← Адаб

Адаб · id 10709

الرسائل السياسية

الجاحظ

Полный текст (400 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

معروف ومعنى محدود؟ ويدل على ما قلنا أنكم عددتم أربعة في الدهاء ليس واحد منهم عند المسلمين في طريق المتقين. ولو كان الدهاء مرتبة والمكر منزلة لكان تقدم هؤلاء الجميع السابقين الأولين عيبا شديدا في السابقين الأولين، ولو أن إنسانا أراد أن يمدح أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ثم قال: الدهاء أربعة وعدهم، لكان قد قال قولا مرغوبا عنه، لأن الدهاء والمكر ليس من صفات الصالحين، وإن علموا من غامض الأمور ما يجهله جميع العقلاء! ألا ترى أنه قد يحسن أن يقال: كان رسول الله ﷺ أكرم الناس، وأحلم الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس. ولا يجوز أن يقال: كان أمكر الناس وأدهى الناس؟ وإن علمنا أن علمه قد أحاط بكل مكر وخديعة، وبكل أرب ومكيدة؟؟ [٢٤- رد هاشم على ادعاء أمية الجود] وأما ما ذكرتم من جود سعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، فأين أنتم من جود عبد الله بن جعفر وعبيد الله بن العباس، والحسن بن علي؟ وأين أنتم من جود خلفاء بني العباس كمحمد المهدي، وهرون، ومحمد بن زبيدة، وعبد الله المأمون، بل لعل جود بعض صنائع هؤلاء كبني برمك أعظم من جود الرجلين اللذين ذكرتموهما، بل من جميع ما جاء به خلفاء بني أمية. [٢٥- رد هاشم على ادعاء امية الحلم] وأما ما ذكرتم من حلم معاوية فلو شئنا أن نجعل جميع ساداتنا حلماء لكانوا محتملين لذلك، ولكن الوجه في هذا أن لا يشتق للرجل إسم إلا من أشرف أعماله وأكرم أخلاقه، وإلا أن يبين بذلك عند أصحابه حتى يصير بذلك إسما يسمى به ويصير معروفا به كما عرف الأحنف بالحلم، وكما عرف حاتم بالجود، وكذلك هرم، قالوا: هرم الجواد؟ ولو قلتم كان أبو العاص بن أمية أحلم الناس لقلنا ولعله يكون قد كان حليما ولكن ليس كل حلم يكون صاحبه

стр. 212

به مذكورا ومن أشكاله بائنا. وإنكم لتظلمون خصومكم في تسميتكم معاوية بالحلم، فكيف من دونه؟ لأن العرب تقول: أحلم الحلمين أن لا يتعرض ثم يحلم. ولم يكن في الأرض رجل أكثر تعرضا من معاوية؟ والتعرض هو السفه. فإن ادعيتم أن الأخبار التي جاءت في تعرضه كلها باطل، إن لقائل أن يقول: وكل خبر رويتموه في حلمه باطل! ولقد شهر الأحنف بالحلم ولكنه تكلم بكلام كثير يجرح في الحلم ويثلم في العرض. ولا يستطيع أحد أن يحكي عن العباس بن عبد المطلب ولا عن الحسن بن علي بن أبي طالب لفظا فاحشا ولا كلمة ساقطة ولا حرفا واحدا مما يحكى عن الأحنف ومعاوية! وكان المأمون أحلم الناس، وكان عبد الله السفاح أحلم الناس. وبعد، فمن يستطيع أن يصف هاشما أو عبد المطلب بالحلم دون غيره من الأخلاق والأفعال حتى يسميه بذلك ويخصه به دون كل شيء فيه من الفضل؟ وكيف وأخلاقهما متساوية وكلها في الغاية؟ ولو أن رجلا كان أظهر الناس زهدا وأصدقهم للعدو لقاء وأصدق الناس لسانا وأجود الناس كفا وأفصحهم منطقا وكان بكل ذلك مشهورا، لمنع بعض ذلك من بعض ولما كان له إلا إسم السيد المقدم والكامل المعظم، ولم يكن الجود أغلب على إسمه، ولا البيان ولا النجدة. [٢٦- رد هاشم على ادعاء امية الخطابة] وأما ما ذكرتم من الخطابة والفصاحة والسؤدد والعلم بالأدب والنسب، فقد علم الناس أن بني هاشم في الجملة أرق ألسنة من بني أمية. كان أبو طالب والزبير شاعرين، وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شاعرا. ولم يكن في أولاد أمية بن عبد شمس لصلبه شاعر، ولم يكن في أولاد أمية إلا أن تعدوا في الاسلام العرجى من ولد عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن الحكم. فنعد نحن الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، وعبد الله بن معاوية بن عبد الله إبن جعفر. وإن عددتم الخطابة والبيان والفصاحة لم تعدوا كعلي بن أبي طالب ولا كعبد الله بن العباس. ولنا من الخطباء: زيد بن علي بن الحسين، وعبد

стр. 213

الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وجعفر بن الحسين بن الحسن، وداود بن علي بن عبد الله بن العباس وداود وسليمان ابنا جعفر بن سليمان. قالوا: كان جعفر بن الحسين ابن الحسن ينازع زيد بن علي بن الحسين في الوصية، وكان الناس يجتمعون ليستمعوا محاورتهما، وكان سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي والي مكة، فكان أهل مكة يقولون: لم يرد علينا أمير إلا وسليمان أبين منه قاعدا، وأخطب منه قائما. وكان داود إذا خطب اسحنفر فلم يرده شيء. قالوا: ولنا عبد الملك بن صالح بن علي، كان خطيبا بليغا، وسأله الرشيد- وسليمان بن أبي جعفر وعيسى بن جعفر حاضران- فقال له كيف رأيت أرض كذا؟ قال: ماء في ريح ومنابت شيح. قال: فأرض كذا؟ قال: هضبات حمر وربوات عفر. حتى أتى على جميع ما سأله عنه. فقال عيسى لسليمان: والله ما ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا بالدون من الكلام. [٢٧- رد هاشم على ادعاء أمية الورع] قالوا: وأما ما ذكرتم من نساك الملوك، فلنا علي بن أبي طالب، وبزهده وبدينه يضرب المثل. وإن عددتم النساك من غير الملوك، فأين أنتم عن علي بن الحسين زين العابدين الذي كان يقال له: علي الخير وعلي الأغر وعلي العابد، وما أقسم على الله بشيء إلا وأبر قسمه؟ وأين أنتم عن علي بن عبد الله بن العباس؟ وأين أنتم عن موسى بن جعفر بن محمد؟ وأين أنتم عن علي بن محمد الرضا، لابس الصوف طول عمره مع سعة أمواله وكثرة ضياعه وغلاته؟ وأما ما ذكرتم من الفتوح، فلنا الفتوح المعتصمية التي سارت بها الركبان وضربت بها الأمثال، ولنا فتوح الرشيد، ولنا الآثار الشريفة في قتل بابك الخرمي بعد أن دامت فتنته في دار الإسلام نحو ثلاثين سنة. [٢٨- رد هاشم على ادعاء امية الفقه] فأما الفقه والعلم والتفسير والتأويل، فإن ذكرتموه لم يكن لكم فيه أحد

стр. 214

وكان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب، وعبد الله بن العباس، وزيد ومحمد ابني علي بن الحسين بن علي، وجعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه- ويقال إن أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب، ولذلك نسب سفيان إلى أنه زيدي المذهب وكذلك أبو حنيفة- ومن مثل علي بن الحسين زين العابدين، وقال الشافعي في الرسالة في إثبات خبر الواحد: وجدت علي بن الحسين- وهو أفقه أهل المدينة- يعول على أخبار الآحاد. ومن مثل محمد بن الحنفية وإبنه أبي هاشم الذي قرر علوم التوحيد والعدل حتى قالت المعتزلة: غلبنا الناس كلهم بأبي هاشم الأول! [٢٩- رد هاشم على ادعاء أمية البسالة] وإن ذكرتم النجدة والبسالة والشجاعة، فمن مثل علي بن أبي طالب؟ وقد وقع اتفاق أوليائه وأعدائه على أنه أشجع البشر. ومن مثل حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله؟ ومن مثل الحسين بن علي! قالوا يوم الطف: ما رأينا مكثورا قد أفرد من إخوته وأهله وأنصاره أشجع منه، كان كالليث المجرّب يحطم الفرسان حطما، وما ظنك برجل أبت نفسه الدنية وأن يعطى بيده فقاتل حتى قتل هو وبنوه وإخوته وبنو عمه بعد بذل الأمان لهم والتوثقة بالأيمان المغلظة، وهو الذي سن للعرب الإباء واقتدى بعده أبناء الزبير وبنو المهلب وغيرهم. ومن لكم مثل محمد وإبراهيم ابني عبد الله؟ ومن لكم مثل زيد بن علي، وقد علمتم كلمته التي قالها حيث خرج من عند هشام:- ما أحب الحياة إلا من ذل. فلما بلغت هشاما قال: خارج ورب الكعبة. فخرج بالسيف ونهى عن المنكر ودعا إلى إقامة شعائر الله حتى قتل صابرا محتسبا. وقد بلغتكم شجاعة أبى إسحق المعتصم ووقوفه في مشاهد الحروب بنفسه حتى فتح الفتوح الجليلة، وبلغتكم شجاعة عبد الله بن علي وهو الذي أزال ملك بني مروان وشهد الحروب بنفسه. وكذلك صالح بن علي وهو الذي تبع مروان بن محمد إلى مصر حتى قتله.

стр. 215

[٣٠- رد هاشم على ادعاء امية التواضع] قالوا: وإن كان الفضل والفخر في تواضع الشريف وإنصاف السيد وسجاحه الخلق ولين الجانب للعشيرة والموالى، فليس لأحد من ذلك ما لبني العباس. ولقد سألنا طارق بن المبارك- وهو مولى لبني أمية وصنيعة من صنائعهم- فقلنا: أي القبيلين أشد نخوة وأعظم كبرياء وجبرية! أبنو مروان أم بنو العباس؟ فقال: والله لبنو مروان في غير دولتهم أعظم كبرياء من بني العباس في دولتهم. وقد كان أدرك الدولتين. ولذلك قال شاعرهم: إذا تائه من عبد شمس رأيته ... يتيه فرشّحه لكلّ عظيم وإن تاه تيّاه سواهم فإنّما ... يتيه لنوك أو يتيه للوم ومن كلامهم: من لم يكن من بني أمية تياها فهو دعي. قالوا: وإن كان الكبر مفخرا يمدح به الرجال ويعد من خصال الشرف والفضل، فمولانا عمارة بن حمزة أعظم كبرا من كل أموي كان ويكون في الدنيا، وأخباره في كبره وتيهه مشهورة متعالية. [٣١- رد هاشم على ادعاء امية الحسن] قالوا: وإن كان الشرف والفخر في الجمال والكمال وفي البسطة في الجسم وتمام القوام، فمن كان كالعباس بن عبد المطلب! قالوا: رأينا العباس يطوف بالبيت وكأنه فسطاط أبيض. ومن مثل علي بن عبد الله بن العباس وولده، وكان كل واحد منهم إذا قام إلى جنب أبيه كان رأسه عند شحمة أذنه، وكانوا من أطول الناس، وإنك لتجد ميراث ذلك اليوم في أولادهم. ثم الذي رواه أصحاب الأخبار وحمال الآثار في عبد المطلب من التماء والقوام والجمال والبهاء، وما كان من لقب هاشم بالقمر لجماله ولأنهم يستضيئون برأيه، وكما رواه الناس

стр. 216

أن عبد المطلب ولد عشرة كان الرجل منهم يأكل في المجلس الجذعة ويشرب الفرق وترد أنفهم قبل شفاههم، وأن عامر بن مالك لما رآهم يطوفون بالبيت كأنهم جمال جون قال: بهؤلاء تمنع مكة وتشرف مكة، وقد سمعتم ما ذكره الناس من جمال السفاح وحسنه، وكذلك المهدي، وابنه هرون الرشيد، وابنه محمد بن زبيدة الى الواثق، وكان الحسن بن علي أصبح الناس وجها، كان يشبه برسول الله ﷺ . وكذلك عبد الله بن الحسن المحض. وقالوا: ولنا ثلاثة في عصر كلهم يسمى عليا، وكلهم كان يصلح للخلافة بالفقه والنسك والمركب والرأي والتجربة والحال الرفيعة بين الناس: علي بن الحسين بن علي، وعلي بن عبد الله بن العباس، وعلي بن عبد الله بن جعفر. كل هؤلاء كان تاما كاملا بارعا جامعا. وكانت لبابة بنت عبد الله بن العباس عند علي بن عبد الله بن جعفر. قالت: ما رأيته ضاحكا قط ولا قط قاطبا ولا قال شيئا احتاج إلى أن يعتذر منه ولا ضرب عبدا قط ولا ملكه أكثر من سنة. قالوا: وبعد هؤلاء ثلاثة بنو عم، وهم بنو هؤلاء الثلاثة، وكلهم يسمى محمدا، كما أن كل واحد من أولئك يسمى عليا، وكلهم يصلح للخلافة بكرم النسب وشرف الخصال: محمد بن علي بن الحسين بن علي، ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس ومحمد بن علي بن عبد الله جعفر، قالوا: كان محمد إبن علي بن الحسين لا يسمع المبتلى الاستعاذة، وكان ينهى الجارية والغلام أن يقولا للمسكين: يا سائل، وهو سيد فقهاء الحجاز، ومنه ومن ابنه جعفر تعلم الناس الفقه، وهو الملقب بالباقر، باقر العلم، لقبه به رسول الله ﷺ ولم يخلق بعد، وبشر به ووعد جابر بن عبد الله برؤيته وقال: ستراه طفلا فإذا رأيته فأبلغه عني السلام، فعاش جابر حتى رآه وقال له ما وصى به. وتوعد خالد بن عبد الله القسري هشام بن عبد الملك في رسالة له إليه وقال: والله إني لأعرف رجلا حجازي الأصل شامي الدار عراقي الهوى! يريد محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.

стр. 217

[٣٢- رد هاشم على مفاخرة امية بالنساء] وأما ما ذكرتم من أمر عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فإنا نذكر فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وهي سيدة نساء العالمين، وأمها خديجة سيدة نساء العالمين، وبعلها علي بن أبي طالب سيد المسلمين كافة، وابن عمها جعفر ذو الجناحين وذو الهجرتين، وابناها حسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وجدهما أبو طالب بن عبد المطلب أشد الناس عارضة وشكيمة وأجودهم رأيا وأشهمهم نفسا وأمنعهم لما وراء ظهره، منع النبي ﷺ من جميع قريش ثم بني هاشم وبني المطلب، ثم منع بني إخوته من بني أخوته من بني مخزوم الذين أسلموا، وهو أحد الذين سادوا مع الإقلال. وهو مع هذا شاعر خطيب. ومن يطيق أن يفاخر بني أبي طالب وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وهي التي ربى رسول الله في حجرها وكان يدعوها: أمي، ونزل في قبرها وكان يوجب حقها كما يوجب حق الأم؟ من يستطيع أن يسامي رجالا ولدهم هاشم مرتين من قبل أبيهم ومن قبل أمهم؟ قالوا: ومن العجائب أنها ولدت أربعة كل منهم أسن من الآخر بعشر سنين: طالب وعقيل وجعفر وعلي. ومن الذي يعد من قريش أو من غيرهم ما يعده الطالبيون عشرة في نسق كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جواد طاهر زاك؟ فمنهم خلفاء، ومنهم مرشحون، ابن ابن ابن ابن هكذا إلى عشرة. وهم: الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي. وهذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب ولا من بيوت العجم. قالوا: فإن فخرتم بأن منكم اثنتين من أمهات المؤمنين: أم حبيبة بنت أبي سفيان وزينب بنت جحش، فزينب امرأة من بني أسد بن خزيمة ادعيتموها بالحلف لا بالولادة؟ وفينا رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنين: محمد بن عبد الله بن الحسن المحض. ولدته خديجة أم المؤمنين، وأم سلمة أم المؤمنين، وولدته مع ذلك فاطمة بنت الحسين بن علي، وفاطمة سيدة نساء العالمين ابنة رسول

стр. 218

الله، وفاطمة بنت أسد بن هاشم. وكان يقال: خير النساء الفواطم والعواتك. وهن أمهاته. قالوا: ونحن إذا ذكرنا إنسانا فقبل أن نعد من ولده نأتي به شريفا في نفسه مذكورا بما فيه دون ما في غيره. قلتم: لنا عاتكة بنت يزيد، وعاتكة في نفسها كامرأة من عرض قريش ليس فيها في نفسها خاصة أمر تستوجب به المفاخرة. ونحن نقول: منا فاطمة، وفاطمة سيدة نساء العالمين، وكذلك أمها خديجة الكبرى. وإنما تذكران مع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم اللتين ذكرهما النبي ﷺ ، وذكر إحداهما في القرآن، وهي المذكورات من جميع نساء العالم من العرب والعجم. وقلتم: لنا عبد الله بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، ولده سبعة من الخلفاء. وعبد الله هذا في نفسه ليس هناك. ونحن نقول: منا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، كلهم سيد، وأمه العالية بنت عبد الله بن العباس، وأخوته: داود وصالح وسليمان وعبد الله رجال كلهم أغر محجل، ثم ولد الرؤساء إبراهيم الإمام وأخويه أبا العباس وأبا جعفر ومن جاء بعدهما من خلفاء بني العباس. وقلتم: منا عبد الله بن يزيد. وقلنا: منا الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة وأولى الناس بكل مكرمة وأطهرهم طهارة، مع النجدة والبصيرة والفقه والصبر والحلم والأنف، وأخوه الحسن سيد شباب أهل الجنة وأرفع الناس درجة وأشبههم برسول الله خلقا وخلقا، وأبوهما علي بن أبي طالب وهو الذي ترك وصفه أبلغ في وصفه، وعمهما ذو الجناحين، وأمهما فاطمة، وجدتهما خديجة، وأخوالهما: القاسم وعبد الله وابراهيم، وخالاتهما زينب ورقية وأم كلثوم، وجدتاهما: آمنة بنت وهب والدة رسول الله، وفاطمة بنت أسد بن هاشم، وجدهما رسول الله ﷺ المخرس لكل مفاخر والغالب لكل منافر. قل ما شئت واذكر أي باب شئت من الفضل فإنك تجدهم قد حازوه.

стр. 219

[٣٣- رد أمية على هاشم والدعوة الى التسوية] قالت أمية: نحن لا ننكر فخر بني هاشم وفضلهم في الإسلام، ولكن لا فرق بيننا في الجاهلية إذ كان الناس في ذلك الدهر لا يقولون: هاشم وعبد شمس، ولا هاشم وأمية، بل كانوا لا يزيدون في الجميع على عبد مناف، حتى كان أيام تميزهم في أمر علي وعثمان في الشورى، ثم ما كان في أيام تحزبهم وحربهم مع علي ومعاوية. ومن تأمل الأخبار والآثار علم أنه ما كان يذكر فرق بين البيتين، وإنما يقال: بنو عبد مناف. ألا ترى أن أبا قحافة سمع رجة شديدة وأصواتا مرتفعة- وهو يومئذ شيخ كبير مكفوف- فقال: ما هذا! قالوا: قبض رسول الله. قال: فما صنعت قريش؟ قالوا: ولوا الأمر ابنك. قال: ورضيت بذلك عبد مناف؟ قالوا: نعم. قال: فلا مانع لما أعطى الله ولا معطى لما منع.. ولم يقل أرضى بذلك بنو هاشم، أرضى بذلك بنو عبد شمس! وإنما جمعهم على عبد مناف؟ لأنه كذلك كان يقال. وهكذا قال أبو سفيان بن حرب لعلي وقد سخط إمارة أبي بكر: أرضيتم يا بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم؟! ولم يقل أرضيتم يا بني هاشم! وكذلك قال خالد بن سعيد بن العاص حين قدم من اليمن وقد استخلف أبو بكر: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم؟! قالوا: وكيف يفرقون بين هاشم وعبد شمس وهما أخوان لأب وأم! ويدل أن أمرهما كان واحدا وأن اسمهما كان جامعا قول النبي ﷺ وصنيعه حين قال: مناخير فارس في العرب عكاشه بن محصن. وكان أسديا، وكان حليفا لبني عبد شمس- وكل من شهد بدرا من بني كثير بن داود وكانوا حلفاء بني عبد شمس- فقال ضرار بن الأزور الأسدي: ذاك منا يا رسول الله! فقال ﵊: بل هو منا بالحلف. فجعل حليف بني عبد شمس حليف بني هاشم. وهذا بين لا يحتاج صاحب هذه الصفة إلى أكثر منه. قالوا: ولهذا نكح هذا البيت في هذا البيت، فكيف صرنا نتزوج بنات النبي وبنات بني

стр. 220

هاشم على وجه الدهر إلا ونحن أكفاء وأمرنا واحد؟ وقد سمعتم إسحق بن عيسى يقول لمحمد بن الحارث أحد بني عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد: لولا حي أكرمهم الله بالرسالة لزعمت أنك أشرف الناس. أفلا ترى أنه لم يقدم علينا رهطه إلا بالرسالة؟ [٣٤- جواب هاشم الأخير: لا تسوية بيننا] قالت هاشم: قلتم: لولا أنا كنا أكفاءكم لما أنكحتمونا نساءكم. فقد نجد القوم يستوون في حسب الأب ويتفرقون في حسب الأنفس. وربما استووا في حسب أبي القبيلة كاستواء قريش في النضر بن كنانة، ويختلفون كاختلاف كعب بن لؤى وعمر بن لؤى، وكاختلاف أبناء قصي عبد مناف وعبد الدار وعبد العزي. والقوم قد يساوي بعضهم بعضا في وجوه ويفارقونهم في وجوه ويستجيزون بذلك القدر مناكحتهم وإن كانت معاني الشرف لم تتكامل فيهم كما تكاملت فيمن زوجهم. وقد يزوج السيد ابن أخيه وهو حارض بن حارض، على وجه صلة الرحم فيكون ذلك جائزا عندهم. ووجوه في هذا الباب كثيرة. فليس لكم أن تزعموا أنكم أكفاؤنا من كل وجه وإن كنا قد زوجناكم وساويناكم في بعض الآباء والأجداد وبعد، فأنتم في الجاهلية والإسلام قد أخرجتم بناتكم إلى سائر قريش وإلى سائر العرب: أفتزعمون أنهم أكفاؤكم عينا بعين؟ وأما قولكم إن الحيين كان يقال لهما عبد مناف. فقد كان يقال لهما ايضا مع غيرهما من قريش وبنيها: بنو النضر. وقال الله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فلم يدع النبي ﷺ أحدا من بني عبد شمس، وكانت عشيرته الأقربون بني هاشم وبني عبد المطلب، وعشيرته فوق ذلك عبد مناف، وفوق ذلك قصي. ومن ذلك أن النبي ﷺ لما أتي بعبد

стр. 221

الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن شمس، وأم عامر بن كريز أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم قال: هذا أشبه بنا منه بكم. ثم تفل في فيه فازدرده، فقال: أرجو أن تكون مسقيا. فكان كما قال: ففي قوله: هو أشبه بنا منه بكم. خصلتان إحداهما أن عبد شمس وهاشما لو كانا شيئا واحدا كما أن بني عبد المطلب شيء واحد لما قال هو بنا أشبه به منكم. والأخرى إن في هذا القول تفضيلا لبني هاشم على بني عبد شمس، ألا ترون أنه خرج خطيبا جوادا نبيلا وسيدا مسقيا له مصانع وآثار كريمة! لأنه قال: هو بنا أشبه به منكم؟. وأتى عبد المطلب بعامر بن كريز- وهو ابن ابنته أم حكيم البيضاء- فتأمله وقال: وعظام هاشم ما ولدنا ولدا أحرض منه. فكان كما قال. ولم يقل: وعظام عبد مناف. لأن شرف جده عبد مناف له فيه شركاء، وشرف هاشم أبيه خالص له. وأما ما ذكرتم من قول أبي سفيان وخالد بن سعيد: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم؟ فهذه الكلمة كلمة تحريض وتهييج، فكان الأبلغ فيما يريد من اجتماع قلوب الفريقين أن يدعوهم لأب وأن يجمعهم على واحد، وإن كانا مفترقين. وهذا المذهب سديد وهذا التدبير صحيح. قال معاوية بن صعصعة للأشهب بن رميلة وهو نهشلي، وللفرزدق بن غالب وهو مجاشعي، ولمسكين بن أنيف وهو عبدلي: أرضيتم معشر بني دارم أن يسب آباءكم ويشتم أعراضكم كلب بني كلب؟ وإنما نسبهم إلى دارم الأب الأكبر المشتمل على آباء قبائلهم ليستووا في الحمية ويتفقوا على الأنف، وهذا في مثل هذا الموضع تدبير صحيح. قالوا: ويدل على ما قلنا ما قاله الشعراء في هذا الباب قبل مقتل عثمان وقبل صفين. قال حسان بن ثابت لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: وأنت منوط نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الرّاكب القدح الفرد ولم يقل: نيط في آل عبد مناف! وقال آخر:

стр. 222

ما أنت من هاشم في بيت مكرمة ... ولا بنى جمح الخضر الجلاعيد ولم يقل: ما أنت من آل عبد مناف. وكيف يقولون هذا وقد علم الناس أن عبد مناف ولد أربعة: هاشما والمطلب وعبد شمس ونوفلا؟ وأن هاشما والمطلب كانا يدا واحدة، وأن عبد شمس ونوفلا كانا يدا واحدة. وكان مما أبطأ ببني نوفل عن الإسلام إبطاء إخوتهم من بني عبد شمس، وكان مما حث بني المطلب على الإسلام فضل محبتهم لبني هاشم. لأن أمر النبي ﷺ كان بينا، وإنما كانوا يمتنعون منه من طريق الحسد والبغضة. فمن لم يكن فيه هذه العلة لم يكن له دون الإسلام مانع. ولذلك لم يصحب النبي ﷺ من بني نوفل أحد، فضلا عن أن يشهدوا معه المشاهد الكريمة، وإنما صحبه حلفاؤهم كيعلى بن منبه، وعتبة بن غزوان وغيرهما. وبنو الحارث بن المطلب كلهم بدري: عبيدة وطفيل وحصين. ومن بني المطلب: مسطح بن أثاثة بدري؟ وكيف يكون الأمر كما قلتم وأبو طالب يقول لمطعم بن عدي بن نوفل في أمر النبي لما تمالأت قريش عليه: جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا ... جزاء مسيء عاجلا غير آجل أمطعم إمّا سامني القوم خطّة ... فإنّي متى أوكل فلست بآكلّيّ أمطعم لم أخذ لك في يوم شدّة ... ولا مشهد عند الأمور الجلائل ولقد قسم النبي ﷺ قسمة فجعلها في بني هاشم وبني المطلب فأتاه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقالا له: يا رسول الله إن قرابتنا منك وقرابة بني المطلب واحدة، فكيف أعطيتهم دوننا؟ فقال النبي: إنا لم نزل وبني المطلب كهاتين. وشبك بين أصابعه. فكيف تقولون كنا شيئا واحدا، وكان الاسم الذي يجمعنا واحدا؟؟ قالت هاشم: وإن كان الفخر بالأيد والقوة واهتصار الأقران ومباطشة الرجال، فمن أين

стр. 223

لكم كمحمد بن الحنفية! وقد سمعتم أخباره وأنه قبض على درع فاضلة فجذبها فقطع ذيلها ما استدار منه كله. وسمعتم حديث الأيد القوي الذي أرسله ملك الروم إلى معاوية يفخر به على العرب، وأن محمدا قعد له ليقيمه فلم يستطع فكأنما يحرك جبلا، وأن الرومي قعد ليقيمه محمد فرفعه فوق رأسه ثم جلد به الأرض. هذا مع الشجاعة المشهورة والفقه في الدين والحلم والصبر والفصاحة والعلم بالملاحم والإخبار عن الغيوب حتى ادعى له أنه المهدي. وقد سمعتم أحاديث أبي اسحق المعتصم وأن أحمد بن أبي دؤاد عض ساعده بأسنانه أشد العض فلم يؤثر فيه، وأنه قال: ما أظن الأسنة ولا السهام تؤثر في جسده؟! وإن كان الفخر بالبشر وطلاقة الأوجه وسجاحة الأخلاق، فمن مثل علي بن أبي طالب؟ وقد بلغ من سجاحة خلقه وطلاقة وجهه أن عيب بالدعابة. ومن الذي يسوى بين عبد شمس وهاشم في ذلك! كان الوليد جبارا، وكان هشام شرس الأخلاق، وكان مروان بن محمد لا يزال قاطبا عابسا، وكذلك كان يزيد بن الوليد الناقص. وكان المهدي بن المنصور أسرى خلق الله وألطفهم خلقا، وكذلك محمد الأمين وأخوه المأمون. وكان السفاح يضرب به المثل في السّرو وسجاحة الخلق. قالوا: ولنا من أفراد الرجال من ليس لكم مثله. منا يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، كان شجاعا [جريئا] ، وهو الذي ولى الموصل لأخيه السفاح فاستعرض أهلها حتى ساخت الأقدام في الدم. ومنا يعقوب بن ابراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، كان شاعرا فصيحا، وهو المعروف بأبي الأسباط. ومنا محمد وجعفر ابنا سليمان بن علي، كانا أعظم من ملوك بني أمية وأجل قدرا وأكثر أموالا ومكانا عند الناس. وأهدى محمد بن سليمان من البصرة إلى الخيزران مائة وصيفة في يد كل واحدة منهن جام من ذهب وزنه ألف مثقال مملوء مسكا. وكان لجعفر بن سليمان ألفا عبد من السودان خاصة، فكم يكون ليت شعري غيرهم من البيض ومن الإماء! وما رؤى جعفر بن محمد راكبا قط إلا ظن أنه الخليفة. ومن رجالنا محمد بن السفاح، كان جوادا أيّدا شديد

стр. 224

البطش. قالوا: ما رؤى أخوان أشد قوة من محمد وريطة أخته ولدى أبي العباس السفاح، كان محمد يأخذ الحديد فيلويه فتأخذه هي فترده. ومن رجالنا محمد بن ابراهيم طباطبا صاحب أبي السرايا، كان ناسكا عابدا فقيها عظيم القدر عند أهل بيته وعند الزيدية. ومن رجالنا عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وهو الذي شيد ملك المنصور وحارب ابنى عبد الله بن حسن وأقام عمود الخلافة بعد اضطرابه، وكان فصيحا أديبا شاعرا. ومن رجالنا عبد الوهاب بن ابراهيم الامام، حج بالناس ووليّ الشام، وكان فصيحا خطيبا. ومن رجالنا عبد الله بن موسى الهادي، كان أكرم الناس، وجوادا ممدّحا أديبا شاعرا. وأخوه علي بن موسى الهادي، كان أكرم الناس وأجود الناس، كان يلبس الثياب وقد حدد ظفره فيخرقها بظفره لئلا تعاد إليه. وعبد الله بن احمد بن عبد الله بن موسى الهادي، كان أديبا ظريفا. قالوا: وقلتم: لنا عاتكة بنت يزيد يكتنفها خمسة من الخلفاء. ونحن نقول: لنا زبيدة بنت جعفر يكتنفها ثمانية من الخلفاء: جدها المنصور خليفة، وعم أبيها السفاح خليفة، وعمها المهدي خليفة، وابن عمها الهادي خليفة، وبعلها الرشيد خليفة، وابنها الأمين خليفة، وابنا بعلها المأمون والمعتصم خليفتان. قالوا: وأما ما ذكرتم من الأعياص والعنابس، فلسنا نصدقكم فيما زعمتموه أصلا لهذه التسمية، وإنما سموا الأعياص لمكان العيص، وأبى العيص، والعاص وأبى العاص. وهذه أسماؤهم الأعلام ليست مشتقة من أفعال لهم كريمة ولا خسيسة. وأما العنابس. فانما سموا بذلك لأن حرب بن أمية كان اسمه عنبسة، وأما حرب فلقبه. ولما كان حرب أمثلهم سموا جماعتهم باسمه فقيل «العنابس» كما يقال «المهالبة» و «المناذرة» ولهذا المعنى سمى أبو سفيان بن حرب: ابن عنبسة. وسمى سعيد بن العاص: ابن عنبسة. *** وهذا آخر ما عثرت عليه من هذا الكتاب استخلصته بعد جهد وعناء.

стр. 225

هامش كتاب فضل هاشم على عبد شمس (١) يخلو الكتاب من المقدمة التقليدية التي نعهدها في رسائل الجاحظ مما يدل على ان قسما من الكتاب قد بتر. - يعدد الجاحظ الوظائف التي كانت تضطلع بها بطون قريش في الجاهلية وهي اللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة. واللواء: تولى القيادة في الحرب، والندوة: تولي الاجتماعات التي كانت تعقدها قريش في دار الندوة للتداول في الامور. والسقاية: تولي أمر سقي الحجاج الماء المحلى بالزبيب أثناء الموسم. والرفادة: تولي جمع المال من القرشيين لاطعام الحجاج. والحجابة والسدانة: تولي خدمة الكعبة. (٢) المقارنة بين هاشم وأخيه عبد شمس وكلاهما ابنا عبد مناف. اشتهر هاشم بجماله حتى لقب بالقمر كما اشتهر بجوده واطعامه بني قومه الثريد في الأيام العجاف ومن ثم اشتق لقبه. اما عبد شمس فهو على العكس «ليس له لقب كريم ولا اشتق من صالح اعماله اسم شريف» . (٣) عبد المطلب هو ابن هاشم وجد النبي محمد. وهو سيد وادي مكة واجمل الناس واكرمهم. وهو صاحب كرامات لا تعرف الا للأنبياء منها الابتهال الى الله أن ينصره على جيش الحبشة الذي عزم على الإناخة على مكة فاستجاب الله لدعائه ورمى الاحباش بطير ابابيل ترميهم بحجارة من سجيل كما جاء في القرآن. وظهور الكرامات على يدي عبد المطلب مهدت السبيل لنبوة حفيده محمد. ومن كراماته تفجر العيون تحت اخفاف بعيره. (٤) النبي محمد الهاشمي جمع ميزتين لا يضارعه فيهما أحد: الرسالة وكرم الاخلاق. (٥) إيلاف قريش المذكور في القرآن بدأه هاشم ودر على قريش الاموال الطائلة. وقد فسر الجاحظ الايلاف على وجهين: الوجه الاول هو إتفاق هاشم مع ملوك اليمن

стр. 226

والشام والحبشة على الاشتراك في تسيير القوافل التجارية بين مكة واليمن والشام وضمان عدم الاعتداء عليها.. والوجه الثاني هو فرض ضرائب على قبائل قريش ليحمى بها هاشم أهل مكة وقوافلهم التجارية من غارات سائر القبائل مثل طيء وقضاعة وخثعم. (٦) يلقى الجاحظ ضوءا على حلف الفضول الذي قام به بنو هاشم وسمى حلف الفضول لفضله وفضيلته. وقد تعاقد أفخاذ هاشم: بنو المطلب، وبنو اسد، وبنو زهرة، وبنو تيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان على احقاق الحق ونصرة المظلوم والضرب على ايدي الظالم، سواء كان قريبا او غريبا. وكان الزبير بن عبد المطلب هو الذي دعا الى قيام ذلك الحلف. (٧) حرب الفجار جرت بين قريش وعامر في زمن الزبير بن عبد المطلب عم النبي. وقد شهد النبي المعركة اذ كان ينبل فيها على عمومته. وسميت بذلك لان عامر هي التي فجرت. (٨) يقابل هذه المكارم الهاشمية مخازي امية. فامية كان مضعوفا وصاحب عهار (تعرض لامرأة من بني زهرة فضربه احدهم بالسيف، فلم يستطع قومه الثأر له) . وابنه حرب كان مقيتا (اي تزوج امرأة ابيه أمية في حياته) والمقيتون هم الذين ينكحون نساء ابائهم بعد موتهم. وابو سفيان بن حرب ضربت عنق حليفه ابي الازيهر الدوسي الازدي ولم يدرك به قودا. (٩) مقارنة بين خلفاء بني هاشم العباسيين امثال المنصور والرشيد والمعتصم والواثق، وخلفاء أمية امثال مروان بن الحكم ومعاوية ويزيد وعبد الملك الخ.... تبين عظمة العباسيين وقدرتهم وضعف الامويين. (١٠) الهاشميون أحق بالخلافة من الامويين لأنهم ملكوا بالميراث وحق العصبة والعمومة، اما الامويون فملكوا لانهم قرشيون، وفي هذا يفضلهم العلويون الذين ادعوا الملك بسبب القرابة السابقة والوصية، ويفضلهم العباسيون الذين اعتمدوا الوراثة، ويسبقهم سائر القرشية، اذا كان الملك لا ينال الا بالسوابق والأعمال والجهاد. والجاحظ يلخص هنا مختلف الدعاوي بالامامة او الخلافة التي كان ينادي بها كل من العلويين والعباسيين وغيرهم. (١١) يعدد الجاحظ اعمال بني أمية وجورهم على بني هاشم، ابتداء من محاربة علي، الى سم الحسن، وقتل الحسين، وسم ابي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن ابي طالب، وضرب الكعبة وتغيير موعد الصلاة. وقد وردت معظم هذه التهم في

стр. 227

رسالة النابتة التي نشرناها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية. وقد كررها الجاحظ هنا للتركيز عليها والتذكير بها. (١٢) انتزاع العباسيين الملك من بني امية بفضل شجاعتهم وحنكتهم. وقد تولى ولد العباس بانفسهم الحرب امثال عبد الله بن علي، وصالح بن علي، وداود بن علي، وعبد الصمد بن علي، والمنصور. وفي هذا اسقاط للدعوة التي تقول ان الفرس هم الذين اسقطوا دولة الامويين. (١٣) خصال هاشم في الاسلام هو القسم الثاني من الكتاب. والقسم الاول خصصه كما رأينا للكلام على خصال هاشم في الجاهلية. - وقد بدأه بالفخر بكثرة العدد. واورد ابياتا في الشعر تبين تعظيم العرب لكثرة العدد وتعتبره شرفا. (١٤) الفخر بالحكمة اي نبل الرأي وصواب القول، وقد ذكر من ابواب الحكمة الفقه والعلم والتأويل ومعرفة التنزيل والقياس والخطابة. واشتهر بها عبد الله بن عباس وعلي بن ابي طالب. (١٥) الفخر بالبسالة أي الشجاعة والنجدة وقتل الاقران وجزر الفرسان وقد اشتهر فيها حمزة عم النبي وعلي بن أبي طالب. (١٦) الفخر بالكرم أي الفضل في الجود والسماح، وقد عرف به عبد الله بن جعفر وعبيد الله بن العباس. ١٧- مفاخر أمية في الدهاء والحروب والعلم والشعر: يذكر الجاحظ من انجبتهم امية في هذه الميادين. فمن الدهاة معاوية بن ابي سفيان، وزياد ابن ابيه، ومن الشعراء والخطباء يزيد بن معاوية والوليد بن يزيد ومروان بن الحكم وابنه عبد الرحمن وبشر بن مروان. وفي العلم نبغ خالد بن يزيد الذي ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء. وفي الشجاعة نبغ العباس بن الوليد بن عبد الملك، ومروان بن محمد وعبد الملك بن مروان. (١٨) مفاخر بني أمية في النسك والورع: يقدم الجاحظ لائحة باسماء عدد من النساك الورعين امثال معاوية بن يزيد بن معاوية، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك. (٢٠) فخر امية بالجمال طريف، ويذكر منهم المدبج والديباج والمطرف عبد الله بن عمرو بن عثمان. (٢١) مفاخر امية قبل الاسلام: لا ينسى الجاحظ مفاخر الامويين قبل الاسلام ردا على مفاخر الهاشميين قبل الاسلام لتتم الموازنة. وامية تفتخر قبل الاسلام بجدودها

стр. 228

امثال حرب بن امية رئيس يوم الفجار، وابي سفيان بن حرب رئيس احد والخندق وسيد قريش كلها في زمانه. وقد سموا بالعنابس لانها اسماء الاسود، وسموا بالاعياص لانها اسماء الاصول. (٢٢) رد هاشم على ادعاءات امية في الدهاء والحلم والخطابة والورع والفقه والبسالة والتواضع والجمال والنساء يتضمن تعداد رجالات هاشم الذين اشتهروا بهذه الصفات وتفوقهم على رجالات عبد شمس. ومعظمه تكرار لما سبق. (٢٣) رد أمية على هاشم ودعوتها الى التسوية ووقف التنافس لانهما ابناء عمومة ولا فضل لاحدهما على الآخر. (٢٤) رد هاشم الأخير: لا تسوية بيننا.

стр. 229

٦- رسالة العباسية

стр. 230

قال أبو عثمان: وقد زعم أناس أن الدليل على صدق خبرهما (يعني أبا بكر وعمر) في منع الميراث وبراءة ساحتهما، ترك أصحاب رسول الله ﷺ النكير عليهما.! قد يقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما، إن ترك النكير على المتظلمين والمحتجين عليهما والمطالبين لهما دليل على صدق دعواهم أو استحسان مقالتهم، ولا سيما وقد طالت المناجاة وكثرت المراجعة والملاحاة، وظهرت الشكية واشتدت الموجدة. وقد بلغ ذلك من فاطمة أنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر. ولقد كانت قالت له حين أتته مطالبة بحقها ومحتجة لرهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا مت؟ قال: أهلي وولدي. قالت: فما بالئا لا نرث النبي ﷺ ؟! فلما منعها ميراثها وبخسها حقها واعتل عليها وجلح أمرها وعاينت التهضم وأيست في التورع ووجدت نشوة الضعف وقلة الناصر قالت: والله لأدعون الله عليك. قال: والله لأدعون الله لك. قالت: والله لا كلمتك أبدا. قال: والله لا أهجرك أبدا. فان يكن ترك النكير على أبى بكر دليلا على صواب منعها، إن في ترك النكير على فاطمة دليلا على صواب طلبها؟ وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت وتذكيرها ما نسيت وصرفها عن الخطأ ورفع قدرها عن البذاء وأن تقول هجرا وتجوّر عادلا أو تقطع واصلا؟ فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب. والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم، وأوجب علينا وعليكم.

стр. 231

فان قالوا: كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها، وكلما ازدادت عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة، حيث تقول له: والله لا أكلمك أبدا فيقول والله لا أهجرك أبدا. ثم تقول والله لأدعون الله عليك فيقول والله لأدعون الله لك. ثم يتحمل منها هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضرة قريش والصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه وما يجب لها من الرفعة والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك أن قال معتذرا متقربا كلام المعظم لحقها، المكبر لمقامها الصائن لوجهها، المتحن عليها. ما أحد أعز عليّ منك فقرا ولا أحب إلي منك غنى! ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة» ؟. قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم والسلامة من الجور، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريبا وللخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم وذلة المنتصف وحدب الوامق ومقة المحق. وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ودلالة واضحة وقد زعمتم أن عمر قال على منبره: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ ، متعة النساء ومتعة الحج، أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، فما وجدتم أحدا أنكر قوله ولا استشنع مخرج نهيه ولا خطأه في معناه ولا تعجب منه ولا استفهمه؟ وكيف تقضون بترك النكير، وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أن النبي ﷺ قال: «الأئمة من قريش» . ثم قال في شكاته: لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك. حين أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى! وسالم عبد لامرأة من الأنصار وهي أعتقته وحازت ميراثه. ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر ولا قابل إنسان بين قوله ولا تعجب منه! وإنما يكون ترك النكير على من لا رغبة ولا رهبة عنده دليلا على صدق قوله وصواب عمله، فأما ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة والأمر والنهي والقتل والاستحياء والحبس والاطلاق، فليس بحجة تشفى ولا دلالة تضيء. وقال آخرون: بل الدليل على صدق قولهما وصواب عملهما إمساك

стр. 232

الصحابة عن خلعهما والخروج عليهما، وهم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ورد النصوص، ولو كان كما تقولون وما تصفون ما كان سبيل الأمة فيهما إلا كسبيلها فيه، وعثمان كان أعز نفرا، وأشرف رهطا، وأكثر عددا وثروة وأقوى عدة؟ قلنا: إنهما لم يجحدا التنزيل ولم ينكرا النصوص، ولكنهما بعد اقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة، ادعيا رواية وتحدثا بحديث لم يكن محالا كونه ولا ممتنعا في حجج العقول مجيئه، وشهد لهما عليه من علته مثل علتهما فيه، ولعل بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذ كان عدلا في رهطه مأمونا في ظاهره، ولم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة ولا جرب عليه غدرة، فيكون تصديقه له على جهة حسن الظن وتعديل الشاهد، ولأنه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج والذي يقطع بشهادته على الغيب، وكان ذلك شبهة على أكثرهم. فلذلك قلّ النكير وتواكل الناس فاشتبه الأمر فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ذلك من باطله إلا العالم المتقدم، أو المؤيد المرشد. ولأنه لم يكن لعثمان في صدور العوام وقلوب السفلة والطغام ما كان لهما من المحبة والهيبة، ولأنهما كانا أقل استئثارا بالفيء وتفضلا بمال الله منه. ومن شأن الناس إهمال السلطان ما وفر عليهم أموالهم ولم يستأثر بخراجهم ولم يعطل ثغورهم، ولأن الذي صنع أبو بكر من منع العترة حقها والعمومة ميراثها قد كان موافقا لجلة قريش وكبراء العرب، ولأن عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه مستخفا بقدره لا يمنع ضيما ولا يقمع عدوا، ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذع والتشنيع والنكير لأمور لو أتى أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترأوا على اغتيابه فضلا على مباداته والإغراء به ومواجهته، كما أغلظ عيينة بن حصن له فقال له: أما لو كان عمر لقمعك ومنعك! فقال عيينة: إن عمر كان خيرا لي منك، رهبني فاتقاني وأعطاني فاغناني. والعجب أنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب

стр. 233

إسنادا وأصح رجالا وأحسن اتصالا، حتى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي ﷺ نسخوا الكتاب وخصوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما ردوه وأكذبوا قائليه، وذلك أن كل إنسان منهم إنما يجرى إلى هواه ويصدق ما وافق رضاه.

стр. 234

[٧- محتويات رسالة مناقب الترك] (- ٧- مناقب الترك)

стр. 235

[١- مقدمة] وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلح على يديك، وجعلنا وإيّاك ممّن يقول بالحقّ ويعمل به، ويؤثره ويحتمل ما فيه [ممّا قد يصدّه عنه] ، ولا يكون حظّه منه الوصف له والمعرفة به، دون الحثّ عليه والانقطاع إليه، وكشف القناع فيه، [وإيصاله إلى أهله، والصّبر على المحافظة في ألّا يصل إلى غيرهم، والتثبّت في تحقيقه لديهم] ؛ فإنّ الله تعالى لم يعلّم الناس ليكونوا عالمين دون أن يكونوا عاملين، بل علّمهم ليعملوا، وبيّن لهم ليتّقوا التورّط في وسط الخوف، والوقوع في المضارّ، والتوسّط في المهالك. [فلذلك] طلب الناس التبيّن، ولحبّ السلامة من الهلكة، والرّغبة في المنفعة، احتملوا ثقل العلم، وتعجّلوا مكروه المعاناة. ولقلّة العاملين وكثرة الواصفين [قال الأوّلون: العارفون أكثر من الواصفين، والواصفون أكثر من العاملين. وإنّما] كثّرت الصّفات وقلّت الموصوفات، لأنّ ثواب العمل مؤجّل، واحتمال ما فيه معجّل. [٢- أعداء السلطان] وقد أعجبني ما رأيت من شغفك بطاعة إمامك، والمحاماة لتدبير

стр. 236

خليفتك، وإشفاقك من كل خلل وخلّة دخل على ملكه وإن دقّ، ونال سلطانه وإن صغر، ومن كلّ أمر خالفه وإن خفي مكانه، وجانب وإن قلّ ضرره؛ ومن تخوّفك أن يجد المتأوّل إليه طريقا والعدوّ عليه متعلّقا؛ فإنّ السلطان لا يخلو من متأوّل ناقم، ومن محكوم عليه ساخط، ومن معدول عن الحكم زار، ومن متعطّل متصفّح، ومن معجب برأيه ذي خطل في بيانه، مولع بتهجين الصّواب، وبالاعتراض على التّدبير، حتّى كأنه رائد لجميع الأمّة، ووكيل لسكان جميع المملكة؛ يضع نفسه في موضع الرّقباء، وفي موضع التصفّح على الخلفاء والوزراء؛ لا يعذر وإن كان مجاز العذر واضحا، ولا يقف فيما يكون للشكّ محتملا، ولا يصدّق بأنّ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وأنّه لا يعرف مصادر الرّأي من لم يشهد موارده، ومستدبره من لم يعرف مستقبله. ومن محروم قد أضغنه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان. ومن مستبطىء قد أخذ أضعاف حقّه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذرعه وقلّة شكره، يظنّ أن الذي بقي له أكثر، وأنّ حقّه أوجب. ومن مستزيد لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده، ونعمه السّالفة عليه، لكان لذلك أهلا، وله مستحقّا قد غرّه الإملاء، وأبطره دوام الكفاية، وأفسده طول الفراغ. ومن صاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في الفرقة، نعّاق في الهرج، قد أقصاه السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب، وأذلّه الحكم بالحقّ، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع، ولا يتشفّى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلّا إلى الأماني، ولا يأنس إلّا بكلّ مرجف كذّاب، ومفتون مرتاب، وخارص لا خير فيه، وخالف لا غناء عنده، يريد أن يسوّى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة؛ لأمر [ما] سلف له، ولإحسان كان من غيره، وليس ممّن يربّ قديما بحديث، ولا يحفل بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين. وكيف يعرف فرق ما بين حقّ الذّمام وثواب الكفاية، من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله. ثم أعلمتني بذلك أنّك بنفسك بدأت في تعظيم امامك، والحفظ لمناقب

стр. 237

أنصار خليفتك، وإيّاها حطت بحياطتك لأشياعه، واحتجاجك لأوليائه. ونعم العون أنت إن شاء الله على ملازمة الطّاعة، والمؤازرة على الخير، والمكانفة لأهل الحق. وقد استدللت بالذي أرى من شدّة عنايتك، وفرط اكتراثك، وتفقّدك لأخابير الأعداء وبحثك عن مناقب الأولياء، على أن ما ظهر من نصحك أمم، في جنب ما بطن من إخلاصك. فأمتع الله بك خليفته، ومنحنا وإياك محبّته، وأعاذنا وإيّاك من قول الزّور، والتقرّب بالباطل، إنّه حميد مجيد، فعّال لما يريد. [٣- اقسام جند الخلافة الخمسة] وذكرت أبقاك الله أنّك جالست أخلاطا من جند الخلافة، وجماعة من أبناء الدّعوة، وشيوخا من جلّة الشّيعة، وكهولا من أبناء رجال الدّولة، والمنسوبين إلى الطاعة والمناصحة، [والمحبّة] الدّينية، دون محبة الرغبة والرهبة، وأنّ رجلا من عرض تلك الجماعة، ومن حاشية تلك الجلّة ارتجل الكلام ارتجال مستبدّ، وتفرد به تفرّد معجب، وأنّه لم يستأمر زعماءهم، ولم يراقب خطباءهم، وأنه تعسّف المعانى وتهجّم على الألفاظ، وزعم أنّ جند الخلافة اليوم على خمسة أقسام: خراساني، وتركيّ، ومولى، وعربيّ، وبنويّ. وأنّه أكثر من حمد الله وشكره على إحسانه ومننه، وعلى جميع أياديه وسابغ نعمه، وعلى شمول عافيته وجزيل مواهبه، حين ألّف على الطاعة هذه القلوب المختلفة، والأجناس المتباينة، والأهواء المتفرّقة. وأنّك اعترضت على هذا المتكلم المستبدّ، وعلى هذا القائل المتكلّف، الذي قسّم هذه الأقسام، وخالف [بين] هذه الأركان، وفصّل بين أنسابهم، وفرّق بين أجناسهم، وباعد بين أسبابهم.

стр. 238

[٤- لا فرق بين الخراساني والتركي] وأنّك أنكرت ذلك عليه أشدّ الإنكار، وقذعته أشدّ القذع، وزعمت أنّهم لم يخرجوا من الاتّفاق أو من شيء يقرب من الاتّفاق. وأنّك أنكرت التّباعد في النّسب، والتّباين في السّبب. وقلت: بل أزعم أنّ الخراسانيّ والتركيّ أخوان، وأن الحيّز واحد، وأن [حكم ذلك الشّرق، والقضيّة على] ذلك الصّقع متّفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت. وأنّ الأعراق في الأصل إن لا تكن [كانت] راسخة فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد المشتملة عليهم إن لا تكن متساوية فإنّها متناسبة؛ وكلّهم خراسانيّ في الجملة وإن تميّزوا ببعض الخصائص، فافترقوا ببعض الوجوه. وزعمت أنّ اختلاف التركي والخراساني ليس كالاختلاف بين العجمي والعربيّ، ولا كالاختلاف بين الرّومي والصّقلبيّ، والزّنجيّ والحبشي، فضلا هما هو أبعد جوهرا وأشدّ خلافا. بل كاختلاف ما بين المكّي والمدني، والبدويّ والحضري، والسّهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائيّ الجبليّ والطائيّ السّهلي، وكما يقال: أنّ هذيلا أكراد العرب، وكاختلاف ما بين من نزل البطون وبين من نزل الحزون، وبين من نزل النّجود وبين من نزل الأغوار. [٥- العرب أمة واحدة] وزعمت أنّ هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللّغة، وفارق بعضهم بعضا في بعض الصّور، فقد تخالفت عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في اللّغة، وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الصّورة والشمائل والأخلاق. وكلّهم مع ذلك عربيّ خالص، غير مشوب ولا معلهج ولا مذرّع ولا مزلّج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك البريّة من خصائص

стр. 239

الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كلّ جيزة من الشّكل والصّورة ومن الأخلاق واللّغة. فإن قلت: فكيف كان أولادهما جميعا عربا مع اختلاف الأبوّة. قلنا: إنّ العرب لما كانت واحدة فاستووا في التّربة وفي اللغة، والشّمائل والهمّة، وفي الأنف والحميّة، وفي الأخلاق والسّجيّة، فسبكوا سبكا واحدا، وأفرغوا إفراغا واحدا، وكان القالب واحدا، تشابهت الأجزاء وتناسب الأخلاط، وحين صار ذلك أشدّ تشابها في باب الأعمّ والأخصّ وفي باب الوفاق والمباينة من بعض ذوي الأرحام، جرى عليهم حكم الاتّفاق في الحسب، وصارت هذه الأسباب ولادة أخرى حتّى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها، وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة بني إسحاق وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في جميع الدهر لبني قحطان- وهو ابن عابر- ففي إجماع الفريقين على التناكح والمصاهرة، ومنعهما من ذلك جميع الأمم: كسرى فمن دونه، دليل على أنّ النسب عندهم متّفق، وأنّ هذه المعانى قد قامت عندهم مقام الولادة والأرحام الماسّة. [٦- البنوي خراساني] وزعمت أنه أراد الفرقة والتّحزيب، وأنّك أردت الألفة والتّقريب. وزعمت أيضا أنّ البنويّ خراساني، وأنّ نسب الأبناء نسب آبائهم، وأنّ حسن صنيع الآباء، وقديم فعال الأجداد، هو حسب الأبناء. وأنّ الموالى بالعرب أشبه، وإليهم أقرب، وبهم أمسّ؛ لأن السّنّة جعلتهم منهم. فقلت: إنّ الموالي أقرب إلى العرب في كثير من المعاني؛ لأنّهم عرب في المدّعى، وفي العاقلة، وفي الوراثة. وهذا تأويل قوله «مولى القوم منهم» و «مولى القوم من أنفسهم» ، و «الولاء لحمة كلحمة النّسب» . وعلى شبيه ذلك صار حليف

стр. 240

القوم منهم، وحكمه حكمهم، فصار الأخنس بن شريق وهو رجل من ثقيف، وكذلك يعلى بن منية وهو رجل من بلعدويّة، وكذلك خالد بن عرفطة وهو رجل من عذرة من قريش. وبذلك النّسب حرمت الصّدقة على موالي بني هاشم؛ فإنّ النبي ﷺ أجراهم في باب التنزيه والتطهير مجرى مواليهم. وبذلك السّبب قدّم النبيّ ﷺ بني عبد المطلب على بني عبد شمس، وقرابتهم سواء ونسبهم واحد، للعقد المتقدّم، وللأيدي المتّفقة. وقال ﷺ : «منّا خير فارس في العرب: عكاشة بن محصن» ، فقال ضرار بن الأزور الأسديّ: ذاك رجل منّا يا رسول الله. قال: «بل هو منّا بالحلف» . فجعل حليف القوم منهم، كما جعل ابن أخت القوم منهم. ثم زعمت أنّ الأتراك قد شاركوا هؤلاء القوم في هذا النّسب، وصاروا من العرب بهذا السّبب، مع الذي بانوا به من الخلال، وحبوا به من شرف الخصال. على أنّ ولاء الّا تراك لباب قريش، ولمصاص عبد مناف، و [هم] في سرّ بني هاشم، [وهاشم] موضع العذار من خد الفرس، والعقد من لبّة الكاعب، والجوهر المكنون، والذّهب المصفّى، وموضع المحّة من البيضة، والعين في الرأس، والرّوح من البدن؛ وهم الأنف المقدّم، والسّنام الأكبر، والدّرّة الزهراء، والرّوضة الخضراء، والذّهب الأحمر. فقد شاركوا العرب في أنسابهم، والموالي في أسبابهم، وفصلوهم بهذا الفضل الذي لا يبلغه فضل وإن برع، بل لا يعشره شرف وإن عظم، ولا مجد وإن قدم. فزعمت أنّ انساب الجميع متقاربة غير متباعدة، وعلى حسب ذلك التّقارب تكون المؤازرة والمكاتفة، والطاعة والمناصحة، والمحبة للخلفاء والأئمة.

стр. 241

[٧- مفاخر الخراسانيين] وذكرت أنّه ذكر جملا من مفاخرة الأجناس، وجمهرة من مناقب هذه الأصناف، وأنه جمع ذلك وفصّله وفسّره، وأنه ألغى ذكر الأتراك فلم يعرض لهم، وأضرب عنهم صفحا، يخبر عنهم كما أخبر عن حجّة كلّ جيل، وعن برهان كلّ صنف، وذكر أنّ الخراسانيّ يقول: نحن النّقباء وأبناء النقباء؛ ونحن النّجباء وأبناء النّجباء، ومنّا الدّعاة، قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف نجابة، وقبل المغالبة والمباراة، وقبل كشف القناع وزوال التّقيّة وزوال ملك أعدائنا عن مستقرّه، وثبات ملك أوليائنا في نصابه. وبين ذلك ما قتلنا وشرّدنا، ونهكنا ضربا وبضعنا بالسّيوف الحداد، وعذّبنا بألوان العذاب. وبنا شفى الله الصّدور، وأدرك الثأر. ومنّا الاثنا عشر النّقباء، والسّبعون النّجباء. ونحن الخندقيّة، ونحن الكفّيّة وأبناء الكفية، ومنا المستجيبة ومن يهرج التيمية ومنّا نيم خزان وأصحاب الجوربين ومنا الزّغنديّة والآزاذمردية. ونحن فتحنا البلاد وقتلنا العباد، وأبدنا العدوّ بكلّ واد. ونحن أهل هذه الدولة، وأصحاب هذه الدعوة، ومنبت هذه الشجرة. ومن عندنا هبّت هذه الرّيح. والأنصار أنصاران: الأوس والخزرج نصروا النبي ﷺ في أوّل الزمان، وأهل خراسان نصروا ورثته في آخر الزّمان. غذانا بذلك آباؤنا وغذونا به أبناءنا وصار لنا نسبا لا نعرف إلّا به، ودينا لا نوالي إلّا عليه. ثم نحن على وتيرة واحدة، ومنهاج غير مشترك؛ نعرف بالشيعة، وندين بالطّاعة، ونقتل فيها ونموت عليها. سيمانا موصوف، ولباسنا معروف. ونحن أصحاب الرّايات السّود، والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، والذين يهدّمون مدن الجبابرة، وينزعون الملك من أيدي الظّلمة، وفينا تقدّم الخبر، وصحّ الأثر. وجاء في الحديث صفة الذين يفتحون عمّوريّة ويظهرون عليها،

стр. 242

ويقتلون مقاتليها ويسبون ذراريها، حيث قالوا في نعتهم: «شعورهم شعور النساء، وثيابهم ثياب الرهبان» . فصدّق الفعل القول، وحقّق الخبر العيان. ونحن الذين ذكرنا وذكر بلاءنا امام الأئمة، وأبو الخلائق العشرة: محمّد ابن علي، حين أراد توجيه الدّعاة إلى الآفاق، وتفريق شيعته في البلاد، أن قال: أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان وصنائع عثمان، فليس بها من شيعتنا إلّا القليل. وأمّا الشام فشيعة بني مروان وآل أبي سفيان. وأمّا الجزيرة فحروريّة شارية، وخارجة مارقة، ولكن عليكم بهذا الشّرق؛ فإنّ هناك صدورا سليمة وقلوبا باسلة، لم تفسدها الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم تعتقبها البدع، وهم مغيظون موتورون. وهناك العدد [والعدّة] ، والعتاد والنّجدة. ثم قال: [وأنا أتفاءل] إلى حيث يطلع منه النهار. فكنّا خير جند لخير إمام؛ فصدّقنا ظنّه، وثبّتنا رأيه، وصوّبنا فراسته. وقال مرّة أخرى: أمرنا هذا شرقيّ لا غربيّ، ومقبل لا مدبر، يطلع كطلوع الشمس، ويمتدّ على الآفاق امتداد النهار، حتّى يبلغ حيث تبلغه الأخفاف، وتناله الحوافر. قالوا: ونحن قتلنا الصّحصحيّة، والدّالقية، والذّكوانيّة، والرّاشديّة. ونحن أيضا أصحاب الخنادق أيّام نصر بن سيّار. وابن جديع الكرمانيّ، وشيبان بن سلمة الخارجي. ونحن أصحاب نباتة بن حنظلة، وعامر بن ضبارة، وأصحاب ابن هبيرة. فلنا قديم هذا الأمر وحديثه، وأوّله وآخره ومنّا قاتل مروان. ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وقصر غلاظ، وسواعد طوال. ونحن أولد للذّكورة، وأنسل بعولة. وأقلّ ضوى وضؤولة، وأقلّ إتاما

стр. 243

وأنتق أرحاما، وأشدّ عصبا وأتمّ عظاما، وأبداننا أحمل للسلاح، وتجفافنا أملأ للعيون. ونحن أكثر مادّة، وأكثر عددا وعدّة. ولو أنّ يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء النّهر منّا لظهروا عليهم بالعدد. فأمّا الأيد وشدّة الأسر، فليس لأحد بعد عاد وثمود والعمالقة والكنعانيّين مثل أيدنا وأسرنا. ولو أن خيول الأرض وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة، لكنّا أكثر في العيون، وأهول في الصّدور. ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا، وبنودنا التي لا يحملها غيرنا، علمت أننا لم نخلق إلّا لقلب الدّول، وطاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. ولو أنّ أهل التبت ورجال الزابج، وفرسان الهند، وحلبة الرّوم، هجم عليهم هاشم بن أشتا خنج لما امتنعوا من طرح السّلاح والهرب في البلاد. ونحن أصحاب اللّحى وأرباب النّهى، وأهل الحلم والحجا، وأهل الثّخانة في الرأي، والبعد من الطّيش. ولسنا كجند الشّام المتعرّضين للحرم، والمنتهكين لكلّ محرم. ونحن ناس لنا أمانة وفينا عفّة. ونحن نجمع بين النّزاهة والقناعة والصّبر على الخدمة، والتجمير عند بعد الشّقّة. ولنا الطّبول المهولة العظام والبنود، ونحن أصحاب التجافيف والأجراس، والبازيكند واللّبود الطّوال، والأغماد المعقّفة والشّوارب المعقربة، والقلانس الشاشيّة، والخيول الشهرية، والكافر كوبات والطّبرزينات [في الأكفّ] ، والخناجر في الأوساط. ولنا حسن الجلسة على ظهور الخيل. ولنا الأصوات التي تسقط منها الحبالى. وليس في الأرض صناعة غريبة من أدب وحكمة، وحساب وهندسة،

стр. 244

وإيقاع وصنعة، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلّا فرعت فيها الرّؤساء، وبزّت فيها العلماء. ولنا صنعة السّلاح من لبد وركاب ودرع. ولنا مما جعلناه رياضة وتمرينا، وإرهاصا للحرب، وتثقيفا ودربة للمجاولة والمشاولة، [و] للكرّ بعد الكرّ: مثل الدّبّوق، والنزو على الخيل صغارا، ومثل الطّبطاب والصّوالجة الكبار، ثم رمي المجثّمة، والبرجاس والطائر الخطّاف. فنحن أحقّ بالأثرة، وأولى بشرف المنزلة. [٨- مفاخر العرب] ثم قلت: وزعم أنّ القربة تستحقّ بالأسباب الثابتة، وبالأرحام الشابكة، وبالقدمة، والطاعة للآباء والعشيرة، وبالشكر النافع، والمديح الكافي بالشّعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وينشد ما أهلّ بالحج، وما هبّت الصّبا، وما كان للزّيت عاصر؛ وبالكلام المنثور والقول المأثور. أو بصفة مخرج الدولة والاحتجاج للدعوة، وتقييد المآثر، إذ لم يكن [ذلك من] عادة العجم، ولا كان يحفظ ذلك معروفا لسوى العرب. ونحن نرتبطها بالشعر المقفّى، ونصلها بحفظ الأمّيّين. [الذين لا يتكلون على الكتب المدوّنة، والخطوط المطرّسة. ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشّرف، والتحاكم إلى كلّ حكم مقنع وكاهن سجاع. ولنا التعاير بالمثالب، والتفاخر بالمناقب. ونحن أحفظ لأنسابنا، وأرعى لحقوقنا وتقييدها أيضا بالمنثور المرسل، بعد الموزون المعدّل، بلسان أمضى من السّنان، وأرهف من السّيف الحسام، حتى نذكّرهم ما قد درس رسمه، وعفا أثره. وبين القتال من جهة الرغبة والرهبة فرق، وليس المعرق في الحفاظ كمن هذا فيه حادث. وهذا باب يتقدّم فيه التالد القديم الطارف الحديث.

стр. 245

وطلّاب الطوائل رجلان: سجستاني وأعرابيّ. وهل أكثر النقباء إلّا من صميم العرب، ومن صليبة هذا النّسب، كأبي عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائي، وأبي محمد سليمان بن كثير الخزاعي، وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، وأبي داود خالد بن إبراهيم الذّهلي، وكأبي عمرو لاهز بن قريظ المرئيّ، وأبي عتيبة موسى بن كعب المرئيّ، وأبي سهل القاسم بن مجاشع المزني؛ ومن كان يجري مجرى النّقباء ولم يدخل فيهما، مثل مالك بن الطواف المزنّى. وبعد فمن هذا الذي باشر قتل مروان، ومن هزم ابن هبيرة، ومن قتل ابن ضبارة، ومن قتل نباتة بن حنظلة، إلّا عرب الدّعوة، والصّميم من أهل الدولة؟! ومن فتح السّند إلا موسى بن كعب، ومن فتح إفريقيّة إلّا محمد بن الأشعث؟! [٩- مفاخر الموالي] وقلت: وقال: وتقول الموالي: لنا النصيحة الخالصة، والمحبة الراسخة، ونحن موضع الثقة عند الشدّة. وعلل المولى من تحت موجبة لمحبّة المولى من فوق، لأنّ شرف مولاه راجع إليه، وكرمه زائد في كرمه، وخموله مسقط لقدره. وبودّه أنّ خصال الكرام كلّها اجتمعت فيه؛ لأنّه كلّما كان مولاه أكبر وأشرف وأظهر، كان هو بها أشرف وأنبل. ومولاك أسلم لك صدرا، وأردّ ضميرا، وأقلّ حسدا. وبعد فالولاء لحمة كلحمة النّسب، فقد صار لنا النسب الذي يصوّبه العربيّ، ولنا الأصل الذي يفتخر به العجمي. قال: والصّبر ضروب، فأكرمها كلها الصّبر على إفشاء السر. وللمولى في هذه المكرمة ما ليس لأحد. ونحن أخصّ مدخلا، وألطف في الخدمة مسلكا. ولنا مع الطاعة والخدمة

стр. 246

والاخلاص وحسن النيّة، خدمة الأبناء للآباء، والآباء للأجداد، وهم بمواليهم آنس، وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسرّ. وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصّون مواليهم بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم لدمامته، ولا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ويجعلون لكثير من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة وبني الأعمام والأخوة. ويتذاكرون إكرام رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة مولاه، حين عقد له يوم مؤتة على جلّة بني هاشم، وجعله أمير كلّ بلدة يطؤها. ويتذاكرون حبّه لأسامة بن زيد، وهو الحبّ ابن الحب. وعقد له على عظماء المهاجرين وأكابر الأنصار. ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه، كأبي أنسة، وشقران، وفلان وفلان. قالوا: ولنا من رؤوس النقباء أبو منصور مولى خزاعة، وأبو الحكم عيسى بن أعين مولى خزاعة، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى آل أبي معيط. فلنا مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالي في هذه الدعوة، ونحن منهم وإليهم، ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم ولا ينكره مؤمن، خدمناهم كبارا وحملناهم على عواتقنا صغارا. هذا مع حقّ الرّضاع والخؤولة، والنشوء في الكتّاب، والتقلّب في تلك العراص التي لم يبلغها إلّا كلّ سعيد الجدّ، وجيه في الملوك. فقد شاركنا العربيّ في فخره، والخراسانيّ في مجده، والنبويّ في فضله، ثم تفرّدنا بما لم يشاركونا فيه، ولا سبقونا إليه. قالوا: ونحن أشكل بالرعيّة، وأقرب إلى طباع الدّهماء؛ وهم بنا آنس وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحنّ؛ ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحقّ بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممّن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه.

стр. 247

[١٠- مفاخر البنوي] وقلت وذكرت أن البنويّ قال: أنا أصلي خراسان، وهي مخرج الدّولة ومطلع الدّعوة؛ ومنها نجم هذا القرن، وصبأ هذا الناب، وتفجّر هذا الينبوع، واستفاض هذا البحر، حتى ضرب الحقّ بجرانه، وطبّق الآفاق بضيائه، فأبرأ من السّقم القديم، وشفى من الداء العضال، وأغنى من العيلة، وبصّر من العمى قال: وفرعى بغداد، وهي مستقرّ الخلافة، والقرار بعد الحولة، وفيها بقيّة رجال الدعوة، وابناء الشّيعة، وهي خراسان العراق؛ وبيت الخلافة، وموضع المادّة. قال: وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر تردادا فيه من جدّي، وأحقّ في هذا الفضل من المولى والعربيّ. ولنا بعد في انفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ظلال السّيوف القصار والرّماح الطوال. [ولنا معانقة الأبطال عند تحطّم القنا وانقطاع الصفائح. ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقي الخناجر بالعيون، ونحن حماة المستلحم؛ وأبناء المضايق. ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند الحيرة، وأصحاب المشهّرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن يمشي في الرّمح، ويختال بين الصّفّين. ونحن اصحاب الفتك والإقدام، ولنا بعد التسلّق، ونقب المدن، والتقحّم على ظبات السّيوف وأطراف الرّماح، ورضخ الجندل، وهشم العمد، والصبر على الجراح وعلى جرّ السّلاح إذا طار قلب الأعرابيّ، وساء ظنّ الخراساني. ثم الصّبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المساءلة، واجتماع العقل، وصحّة الطّرف، وثبات القدمين، وقلّة التكفّي بحبل العقابين، والبعد من الإقرار، وقلّة الخضوع للدهر والخضوع عند جفوة الزّوار وجفاء الأقارب والإخوان. ولنا القتال عند أبواب الخنادق، ورؤوس القناطر. ونحن الموت الأحمر

стр. 248

عند أبواب النّقب. ولنا المواجأة في الأزقّة، والصّبر على قتال السّجون. فسل عن ذلك الخليدية، والكتفية، والبلاليّة، والخريبية. ونحن أصحاب المكابدات وأرباب البيات، وقتل الناس جهارا في الأسواق والطّرقات. ونحن نجمع بين السّلّة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطّوال ما كنّا رجّالة، والمطارد القصار ما كنّا فرسانا. فإن صرنا كمنا فالحتف القاضي، والسمّ الذّعاف. وإن كنّا طلائع فكلّنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل بالليل كما نقاتل بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل على الأرض، ونقاتل في القرية كما نقاتل في المحلة. ونحن أفتك وأخشب، ونحن أقطع للطريق وأذكر في الثّغور، مع حسن القدود وجودة الخطر ومقادير اللّحى، وحسن العمّة، والنفس المرّة. وأصحاب الباطل والفتوّة، ثم الخطّ والكتابة، والفقه والرّواية. ولنا بغداد باسرها، تسكن ما سكنّا، وتتحرّك ما تحرّكنا. والدّنيا كلها معلقة بها، وصائرة الى معناها. فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدّنيا تبع لها] . وكذلك أهلها لأهلها، وفتّاكها لفتّاكها، وخلّاعها لخلّاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، وصلحاؤها لصلحائها. ونحن بعد تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا؛ فأخذنا بآثارهم واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ولا نعرف بغيرهم، ولا يطمع فينا أحد قطّ من خطّاب ملكهم، وممن يترشّح للاعتراض عليهم. فمن أحقّ بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممّن هذه الخصال فيه، وهذه الخلال له. [١١- الغاية من وضع الكتاب] إن ذهبنا حفظك الله بعقب هذه الاحتجاجات، وعند مقطع هذه

стр. 249

الاستدلالات، نستعمل هذه المعارضة بمناقب الأتراك، والموازنة بين خصالهم وخصال كلّ صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم. وكتابنا هذا إنّما تكلّفناه لنؤلّف بين قلوبهم التي كانت مختلفة، ولنزيد الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتّفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم، ولتسلم صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب، وكم مقدار الخلاف في الحسب، فلا يغيّر بعضهم مغيّر، ولا يفسده عدوّ بأباطيل مموّهة وشبها مزوّرة؛ فإنّ المنافق العليم، والعدوّ ذا الكيد العظيم، قد يصوّر لهم الباطل في صورة الحقّ، ويلبس الاضاعة ثياب الحزم. إلا أنّا على حال سنذكر جملا من أحاديث رويناها ووعيناها، وأمور رأيناها وشاهدناها، وفضائل تلقّفناها من أفواه الرجال وسمعناها. وسنذكر جميع ما في هذه الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيّهم لها أشدّ استعمالا، وبها أشدّ استقلالا، ومن أثقب كيسا وأفتح عينا وأذكى يقينا، وابعد غورا وأجمع أمرا، وأعمّ خواطر وأكثر غرائب، وأبدع طريقا، وأدوم نفعا في الحروب؛ وأضرى وأدرب دربة، وأغمض مكيدة، وأشدّ احتراسا وألطف احتيالا؛ حتّى يكون الخيار في يد الناظر المتصفّح لمعانيه، والمقلّب لوجوهه، والمفكّر في أبوابه، والمقابل بين أوّله وآخره، فلا نكون نحن انتحلنا شيئا دون شيء، وتقلّدنا تفضيل بعض على بعض، بل [لعلّنا أن لا] نخبر عن خاصّة ما عندنا بحرف واحد. فإذا دبّرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعه على هذه الصّفة، كان أبعد له من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى. وقد ظنّ ناس أنّ أسماء أصناف الأجناس كما اختلفت في الصّورة والخطّ والهجاء، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على حسب ما توهّمه؛ ألا ترى أنّ اسم الشّاكريّة وإن خالف في الصّورة والهجاء اسم

стр. 250

الجند، فإنّ المعنى فيهما ليس ببعيد؛ لأنّهم يرجعون إلى معنى واحد وعمل واحد. والذي يرجعون إليه طاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. وإذا كان المولى منقولا الى العرب في أكثر المعاني، ومجعولا منهم في عامّة الأسباب، لم يكن ذلك بأعجب ممّن جعل الخال والدا، والحليف من الصّميم، وابن الأخت من القوم. وقد جعل إبن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوبا الى أمّه. وقد جعلوا اسماعيل وهو ابن عجميّين عربيّا؛ لأنّ الله تعالى فتق لهاته بالعربيّة المبينة على غير التلقين والترتيب، ثمّ فطره على الفصاحة العجيبة على غير النشوّ والتّقدير، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك الأجزاء، [وركّبه اختراعا] على ذلك التركيب، وسوّاه تلك التسوية، وصاغه تلك الصّياغة، ثم حباه من طبائعهم ومنحه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم وأنفتهم وهممهم على أكرمها وأمكنها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهانا على رسالته، ودليلا على نبوّته؛ فكان أحقّ بذلك النّسب، وأولى بشرف ذلك الحسب. وكما جعل ابراهيم أبا لمن لم يلده، فالبنويّ خراسانيّ من جهة الولادة، والمولى عربيّ من جهة المدّعى والعاقلة. وإن أحاط علمنا بأنّ زيدا لم يخلق من نجل عمرو إلّا عهارا لنفيناه عنه، وإن وثقنا أنّه لم يخلق من صلبه. وكما جعل النبيّ ﷺ أزواجه أمّهات المؤمنين وهنّ لم يلدنهم ولا أرضعنهم، وفي بعض القراءات: (وأزواجه أمّهاتهم وهو أب لهم) ، على قوله: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ . وجعل المرأة من جهة الرّضاع أمّا، وجعل [امرأة] البعل أمّ ولد البعل من غيرها، [وجعل] الرابّ والدا، وجل العمّ أبا [في كتاب الله] . وهم عبيده لا يتقلّبون إلّا فيما قلّبهم فيه. وله أن يجعل من عباده من شاء عربيّا ومن شاء عجميّا، ومن شاء قرشيّا، ومن شاء زنجيّا؛ كما له أن يجعل من شاء ذكرا ومن شاء أنثى،
следующие страницы →