← Адаб

Адаб · id 10709

الرسائل السياسية

الجاحظ

Полный текст (400 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والاخلاص وحسن النيّة، خدمة الأبناء للآباء، والآباء للأجداد، وهم بمواليهم آنس، وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسرّ. وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصّون مواليهم بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم لدمامته، ولا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ويجعلون لكثير من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة وبني الأعمام والأخوة. ويتذاكرون إكرام رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة مولاه، حين عقد له يوم مؤتة على جلّة بني هاشم، وجعله أمير كلّ بلدة يطؤها. ويتذاكرون حبّه لأسامة بن زيد، وهو الحبّ ابن الحب. وعقد له على عظماء المهاجرين وأكابر الأنصار. ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه، كأبي أنسة، وشقران، وفلان وفلان. قالوا: ولنا من رؤوس النقباء أبو منصور مولى خزاعة، وأبو الحكم عيسى بن أعين مولى خزاعة، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى آل أبي معيط. فلنا مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالي في هذه الدعوة، ونحن منهم وإليهم، ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم ولا ينكره مؤمن، خدمناهم كبارا وحملناهم على عواتقنا صغارا. هذا مع حقّ الرّضاع والخؤولة، والنشوء في الكتّاب، والتقلّب في تلك العراص التي لم يبلغها إلّا كلّ سعيد الجدّ، وجيه في الملوك. فقد شاركنا العربيّ في فخره، والخراسانيّ في مجده، والنبويّ في فضله، ثم تفرّدنا بما لم يشاركونا فيه، ولا سبقونا إليه. قالوا: ونحن أشكل بالرعيّة، وأقرب إلى طباع الدّهماء؛ وهم بنا آنس وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحنّ؛ ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحقّ بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممّن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه.

стр. 247

[١٠- مفاخر البنوي] وقلت وذكرت أن البنويّ قال: أنا أصلي خراسان، وهي مخرج الدّولة ومطلع الدّعوة؛ ومنها نجم هذا القرن، وصبأ هذا الناب، وتفجّر هذا الينبوع، واستفاض هذا البحر، حتى ضرب الحقّ بجرانه، وطبّق الآفاق بضيائه، فأبرأ من السّقم القديم، وشفى من الداء العضال، وأغنى من العيلة، وبصّر من العمى قال: وفرعى بغداد، وهي مستقرّ الخلافة، والقرار بعد الحولة، وفيها بقيّة رجال الدعوة، وابناء الشّيعة، وهي خراسان العراق؛ وبيت الخلافة، وموضع المادّة. قال: وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر تردادا فيه من جدّي، وأحقّ في هذا الفضل من المولى والعربيّ. ولنا بعد في انفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ظلال السّيوف القصار والرّماح الطوال. [ولنا معانقة الأبطال عند تحطّم القنا وانقطاع الصفائح. ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقي الخناجر بالعيون، ونحن حماة المستلحم؛ وأبناء المضايق. ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند الحيرة، وأصحاب المشهّرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن يمشي في الرّمح، ويختال بين الصّفّين. ونحن اصحاب الفتك والإقدام، ولنا بعد التسلّق، ونقب المدن، والتقحّم على ظبات السّيوف وأطراف الرّماح، ورضخ الجندل، وهشم العمد، والصبر على الجراح وعلى جرّ السّلاح إذا طار قلب الأعرابيّ، وساء ظنّ الخراساني. ثم الصّبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المساءلة، واجتماع العقل، وصحّة الطّرف، وثبات القدمين، وقلّة التكفّي بحبل العقابين، والبعد من الإقرار، وقلّة الخضوع للدهر والخضوع عند جفوة الزّوار وجفاء الأقارب والإخوان. ولنا القتال عند أبواب الخنادق، ورؤوس القناطر. ونحن الموت الأحمر

стр. 248

عند أبواب النّقب. ولنا المواجأة في الأزقّة، والصّبر على قتال السّجون. فسل عن ذلك الخليدية، والكتفية، والبلاليّة، والخريبية. ونحن أصحاب المكابدات وأرباب البيات، وقتل الناس جهارا في الأسواق والطّرقات. ونحن نجمع بين السّلّة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطّوال ما كنّا رجّالة، والمطارد القصار ما كنّا فرسانا. فإن صرنا كمنا فالحتف القاضي، والسمّ الذّعاف. وإن كنّا طلائع فكلّنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل بالليل كما نقاتل بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل على الأرض، ونقاتل في القرية كما نقاتل في المحلة. ونحن أفتك وأخشب، ونحن أقطع للطريق وأذكر في الثّغور، مع حسن القدود وجودة الخطر ومقادير اللّحى، وحسن العمّة، والنفس المرّة. وأصحاب الباطل والفتوّة، ثم الخطّ والكتابة، والفقه والرّواية. ولنا بغداد باسرها، تسكن ما سكنّا، وتتحرّك ما تحرّكنا. والدّنيا كلها معلقة بها، وصائرة الى معناها. فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدّنيا تبع لها] . وكذلك أهلها لأهلها، وفتّاكها لفتّاكها، وخلّاعها لخلّاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، وصلحاؤها لصلحائها. ونحن بعد تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا؛ فأخذنا بآثارهم واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ولا نعرف بغيرهم، ولا يطمع فينا أحد قطّ من خطّاب ملكهم، وممن يترشّح للاعتراض عليهم. فمن أحقّ بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممّن هذه الخصال فيه، وهذه الخلال له. [١١- الغاية من وضع الكتاب] إن ذهبنا حفظك الله بعقب هذه الاحتجاجات، وعند مقطع هذه

стр. 249

الاستدلالات، نستعمل هذه المعارضة بمناقب الأتراك، والموازنة بين خصالهم وخصال كلّ صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم. وكتابنا هذا إنّما تكلّفناه لنؤلّف بين قلوبهم التي كانت مختلفة، ولنزيد الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتّفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم، ولتسلم صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب، وكم مقدار الخلاف في الحسب، فلا يغيّر بعضهم مغيّر، ولا يفسده عدوّ بأباطيل مموّهة وشبها مزوّرة؛ فإنّ المنافق العليم، والعدوّ ذا الكيد العظيم، قد يصوّر لهم الباطل في صورة الحقّ، ويلبس الاضاعة ثياب الحزم. إلا أنّا على حال سنذكر جملا من أحاديث رويناها ووعيناها، وأمور رأيناها وشاهدناها، وفضائل تلقّفناها من أفواه الرجال وسمعناها. وسنذكر جميع ما في هذه الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيّهم لها أشدّ استعمالا، وبها أشدّ استقلالا، ومن أثقب كيسا وأفتح عينا وأذكى يقينا، وابعد غورا وأجمع أمرا، وأعمّ خواطر وأكثر غرائب، وأبدع طريقا، وأدوم نفعا في الحروب؛ وأضرى وأدرب دربة، وأغمض مكيدة، وأشدّ احتراسا وألطف احتيالا؛ حتّى يكون الخيار في يد الناظر المتصفّح لمعانيه، والمقلّب لوجوهه، والمفكّر في أبوابه، والمقابل بين أوّله وآخره، فلا نكون نحن انتحلنا شيئا دون شيء، وتقلّدنا تفضيل بعض على بعض، بل [لعلّنا أن لا] نخبر عن خاصّة ما عندنا بحرف واحد. فإذا دبّرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعه على هذه الصّفة، كان أبعد له من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى. وقد ظنّ ناس أنّ أسماء أصناف الأجناس كما اختلفت في الصّورة والخطّ والهجاء، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على حسب ما توهّمه؛ ألا ترى أنّ اسم الشّاكريّة وإن خالف في الصّورة والهجاء اسم

стр. 250

الجند، فإنّ المعنى فيهما ليس ببعيد؛ لأنّهم يرجعون إلى معنى واحد وعمل واحد. والذي يرجعون إليه طاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. وإذا كان المولى منقولا الى العرب في أكثر المعاني، ومجعولا منهم في عامّة الأسباب، لم يكن ذلك بأعجب ممّن جعل الخال والدا، والحليف من الصّميم، وابن الأخت من القوم. وقد جعل إبن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوبا الى أمّه. وقد جعلوا اسماعيل وهو ابن عجميّين عربيّا؛ لأنّ الله تعالى فتق لهاته بالعربيّة المبينة على غير التلقين والترتيب، ثمّ فطره على الفصاحة العجيبة على غير النشوّ والتّقدير، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك الأجزاء، [وركّبه اختراعا] على ذلك التركيب، وسوّاه تلك التسوية، وصاغه تلك الصّياغة، ثم حباه من طبائعهم ومنحه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم وأنفتهم وهممهم على أكرمها وأمكنها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهانا على رسالته، ودليلا على نبوّته؛ فكان أحقّ بذلك النّسب، وأولى بشرف ذلك الحسب. وكما جعل ابراهيم أبا لمن لم يلده، فالبنويّ خراسانيّ من جهة الولادة، والمولى عربيّ من جهة المدّعى والعاقلة. وإن أحاط علمنا بأنّ زيدا لم يخلق من نجل عمرو إلّا عهارا لنفيناه عنه، وإن وثقنا أنّه لم يخلق من صلبه. وكما جعل النبيّ ﷺ أزواجه أمّهات المؤمنين وهنّ لم يلدنهم ولا أرضعنهم، وفي بعض القراءات: (وأزواجه أمّهاتهم وهو أب لهم) ، على قوله: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ . وجعل المرأة من جهة الرّضاع أمّا، وجعل [امرأة] البعل أمّ ولد البعل من غيرها، [وجعل] الرابّ والدا، وجل العمّ أبا [في كتاب الله] . وهم عبيده لا يتقلّبون إلّا فيما قلّبهم فيه. وله أن يجعل من عباده من شاء عربيّا ومن شاء عجميّا، ومن شاء قرشيّا، ومن شاء زنجيّا؛ كما له أن يجعل من شاء ذكرا ومن شاء أنثى،

стр. 251

[ومن شاء خنثى] ، ومن شاء أفرده من ذلك فجعله لا ذكرا ولا أنثى ولا خنثى. وكذلك خلق الملائكة وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. وخلق آدم فلم يجعل له أبا ولا أمّا، وخلقه من طين ونسبه اليه، وخلق حوّاء من ضلع آدم وجعلها له زوجا وسكنا. وخلق عيسى من غير ذكر ونسبه إلى أمّه التي خلقه منها. وخلق الجانّ من نار السّموم، وآدم من طين، وعيسى من غير نطفة. وخلق السّماء من دخان، والأرض من الماء، وخلق اسحاق من عاقر. وأنطق عيسى في المهد، وأنطق يحيى بالحكمة وهو صغير، وعلّم سليمان منطق الطّير، وكلام النّمل، وعلّم الحفظة من الملائكة جميع الألسنة حتّى كتبوا بكلّ خطّ، ونطقوا بكلّ لسان. وأنطق ذئب أهبان بن أوس. والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنّة، وكذلك أطفالهم والمجانين [منهم] ، يتكلّمون ساعة يدخلون الجنة بلسان أهل الجنّة، على غير الترتيب والتنزيل، والتعليم على طول الأيّام والتا؟؟ ين. فكيف يتعجّب الجاهلون من [نطق] اسماعيل بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟! وهذه المسألة ربّما سأل عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي على القحطانيّ أشدّ. فأمّا جواب العدنانيّ فسلس النّظام سهل المخرج، قريب المعنى؛ لأنّ بني قحطان لا يدّعون لقحطان نبوّة فيعطيه الله مثل هذه الأعجوبة. وما الذي قسم الله- عزّ اسمه- بين الناس من ذلك، إلّا كما صنع في طينة الأرض، فجعل بعضها حجرا، وبعض الحجر ياقوتا، وبعضه ذهبا، وبعضه نحاسا، وبعضه رصاصا، وبعضه حديدا، وبعضه ترابا، وبعضه فخّارا. وكذلك الزّاج، والمغرة، والزّرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار والتّوتيا، والنوشادر، والمرقشيثا، والمغناطيس. ومن يحصى عددا أجزاء الأرض، وأصناف الفلزّ؟!

стр. 252

وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنويّ خراسانيّ. وإذا كان الخرسانيّ موليّ، والمولى عربيّ- فقد صار الخرسانيّ والبنويّ والمولى والعربيّ واحدا. وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامرا ما معهم من خصال الخلاف، بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشّأن وعمود النّسب متّفقون. والأتراك خراسانية وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار التركيّ الى الجميع راجعا، وصار شرفه إلى شرفهم زائدا. وإذا عرف سائر ذلك سامحت النّفوس، وذهب التّعقيد، ومات الضّغن، وانقطع سبب الاستثقال؛ فلم يبق إلّا التحاسد والتّنافس الذي لا يزال يكون بين المتقاربين في القرابة وفي المجاورة. على أنّ التّوازر والتسالم في الرابات وفي بني الأعمام والعشائر، أفشى وأعمّ من البعداء. ولخوف التّخاذل ولحبّ التناصر، والحاجة إلى التّعاون- انضمّ بعض القبائل في البوادي الى بعض، ينزلون معا ويظعنون معا. ومن فارق أصحابه أقلّ، [و] من نصر ابن عمّه أثر. ومن اغتبط بنعمته وتمنّى بقاءها والزيادة فيها اكثر ممّن بغاها الغوائل، وطلب انقطاعها وزوالها. ولا بدّ في أضعاف ذلك من بعض التّنافس والتخاذل، إلّا أنّ ذلك قليل من كثير. وليس يجوز أن تصفو الدّنيا وتنقى من الفساد والمكروه حتّى يموت جميع الخلائق، وتستوي لأهلها، وتتمهّد لسكّانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل.

стр. 253

[١٢- موضوع الكتاب] هذا كتاب كنت كتبته أيّام المعتصم بالله، ﵁، فلم يصل إليه، لأسباب يطول شرحها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها. وأحببت أن يكون كتابا قصدا، ومذهبا عدلا، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في هجاء آخرين، وإن كان الكتاب كذلك شابه الكذب، وخالطه التزيّد، وبنى أساسه على التكلّف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتّدليق. وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثرا وأحسنها ذكرا: أن يكون المديح صدقا، وللظّاهر من حال الممدوح موافقا، وبه لاثقا، حتّى لا يكون من المعبّر عنه والواصف [له] إلّا الإشارة اليه، والتنبيه عليه. وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذلك في مناقب الأتراك إلّا بذكر مثالب سائر الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والاضراب عن [هذا الكتاب أحزم، وذكر الكثير من] هذه الأصناف بالجميل، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، لأنّ ذكر الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوّع، وذكر الأقلّ بالقبيح معصية، وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوّع. ولكلّ نصيب من المساوىء ومقدار من الذّنوب؛ وإنّما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلّة المساوي. فأمّا الاشتمال على جميع المحاسن، والسّلامة من جميع المساويء دقيقها وجليلها، وظاهرها وخفيّها، فهذا لا يعرف. وقد قال النابغة: ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرّجال المهذّب وقال حريش السّعدي:

стр. 254

أخ لي كأيّام الحياة إخاؤه ... تلوّن ألوانا عليّ خطوبها إذا عبت منه خلّة فتركته ... دعتني إليه خلّة لا أعيبها وقال بشّار: إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا ... خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحدا أو صل أخاك فإنّه ... مقارف ذنب مرّة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه وقال مطيع بن إياس اللّيثيّ: ولئن كنت لا تصاحب الّا ... صاحبا لا تزلّ، ما عاش، نعله لم تجده ولو جهدت وأنّى ... بالذي لا يكون يوجد مثله وقال محمد بن سعيد، وهو رجل من الجند: سأشكر عمرا إن تراخت منيّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشّكوى إذا النعل زلّت رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس، وأصحاب المعايش من دهماء الجماعة، يرون ذلك واجبا وتدبيرا في التعامل، على ما هم فيه من مشاركة الخطأ للصواب، وامتزاج الضّعف بالقوّة، فلسنا نشكّ أنّ الامام الأكبر والرّئيس الأعظم، مع الأعراق الكريمة والأخلاق الرفيعة، والتّمام في الحلم والعلم، والكمال في الحزم والعزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرّياسة [والسّيادة] ، والخصائص التي معه من التّوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة، أنّ الله جلّ اسمه لم يكن ليجلّله باسم الخلافة، ويحبوه بتاج الإمامة، وبأعظم نعمة وأسبغها، وأفضل كرامة وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، إلّا ومعه من الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتّغافل في موضع التّغافل، ما لا يبلغه فضل ذي فضل،

стр. 255

ولا حلم ذي حلم. [١٣- مناسبة تأليف الكتاب] ونحن قائلون، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، فيما انتهى الينا في أمر الأتراك: زعم محمّد بن الجهم، وثمامة بن أشرس، والقاسم بن سيّار، في جماعة ممن يغشى دار الخلافة، وهي دار العامّة، قالوا جميعا: بينا حميد بن عبد الحميد جالسا ومعه بخشاد الصّغديّ، وأبو شجاع [شبيب] بن بخار اخداي البلخيّ، ويحيى بن معاذ، ورجال من المعدودين المتقدّمين في العلم بالحرب [من أصحاب التجارب والمراس، وطول المعالجة والمعاناة] في صناعات الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: نقول لكم متفرّقين ومجتمعين: ليكتب كلّ رجل منكم دعواه وحجته، وليقل أيّما أحبّ إلى [كلّ] قائد منكم إذا كان في عدّته من صحبه وثقاته: أن يلقى مائة تركيّ أو مائة خارجيّ؟ فقال القوم جميعا: [لأن] نلقى مائة تركيّ أحبّ إلينا من أن نلقى مائة خارجيّ! وحميد ساكت. فلما فرغ القوم [جميعا] من حججهم، قال الرّسول: قد قال القوم فقل واكتب قولك، وليكن حجّة لك أو عليك. قال: بل ألقى مائة خارجيّ أحبّ إليّ؛ لأنّني وجدت الخصال التي يفضل بها الخارجيّ جمع المقاتلة غير تامّة في الخارجيّ، ووجدتها تامّة في التّركي. ففضل التركيّ على الخارجيّ بقدر فضل الخارجيّ على سائر المقاتلة، ثمّ بان التركيّ عن الخارجيّ بأمور ليس فيها للخارجيّ دعوى ولا متعلّق. على أن هذه الأمور التي بان بها التركيّ عن الخارجيّ، أعظم خطرا وأكثر نفعا، مما شاركه الخارجيّ في بعضها. [١٤- خصال الخوارج] ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجيّ على سائر الناس صدق

стр. 256

الشّدّة عند أوّل وهلة، وهي الدّفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون الذي أمّلوا. والثانية: الصّبر على الخبب وعلى طول السّرى، حتّى يصبح القوم [الذين مرقوا بهم] غارّين فيهجموا عليهم وهم بسوء، ولحم على وضم، يتعجّلونهم عن الرّويّة، وعن ردّ النفس عن النّزوة والجولة؛ لا يظنّون أنّ أحدا يقطع في ذلك المقدار من الزّمان ذلك المقدار من البلاد. والثالثة: أنّ الخارجيّ موصوف عند الناس بأنّه إن طلب أدرك، وإن طلب فات. والرابعة: خفّة الأزواد وقلّة الأمتعة، وأنّها تجنب الخيل وتركب البغال، وإن احتاجت أمست بأرض وأصبحت بأخرى، وأنّهم قوم حين خرجوا لم يخلّفوا الأموال الكثيرة، والجنان الملتفّة، والدّور المشيّدة، ولا ضياعا ولا مستغلّات، ولا جواري مطهّمات، و [أنهم] لا سلب لهم ولا مال معهم فيرغب الجند في لقائهم، وإنّما هم كالطّير لا تدّخر ولا تهتمّ لغد، ولها في كلّ أرض من المياه والأقوات ما تتبلّغ به، وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرّب لها البعيد، وتسهّل لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والمطعم، وإن تمنّع عليهم ففي بنات شحّاج وبنات صهّال، وخفّة الأثقال على طول الخبب، ما يسهّل أقواتها، ويكثّر من أرزاقها. والخامسة: أن الملوك إن أرسلوا إليهم اعدادهم ليكونوا في خفّة أوزارهم وأثقالهم، وليقووا على التنقّل كقوّتهم، لم يقووا عليهم؛ لأن مائة من الجند لا يقومون لمائة من الخوارج؛ وإن كثّفوا الجيش بالجيش، وضاعفوا العدد [بالعدد] ثقلوا عن طلبهم، وعن الفوت إن طلبهم عدوّهم. ومتى شاء الخارجيّ أن يقرب منهم ليتطرّفهم أو ليصيب الغرّة منهم، أو ليسلبهم، فعل ذلك ثقة بأنّه يغنم عند الفرصة ورؤية العورة، ويمكنه الهرب عند

стр. 257

الخوف. وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، أو ليقتطع القطعة منهم. قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي لها كره القوّاد لقاءهم. قال قاسم بن سيّار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وخلعتها، ونقضت العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوامّ، من ضرب المثل بالخوارج، كقول الشاعر: إذا ما البخيل والمحاذر للقرى ... رأى الضّيف مثل الأزرقيّ المجفّف وكقول الآخر: وقلب ودّ حال عن عهده ... والسّيف ينبو بيد الشّاري وكقول الآخر: لقاء الأسد أهون من لقاه ... إذا التحكيم يسهر بالأصيل فهذه زيادة قاسم بن سيّار. [١٥- خصال الاتراك] فأمّا حميد فإنّه قال: الشّدّة الأولى التركيّ فيها أحمد [أثرا، وأجمع] أمرا، وأحكم شأنا؛ لأنّ التركيّ من أجل أن تصدق شدّته ويتمكّن عزمه، ولا يكون مشترك العزم ولا منقسم لخواطر، قد عوّد برذونه ألّا ينثني وإن ثناه، أن يملا فروجه للأمر يديره مرّة أو مرّتين، وإلّا فإنّه لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه. وإنّما أراد التركيّ أن يوئس نفسه من البدوات، ومن أن يعتريه التكذيب بعد الاعتزام، لهول [اللقا] ، وحبّ الحياة؛ لأنّه إذا علم أنه قد صيّر برذونه إلى هذه الغاية حتّى لا ينثني ولا يجيبه إلى التصرّف معه إلّا بأن يصنع شيئا بين الصّفّين فيه عطبه، لم يقدم على الشّدّة إلّا بعد إحكام الأمر، والبصرة

стр. 258

بالعورة. وإنّما يريد أن يشبّه نفسه بالمحرج الذي إذا رأى أشدّ القتال لم يدع جهدا ولم يدّخر حيلة، ولينفى عن قلبه خواطر الفرار، ودواعي الرّجوع. وقال: الخارجيّ عند الشّدّة إنّما يعتمد على الطّعان، والأتراك تطعن طعن الخوارج، وإن شدّ منهم ألف فارس فرموا رشقا واحدا صرعوا ألف فارس، فما بقاء جيش على هذا النّوع من الشّدّة! والخوارج والأعراب ليست لهم رماية مذكورة على ظهور الخيل، والتركيّ يرمي الوحش والطّير، والبرجاس، والناس، والمجثّمة، والمثل الموضوعة، ويرمى وقد ملأ فروج دابّته مدبرا ومقبلا، ويمنة ويسرة، وصعدا وسفلا، ويرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوّق الخارجيّ سهما واحدا، ويركض دابّته منحدرا من جبل، أو مستفلا إلى بطن واد بأكثر مما يمكن الخارجيّ على بسيط الأرض. وللتركيّ أربعة أعين: عينان في وجهه، وعينان في قفاه. وللخارجيّ عين في مستدبر الحرب، وللخراسانيّ عين في مستقبل الحرب. فعيب الخراسانيّة أنّ لها جولة عند أوّل الالتقاء، وإن ركبوا [كسأهم] كانت هزيمتهم، وكثيرا ما يثوبون، وذاك [بعد] الخطار بالعسكر، وإطماع العدوّ في الشّدّة. والخوارج إذا ولّوا فقد ولّوا وليس لهم بعد الفرّ كرّ، إلّا ما لا يعدّ. والتركيّ ليست له جولة الخراسانيّ، وإذا أدبر فهو السّمّ الناقع، والحتف القاضي؛ لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب به وهو مقبل، ولا يؤمن وهقه، ولا انتساف الفرس، واختطاف الفارس بتلك الرّكضة. ولم يفلت من الوهق في جميع الدّهر إلّا المهلّب بن أبي صفرة، والحريش هلال، وعبّاد بن الحصين. وربّما رمى بالوهق وله فيه تدبير آخر وإن لم يجنب المرميّ معه، يوهم الجاهل أنّ ذلك إنما كان لخرق التّركي، أو لحذق المرميّ.

стр. 259

قال: وهم علّموا الفرسان حمل قوسين وثلاثة قسيّ، ومن الأوتار على حسب ذلك. قال: والتركيّ في حال شدّته، معه كلّ شيء يحتاج اليه لنفسه وسلاحه ودابّته وأداة دابّته. فأمّا الصّبر على الخبب وعلى مواصلة السّفر، وعلى طول السّرى وقطع البلاغ، فعجيب جدا. فواحدا: أنّ فرس الخارجيّ لا يصبر صبر برذون التّركي. والخارجيّ لا يحسن أن يعالج فرسه إلّا معالجة الفرسان لخيولهم والتّركي أحذق من البيطار، وأجود تقويما لبرذونه على ما يريده من الرّاضة [وهو استنتجه] ، وهو ربّاه فلوا، وتتّبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه. وقد عوّده ذلك حتّى عرفه، كما يعرف الفرس أقدم، والنّاقة حل، والجمل جاه، والبغل عدس، والحمار ساسا، وكما يعرف المجنون لقبه والصبيّ اسمه. ولو حصّلت عمر التركيّ وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابّته اكثر من جلوسه على ظهر الأرض. والتركيّ يركب فحلا أو رمكة، ويخرج غازيا أو مسافرا، أو متباعدا في طلب صيد، أو سبب من الأسباب، فتتبعه الرّمكة وأفلاؤها، إن أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش، وإن أخفق منها أو احتاج الى طعام فصد دابّة من دوابّه، وإن عطش حلب رمكة من رماكه، وإن أراح واحدة تحته ركب أخرى من غير أن ينزل الى الأرض. وليس في الأرض أحد إلّا وبدنه ينتقض على إقتيات اللّحم وحده غيره؛ وكذلك دابّته تكتفي بالعنقر والعشب والشّجر، لا يظلّها من شمس ولا يكنّها من برد. قال: وأما الصّبر على الخبب فإنّ الثّغريّين، والفرانقيّين، والخصيان والخوارج، لو اجتمعت قواهم في شخص واحد لما وفوا بتركيّ واحد. والتركيّ لا يبقى معه على طول الغاية إلّا الصّميم من دوابّه. [و] الذي يقتله التركيّ بإتعابه له، وبنفيه عند غزاته، هو الذي لا يصبر معه فرس

стр. 260

الخارجيّ، ولا يبقى معه كلّ برذون بخاريّ. ولو ساير خارجيّا لاستفرغ وسعه قبل أن يبلغ الخارجيّ عفوه. والتّركي هو الراعي، وهو السائس وهو الرائض، وهو النّخّاس، وهو البيطار، وهو الفارس. والتركيّ الواحد أمّة على حدة. قال: وإذا سار التركيّ في غير عساكر التّرك، فسار القوم عشرة أميال سار عشرين ميلا؛ لأنه ينقطع عن العسكر يمنة ويسرع في ذرى الجبال، ويستبطن قعور الأودية في طلب الصّيد؛ وهو في ذلك يرمي [كلّ] ما دبّ ودرج، وطار ووقع. قال: والتركيّ لم يسر في العساكر سير النّاس قطّ، ولا سار مستقيما قطّ. قالوا: وإذا طالت الدّلجة واشتدّ السير، وبعد المنزل، وانتصف النّهار، واشتدّ التّعب، وشغل الناس الكلال، وصمت المتسايرون فلم ينطقوا، وقطعهم ما هم فيه عن التّشاغل بالحديث، وتفسّخ كلّ شيء من شدّة الحر، وخمد كلّ شيء من شدّة البرد، وتمنّى كلّ جليد القوى على طول السّرى أن تطوى له الأرض، وكلّما رأى خيالا أو أبصر علما سرّ به واستبشر، وظنّ أنّه قد بلغ المنزل؛ فإذا بلغه الفارس نزل وهو متفحّج كأنّه صبيّ محقون، يئنّ أنين المريض، ويستريح الى التثاؤب، ويتداوى مما به بالتمطّي والتضجّع. وترى التركيّ في تلك الحال وقد سار ضعف ما ساروا وقد أتعب منكبيه كثرة النّزع، يرى قرب المنزل عيرا أو ظبيا، أو عرض له ثعلب أو أرنب، فيركض ركض مبتدىء مستأنف، كأنّ الذي سار ذلك السّير وتعب ذلك التّعب غيره. وإن بلغ الناس واديا فازدحموا على مسلكه أو [على] قنطرته، بطن برذونه فأقحمه ثم طلع من الجانب الآخر كأنّه كوكب. وإن انتهوا إلى عقبة صعبة ترك السّنن وذهب في الجبل صعدا، ثم تدلى من موضع يعجز عنه

стр. 261

الوعل؛ وأنت تحسبه مخاطرا بنفسه، للذي ترى من مطّلعه. ولو كان في كلّ ذلك مخاطرا لما دامت له السلامة مع تتابع ذلك منه. قال: ويفخر الخارجيّ بأنّه إذا طلب أدرك، وإذا طلب لم يدرك. والتركيّ ليس يحوج إلى أن يفوت؛ لأنه لا يطلب ولا يرام. ومن يروم [ما لا يطمع فيه] ؟! فهذا. على أنّا قد علمنا أنّ العلّة التي عمّت الخوارج بالنّجدة استواء حالاتهم في الدّيانة، واعتقادهم أنّ القتال دين؛ لأنّنا حين وجدنا السّجستانيّ والخراساني والجزريّ واليماميّ والمغربيّ والعمانيّ، والأزرقيّ منهم والنّجديّ والإباضيّ والصّفريّ، والمولى والعربيّ، والعجميّ والأعرابيّ، والعبيد والنّساء، والحائك والفلّاح، كلّهم يقاتل مع اختلاف الأنساب وتباين البلدان- علمنا أنّ الدّيانة هي التي سوّت بينهم، ووفّقت بينهم في ذلك. كما أنّ كلّ حجّام في الأرض من أيّ جنس كان، ومن أي بلد كان، فهو يحبّ النّبيذ، وكما أنّ أصحاب الخلقان والسّماكين والنّخّاسين والحاكة في كلّ بلد من كلّ جنس، شرار خلق الله في المبايعة والمعاملة. فعلمنا بذلك أنّ ذلك خلقة في هذه الصناعات، وبنية في هذه التّجارات، حين صاروا من بين جميع الناس كذلك. قال: ورأينا التركيّ في بلاده ليس يقاتل على دين ولا على تأويل، ولا على ملك ولا على خراج، ولا على عصبيّة ولا على غيرة دون الحرمة والمحرم، ولا على حميّة ولا على عداوة، ولا على وطن ومنع دار ولا مال؛ وإنّما يقاتل على السّلب والخيار في يده. وليس يخاف الوعيد إن هرب، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذرا. وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم. وهو الطالب غير المطلوب؛ ومن كان كذلك فإنّما يأخذ العفو من قوّته، ولا يحتاج إلى [مجهوده] . ثم هو مع ذلك لا يقوم له شيء ولا يطمع فيه أحد، فما ظنّك بمن هذه صفته أن لو اضطرّه إحراج أو غيره أو غضب أو تديّن، أو

стр. 262

عرض له بعض ما يصحب المقاتل المحامى من العلل والأسباب. قال: وقناة الخارجيّ طويلة صمّاء، وقناة التّركيّ مطرد أجوف. والقنيّ المجوّفة القصار أشدّ طعنة وأخفّ في المحمل. والعجم تجعل القنيّ الطّوال للرّجّالة، وهي قنيّ الأبناء، على أبواب الخنادق والمضايق. والأبناء في هذا الباب لا يجرون مع الأتراك والخراسانيّة؛ لأنّ الغالب على الأبناء المطاعنة على أبواب الخنادق وفي المضايق، وهؤلاء أصحاب الخيل والفرسان وعلى الخيل والفرسان تدور الجيوش، لهم الكرّ والفرّ. والفارس هو الذي يطوي الجيش طيّ السجلّ، ويفرّقهم تفريق الشعر. وليس يكون الكمين إلّا منهم ولا الطّليعة ولا السّاقة. وهم أصحاب الأيّام المذكورة والحروب الكبار والفتوح العظام، ولا تكون المقانب والكتائب الّا منهم. ومنهم من يحمل البنود والرّايات، والطّبول والتجافيف والاجراس. وهم أصحاب الصّهيل والقتام، وزجر الخيل، وقعقعة الريح في الثّياب والسّلاح ووقع الحوافر، والإدراك إذا طلبوا، والغوث إذا طلبوا. ولم يجعل النبيّ ﷺ للفارس سهمين وللراجل من المقاتلة سهما واحدا إلّا لتضاعيف الردّ في القتل والفتوح، والنّهبة والمغانم. ثم قال: ولعمري إنّ للأبناء من القتال في السّكك والسّجون والمضايق ما ليس لغيرهم. ولكن الرجّالة أبدا أتباع ومأمورون ومنقادون، وقائد الرّجّالة لا يكون [إلّا] فارسا، وقائد الفرسان من الممتنع أن يكون راجلا. ومن تعوّد الطّعان والضّرب والرمي راكبا إن اضطرّ الى الطّعن والضّرب والرمي راجلا كان على ذاك أدفع عن نفسه، وأردّ عن أصحابه، من الراجل إذا احتاج أن يستعمل سلاحه فارسا. وعلى أنّه ما أكثر ما ينزلون ويقاتلون. وقد قال الشاعر: لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النّزولا وقال الضّبيّ:

стр. 263

وعلام أركبه إذا لم أنزل وقال آخر: فمعانق ومنازل وقال حميد: وليس في الأرض قوم إلّا والتّساند في الحروب، والاشتراك في الرّياسة ضارّ لهم، إلّا الأتراك. على أنّ الأتراك لا يتساندون ولا يتشاركون؛ وذلك أنّ الذي يكره من المساندة والمشاركة اختلاف الرأي، والتنافس في السّرّ، والتحاسد بين الأشكال، والتواكل فيما بين المشتركين. والأتراك إذا صافّوا جيشا إن كان في القوم موضع عورة فكلهم قد أبصرها وعرفها؛ وإن لم تكن هناك عورة ولم يكن فيهم مطمع، وكان الرأي الانصراف، فكلّهم قد رأى ذلك الرأي وعرف الصواب فيه. وخواطرهم واحدة، ودواعيهم مستوية بإقبالهم معا. وليس هم أصحاب تأويلات ولا أصحاب تفاخر وتناشد، وإنّما شأنهم إحكام أمرهم؛ فالاختلاف يقلّ بينهم. وكانت الفرس تعيب العرب إذا خرجوا إلى الحرب متساندين، وكانت تقول: الاشتراك في الحرب وفي الزّوجة وفي الإمرة سواء. وقال حميد: فما ظنّك بقوم إذا تساندوا لم يضرّهم التّساند، فكيف يكونون إذا تحاسدوا. فلما انتهى الخبر إلى المأمون قال: ليست بالتّرك حاجة الى حكم حاكم بعد حميد؛ فإنّ حميدا قد مارس الفريقين، وحميد خراسانيّ وحميد عربيّ، فليس للتّهمة عليه طريق. قالوا: وأتى الخبر ذا اليمينين طاهر بن الحسين فقال: ما أحسن ما قال حميد. أما إنه لم يقصّر ولم يفرّط. فهذا قول الخليفة المأمون، وحكم حميد، وتصويب طاهر.

стр. 264

وخبّرني رجل من أهل خراسان أو من بني سدوس قال: سمعت أبا البطّ يقول: ويلكم، كيف أصنع بفارس يملأ فروج دابّته منحدرا من جبل، أو مصعدا في مقطع عقير، ويمكنه على ظهر الفرس ما لا يمكن الرّقّاص الأبلّيّ على ظهر الأرض. قال: وقال سعيد بن عقبة بن سلم الهنائيّ، وكان ذا رأي في الحرب وابن ذي رأي فيها: فرق ما بيننا وبين التّرك أن التّرك لم تغز قوما قطّ، ولا صافّت جيشا ولا هجمت على عدوّ كانوا عربا أو عجما، فأخرجوا إليهم أعدادهم ولقوهم بمثلهم. وليس غايتهم إلّا أن ينقادوا ليكفّوا عنهم بأسهم ومعرّتهم، ويصرفوا عنهم كيدهم. فإن هم امتنعوا من الصّلح واعتزموا إلى الحرب فليس شأنهم والذي يدور عليه أمرهم إلّا منع أنفسهم وتحصين عسكرهم، والاحتراس منهم. فأمّا أن ترقى هممهم وتسمو أنفسهم إلى الاحتيال عليهم، والتماس غرّتهم، فإنّ هذا شيء لا يخطر على بال من يحاربهم. ثم قال: وقد عرفتم حيلهم في دخول المدن من جهة حيطانها المصمتة العريضة، وحيلتهم في عبور نهر بلخ. وسعيد هذا هو الذي قال: إذا حاربتم وكنتم ثلاثة فاجعلوا واحدا مددا، وآخر كمينا. وله كلام في الحرب غير هذا كثير. قال سعيد: وأخبرني أبي قال: شهدت أبا الخطّاب يزيد بن قتادة بن دعامة الفقيه، وذكر قول عمر بن الخطاب ﵁ في التّرك حيث قال: «عدوّ شديد طلبه، قليل سلبه» ، فقال رجل من العالية: نهى عمر أبا زبيد الطائيّ عن وصف الأسد، لأن ذلك مما يزيد في رعب الجبان، وفي هول الجنان، ويقلّ من رغب الشّجاع، وقد وصف التّرك بأشدّ من وصف أبي زبيد الأسد. وقال سعيد في حديثه يومئذ، وقد قطعت شرذمة منهم بلاد أبي خزيمة- يريد حمزة بن أدرك الخارجيّ- وما والى خراسان [في] بعض الأمر، وحمزة في

стр. 265

معظم الناس، فقال لأصحابه: أفرجوا لهم ما تركوكم، ولا تتعرّضوا لهم؛ فإنّه قد قيل: «تاركوهم ما تاركوكم» . فهذا قول سعيد بن عقبة ورأيه وحديثه؛ وهو عربيّ خراساني وذكر يزيد بن مزيد الوقعة التي قتل فيها يولبا التركيّ الوليد بن طريف الخارجيّ، فقال في بعض ما يصف من شأن التّرك: ليس لبدن التّركي على ظهر الدابّة ثقل، ولا لمشيه على الأرض وقع، وإنّه ليرى وهو مدبر ما لا يرى الفارس منّا وهو مقبل. وهو يرى الفارس منا صيدا ويعدّ نفسه فهدا، ويعدّه ظبيا ويعدّ نفسه كلبا. والله لو رمي به في قعر بئر مكتوفا لما أعجزته الحيلة؟ ولولا أنّ أعمار عامّتهم تقصر دون الجبل- يعني جبل حلوان- ثم همّوا بنا، لألقوا لنا شغلا طويلا. وأنشد رجل من أصحابه: هب الدنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى زوال قال: أمّا التّركي فلأن ينال الكفاف غصبا أحبّ إليه من أن ينال الملك عفوا. ولم يتهنّ تركيّ بطعام إلّا أن يكون صيدا أو مغنما، ولا يعزّ على ظهر دابّته طالبا كان أو مطلوبا. وقال ثمامة بن أشرس، وكان مثل محمّد بن الجهم في كثرة ذكره للتّرك. قال ثمامة: التركيّ لا يخاف إلّا مخوفا ولا يطمع في غير مطمع، ولا يكفّه عن الطّلب إلّا اليأس صرفا، ولا يدع القليل حتّى يصيب أكثر منه، وان قدر أن يجمعها لم يفرّط في واحد منهما. والباب الذي لا يحسنه لا يحسن منه شيئا، والباب الذي يحسنه قد أحكمه بأسره وأمرّه وخفيّه عنده كظاهره، ولا يتشاغل بشيء ليس فيه شيء، ولا على نفسه من شيء. فلولا أن يجمّ نفسه بالنّوم لما نام، على إنّ نومه مشوب باليقظة، ويقظته سليمة من الوسنة. ولو كان في شقّهم أنبياء، وفي أرضهم حكماء، وكانت هذه الخواطر قد مرّت على قلوبهم، وقرعت أسماعهم، لأنسوك أدب البصريّين، وحكمة اليونانيّين، وصنعة أهل

стр. 266

الصّين. وقال ثمامة: عرض لنا في طريق خراسان تركيّ ومعنا قائد يصول بنفسه ورجاله، وبيننا وبين التركيّ واد، فسأله أن يبارزه فارس من القوم، فأخرج له رجلا لم أر قطّ أكمل منه، ولا أحسن تماما وقواما منه، فاحتال حتّى عبر إليهم الفارس، فتجاولا ساعة، ولا نظنّ إلّا أنّ صاحبنا يفي بأضعافه، وهو في ذلك يتباعد عنّا. فبينا هما في ذلك إذ ولّى عنه التّركي كالهارب منه، وفعل ذلك في موضع ظنّنا أنّ صاحبنا قد ظهر عليه، وأتبعه الفارس لا نشكّ إلّا أنّه سيأتينا برأسه، أو يأتينا به مجنوبا إلى فرسه، [فلم نشعر] إلّا وصاحبنا قد أفلت عن فرسه وغاب عنه، فنزل التركيّ إليه فأخذ سلبه وقتله، ثم عارض فرسه فجنبه إليه معه. قال ثمامة: ثم رأيت بعد ذلك التركيّ قد جيء به أسيرا إلى دار الفضل ابن سهل، فقلت له: كيف صنعت يومئذ، وكيف طاولته ثمّ علاك ثم وليت عنه هاربا ثم قتلته؟ قال: أما إنّي لو شئت أن أقتله حين عبر؛ وقد كان مقتله بارزا لي، ولكنّي احتلت عليه حتّى نحّيته عن أصحابه لأجوّزه، فلا يحال بيني وبين فرسه وسلبه. قال ثمامة: وإذا هو يدير الفارس من سائر الناس ويريغه كيف شاء وأحب. قال ثمامة: وقد غبرت في أيديهم أسيرا فما رأيت كإكرامهم وتحفهم وألطافهم. فهذا ثمامة بن أشرس، وهو عربيّ لا يتّهم في الإخبار عنهم. وأنا أخبرك أنّي قد رأيت منهم شيئا عجيبا وأمرا غريبا: رأيت في بعض غزوات المأمون سماطي خيل على جنبتي الطّريق بقرب المنزل، مائة فارس من الأتراك في الجانب الأيمن، ومائة من سائر الناس في الجانب الأيسر، وإذا هم قد اصطفوا ينتظرون مجيء المأمون، وقد انتصف النّهار واشتدّ الحر. فورد عليهم

стр. 267

وجمع الأتراك جلوس على ظهور خيولهم إلّا ثلاثة أو أربعة، وجميع تلك الأخلاط من الجند قد رموا بنفوسهم الى الأرض إلّا ثلاثة أو أربعة. فقلت لصاحب لي: انظر أيّ شيء اتّفق لنا. أشهد أنّ المعتصم كان أعرف بهم حين جمعهم واصطنعهم. وأردت مرة القاطول- وهي المباركة- وأنا خارج من بغداد، وأرى فوارس من أهل خراسان والأبناء وغيرهم من أصناف الجند، قد عار لهم فرس، وهم على خيل عتاق يريغونه فلا يقدرون على أخذه، ومرّ تركيّ ولم يكن من ذوي هيئاتهم وذوي القدر منهم، وهو على برذون له خسيس، وهم على الخيول المطهّمة، فاعترض الفرس اعتراضا، وقتله قتلا وحيّا؛ وأتاه من زجره بشيء، فوقف أولئك الجند وصاروا نظّارة، فقال بعضهم ممن كان يزري على ذلك التركيّ: هذا وأبيك التكلّف والتعرّض: أنّ فرسا قد أعجزهم وهم أسد البلاد، وجاء هذا مع قصر قامته وضعف دابّته، فطمع أن يأخذه. فما انقضى كلامه حتّى أقبل به ثمّ سلّمه إليهم ومضى لطلبته، لم ينتظر ثناءهم ولا دعاءهم، ولا أراهم أنّه قد صنع شيئا، أو أتى إليهم معروفا. والأتراك قوم لا يعرفون الملق ولا الخلابة، ولا النّفاق ولا السّعاية، ولا التصنّع ولا النّميمة ولا الرّياء، ولا البذخ على الأولياء، ولا البغي على الخلطاء، ولا يعرفون البدع، ولم تفسدهم الأهواء، ولا يستحلّون الأموال على التأوّل، وإنما كان عيبهم، والذي يوحش منهم، الحنين إلى الأوطان، وحبّ التقلّب في البلدان، والصّبابة بالغارات، والشّغف بالنّهب، وشدّة الإلف للعادة، مع ما كانوا يتذاكرون من سرور الظفر وتتابعه، وحلاوة المغنم وكثرته، وملاعبهم في تلك الصّحاري، وتردّدهم في تلك المروج، وألّا يذهب بطول الفراغ فضل نجدتهم باطلا، ويصير حدّهم على طول الأيام كليلا. ومن حذق شيئا لم يصبر عنه، ومن كره أمرا فرّ منه. .. وإنّما خصّوا بالحنين من بين جميع العجم لأنّ في تركيبهم وأخلاط طبائعهم

стр. 268

من تركيب بلدهم وتربيتهم، ومشاكلة مياههم ومناسبة إخوانهم، ما ليس مع أحد سواهم، ألا ترى أنّك ترى البصريّ فلا تدري أبصريّ هو أم كوفيّ، وترى المكّيّ فلا تدري أمكّيّ هو أم مدنيّ. وترى الجبليّ فلا تدري أجبليّ هو أم خراسانيّ، وترى الجزريّ فلا تدري أجزريّ هو أم شاميّ. وأنت لا تغلط في التركيّ، ولا تحتاج فيه إلى قيافة ولا إلى فراسة، ولا إلى مساءلة. ونساؤهم كرجالهم، ودوابّهم تركيّة مثلهم. وهكذا طبع الله تلك البلدة، وقسم لتلك التّربة. وجميع دور الدنيا ونشوّها إلى منتهى قواها ومدّة أجلها، جارية على عللها، وعلى مقدار أسبابها، على قدر ما خصّها الله تعالى به وأبانها، وجعل فيها. فإذا صاروا إلى دار الجزاء، فهي كما قال الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً. وكذلك ترى أبناء العرب والأعراب الذين نزلوا خراسان، لا تفصل بين من نزل أبوه بفرغانة وبين أهل فرغانة، ولا ترى بينهم فرقا في السّبال الصّهب والجلود القشرة، والأقفاء العظيمة، والاكسية الفرغانية. وكذلك جميع تلك الارباع، لا تفصل بين أبناء النازلة وبين أبناء النّابتة. ومحبّة الوطن شيء شامل لجميع الناس، وغالب على جميع الجيرة. ولكن ذاك في التّرك أغلب، وفيها أرسخ؛ لما معها من خاصّة المشاكلة والمناسبة، واستواء الشّبه، وتكافي التركيب. ألا ترى أنّ العبديّ يقول: «عمّر الله البلدان بحبّ الأوطان» ، وأنّ ابن الزّبير قال: «ليس الناس بشيء من اقسامهم أقنع منهم بأوطانهم» ، وأنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لولا تفرّق أهواء العباد لما عمّر الله البلاد» ، وأنّ جمعة الإياديّة قالت: «لولا ما أوصى الله به العباد من قفر البلاد، لما وسعهم واد ولا كفاهم زاد» . وذكر قتيبة بن مسلم التّرك فقال: «هم والله أحنّ من الإبل المعقّلة إلى أوطانها» ؛ لأنّ البعير يحنّ إلى وطنه وعطنه، وهو بعمان، من ظهر البصرة، فهو يخبط كلّ شيء ويستبطن كلّ واد، حتّى يأتي مكانه؛ على أنّه طريق لم يسلكه إلّا

стр. 269

مرة واحدة، فلا يزال بالشّمّ والاسترواح وحسن الاستدلال، وبالطبيعة المخصوص بها حتّى يأتي مبركه، على بعد ما بين عمان والبصرة. فلذلك ضرب به قتيبة المثل. والشّحّ على الوطن [والحنين إليه] ، والصّبابة به، مذكورة في القرآن، مخطوطة في [الصّحف بين] جميع الناس. غير أنّ التركيّ للعلل التي ذكرناها أشدّ حنينا وأكثر نزوعا. وباب آخر، ممّا كان يدعوهم الى الرجوع قبل العزم الثابت، والعادة المنقوضة: وذلك أنّ التّرك قوم يشتدّ عليهم الحصر [والجثوم] ، وطول اللّبث والمكث، وقلّة التصرّف والتحرّك، وأصل بنيتهم إنّما وضع على الحركة، وليس للسكون فيها نصيب، وفي قوى أنفسهم فضل على قوى أبدانهم، وهم أصحاب توقّد وحرارة واشتعال وفطنة، كثيرة خواطرهم، سريع لحظهم، وكانوا يرون الكفاية معجزة، وطول المقام بلادة، والراحة عقلة، والقناعة من قصر الهمّة؛ وأنّ ترك الغزو يورث الذّلّة. وقد قالت العرب في مثل ذلك: قال عبد الله بن وهب الراسبيّ: «حب الهوينا يكسب النّصب» . والعرب تقول: «من غلا دماغه في الصّيف غلت قدره في الشّتاء» . وقال أكثم بن صيفيّ: «ما أحبّ أنّي مكفيّ كلّ أمر الدنيا» . قيل: ولم؟ قال: «أخاف العجز» . فهذه كانت علل التّرك في حبّ الرّجوع والحنين إلى الوطن. ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشّرود ويبعثهم على الرجوع، ويكرّه عندهم المقام، ما كانوا فيه من جهل قوّادهم بأقدارهم، وقلّة معرفتهم بأخطارهم، وإغفالهم موضع الرّد عليهم والانفتاع بهم، حتّى جعلوهم أسوة أجنادهم، ولم يقنعوا أن يكونوا في الحاشية والحشوة، وفي غمار العامّة ومن عرض العساكر، وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ما يجب لهم، ورأوا أنّ

стр. 270

الضّيم لا يليق بهم؛ وأنّ الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم في المقام على من لا يعرف حقّهم ألوم ممّن منعهم حقّهم، فلمّا صادفوا ملكا حكيما، وبأقدار النّاس عليما، لا يميل إلى [سوء] عادة ولا يجنح إلى هوى، ولا يتعصّب لبلد على بلد؛ يدور مع التدبير حيثما دار، ويقيم مع الحقّ حيثما أقام، أقاموا إقامة من قد فهم الحظّ، ودان بالحقّ ونبذ العادة، وآثر الحقيقة، ورحل نفسه لقطيعة وطنه، وآثر الإمامة على ملك الجبريّة، واختار الصّواب على الإلف. [١٦- مقارنة الأمم] ثم اعلم بعد هذا كلّه أنّ كلّ أمة وقرن، وكلّ جيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في الصّناعات، وفضلوا النّاس في البيان، أو فاقوهم في الآداب، وفي تأسيس الملك، وفي البصر بالحرب؛ فإنّك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلّا أن يكون الله قد سخّرهم لذلك المعنى بالأسباب، [وقصرهم] عليه بالعلل التي تقابل تلك الأمور، وتصلح لتلك المعاين؛ لأنّ من كان متقسّم الهوى، مشترك الرّأي، ومتشعّب النفس، غير مؤفّر على ذلك الشّيء ولا مهيّأ له، لم يحذق من تلك الأشياء [شيئا] بأسره، ولم يبلغ فيه غايته، كأهل الصين في الصناعات، واليونانيّين في الحكم والآداب، والعرب فيما نحن فيه ذاكروه في موضعه، وآل ساسان في الملك، والأتراك في الحروب. ألا ترى أنّ اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجّارا ولا صنّاعا بأكفّهم، ولا أصحاب زرع ولا فلاحة وبناء وغرس، ولا أصحاب جمع ومنع، وحرص وكدّ، وكانت الملوك تفرّغهم، وتجرى عليهم كفايتهم، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة، وقوّة وافرة، وأذهان فارغة، حتّى استخرجوا الآلات والأدوات، والملاهي التي تكون جماما للنّفس، وراحة بعد الكدّ، وسرورا يداوي قرح الهموم، فصنعوا من المرافق، وصاغوا من المنافع كالقرصطونات، والقبّانات، والأسطرلابات، وآلة الساعات، والكالكونيا والكشيزان والبركار وكأصناف المزامير والمعازف، وكالطبّ والحساب والهندسة واللّحون، وآلات الحرب كالمجانيق، والعرّادات،

стр. 271

والرّتيلات، والدّبّابات، وآلة النّفّاط، وغير ذلك ممّا يطول ذكره. وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا فعلة؛ يصوّرون الآلة، ويخرطون الأداة، ويصوغون المثل ولا يحسنون العمل بها، ويشيرون إليها ولا يمسّونها، ويرغّبون في العلم ويرغبون عن العمل. فأمّا سكّان الصين فهم أصحاب السّبك والصياغة، والإفراغ والإذابة والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنّحت والتصاوير، والنّسخ والخطّ، ورفق الكفّ في كلّ شيء يتولّونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه. واليونانيون يعرفون الفلك، لأنّ أولئك حكماء وهؤلاء فعلة. وكذلك العرب، لم يكونوا تجّارا ولا صنّاعا، ولا أطبّاء ولا حسّابا، ولا أصحاب فلاحة فيكونون مهنة، ولا أصحاب زرع، لخوفهم من صغار الجزية. ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم وطلب ما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورؤوس المكاييل، [ولا عرفوا الدّوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة] ، ولم يستغنوا الغنى الذي يورث البلدة، والثروة التي تحدث الغرّة، ولم يحتملوا ذلّا قطّ فيميت قلوبهم ويصغّر عندهم أنفسم. وكانوا سكان فياف وتربية العراء، ولا يعرفون الغمق ولا اللنق، ولا البخار ولا الغلظ ولا العفن، ولا التّخم. أذهان جداد، ونفوس منكرة، فحين حملوا حدّهم ووجّهوا قواهم لقول الشّعر وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام، بعد قيافة الأثر وحفظ النّسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآفاق، وتعرّف الأنواء، والبصر بالخيل والسّلاح وآلة الحرب، والحفظ لكلّ مسموع والاعتبار بكلّ محسوس، وإحكام شأن المثالب والمناقب، بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كلّ أمنيّة. وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع من جميع الأمم وأفخر، ولأيّامهم أحفظ وأذكر.

стр. 272

وكذلك التّرك أصحاب عمد وسكّان فياف وأرباب مواش، وهم أعراب العجم كما أنّ هذيلا أكراد العرب. فحين لم تشغلهم الصّناعات والتّجارات، والطّبّ والفلاحة والهندسة؛ ولا غرس ولا بنيان، ولا شقّ أنهار، ولا جباية غلّات، ولم يكن همّهم غير الغزو والغارة والصّيد وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم وتدويخ البلدان، وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة وكانت لهذه المعاني والأسباب مسخّرة ومقصورة عليها، وموصولة بها، أحكموا ذلك الأمر بأسره، وأتوا على آخره، و] صار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم، [ولذّتهم] وفخرهم، وحديثهم وسمرهم. فلمّا كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، وأهل الصّين في الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزّلنا، وكآل ساسان في الملك والرياسة. ومما يستدلّ به على أنّهم قد استقصوا هذا الباب واستغرقوه، وبلغوا أقصى غايته وتعرّفوه، أنّ السّيف إلى أن يتقلّده متقلّد، أو يضرب به ضارب، قد مرّ على أيد كثيرة، وعلى طبقات من الصّنّاع، كلّ واحد منهم لا يعمل عمل صاحبه، ولا يحسنه ولا يدّعيه ولا يتكلّفه، لأنّ الذي يذيب حديد السّيف ويطبعه، ويصفّيه ويهذّبه، غير الذي يمدّه ويمطله؛ والذي يمدّه ويمطله غير الذي يطبعه ويسوّي متنه، ويقيم خشيبته؛ والذي يطبعه ويسوّي متنه غير الذي يسقيه ويرهفه، والذي يرهفه غير الذي ي يركّب قبيعته ويستوثق من سيلانه، والذي يعمل مسامير السّيلان و [شاربي] القبيعة ونصل السيف غير الذي ينحت خشب غمده، والذي ينحت خشب غمده غير الذي يدبغ جلده، والذي يدبغ جلده غير الذي يحلّيه، والذي يحلّيه ويركّب نعله غير الذي يخرز حمائله. وكذلك السّرج، وحالات السّهم والجعبة والرّمح وجميع السلاح، مما هو جارح أو جنّة. والتركيّ يعمل هذا كلّه لنفسه من ابتدائه الى غايته، فلا يستعين برفيق، ولا يفزع فيه إلى صديق، ولا يختلف إلى صانع، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه، وأكاذيب مواعيده، وبغرم كرائه.

стр. 273

وحين بلغ أوس بن حجر صفة القانص، وبلغ له الغاية في جمعه لأبواب الكفاية بنفسه، قال: قصيّ مبيت اللّيل للصّيد مطعم ... لأسهمه غار وبار وراصف وليس أنه ليس في الأرض تركيّ إلّا وهو كما وصفنا، كما أنّه ليس كل يونانيّ حكيما ولا كل صينيّ غاية في الحذق، ولا كلّ أعرابيّ شاعرا قائفا، ولكنّ هذه الأمور في هؤلاء أعمّ وأتمّ، وهي فيهم أظهر وأكثر. قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النّجدة والفروسيّة في التّرك دون جميع الأمم، وفي العلل التي من أجلها انتظموا جميع معاني الحرب، وهي معان تشتمل على مذاهب غريبة، وخصال عجيبة. فمنها: ما يقضى لأهله بالكرم وببعد الهمّة وطلب الغاية. ومنها: ما يدلّ على الأدب السّديد والرأي الأصيل، والفطنة الثاقبة والبصيرة النافذة. [ألا ترى أنّه ليس بدّ لصاحب الحرب من الحلم والعلم، والحزم والعزم، والصبر والكتمان، ومن الثقافة] ، وقلّة الغفلة وكثرة التجربة. ولا بدّ من البصر بالخيل والسلاح، [والخبرة] بالرّجال وبالبلاد، والعلم بالمكان والزّمان والمكايد، وبما فيه صلاح هذه الأمور كلّها. والملك يحتاج إلى أواخ شداد وأسباب متان، ومن أتمّها سببا وأعمقها نفعا ما ثبّته في نصابه، وأقرّه وسكّنه في قراره، وزاد في تمكّنه وبهائه، وقطع أسباب المطمعة فيه، ومنع أيدي البغاة من الأشارة اليه فضلا عن البسط عليه. قال: ثم إنّ التّرك عطفت على العرب بالمحاجّة والمقايسة، وقالوا: قلتم إن تكن القرابة مما يستحقّ بالكفاية فنحن أقدم في الطّاعة والودّ والمناصحة، وإن تكن تستحقّ بالقرابة فنحن أقرب قرابة. قالوا: والعرب بعد هذا صنفان: عدنان وقحطان. فأمّا القحطانيّ فنسبتنا إلى الخلفاء أقرب من نسبتهم، ونحن أمسّ بهم رحما؛ لأن الخليفة من ولد

стр. 274

اسماعيل بن ابراهيم، دون قحطان وعابر. وولد إبراهيم ﵇ إسماعيل، وأمّه هاجر، وهي قبطيّة. وإسحاق وأمّه سارة وهي سريانيّة. والستّة الباقون أمّهم قطورا بنت مفطون عربيّة، من العرب العاربة. وفي قول القحطانية: إنّ أمّنا أشرف في الحسب إذ كانت عربية. وأربعة من الستّة هم الذين وقعوا بخراسان، فأولدوا ترك خراسان. فهذا قولنا للقحطانيّ. وأما قولنا للعدنانيّ، فإبراهيم أبونا، وإسماعيل عمّنا، وقرابتنا من إسماعيل كقرابتهم. قال الهيثم بن عديّ: قيل لمبارك التّركي، وعنده حمّاد التركي: إنّكم من مذحج. قال: ومذحج هذا من هو ذاك؟ وما نعرف إلّا إبراهيم خليل الله وأمير المؤمنين. قال الهيثم: وقد كان سقط إلى بلاد الترك رجل من مذحج فأنسل نسلا كثيرا، ولذلك قال شاعر الشّعوبية للعرب في قصيدة طويلة: زعمتم بأنّ الترك أبناء مذحج ... وبينكم قربى وبين البرابر وذلكم نسل ابن ضبّة باسل ... وصوفان أنسال كثير الجرائر وقال آخر: متى كانت الأتراك أبناء مذحج ... ألا إنّ في الدنيا عجيبا لمن عجب وقد سمعتم ما جاء في سدّ بني قطورا وشأن خيولهم بنخل السّواد، وإنّما كان الحديث على وجه التّهويل والتخويف بهم لجميع الناس، فصاروا للإسلام مادّة [و] جندا كثيفا، وللخلفاء وقاية وموئلا وجنّة حصينة، وشعارا دون الدّثار. وفي المأثور من الخبر: «تاركوا التّرك ما تاركوكم» . وهذه وصيّة لجميع العرب؛ فإنّ الرأي متاركتنا ومسالمتنا. وما ظنّكم بقوم لم يعرض لهم ذو

стр. 275

القرنين. وبقوله «اتركوهم» سمّوا التّرك. هذا بعد أن غلب على جميع الأرض غلبة وقسرا، وعنوة وقهرا. وقال عمر بن الخطاب ﵁: «هذا عدوّ شديد كلبه، قليل سلبه» . فنهى كما ترى عن التعرّض لهم؛ بأحسن كناية. والعرب إذا ضربت المثل في العداوة الشديدة قالوا: ما هم إلّا التّرك والدّيلم. قال عملس بن عقيل بن علفة: تبدّلت منه بعد ما شاب مفرقي ... عداوة تركيّ وبغض أبي حسل وأبو حسل هو الضّبّ. والعرب تقول: «هو أعقّ من ضبّ» : لأنّه يأكل أولاده. ولم يرعب قلوب أجناد العرب مثل التّرك. وقال خلف الأحمر: كأنّي حين أرهنهم بنيّي ... دفعتهم إلى صهب السّبال قال: وإياهم عنى أوس بن حجر: نكّبتها ماءهم لما رأيتهم ... شهب السّبال بأيديهم بيازير وحدثني ابراهيم بن السّندي مولى أمير المؤمنين، وكان عالما بالدّولة، شديد الحبّ لأبناء الدّعوة، وكان يحوط مواليه ويحفظ أيّامهم، ويدعو الناس إلى طاعتهم، ويدرسهم منقابهم، وكان فخم المعاني فخم الألفاظ، لو قلت لسانه كان أردّ على هذا الملك من عشرة آلاف سيف شهير، وسنان طرير، لكان ذلك قولا ومذهبا. قال: حدّثني عبد الملك بن صالح، عن أبيه صالح بن علي، أنّ خاقان ملك الترك واقف مرة الجنيد بن عبد الرحمن أمير خراسان، وقد كان الجنيد هاله أمره، وأفزعه شأنه، وتعاظمه جموعه وجمعه، وبعل به، وفطن به خاقان وعرف ما قد وقع فيه، فأرسل اليه:

стр. 276

«إنّي لم أقف هذا الموقف وأمسك هذا الإمساك وأنا أريد مكروها، فلا ترع. ولو كنت أريد غلبة أو مكروها لقد كنت انتسفت عسكرك انتسافا أعجلك فيه عن الرويّة وقد أبصرت موضع العورة. ولولا أن تعرف هذه المكيدة فتعود بها على غيري من الأتراك، لعرّفتك موضع الانتشار والخلل والخطأ في عسكرك وتعبيتك. وقد بلغني أنّك رجل عاقل، وأنّ لك شرفا في بيتك وفضلا في نفسك، وعلما بدينك، وقد أحببت أن أسأل عن شيء من أحكامكم لأعرف به مذهبكم، فاخرج إليّ في خاصّتك لأخرج إليك وحدي، وأسائلك عما أحتاج إليه بنفسي. ولا تحتفل ولا تحترس؛ فليس مثلي من غدر، وليس مثلي يؤمن من نفسه، ومن مكره وكيده، ثم ينكث بوعده. ونحن قوم لا نخدع بالعمل، ولا نستحسن الخديعة إلّا في الحرب، ولو استقام أمر الحرب بغير خديعة لما جوّزنا ذلك لأنفسنا» . فأبى الجنيد أن يخرج اليه إلّا وحده، ففصلا من الصّوف. وقال: سل عمّا أحببت، فإن كان عندي جواب أرضاه أجبتك، وإلّا أشرت عليك بمن هو أبصر بذلك منّي. قال: ما حكمكم في الزّاني؟ قال الجنيد: الزّاني عندنا رجلان: رجل دفعنا إليه امرأة تغنيه عن حرم النّاس، وتكفّه عن حرم الجيران؛ ورجل لم نعطه ذلك، ولم نحل بينه وبين أن يفعل ذلك لنفسه. فأمّا الذي لا زوجة له فإنّا نجلده مائة جلدة ونحضر ذلك الجماعة من الناس لنشهّره ونحذّره به، ونغرّبه في البلدان لنزيد في شهرته وفي التّحذير منه، ولينزجر بذلك كلّ من كان يهمّ بمثل عمله. فأما الذي قد [أغنيناه] فإنا نرجمه بالجندل حتّى نقتله. قال: حسن جميل، وتدبير كبير، فما قولكم في الذي يقذف عفيفا بالزّنى؟ قال: يجلد ثمانين جلدة، ولا نقبل له شهادة، ولا نصدّق له حديثا.

стр. 277

قال: حسن جميل، وتدبير كبير، فما حكمكم في السارق؟ قال: السّارق عندنا رجلان: رجل يحتال لما قد أحرزه الناس من أموالهم حتّى يأخذها بنقب حيطانهم وبالتسلّق من أعالي دورهم؛ فهذا نقطع يده التي سرق بها، ونقب بها، واعتمد عليها. ورجل آخر يخيف السبيل، وبقطع الطّريق، ويكايد على الأموال، ويشهر السّلاح فإن منعه صاحب المتاع قتله، فهذا نقتله ونصلبه على المناهج والطّرق. قال: حسن جميل، وتدبير كبير. قال: فما حكمكم في الغاصب والمستلب؟ قال: كلّ ما فيه الشّبهة ويجوز فيه الغلط والوجوه، كالغصب والاستلاب، والجناية، والسّرقة لما يؤكل أو يشرب فإنا لا نقطع فيما فيه شبهة ونتمحّل لذلك وجها غير السّرقة. قال: حسن جميل وتدبير كبير. قال: فما حكمحم في القاتل وقاطع الأذن والأنف؟ قال: النّفس بالنّفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف. وإن قتل رجلا عشرة قتلناهم. ونقتل القويّ البدن بالضّعيف البدن، وكذلك اليد والرّجل. قال: حسن جميل وتدبير كبير. قال: فما تقولون في الكذّاب والنّمّام والضّراط. قال: عندنا فيهم الإقصاء لهم وإبعادهم وإهانتهم، ولا نقبل شهادتهم، ولا نصدّق أحكامهم. قال: وليس إلّا هذا؟ قال: هذا جوابنا على ديننا. قال له: أمّا النمام عندي، هو الذي يضرّب بين الناس، فإنّي أحبسه في مكان لا يرى فيه أحدا. وأمّا الضّرّاط فإنّي أكوي استه، وأعاقب ذلك المكان

стр. 278

فيه. وأمّا الكذّاب فإنّي أقطع الجارحة التي بها يكذب، كما قطعتم اليد التي بها يسرق، وأمّا الذي يضحك الناس ويعوّدهم السّخف فإنّي أخرجه من سلطاني، وأصلح بإخراجه عقول رعيتي. قال: فقال الجنيد بن عبد الرحمن: أنتم قوم تردّون أحكامكم إلى جواز العقول، وإلى ما يحسن في ظاهر الرأي؛ ونحن قوم نتبع الأنبياء، ونرى أن لم نصلح على تدبير العباد. وذلك أنّ الله تعالى أعلم بغيب المصالح وسرّ الأمر وحقائقه، ومحصوله وعواقبه، والناس لا يعلمون ولا يرون الحزم إلّا على ظاهر الأمور. وكم من مضيع يسلم، وحازم يعطب. قال: ما قلت كلاما أشرف من هذا، ولقد ألقيت لي فكرا طويلا. قال إبراهيم: قال عبد الملك: قال صالح: قال الجنيد: فلم أر أوفى ولا أنصف ولا أفهم ولا أذكى منه. ولقد واقفته ثلاث ساعات من النهار وما تحرّك منه شيء إلّا لسانه، وما منّي شيء لم أحرّكه. وهكذا يصفون ملوك التّرك، يزعمون أنّ ساسان وخاقان الأكبر، تواقفا ببعض الكسور، وفصلا من الصّفّين، وطالت المناجاة، فلما انفتلا قالوا: كان خاقان أركن وآدب، وكان مركب كسرى أركن وآدب، ولم يتحرّك من خاقان إلّا لسانه، وكان برذونه يرفع قائمة ويضع أخرى، وكان مركب كسرى كأنّما صبّ صبّا، وكان كسرى يحرّك رأسه ويشير بيده. قالوا: ومن الأعاجيب أنّ الحارث بن كعب لا يقوم لحزم، وحزم لا تقوم لكندة، وكندة لا تقوم للحارث بن كعب. قالوا: ومثل ذلك من الأعاجيب في الحارث: أنّ العرب لا تقوم للتّرك، والتّرك لا تقوم للرّوم، والرّوم لا تقوم للعرب. قال جهم بن صفوان الترمذيّ: قد عرفنا ما كان بين فارس والتّرك من الحرب، حتّى تزوّج كسرى أبرويز، خاتون بنت خاقان، يستميله بذلك

стр. 279

الصّهر، ويدفع بأسه عنه. وقد عرفنا الحروب التي كانت بين فارس والرّوم، وكيف تساجلوا الظفر، وبأيّ سبب غرس الزّيتون بالمدائن وسوسا، وبأيّ سبب بنيت الرّوميّة ولم سمّيت بذلك، ولم بنى كسرى على الخليج قبالة قسطنطينيّة النّواويس وبيوت النار. ولكن متى ظهرت الرّوم على ترك خراسان ظهورا مواليا، ضربوا بها المثل إلى آخر دار مسه، ومن هناك من الأشباه، ومن يتخلّل هذا النسب. وكانت خاتون بنت خاقان عند أبرويز فولدت له شيرويه. وقد ملك شيرويه بعد أبرويز، فتزوّج شيرويه مريم بنت قيصر، فولدت له فيروزا شاهي أمّ يزيد الناقص والوليد. وكان يقول: ولدني أربعة أملاك: كسرى، وخاقان، وقيصر، ومروان. وكان يرتجز في حروبه التي قتل فيها الوليد بن يزيد بن عاتكة: أنا ابن كسرى وأبي خاقان ... وقيصر جدّي وجدّي مروان فلما صار إلى الافتخار في شعره بالنّجدة والثّفافة بالحرب، لم يفخر إلّا بخاقان فقط فقال: فإن كنت أرمي مقبلا ثم مدبرا ... وأطلع من طود زليق على مهر فخاقان جدّي فاعرفي ذاك واذكري ... أخابيره في السّهل والجبل الوعر قوله «وأطلع» يريد: وأنزل، وهي لغة أهل الشام وأخذوها من نازلة العرب في أوّل الدهر. وجعل دابّته مهرا، لأنّ ذلك أشدّ وأشقّ. وقال الفضل بن العبّاس بن رزين: أتانا ذات يوم فرسان من التّرك، فلم يبق أحد ممن كان خارجا إلّا دخل حصنه وأغلق بابه، وأحاطوا بحصن من تلك الحصون، وأبصر فارس منهم شيخا يطّلع إليهم من فوق، فقال له التركيّ: لئن لم تنزل إليّ لأقتلنّك قتلة ما قتلتها أحدا! قال: فنزل إليه وفتح له الباب، ودخلوا الحصن، واكتسحوا كلّ شيء فيه، فضحك من نزوله إليه وفتحه له وهو

стр. 280

في أحصن موضع وأمنع مكان، ثم أقبل به إلى حصن أنا فيه فقال: اشتروه منّي. قلنا: لا حاجة لنا في ذلك. قال: فإنّي أبيعه بدرهم واحد. فرمينا إليه بدرهم فخلّى سبيله، ثمّ أدبر عنا ومضى مع أصحابه، فما لبث إلّا قليلا حتّى عاد إلينا فوقف حيث نسمع كلامه، فراعنا ذلك، فأخرج الدّرهم من فمه وكسره بنصفين. وقال: لا يسوى درهما، وهذا غبن فاحش، فخذوا هذا النّصف، وهو على كلّ حال غال جدّا بالنّصف الآخر. قال: فإذا هو أظرف الخلق. قال: وكنّا نعرف ذلك الرجل بالجبن، وقد كان سمع باحتيال التّرك في دخول المدن وعبور الأنهار في الحروب، فتوهّم أنه لم يتوعّد بفتح الباب. وقال ثمامة: ما شبّهت الذّرّ إلّا بالتّرك؛ لأنّ كلّ ذرّة على حدتها معها من المعرفة بادّخار الطّعم، ومن الشّمّ والاسترواح، ونجب المدّخر حتّى لا ينبت في جحره، ثم الاحتيال للناس في الاحتيال لها بالصّمامة والعفاص والمزدجر، وتعليق الطّعام على الأوتاد والبرّادات، مثل الذّرّ مع صاحبتها. وقال أبو موسى الأشعري: كل جنس يحتاج الى أمير ورئيس ومدبّر، حتّى الذّرّ. وروى أبو عمر الضّرير، أن رئيس الذّرّ الرّائد الذي يخرج أوّلا لشيء قد شمّه دون أصحابه، لخصوصيّة خصّه الله تعالى بها، ولطافة الحسّ، فإذا حاول حمله وتعاطى نقله، وأعجزه ذلك بعد أن يبلي عذرا، أتاهنّ فأخبرهنّ فرجع، وخرجت بعده كأنّها خيط أسود ممدود. وليست ذرّة أبدا تستقبل ذرّة أخرى إلّا واقفتها وسارّتها بشيء ثم انصرفت عنها. وكذلك الأتراك كلّ واحد منهم غير عاجز عن معرفة مصلحة أمره، إلّا أنّ التفاضل واجب في جميع أصناف الأشياء والنّبات والموات. وقد تختلف الجواهر وكلّها كريم، وتتفاضل العتاق وكلّها جواد.

стр. 281

وقد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى الينا وبلغه علمنا؛ فإن وقع ذلك بالموفقة فبتوفيق الله وصنعه، وإن قصّر دون ذلك فالذي قصّر بنا نقصان علمنا، وقلّة حفظنا وسماعنا. فأمّا حسن النّيّة، والذي نضمر من المحبّة والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا بلائمة. وبين التقصير من جهة التفريط والتّضييع، وبين التقصير من جهة العجز وضعف العزم، فرق. ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كلّ صنف من هذه الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار فضل نفسه وإن لم يصل إلى ذلك إلّا بإظهار نقص أخيه ووليّه، لكان كتابا كبيرا، كثير الورق عظيما، ولكان العدد الذين يقضون لمؤلّفه بالعلم والاتّساع في المعرفة أكثر وأظهر، ولكنّا رأينا أنّ القليل الذي يجمع خير من الكثير الذي يفرّق. ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميع قريب، فعّال لما يريد. تم الكتاب والله المنة، وبيده الحول والقوة والله الموفق للصواب الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 282

هامش رسالة مناقب الترك وعامة جند الخلافة (١) يجب اقتران القول بالفعل، او المعرفة بالعمل. وقد كثر العارفون وقل العاملون بين الناس. وقد سبق ابن المقفع في كليلة ودمنة الى التأكيد على هذه الفكرة. (٢) المتأول: الذي يفسر الأمور كما يحلو له. قارن معنى التأويل عند الجاحظ ومعناه الذي انتهى اليه ابن رشد الذي يقول ان التأويل هو ارجاع اللفظ من المعنى الحقيقي الى المعنى المجازي. - المحكوم عليه: الذي صدر حكم إدانة بحقه. - معدول عن الحكم: الذي نحي عن الحكم. - المتعطل والمتصفح: الذي لا يعمل شيئا ويكتفي بالمراقبة. - المعجب برأيه: الذي يحب الاعتراض والنقد، ويعتبر نفسه قائدا للناس ووكيلا عنهم يدافع عن حقوقهم. يشك في كل شيء، ولا يصدق احدا. - المحروم: الذي لم ينل حقوقه. - اللئيم الذي يفسده الاحسان، يشبه قول الامام علي بن ابي طالب: اتق شر من احسنت اليه. - المستبطىء والمستزيد: يعني الناس الذين يغلب عليهم الطمع فلا يرضون بما ينالون من السلطان مهما عظم شأنه. - صاحبه الفتنة: الانسان الذي ينزع الى اثارة الفتن. ويكون هذا رئيس فرقة سياسية او كلامية ابعده السلطان فاغتاظ وعمد الى التشنيع على السلطان واثارة الريب والاكاذيب والظنون به. وتضم لائحة اعداء السلطان تسعة اصناف اجاد الجاحظ حصرهم.

стр. 283

(٣) جند الخلافة العباسية مكون من خمسة أقسام: خراساني وتركي ومولى وعربي وبنوي. ولم يلحظ الجاحظ نسبة الاقسام الى بعضها البعض، وغلبة العنصر التركي عليها في عهد المعتصم والبنوي من كان ابوه فارسيا وامه عربية فهو مولد. والمولى هو الاعجمي الأصل الذي وقع في الاسر او السبي واصبح عبدا للعربي. وقد اشار الجاحظ الى اللحمة الجامعة التي نادى بها العباسيون لتكون رابطة توحدهم وهي الطاعة والمحبة الدينية. ولهذا يعترض على هذا التصيف الذي زعمه بعضهم- ولم يسم اسمه- واتهمه بالاستبداد بالرأي والتفرد به وبالتعسف في المعاني. وقال الجاحظ إنهم متفقون. (٤) لاحظ كيف يوفق بين الخراساني والتركي. إنهم اخوان لأن بلادهم متقاربة، ولأن الاعراق في البدء كانت متشابهة (٥) العرب امة واحدة رغم اختلاف اللغة بين عدنان وقحطان وتميم وقيس وهوازن. ويعني هنا باختلاف اللغة اختلاف اللهجات. وهذا ما يفسر قوله في الفقرة التالية: ان العرب لما كانت واحدة إستووا في التربة وفي اللغة. وهذا يعني ان اللغة العربية واحدة ولكنها ذات لهجات مختلفة. ويشير الجاحظ الى مقومات وحدة العرب القومية وهي التربية واللغة والاخلاق والنسب. وبهذه المقومات «سبكوا سبكا واحدا، وافرغوا افراغا واحدا، وكان القالب واحدا» .. وبهذا يكون الجاحظ أقدم مفكر تكلم على وحدة العرب القومية. - وقد ميز بين العربي الخالص والمعلهج الهجين ذي الام غير العربية، والمذرع ذي الام العربية والأب الاعجمي، والمزلج اي الدعي. (٦) البنوي خراساني الاصل لأن نسب الابناء نسب آبائهم. بهذا يحدد الجاحظ معنى الابناء. فالابناء هم ابناء الفرس الذين جاؤوا مقاتلين الى اليمن لنصرة ابن ذي يزن ضد الاحباش قبل الفتح الاسلامي. وقد اقام هؤلاء المقاتلون هناك وتزوجوا من نساء عربيات فسمي اولادهم ابناء. ويمكن أن نعمم هذا الحكم على جميع الاولاد الذين ولدوا من آباء فرس وامهات عربيات في العصر الاسلامي والاموي والعباسي. وعلى هذا الاساس يصبح الابناء والخراسانيين عرقا واحدا لأن نسب الابناء نسب آبائهم. - المولى عربي: والسبب في ذلك هو ان «لحمة الولاء كلحمة النسب» . تخريجا لقول النبي «مولى القوم منهم» .

стр. 284

- «حليف القوم منهم» قول نسب للنبي وهو سبب آخر في النسب كسبب الولاء وهذا الحكم ينطبق على الاتراك. فهؤلاء صاروا من العرب بسبب الحلف. (٧) الخراسانيون يؤكدون على فضلهم على العباسيين لانهم نصروهم ضد الامويين عند ما ثاروا بقيادة ابي مسلم الخراساني وزحفوا نحو الشام لا سقاط الدولة الاموية. ويذكرون الرتب العسكرية التي تدل على تنظيمهم من نقباء ونجباء وخندقية وكفية والرغندية والازاذمردية. - الشيعة هنا لا تعني الفرقة الاسلامية التي تتبع علي بن ابي طالب. وانما تعني الانصار أو المؤيدين بشكل مطلق. - لاحظ توزع الاحزاب والفرق في البلاد الاسلامية في مطلع الدولة العباسية او نهاية الدولة الأموية: العثمانية في البصرة، والمروانية في الشام، والخوارج في الجزيرة العربية. اما بلاد فارس فلم تنتشر فيها الفرق ولم يغلب عليهم أحد. - الصحصحية والدالقية والذكوانية والراشدية، فرق كلامية أو حزبية ظهرت في العصر الأموي. - لاحظ النزعة الشعوبية: تفضيل الخراسانيين على جند الشام العرب. - لاحظ انواع الاسلحة التي كان يستعملها الفرس: الحطبول، والبنود، والاجراس، والبازيكند (كساء يوضع على الكتف) ، واللبود، والسيوف المعقوفة، والقلانس، والخيول الشهرية (البراذين) ، والكافر كوبات (المقارع) ، والطبرزينات (الفؤوس) ، والخناجر، والدرع، والركاب. عداتك التي تستعمل في التمارين العسكرية مثل الدبوق (لعبة للصبيان) ، والنزو على الخيل، والطبطاب (مضرب الكرة) والصولجان، والمحتمة (ما نصب من الحيوان للرمي والقتل) والبرجاس (غرض في الهواء على رأس رمح) والطائر الخطاف. (٨) مفاخر العرب تقتصر على الشعر الموزون، وقرابة النبي والسبق الى الدين الاسلامي وحمل لوائه، والانساب النقية، والخطابة. ورد دعوى الخراسانيين بانهم اصحاب الدعوة العباسية. ان قواد تلك الدعوة من العرب وقد سمى أهمهم امثال قحطبة إبن شبيب الطائي، وسليمان بن كثير الخزاعي الخ.. (٩) مفاخر الموالي تجمع النسب الذي يعتز به العرب لانهم عرب بالولاء، والاصل الذي يفتخر به العجمي اي الفارسي. ويفخرون بحب النبي اياهم، فقد عقد لاسامة بن زيد وهو مولى على عظماء المهاجرين والانصار وقال عنه انه «الحب ابن الحب» . (١٠) مفاخر الابناء تنحصر في الشجاعة والاقدام في الحروب والفتك وقمع الثورات

стр. 285

واعمال الشغب. ويبدو ان الخليدية والكتفية والبلالية والخريبية حركات تمرد قمعها الابناء. (١١) يؤكد الجاحظ من جديد اتفاق الاعراق والاجناس التي تتشكل منها الدولة العباسية. فليس الاختلاف في الاسم دليلا على الاختلاف في الحقيقة. والروابط التي توحدهم هي الولاء والحلف والاصل الواحد لجميع البشر من آدم وحواء. - ان الناس جميعا عبيد الله يقلبهم كيف يشاء ويخلقهم، كيف يشاء. وله ان يجعل من شاء عربيا ومن شاء عجميا، من شاء ذكرا ومن شاء انثى؛ وهو الذي خلق آدم من غير أب وام وخلق حواء من ضلعه، وخلق عيسى من غير ذكر، وخلق الجان من النار وخلق السماء من دخان والارض من ماء، وعلم سليمان منطق الطير. والجاحظ يذكر مشيئة الله في خلقه ليبين انه لا فضل لمخلوق على آخر. وقد ميز بين الاعراق والاجناس كما ميز بين اصناف المعادن ولنلاحظ قوله مثل طاليس ان الماء أصل العالم. (١٢) «هذا كتاب كنت قد كتبته ايام المعتصم ﵁ فلم يصل اليه» . هذه العبارة تدل على تاريخ تأليف الكتاب او قسم منه في عهد الخليفة المعتصم. والقسم الاول الذي ينتهي هنا قد وضع ايام المتوكل. واذا كان القسم الذي وضع في عهد المعتصم يتناول مفاخر الاتراك (لأن الاتراك غلبوا على السلطة ايام المعتصم وكثر عدوهم في الجيش) فان القسم الاول الذي وضع ايام المتوكل يتناول مفاخر الخراسانيين والعرب والموالي والابناء (لأن المتوكل حاول ايجاد التوازن في الجيش بين مختلف الاجناس) . وعلى هذا الاساس ينبغي اعادة ترتيب مادة الكتاب. بحيث يوضع القسم الثاني. الذي يبدأ بعبارة: «هذا كتاب كنت كتبته ايام المعتصم» في أول الكتاب. (١٣) يذكر الجاحظ مناسبة تأليف الكتاب وهي السؤال الذي طرحه الخليفة المأمون على قواده والمقربين اليه امثال محمد بن حميد الطوسي والأخشيد وابي شجاع ويحيى بن معاذ: ايهما اشجع التركي او الخارجي. (١٤) خصال الخوارج: صدق الاقدام، والصبر، والنصر، وقلة الامتعة. الحزون جمع حزن هو المرتفع. بنات شحاج: البغال. بنات صهال: الخيول. (١٥) للتركي اربعة عيون: عينان في وجهه وعينان في قفاه، وللخارجي عين- ولا عيب-
следующие страницы →