Полный текст (400 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
١- موضوع الرسالة
وفّقك الله للسلامة والغنيمة، وأعزّك بالحقّ، وختم لك بالسعادة، وجعل لك من علمك واعظا ورقيبا [و] من نفسك سامعا ومطيعا؛ وجعل لك مع حزمك نصيبا من التوكل، ومع توكلك حظّا من التحذّر، حتى تقبل إذنه في الحذر وتطيع أمره في التوكّل؛ قد قال رسول الله ﷺ : «اعقلها وتوكّل» ، فجمع بين الأمرين وسوّى بين الوصيّتين، وقال ﷺ : «أبل الله من نفسك عذرا، فإذا أعجزك أمر فقل: الله حسبي» ، قال أبو عبيدة ابن الجرّاح لعمر بن الخطّاب حين خاف طواعين الشام فانكفأ راجعا إلى المدينة: «أتفرّ من قدر الله؟» - قال: «نعم، إلى قدر الله!» وقال له سعيد بن جرير: «قم، أينفع الحذر من القدر؟» - فقال: «لسنا ممّا هناك في شيء؛ إنّ الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عمّا لا يضرّ» .
وقد كنت حذّرتك، يا ابن حسّان، أمورا، فكأني أغريتك بها، وآنستك بأمور، فكأني أوحشتك منها، وكنت لا أظنّ بك من النقصان إلّا ما كان عن بلوغ الكمال، ولا من التقصير إلّا ما كان عن التفضل، ولا من تضييع الرأي إلّا ما أمكن من استدراكه قبل الفوت، ولا من نكوب ما لا يبلغ الكثير إلّا ما لا يسبق الندم، ولا من النسيان إلّا ما لا يمنع من سرعة الانتباه، ولا من السآمة إلّا ما لا يقرّب من المعجزة، ولا من الحميّة إلا ما لا يخلط العصبيّة،
стр. 107
ولا من التنافس إلّا ما باعد عن التحاسد، وكنت عندي، إن لم تكن مع العلية، فلم تنحطّ عن الأوساط إلى السفلة، وإن رضيت بحال المنفصلين، لم ترض إلّا أن تكون مع المنصفين، وإن لم تكن غنيّا لمخالفيك عند مناظرتهم لك، ورائدا لموافقيك عند استعانتهم بك، وآلة لمن استملى منك، ومفزعا لمن سمع إليك، وحرزا لاسرار خصمك، وحائطا من وراء من ذهب من الناس عنك، لم تكن عندي بمخوف على ما انتهى إليّ من خبرك ولا على ما حكاه من لا يتّهم على مودّتك.
- عتبت عليك في مجادلة الرافضة، فأعتبتني بمماراة الغالية، وأنكرت منك مقارنة الخوارج، فأردفت ذلك بمسامحة النوابت، حين زعمت في جواب مسألة النابتيّ أنّ عليّا كان أحقّ بالإمامة من معاوية، وزعمت في جواب الخارجي أن رضاه كان هفوة منه ومكيدة من عدوّه، إلّا أنّها الهفوة التي تبلغ الضّلال، والفهمة التي لا تفسد الحكم، والنقصان الذي لا يكمل معه حل العقد، والتضييع الذي لا ينقض معه العهد.
ثمّ قطعت الشهادة وأوجبت الحكومة أنّ عليا قال عند موته وأقرّ عند زلله:
إنّي عثرت عثرة لا تنجيز ... سوف أكيس بعدها وأستمر
وأجمع الرأي الشتيت المنتشر
ثمّ قضيت بعد قطع الشهادة والحكم على غائب الفعل بأنه لم يعن بذلك القول إلّا الرضى بالحكمين، وجزمت على أنّه لا تأويل لذلك القول إلّا ما ذهبت إليه ولا معنى له إلا ما قضيت به.
فأجمع الآن بالك في الاستماع للحقّ كما جمعت بالك في الاجترام على الباطل، وفرّغ قلبك لما أنا واصفه لك ومقرّبه من عقلك؛ فإن أعجزك الفهم فليس يعجزك التفهّم، وأوّل منازل الإنصاف حسن التثبّت، ونعم الرائد التفهّم ونعم العون حبّ الإنصاف! وقال يزيد بن المهلّب: «هذا ابن
стр. 108
الأشعث غلب على النصر فغلب على الصبر» ؛ فأحذر أن يقال: «هذا ابن حسّان غلب على العلم فغلب على التعلّم!» ، وقد قال عامر بن عبد القيس:
«الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» .
وقد علم أني شديد الحبّ إلى رشادك، حريص على هدايتك، وأنا بعد ذلك كله أسأل الله أن يديم لك العصمة وأن يوفقك للمعرفة، وقد قال بعض العلماء: «لا تستجب إلا لمخلص أو مظلوم» ؛ فأما نيّتي في تبصرتك باب الرشد من العيّ فقد تقدّم القول مني فيها بما سمعت؛ وأما الظلم فمن أظلم لصديقه ممّن أفسد نفسه عليه، ومن أجوز على وليّه ممّن دان بدين عدّوه؟ ومن التوفير على حظّ هذا الكتاب من الأفهام وعلى حظّك من التفهّم أن لا يهدّه القارىء هدا ولا ينثر كلامه نثرا، فلا يكون نصيب السمع منه إلّا صدى الصوت ولا حظّ العقل منه إلّا استحسان التأليف؛ فعليك بالتوقّف وحده بالترسّل والتثبّت مع تفريغ البال ونفي الاشغال ومع الاحتراس من دبيب الهوى وفراغ المنشإ.
[٢- لا وجه للمقارنة بين علي ومعاوية]
خبّرني أيّ شيء نفيت لعلي بن أبي طالب من الفضل، وأيّ شيء نفيت على معاوية من النقص حتّى وضعت الخيار بينهما وأقررت الشبهة في أمرهما من غير إكراه ولا إحلال عذر؟ فمن أعجز رأيا ممّن زعم [أنّ ... ] أفضل من سمرة وأنّ سحبان أخطب من باقل، وأن زيادا أدهى من هبنقة، وأنّ أبا ذرّ أصدق من مسيلمة، وأنّ الجالينوس أطبّ من أبي دينار! وهل ذلك إلّا في مجرى من قال: «أيّما أصدق: المسيح بن مريم أو المسيح الدجال؟» ، وهل ذلك إلّا كقول القائل: «أيّما أحلى: العسل أم الخل؟» وليس للخلّ حظ في الحلاوة.
قلنا: فكيف تزعم أنّ عليّا أولى بالإمامة من معاوية وليس لمعاوية في
стр. 109
الإمامة حظّ؟ ولقد عجبت فطال تعجبي وشنّعت فاشتدّ تشنيعي على النجاشي حيث يقول بفخره على معاوية بعليّ:
نعم الفتى أنت، إلّا أنّ بينكما ... كما تفاضل قرن الشّمس والقمر
فمن هذا الذي يقرّ بانه ليس بين عليّ ومعاوية في الفضيلة واستحقاق الإمامة إلّا بقدر ما بين الشمس والقمر؟ بل نجعل لمعاوية في ذلك حظّا ونصيبا، إلّا أن نريد مزيد الفرق بين هاشم وعبد شمس، وبين عبد المطلب وحرب، وأبي طالب وأبي سفيان؛ ونذهب إلى البيان والفصاحة، والفصاحة ممّا قد يتفاضل فيه البرّ والفاجر ويتساوى فيه الجاهليّ والإسلاميّ؛ وإن أردتّ معرفة ذلك فانظر في كتابي الذي فرقت فيه بين قبائل قريش وميزت فيه بني عبد مناف وبيّنت فيه من فضل هاشم وأظهرت فيه جمال عبد المطلب.
أو لست، يا ابن حسّان، قد أطمعته في التمثيل بينهما وأقررت بالحاجة إلى تمييز حاليهما، وقد علمنا أنّ الله- تعالى قدره- قد قال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ
؛ وقال: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
؛ وليس ذلك في موضع الخيار وتمييز الحال من الحال ولا على الموازنة بين أتمّ الخيرين؛ [فلولا] اتقاء الله قلت مقالة تسير مع الركّبان [أفردها] بعليّ؛ وإنّ الرّبيع إبن زياد قال:
عمارة الوّهاب خير من علس ... وزرعة النسا (؟) شر من أنس
وأنا خير منك يا قتب الفرس
وإنما هذا على معنى قول عليّ لأجناده، وكخطبته على أصحابه عند استبطائه إيّاهم وتأنيبه لهم: «أبدلني الله بكم من هو خير لي منكم وأبدلكم بي من هو شرّ لكم منّي» ؛ والكلمة تكون جوابا فتدلّ على معنى، ثمّ تكون ابتداء فتدلّ على خلاف ذلك المعنى، وتدور دلالتها مع ظاهر الحالات على قدر ما يسبق من المثالات حتى تكون الكلمة كفرا في حال وإيمانا في حال.
стр. 110
فكذلك المجاز والتصحيح، والتقريب والتبعيد، والارتجال والتحرير، والكناية والإفصاح، والتعقيد والإسجاح، والخطل والإيجاز، والإفهام والإلغاز، والمعاريض والكنى والاستكراه والهذّ، وغير ذلك من أشكال الكلام وحدوده وصوره وأقسامه ودلائله؛ وقد قال كثير:
فهلّا فداك الموت من كل ريبة ... ومن هو أسوأ منك ذلّا وأقبح
وقال حسّان بن ثابت في بعض ما يصرخ وينافح عن النبي ﷺ :
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء؟
وسمع أعرابيّ رجلا يقول: «الشحيح أعذر من الظالم» - فقال: «أخزى الله أمرين خيرهما الشحّ! وعتبت عليك في معاونة إبراهيم بن الحسن على ترك القنوت في مسجد ابن رغبان ومحلّة البصريين وزاد في التعجّب منك والإنكار عليك تخذيل خالد الأزلية، [....] عنه خبّرني، حدّثني [عن] غدرك إيّاه؛ فأنت معتزليّ نظامي:
فكانت محاباة خالد على نصيبه من مذهب البصريّين من القنوت- وليس القنوت من دينه- أوفر من محاباتك على نصيبك من مذهب المعتزلة في القنوت- وهو من دينك؛ وقد علمنا أنّ الذي بناه من ماله وأوقف عليه الغلّات لنوابته بصريّ ابن بصريّ ثمّ معتزليّ؛ على ذلك اشترى الأرض ووضع الأساس وشيّد البنيان وكتب عليه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
، وهو الفضيل بن عبد الرحمن مولى بني سدوس؛ ولم يزل المسجد يقنت فيه الجبريّ كما يقنت فيه المعتزلي العدليّ، ويقنت فيه النابتيّ كما يقنت فيه المعتزليّ ومن صلّى فيه، حتى عرضت فيه بما دلّ خالدا- بزعمه- على رقّة دينك وسخافة عقلك وحلمك وانفساخ عقدك وسوء المحافظة على نحلتك، غير مكترث لما نال عرضك وغير محتفل بما ثلم دينك وساء وليّك وسرّ عدوّك.
стр. 111
[٣- فضائل معاوية]
ولم أقل إنّ معاوية ليس بمذكور بالعقل والحلم وبالدهاء والفهم وبالنكرى والجزم والسودد والعزم، وبالبيان العجيب والغور البعيد، وإنّه لم يكن كاتب وحي الله وصاحب ديوان بيت مال الله، وإنّ أبا بكر لم يولّه مقدّمة أخيه، وإن عمر لم يجمع له أرباع الشامات وإنّه لم يعزله إلى أن توفي ولم يغضب عليه مذ رضي عنه، ولم يكتب له بفضل خصال القضاء وترتيب منازل الحكم، كما كتب إلى أبي موسى الاشعريّ وإلى قضاته في الأمصار ورجال الفتيا في الأطراف، وإنّ عثمان لم يؤكّد له ما تقدم منهما ويثبت له ما جرى له من قبلهما وزاد في تثبيت عدالته وتزكية بجالته في سني الجماعة وسني الاختلاف؛ وأدنى حالاته أن يكون مؤمنا غير فاسق ووليّا غير عدو وعدلا غير مزوّر، مع علمي بأنّهم لم يكونوا ليولوا الثغور والاحرام والإمارات العظام إلّا القويّ الأمين وصاحب الرأي الرصين.
[٤- اسس استحقاق الامامة بنظر الجاحظ]
ولكنّ الخلافة، يا ابن حسّان، لا تستحقّ والامامة لا تستوجب إلّا بالتقدّم في الفضل والتقدّم في السوابق، وإلّا بان يكون الفضل إمّا ظاهرا للعيون ومشهورا عند جميع المسلمين قد أجمعوا على تقديم رجل وتأمير أمير من تلقاء أنفسهم بغير سيف ولا خوف ولا إكراه ظاهر ولا سبب يوجب سوء الظنّ فضلا على غير ذلك؛ وإمّا بأن يختاروه عن تشاور وتناظر ويظهر فضله بعد طول التخابر؛ أو يكون له ذلك [في] مصره دون رهطه بميراث العمومة ويستحقّها كما تستحقّ المقامات الموروثة؛ أو يكون ذلك من جهة وصيّة أو وراثة مشهورة؛ أو يكون ذلك نتيجة خصال كريمة لاقت القرابة وحرمة العترة، فبلغ صاحبها باجتماع الخصلتين ما لا يبلغه صاحب الواحدة ويكون مقنعا للإلف لأنّه أمسّ بالمعدن وأقرب من صاحب المقام وأحرى أن لا يخفى مكانه على بعيد
стр. 112
الدار، كما لا يأنف منه العظيم الكبير، وإن كان نصيبه من الطاعة دون نصيب كثير ممن لا يجري مجراه في شرفه ولا يشاكله في موضعه؛ وهذه الأركان تجتمع على جميع المقالات إلّا ما لا يعدّه المتكلمون قولا وكان عندهم عارضا بهرجا.
[٥- معاوية لا يستحق الإمامة]
ولم نجدهم ادعوا لمعاوية إلّا أنه كان رجلا من عرض المسلمين وصالح الطلقاء وكاتب الوحي، فقد كتبه قبله من قد علمتم: ابن أبي سرح ثمّ كان من أمره ما كان، وكتبه علي بن أبي طالب وكتبه حنظلة الكاتب الأسيديّ وكتبه زيد بن ثابت، فلم نجد أحدا جعل كتابتهم للوحي سببا الى ادّعاء شيء من مراتب الإمامة وطبقات استحقاق الخلافة.
وأمّا قولهم «خال المؤمنين» ، فأنّه إنما يكون خالا لو كان كون ام حبيبة أمّا للمؤمنين من طريق النسب لا من طريق تحريم النكاح والتعظيم لحقوق الرسول محمد ﷺ ؛ ولو كان قولهم قياسا مقبولا وتأويلا معقولا لكان أبو بكر وعمر وأبو سفيان أجدادا للمسلمين، ولكان جميع ولد أبي بكر وعمر أخوالا للمسلمين، ولكان سالم بن عبد الله ابن خال المسلمين، وهذا حمل والاحتجاج به سفه والقائل به إما ساقط العقل وإمّا ظاهر العبث.
وإن كان معاوية قد كان سكن إلى هذا القول وكان هذا القول قد قيل في تلك الأيّام، فما كان ذلك منه إلّا من خوف شديد وحاجة مفرطة؛ ولو كان للمسلمات خالا لما جاز له أن ينكحهن، وهذا رأي ساقط ومذهب فاضح.
[٦- معاوية يدعي استحقاقه الامامة لأنه يطالب عليا بدم عثمان]
وليس ينبغي لمعاوية ان يحمد على ما اتّفق له من أسباب القوّة وتهيّأ له من الملك إلّا قتلة عثمان والذين صاحوا يوم قالوا: «أخرجوا لنا قتلة عثمان!» .
стр. 113
- فقالوا: «كلّنا قتلة عثمان!» ، لانّ عثمان لو لم يقتل لم يمكنه أن يوهم أغمار الأمّة وأغثار أهل الشام والقابلين والمفتونين من الأعراب وأشباه العرب أنّ عليّا هو الذي قتله أو كان السبب [لقت] له عندهم من جهة الشبهة على أهل الغباء والغفلة أو على من يعميه هواه أو يلي جدّه، وصار من قتل إمام المسلمين يتبرّأ عندهم ممّن قتل رجلا من عرض المسلمين، وقاتل المؤمن عندهم ضالّ والضالّ لا يكون شاهدا فكيف يكون عندهم حاكما؟ ومن لا يجوز أن يكون عندهم حاكما فكيف يجوز أن يكون عندهم إماما؟
[٧- معاوية يستغل موقف سعد وابن عمر ويفيد من اختلاف جند علي واتفاق جنده]
فلمّا فرغ من تثبيت ذلك عندهم وهمّهم أنّ من منع الضالّ من الإمامة أحقّ منه بالإمامة، وأنّ أولى الناس بمقام الإمام من انتدب للطلب بدمه وبذل في ذلك نفسه لأخذ الحقّ منه لولده ووليّ دمه، فلما فرغ من ذلك وهّمهم وثبتت عندهم أنّ من دان بدين سعد وذهب مذهب ابن عمر ممّن لا يرى قتال «الفئة الباغية» ويقول: «كن عبد الله المقتول» لا يرى طلبها ولا الدفع عنها إلّا بالكفّ دون البسط وإلّا بالجدال دون القتال- وعلى أنّ عليه إن ظنّ أنّ الجدال يؤدّي إلى شيء من القتال أن يكون أترك الناس للدعاء إليها والإحواج لها فضلا على غير ذلك من الأمور [ ... ] .
هذا مع ما عليه من طبائع الناس من حبّ المال والعلوّ في الحال وأنه متى لم يرعهم السوط وينهكهم السيف فالأمر مريج والفساد شامل والحرب أكيدة والفتن شائعة والأمر مضاع والحقّ مقموع، ومن عزّ بزّ ومن قلّ فلّ ومن فلّ أكل ومن ظهر قتل؛ فالإمام ما لم يحم مكانه وثغر سلطانه فمغلوب معزول ومطلوب مقتول، والرئيس ما لم يذد عن حوضه ويحام عن عشيرته فمسلوب مغلول أو [م] شلو [ل] مأكول على الدنيا ولم يكن معنى قطّ على هذه الصفة
стр. 114
ولا صحّت يوما قطّ إلّا على خلاف هذه الحال.
وممّا تهيّا له من الأسباب واتّفق له من العلل ما كان ظاهرا من رأي سعد وابن عمر في تحريم البسط والأمر بالكفّ والنهي عن حمل السلاح والإمكان من الحربة: فاجتمع له السبب الذي به يوهم موضع دم عثمان؛ فانّ سعدا، وإن كان بقيّة الشورى، فانّ الحق لا يغريه وإنّ الباطل لا يضل به؛ وعلى هذين الاصلين دار [..........] الطمع منه فيها واستجاز الطلب لها والحرص عليها.
ثمّ اتّفق أنّ جنده يمانية إلّا القليل، وجند عليّ نزاريّة إلّا القليل؛ واتّفق أن كان أهل العراق أصحاب الخواطر والنظر والتأويل والقياس، ومع هذه الصفة يكون الاختلاف إذ كانوا عربا وأعرابا وعهدهم بالجاهليّة قريب وتعظيم الرؤساء فيهم غير قديم؛ وأهل الشام هم في قلّة الخواطر والتنقير وفي قلّة الفطنة والتفتيش على خلاف ذلك؛ وكانوا ملوكا وأجناد ملوك أو قرابين ملوك، لا يعرفون إلّا طاعة الملوك والكبراء واتبّاع الرؤساء؛ وقد علمت أنه متى أطاع الجند الرئيس والرئيس يصيب الرأي، فكلّهم رئيس وكلّهم مصيب ومع الإنصاف تجتمع القوّة ويقوى الضعيف، ومع الاختلاف ينتثر الأمر وتنكبت القوّة؛ وقيل لرجل من عبس: «كيف نهضتم بالعمائر الكبار على الألوف؟» - قال: «كان لنا رئيس يصيب الرأي وكنّا له تبعا فكنّا ألف رئيس» .
وجند عليّ بن أبي طالب من ربيعة ومضر، وهم كانوا أصحاب التحارب في الجاهلية والتجاذب، وفيهم كان التحالف والتجاور، وهم كانوا أصحاب الغزو والغارات والسبي وطلب الطوائل، وأكثرهم أصحاب وبر وعمد وصحار، وأقلّهم أصحاب المدر والمحالّ، وأكثرهم أصحاب الحذر والنجعة والفقه والمواثبة [؟] ؛ ومع الحاجة يكون الطلب والحركة ومع الغناء والخصب يكون الحلم والمروّة والتثاقل عن الحركة؛ حتى كان رؤساؤهم يخرجون في الحروب والمغازي متسايرين، لكل رأس لواء ولكل سيّد معسكر؛ وما زال أصحاب التجارب
стр. 115
والعقول وأهل النظر والتحصيل من كل ملّة وأمة وقرن وبلدة يرون انّ الشرك في الحرب كالشرك في الملك وأنّهما كالشرك في الزوجة، وأنّ الخطأ في ذلك لا يستقال والوهن لا يستدرك، وأنّ هذه الخصال فاحشة الضرر سيئة الاثر، لا يثبت معها إلف ولا يصلح عليها تدبير؛ فاحتملوا ما في التشابه من ضرر التساند لنكود الاخلاق ولشرف الحميّة ولما كانوا عليه من حميّة الجاهلية.
ألا ترى أنّ مروان بن محمّد لما استبدل قيس عيلان الجند بقيس عيلان الجند، من أبناء قحطان، كيف ظهر انتشار أمره واضطرب حبله واختلفت الكلمة وتقطّع النظام وانحلّت العقد وأدبر الملك وركدت الريح؟ هذا وقيس عثمانية عند أنفسها جماعيّة دعاميّة فيما تذهب إليه سلطانيّة، كذلك اصطهرت إليها الملوك، يعني المصاهرة دون النزارية بالانفس، ووليت العراق المرار الكثيرة والثغور العظام والمهم من الأمور الجسام؛ ولم يفعلوا ذلك بتميم ولا بربيعة لما كان فيها من النزوح والخارجية، ولذلك قلت الفتوح في تميم وربيعة؛ وكانت قيس في جملة أمورها ومعظم تدبيرها زارية على الشيعة ناقمة عليها، نافرة من الخوارج ناهية عنها؛ وقد عرفت ما كان من شأن زفر ابن الحارث ومجاشع إبن مسعود وحاتم بن النعمان والجحّاف بن حكيم، وحال كلّ من سيّره عليّ من البصرة بعد وقعة الجمل الى الجزيرة؛ ثمّ مع ذلك ما برحت أن نزعها ذلك العزم وجذبها ذلك الطمع ولم تدعها الرحم من نزار، وعرف مروان فضل رأي أسلافه على رأيه وتدبيرهم على تدبيره.
ولعلّ قائلا يقول: «فأين ربيعة السامعة المطيعة وكانت شطر نزار ومعظم الفرسان؟ أو ما كانوا في طاعة عليّ مجتهدين وعلى معاوية مطيعين، حتى هجروا فيه الإخوان والجيران وفارقوا من أجله الأوطان كصنيع عجل بالبصرة وانتقالهم بعد نصرته يوم الجمل إلى الكوفة حتى نزلت ديارهم وصارت في ربوعهم الازد، يتقدّمها ابن نوح؟ قال في ذلك الشاعر:
وشيّب رأسي قبل حين مشيبه ... نزول العبيد في ديار بني عجل
стр. 116
قلنا لهم عند ذلك: قد كانوا كما وصفتم ثم صاروا شرّا من قيس وأكثر خلافا من تميم، على أنّهم بتميم أشبه؛ ولذلك قال الحجّاج: «الكوفة أشبه بالبصرة من بكر بن وائل بتميم» ؛ بل صارت رجال يمانية أسوأ طاعة وأكثر خلافا من رجال نزار، كالذي كان بين الأشتر والأشعث وكالذي كان بين الأشعث وحجر؛ وما تخفى عليك امور لهمدان وكندة في تلك الأيام، وحال سعيد بن قيس، وما كان من قول عبد الله بن بديل، هذا إن كان بعض ما ذكرنا يعرفها من قبل عليّ ومعاوية ابن ملجم، ومن إمداده الرأي ومن تشجيعه على الاقدام وإفساد يمانيته عليه فضلا على قيسيته؛ فقال يزيد بن حجبة قبل أن يكون إليه من عليّ بن أبي طالب ما كان:
عادت ربيعة قيسا بعد طاعتها ... حتّى اليمانيّ لا يبقي ولا يذر
ثم صرف إلى معاوية مع أكثر قومه من تيم اللات بن ثعلبة وقال:
وقالوا: عليّ ليس يقتل مسلما ... فمن ذا الّذي يحيي الرّفات ويقتل
ثمّ لحق بالشام خالد بن المعمّر في أكثر بني سّدوس، ولقدره ولقدر ما جلب إلى معاوية من القوّة قال قائلهم:
معاوي أمّر خالد بن معمّر ... فإنّك لولا خالد لم تعمّر
ثمّ لحق مصقلة بن هبيرة في عامّة بني شيبان في رجال كثير ورؤساء لا يحصون، معروف سبب هربهم وشهور تنقّمهم؛ وأمّا مصقلة بن هبيرة فانه طولب بما عليه من مال الله من ثمن من أعتق من بني ناجية؛ وأمّا يزيد بن حجبة ففرّ من الجيش لما كان فرّ من خراج المسلمين إلى ما لا يعرف من هرب النجاشيّ عند شرب الخمر.
стр. 117
[٨- معاوية يلجأ الى الترغيب بالمال والتولية على عكس علي]
والجملة أنّ رجالات العرب ورؤساء الأعراب وكثيرا من أهل البأس والنجدة والرئاسة في المشيرة كان سوء معاويّة ومعاملته أحبّ إليهم من سوء عليّ إبن أبي طالب ومعاملته، لأنّ القوم، لمّا ثبت عندهم من إطعام خراج مصر عمرو بن العاص ما ثبت، ومن ضمانه لذي الكلاع سميفع بن ناكور ما ضمن، ولحبيب بن مسلمة ما قد علمت، ورأوا ما صنع عليّ بيزيد بن حجبة وسمعوا ردّ جوابه على من سأله أن يزيد في عطاء الحسن والحسين وكيف قال، ورأوا مع ذلك شدّته على الخائن وقمعه للظالم وأنّ الرجال أنّما تحظى عنده على قدر الزهد والفقه وعلى قدر الوفاء والنجدة وعلى قدر العلم بالكتاب والسنّة، لم يكن لهم همّ إلّا التخلّص إلى معاوية وإلّا أن يصيروا إلى من يرتع ويرتعون معه ويأخذ ويأخذون معه ويذهب مذهب التودّد والتحبّب والتألف ويدع مذهب الإمامة وإقامة جزاء الحسنة والسيّئة؛ وقد قال خالد ابن المعمّر لعلياء بن الهيثم: «اتّق الله في عشيرتك وانظر لنفسك ورحمك، ما يؤمل عند رجل أردتّه على أن يزيد في عطاء الحسن والحسين درّيهمات يسيرة ريثما يبلان بها من طريف عيشهما، فأبى وغضب؟» .
[٩- حيلة المصاحف تنطلي على الناس]
فكلّ ما ذكرنا ممّا اتّفق له من غير اكتساب وتهيأ له من غير احتيال، فغير مكره- حفظك الله- معاوية على ما اتفق له ولا ملوم عليّ ابن أبي طالب على ما امتحن به فيهم؛ فعلى هذه العقدة دار الكلام؛ ثمّ اتفق له الخلاف الذي كان عن رفع المصاحف والانتشار الذي حدث عن ذلك التدبير والحيلة؛ فانظر هل ألفى عليّ عندها عاقلا أو صادف بها عزيزا؟ ولقد قال ثمّ أعاد القول ثمّ احتجّ وعرف وزجر وتوعّد وقال: «ويحكم! إنّها خدعة ومكيدة، وإنّها بعد دليل على الفشل وعلى انقطاع القوّة؛ فانتهزوا هذه الفرصة فقد دلّكم بها على موضع
стр. 118
العورة، وليس بينكم وبين الظفر إلا صبر ساعة» ؛ فكان أشدّ القوم عليه خلافا وأفحشهم عنودا الذين صاروا بعد إلى إكفاره وإلى البراءة منه بعد إقرارهم بانه كان المستبصر والمحدود والواعظ والمتوعّد، وأنّهم كانوا المخدوعين والمغرورين والمخذولين؛ فهذا هذا.
[١٠- دهاء عمرو بن العاص وغباء ابي موسى الاشعري]
وكان ما امتحن به عليّ واشتدّت البلوى على أصحابه فيه وعلى اصحاب النبيّ وعلى من معه من أجناده ومن خاصّة أهله، أن صار الحكم الموازي لعمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، فكان من خدعه له ومن غدر عمرو به ما قد علمتم؛ ولم تجد الناس اقتصروا من أمرهما على أنّه خدعه بفضل أرب وكاده بعد غور واستنزله بفضل [........؛ فلولا يزال يكون مثلة يبين الرجال من رجال الرأي والدهاء والمادّة وجدتّ العامّة والطبقة التي تلي العامّة لا يشكّون أنّ أبا موسى كان أغبى «العالمين وأعيا الأوّلين والآخرين، وأنه فوق جهيزة في سقوط الرأي، وأسوأ حالا من دغة في الرّقاعة، وأكثر خطلا وأعجب خطأ وأغرب غلطا من جحا وأعيا لسانا من باقل.
[١١- دوافع ابي موسى الى موقفه في التحكيم]
وليس يقول هذا- رحمك الله- إلّا من لا علم له ولا تحصيل عنده؛ قد عرفنا حال أبي موسى عند رسول الله ﷺ وعند أبي بكر ومنزله من عمر بن الخطاب ومكانه من عثمان بن عفّان في كثرة فتوحه وصحّة تدبيره، ألا وإنّها عن مقارعة شديدة ومنافقة [؟] طويلة بالرأي السديد والكيد البعيد والسيوف الحداد وبالعدّة والعتاد وسياسة الأجناد ويمين الفتنة والسلامة العجيبة وحفظ الرعيّة والقسمة بالسويّة، ومع الفقه في الدين والعلم بالقياس والحجج في الفتيا؛ وكان سادس ستة ممن حصلوا من فقهاء الصحابة وأحد القضاة
стр. 119
وأحد الثلاثة، ولذلك قالوا: «ثلاثة أخذوا عن ثلاثة: ابن مسعود عن عمر، وأبو موسى عن عليّ، وزيد عن أبي» ؛ ويدلّ على ذلك قول الشاعر في مدح بلال ابن أبي بردة بن أبي موسى وكان قاضيا ابن قاض ابن قاض، قال له:
وأنت يا ابن قاضيين
وقال آخر في بلال:
قضيت على عرق بما لك صاعدا ... وأوتيت مزمارا وخطبة فيصل
(ذهب من المزمار الى ما كان أعطي أبو موسى في حنجرته من الصفا والشحا؛ وذهب من ذكر الخطبة الى ما كان أعطي في لسانه من البيان) .
- وكان مع ذلك مشهورا بالحلم ومذكورا بالفقه، من المعدودين في أصحاب الفتوح ومن المذكورين في الولاة والعمّال ومن المعروفين بالنزاهة وطيب الطعمة ومن المعروفين بصحة الرواية؛ ثم خصلة ما أقل ما تجدها وأكثر ما تفقدها وهي قلّة التغيّر مع طول الولاية والثبات على الأمر الأوّل مع كثرة الفتوح والفائدة، ولو كان أبو موسى كما يقولون غبيا منقوص العقل ضعيفا، لكان اللوم على تأميره [على] البلدان والأمصار وعلى الجيوش العظام وتسليطه على الأحكام، على من ولّاه دونه؛ ولو كان ذلك كذلك لكان لعليّ في ذلك أوفر الأقسام.
كلّا، ولكننا نقول فيه كما قال أهل العلم من أسلافنا وأهل العدالة من مشايخنا: نقطع الشهادة على كلّ ما أجمعوا عليه ونقف عند كلّ ما اختلفوا فيه، وقولي فيه، إن لم يكن قول أبي إسحق بعينه فما أقربه من قوله؛ قال أبو اسحق: كانت التي خلع بها علي بن أبي طالب دون عمرو وبعد التصادر على ذلك والتوكيد له نتيجة خمس خصال، منها انصرافه عن عليّ، والاخرى ميله الى رأي سعد بن ابي وقّاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وصهيب بن سنان وأسامة بن زيد من الكفّ وتحريم القتال، ولذلك روى
стр. 120
بالكوفة ما روى حيث أقعد الناس عن عليّ بن أبي طالب ونصرته ومعاونته حتى جرى في ذلك بينه وبين الحسن وعمّار ما جرى حيث قال: «سمعت النبي ﷺ يقول: «تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي [فيها] خير من الساعي» .
وخصلة اخرى وهي ميله من عدنان لقحطان ولذلك قال يومئذ: «لو كان هذا الأمر لا ينال إلّا بالقدم والشرف لكان رجل من أولاد أبرهة بن الصباح أولى بها منهما» ؛ وخصلة اخرى وهي نقصانه لا محالة عن مقدار عمرو في بعد الفكر وشدّة المكر، ولكن ليس من خدع مرّة او كان دون أدهى الناس فلا اسم له إلّا الغبيّ العييّ الجاهل المنقوص؛ وخصلة اخرى وهي ما كان إسرار قلبه من تصييرها الى ابن عمر بكل حيلة وبكل قيد وقوّة، ولذلك وافى ابن عمر دومة الجندل، والخصلة من هذه الخصال- رحمك الله- تصرف بنصيبها من إدخال الخطإ على العقل، فما ظنّك بها وقد اقبلت معا ثمّ صادفت عقلا مستهدفا وعرضا قريبا؟.
[١٢- لماذا قبل علي بابي موسى حكما]
وكان أبو اسحق يتعجب من قول من زعم أن عليا إنما اجبر على أبي موسى اجبارا ولم يوجه اختيارا لأنّ اليمانية أبت أن تكون إلّا ميزان نزاريين؛ قال أبو اسحق: قد علمنا أنّ من شأن طبائع الأزد وتميم وبكر ويربوع وتغلب وقيس وجملة عدنان وجملة قحطان أن تتفانى في أقلّ من هذا، وقد عرفنا سبب حرب البسوس وسبب حرب لبني قيلة وسبب حرب داحس والغبراء، وهي حرب الإخوة وأطول حرب كانت في الجاهلية وأشدّها ضغينة وأبعدها غاية في طلب الطائلة، وما كان بعد ذلك ممّا كان بين تغلب وقيس وابن أبي الهيذام وقبائل اليمن بالشام وغير ذلك، وكيف كان صغر الأمر في أوائلها وعظمه في أواخرها، وكيف طبائع العرب قاطبة والاعراب خاصة، وكيف نفوس الاجناد، وكيف حركة الاتباع، وكيف صبرت نزار كلّها، مع ما وصفنا، على هذه الذلّة
стр. 121
واغضت على هذا القذى وتعرضت لهذا التغيّر وكيف استنجدت وأطرقت وطايعت وسامحت حتى لم يختلف سيفان، والسيوف عتيدة، ولا اجتمعت في ذلك جماعة والخيام متقابلة.
ثمّ لم يقل فيه شاعر قصيدة واحدة ولا فخر به فاخر مرّة واحدة، فلا هؤلاء هجوا ولا هؤلاء مدحوا؛ وهل يعرف هذا من أخلاقهم وهل يظن هذا بهم؟ بل متى أغضت نزار من اليمن على مثلها؟ ولو كانت معاودة لذلك منها في جاهليّتها لما صبرت على ذاك بعد تحوّل الملك فيها والنبوّة إليها، وقد رأيناهم كيف كانوا يوم خزازى ويوم الكلاب والاخير ويوم شويحط ويوم اجتمعت تميم على زرارة ويوم اجتمعت على غزو اليمن في فكّ تميم من أيدي العباهلة والرئسان الاضبط بن قريع والنمر الحصاني، وكم قتلوا من الملوك عنوة وكم غزوا ديارهم لا يلتمسون حيا دونهم كعروة حذيفة بن زيد وحصن بن حذيفة وفلان وفلان.
واحتسبت كيف لم تتجمّد باحتمال ملالها ولم تتقرّب بذلك إلى عليّ ابن أبي طالب ولم تجنح بالورع وتدّع بغض الشرّ وكراهة الفتنة إن كان العجز قد قطعها والجبن قد خلع قلوبها. وكيف حمل على نفسه هذه الدنية وكيف [قبل] بالضغطة وكيف نزل على هذا الحكم وكيف أمكن من نفسه هذا التمكين وأغرى بها هذا الاغراء، وفي دون ذلك مرزية الأعداء وضراوة لأهل العصبيّة، وقد علم أنّ فطم العادة شديد وأنّ نزع صاحب الدربة عسير.
وقال أبو إسحق: احسبهم كانوا القاهرين والغالبين والمتحكمين المتهكمين ما خالف إلى أبي موسى وأي جمع كان هنالك من الأشعريّين وأيّ عز كان في ذلك العسكر لأهل بلده؟ وإن كان غبيا عند أصحابه مضعوفا قليل المعرفة مخدوعا، فماذا الذي اضطرّهم إليه؟ فأين كان الاشعث بن قيس؟ وأين كان سعد بن قيس؟ وأين كان عبد الله بن بديل؟ وأين كان قيس بن سعد؟ فان قلت إنّ القوم لم يرضوا إلّا بمن له صحبة، فما حدب لمعاوية هذا التحدب «على
стр. 122
الصحابة، وهذا التعظيم لمن له هذه الحرمة، وهذا التقديم لمن له هذه التقدمة؟ ولا بأس، فأين كان أبو أيّوب الأنصاريّ وأبو مسعود البدريّ؟ وأين كان عديّ بن حاتم؟ فإن أقرّت قحطان بانه لم يكن في جماعته رجل واحد كانت له صحبة يفي موازاة عمرو بن العاص، فقد أقرّوا بالخسيسة وسلّموا بالفضيلة.
ولعمري أن لو كان المسؤولون من نزار لذكروا رجالا قد جمعوا مع الصحبة العقل البارع والتجربة الكثيرة والرأي الاصيل والغور البعيد والحزم والعزم والعلم والنكرى والدهاء والرأي [.....] ، ولو كانت الحال قد بلغت بعليّ إلى أن صار لا يمتنع من قهر تلك اليمانية ومن غلبة بعض ذلك الجند، وذلك ظاهر لمعاوية ولجواسيسه السعية، ويزال عنه فرض الجهاد، فمن كان كذلك كان عن حلبة أهل الشام وأجناده المتناصرة بالأيدي المثقفة هو أعجز.
كلّا، ليس الأمر على ما قالوا وذكروا، فما دعا إذا معاوية إلى المحاكمه وكيف رضي بالنصفة؟ كان عليّ بن أبي طالب أشدّ ورعا وأثقب نظرا وألطف في الأمور تدخّلا من أن يوجّه مع عمرو بن العاص حكما وهو عنده عبد منقوص أو عدوّ مرصد، بل لا كرّر أن يقلده مثل ذلك الامر وهو عنده ظنين عليه، وكان الاقلّ من ذلك أن لا يدع الاحتجاج والتبيين والاعتذار الى غيره من رعيّته وأجناده؛ فمن أين اتى- يرحمك الله- أمن كلال وجمد وعيّ لسان، أم من قلّة معرفة وضعف مخبرة؟ أو من جبن قلب وشدّة هيبة؟ أم من خور في العرق؟ أم من فساد في أصل الطينة؟ أم من خبث في المنشإ والعادة؟ أم من قلّة ممارسة للحروب ومقارعة للابطال ومعاودة للقتال، مع قتل الفرسان والقادة والرؤساء والسادة، وهل ربيّ إلا فيها وهل نبت لحمه إلا عليها وهل يعرف شيئا سواها؟
ألا يدور ما يعرف منها على استفاضة علمه واتّساع معرفته؟
ولو لم يكن عليّ امتحن منها بشيء قطّ ولا اختبر بأمر قطّ إلا بما امتحن به يوم نادى منادي معاوية: «أخرجوا الينا قتلة عثمان!» ، لكان في ذلك أعظم
стр. 123
المحنة وأشدّ البلاء والفتنة، ولقد ابتلي عليّ بعقد لا سبيل إلى حلّه وبقفل لا حيلة في فتحه، ولو كان باب الحيلة فيه مغلقا ولم يكن [.....] مبهما، لكان أحقّ من [....] ذلك القفل و [.....] لذلك الغلق؛ ألا ترى أنّه لو أخرج إليهم طلبتهم والذين أوقعوا عليهم ظنونهم ومن هو عندهم قاتله إما معينا وإما متوليّا وإما بالهوى والمحبة والنحلة والديانة، لدفع إليهم محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر وعمرو بن الحمق وسودان بن حمران ومالك الاشتر وعبد الله بن عديس وعمرو بن زرارة وعمير بن ضابىء وفلانا وفلانا؟
ولو أخرجوهم إليهم لأمتنعوا بعشائرهم ولمنعتهم الذين قالوا: «كلّنا نصيحة واحدة، كلنا قتّال عثمان!» ؛ ولو كان كذلك لكان معاوية أوّل واثب بهم وكان ذلك من أكبر فريضة فيهم، ولو أخرجوهم إليهم وسلّموهم في أيديهم، لقتلوهم خبطا بالسيوف ورضخا بالجندل، ولأعجلوهم عن حكم الإمام القائم وعن التثبّت والتعرّف وعن تمييز ما بين الآمر والمحبّ والمعين والمتولّي والمتهم والمعترف بالدم.
ولو قام عليّ في كلّ عددهم وعدّتهم يردّ عليهم ويكذّبهم، لكان تواثب بعضهم إلى بعض بالجدال والقتال أقرب من وثوب معاوية بهم على قرب ذلك منهم، ولو جرى بينهم بعض ما هو دون السابقة والمتأخّرة لكان في تشاغلهم واضطراب حبلهم واختلاف كلمتهم وانتشار أمرهم ما يدعو أهل الشام إلى الوثوب بهم والشدّ عليهم، ولو فعل ذلك والحال كذلك لما كان دون البوار ستر ولا دون الظفر بهم مانع ولا حائل.
وقد علمت- حفظك الله- أنّ الناس في قتل عثمان على ثلاث طبقات:
فطبقة تدعي ان قتل علي لعثمان كان من اكبر طاعاته لله، وهذه الطبقة هم الشيعة والخوارج؛ وإنّ الطبقة الأخرى هي الذين يرون الوقوف فيه وفي عثمان، وفيه وفي طلحة والزّبير، ويتولّونهم على أصولهم ويقفون عند أحداثهم، والطبقة الثالثة وهم السواد الاعظم والجمهور الاكبر، منهم أصحاب الحديث
стр. 124
والقضاة والنوابت ومن زعم أنّ جميع أهل الكلام [.........] وأنّ الكفّ عن ذلك هو السنّة والجماعة.
فلو أنّ عليّا قال يوم ذلك: كذبوا، لم يكن ذلك تدبيرا، وقد ذكرنا ذلك وفسّرناه، ولو قال: صدقوا، لخلعه جميع من يرى الوقوف وجميع من يرى تبرئته ونفى تلك الدعوى عنه؛ ولو كان على سبيل من قتله لما كان عليه في ذلك اليوم الإقرار بقتله، إذ كان الاقرار فيه ليس بفرض واجب، ولا كان مأخوذا به، وفيه إفساد قلوب العامّة وبعض الخاصّة، وما كان إلّا كرجل قال إنّ السماء خضراء، فقد صدق، وليس عليه أن يقول في كل حين إنّ هذه سماء ولا إنّها خضراء، ولكن عليه، إن أثر أن يخبر، أن لا ينكر أنّها خضراء.
فكذلك كانت حال علي بن أبي طالب إن كان على سبيل من قتله وان لا يرى أنّ محلّه في تلك الحال المحلّ الذي لا يكون أضيق منه، إذ كان لا يمكنه في وجه التدبير أن يقول: صدقوا، ولا أن يقول: كذبوا، فهل ترى التدبير إلا ما صنع عليّ؟ ولذلك زعم بعض من يفضّل عليه أبا بكر وعمر أن ذلك الفضل لهما الى أن امتحن عليّ بما لم يبلغه امتحانهما، فصار أفضل منهما؛ ولولا أنّ الله قد علم أنّ إرادته في نفسه كانت أتمّ وعلمه أوسع وعزمه أقوى، لما اختبره بذلك ولا امتحنه إلا بمثل ما امتحن به الائمة قبله.
ولو كانت هذه الرسالة تحتمل [تخريج] القول في الحكمين والاحتجاج في جميع أبوابه لاستقصيت ذلك، ولكني سأومىء إليك- إن شاء الله- بجملة يكتفي بها من كان في دون حالك بعد أن يستصحب الإنصاف ويتحفّظ من الهوى ويتحذّ [ر من] السابق الى القلوب وهي فارغة.
[١٣- اسباب ترك علي القتال]
قد تبيّن للناس كلهم اختلاف أصحاب عليّ بعد رفع المصاحف وإخلادهم الى المقام بعد أن رجعوا إلى أوطانهم، وكيف ملّوا الحرب وسئموا طول مقارعة
стр. 125
الشرّ، بعد أن ذاقوا الخفض ووجدوا مسّ المهاد وشمّوا ريح الأولاد، وبعد ان عاينوا من عدد الجرحى والصرعى والقتلى، وبعد أن وجدوا خشونة المسّ ومنع الجانب، وبعد أن قال كبراؤهم: «لا نعود حتى نشمّر الكراع ونحدّ السلاح ونجبي المال» .
وأنا واصف لك جملة القول في الحكمين، إن كان كتابنا هذا يعجز عن التفسير، فأفهمه واعلم اني وجدتّ الذين خطؤوا عليّا في ذلك لم تجاوز تخطئتهم له ثلاثة أوجه: أحدها اختيار أبي موسى بعينه وفي العسكر من هو أدهى منه وأنصح، وقد قلنا في ذلك جملة كافية إن شاء الله؛ والوجه الآخر إنكارهم حكم الرجال في الأمر الذي قد بينه الكتاب وقطع عليه الشهادة وعرّفهم فيه وجه الحقّ وهو قوله: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
، وإنّه مثل قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ
؛ فكما أنه ليس لعليّ ولا لغيره أن يحكّم الرجال في قطع السارق وفي الامساك عنه وفي ضرب الاجل له، لما ظهر في الآية من الدلالة، فكذلك ليس له ولا لغيره أن يحكم في قتال الفئة الباغية ويترك ما ظهر في صورة الآية وفي ظاهر الكتاب.
والوجه الثالث أنهم قالوا: لم يكن يخلو عليّ في ترك قتالهم، وقد دعوناه إليه، من وجهين: إمّا أن يكون كان عاجزا معذورا أو قويّا غير معذور، فالعذر في ترك القتال واقع، بل قد فرض الله عليه أن لا يعرض قليل من معه لكثير من مع عدوّه من الاعداء، وعليه أن يعرف ذلك الجاهل ويكفّ عمّن عرف الغمر المتسرّع، فان قبلوا كان قد بلغ ما أراد من الشفقة والحيطة، وإن ردّوا ما قصده كان قد أعذر وأنذر، فظهر في العوامّ عذره وثبتت على سائر الانام حجّته، وإن كان قويا وكان بمثل عدده وعدّته يزال الظلم ويدحض الباطل ويقمع العدوّ، فعليه أن يقاتل: فإن ظفر كان مطيعا منصورا، وإن ظفر به كان مطيعا معذورا.
стр. 126
قد قلنا في تنازعهم واختلاف قلوبهم ونكوبهم إلى أوطانهم وفي سآمتهم بما قد سمعت، وقد علمنا أنّ من جمع بين القلوب المختلفة والقلوب المؤتلفة وإن كان عدّة المختلف فوق عدّة المؤتلف، إنه مذموم التدبير مسخوط التقدير؛ وإذا كانوا كذلك فالرأي ان يكتم الناس داءهم وعيبهم ولا يفطن لذلك عدوّهم بكلّ ما أمكن من الحيلة وبلغه التدبير، وأن يستأني بهم ويتلطف لهم وينتظر أوبتهم وإفاقتهم من سكرتهم وانتباههم من رقدتهم إلى غاية وإلى نهاية، ولا يعجل الى تفريقهم ما دام الطمع في تراجع قلوبهم ممكنا وكان الأمل في تعايرهم وتراجزهم مأمولا.
فان قال قائل: لا نستطيع أن ننكر أنّه قد كان هناك خلاف يوم رفع المصاحف، ولكنّا قد علمنا أنّ الذين عصوه يومئذ في قطع القتال هم الذين أطاعوه اليوم في معاودة القتال، نادمين على ما كان وسلف منهم، مقرّين بالخطإ على أنفسهم، مذعنين لصواب رأيه دونهم، وهم كانوا العصاة يوم عصوه، وصار هو العاصي يوم عصاهم، لأنه دعاهم للقتال فأمسكوا عند رؤية المصاحف، ثمّ دعوه بعد أن تبيّنوا المكيدة التي كانت بانت له يومئذ، فدخل في مثل ما دخلوا فيه؛ إلّا أنّ القوم كانوا أعذر منه لفضل علمه ونقصهم عن كماله وأنّ الشبهة عليهم يوم رفع المصاحف كانت أغمض والنفوس أشغل والرأي أقلّ من الشبهة عليه يوم جاوزوه نادمين سادمين ومقرّين متغايرين ومستغفرين نازعين؛ قلنا لهؤلاء القوم: إن كان الشأن في اختلاف ألسنتهم وقلوبهم وفي سوء طاعتهم وفي تثاقلهم عن قتال عدوّهم وركونهم الى المقام في أهلهم ليس على ما حكينا ولا على ما ثبت به الخبر عندنا، وإنما كان ذلك في قليل من كثير وفي مقدار لا ينقص الجمهور الاعظم ولا ينقض قوى السواد الاكبر، فهل يخلو تركه لقتالهم من وجوه أنا ذاكرها لكم؟ فان كان عندكم وجه غير ما ذكرنا أو نحن ذاكروه فاذكروه.
لا يخلو ترك عليّ لقتالهم، إن لم يكن ما قلنا حقّا، من أن يكون صار جبانا أو عاد منخوب القلب هيوبا بعد أن كان أشدّ الناس أشرا وقلبا
стр. 127
وأتمهم بصيرة وعزما؛ وإمّا أن يكون طمع في نزوع معاوية وتوبة عمرو، وإمّا أن يكون ذلك منه على طريق الندم على «ما أراق من الدماء ومن عدد القتلى، فتاب من ذلك إذ استبدل باليقين الشكّ وبالاستبصار الشبهة؛ وإمّا أن يكون الخرف عجل عليه قبل وقت لداته وقبل العادة المعرو [فة] في رهطه، فظهر ذلك في تدبيره وغلبه الاختلاط في قوله وعمله؛ وما علمنا أنّ احدا من المخالفين والموافقين ولا من أهل الوقت ولا ممّا ينسب إلى الحشو ادّعى ذلك عليه ولا قرفه به؛ وكيف يقول ذلك قائل ويطمع في القبول عنه طامع وهو يعلم أن قوله مر [دود] مكذّب ورأيه مسخوط معتلّ! فاختاروا خصلة من خصلتين: إمّا أن توجدوا وجها لم يذكر، وإمّا أن تثبتوا عبثا أنّ عليا قد كان اعتراه بعض ما ذكرنا من الجبن أو من الخرف أو الطمع في نزوع معاوية أو الندم على ما سلف منه؛ فعلى أي الخصال تعتمدون وأيّها تدعون؟ إن ادّعيتم الجبن على أشد الناس قلبا وأشرا وأكثرهم للاقران قتلا وأيمنهم نقيبة وأشدّهم بصيرة، أكذبتم الامّة وبهتتم حكم المعرفة؛ أمّا عد [د] قتلاه وجرحاه وصرعاه ومن فرّ منه وترك التعرض له، فلا أعلم ذكرهم إلّا فضلا من القول، وما ذلك إلا كمن التمس الزيادة في العامة إذا مدّ البحر بالفطن، وأمّا تتابع الظفر ويمن النقيبة فقد علمتم الذي تهيّأ له من قتل العظماء والسادة والنجباء وأنّ ذلك أعظم العناء، وأنه لم يتوجّه في جيش قطّ إلا كان هو المنصور وعدوّه المخذول، كشأنه وشأن بني زبيد، وكشأنه وشأن أصحاب الجمل، وكشأنه وشأن أصحاب النهروان، وهل قاومه عدوّ قطّ، إلّا ما كان في بعض ساعات أيّام صفّين؟ وهل أتى في ذلك من قبل نفسه ومن تدبيره وتصميمه ومن تعبئته؟ وهل أتي إلا من جنده؟ وهل منع من الظفر بهم إلا بما صنعوا بانفسهم؟
وقد علمتم ان معاوية قد كان القى بيده وأيس من نفسه حين أحدقت به الرماح وقصد له عبد الله بن بديل في أهل البصائر ومنعه من الفرار بزعمه الذي ذكر في شعر ابن الإطنابة بقوله:
стр. 128
أبت لي عفّتي وأبى حيائي ... وأخذي المجد بالثّمن الرّبيح
وقولي، كلّما جشأت، لنفسي ... مكانك تحمدي أو تستريحي
وهل نفس عن كربه ورفه عن خناقه وردّ عليه حشاشة روحه وابقى عليه علالة نفسه إلا ما كان من اعتزا [مهم] برفع المصاحف ومن تركهم القتال وهو يذكرهم بالله ويعظهم بالقرآن ويزجرهم بوعده؟ وسنذكر من كلامه الدالّ على شدّة اختلافهم عليه وإبطائهم عن عدوّه وركونهم إلى الراحة، المعروف من خطبه والمشهور من كلامه والمذكور من مقامه الذي لا تستطيعون أن تقولوا إنه ممّا رواه أبو مخنف أو صنعه ابن دأب أو ألّفه شوكر أو حيّره العتّابي وقبل ذلك رشيد الهجري، وهو قوله حين انكشف أمر الصحابة وظهر المكتوم من سرّه وسرّ عيوب أجناده: «أيّها الناس المجتمعة أبدانهم المتفرّقة أهواؤهم، ما عزّت دعوة من دعاكم و [لا] استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصّمّ الصلاب وفعلكم يطمع فيكم عدوّكم؛ إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت وكيت [....] أعاليل بأضاليل وأضاليل [بأبا] طيل، وسألتموني التأخير، دفاع ذي الدين المطول، استخفّكم الجهل حيدي حياد، ولا يمنع الضيم الذليل ولا يدرك الحقّ إلّا بالجد، أيّ دار بعد داركم تمنعون [و] مع أيّ إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور- والله- من غررتموه ومن فاز بكم فقد فاز [بال] سهم الأخيب! أصبحت- والله- لا أصدّق قولكم ولا أطمع في نصركم. فرق الله [بين] ي وبينكم وأعقبكم من هو شرّ لكم مني وأعقبني من هو خير لي منكم!» .
فلما نزل [قصد] وه يعتذرون إليه، فقال: «أما [إنكم]- والله- ستلقون بعدي ثلاثا: ذلا شاملا وسيفا قاتلا وأثرة [ ... ] يتخذها الظالمون عليكم سنّة فيتفرّق جمعكم وتبكي عيونكم ويدخل الفقر [ق] لوبكم فتمنون أنكم رأيتموني فتغنموني فلا يبعد الله إلّا من ظلم!» .
وقال في مقام [آ] خر: «وددتّ- والله- أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس
стр. 129
إبن غنم!» ، وقال في مقام آخر: «وددتّ- والله- أنّ لي بكل عشرة منكم فارسا من بني فراس بن غنم صرف الدينار بالدرهم» [ف] بلغ من تثبيتهم لهذا الخبر ان جعلوه حجة في صرف الدينار في ذلك الدهر؛ [و] قال في مقام آخر: «يا أهل الكوفة المنسر من مناسر أهل الشام أطلّ عليكم أغلق كلّ امرىء منكم بابه وانحجز في بيته انحجاز الضبع في وجارها ولمن رمى بكم لقد رمي بأفوق ناصل» ؛ ولابطائهم عن عدوّهم قال لهم: «ما قوتل قوم قطّ في عقر دراهم إلا ذلّوا» في كلام كثير مشهور معروف.
قد قلنا في العذر في اختيار أبي موسى وفي العذر في تأخير القتال بعد أن كان هو الداعي [إ] ليه والحاثّ عليه؛ ونحن قائلون في نفس التحكيم وبالله التوفيق؛ وجواب آخر: زعم أنّ عليّا لو وجّه الحسن او الحسين ابتداء او عبد الله بن عباس او عمّار بن [يا] سر أو مالكا الاشتر او قنبرا مولاه او أنصح الناس جيبا أو أيمنهم رأيا أو أشدّهم نبراسا أو أبعدهم غورا أو أقواهم عزما، لما استجاز أن يحكّمه بينه وبين معاوية؛ [و] كيف وهو على يقين أن معاوية لا يصلح للخلافة في حال من الأحوال، ليس لخوف التبديل به والاشفاق من ذلك الرأي عليهم، ولكن لانّ الدني والبعيد مانع من ذلك لأنّ الحقّ عنده أنّ أهل بدر والحديبية لو أطبقوا كلّهم على أنّ معاوية أولى بها منه أو على أنه يصلح لها في بعض الحالات، لكانوا ضلّالا غير مهتدين ولكانوا [مخ] طئين غير مصيبين؛ وإذا كان إنكارهم لحقه لا يحلّ عقدة الخلافة وإقرارهم به لا يثبت عقدة الخلافة، بل يكون ذاك منهم مؤكدا ومسدّدا ومريما ومركبا؛ أما أن يكون رضى رجل أو سخطه تبرّما ناقضا خلافته، فلا.
قد علمنا خلاف [ط] لحة والزّبير وسعد ومحمد بن مسلمة وصهيب ابن سنان وسلمة بن سلامة بن وقش وهم بدريّون، فلم يكن ذلك بناقض لإمامته ولا ناقص من بصيرته؛ [ف] القياس أنه لو لم يكن منه سبب تستحق به الإمامة إلا سبب هؤلاء له، أن إقرارهم غير مثبت كما أنّ إنكارهم غير ناقض، ولو بان عند الامام أنّ رجلا أكمل أهل محلّته كمالا ثم أبى إمامته من أهل ذلك المصلّى
стр. 130
عشرة من وجوههم لأجبرهم الامام عليه ولما التفت إلى ما كان من بغيهم عليه وغلطهم فيه.
ولكنا نزعم أنّ عليّا دافع بمعاريض الكلام وبالتورية وبما يشبه التوهيم وأعمل المكيدة عند الحاجة إلى المكيدة حين رأى اختلاف القلوب وانتشار الامور ونقصان البصائر والركون الى الراحة وطمع أن تكون عظته وتصرّفه وتعريفه وتخويفه ممّا ينفع فيهم ويسري في طبائعهم وينبههم من رقدتهم ويحرّك مواضع الأنفة من قلوبهم إلى انقضاء تلك المدّة وفي تلك المهلة والهدنة حين ارتبق فيهم حبله ولم يبق غاية، وبعد ان كتم الداء ودثر الدواء وأرفق العلاج؛ فلمّا أعضل الداء واستفحل البلاء وظهر العيب واستتمّ الفساد وصار ستره عيّا وكتمه عجزا، خطب بالموعظة على المنابر وقرع بالتأنيب في المحافل وأعذر عنه المقبل والمدبر، وكان على يقين من انهزامهم إن مضى بهم مكرهين غير متبصّرين ومختلفين غير متّفقين، هذا أسوأ ما كان [ ... ] فه الجيوش عنه فتظهر له الخلة وتتشنّع به المثلة.
[١٤- العمل عند المعتزلة كالقول]
وأعلم أنّ لصاحب الفتنة والمكر والمخبر من معاريض القول من التورية في الكلام ومن إضمار المعاني في الالفاظ إلى ما يخرجه من الكذب وإن وهّم ذلك القول السامع الطالب والمستحلف الغاصب الموافقة والرضى بحكمه ما ليس لغيره، وهذا هو المعنى في الفتنة التي أناخها الله تعالى بعباده، وقد كان له أن يتعبّدهم بالإفصاح وإن قتلوا عن آخرهم.
ونحن نزعم أنّ اليمين إذا كانت لازمة لك فهي على ضمير من استحلفك، وإذا كانت غير لازمة فهي على ضمير الحالف؛ وكذلك البيعة وجميع الكلام، والعمل عندنا في ذلك كالقول؛ ولو أنّ غاصبا أخذ عليك يمينا للبيعة له، كان لك أن تقول «نعم» ولست تريد التي هي خلاف «لا» ولكن تر [يد]
стр. 131
النّعم من الابل والبقر؛ وإن كنت تعدّ أنه يظنّ غير ما تعني، تقول أيضا عند استخلافه «نعم» وان وهّمت الكلمة معنى «نعم» التي هي خلاف «لا» وأنت تريد الطاعة؛ ولو قال لي بعض من أخافه على نفسي: «قل: المسيح ابن الله» ، لكان لي أن أقول [ذلك] وأنوي أنه كذلك عند النصارى، وإن علمت أنه لا يتوهّم إلا ما دلّ عليه [اللفظ] ؛ فان أمكن أن أنوي واوجّه الكلام واعمل الاضمار والاستثناء ولا عناء عليّ فيه ولا مشقة ولا تعتعة يرتاب بها، ثمّ لم اضمر خوفا من فطنته فقد شرحت بالكفر صدرا، فإذا جاز أن أقول إنّ مع الله إلاها آخر وإنّ محمدا- ﵇ كذّاب وإنّ مسيلمة صدوق إذا خفت على نفسي، بعد أن أضمر و [ ... ] وإن كان ظاهر قولي التكذيب لمحمّد ﷺ ، جاز أن أقول إنّ أبا موسى حكيم وله أن يحكم وأنا أنوي غير ما أظهر وأضمر غير ما أبدي إذا خفت على الناس الفتنة والهرج والفساد وتبديل الحكم.
[١٥- معاوية لم يخدع عليا بل كان هو المخدوع]
فلو لم يظنّ عليّ وطمع أنّ أصحابه سيعودون إلى بصائرهم وإلى ما يشبه أوّل حا [لهم] عند التخابر والتذاكر وعند قضاء الوطر من الزوجات والاوطان وبعض الملال من طول الاقامة وبعض الحياء من النعيم ومعه الانف من ظهور الاعداء وبعض التوقّع للبلاء إذا جرى عليهم حكم عدوّهم ولعلّهم أن يطالبوهم بطوائلهم ولم يأمنوا الوثبة بهم، لما جاز له ذلك ولما كان لصنيعه ذلك وجه؛ فالمخدوع في هذا الموضع معاوية والخادع عليّ، وعليّ صاحب المكيدة ومعاوية المستراب، لأنّه في ذلك ولو فطن لانتثار الامر على عليّ ثمّ غزاه بالقلوب المجتمعة والأهواء المتّفقة، لما كان دون الظفر مانع ولما كان بعد تلك الوقعة وقعة، فرأى عليّ أنّ التدبير في توهيمه وتوهيم أصحابه الرضى بالمساواة والاقرار بان في أمرهما من الشبهة ما يحتاج فيه الى نظر الرجال، وعلم أنه متى أعطاه ما كان لا يطمع فيه ولا يناله طرفه ولا أمنيّته ولم يزل يظن، بل لا يشك، أنه لا
стр. 132
يجيب إليه [.......] ولم يكن عرف من سرّ أصحابه مثل الذي عرفه عليّ فرأى أنه قد ربح وأنّ عليّا قد خسر؛ فما ينقضي تعجّبي من رضى معاوية بتلك الهدنة والمدّة مع ما قد كان ظهر من اختلاف أصحاب عليّ، وأرى الناس يتعجبون من رضى عليّ بها مع اختلاف أصحابه؛.
[١٦- معاوية ليس ادهى من علي ولكنه كان يستعمل جميع المكايد حلالها وحرامها بينما لم يستعمل علي الا ما وافق الكتاب والسنة]
اللهم إلا أن لا يكون عصى عليّ عندهم إلا في تحكيم الرجال دون تأخير القتال؛ فان كان ذلك كذلك فما قولهم وإكثارهم: «عصينا أمس حين قطعنا القتال وعصى عليّ حين رجعنا ندعوه إلى القتال [-] رأى؛ فقد ينبغي لنا الآن أن نقصد إلى الجواب في لفظ التحكيم: أيجوز أم لا يجوز، فندع ما سوى ذلك من الأمور؛ وإذا لم يبق إلا ذلك فقد سقط ثلاثة أرباع الخلاف، وليس على ذلك بنى القوم أمرهم وجرت عليه عادتهم؛ وربّما رأيت بعض من يظنّ أنه من الخاصة ويزعم ان معاوية كان أبعد غورا وأصحّ فكرا وأجود رويّة وأبعد غاية وأدقّ مسلكا، وليس الأمر كذلك، وسأومىء إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه والمكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله، فافهم ذلك.
كان عليّ لا يستعمل في حربه إلا ما عدّله ووافق فيه الكتاب والسنّة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة ويستعمل جميع المكايد وجميع الخدع حلالها وحرامها، ويسير في الحرب سيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى، وخاقان إذا لاقى زنبيل وفنغور إذا لاقى المهراج؛ وعليّ يقول: «لا تبدؤوهم بقتل حتى يبدؤوكم، ولا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا بابا مغلقا» ؛ فهذه سيرته في ذي الكلاع وأبي الأعور السّلمي وعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وجميع الرؤساء، كسيرته في الحاشية والحشو والاتباع والسفلة؛ وأصحاب الحروب ان قدروا على البيات بيّتوا، وأن قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم
стр. 133
نيام فعلوا، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه ساعة، وإن كان الحريق بالنار أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخروا الحريق إلى وقت الغرق، وإن أمكن الهدم لم يتكلّفوا الحصار ولا يدعون أن ينصبوا العرّادات والمجانيق والثقب والتسرّب والدبّابات والكمين، ولا يدعون دسّ السموم والتضريب بينهم بالكذب وطرح الكذب في عساكرهم بالسعايات وتوهيم الأمور وإيحاش بعضهم من بعض وقتلهم بكل آلة وحيلة وكيف [ما] وقع القتل وكيف [ما] دارت به الحال.
فمن اقتصر- حفظك الله- من التدبير على ما في الكتاب والسنّة كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير وأما الاشاهي من المكايد؛ والكذب- حفظك الله- أكثر من الصدق، والحرام أكثر عددا من الحلال؛ ولو سمّى إنسان إنسانا باسم الانسان كان قد صدق وليس له اسم غيره؛ ولو قال: هو شيطان، أو كلب، أو حمار، أو شاة، أو بعير، لكان كاذبا في كلّ ذلك؛ فكذلك الايمان والكفر، وكذلك الطاعة والمعصية، وكذلك الحقّ والباطل، وكذلك السقم والصحة؛ وكذلك الصواب والخطأ.
فعليّ كان بالورع ملجما عن جميع القول إلّا ما هو لله رضى، ولا يرى الرضى إلا فيما دلّ عليه الكتاب والسنّة، وممنوع اليد من البطش إلا ما هو لله رضى دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء والنكرى والمكايد والآراء؛ فلمّا أبصرت العوام- حفظك الله- بوادر معاوية في المكايد ومثابرة غوايته في الخدع وكثرة ما اتفق له وتهيأ على يده، ولم يروا مثل ذلك من عليّ، ظنّوا بقصور رأيهم وقلّة عقولهم أنّ ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند عليّ؛ فانظر بعد ذلك هل بقي له إلا رفع المصاحف وهي من خدعه، ثمّ انظر هل خدع بها إلا من عصى عليّا ومال عن رأيه وخالف إذنه.
فان زعمت أنه نال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت، وليس في هذا اختلفنا ولا عن غرارة أصحاب علي وعجلتهم وتسرّعهم وتنازعهم دفعنا، وإنما
стр. 134
كان القول في التمييز بينهما في الدهاء والنكرى وصحة العقل والرأي البر، لا على أنا لا نصف الصالحين بالدهاء والنكرى ولا نقول: «ما كان أنكر أبا بكر ابن أبي قحافة وما كان أنكر عمر بن الخطاب!» ، ولا يقول أحد عنده من الخبر شيء: «كان رسول الله ﷺ أدهى العرب والعجم وأنكر قريش وأمكر كنانة» لأنّ هذه الكلمة إنما وضعت في مديح أصحاب الأرب ومن يتعمّق في الرأي في توكيد أمر الدنيا وزبرجدها وتشديد أركانها؛ فأما أصحاب الآخرة الذين يرون الناس لا يصلحون على تدبير البشر وإنما يصلحون على تدبير الخالق للبشر، فانّ هؤلا لا يمدحون بالدهاء والنكرى ولم يمنعوا هذا إلا ليعطوا أفضل منه؛ ألا ترى أنّ المغيرة بن شعبة، وكان أحد الدّهاة، [قال] : «أنت كنت توهم شيئا فتلقيه عنك، ما رأيتك مستجليا أحدا إلا رجمته كائنا من كان ذلك الرجل، كان- والله- أعقل من أن يخدع وافضل من أن يخدع» ، ولم يذكره بالدهاء والنكرى، هذا مع عجبه باضافة الناس ذلك اليه؛ ولكن قد علم أنه إن أطلق على الائمة الألفاظ التي [لا] تصلح لاهل الطهارة كان ذلك غير مقبول منه، فهذا هذا.
وكذلك كان حكم قول معاوية للجمع: «أخرجوا إلينا قتلة عثمان نحن لكم سلم» ، فاجهد كلّ جهدك واستعن بمن شايعك إلى ان تتخلّص الى صواب رأي في ذلك الوقت أضله عليّ حتى تعلم أنّ معاوية خادع وان عليّا كان المخدوع؛ فإن قلت: وقد بلغ ما أراد ونال ما أحبّ، قلنا: وهل رأيت كتابا وضع لا على أنّ عليّا كان قد امتحن في أصحابه في دهره لما لم يمتحن به إمام قبله من الاختلاف والمنازعة والتشاجّ على الرئاسة والتسرّع والعجلة، وهل أتي إلا من هذا المكان؟ أو لسنا قد فرغنا من هذا مرّة؟ وقد علمنا أنّ ثلاثة نفر تواطؤوا وتتابعوا على قتل ثلاثة: فانفرد ابن ملجم بالتماس ذلك من عليّ، وانفرد [عمرو بن بكر التميمي] بالتماس ذلك من عمرو بن العاص وانفرد [البرك بن عبد الله الصريميّ] بالتماس ذلك من معاوية؛ فكان من الاتّفاق او من الامتحان أن كان عليّ المقتول من بينهم، وفي قياس مذهبكم أن
стр. 135
تزعموا أنّ سلامة معاوية وعمرو إنما كانت بحزم كان منهما، وان قتل عليّ إنما كان من تضييع كان منه، إذ قد تبيّن لكم من الابتلاء والامتحان في نفسه خلاف الذي قد شاهدتموه في عدوّه وكلّ شيء سوى ذلك فانما هو تبع للنفس، فهذا باب:
[١٧- كفر معاوية في ادعاء أخوة زياد بن أبيه]
والباب الآخر الذي عتبت عليك فيه، وهو زعمك ان معاوية قد ضلّ من وجوه وكفر من وجوه، فأخطأت في إكفاره ولم تصب الحقّ في تفسير بعض الوجوه؛ زعمت أنه كفر في حكمه بادّعاء زياد بن أبي سفيان وأن من جعل الولد للعاهر وجعل الحجر للفراش ومن ردّ الحكم المنصوص وبدّل هذا القول المفسّر فقد كفر؛ وهذا منك سرف وبعد، وهو شبيه بمذهب أصحاب التكلّف والتزّيد ومن يريد [ب] العفن الذي في نفسه والذلّة التي يجدها في قلبه والريبة التي تشتمل عليها أضلاعه أن يذلّ من حضره ويوهم من سمع كلامه، أنّه إنما يكفر من أكفر من فرط في تعظيمه لحرمات الله ومن شدّة غضبه على من عصى الله؛ وعهدي بك تشنع بذلك على العمريّة والرافضة وعلى الخوارج والبكريّة.
ولو كان معاوية صنع ما تقول على ما فسّرت ورد المنصوص على ما ذكرت، لكان جلّة السابقين وكبراء والتابعين وفقهاء المحدّثين قد سبقوك إلى إكفاره وتشريكه، بل كان أعداؤه وأهل الخلاف عليه قد أكفروه وسبقوا إلى ذلك فيه، فان زعمت أنه قد كان عند غالية الشيّع وعند جميع الخوارج كافرا، قلنا:
لعمري، لو كانوا لا يكفرونه على خصال كثيرة ولا ترى أنت وأصحابك أنه قد كفر من أجلها، ثم اكفروه على هذه الخصلة، لكان في ذلك متعلّق لهم ومصاب ومجال ومسبح؛ ولكن الفريقين جميعا يكفرانه على جميع خصاله التي أنت لا ترى بعضها إثما، فضلا عن أن تكون [عندك] فسقا، ولا تراها فسقا، فضلا عن ان تكون عندك كفرا.
стр. 136
ثمّ اعلم أنّه لا بدّ لك من الخبر على تأثيم من ترك إكفاره، بل على إكفار من ترك إكفاره، إذ كان إنما كفره بردّ المنصوص وما لا يحتمل التأويل؛ وأمّا أن تجرأ أن تدعّي عليهم من إكفاره خلاف ما ثبتت به الشهادة عنهم وخلاف المعروف من قولهم، فلو كان كذلك لكا [ن] الخبر به مشهورا ولكان معروفا مستفيضا؛ بل ينبغي أن يكون قد كان ثبت عنده أن وطيا قد كان، ورأى فيه الشبه والمخايل والاخلاق والشمائل وشبّه له القافة، وذهب في سبيل الفراسة وتأويل قول عمر وسمع كلام أبي مريم وقوّاه رأي المغيرة فقال: «هو ابن أبي سفيان» ، لم يذهب الى تثبيت حكم ولكنّه حبل كان عنده من نطفته فكأنه قال:
«هو من نطفة أبي سفيان» ، وكان أغلظ أحواله أن يكون كمن استلاط اليوم منّا رجلا أو أقرّ بولد عند موته ليصرف الميراث عن آخرين، ولم يعترض على قول رسول الله ﷺ وحكمه وسنته بردّ ولا جحود؛ والحاكم عندك وعند أصحابك قد يعطل الحكم ويحكم بالهوى ويجلد من يستحقّ القطع ويقطع من يستحقّ الجلد؛ ثم أنتم لا ترون إكفاره ولا تشريكه.
[١٨- موقف الجاحظ الحيادي]
ولم أنصب نفسي- حفظك الله- لاحتجاج له إلّا بما يلزمني من الاحتجاج من لا يرى إكفاره من السلف، وإيّاهم أردت وعنهم دافعت؛ وعلى أنّي على كلّ حال أكره الزيادة والنقصان، والعدل أولى بنا وهو مذهب إخواننا ومشايخنا وسلفنا من المعتزلة في فرق ما بين الاكفار والتفسيق، وفي فرق ما بين التفسيق والتأثيم، ولسنا ممّن يميل في شقّ عن شقّ ويتعصّب لبعض على بعض ومن يبخس حقّ الدون، فكأنّك به قد تبخس حقّ من فوقه حتى تصير إلى أئمّته المهتدين وخلفائه الراشدين؛ لست عمريا دون أن أكون علويّا ولا علويّا دون أن أكون عثمانيّا، اللهمّ إلّا بما أخصّ به العترة بسبب القرابة، وأمّا في غير ذلك فليس شأني إلّا محبّة الجميع والتوفير على الكل ودفع الظلامة عن الكبير والضعيف على قدر ما شاهدنا عليه من الحالات؛ وليس هذا الكتاب من كتب
стр. 137
أصحاب الاهواء ولا من كتب المتكسّبين ولا المتقرّبين ولا من كتب المفلقين بالباطل ومن جرى من النفاق على أخبث منشإ وأسوإ عادة؛ فعليك [بسنة] أسلافك ودع عنك ما قد أخذ الناس فيه.
[١٩- السفيانية لا تضل معاوية لمبايعته ابنه يزيد]
وأمّا براءتك منه على قتل حجر وأصحابه وإطعام عمرو خراج، وعلى ادّعاء الخلافة وعلى الحكم بالهوى ونبذ كثير من أحكام الكتاب والسنّة، والسير في الحرب والسلم سيرة ملوك الغلبة، فهذا ما لم ألمك عليه ولم أنكره منك، وعلى ذلك مضى سلفك الصالح- نصر الله وجوههم-؛ ولكنّي عتبت عليك في قولك: «وضللته أيضا لبيعته لابنه» ، فان قلت: «وضللته أيضا بالمبايعة ليزيد لانه كان صاحب كذا وكذا ويقول كذا» ، لكان صوابا ولكان قولا عدلا ولكان مصفى مهذبا، وأجود العبارات ما كانت الدلالة فيها غير مستنكرة ويكون اللفظ للمعنى طبقا فاضلا ولا ناقصا، وأما أن تقول كلمة مرسلة الوجوه مطلقة [....... فلا] ضلّلته لانه بايع ابنه، وما باس بيعة الابن إذا كان لذلك مستحقّا؟ ما الابن ألّا كالأخ وما الأخ إلّا كابن العم؛ وما علمك؟ لعلّ عليّا قد بايع الحسن ولعلّ الحسن قد بايع الحسين؟ فأيّ حجّة تدفع ذلك وما البرهان على خلاف ما جاء من ذلك؟ وهل يعترض على هذا المذهب مسلم وهل يجهله عاقل؟ فايّاك أن تعود إلى هذا اللفظ مفسّرا أو مشروحا مثبتا؛ فكان من حقّ العلم عليك ومن شكر أياديه عندك ومن الصوت لعراضه والدفع لقدره أن تخلص الفاظك من كل هجنة وأن تصفّيها من كل كدر وان تتخيّر من الألفاظ أبهاها وأقربها دلالة وأن تقصد من المعاني لاطهرها شرفا وأرفعها قدرا وأكرمها منصبا، وقد يلزم من عبّر عن العلم وتوكّل به وأضاف نفسه إليه أن يعبّر عنه بأبين العبارات وأقرب الاختصار وأن يضعه في موضعه وأن يجري عليه كما ينبغي على نفسه وأن يحببه
стр. 138
إلى السامع بالإنصاف وينهيه عنده بالترسّل ويوتيه بالنصيحة، وأن يجعل قائده إلى القلوب والعمل وسائقه إلى العقول الانقطاع إليه، ولا يغالب خضمه ولا يناهب الكلام من ناقله ولا يعجله عن جوابه إذا فاتحه ولا يظهر تضجره إن هو أبطأ عنه ولا يغتنم بخلطه إن هوسها ولا بشيء يلفظه ظنّا وهو يجد له في الصواب محتملا.
[٢٠- كتاب القضية مدخول لفظا وشهودا ومضمونا]
وزعمت أنّ كتاب القضيّة في الحكمين يثبت للخوارج حجّتهم وأنّ لفظه يمتنع فيه التوجيه والتورية، وسألتني أن أكتب لك الكتاب لتجمع بين مخارج لفظه ودلائل وصفه وبين احتجاجي له في ضماني عليه؛ والكتاب الذي يدور في صحف أصحاب الاخبار والاسناد هو هذا الكتاب الذي أنا مصوّره لك، ولكني بعد ذلك عائد إلى أسانيده بالتصفّح في التثبّت وعلى أصل مخرجه بالتفتيش والتنقير إن شاء الله:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزّهري وحباب بن موسى وعليّ ومجاهد عن محمّد بن إسحق: بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (قال معاوية: «لو سمّيتك بهذا لم أحاربك ولولا أنّك أسنّ منّي ما قدّمتك» ، فأبى عليّ مليّا من النهر ثم تسمّح وكتب: هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان:
قاضى [عليّ بن أبي طالب] على أهل العراق [ومن كان معه] من شيعته من المؤمنين والمسلمين [وقاضى معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين] أنّا ننزل عند حكم الله في كتابه فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجدنا في كتاب الله مسمّى أخذنا به، وما لم نجده في كتاب الله مسمّى فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرقة فيما اختلفنا فيه؛ والحكمان عبد الله بن قيس الاشعريّ وعمرو بن
стр. 139
العاص؛ وأخذ علي ومعاوية عليهما عهد الله ليحكمان بما وجدا في كتاب الله وما لم يجدا في كتاب الله مسمّى فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرقة؛ وأخذ الحكمان من عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان الذي يرضيان من العهد والميثاق ليرضيان بما يقضيانه فيهما من خلع من خلعا وتأمير من أمّرا؛ وأخذا من علي ومعاوية والجندين كليهما الذي يرضيانه من العهد والميثاق وأنّهما آمنان على أنفسهما وأموالهما، والامّة لهما أنصار على ما يقضيان به عليهما وأعوان على من بدّل وغيّر، وأنّه قد وجبت القضيّة من المؤمر والآمر والاستفاضة ورفع السلاح أين ما شاؤوا وكانوا على أنفسهم وأهاليهم وأموالهم وأرضهم وشاهدهم وغائبهم؛ وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ليقضيان بين الأمة ولا يذراهم في الفرقة والحرب حتى يقضيا؛ وآخر أجل القضيّة بين الناس في انسلاخ شهر رمضان؛ فإن أحبّا أن يعجلا ذلك عجّلا، وإن أحبّا أن يؤخرّا ذلك عن ملاءمتهما وتراض أخّرا؛ وإن هلك أحد الحكمين فانّ أمير الشيعة والشيعة يختارون مكانه رجلا لا يألون عن أهل المعدلة والاقتصاد، وانّ ميعاد القضية أن يقضيا بمكان من أهل الكوفة وأهل الحجاز وأهل الشام سواء لا يحضرهما فيه إلّا من أراد، فان أحبّا أن يكون بأذرح وبدومة الجندل كان، وإن رضيا مكانا غيره حيث أحبّا فليقضيا على علي ومعاوية أن يجتمعا على الحكمين؛ شهد عبد الله بن عبّاس والاشعث بن قيس وسعيد بن قيس وورقاء بن [.........] البكريّ الخارفيّ وعبد الله بن طفيل البكاويّ و (يقال:
عبد الله بن طليق البكاوي) وجرير بن يزيد الكنديّ وعبد الله بن حجل العجليّ وعتبة بن زياد المذحجيّ (أو الانصاري) ومالك بن كعب النحلي (أو الهمداني ويقال: عتبة ابن زيد ويقال زياد بن كعب» .
- وأنا أقول- حفظك الله- أن كتاب القضية كتاب مدحول. منه ما يشبه ألفاظهم ولحنهم وطبع الفصاحة وقريحة البلاغة- وللقوم كلام معروف وجوهر معلوم متى تكلّف المولد لم يستطع تغليط الجهابذة فيه إذا طال شعره وامتدّت خطبته، وكذلك رسالته واحتجاجه، وقد يخفى ذلك في الشعر القصير والكلام
стр. 140
القليل-؛ وفي هذه القضيّة كلام ركيك ضعيف خفيف سخيف، وفيها ما يضارع العجمة ويناسب الضعة؛ وممّا يبهمه أيضا اختلاف الخوارج والشيعة وما بين أهل الشام واهل العراق من الزوائد والنقصان فيه مع ضعف أسانيده وحال رواته عند رواة الآثار وحمّال الأخبار وعند ناقلي الحلال والحرام، ولأنّ أبعد غاياتهم فيه الزّهريّ وأمتن ما يعتمدون عليه ابن اسحق وهذان لم يدركاه ولا شاهداه؛ فكلّ من روى ذلك عنهما فليس بالمحمود ولا المثبت المقبول؛ وليس العلم به وبصحّته كالخبر الذي ليست للخاصّة فيه فضيلة على العامّة وإنّما هو خبر يدرك عند من يطلب مثله؛ فإذا لم يجده في معدن الصحّة وفي جوهر الصدق ومصاب السلامة والبراءة من التهمة فكان معرضا لأصحاب الأهواء أو لمن له في النقصان منه والزيادة فيه وفي تحريفه وتبديله أقوى العلل؛ لم يكن لك ان تقضي به على عليّ بن أبي طالب في سابقته وشدّة ورعه واتسّاع معرفته وصحّة غريزته وثبات حجّته فكنت خليقا أن تردّ حكم ذلك إلى الأصل الذي به عرفت فضيلته ونقصان غيره عن درجته.
وعلى أنّ عامّة الشهود المذكورين فيه مشكوك في نسبهم، مختلف في أسمائهم، ثم لا تجدهم إلّا أقلّ القليل من وجوههم وذوي العدالة والأقدار منهم، حتى كان واصفه حيث وصفه وصفه [وصف] من له الخيار عليه: إن شاء أثبته وإن شاء أنكره؛ ونحن لا نشكّ أنّ عليّا إنّما أعطى القوم لفظا ليحكم واستحلّ ذلك التوهّم لما رجا في تلك المهلة والهدنة من رجوع بصائرهم إليهم ومن اجتماعهم بعد فرقتهم؛ وفي هذا الكتاب أنّ أجل القضيّة سلخ شهر رمضان، وهذا كلام ظاهره ينقض ظاهر التدبير الذي لا وجه للتحكيم غيره ولا عذر فيه سواه وليس نقضه له بما يعرف [بالاستنباط] وبعد التفكير فيدّعى فيه الغلط، بل هو ظاهر فيهما قائم بهما.
وقد قسمنا أقسام التدبير الذي لا يجوز على غيره وعددنا أبواب ذلك وسألنا المخالفين لنا أن يزيدوا فيها وينقصوا منها، فلم نجد ذلك بعد التفكير منها ومنهم وبعد أن مرّت عليه الدهور وبردت عليه الحقود؛ فكيف يجوز لنا أن نظن أنّ
стр. 141
عليّا وأصحابه تولّوا نقض تدبيرهم بأيديهم ولم يدفعوه ولم يحتالوا فيه وكيف سهلوا وكيف هان عليهم موقعه وهم لا يطمعون في سواه ولا حيلة لهم غيره؟ وبعد فمدار الكلام إنّما هو على أنّ عليهما أن ينظروا في كتاب الله وفي سنّة نبيّه ﷺ ، فإن دلّ الكتاب على أنّ عليا هو الإمام فعليّ هو الإمام وسبيل السنّة في ذلك سبيل الكتاب وكذلك حالهما في الحكم لمعاوية.
فخبّرني- رحمك الله- وقف عندما أسألك عنه عن الكتاب، كيف يجوز أن يدلّ على معاوية وكيف جواز ذلك وأين بابه وأين مفتاحه والطريق إليه، في أيّ سورة ذلك الدليل وفي [أيّ] آية ذلك البرهان يصاب؟ وأين تلك السنّة، وأين تطلب، ومن أيّ شكل هي، وما لفظها، وما أصل معناها؟ وقد علمت أنّ القرآن الذي أشاروا إليه هو الذي في مصاحفنا وإنّ السنن التي قصدوا إليها هي التي في صحفنا ممّا فرض الله في كتابه وسنّة النبيّ ﷺ في أمّته؛ فانظر فيهما وتبينهما وفتشهما بالنظر الشافي والتقليب المستقصي: هل تجد فيهما اسم معاوية أو صفته او جليته او صفة عمله او جليّة عمله؟.
وقد علمنا ان الله الجليل قدره لم يقل في كتابه: «اقبلوا شهادة أبي بكر وعمر وعثمان» ولكنّ الله لمّا قال: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ
وجدناهم مرضيين نصّا فقبلنا شهادتهم؛ وقال رسول الله ﷺ : «ليؤمّكم خياركم» ، فإذا كان الغرض الذي إليه ينزع الكلام ويشير القول إليه الخير دون الشرّ والفضل دون النقص، فكلّ من كان خيرا كان احقّ بتلك الإمامة؛ فإن كان كتاب القضيّة إنّما دعا الحكمين إلى هذا الجنس من النظر، فليس لمعاوية فيه درك، ولا متعلق ولا طمع، وإن كان على غير هذا الوجه فخبّرني ما هو وما شكله وأيّ صورة هو.
وقد قالوا في وصف السنّة فجعلوها العادلة والجامعة غير المفرقة، والسنن كلّها عادلة وكلّها جامعة غير مفرقة، فأيّتهنّ هي وما علامتها وما شبهتها؟
ويدلك على فساد هذا الأمر أنّه لم يأتنا قطّ أنّهما مذ نفذا إلى أن انقضى امرهما
стр. 142
تذاكرا شيئا من ذلك في خلاء ولا ملاء ولا التمسا تأويلا ولا خرّجا تفسيرا؛ ولا سمعنا في ذلك إلّا ما كان منهما عند المراوضة انّ الناس لا يكتبون بعد تفريقهم إلّا على رجل لم يخض في الدماء وليس لأحد قبله بيعة ولا وتر؛ فهذا خلاف الشريطة والذي وقعت فيه القضية وإنّما جعل إليهما سطرا في كتاب الله والسنّة على أيّهم أدلّ فقط، فتركا ذلك البتّة.
ثمّ ابتدءا بابا آخر لم يجر لهما ذكره ولا وقع عليه شرط؛ فلو ان أبا موسى قال: «قد صرفتها إلى ابن عمر» ، وقال عمرو: «قد صرفتها الى ابني عبد الله إبن عمرو ما كان إلّا كقول ابي موسى، وهذا عند جميع من شهد القضية خلاف ما وقع عليه شرط القضية، وهما- حفظك الله- لم يحكما على ان لهما ان نحرجاها إلى من أحبّا وإنّما جعل إليهما في ظاهر الكتاب أن يجتمعا على أحد الرجلين اللذين حكّماهما، فأمّا ان يقول له عمرو وهو يعرف رأيه في عمر وميله إلى ابن عمر: «ما لهذا الأمر خير من رجل لم يخض في الفتنة، له صحبة ولم يتلطّخ بالدماء وليست قبله تباعة ولا ضغينة، فيكون مرضيّا ابن مرضيّ» ثمّ توهّمه ذلك ليسكن إليه ويظهر أن الرأي في وضع شورى بين من كان هذا شكله وهذا صفته، وهذا خروج من حدّ القضية، وقد صارا حينئذ يختاران للأمّة، فلا يثبت ذلك الحكم منهما إلّا أن يكونا عن توكيل منهما لهما، أو يكون لأنّ مكانهما من الإسلام أن يضعا الإمامة حيث أحبّا؛ وإذا كانا كذلك فهما أحق بالإمامة ممّن يريان إقامته وتقويمه، فلا الأمّة وكّلتهما ولا مكانهما هذا المكان والحمد لله.
ووجه آخر تستدلّ به على صواب ما قلنا وتعرف به صحّة ما فسّرنا: كأن قائلا قال: كان عليّ قد كان علم انّ عمرا وأبا موسى يوم القضيّة وفي تلك الحال لم يكونا عند أهل العراق وأهل الحجاز عدلين مرضيين، وإذا لم يكونا مرضيين لم يكونا شاهدين، وإذا كانا بعيدين من جواز الشهادة كانا من جواز الحكم أبعد؛ فأظهر عليّ قولا يتوهّم المتوهّم معه أنه قد رضي بحكم عمرو وقد علم انّ في قلوب اصحابه منه ومن سقوط عدالته ما فيها، وعلم انّ عمرا وأبا موسى [إن]
стр. 143
اجتمعا على الحكم له فقد كفي القيل والقال، وإن اجتمعا على معاوية، وعمرو عندهم لا يجوز حكمه، كان على دارس أمره، لأنّ الحكم كان مجعولا إليهما ولا باجتماعهما يقع؛ ولا يقع أن يلزم عليّا حكم عمرو لمعاوية ولا يلزم معاوية حكم ابي موسى لعليّ، وإنّما الشرط ان يجتمعا ومن اجتمعا عليه فله إنكار ذلك الحكم إذ كان واحد من لا تتم الحكومة إلّا به فاسد الحكم؛ وإنّما استجاز علي ان يظهر كلاما ما، يحتمل الحكم الفاسد لمكان التقية، وليس هذا التدبير كان معروفا عنده؛ وهذا- أبقاك الله- تدبير معجب ورأي مؤنق في هذا المكان وعند هذه البلية وعند الضيقة والتقية والخوف من الفتنة لا كتدبير معاوية في ذلك، فانّا لا نجد له في ذلك مذهبا مرضيّا ولا تدبيرا صحيحا.
[٢١- عزل علي معاوية لضلاله فتمرد عليه]
وقد علمت- أبقاك الله- انّ الذي أخرج معاوية إلى حرب علي ولزوم محاربة عليّ عزل عليّ له حين بويع له وحين لم يستحلّ ان يدعه طرفة عين، ولذلك حين قيل له: «لو شئت ان تدعه حتى إذا تمكن الأمر ومهد وضرب الحقّ بجرانه عزلته» - قال: «ما كنت منجد المضلّين عضدا» ؛ فقد دلّ ذلك على ان رأيه كان فيهما متقدّما؛ فعليّ عند ما قال ذلك القول وصنع ذلك الصنيع الذي يتوهّم عنهما المتوهّم انّه قد رضي بعمرو حكما وكره أيضا بما اعطاه الله من صحّة الغريزة وقوّة القريحة وعجيب التدبير ان يجيء برجل غير ابي موسى ويجيء معاوية بغير عمرو، فكان إنكار حكم عمرو وإزالة جوره، إذ كان عند اهل العراق والحجاز ظنينا، أهون وأيسر من أن يرضى برجلين مسلمين صالحين بريّن تقيّين مسلمين سليمين طاهرين نقيّين؛ فإن هما غلطا او بدلا كان نفي حكمهما والسخط لما أبرما من قضيتهما أعسر وأضيق، بل قد اراد ان يجرّح شهادة ابي موسى ويسقط حكمه عند جميع الأمة لانه بالأمس قد كان روى عن رسول الله ﷺ الروايات في التثبيط عن عليّ وأنّ من سعى معه في تلك الجيوش والحروب مفتون، حتى جرى بينه وبين الحسين وعمّار ما قد
стр. 144
رواه الناس وشاع في الآفاق، وصار بعد ذلك حكما لهذا الفاتن ليحدّ إليه وإلى حبره.
كذلك كان ظاهر حالهما، فنفس حال أبي موسى كانت جارحة لشهادته مفسدة لحكمه، فأراد عليّ أن يكون بالخيار وكان ينبغي لمعاوية في الحزم أن يفطن لهذه المكيدة وأن يرتاب بظاهر رضاه بأبي موسى، والحال عنده معروفة وجواسيسه كثيرة ومن يكاتبه أكثر عددا.
[٢٢- الشيعة والخوارج غافلون عن فهم علي]
والناس- حفظك الله وأرشدك- عن تدبير هذا الامام غافلون، لا الشيعة يعرفونه فيضيفونه اليه ويحتجون به على الخصوم ويوسعون الناس عذرا عند تضايق الأمر عليهم فيه، ولا الخوارج الذين هم عليه ينقمون والمكفرون له من هذه المارقة يعرفون ذلك التدبير، وهم كانوا من خاصّة جنده من المحقّقين وأصحاب البرانس وأصحاب السما دون غيرهم، فيرتدعون عن إكفاره وشتمه وخلعه؛ وقد كان ينبغي لمن خالف عليّا مرّة- حفظك الله- وهو مستبصر في نفسه ثمّ تبيّن أنّ الحق معه، أن يرتدع عن الاستبصار في أمر آخر فلا يدري لعلّ السبيل فيه كالسبيل فيما قبله.
[٢٣- ضلال الخوارج في قضية التحكيم]
فلو قال لهم بعض نصحائهم: قد علمتم ما كان منّا يوم رفع المصاحف من إضلال وجه الرأي ومن خديعة معاوية إيّانا ومن إصابة عليّ وجه الرأي وتنبيهه لنا، فلعلّ الذي أعطى من نفسه في الحكمين من شكل ذلك التدبير؛ بل قد رأيتم وسمعتم ما كان من أصحاب رسول الله ﷺ يوم قضيّة الحديبية حين ألغى رسول الله ﷺ من الكتاب اسم النبوة
стр. 145
وقاضاهم على أنّ من أتاه من عدوّه كان عليه ردّه، ومن صار إلى عدوه من اصحابه فليس عليهم ردّه، فماجوا وضاقت نفوسهم وقالوا: «هذه دنيّة» ، حتى قال أبو بكر: «لو كانت دنيّة ما أعطاها» ، ثمّ اقبل على عمرو وقال: الزم غرزه واعلم أنّه رسول الله ﷺ ولم يعط دنيّة» ، فلم ير المسلمون قطّ قضية أعظم عليهم بركة منها؛ فلو فكّر القوم فيما أعطى الله أنبياءه وخلفاءه من صواب التدبير والرأي والمعرفة بغوامض الأمور لما تهوّروا تهوّر الأغمار ولا أقدموا على تخطئة الائمة إقدام من لا يحب التمكن ولا يعرف فضل عقل الإمام على رعيّته.
[٢٤- موقف ابن عباس من عزل معاوية]
وأمّا ما رويتم عن ابن عبّاس أنه قال لعليّ حيث أبى إلّا عز له وقال: «ما له عندي إلا السيف حتى يغلبه الحق» - فقال له ابن عبّاس: «وما لك عنده إلّا السيف حتى يغلبك الباطل» ، فانّ باطل معاوية يوم عزم على عز له [لا] يتخوّفه على الخلافة ولا ظنّ أحد ولا دار في وهمه ولا خطر على باله ان الامور ستنفتح وان الحوادث ستنفتق بما تفتّحت وتفتّقت، ولا ظنوا ان تلك الأعاجيب كانت كامنة في تلك الحالات، ولا قدّر ذلك معاوية ولا ظنّه ولا طمع فيه، ولكنها أمور تناتجت وأعاجيب تلاقحت وامور كثيرة- حفظك الله- قد كانت محقّرة الاوائل مصغّرة الأسباب ثمّ ترامت بها أمواج البلاء وزخرت بها بحور الفتن حتى عتت وخرجت من الجبلة وطغت وامتنعت على الأطباء؛ وقد قال مجاشع الرّبعي: «ليس بكبير ما أصلحه المال» وقد يصلح المال الداء وينجع فيه الدواء وربّما أعضل الداء فامتنع الشفاء.
[٢٥- العامة تستنكر مقتل عثمان فتميل الى معاوية]
وقد خبرتك أنّ دم عثمان كان من أمتن أسبابه وأجود
следующие страницы →