدبير معجب ورأي مؤنق في هذا المكان وعند هذه البلية وعند الضيقة والتقية والخوف من الفتنة لا كتدبير معاوية في ذلك، فانّا لا نجد له في ذلك مذهبا مرضيّا ولا تدبيرا صحيحا.
[٢١- عزل علي معاوية لضلاله فتمرد عليه]
وقد علمت- أبقاك الله- انّ الذي أخرج معاوية إلى حرب علي ولزوم محاربة عليّ عزل عليّ له حين بويع له وحين لم يستحلّ ان يدعه طرفة عين، ولذلك حين قيل له: «لو شئت ان تدعه حتى إذا تمكن الأمر ومهد وضرب الحقّ بجرانه عزلته» - قال: «ما كنت منجد المضلّين عضدا» ؛ فقد دلّ ذلك على ان رأيه كان فيهما متقدّما؛ فعليّ عند ما قال ذلك القول وصنع ذلك الصنيع الذي يتوهّم عنهما المتوهّم انّه قد رضي بعمرو حكما وكره أيضا بما اعطاه الله من صحّة الغريزة وقوّة القريحة وعجيب التدبير ان يجيء برجل غير ابي موسى ويجيء معاوية بغير عمرو، فكان إنكار حكم عمرو وإزالة جوره، إذ كان عند اهل العراق والحجاز ظنينا، أهون وأيسر من أن يرضى برجلين مسلمين صالحين بريّن تقيّين مسلمين سليمين طاهرين نقيّين؛ فإن هما غلطا او بدلا كان نفي حكمهما والسخط لما أبرما من قضيتهما أعسر وأضيق، بل قد اراد ان يجرّح شهادة ابي موسى ويسقط حكمه عند جميع الأمة لانه بالأمس قد كان روى عن رسول الله ﷺ الروايات في التثبيط عن عليّ وأنّ من سعى معه في تلك الجيوش والحروب مفتون، حتى جرى بينه وبين الحسين وعمّار ما قد
стр. 144
رواه الناس وشاع في الآفاق، وصار بعد ذلك حكما لهذا الفاتن ليحدّ إليه وإلى حبره.
كذلك كان ظاهر حالهما، فنفس حال أبي موسى كانت جارحة لشهادته مفسدة لحكمه، فأراد عليّ أن يكون بالخيار وكان ينبغي لمعاوية في الحزم أن يفطن لهذه المكيدة وأن يرتاب بظاهر رضاه بأبي موسى، والحال عنده معروفة وجواسيسه كثيرة ومن يكاتبه أكثر عددا.
[٢٢- الشيعة والخوارج غافلون عن فهم علي]
والناس- حفظك الله وأرشدك- عن تدبير هذا الامام غافلون، لا الشيعة يعرفونه فيضيفونه اليه ويحتجون به على الخصوم ويوسعون الناس عذرا عند تضايق الأمر عليهم فيه، ولا الخوارج الذين هم عليه ينقمون والمكفرون له من هذه المارقة يعرفون ذلك التدبير، وهم كانوا من خاصّة جنده من المحقّقين وأصحاب البرانس وأصحاب السما دون غيرهم، فيرتدعون عن إكفاره وشتمه وخلعه؛ وقد كان ينبغي لمن خالف عليّا مرّة- حفظك الله- وهو مستبصر في نفسه ثمّ تبيّن أنّ الحق معه، أن يرتدع عن الاستبصار في أمر آخر فلا يدري لعلّ السبيل فيه كالسبيل فيما قبله.
[٢٣- ضلال الخوارج في قضية التحكيم]
فلو قال لهم بعض نصحائهم: قد علمتم ما كان منّا يوم رفع المصاحف من إضلال وجه الرأي ومن خديعة معاوية إيّانا ومن إصابة عليّ وجه الرأي وتنبيهه لنا، فلعلّ الذي أعطى من نفسه في الحكمين من شكل ذلك التدبير؛ بل قد رأيتم وسمعتم ما كان من أصحاب رسول الله ﷺ يوم قضيّة الحديبية حين ألغى رسول الله ﷺ من الكتاب اسم النبوة
стр. 145
وقاضاهم على أنّ من أتاه من عدوّه كان عليه ردّه، ومن صار إلى عدوه من اصحابه فليس عليهم ردّه، فماجوا وضاقت نفوسهم وقالوا: «هذه دنيّة» ، حتى قال أبو بكر: «لو كانت دنيّة ما أعطاها» ، ثمّ اقبل على عمرو وقال: الزم غرزه واعلم أنّه رسول الله ﷺ ولم يعط دنيّة» ، فلم ير المسلمون قطّ قضية أعظم عليهم بركة منها؛ فلو فكّر القوم فيما أعطى الله أنبياءه وخلفاءه من صواب التدبير والرأي والمعرفة بغوامض الأمور لما تهوّروا تهوّر الأغمار ولا أقدموا على تخطئة الائمة إقدام من لا يحب التمكن ولا يعرف فضل عقل الإمام على رعيّته.
[٢٤- موقف ابن عباس من عزل معاوية]
وأمّا ما رويتم عن ابن عبّاس أنه قال لعليّ حيث أبى إلّا عز له وقال: «ما له عندي إلا السيف حتى يغلبه الحق» - فقال له ابن عبّاس: «وما لك عنده إلّا السيف حتى يغلبك الباطل» ، فانّ باطل معاوية يوم عزم على عز له [لا] يتخوّفه على الخلافة ولا ظنّ أحد ولا دار في وهمه ولا خطر على باله ان الامور ستنفتح وان الحوادث ستنفتق بما تفتّحت وتفتّقت، ولا ظنوا ان تلك الأعاجيب كانت كامنة في تلك الحالات، ولا قدّر ذلك معاوية ولا ظنّه ولا طمع فيه، ولكنها أمور تناتجت وأعاجيب تلاقحت وامور كثيرة- حفظك الله- قد كانت محقّرة الاوائل مصغّرة الأسباب ثمّ ترامت بها أمواج البلاء وزخرت بها بحور الفتن حتى عتت وخرجت من الجبلة وطغت وامتنعت على الأطباء؛ وقد قال مجاشع الرّبعي: «ليس بكبير ما أصلحه المال» وقد يصلح المال الداء وينجع فيه الدواء وربّما أعضل الداء فامتنع الشفاء.
[٢٥- العامة تستنكر مقتل عثمان فتميل الى معاوية]
وقد خبرتك أنّ دم عثمان كان من أمتن أسبابه وأجود
стр. 146
مصايده، وكان ذلك الدم دما أكثرته الجماعة واستفظعته الدهماء وكبر في نفوس العامة وفي نفوس اكثر الخاصة؛ وقد رووا انّ ابن عمر لما هجم على طارق مولى عثمان يأكل الطعام على منبر رسول الله ﷺ قال: «ما ظننت ان العقوبة بقتل عثمان تبلغ ما أرى!» ، وقال عدي بن حاتم: «إنّكم إن قتلتم عثمان لم تحبق فيه عنز» ، فلما قتل ابنه وفقئت عينه ودخل بعد ذلك على معاوية وقد صار الأمر إليه وله، قال له: «هل حبقت العنز؟» - قال:
«أي- والله- والتيس الاضخم!» ؛ وزعموا أنهم حين سمعوا قول كثير في ولد عثمان:
وابن الذي عوقبت في قتله العرب
عجبوا ممّا ألهم؛ وقد قالوا لعليّ بن أبي طالب ولاصحابه يوم الجمل:
ردّوا علينا شيخنا ثم بجل ... ننعي ابن عفّان بأطراف الأسل
فإذا كان جند طلحة والزّبير وحالهما في دم عثمان والعون عليه وهو محصور حالهما وهم يقولون هذا القول ويطالبون عليّا بدمه هذه المطالبة، كيف تتعجب من معاوية وجنده وكيف لا يطالب معاوية عليّا بدم عثمان بأهل الشام إذ كان طلحة والزّبير يطالبان عليّا بدمه، وأصحاب طلحة والزبير يوم الجمل هم فتحوا هذا الباب لأصحاب معاوية يوم صفين؟ وإنما ذكرت لك هذا لتعلم أنّ معاوية يوم عز له عليّ لم يكن بالمخوف على ما تهيأ له وأنفق على يده؛ فإن قلت: فانّ أكثر الناس قد أكثروا في عليّ وقالوا: «قتل عثمان» ، وقال حسّان بن ثابت:
يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن عليّ وابن عفانا
لتسمعنّ وشيكا في دياركم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
وقال الوليد بن عقبة ايضا:
بني هاشم ردّوا سلاح ابن أختكم ... ولا تنهبوه لا تحلّ مناهبه
стр. 147
[٢٦- المعتزلة يتوسطون الفرق]
قلت لك إني قد سمعت من هذا روايات ورويت فيه أشعارا وسمعت من الناس فيه خوضا كثيرا، وسأقيمك على الواضحة وأقف لك على الجادّة، بل على العلم العظيم والمنهج الفسيح إن شاء الله؛ وخير الاقاويل بل أعدلها وأرضاها عند الله أقصدها، ولذلك اخترنا الاعتزال مذهبا وجعلناه نحلة ومفخرا؛ وسنقدم قبل القول في هذه المسألة قولا، فافهمه، قالت الجهميّة:
«لا نقول إنّ الله معنى ولا نقول إنه شيء، ومتى أضفنا إليه شيئا فمتى نحن أضفناه إليه فذلك الشيء فعل من أفعاله، كذلك سمعه وبصره وعلمه وقدرته» . وقالت الرافضة: «هو جسم فضلا عن ان نقول إنّه شيء» ؛ وقالت المعتزلة: «هو شيء وليس كمثله شيء، وليس بجسم وليس علمه بفعل ولا صنع، وإنما قولنا: له علم، كقولنا: هو عالم، نريد أنه لا يخفى عليه خافية» .
وقالت المرجئة: «القاذف مؤمن» ، وقالت الخوارج: «القاذف كافر» ، وقال بعضهم: مشرك؛ وقالت البكريّة: «بل هو أسوأ حالا من المشرك، والمنافق أشدّ عذابا من الكافر» ؛ وقالت المعتزلة: «هو فاسق كما سمّاه نصّا ولا نسمّيه كافرا فيلزمنا أن نلزمه أحكام الكفّار وليس ذلك حكمه، ولا نقول:
مؤمن، فيلزمنا ولايته ومدحه وإيجاب الثواب له، وقد أخبرنا الله تعالى أنّه مشؤوم من أهل النار، فنزعم أنّه في النار مع الكافر وأنّه لا يجوز أن يكون في الجنّة مع المؤمن» .
وقالت الخوارج في قتال الفئة الباغية: «نسير فيها بالإكفار وبالسبي والغنائم وباتّباع المدبر والاجهاز على الجريح» ؛ وقالت المرجئة: «لا قتال» ؛ وقالت المعتزلة بالقول المرضي وهو إيجاب القتال على جهة الدفع لا على القصد إلى القتال ولا على السبي ولا على الاجهاز على الجرحى ولا على استحلال
стр. 148
الاموال، فلم نفرط إفراط الخوارج ولم نقصّر تقصير المرجئة، ودين الله بين المقصّر والغالي، وهذا الاشتقاق، وهو التوسّط والاقتصاد، هو الاعتزال لغلوّ من غلا وتقصير من قصّر؛ والاصل الذي نبني عليه أمورنا فيمن ليس عندنا كعليّ وسابقته وأرومته وكامل خصاله بل في أدنى رجل من أوليائنا، أنّا متى وجدنا له عملا يحتمل الخطأ والصواب لم يكن لنا ان نجعل عمله خطأ، حتى يعيينا فيه وجه الصواب، وليس لنا بعد ان قضينا بانه خطأ أن نقضي بأنه خطيئة حتى يعيينا القدر بانه سليم من طريق المآثم، فان قضينا بانه إثم فليس لنا أن نقضي بانه ضلال ونحن نجد لصرف الدفع عنه أنه ضلال الى الاثم محتملا، وإن قضينا بانه ضلال فليس لنا ان نقضي بانه كفر إلّا بعد ألّا نجد من ذلك بدّا فيكون الحقّ أحقّ ما قضي به وصبر عليه.
فمن كانت- حفظك الله- هذه سيرته وطريقته في أدنى أوليائه، فكيف تظنّه في أرفع أوليائه؟ فهذا ما لا يحلّ لي أن أظنه بعليّ بن أبي طالب؛ فان كان عندك برهان واضح ودليل بيّن يكشف لنا عن الحال فيه حتى يتبيّن به انه كان سببا من إراقة دمه، فعلينا السمع واليقين والاقرار وعليك البيان والافهام بالدليل والحرص.
واعلم أنّ الرجل المخوف على الملك قد يكون محبوسا عند الملك القائم فيموت حتف أنفه: فلا يشكّ الناس أن الملك هو الذي أمر بقتله، ويموت على فراشه وفي منزله: فلا يشكّون انه قد دسّ إليه السموم وأدبّ إليه العقارب، ويموت وهو ناء عنه: فلا يشكون انه قد احتال له وتقدّم في ذلك من أمره على يدي طبيب أو خادم أو طبّاخ أو صاحب شراب على بعد داره وشطون مزاره، ولو تمنّع مكانه واشتدّ احتراسه؛ ولو قتله هبوب الريح أو صعقته صاعقة لوجدت من يقول في ذلك قولا مرغوبا عنه.
وقد قال بعض العلماء ممن تعلم: «لقد عجز عن معرفة أمر عثمان من شهده، فكيف بمن غاب عنه؟» ؛ ولو كان معاوية القائم، بزعمه، بدمه هو
стр. 149
القائم بعده بالحجاز والعراق، لوجدت من يقول إنه قد كان دسّ عليه وربض به وأفسد عليه وأنغل، إن لم يجدوا شيئا ظاهرا؛ هكذا الناس فاعرفهم، إلّا من عصم الله ولا يعصم الا المخلصين.
[٢٧- موقف علي والناس من مقتل عثمان]
وكان- حفظك الله- من أعظم ما أثنى به على عليّ في دم عثمان أنّ دهماء الامة كانوا يعظّمون شأن دمه ويبرثون عليّا منه، وكان اكثر أجناد الخلافة والقوّاد ورؤساء العشائر من سوء الرأي في عثمان وحسن الرأي في قاتليه على خلاف ذلك؛ ولم يكن للناس جند سواهم: فصار علي، إن هو أظهر الدلالة الصحيحة على البراءة من قاتليه، خاف أن يفسد عليه عامة أجناده؛ فكان يمسك من ذكره ما امكنه الامساك، فإذا اضطرّه القول قال قولا يحتمل رضى الفريقين، ولو شهدته- أرشدك الله- عذرته، ولو وّهمت نفسك حالاته التي كان يمتحن بها لصّوبته، بل لعلمت انه لا رأي ولا صواب إلّا ما اختار ولا رأي إلّا ما كان يفعله؛ واحذر- حفظك الله- تخطئة الائمة، فانّه [لو] لم ينزل ذلك إلّا لأنها كثيرا ما تظهر من تدبيرها شيئا تورى به عن شيء آخر مخافة في حال وطمعا [في] ان تكون مصلحة شأنه في ذلك التدبير، لوجب عليك ترك ذلك، ولذلك روي عن عليّ: «ما قتلته ولا امرت بقتله وما ساءني وما سرّني وروي عنه انه قال: «الله قتله وانا معه» ، في كلام كثير يحتمل التأويل.
[٢٨- أنصار معاوية يحتجون له]
وزعمت أنّك سمعت رجالا من السّفيانيّة ممن يرى رأي المروانيّة وبعض من ينحل مذهب الغيلانية ومن أصحاب ثور بن يزيد والاوزاعي يذكرون حججا في تثبيت الخلافة لمعاوية وأن نسبه إليها أقرب من نسب الزّبير وطلحة، وأنّهم
стр. 150
كانوا يتعجّبون ممن رأى الوقوف في حرب عليّ والزبير وطلحة ولم يقف في حرب عليّ ومعاوية، وأن معاوية إمّا أن يكون على الحقّ وإمّا أن يكون أثبت على القياس وأبقى على المسائل من أمر طلحة والزّبير، وأنّ حجّته في قتال عليّ أصحّ من حجّة عبد الله بن وهب، وأنّ عذره أوضح من عذر أصحاب النهر، ولكنه لّما كان أهل الحجاز وأهل العراق لبغضتهم على أهل الشام ولطول محاربتهم لأجناد بني مروان وآل أبي سفيان أطلقوا] على عداوتهم البراءة منهم، صار من عرف حقّهم استعمل التقيّة ومن لم يعرفه قال: «تقول تلك الجماعة» ، إذ كان لا يرى الجماعة إلّا تلك الجماعة.
[٢٩- موقف طلحة والزبير من علي]
وذلك أنّ عليّا سمّى أصحاب الجمل الناكثين لنكث طلحة والزّبير لبيعته، ولم يختلف الناس في بيعتهما له، ولا أنكر ذلك الزبير يوم واقفه عليّ بالبصرة وقد أقرّ بها طلحة ثمّ ادّعى الإكراه؛ ففي واجب الحكم أن يقضي عليه بإقراره وأن يسأل البيّنة على دعواه؛ ولم يستشهد إلّا أسامة، وليس في قول أسامة وحده حجة على أنّه لم يشهد عليّ، وأسامة ممّن ترك بيعة عليّ، ولو لم يدع بيعة عليّ لما كان في شهادة الواحد حجّة؛ على أنّه لم يشهد إلّا بأنه بايع وهو كاره، وهذا اللفظ يحتمل الوجوه، وهو بخلاف ما أراد طلحة اشبه.
والحقّ كله مرّ والباطل كله حلو؛ وقد خلق الله النار فحفها بالشهوات وخلق الجنة فحفها بالمكاره؛ ومن صفة الطاعة أن يحتمل فيها صاحبها الكلفة والمشقّة ومجانبة الهوى، ومن صفة المعصية أن يدخل فيها من طريق الشهوة لها والذهاب معها، وقد رجع الزّبير عند الاذكار، وتأخر طلحة الى خلاف موضع صاحب الاستبصار حتّى قتل في أخريات الناس، ولذلك قال بعض الناس:
«لله مصرع شيخ ما أضيعه» ، وهو لا يستطيع ان يدّعي على معاوية عقد بيعة ولا على أصحابه نكثا كما ادّعى على الزبير وأقرّ له بها طلحة.
стр. 151
[٣٠- احتجاج السفيانية بان معاوية لم يكن قاسطا]
«ولو كان معاوية سيىء السيرة في أهل الشام سيىء النظر للعوام غير مصيب في سياسة الأجناد وفي ترتيب الأشراف وفي تقريب العلماء وفي رحمة المساكين ولم يكن عفيفا عن المال شديدا على الفاسد قامعا للظالم قويا في الحق سهل الحجاب معظّما للشريف منصفا للضعيف بصيرا بالحزم عالما بالحكم كثير الفتوح رحب العطن واسع الصدر ميمون النقيبة فاضل الحلم، قد جمع المحبة والهيبة، لما لقوا معه بجباههم ظباة السيوف وبنحورهم أطراف الأسنّة، ولمّا خلّفوا العيالات وراءهم [و] ملك الروم قد زحف اليهم، ولولا أنّ عدله عليهم وحسن سيرته فيهم قد كان دخل كلّ قلب وخصّ كلّ شخص وتمكّن من كلّ قلب، لكانت الملالة لطول الولاية والذي يعتري النفوس من الضجر والضعة عند السآمة قد منع من ذلك وأعان عليه من لم يعنه، ولكان أحسن حالاته أن ينجو منهم سالما لا له ولا عليه.
وهل رأيتم قطّ أو سمعتم برجل ولي مثل ما وليّ من أمر الناس أربعين سنة، عشرين سنة منها كان فيها أميرا وعشرين سنة كان فيها خليفة، وكانوا مع ذلك يوم فارقهم أضنّ به وأميل إليه منهم في ابتداء ولايته وفي أوّل ما أذاقهم من حلاوة إمرته، وقد رويتم أنّ عليّا قال: «لا تتمنّوا موت معاوية، فإنّه لو مات لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها» ؛ وقال معاوية: «لو أنّ شعرة طرفها في يدي وطرفها الآخر في أيدي الناس لما انقطعت أبدا» - قيل له: «وكيف ذلك؟» - قال: «كنت إذا مدّوا أرسلت وإذا أرسلوا مددتّ» .
فمن أين سمّاهم القاسطين، والقاسط هو الجائر؟ فأيّ جور كان رأى منه؟ ولو كان صاحب جور كان من أغضى له على ذلك الجور أجور، فهذا إسم أصحاب يوم الجمل اشتقّ لهم من النكث لنكث الرّجلين؛ وهذا اسم أصحاب النهر اشتقّ لهم اسم الحروريّة من نزولهم بحروراء، واسم المارقين لأنّهم مرقوا عنده من الحقّ مرّتين: مرّة حين عرّفهم أن رفع المصاحف خدعة، فعصوه
стр. 152
ومرقوا عن أمره، ومرّة لمسألتهم إيّاه العودة وهو يرى فيهم الوهن وفساد القلوب وضعف الركن.
خبّروني عن معاوية أيّ جور ظهر منه منذ ولّاه عمر إلى أن قتل عثمان، وعلى من كان جار، وأيّ شيء ذلك الجور، ومن يعرف ذلك ومن يشهد به عليه؟ فان زعمتم أنّ امتناعه من اعتزاله [عن] العمل هو جور فلذلك سمّاه قاسطا ثمّ عمّ به الجميع لطاعتهم له، فقد قلنا في ذلك ما قد سمعتم؛ وكيف ونحن لم نر أحدا من فقهائهم لم يأخذ منه عطاءه ولا أبى جائزته ولا أسقط اسمه من ديوانه «ولا ترك ابتياع السبي من مغنم عمّال ثغوره ولا ترك وطر ما يبيع من مقاسمه ولا ترك الأكل والبيع والابتياع من ثمار قطائعه، ولقد سمّوا العام الذي سلم إليه فيه الحسن الخلافة «عام الجماعة» ، ولقد دفع إليه عبد الرحمن إبن سمرة، وهو من كبار الصحابة، مالا كان عنده وعليّ حي، وقال: «جبيته في الجماعة فلم أكن لأدفعه إلّا في الجماعة» ؛ وقيل لابن عمر: «ما منعك من أخيك ابن الزّبير حين نصب نفسه للخلافة وخرج على يزيد بن معاوية؟» » - فقال: «إنّ أخي وضع يده في فرقة وإنّي لن أنزع يدي من جماعة وأضعها في فرقة» .
[٣١- احتجاج السفيانية بان عمر وعثمان وليا معاوية وان عليا لم ينل الخلافة بالتشاور والاجماع او النص]
وقلت: وكان ممّا احتجّوا به في استحقاق اسم الخلافة واستيجاب الإمامة أنّه قال: «هذا موضع وضعني به عمر بن الخطّاب، ولم يعزلني مذ ولّاني وقد كان لا يكاد يدع أميرا إلّا استبدل به وإلّا غضب عليه لبعض ما يكون منه، وربّما أمر بإشخاصه إليه، ولم يعزلني ولم يغضب عليّ مذ رضي عنّي ولا عزلني مذ ولّاني، ثمّ جمع لي الأرباع بعد أن كان ولّاني ربعا وقوّى أمري وثبت وطأتي، ثمّ أكد لي ذلك عثمان بن عفّان وشدّده وقوّى أمري ومكنّه، فلم يكن في سني
стр. 153
الاختلاف أكثر في ذلك منه في سني الائتلاف، ثمّ إنّك أمرتني بالاعتزال من غير أن أكون أحدثتّ حدثا أو أويت محدثا، وأنت لم تأخذها من جهة التشاور والتخاير كما أخذها عثمان، ولا نصّ عليك عثمان كما نص أبو بكر على عمر، ولا أجمعت عليك الأمّة من تلقاء أنفسها كما أجمعت على أبي بكر، فلم يكن لي أن أسلّم إليك علقا في الفرقة كنت تسلّمته من أهله في الجماعة؛ فإن حاربتني على ما في يدي، منعتك، وإن تركتني، سلمته إلى مثل من سلّمه إليّ، ولي أن امنعك بالسلاح إن شهرت عليّ السلاح، وأن أمنعك بالحجّة إن طلبته مني بالحجّة.
[٣٢- احتجاج السفيانية بان ولاية معاوية صارت له بوضع اليد]
وزعمت أنّهم قالوا: وقال معاوية: «احسبوا أن هذا العلق الذي قد صار في يدي، وصار لي فيه حقّ صاحب اليد فيه، كان لقطة طلبها مني بعض من لم يثبت عندي أنّ اللقطة له، لا من طريق البينات التي لا معارض لها ولا من طريق العلامات التي يستحقّ بها اللقطة من جاء بمثل العلامات التي يستحقّ بها اللقطة: فأنا في منعك محقّ، وأنت في طلبها منّي مبطل، فإن قاتلتني قاتلتك دون حقّي، وان كففت عنّي انتظرت بها صاحبها متى أرادها مني؛ أو لك؟ فكذلك أنت في التماسك ما لو دفعته إليك كنت ظالما له؛ فإذا اجتمعتما على أمر، فعندها لك أن تأمر وتنهى؛ ولست في جهلي فضلك على سعد بأسوأ حالا من سعد حين جهل فضيلتك عليه، وقد أشكل عليّ كما أشكل على من قبلي؛ ولو كانت أقداركم عند عمر بن الخطاب متميزة وحالاتهم عند أنفسكم وعند الرقباء عليكم غير مشكلة، لكان تكلّف التشاور عيّا وعجزا، ولكان تكلّف عمر ذلك لكم جهلا وضعفا، وكيف أمسكت في ذلك الدهر عن إنكار مخايرة سعد وأنكرته في هذا الدهر؟ فأرنا الفضيلة التي حدثت لك والنقض الذي ظهر له!» .
стр. 154
[٣٣- احتجاج السفيانية بان معاوية أولى الناس بمطالبة علي بدم عثمان]
وزعمت أنّهم قالوا: قال معاوية: «قتل إمامي وخليفتي مظلوما وقتل ابن عمّي ووليّ نعمتي مخذولا، ورأيت موضع قاتليه ومنتهكي حرماته في زمان مفتون ودهر اختلاف، واولياء دمه ضعفاء وهم لي أهل وأولياء: فإن أنا طلبتهم وحبستهم إلى أن يقوم إمام يحكم فيهم وكان ذلك منّي من طريق القيام بحق الحرمة والحسبة وما يجب من شكر النعمة، كان ذلك حسنا: فهو يحسن من طريق الدين والحسبة ومن طريق الوفاء والمودّة ومن طريق الأرحام الماسّة ومن طريق ما يوجبه شكر النعمة، وكيف يحسّن بي أو يستحسن لي ترك محاولة ذلك وتكلّفه وتعاطيه وامتحان الحال فيه مع ما معي من الآلة والقوّة والعدد والعتاد والعدّة، وقتلته معروفون ومكانهم مشهور؟ فإن حال بيني وبين الاستيثاق منهم أحد كان ظالما، وهل أنا في أخذهم إلّا كقوم مات إمامهم فشدّوا على من في محالّهم وعشائرهم من أهل الدّعارة والفساد ومن رجال الفتنة والفسّاق فحبسوهم إلى أن تجتمع جماعتهم وتتّفق كلمتهم؟ فإن منعني دون هؤلاء القتلة مانع بالسلاح، طلبتهم بالسلاح، وإذا فعل ذلك عدل زالت عدالته وتحوّل حكمه؛ ولا تجوز الإمامة إلّا العدل، بل لا تجوز لمن اشترك في دم أو أعان على قتل مسلم؟ أو منع وليّ الدم من أخذ قاتل وليّه إلى أن يسلّمه إلى من له أن يحكم فيه حكمه» .
[٣٤- احتج السفيانية بأن الخلافة شورى ومعاوية أحق بها من بقية الشورى الاربعة]
. وزعمت أن أصحابه قالوا: «كيف جاز لسليمان بن صرد وللمسيّب بن نجبة ولعبد الله بن هلال أن يطلبوا بالسلاح قتلة الحسين بن عليّ، ولا يكون لمعاوية أن يطلب بالسلاح قتلة عثمان؟» ، وقلت: وزعموا أنّ معاوية زعم أنّه أحقّ
стр. 155
بالخلافة من جميع بقيّة الشورى: فأمّا سعد فلم يستحقّها قطّ لانّه كان جليسا لا يرى أن يدفع ضيما ولا يمنع حريما، وأن الدفع بالسلاح عمّن أراد السلطان بالسلاح بدعة وفسق وضلال وفجور، ولأنّه روى أن رسول الله ﷺ قد كان آخى عليّا دون جميع الصحابة وقال له: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» ، فإن كان صادقا فهلّا روى هذه الرواية أيّام كان عليّ حيّا وهو يجاذبه الرئاسة ويأبى تقديمه الى مقام الإمامة ويزعم أنّه أحقّ بها منه ويدعوه إلى الشورى ويقول: «ما أنا بقميصي هذا أحقّ منّي بها» ؟ وهل يخلو من أن يكون في روايته كاذبا أو صادقا؟ فإن كان صادقا فقد ضلّ بامتناعه عن بيعة من هذه عنده صفته وترك تقديم من هذه الرواية فيه ومن مكانه من الرسول هذا المكان؛ وإن كان كاذبا فليس هذا النوع من الكذب من أخلاق الأئمّة ومن صفات الخلفاء، وعلى أنّ من أقرّ بأنّه قد ترك تقديم من هذه صفته، فقد أقرّ على نفسه بالمعاندة وبترك الإقرار لأهل الحق بحقّهم؛ ومتى ثبت ذلك عليه بطل خبره وردّت روايته، ومن كان مكذّبا في حديثه، فغير إمام ولا حاكم ولا شاهد، فافهم ذلك.
وأمّا طلحة والزبير، فإن كانا قد اهتديا في بيعته، فقد ضلّا في النكث عليه، وإن كانا قد ضلّا في بيعته، فما تابا من ضلالهما ولا خرجا من إدخال الشبهة على رعيّتهما، وإدخال شبهة تورث الفتنة أعظم من قتل رجل من المسلمين؛ وفي رجوع الزبير ونكوص طلحة وفيما كان من مسيرهما وتجاذبهما الإمامة فيما بينهما وتقديم أبنائهما الصلاة على النوب واختلاف أمرهما ما يدلّ على اختلاط التدبير؛ فإنّهما لم يكونا من أحلاس الخلافة ولا يتسمان لها ولا ينهضان بأعبائها، وإنّ الأمر لو أفضى إليهما ومات من ينازعهما، لكان كلّ واحد منهما أشدّ على صاحبه من العدوّ الذي مات عنه، ولو فرغا من حرب عليّ لألقيا للناس حربا أطول وفتنة أشنع وقتلا أذرع، ولو قتل كل واحد منهما صاحبه أو مات عنه حتف أنفه لجرى بين ابنيهما، إذ كان هذا يصلّي بالناس مرّة عن أبيه وهذا مرة عن أبيه، من الشرّ والمناصبة ومن القتال والمغالبة ما «هو أشنع وأفظع
стр. 156
وأدهى وأمرّ؛ ولو كان ذلك لأصابنا من أتباع أبناء الأبناء وسرعان الغوغاء ما ينسي ما قبله ويشغل عن ذكر ما تقدّم امامه، ومن كان كذلك حكم ارتحاله وحلّه وعقده ونقضه وإبرامه لم يستحقّ تلك المقادم ولم يستوجب تلك المراتب.
وقالوا: وأمّا عليّ بن أبي طالب فإنّه مع الشرك في دم عثمان والاشتمال على قتلته لم يزل لا يرى أن يعيد الأمر إلى الشورى وكان ذلك منه طعنا على عمر وزراية منه على أولئك الرقباء والأمناء وخلافا على رأي الجماعة، والطعن على هؤلاء ضلال والخلاف عليهم إثم كبير، وإنّما كان الإنصاف والإقرار بالحقّ والخضوع اللازم أن تجتمع بقيّة الشورى وهم أربعة فيشتوروا في التخيير كمشورتهم فيه وهم ستّة، ولأنّ ذلك الأمر إنّما كان مقصورا على قوم قد أجمعوا على تفضيلهم وتوليتهم وأنّه حقّ لنفر فلا يزول حقّ الحيّ لموت الميت، والجماعة الذين كانوا بالأمس راضين لم يتغيّروا ولم يتبدّلوا، وإنما كانوا ستّة فمات عبد الرحمن وقتل عثمان: فلو تركهم عليّ يجتمعون ولم يبتزّ الأمر وصيّره إلى التخاير والتشاور وإلى طلب من هو أردّ عليهم وأنفع لهم ولو بشيء يسير وذلك هو القياس، لما كان اختلاف كما لم يكن قبله اختلاف، وعلى أنّ المسلمين لم يتشاوروا قطّ في أمر الإمامة فما دونها فافترقوا إلّا عن غير اختلاف، وكيف يختلفون وقد أطاعوا ربّهم وكيف لا يعصمهم وقد اعتصموا بحبله وآثروا حقّه؟
قال الله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ
، وقال: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
، وقال:
فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
، ولا يجوز أن يضمن التوفيق لنفسين إذا أرادا الإصلاح ويخذل الجماعة، ولا يجوز أن يوفّق من كان من عرض الأمّة ويدع الأئمّة.
وبعد فهل خالف ذلك الرأي من عمر أحد؟ ولقد اتّفقوا عليه بعد موته كما اتّفقوا عليه قبل موته؛ ولقد خالف بعضهم أبا بكر في استخلاف عمر وما خالف أحد عمر في وضع الأمر في الستّة، ولم يقل أحد من الستّة: «فينا واحد لم يكن ينبغي أن يكون معنا» ، أو: «في الناس واحد كان ينبغي أن يكون
стр. 157
معنا» لا ولا قال احد من الأمناء ولا من جميع الجمهور والدهماء: «فيهم واحد لم يكن ينبغي أن يكون فيهم وفينا واحد كان ينبغي أن يكون معهم» ؛ فتمّت الكلمة وشاع الرضى واستفاض التسليم.
وقالوا: فعليّ لا يصلح لها من هذه الوجوه وطلحة والزبير لا يصلحان لها من حيث ذكرنا، وسعد هو الذي لا يجوز أن يجيء منه ملك ولا إمام في كفر ولا إسلام، لأنّ من لم يدفع عن بيضة الملك بالسيف فهو مقتول وأمره ضائع، ولم يطلب ملكك أحد فرضي بأخذه دون أن يأخذ نفسك مع الملك، وهذا قائم منذ كانت الدنيا، ولو أمّنه أن يثب به أو يثب من أجله واثب ما دام حيا لكان استبقاؤه أحبّ إليه وألذ له وأبلغ عنده فيما يريد.
[٣٥- احتج السفيانية بانه لا بد من الدين والسيف في الملك]
وقالوا: ولو ادّعى رجل عندنا النبوّة وذكر أنّه يستشهد إحياء الموتى والمشي على الماء، ثمّ زعم أنّ الملك مستقيم دون منعه بالسيف والسوط، لعلمنا أنّه لم يكن ليأتي بعلامة أبدا ولا يقيم شاهدا على دعواه أبدا، إلا ان يأتي قوم طبائعهم على خلاف طبائعنا وحالاتهم على خلاف حالاتنا وعاداتهم على خلاف عاداتنا وأسبابهم على خلاف أسبابنا؛ فأمّا والأمر على ما شاهدنا من طبائع الناس اليوم وعلى ما سمعنا من طبائع العرب في جاهليّتها وإسلامها والعجم في سالف أيّامها، فانّ ذلك لا يجوز ولا يقوله من يعرف الدنيا وما فيها؛ ولذلك لم يكن للزنادقة مملكة قطّ ولا تكون أبدا، ولقد اضطرّ الأمر نصارى الروم ونصارى الحبشة إلى الدفع بالسيف حين رغبت في الملك ومالت إلى الدنيا مع علم جميع العالم أنّ القتال ليس من دينها ولا من مذهبها.
ألا ترى أنّ الله لم يخل الدنيا من أن يجعل فيها نبيّا يحمل السلاح ويقيم جزاء الحسنة والسيئة ويستعمل السيف والسوط، أو يضمّ إليه ملكا يذبّ عن النبوّة بعز الملك ويدعو النبيّ إلى طاعته برأفة النبوّة؛ فأمّا أن يرفع أحدهما من
стр. 158
العالم فلا بدّ من اجتماع اللين والشدّة إمّا في شخص واحد وإمّا في شخصين، وقد قال الله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ
، وفي المثل المحمود: «قتل البعض إحياء الجميع» ، وليس في الأرض ملك إلّا وأطراف مملكته تنتهي إلى حدود ممالك الملوك، فهو وإن تنصّر فإنّ الملوك لا يتنصّرون معه، وإن تزندق لم يتزندقوا معه، على أنّ الملوك لم تنصب الأديان رغبة في الديانات ولكنها تعلم أنّها إن لم يكن لها دين لم تلزم بيعة ولم يثبت عقد أولى الملك من بعدها، ولم يتديّن الناس بقتال من يخرج عليها ويريد إزالتها؛ وإن لم يكن دين كانت الأموال منتهبة والزوجات مشتركة ولم يثبت نسب ولم يكن لأحد وارث ولم يكن تزويج ولا طلاق ولا ملك ولا عتاق ولم يثبت توكيل ولا أجرة ولا شهادة ولا وصية ولا شرط ولا عهد ولا حدود ولا قصاص ولا قود ولا حبس ولا إقرار ولا إنكار ولا دعوى ولا أيمان ولا بيع ولا شراء ولا ميراث؛ وإنّما يحرص عليه لأنّ به وفيه ثبات ملكه وتوكيد سلطانه، ثمّ لا يبالي ما قالوا في الله وما جوّزوا على الله وكيف وقعت الأمور بعد أن يستقيم له شيء يكون فيه وبه ثبات الملك.
فإن كنت تحبّ أن تعلم أنّ الذي أقول حقّ فتأمّل قول كسرى مع شدّة عقله في الله وفي إبليس وفي أعلام زرادشت وفي شرائعه من غشيان الأمهات والتوضؤ بالأبوال، وفي دين قيصر وقوله في الله وفي المسيح وفي بولص، وفي دين ملوك العرب وفي عبادة الحجارة، وفي ملوك الهند في البدّ وفي تعظيم الزنا، ودخول النيران، وهؤلاء رؤساء الأمم، فانظر كيف تجدهم في الأديان.
[٣٦- اسباب صلاح معاوية للخلافة بنظر السفيانية]
وإذا كان هؤلاء وهم بقية الشورى لا يصلحون للإمامة فمن دونهم أجدر ألّا يصلح لها وكانوا منها أبعد؛ وقلت إنّ معاوية أولى بها منهم إذ كان أبرأهم ساحة من هذه العيوب وأسلمهم فناء من هذه اللوائم، ولأنّه أيضا أوّل
стр. 159
من انتدب؛ ولو أنّ جميع أهل بدر أمكنهم إنكار المنكر من ملك متغلّب إلّا أنّهم لم يتكلّفوا ذلك حتّى انتدب رجل من عرض المسلمين فبذل نفسه وأهله وماله ودياره وعشيرته وأصحابه وأمّل الناس فيه درك حاجتهم ورجوا الفرج على يديه، كان ذلك المنتدب- وإن كانت سابقة غيره أفضل- أولى بذلك منهم، ولعلّه أن يلحق بهم في الطاعة أو يجوزهم، كما عقد عمر بن الخطّاب لأبي عبيد ابن مسعود على أربعين من أهل بدر وعلى الجماعة الكثيرة من المهاجرين والانصار السابقين وليست له في ذلك علّة إلّا أنّه كان أوّل من انتدب، ولذلك كانوا رأوه وتحدثوا به، فساروا تحت لوائه وصلّوا خلفه وأطاعوا أمره وأكبروه بالخضوع له وأعظموه بالإطراق بين يديه والانتصاب له عند طلعته.
[٣٧- رد الجاحظ على حجج السفيانية]
قد كتبت إليك، يا ابن حسّان ورسمت لك ما ألقيت إليّ من جمل دعواهم مفسّرا ومن حججهم مبيّنا، ولم أقتصر على مقدار ذلك حتى لم أدع لذي هوى نزاعا ولا لذي حيلة متعلّقا، لأن أحسم من قلبك هذا الداء وأقطع أصل هذه المادّة، ولولا أنّي- والحمد لله- على ثقة من سهولة الجواب وقرب المأخذ وظهور المعنى وقمع الحقّ للباطل وأنّه لا يتلقّاك إلا مكشوف القناع ناصع البياض مشرق اللون، لما رضيت أن أكون سببا لتنبّه العدوّ ومادّة لخواطر الأعداء، ولعلّ بعضهم أن يعدو عليّ بالسلاح الذي ألقيت إليه يوم الحفل ويلتمس به نحري على شغل منّي؛ فقف الآن على فصل فصل وانظر في باب باب، فإنّك ستفهمه ما لم تتشاغل تشاغل المستفرغ وتستبين ما لم تصدّ عنه صدود المتمقّه إن شاء الله.
[٣٨- معاوية لم يحتج بحجج السفيانية]
. باسم الله الرحمن الرحيم فأول ما أبدؤك به وأوّل ما أذكره لك من هذه
стр. 160
الخصال، تعريفك أن معاوية لم يحتجّ بشيء من هذا قطّ ولا احتج له به في عصره أحد، ولا جرى لهذا الشكل ذكر قطّ ولا خطر على بال؛ فمنه ما تكلفه أعداء عليّ من المتكلمين وأهل السباب من الناصبة الملاعين، ومنه ما هو تخريج من أصحابنا لخصومهم على أنفسهم ليتقدّموا في الحجّة وفي العتاد والعدّة وفي الأخذ بالثقة كصنيعهم واعتلالهم بمذاهب المخالفين ودعوى جميع المبطلين، ومنه ما حضرني عند ابتدائي الإخبار عنهم وما عزمت عليه من استقصاء كلّ شيء لهم لتعرف قوّة أوليائك وعجز أعدائك، وتعلم أنّ من عرف من حجج الخصم أكثر مما يعرفه الخصم كان بحجج نفسه أعرف وعلى معاني حقّه أغوص وعلى غايته أقدر وأنضى، ولكان أيأس للمخالف وآنس للموافق، ولأن تعلم أنّ أولياءك لو لم يجدوا في أنفسهم فضلا لما أعاروا بعض قوّتهم أعداءهم، ولأن لا يبقى على من قرأ كتابي شبهة بعد قراءته، والله الموفّق للصواب، وهو على كلّ شيء قدير.
[٣٩- اصحاب السير والاخبار لم يذكروا حجج السفيانية]
ولو كانت هذه الحجج قد احتجّ بها معاوية واحتجّ له بها أحد في ذلك الدهر، لكان ذلك مشهورا عند حمّال الآثار والمعروفين بالصدق من أصحاب الأخبار والنّقلة مثل الزهريّ ومحمد بن إسحق إمامي أهل الحجاز في علم السير ونقل الأخبار، ومثل قتادة صاحب الأخبار بالبصرة ومن كانت الملوك تكتب إليه من الشامات في المشكلات، ومثل سماك بن حرب بالكوفة، ومثل الشعبيّ وابن شبرمة والقاسم بن معن، وجملة من أهل [ع ١٨] البصرة مثل ابن أبي عيينة، ومثل مسلمة بن محارب، بل مثل أبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب ومحمد إبن حفص وعبيد الله بن محمد بن حفص وأبي عبيدة وأبي اليقظان، ومثل مسمع وكردين وأبي عاصم النبيل، ومثل خلّاد بن يزيد والقحذميّ ومؤرّج وابن قنبر.
وسندع ذكر الأصحّاء والثقات وأصحاب التبريز في تصحيح
стр. 161
الروايات، ونذكر من دونهم ممّن قد يؤخذ عنه ويطعن عليه كالكلبيّ وابن الكلبيّ وعوانة والشرقيّ بن القطاميّ وأبي الحسن المدائني والهيثم بن عدي وأبي مخنف لوط بن يحيى وابن جعدبة؛ وكان لا أقلّ من أن يرويه شوكر وابن دأب والعتبيّ، أو لرواه رواة الخوارج كعمران بن حطّان. والمقعطل والضحّاك بن قيس وحبيب بن خدرة وأبي عبيدة كورين ومليل وأصغر بن عبد الرحمن ورعا ومسمار.
[٤٠- حجج السفيانية من عمل المتكلمين]
وأنت تعلم اضطرارا أنّ هذه المسالك ليست مسالك الرواة وإنّما هي مسالك المتكلمين إذا كانوا رواة؛ وقد سمعت خطب معاوية ورسائله وكتاب القضيّة: أفظنّ أنّ معاوية كان عنده من هذه الحجج ومن هذه الاعتلالات شيء وهو يدع أن يخطب به ويشيعه ويدعو إليه ويعرضه على أصحابه؟ بل كان لا يدع أن يجعله في كتاب ويقرأه على أجناده في كلّ خميس واثنين؛ ولم أقل إنّ معاوية لم يكن فطنا أو بعيد الغور بيّنا، ولكن لو جمعت إلى عقله ودهائه عقل عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد والأحنف والمهلّب وأضعافهم من الرجال، لما عرفوا من هذا الشكل شيئا بطباعهم دون أن يستعملوا صناعة الكلام، كما أنّهم لو أرادوا الحساب والهندسة وعلم اللحون والطبّ وجميع العلوم لكانوا لا يدركون من ذلك حظّا دون كثرة التنقير والتفتيش وطول الدراسة للكتب ومنازعة الرجال؛ وما أشكّ أنّهم أحقّ بذلك من كثير ممّن قد رأيته من المعدودين في أهل النظر، فلا تنكر قولي إنّه لم يكن يعرف من هذا قليلا ولا كثيرا.
فدواؤك قبل كلّ شيء أن تخرج من قلبك أنّه كان يحسن هذا وأنّ عمرا كان يهتدي له؛ ثمّ أعلم أنّه مولّد خبيث ومموّه ضعيف، وسنوجدك ذلك فيه بابا بابا وفصلا فصلا؛ وقد يكون الكلام ظاهر العيوب بادي المقاتل مستهدفا
стр. 162
للمطاعن، ولا يفطن له الحازم من الرجال ويفطن له الخسيس العقل من أهل النظر؛ وإن خرّجنا كلّ شيء في هذا الباب كثر الكلام، وإذا كثر الكلام خرج الكتاب من حدّ الرسائل، ولم نأمن من ملالة القارىء ونعاس المستمع، وفيما نلقي إليك من الجمل ما يغني مثلك عن التفصيل، ولو كان المقصود إليه سواك لما وجدتّ بدّا من التفسير والتخريج وانتظام جميع الامّهات واستقصاء جميع الأبواب.
[٤١- حجة السفيانية بعدم توافر الاجماع على علي لا يطعن في خلافته لان الاجماع تابع لفضله]
أمّا قولهم بقول معاوية: «هذا موضع صرت إليه بالإجماع فلا أخرج منه في الفرقة» ، فإنّ أكثر الناس يغلطون في حكم الإجماع في هذا المكان ويلحقونه بغير شكله؛ نقول إن الناس إنما أجمعوا على تفضيل الفاضل لفضيلة وجدوها فيه، وليس أنهم وجدوا الفضيلة فيه لأنّهم أجمعوا على تفضيله، فالإجماع تبع للفضيلة الموجودة، وليست الفضيلة تبعا للإجماع الذي كان منهم؛ وإذا كان الفضل بارزا، فعليهم الإجماع عليه؛ فإن اختلفوا فلا يبعد الله إلّا من خالف، الحقّ حقّ الفاضل؛ وإن لم يصل إليه مع ضعف الموافق وقوة المخالف؛ فإن وافق صاحب الحق إجماعا فعليه الشكر والحقّ حقّه، وإن وافق اختلافا فالحقّ حقّه وعليه الصبر.
وقد كان فضل عليّ ظاهرا، فإن أجمعوا عليه فقد أصابوا حظوظهم ووافقوا محبّته إذ كان ذلك حقّا، وإن اختلفوا فقد أخطأ المخالف حظّه، ولم يضم ذلك عليّا لأنّ ثواب عليّ على الصبر على البلاء كثوابه على الشكر على الرخاء؛ والحق ليس يجب له بالإجماع بل إنّما كان ذلك دليلا على الاستحقاق وحكم مقام النبيّ ﷺ وحكم مرتبة الإمام والتفضيل إلى أن نعلم أنّ أمرا قد اضطرّ إليه؛ فما لم نعلم، فالحكم بالتفضيل
стр. 163
لازم لظاهر الحال، وليس لنا أن نزيل حكم ظاهر الأمر ب «لعلّ» أو «عسى» ، وليس يزول اليقين إلّا باليقين، ومتى هجمنا على رجل قد أجمع الناس على تأميره طائعين غير مكرهين، ثمّ رأيناهم يدينون بطاعته ويتقرّبون إلى الله بنصيحته ويرون أنّه إذا ولّى رجلا صلاة الجمعة أن له أن يقصر وأن لهم أن يقصروا خلفه، وإن هو عزله كان عليه وعليهم أن يأتوا بخلاف ذلك، ومتى استعمل رجلا على ثغر دانوا بابتياع ذلك السبي ووطنه واستخدامه وبيعه والانتفاع بذلك المقسم وبابتياع العقد والعقارات والمستغلّات منه، ومتى عزله حرّموا ذلك وسقطوا من لم يجتنبه؛ ومتى استقضى رجلا لزم الناس حكمه ونفذ فيهم أمره ووجبت سجلّاته ولزمت قضاياه، ومتى قال: قد عزلتك، كان كالمفتي وكالمشير والمصلح، ثمّ تراهم إذا كان قاضيا يقومون فوق رأسه ولا يجلسون إلّا بأمره.
ولم نر عليّا لمّا عزل سعدا وولّى أبا موسى وعزل عمّارا وولّى المغيرة، قال المعزول: «لا أعتزل البتّة!» أو قال: «لا أعتزل حتّى أعرف لم عزلني ولم ولّى من أنا أعظم عناء منه وأجود سياسة منه وأشرف أرومة منه» ، أو قال: «أنا أسنّ منه وأكثر فقها وعلما منه» ، أو يدّعى أنّ أهل البلدة به أرضى وأنه لا يرضى أن يكون قد عانى خراب أرضها وفساد رجالها وضياع ثغرها، فلمّا عمّر البلدة وحصّن الثغر وأصلح الفاسد وقد كلف وتعب وسهر ونصب، بعثت رجلا يصير له مهنأها فيذهب ببردها وحلاوتها، وأنا قد صلبت بحرّها ومرارتها؛ بل تجد المعزول صابرا راضيا والمستعمل قابلا نافذا لأمره وقوله؛ فحكم ظاهر هذه الحال وحكم المرتبة التقديم لأهلها والتفضيل لأربابها حتى ثبتت الحجة ببعض ما يحطّه عن أعلى المراتب ويقتصر به على دون الكمال، فالإجماع تابع في هذا الموضع.
[٤٢- حجة السفيانية بعدم عمل علي بالشورى لا يطعن في خلافته لأن شورى عمر لا تلزمه]
فأمّا من حيث ذهب القوم إليه فقد قلنا في ذلك؛ فان قال: «فهلّا
стр. 164
جعلها شورى بينه وبين طلحة والزّبير؟» - قلنا: قد زعمتم أنّهما قد بايعا فإن كانا قد ضلا بتلك البيعة فقد صارا لا يصلحان لإمامة، وإن كان ذلك منهما هدى فقد ضلّا بالصمت قبل الحديث؛ فإن قالوا: قد قلنا ذلك في طلحة والزبير ولكنّا قد علمنا أن سعدا لم يبايع وإنّما ضلّ عندنا بعد أن تبيّن لنا رايه في ترك البسط وفي روايته في تفضيل عليّ على نفسه بعد وفاة عليّ ولكن ما باله لم يدع إلى الشورى يومئذ، وتركه للشورى عندها ضغ [ينة] على عمر وتخطئة للجماعة؟ - قلنا: إنّ عمر لم يشترط ذلك الأبد، ولم يوجبه إلّا في الثلاثة الأ [يام] التي قال: «إن انقضت ولم يفرغوا، فاقتلوهم» ؛ وما علم عمر بما يكون من انحفاظ قوم وتبديلهم، وبأي وجه آخر يدل من تقدّمهم، وبما يحدث في أنصارهم من العمى الذي يمنع من الحكم، أو ممّا يعجل من [.......]
الذي يحول دون الخلافة، أو ليس الإمام الذي بعده قد كان له في رعيّته من التدبير مثل الذي كان لعمر في رعيّته؟.
أولستم تزعمون أنّ أبا بكر أقام عمر وأنّ عمر ترك سيرة أبي بكر وصار إلى الشورى ووضعها؟ فإن قلتم: «إنّما غيّر التدبير حين لم يجد واحدا [قادرا] قلت لكم: وكذلك من بعده فغيّر تدبير عمر كما غيّر عمر ذلك التدبير عن بعض ما شاهد أبو بكر من الحال المخالفة للحال الأخرى، فليس لنا أن نلزم عليّا الشورى إلّا بأن يوجد أنّ عمر قد كان جعل ذلك شرطا محدودا وأنّ الأمة تلقّت ذلك بالتصويب، فلم [يحدث] اختلاف وليس لعمر في سلطانه إلّا مثل ما للإمام [من] المصلحة على قدر ما شاهد من الحال؛ وإنّما تدبير الأمور على قدر اختلاف الأمور وقد وجدنا عليّا نفسه عند الحاجة والضرورة وعند الخطبة على الرعيّة قد أظهر الرضى بأن يكون أبو موسى وعمرو يتشاوران فيه، فكانا في موضع الشورى في ظاهر الحال وهما عنده على ما هما له عندنا، وكذلك معاوية وقد امتنع قبل ذلك أن يحبس نفسه بمخايرة طلحة والزبير وسعد [فحبسها] بحبالة أخرى أبعد من الأولى من كلّ ما ذكرنا؛ وإنّما كلّ ذلك بقدر ما يشاهد الإمام من الحال إذ كان ذلك إنّما يعرف صوابه من باب الرأي فقط.
стр. 165
[٤٣- علي اولى بالخلافة للقرابة والرواية والقدم والزهد]
ويقال لهم: فإنّا نردّ الأمر إليكم: أرأيتم لو أمرتم ان تختاروا بين عليّ وسعد إماما كيف كنتم تصنعون حتى توجدونا أنّ سعدا أو [لى] من عليّ؟ قولوا كيف شئتم؛ قد علمتم أن هذا الأمر، إن كان بالحسب، فإنّ سعدا ليس من شكل عليّ، وعليّ هاشميّ الأبوين وكان أوّل هاشميّ الأبوين كان في الأرض، ولده أبو طالب بن عبد المطّلب بن هاشم من فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهم أربعة: عليّ وجعفر وعقيل وطالب؛ ثمّ هو صهر رسول الله ﷺ وابن اخي حمزة والعبّاس؛ ثم الذي يجمع أبا النبي ﷺ وأبا طالب [الجد] الأدني بالأمّ التي جمعهتهما.
فإن كان هذا الأمر إنّما يستحقّ بالرواية فليس لسعد في ذلك حرف واحد ممّا يوجب له الإمامة والتفضيل على جميع الأمّة وما أكثر [من] روى [فيه الرواية] ولكن تلك الرواية ليست من شكل الرواية في علي بن أبي طالب، [فإن] ذكرنا أهل التقدمة في الإسلام والسبق إليه فأدنى حالاته أن يكون مذكورا معهم، وإن ذكر أهل الزهد والتقشّف والظلف والنزاهة وقلّة الركون إلى الدنيا والميل لى اللذّات فأدنى [حالاته] أن يكون مذكورا معهم، وليس بعد هذه الأمّهات شيء يستحقّ به الخلافة إلّا ما حددنا وذكرنا، وكلّهنّ مجموعات في عليّ بن أبي طالب ومتفرّقات في سواه، فقد فوّضنا الأمر في سعد إليكم: فقولوا كيف شئتم: فإن سددتم قدمتم عليّا، وإن تركتم السد [د] كفيتمونا [....] فيكم وأعفيتمونا من ذكركم وشغل القلوب بكم.
[٤٤- حق معاوية بالمطالبة بدم عثمان لا يمنحه الحق بالخلافة]
وأمّا طلبه بدم عثمان، فليس ذلك مستنكرا إذ كانت غايته الاستيثاق منهم إلى أن يقوم حاكم الجماعة؛ ونحن لا نخالفكم أنّ قاتل عثمان من
стр. 166
أهل النار من كان من العالمين، ولكنّ معاوية وأهل الشام لم [....]
عند علي بما هو بيّن [............... .......]
دون قيام الحجّة بالأمّ ولا بما هو [.........] ولا أن يقتلوا [............] قتله ومن أمر ومن أشار ومن أظهر محبّة ذلك وعلم أنّه لو درجهم إليهم إنّهم كانوا لا يقتصرون عليهم حتى يطمعهم ذلك في أكثر منه، كان له حين عرف [.......] أيّ معنى [......] وأيّ طريق يسلك ان يمنعه من ذلك...... بأهل [.....] فضلا عن أهل الصلاة ومن يشكّ ان عسكر عليّ قد كان يشتمل على قو [م.......] طوائل وفي رقابهم حقوق ومتى يتهيّأ أن يجمع منه ألف مقاتل ليس فيهم إلا مؤمن بريء الساحة [.....] العدالة.
[٤٥- علي لم يقتل عثمان ولم يعن عليه]
وأمّا ما ادّعي عليه من قتل عثمان فقد قلنا في ذلك في صدر الكتاب بجملة كافية، وأمّا القنوت فإنّي سأقول فيه إن شاء الله وأحمد [....
....] أكثر ممّا قد كنت قد أوردته على ابن ابراهيم بن الحسين بحضرتك وحضرة [.....] شهادتك عليه بحب المغالبة وقلة التهيّب والمرافقة ويغيظك على [.....] يظهر في صدوده وشدّة عنوده، ولو كان القنوت وتركه
стр. 167
هامش رسالة الحكمين
(١) يوجه الجاحظ كلامه الى شخص يدعوه ابن حسان يبدو انه كان يميل الى العثمانية ويكره الشيعة، وكان معتزليا فانفصل عنهم «فانت معتزلي نظامي» اي من فرقا النظام استاذ الجاحظ، هكذا يخاطبه الجاحظ، ولكنه لم يحافظ على نحلة الاعتزال فعاون ابراهيم بن الحسن على ترك الصلاة في مسجد ابن رغبان بالبصرة الذي بناه احد المعتزلة الفضيل بن عبد الرحمن مولى بني سدوس. وكان هذا المسجد يقنت فيه ابناء جميع الفرق من الجبرية والنابتة والمعتزلة. وهذا العمل يدل في نظر الجاحظ على سخافة عقل ابن حسان وسوء المحافظة على نحلته.
ونستطيع ان نستنتج من هذه الحادثة ان الفرق الغالبة على البصرة عندما كتب الجاحظ هذه الرسالة قبل الانتقال الى بغداد هي الجبرية والنابتة والمعتزلة. وان التعصب كان على اشده بينها بحيث انها اقتسمت المساجد في البصرة.
(٢) يبحث الجاحظ في شروط التمثيل بين شخصين او شيئين. وقد تحدث على هذه المسألة في رسائل أخرى (انظر رسالة التربيع والتدوير رقم ٢٣) . ولا وجه للمقارنة بين علي ومعاوية لأنه لا شبه بينهما. ويستعين الجاحظ ببعض الامثال فيحورها لتتلاءم مع الفكرة التي يريد التعبير عنها فيقول ان سحبان اخطب من باقل، والاصل مثلان هما اخطب من سحبان واعيا من باقل، ويقول ان زيادا ادهى من هبنقة، والاصل مثلان هما: ادهى من زياد (يعني زياد ابن ابيه) واحمق من هبنقة (هبنقة رجل ضرب المثل بحمقه) . ويقول ان ابا ذر اصدق من مسيلمة والاصل مثلان هما: اصدق من ابي ذر واكذب من مسيلمة، (اي مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة بعيد موت النبي) . ويقول ان جالينوس اطب من ابي دينار، والاصل مثلان هما: اطب من جالينوس (الطبيب اليوناني الشهير) واجهل من ابي دينار (رجل يضرب المثل بجهله في الطب) .
стр. 168
(٣) يجمل الجاحظ فضائل معاوية التي يقول بها ابن حسان والسفيانية. ويبدو ان النص حرف بحيث لا يظهر فيه رأي الجاحظ الحقيقي في معاوية. فحسب النص معاوية مؤمن عادل غير فاسق؛ ولكن حسب نص النابتة، معاوية فاسق وضال وكافر.
(٤) يذكر الجاحظ طرق اختيار الامام او اقامته. وقد ذكر معظمها في كتاب العثمانية (راجع رسالة العثمانية ضمن هذا الكتاب) . وتبنى الاولى منها التي تقول «والامامة لا تستوجب الا بالتقدم في الفضل والتقدم في السوابق، والا بأن يكون الفضل اما ظاهرا للعيون ومشهورا عند جميع المسلمين قد اجمعوا على تقديم رجل وتأمير امير من تلقاء انفسهم بغير سيف ولا خوف ولا اكراه ظاهر ولا سبب يوجب سوء الظن فضلا على غير ذلك» .
(٥) يعدد الجاحظ كتاب الوحي الذين سبقوا معاوية او عملوا معه وقد كان له رأي سيء بالكتاب عامة (راجع رسالة الكتاب ضمن كتابنا هذا «رسائل الجاحظ السياسية» ) .
(٦) الجاحظ يريد أن يقول ان قتلة عثمان مهدوا الطريق له الى الخلافة اذ لولا قتل عثمان لما اوهم الناس باشتراك علي في قتله وتأليبهم عليه، ولما قال انه اولى بها لأنه انتدب نفسه للأخذ بثأره.
(٧) موقف عضوي الشورى سعد بن ابي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب الناهي عن القتال استغله معاوية خير استغلال لصالحه. كما افاد من تماسك جنده وتضعضع جند علي، وقد علل الجاحظ تضعضع جند علي لأنهم من النزارية اصحاب الاحقاد والعداوات القبلية الجاهلية، كما انهم من اهل العراق «اصحاب الخواطر والنظر والتأويل والقياس ومع هذه الصفة يكون الاختلاف ... » .
(٨) يذكر الجاحظ سببا آخر ادى الى غلبة معاوية وهي اللجوء الى الترغيب بالمال والمناصب يغري بها اصحاب النفوس الضعيفة والدنيئة. بينما عرف عن علي شتده في بذل المال والضن به على غير مستحقيه.
(٩) حيلة المصاحف لم تنطل على علي، ولكنها انطلت على جنده.
(١٠) دهاء عمرو بن العاص ادى الى ضعف موقف علي.
(١١) الجاحظ يحلل موقف ابي موسى الاشعري، وينتهي الى نتيجة جديدة وهي أنه لم يكن غبيا فيخدع ولكنه انقلب على علي وحاول صرف الخلافة الى عبد الله بن عمر.
(١٢) أنظر موقف الجاحظ من قبول علي بابي موسى حكما، انه يتابع استاذه النظام في تعليل ذلك القبول وهو انه لم يرض به حكما لأنه قصير النظر عديم الفطنة، جاهل بما يضمر ابو موسى من عداوة له، ولا بسبب ضغط انصار ابي موسى اليمانية
стр. 169
عليه، ولكن خوفا من الخلاف في جيشه.
(١٣) اسباب ترك علي القتال هو ما لمسه من ميل جنده الى الراحة والملل من الحرب.
(١٤) يشرح الجاحظ مبدأ من مبادىء المعتزلة هو اقتران القول بالعمل. ويلمح الى التقية عند الشيعة.
(١٥) يرى الجاحظ ان عليا لم يخدع بحيلة معاوية وعمرو بن العاص.
(١٦) الفرق بين علي ومعاوية هو ان عليا كان يلزم في اعماله وتصرفاته الكتاب والسنة اي القرآن وسنة الرسول من قول وفعل وتقرير. اما معاوية فكان لا يتقيد بهما دائما.
(١٧) الجاحظ يشير الى ما قاله في رسالة النابتة من ان معاوية كفر لمخالفته سنة الرسول في ادعاء الولد (يعني زياد ابن ابيه الذي ادعى ابو سفيان انه ابنه وهو ابن قراش) .
(١٨) الجاحظ يعلن انه معتزلي وليس علويا او عثمانيا او بكريا، وهو لا يكره هؤلاء ولا اولئك ولا يميل الى اي فريق من الفريقين.
(١٩) السفيانية لا تحكم على معاوية بالضلال بسبب مبايعته ابنه يزيد. والجاحظ يخالفهم في ذلك.
(٢٠) «كتاب القضية» هو نص الاتفاق على التحكيم بين علي ومعاوية. اثبت الجاحظ النص وحلله فوجده مزورا لفظا ومعنى او شكلا ومضمونا. وقد أحسن الجاحظ التحليل والنقد.
(٢١) سبب تمرد معاوية على علي عزله عن ولاية الشام.
(٢٢) «الشيعة غافلون عن تدبير علي» رأي خطير اذا ثبت قلب مقاييس الشيعة راسا على عقب.
(٢٣) خطأ الخوارج في موقفهم من علي: لم يفهموا تدبيره مرتين: عند ما دعاهم الى مواصلة القتال فابوا، وعند ما دعوه الى استئناف القتال فأبى.
(٢٤) الجاحظ يميط اللثام عن موقف ابن عباس من عزل معاوية: لقد نصح عليا بعدم عزله فرفض الخليفة.
(٢٥) سبب آخر ساعد معاوية في صراعه ضد الامام علي هو استنكار العامة لمقتل عثمان، والشك في موقف علي من مقتله.
(٢٦) الجاحظ يحدد معنى الاعتزال بانه التوسط والاقتصاد بين غلو الخوارج وامثالهم وتقصير المرجئة وامثالهم في صفات الله والقاذف وقتال الفئة الباغية. «المنزلة بين المنزلتين»
стр. 170
(٢٧) لماذا كان موقف علي من مقتل عثمان غامضا؟ لأن الناس انقسموا فئتين بشأن عثمان: فئة ناقمة على عثمان مثنية على قاتليه وهم اكثر الجنود والقواد ورؤساء العشائر. وفئة تعظم شأن دمه وتبرىء عليا منه وهم عامة الأمة. فاحتار علي فيما عساه يقول في مقتله: فاذا اظهر البراءة من قاتليه ثار به الجند. واذا اثنى على قاتليه نقمت عليه العامة. «فكان يمسك عن ذكره ما امكنه الامساك، فاذا اضطره القول قال قولا يحتمل رضى الفريقين» .
(٢٨) يذكر الجاحظ اسماء الفئات التي تؤيد معاوية وتثبت حقه في الخلافة وهي:
السفيانية (نسبة الى ابي سفيان والد معاوية) والمروانية (نسبة الى مروان بن الحكم المؤسس الثاني للخلافة الاموية) . والغيلانية (نسبة الى غيلان الدمشقي المتكلم ٧٢٣ م) واليزيدية اصحاب ثور بن يزيد (احد رجال الحديث (٧٧٠ م)) والاوزاعي (احد فقهاء السنة في مطلع العصر العباسي، ولد في بعلبك ومات ودفن في محلة الاوزاعي بالقرب من بيروت سنة ٧٧٤ م) .
(٢٩) طلحة والزبير عضوا الشورى ومن كبار الصحابة بايعا عليا ثم نكثا البيعة وقادا الحرب ضده في معركة الجمل قرب البصرة.
(٣٠) السفيانية تنكر ان يكون معاوية قاسطا او جائرا. ولو كان كذلك لما اطاعه الناس وحاربوا معه وضحوا بنفوسهم واموالهم من اجله.
(٣١) السفيانية تطعن في خلافة علي لأنه لم ينلها بالتشاور، ولم يجمع عليه الناس، ولم يرد فيه نص. اما معاوية فقد ولاه عمر وزكاه عثمان وكانا راضيين عنه.
(٣٢) السفيانية تدعي ان ولاية معاوية صارت بوضع اليد كاللقطة ولو طلبها علي منه لم يثبت ان اللقطة له.
(٣٣) السفيانية تزعم ان حق علي بالخلافة سقط لأنه اشترك في دم عثمان او اعان على قتله او منع ولي الدم من معاقبة القاتل.
(٣٤) السفيانية تنفي صحة الحديث النبوي «انت مني بمنزلة هارون من موسى» لأنه لو كان صحيحا لاحتج به علي. ثم انها تقول ان الخلافة شورى، وعلي لم ينلها بالشورى.
(٣٥) استندت السفيانية في حق معاوية بالخلافة إلى انتصاره على خصمه وقوته. والامام يجب ان يكون هو الأقوى ويجب أن يجمع الدين والسيف لتستقيم الامامة.
وكذلك النبوة فلا بد للنبي من ان يحمل السيف الى جانب الرسالة الدينية أو يؤيده ملك في دعواه ولكن هذا الزعم لا ينطبق على السيد المسيح وعلى موسى. ولا يؤيده الجاحظ الذي يرى في رسالة حجج النبوة أن يكون النبي اعتمد على
стр. 171
الارهاب لنشر دينه (انظر ايضا استحقاق الامامة) .
(٣٦) ملخص حجج السفيانية في وجوب امامة معاوية: براءته من عيوب اعضاء الشورى، وانتدابه الى الثأر لدم عثمان.
(٣٧) الجاحظ يعترف بأن حجج السفيانية القاها اليه ابن حسان مفسرة مستوفاة لكي لا يعتب عليه أحد.
(٣٨) جميع حجج السفيانية لم يدل بها معاوية ولم يعرفها اهل عصره انها من تصنع المتكلمين المتأخرين من الناصبة.
(٣٩) يذكر الجاحظ معظم المؤرخين العرب: الزهري ومحمد بن اسحق، امامي اهل الحجاز في علم السير والاخبار، وقتادة البصري، وسماك بن حرب الكوفي، وشبرمة والقاسم بن معن وابن ابي عنيسة البصريين الخ. وهؤلاء ثقات. ومثل الكلبي وابن الكلبي وعوانه والشرفي بن القطامي وابن الحسن المدائني والهيثم بن عدي الخ.. من غير الثقات. ويدل كلام الجاحظ على انه اطلع على كتبهم مما يبرهن على سعة ثقافته.
(٤٠) الدليل على ان هذه الاحتجاجات التي قالت بها السفيانية في عصر معاوية من صنع المتكلمين المحدثين ان خطب معاوية ورسائله تخلو منها، وكذلك كتاب القضية.
(٤١) الرد على حجة السفيانية بعدم الاجماع على خلافته يدفع الجاحظ الى ايضاح مفهوم الاجماع وعلاقته باستحقاق الامامة. ان الاجماع بنظره ليس سبب الامامة سواء توافر ام لم يتوافر، ان سبب الامامة هو الفضل (راجع نظريته في الامامة في اواخر رسالة العثمانية، وفي كتابنا: المناحي الفلسفية عند الجاحظ) .
(٤٢) الشورى ليست سبب الامامة بنظر الجاحظ، وقد عمل بها عمر وليس من الضروري اتباعها. فأبوبكر لم يعمل بها بل اقام عمر قبل وفاته.
(٤٣) علي اولى بالخلافة بسبب القرابة والرواية والقدم والزهد. هذا الرأي قال به الشيعة ورفضه الجاحظ في «استحقاق الامامة» وكتب أخرى.
(٤٤) الجاحظ لا يستنكر طلب معاوية بدم عثمان ويرى ان قاتل عثمان من اهل النار.
هذا الرأي اعلنه ايضا في رسالة النابتة. (راجعها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية) .
(٤٥) علي لم يقتل عثمان ولا اشترك في قتله. هذا الرأي ابداه الجاحظ في مطلع الرسالة (رقم ٦) .
стр. 172
[٥- محتويات رسالة فضل هاشم علي عبد شمس]
(- ٥- كتاب فضل هاشم على عبد شمس)
стр. 173
قال أبو عثمان:
[١- خصال هاشم في الجاهلية]
إن أشرف خصال قريش في الجاهلية: أللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة، وهذه الخصال مقسومة في الجاهلية لبني هاشم وعبد الدار وعبد العزى دون بني عبد شمس. على أن معظم ذلك صار شرفه في الاسلام إلى بني هاشم. لأن النبي ﷺ لما ملك مكة صار مفتاح الكعبة بيده، فدفعه إلى عثمان بن طلحة. فالشرف راجع إلى من ملك المفتاح لا إلى من دفع إليه. وكذلك دفع رسول الله ﷺ إلى مصعب بن عمير اللواء فالذي دفع اللواء إليه وأخذه مصعب من يديه أحق بشرفه وأولى بمجده، وشرفه راجع إلى رهطه من بني هاشم. قال: وكان محمد بن عيسى المخزومي أميرا على اليمن فهجاه أبيّ بن مدلج فقال:
قل لابن عيسى المستغي ... ث من السّهولة بالوعوره
النّاطق العوراء في ... جلّ الأمور بلا بصيره
ولد المغيرة تسعة ... كانوا صناديد العشيرة
وأبوك عاشرهم كما ... نبتت مع النّخل الشّعيره
إنّ النّبوّة والخلافة ... والسقاية والمشورة
في غيركم فاكفف اليك ... يدا مجذمة قصيرة
стр. 174
قال: فانبرى له [شاعر] من ولد كريز بن حبيب بن عبد شمس، وكان مع محمد بن عيسى باليمن، يهجو عنه ابن مدلج في كلمة له طويلة قال فيها:
لا لواء يعدّ بابن كريز ... لا ولا رفد بيته ذي السّناء
لا حجاب وليس فيكم سوى ال ... كبر وبغض النّبيّ والشّهداء
بين حاك ومخلج وطريد ... وقتيل يلعنه أهل السّماء
ولهم زمزم وجبرائيل ... ومجد السّقاية الغرّاء
قال أبو عثمان: فالشهداء: علي وحمزة وجعفر. والحاكي والمخلج هو الحكم ابن أبي العاص، كان يحكى مشية رسول الله ﷺ فالتفت يوما فرآه فدعا عليه، فلم يزل مخلج المشية عقوبة من الله تعالى. والطريد:
إثنان، ألحكم ابن أبي العاص ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص. وهما جدا عبد الملك بن مروان من قبل أمه وأبيه. وكان النبي ﷺ طرد معاوية بن المغيرة هذا من المدينة وأجله ثلاثا فحيره الله ولم يزل يتردد في ضلاله حتى بعث في أثره عليا وعمارا فقتلاه. فأما القتلى فكثير: نحو شيبة وعتبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وحنظلة بن أبي سفيان وعقبة بن أبي معيط والعاص بن سعيد بن أمية ومعاوية المغيرة وغيرهم.
[٢- كرم هاشم]
قال أبو عثمان: وكان اسم هاشم عمرا، وهاشم لقب. وكان أيضا يقال له القمر. وفي ذلك يقول مطرود الخزاعيّ:
إلى القمر السّاري المنير دعوته ... ومطعمهم في الأزل من قمع الجزر
قال ذلك في شيء كان بينه وبين بعض قريش، فدعاه مطرود إلى المحاكمة إلى هاشم. وقال ابن الزّبعري:
كانت قريش ريضة فتلفّقت ... فالمحّ خالصه لعبد مناف
стр. 175
الرّائشون وليس يوجد رائش ... والقائلون هلمّ للأضياف
عمرو العلى هشم الثّريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف
فعم كما ترى أهل مكة بالأزل والعجف وجعله الذي هشم لهم الخبز ثريدا، فغلب هذا اللقب على اسمه حتى صار لا يعرف إلا به. وليس لعبد شمس لقب كريم ولا اشتق له من صالح أعماله اسم شريف، ولم يكن لعبد شمس ابن يأخذ بضبعه ويرفع من قدره ويزيد في ذكره.
[٣- مزايا عبد المطلب]
ولهاشم عبد المطلب سيد الوادي غير مدافع، أجمل الناس جمالا وأظهرهم جودا وأكملهم كمالا، وهو صاحب الفيل والطير الأبابيل صاحب زمزم وساقي الحجيج. وولد عبد شمس أمية بن عبد شمس، وأمية في نفسه ليس هناك وإنما ذكر بأولاده ولا لقب له. ولعبد المطلب لقب شهير واسم شريف: شيبة الحمد. قال مطرود الخزاعي في مدحه:
يا شيبة الحمد الذي تثنى له ... أيّامه من خير ذخر الذّاخر
ألمجد ما حجّت قريش بيته ... ودعا هديل فوق غصن ناخر
والله لا أنساكم وفعالكم ... حتى أغيب في سفاة القابر
وقال حذافة بن غانم العدويّ وهو يمدح أبا لهب ويوصي ابنه خارجة بن حذافة بالانتماء إلى بني هاشم:
أخارج إمّا أهلكنّ فلا تزل ... لهم شاكرا حتى تغيّب في القبر
بني شيبة الحمد الكريم فعاله ... يضيء ظلام اللّيل كالقمر البدر
لساقي الحجيج ثم للشّيخ هاشم ... وعبد مناف ذلك السيد الغمر
أبو عتبة الملقى إليّ جواره ... أغرّ هجان اللّون من نفر غرّ
أبوهم قصيّ كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
стр. 176
فأبو عتبة هو أبو لهب بن عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم وابناه عتبة وعتيبة: وقال العبدي حين احتفل في الجاهلية فلم يترك:
لا ترى في النّاس حيّا مثلنا ... ماخلا أولاد عبد المطّلب
وإنما شرف عبد شمس بأبيه عبد مناف بن قصي، وبني ابنه أمية بن عبد شمس. وهاشم شرف بنفسه وبأبيه عبد مناف وبابنه عبد المطلب. والأمر في هذا بيّن وهو كما أوضحه الشاعر في قوله:
إنما عبد مناف جوهر ... زيّن الجوهر عبد المطّلب
قال أبو عثمان: ولسنا نقول إن عبد شمس لم يكن شريفا في نفسه، ولكن الشرف يتفاضل، وقد أعطى الله عبد المطلب في زمانه وأجرى على يديه وأظهر من كرامته ما لا يعرف مثله إلا لنبي مرسل، وإن في كلامه لأبرهة صاحب الفيل وتوعده إياه برب الكعبة وتحقيق قولة من الله تعالى ونصرة وعيده بحبس الفيل وقتل أصحابه بالطير الأبابيل وحجارة السجيل حتى تركوا كالعصف المأكول، لأعجب البرهانات وأسنى الكرامات، وإنما كان ذلك إرهاصا لنبوة النبي ﷺ ، وتأسيسا لما يريد الله به من الكرامة، وليجعل ذلك البهاء متقدما له ومردودا عليه، وليكون أشهر في الآفاق وأجل في صدور الفراعنة والجبابرة والأكاسرة، وأجدر أن يقهر المعاند ويكشف غباوة الجاهل.
[٤- نبوة محمد]
وبعد، فمن ينهاهض أو يناضل رجالا ولدوا محمدا ﷺ ؟
ولو عزلنا ما أكرمه الله به من النبوة حتى نقتصر على أخلاقه ومذاهبه وشيمه لما وفى به بشريّ ولا عدله شيء؟ ولو شئنا أن نذكر ما أعطى الله عبد المطلب من تفجر العيون وينابيع الماء من تحت كلكل بعيره وأخفافه بالأرض القسى وبما أعطى يوم المساهمة وعند المقارعة من الأمور العجيبة والخصال البائنة لقلنا ولكنا
стр. 177
أحببنا أن لا نحتج عليكم إلا بالموجود في القرآن الحكيم والمشهور في الشعر القديم الظاهر على ألسنة الخاصة والعامة ورواة الأخبار وحمال الآثار.
[٥- ايلاف قريش]
قال: ومما هو مذكور في القرآن- عدا حديث الفيل- قوله تعالى:
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
ولقد أجمعت الرواة على أن أول من أخذ الايلاف لقريش هاشم بن عبد مناف. فلما مات قام أخوه المطلب مقامه، فلما مات قام عبد شمس مقامه، فلما مات قام نوفل مقامه- وكان أصغرهم- والايلاف هو أن هاشما كان رجلا كثير السفر والتجارة فكان يسافر في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام، وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ومن ملوك اليمن نحو العباهلة باليمن واليكسوم من بلاد الحبشة ونحو ملوك الروم بالشام، فجعل لهم معه ربحا فيما يربح وساق لهم إبلا مع إبله فكفاهم مؤنة الأسفار على أن يكفوه مؤنة الأعداء في طريقه ومنصرفه، فكان في ذلك صلاح عام للفريقين، وكان المقيم رابحا والمسافر محفوظا. فأخصبت قريش بذلك وحملت معه أموالها وأتاها الخير من البلاد السافلة والعالية وحسنت حالها وطاب عيشها. قال: وقد ذكر حديث الايلاف الحارث بن الحنش السلمي وهو خال هاشم والمطلب وعبد شمس فقال:-
إنّ أخي هاشما ليس أخا واحد ... الآخذ الإيلاف والقائم للقاعد
قال أبو عثمان) وقيل إن تفسير قوله تعالى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
هو خوف من كان هؤلاء الاخوة يمرون به من القبائل والأعداء وهم مغتربون ومعهم الأموال وهذا هو ما فسرنا به الإيلاف آنفا، وقد فسره قوم بغير ذلك قالوا: إن هاشما جعل على رؤساء القبائل ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها أهل مكة، فان ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب الغارات وطلاب الطوائل كانوا لا
стр. 178
يؤمنون على الحرم لا سيما وناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدرا، مثل طيء وخثعم وقضاعة وبعض بلحرث بن كعب، وكيفما كان الايلاف فإن هاشما كان القائم به دون غيره من إخوته.
[٦- حلف الفضول]
قال أبو عثمان: ثم حلف الفضول وجلالته وعظمته، وهو أشرف حلف كان في العرب كلها وأكرم عقد عقدته قريش في قديمها وحديثها قبل الاسلام. لم يكن لبني عبد شمس فيه نصيب، قال النبي ﷺ وهو يذكر حلف الفضول: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت إلى مثله في الاسلام لأجبت. ويكفي في جلالته وشرفه أن رسول الله ﷺ شهده وهو غلام. وكان عتبة بن ربيعة يقول: لو أن رجلا خرج مما عليه قومه لدخلت في حلف الفضول لما أرى من كماله وشرفه ولما أعلم من قدره وفضيلته. قال: ولفضل ذلك الحلف وفضيلة أهله سمي «حلف الفضول» وسميت تلك القبائل «الفضول» فكان هذا الحلف في بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى وبني زهرة وبني تيم بن مرة. تعاقدوا في دار ابن جدعان في شهر حرام قياما يتماسحون بأكفهم صعدا ليكونن مع المظلوم حتى يؤدوا إليه حقه ما بل بحر صوفة، وفي التآسي في المعاش والتساهم بالمال.
وكانت النباهة في هذا الحلف للزّبير بن عبد المطلب ولعبد الله بن جدعان. أما ابن جدعان فلأن الحلف عقده في داره، وأما الزبير فلأنه هو الذي نهض فيه ودعا إليه وحث عليه، وهو الذي سماه «حلف الفضول» وذلك لأنه لما سمع الزبيدي المظلوم ثمن سلعته قد أوفى على أبي قبيس قبل طلوع الشمس رافعا عقيرته، وقريش في أنديتها، قائلا:
يا للرّجال لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائى الحيّ والنفر
إنّ الحرام لمن تمّت حرامته ... ولا حرام لثوبي لابس الغدر
стр. 179
حمي وحلف ليعقدن حلفا بينه وبين بطون من قريش يمنعون القوى من ظلم الضعيف، والقاطن من عنف الغريب. ثم قال:
حلفت لنعقدن حلفا عليهم ... وإن كنّا جميعا أهل دار
نسمّيه الفضول إذا عقدنا ... يعزّ به الغريب لدى الجوار
ويعلم من يطوف البيت أنّا ... أباة الضّيم نهجر كلّ عار
فبنو هاشم هم الذين سموا ذلك الحلف «حلف الفضول» وهم كانوا سببه والقائمين به دون جميع القبائل العاقدة له والشاهدة لأمره، فما ظنك بمن شهده ولم يقم بأمره؟
قال أبو عثمان: وكان الزبير بن عبد المطّلب شجاعا أبيا وجميلا بهيا، وكان خطيبا شاعرا وسيدا جوادا، وهو الذي يقول:
ولولا الحمس لم يلبس رجال ... ثياب أعزّة حتّى يموتوا
ثيابهم شمال أو عباء ... بها دنس كما دنس الحميت
ولكنّا خلقنا إذ خلقنا ... لنا الحبرات والمسك الفتيت
وكأس لو تبين لهم كلاما ... لقالت إنّما لهم سبيت
تبين لنا القذى إن كان فيها ... رصين الحلم يشربها هبيت
ويقطع نخوة المختال عنّا ... رقاق الحدّ ضربته صموت
بكفّ مجرّب لا عيب فيه ... إذا لقي الكريهة يستميت
قال: والزبير هو الذي يقول:
وأسحم من راح العراق مملا ... محيط عليه الخيش جلد مرائره
صبحت به طلقا يراح إلى النّدى ... إذا ما انتشى لم يختصره معاقره
ضعيف بجنب الكأس قبض بنانه ... كليل على جلد النّديم أظافره
قال: وبنو هاشم هم الذين ردوا على الزّبيدي ثمن بضاعته، وكانت عند
стр. 180
العاص بن وائل، وأخذوا للبارقي ثمن سلعته من أبي بن خلف الجمحي، وفي ذلك يقول البارقي:
ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بنى جمح والحقّ يؤخذ بالغصب
وهم الذين انتزعوا من نبيه بن الحجّاج قتول الحسناء بنت التاجر الخثعمي، وكان كابره عليها حين رأى جمالها. وفي ذلك يقول نبيّه بن الحجاج:
وخشيت الفضول حين أتوني ... قد أرابى ولا أخاف الفضولا
إنّني والّذي يحجّ له ... شمط إياد وهلّلوا تهليلا
لبراء منّي قتيلة يا للنّاس ... هل يبتغون إلّا القتولا
وفيها أيضا يقول:
لولا الفضول وأنّه ... لا أمن من عدوائها
لدنوت من أبياتها ... ولطفت حول خبائها
في كلمته التي يقول فيها:
حيّ البخيلة إذ نأت ... منّا على عدوائها
لا بالفراق تنيلنا ... شيئا ولا بلقائها
حلّت بمكّة حلّة ... في مشيها ووطائها
في رجال كثير انتزعوا منهم الظلامات. ولم يكن يظلم بمكة إلا رجال أقوياء ولهم العدد والعارضة، منهم من ذكرنا قصته.
[٧- حرب الفجار]
قال أبو عثمان: ولهاشم أخرى لا يعد أحد مثلها ولا يأتي بما يتعلق بها.
وذلك أن رؤساء قبائل قريش خرجوا إلى حرب بني عامر متساندين، فكان حرب إبن أمية على بني عبد شمس، وكان الزبير بن عبد المطلب على بني هاشم،
следующие страницы →