← Адаб

Адаб · id 10709

الرسائل السياسية

الجاحظ

Полный текст (400 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى الينا وبلغه علمنا؛ فإن وقع ذلك بالموفقة فبتوفيق الله وصنعه، وإن قصّر دون ذلك فالذي قصّر بنا نقصان علمنا، وقلّة حفظنا وسماعنا. فأمّا حسن النّيّة، والذي نضمر من المحبّة والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا بلائمة. وبين التقصير من جهة التفريط والتّضييع، وبين التقصير من جهة العجز وضعف العزم، فرق. ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كلّ صنف من هذه الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار فضل نفسه وإن لم يصل إلى ذلك إلّا بإظهار نقص أخيه ووليّه، لكان كتابا كبيرا، كثير الورق عظيما، ولكان العدد الذين يقضون لمؤلّفه بالعلم والاتّساع في المعرفة أكثر وأظهر، ولكنّا رأينا أنّ القليل الذي يجمع خير من الكثير الذي يفرّق. ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميع قريب، فعّال لما يريد. تم الكتاب والله المنة، وبيده الحول والقوة والله الموفق للصواب الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 282

هامش رسالة مناقب الترك وعامة جند الخلافة (١) يجب اقتران القول بالفعل، او المعرفة بالعمل. وقد كثر العارفون وقل العاملون بين الناس. وقد سبق ابن المقفع في كليلة ودمنة الى التأكيد على هذه الفكرة. (٢) المتأول: الذي يفسر الأمور كما يحلو له. قارن معنى التأويل عند الجاحظ ومعناه الذي انتهى اليه ابن رشد الذي يقول ان التأويل هو ارجاع اللفظ من المعنى الحقيقي الى المعنى المجازي. - المحكوم عليه: الذي صدر حكم إدانة بحقه. - معدول عن الحكم: الذي نحي عن الحكم. - المتعطل والمتصفح: الذي لا يعمل شيئا ويكتفي بالمراقبة. - المعجب برأيه: الذي يحب الاعتراض والنقد، ويعتبر نفسه قائدا للناس ووكيلا عنهم يدافع عن حقوقهم. يشك في كل شيء، ولا يصدق احدا. - المحروم: الذي لم ينل حقوقه. - اللئيم الذي يفسده الاحسان، يشبه قول الامام علي بن ابي طالب: اتق شر من احسنت اليه. - المستبطىء والمستزيد: يعني الناس الذين يغلب عليهم الطمع فلا يرضون بما ينالون من السلطان مهما عظم شأنه. - صاحبه الفتنة: الانسان الذي ينزع الى اثارة الفتن. ويكون هذا رئيس فرقة سياسية او كلامية ابعده السلطان فاغتاظ وعمد الى التشنيع على السلطان واثارة الريب والاكاذيب والظنون به. وتضم لائحة اعداء السلطان تسعة اصناف اجاد الجاحظ حصرهم.

стр. 283

(٣) جند الخلافة العباسية مكون من خمسة أقسام: خراساني وتركي ومولى وعربي وبنوي. ولم يلحظ الجاحظ نسبة الاقسام الى بعضها البعض، وغلبة العنصر التركي عليها في عهد المعتصم والبنوي من كان ابوه فارسيا وامه عربية فهو مولد. والمولى هو الاعجمي الأصل الذي وقع في الاسر او السبي واصبح عبدا للعربي. وقد اشار الجاحظ الى اللحمة الجامعة التي نادى بها العباسيون لتكون رابطة توحدهم وهي الطاعة والمحبة الدينية. ولهذا يعترض على هذا التصيف الذي زعمه بعضهم- ولم يسم اسمه- واتهمه بالاستبداد بالرأي والتفرد به وبالتعسف في المعاني. وقال الجاحظ إنهم متفقون. (٤) لاحظ كيف يوفق بين الخراساني والتركي. إنهم اخوان لأن بلادهم متقاربة، ولأن الاعراق في البدء كانت متشابهة (٥) العرب امة واحدة رغم اختلاف اللغة بين عدنان وقحطان وتميم وقيس وهوازن. ويعني هنا باختلاف اللغة اختلاف اللهجات. وهذا ما يفسر قوله في الفقرة التالية: ان العرب لما كانت واحدة إستووا في التربة وفي اللغة. وهذا يعني ان اللغة العربية واحدة ولكنها ذات لهجات مختلفة. ويشير الجاحظ الى مقومات وحدة العرب القومية وهي التربية واللغة والاخلاق والنسب. وبهذه المقومات «سبكوا سبكا واحدا، وافرغوا افراغا واحدا، وكان القالب واحدا» .. وبهذا يكون الجاحظ أقدم مفكر تكلم على وحدة العرب القومية. - وقد ميز بين العربي الخالص والمعلهج الهجين ذي الام غير العربية، والمذرع ذي الام العربية والأب الاعجمي، والمزلج اي الدعي. (٦) البنوي خراساني الاصل لأن نسب الابناء نسب آبائهم. بهذا يحدد الجاحظ معنى الابناء. فالابناء هم ابناء الفرس الذين جاؤوا مقاتلين الى اليمن لنصرة ابن ذي يزن ضد الاحباش قبل الفتح الاسلامي. وقد اقام هؤلاء المقاتلون هناك وتزوجوا من نساء عربيات فسمي اولادهم ابناء. ويمكن أن نعمم هذا الحكم على جميع الاولاد الذين ولدوا من آباء فرس وامهات عربيات في العصر الاسلامي والاموي والعباسي. وعلى هذا الاساس يصبح الابناء والخراسانيين عرقا واحدا لأن نسب الابناء نسب آبائهم. - المولى عربي: والسبب في ذلك هو ان «لحمة الولاء كلحمة النسب» . تخريجا لقول النبي «مولى القوم منهم» .

стр. 284

- «حليف القوم منهم» قول نسب للنبي وهو سبب آخر في النسب كسبب الولاء وهذا الحكم ينطبق على الاتراك. فهؤلاء صاروا من العرب بسبب الحلف. (٧) الخراسانيون يؤكدون على فضلهم على العباسيين لانهم نصروهم ضد الامويين عند ما ثاروا بقيادة ابي مسلم الخراساني وزحفوا نحو الشام لا سقاط الدولة الاموية. ويذكرون الرتب العسكرية التي تدل على تنظيمهم من نقباء ونجباء وخندقية وكفية والرغندية والازاذمردية. - الشيعة هنا لا تعني الفرقة الاسلامية التي تتبع علي بن ابي طالب. وانما تعني الانصار أو المؤيدين بشكل مطلق. - لاحظ توزع الاحزاب والفرق في البلاد الاسلامية في مطلع الدولة العباسية او نهاية الدولة الأموية: العثمانية في البصرة، والمروانية في الشام، والخوارج في الجزيرة العربية. اما بلاد فارس فلم تنتشر فيها الفرق ولم يغلب عليهم أحد. - الصحصحية والدالقية والذكوانية والراشدية، فرق كلامية أو حزبية ظهرت في العصر الأموي. - لاحظ النزعة الشعوبية: تفضيل الخراسانيين على جند الشام العرب. - لاحظ انواع الاسلحة التي كان يستعملها الفرس: الحطبول، والبنود، والاجراس، والبازيكند (كساء يوضع على الكتف) ، واللبود، والسيوف المعقوفة، والقلانس، والخيول الشهرية (البراذين) ، والكافر كوبات (المقارع) ، والطبرزينات (الفؤوس) ، والخناجر، والدرع، والركاب. عداتك التي تستعمل في التمارين العسكرية مثل الدبوق (لعبة للصبيان) ، والنزو على الخيل، والطبطاب (مضرب الكرة) والصولجان، والمحتمة (ما نصب من الحيوان للرمي والقتل) والبرجاس (غرض في الهواء على رأس رمح) والطائر الخطاف. (٨) مفاخر العرب تقتصر على الشعر الموزون، وقرابة النبي والسبق الى الدين الاسلامي وحمل لوائه، والانساب النقية، والخطابة. ورد دعوى الخراسانيين بانهم اصحاب الدعوة العباسية. ان قواد تلك الدعوة من العرب وقد سمى أهمهم امثال قحطبة إبن شبيب الطائي، وسليمان بن كثير الخزاعي الخ.. (٩) مفاخر الموالي تجمع النسب الذي يعتز به العرب لانهم عرب بالولاء، والاصل الذي يفتخر به العجمي اي الفارسي. ويفخرون بحب النبي اياهم، فقد عقد لاسامة بن زيد وهو مولى على عظماء المهاجرين والانصار وقال عنه انه «الحب ابن الحب» . (١٠) مفاخر الابناء تنحصر في الشجاعة والاقدام في الحروب والفتك وقمع الثورات

стр. 285

واعمال الشغب. ويبدو ان الخليدية والكتفية والبلالية والخريبية حركات تمرد قمعها الابناء. (١١) يؤكد الجاحظ من جديد اتفاق الاعراق والاجناس التي تتشكل منها الدولة العباسية. فليس الاختلاف في الاسم دليلا على الاختلاف في الحقيقة. والروابط التي توحدهم هي الولاء والحلف والاصل الواحد لجميع البشر من آدم وحواء. - ان الناس جميعا عبيد الله يقلبهم كيف يشاء ويخلقهم، كيف يشاء. وله ان يجعل من شاء عربيا ومن شاء عجميا، من شاء ذكرا ومن شاء انثى؛ وهو الذي خلق آدم من غير أب وام وخلق حواء من ضلعه، وخلق عيسى من غير ذكر، وخلق الجان من النار وخلق السماء من دخان والارض من ماء، وعلم سليمان منطق الطير. والجاحظ يذكر مشيئة الله في خلقه ليبين انه لا فضل لمخلوق على آخر. وقد ميز بين الاعراق والاجناس كما ميز بين اصناف المعادن ولنلاحظ قوله مثل طاليس ان الماء أصل العالم. (١٢) «هذا كتاب كنت قد كتبته ايام المعتصم ﵁ فلم يصل اليه» . هذه العبارة تدل على تاريخ تأليف الكتاب او قسم منه في عهد الخليفة المعتصم. والقسم الاول الذي ينتهي هنا قد وضع ايام المتوكل. واذا كان القسم الذي وضع في عهد المعتصم يتناول مفاخر الاتراك (لأن الاتراك غلبوا على السلطة ايام المعتصم وكثر عدوهم في الجيش) فان القسم الاول الذي وضع ايام المتوكل يتناول مفاخر الخراسانيين والعرب والموالي والابناء (لأن المتوكل حاول ايجاد التوازن في الجيش بين مختلف الاجناس) . وعلى هذا الاساس ينبغي اعادة ترتيب مادة الكتاب. بحيث يوضع القسم الثاني. الذي يبدأ بعبارة: «هذا كتاب كنت كتبته ايام المعتصم» في أول الكتاب. (١٣) يذكر الجاحظ مناسبة تأليف الكتاب وهي السؤال الذي طرحه الخليفة المأمون على قواده والمقربين اليه امثال محمد بن حميد الطوسي والأخشيد وابي شجاع ويحيى بن معاذ: ايهما اشجع التركي او الخارجي. (١٤) خصال الخوارج: صدق الاقدام، والصبر، والنصر، وقلة الامتعة. الحزون جمع حزن هو المرتفع. بنات شحاج: البغال. بنات صهال: الخيول. (١٥) للتركي اربعة عيون: عينان في وجهه وعينان في قفاه، وللخارجي عين- ولا عيب-

стр. 286

في مستدير الحرب وللخراساني عين في مستقبل الحرب. وبذا يصح المعنى. والعين هنا استعملت بمعنى البصر في الأمر والعلم به. فالتركي يتحسن الحرب في جميع الجهات والخارجي يحسن الكر الى الامام والخراساني الكر الى الامام. الوهق: الحبل. الانتساف: الاقتلاع. المهلب بن ابي صفرة، الخريش بن هلال وعباد بن الحصين التميميان، من الفرسان المشهورين. وكان المهلب واليا على خراسان ابان الدولة الاموية. - الخوارج جمعوا في صفوفهم اجناسا مختلفة من اصقاع متباينة وانقسموا الى فرق عدة. فكان منهم اعداد من سجستان وخراسان والجزيرة واليمامة والمغرب وعمان، وانضوى تحت لوائهم العربي والموالى والعجمي والاعرابي والعبد والمرأة والحائك والفلاح. وقد انقسموا الى فرق ذكر منها الجاحظ هنا الازارقة والنجدات والاباضية والصفرية. الازارقة نسبة الى رئيسهم نافع بن الازرق الحنفي، قالوا بتكفير علي بن ابي طالب وكل مرتكب كبيرة، وكل قاعد عن الجهاد. وفرقة النجدات او النجدية نسبة الى رئيسهم نجدة بن عامر الحنفي. قالوا يجب على المسلمين معرفة الله ورسله وتحريم دماء المسلمين واموالهم. وما سوى ذلك فالناس معذورون فيه بجهلهم. وفرقة الصفرية نسبة الى عبد الله بن الأصفر قالوا ان جميع مخالفيهم كفار يحل قتلهم. - حمزة بن ادرك الخارجي: صاحب احدى فرق العجاردة من الخوارج، خرج في خراسان ايام الرشيد وبقي يقاتل حتى ايام المأمون. - الوليد بن طريف أحد رؤساء الخوارج قتله يزيد بن مزيد القائد العباسي. - ثمامة بن اشرس احد شيوخ المعتزلة ومعاصر الجاحظ، هو كما يقول الجاحظ عربي بيد انه معجب الاتراك. وقد وقع في اسرهم مرة فاكرموه، وشهد بعض وقائعهم- الجاحظ يذكر انه رافق المأمون في بعض غزواته. ويبرر اصطناع المعتصم للأتراك عند ما تولى الخلافة لشدة بطشهم وصبرهم على القتال. ويذكر ايضا ما شاهده من انفلات فرس من الجنود الخراسانيين وغيرهم وعجزهم عن اخذها حتى جاء تركي فقبض عليها وسلمهم اياها. - لاحظ كيف يفسر الجاحظ ظاهرة تعلق الاتراك بوطنهم وحنينهم اليه اكثر من

стр. 287

العرب وسائر الأمم. لأن تركيبتهم وطبيعتهم من تركيب بلادهم. وقد اورد بعض هذه الافكار في كتاب الاوطان والبلدان. (١٦) قارن الجاحظ بين مختلف الأمم من عرب ويونانيين وأتراك وفرس وصينيين وخلص الى القول ان الاتراك تفوقوا في الحرب تفوق اليونانيين بالحكمة واهل الصين في الصناعة، والعرب بالأدب، وآل ساسان في الرياسة. وقد مهد السبيل في هذه المقارنة الى ابن صاعد الاندلسي صاحب كتاب طبقات الامم. - لاحظ انساب العرب والاتراك واليهود. كلهم ينتهون الى جد مشترك هو ابراهيم ويتحدرون من ثلاث امهات تزوجهن ابراهيم: هاجر القبطية، وسارة السريانية، وقطورا بنت مفطون العربية. - اسم الاتراك جاء من الترك تبعا للحديث المأثور: تاركوا الترك ما تاركوكم. وبقوله «اتركوهم سموا الترك» . - الجاحظ يترجم لابراهيم بن السندي مولى امير المؤمنين المعتصم. وقد حدثه عن خاقان ملك الترك الذي حارب الجنيد بن عبد الرحمن المري امير خراسان من قبل هشام بن عبد الملك الخليفة الاموي. ويروي ما دار بينهما من حديث حول احكام الدين الاسلامي في الزنا والسرقة والسلب والقتل الخ ... - الفرق بين العقل والنقل: اصحاب العقل يردون احكامهم الى جواز العقول وما يحسن في الرأي. واصحاب النقل يتبعون ما ورد في كتب الانبياء لعلمهم أن الله ادرى بصالح الخلق. - جهم بن صفوان (١٢٨ هـ) مؤسس فرقة الجهمية. قال بالجبرية والاضطرار وانكر حرية الانسان او قدرته على فعل اعماله. وقال ان الايمان هو المعرفة بالله والكفر هو الجهل به، وقتل في اواخر الدولة الاموية.

стр. 288

[٨- محتويات رسالة فخر السودان على البيضان] (- ٨- فخر السودان على البيضان)

стр. 289

[١- مقدمة] تولاك الله وحفظك، وأسعدك بطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته. ذكرت- أعاذك الله من الغشّ- أنّك قرأت كتابي في محاجّة الصّرحاء للهجناء، وردّ الهجناء، وجواب أخوال الهجناء، وأنّي لم أذكر فيه شيئا من مفاخر السّودان. فاعلم حفظك الله أنّي أخّرت ذلك متعمّدا. وذكرت أنّك أحببت أن أكتب لك مفاخر السّودان، فقد كتبت لك ما حضرني من مفاخرهم. قال الأصمعيّ: قال الفزر عبد فزارة وكانت في أذنه خربة: إنّ الوئام يتترّع في جميع الطّمش: لا يقرب العنز الضّأن ما وجدت الماعز، وتنفر الشّاء من المخلب ولا تأنس بالخفّ. وأنشد أبو زيد النّحويّ: لولا الوئام هلك الإنسان وقال شدّاد الحارثيّ- وكان خطيبا عالما-: قلت لأمة سوداء بالبادية: لمن أنت يا سوداء؟ قالت: لسيّد الحضر يا أصلع. قال: قلت أولست سوداء؟ قالت: أولست أصلع؟ قلت: ما أغضبك من الحق. قالت:

стр. 290

الحقّ أغضبك، لا تشتم حتى ترهب، ولأن تتركه أمثل. وقال شدّاد: لقد كلّمتها وأنا أظنّ أنّي أفي بأهل نجد، وما نزعت عنّي إلّا وأنا عند نفسي لا أفي بأمتي. وقال الأصمعيّ: قال عيسى بن عمر: قال ذو الرّمّة: قاتل الله أمة آل فلان السّوداء، ما كان أفصحها وأبلغها! سألتها كيف كان المطر عندكم؟ قالت: غثنا ما شئنا. [٢- نجباء السودان] أنّ لقمان الحكيم منهم، وهو الذي يقول: ثلاثة لا تعرفهم إلّا عند ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشّجاع عند الخوف، والأخ عند حاجتك. وقال لابنه: إذا أردت أن تخالط رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك وإلّا فاحذره. ولم يرووا ذلك عنه إلّا وله أشياء كثيرة. وأكثر من هذا مدح الله إيّاه وتسميته الحكيم، وما أوصى به ابنه. ومنهم: سعيد بن جبير، قتله الحجّاج قبل موته بستّة أشهر وهو ابن تسع وأربعين سنة، ومات الحجّاج وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وكان سعيد أورع الخلق وأتقاهم، وكان أعظم أصحاب ابن عبّاس. وأصحاب الحديث يطعنون في الذي يجيء من قبل أصحاب ابن عباس حتى يجيء [من] سعيد إبن جبير. وأبوه مولى بني أسد، وهو مولى بني أميّة، وقتل يوم قتل والناس يقولون: كلّنا محتاج إليه. ومنهم: بلال الحبشيّ ﵁، الذي يقول فيه عمر بن الخطاب ﵁: إن أبا بكر سيّدنا وأعتق سيّدنا، وهو ثلث الإسلام. ومنهم: مهجع، وهو أوّل قتيل قتل بين الصّفّين في سبيل الله.

стр. 291

ومنهم: المقداد، وهو أوّل من عدا به فرسه في سبيل الله. ومنهم: وحشيّ قاتل مسيلمة الكذّاب. وكان يقول: قتلت خير الناس- يعني حمزة بن عبد المطّلب ﵁ وقتلت شرّ الناس- يعني مسيلمة الكذّاب. ومنهم: مكحول الفقيه. ومنهم: الحيقطان الشّاعر، الذي كان يفضل في رأيه وعقله وهمّته. وهو الذي يقول في الإخوان: لا تعرف الأخ حتّى ترافقه في الحضر، وتزامله في السّفر. ومنهم: جليبيب الذي تحدّثت الرّواة أنّ رسول الله ﷺ خرج في غزاة فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانا وفلانا. ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانا وفلانا. ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا في الثالثة: لا. قال: لكنّي أفقد جليبيبا، اطلبوه. فطلبوه فوجدوه بين سبعة قد قتلهم ثمّ قتل. فقال النبي ﷺ : «قتل سبعة ثمّ قتلوه. هذا منّي وأنا منه» . قال: ثمّ حمله على ساعديه حتّى حفروا له، ماله سرير غير ساعدي رسول الله ﷺ . قال: ولم يذكروا غسلا. ومنهم: فرج الحجّام وكان من أهل العدالة، والمقدّمين في الشّهادة. أعتقه جعفر بن سليمان؛ وذلك أنّه خدمه دهرا يصلح شاربه ولحيته ويهيّئه، فلم يره أخطأ في قول ولا عمل، فقال: والله لأمتحننّه، فإن كان ما أرى منه عن تدبير وقصد لأعتقنّه ولأزوّجنّه ولأغنينّه. وإن كان على غير ذلك عرفت الصّنع فيه. فقال له ذات يوم وهو يحجمه: يا غلام، أتحتجم؟ قال: نعم. قال: ومتى؟ قال: عند الحاجة. قال: وتعرف ذلك؟ قال: أعرف أكثره وربّما غلطت. قال: فأيّ شيء تأكل؟ قال: أمّا في الشتاء فداكبراه خائرة حلوة. وأمّا في الصّيف فسكباجة حامضة عذبة. فبلغ به جعفر

стр. 292

ابن سليمان ما قال. وهو الذي يقول فيه أبو فرعون: خلّوا الطّريق زوجتي أمامي ... أنا حميم فرج الحجّام قال: وبلغ من عدالته ونبله في نفسه وتوقّيه وورعه، أنّ مواليه من ولد جعفر وكبار أهل المربد، كانوا لا يطمعون أن يشهدوه إلّا على أمر صحيح لا اختلاف فيه. وأمّا الحيقطان فقال قصيدة تحتجّ بها اليمانية على قريش ومضر، ويحتجّ بها العجم والحبش على العرب، وكان جرير رآه يوم عيد في قميص أبيض وهو اسود، فقال: كأنه لما بدا للناس ... أير حمار لفّ في قرطاس. فلما سمع بذلك الحيقطان وكان باليمامة، دخل الى منزله فقال هذا الشعر: لئن كنت جعد الرّأس والجلد فاحم ... فإنّي لسبط الكفّ والعرض أزهر وإنّ سواد اللّون ليس بضائري ... إذا كنت يوم الرّوع بالسّيف أخطر فإن كنت تبغي الفخر في غير كنهه ... فرهط النّجاشي منك في الناس أفخر تأبّى الجلندى وابن كسرى وحارث ... وهوذة والقبطيّ والشيخ قيصر وفاز بها دون الملوك سعادة ... فدام له الملك المنيع الموفّر ولقمان منهم وابنه وابن أمّه ... وأبرهة الملك الذي ليس ينكر غزاكم أبو يكسوم في أمّ داركم ... وأنتم كقبض الرّمل أو هو أكثر وأنتم كطير الماء لّما هوى لها ... ببلقعة، حجن المخالب أكدر فلو كان غير الله رام دفاعه ... علمت وذو التّجريب بالناس أخبر وما الفخر إلّا أن تبيتوا إزاءه ... وأنتم قريب ناركم تتسعّر ويدلف منكم قائد ذو حفيظة ... نكافحه طورا وطورا يدبّر فأما التي قلتم فتلكم نبوّة ... وليس بكم صون الحرام المستّر

стр. 293

وقلتم لقاح لا نؤدّي إتاوة ... فإعطاء أريان من الفرّ أيسر ولو كان فيها رغبة لمتوّج ... إذا لأتتها بالمقاول حمير وليس بها مشتى ولا متصيّف ... ولا كجؤاثا ماؤها يتفجّر ولا مرتع للعين أو متقنّص ... ولكنّ تجرا، والتجارة تحقر ألست كليبيّا وأمّك نعجة ... لكم في سمان الضّان عار ومفخر أما قوله: تأبّى الجلندى وابن كسرى وحارث ... وهوذة والقبطيّ والشيخ قيصر فإنّه يقول: كتب النبيّ ﷺ إلى بني الجلندى فلم يؤمنوا وكذلك كسرى، وكذلك الحارث بن أبي شمر، وكذلك هوذة بن علي الحنفيّ، وكذلك المقوقس عظيم القبط صاحب الإسكندرية، وكذلك قيصر ملك الرّوم. على أنّ بني الجلندي قد أسلموا من بعد ذلك الكتاب، ولكنّ النّجاشيّ أسلم قبل الفتح، فدام له ملكه ونزع الله من هؤلاء النّعمة. وقيصر إن كان قد بقي من ملكه شيء فقد أخرجوه من كلّ مكان يبلغه ظلف أو حافر، وصار لا يتمنّع إلّا بالخليج وبالعقاب والحصون وبالشّتاء والثّلوج والأمطار. وفخر بلقمان وابنه. وأمّا قوله: غزاكم أبو يكسوم في أمّ داركم ... وأنتم كقبض الرّمل أو هو أكثر فإنّه يعنى صاحب الفيل حين أتى مكّة ليهدم الكعبة. يقول: كنتم في عدد الرّمل، فلم فررتم منه ولم يلقه أحد منكم حتّى أفضى إلى مكّة، ومكة أمّ القرى، ودار العرب هي جزيرة العرب، ومكة قرية من قراها، ولكن لما كانت أقدمها قدما، وأعظمها خطرا، جعلت لها أمّا. ولذلك قيل لفتح مكّة: فتح الفتوح. وعلى مثل ذلك سمّيت فاتحة الكتاب: أمّ الكتاب.

стр. 294

والعرب قد تجعل الشيء أمّ ما لم يلد. من ذلك قولهم: ضربه على أمّ رأسه، وكذلك أمّ الهاوية. والضّيف يسمى ربّة منزله أمّ مثواي. وقال أعرابيّ وقد أصابته براغيث عند امرأة كان نزل بها: يا أمّ مثواي عدمت وجهك ... أنقذني ربّ العلا من مصرك ولذع برغوث أراه مهلكي ... أبيت ليلي دائب التحكّك تحكّك الأجرب عند المبرك وقد أبان الله تعالى مكة والبيت حين قال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. يقول: فإذا غزيت- وهي أمّ القرى وفيها البيت الحرام الذي هو شرفكم- فقد غزي جميعكم. وأمّا قوله: وأما التي قلتم فتلكم نبوّة ... وليس بكم صون الحرام المستّر وقلتم لقاح لا نؤدّي إتاوة ... فإعطاء أريان من الفرّ أيسر فاللّقاح: البلد الذي لا يؤدّي إلى الملوك الأريان. والأريان: هو الخراج، وهو الإتاوة. وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص: أبوا دين الملوك فهم لقاح ... إذا ندبوا إلى حرب أجابوا قال: فقلتم إنّا لقاح ولسنا نؤدّي الخراج والأريان. قال: فإعطاء الخراج أهون من الفرار وإسلام الدار وأنتم مثل عدد من جاءكم المرار الكثيرة. وأمّا قوله: وليس بها مشتى ولا متصيّف ... ولا كجؤاثا ماؤها يتفجّر

стр. 295

يقول: ليس في الغلبة على مكّة رغبة، ولولا ذلك لغزاها أهل اليمن وغيرهم. وليس بها مشتى ولا متصيّف؛ لأنهم يتبرّدون بالطائف ويتدفّون بجدّة. وجؤاثا: عين بالبحرين. وليس بمكّة شيء يداني ذلك. وقال: ولا مرتع للعين أو متقنّص ... ولكنّ تجرا والتّجارة تحقر يقول: ليس بها متنزّهات، وصيدها حرام، وإنّما تجّار والتّجّار يحقرون. يقول: هم عند الناس في حدّ الضعف ولا يستجيز ملك أخذ الذي به يتعيّشون، ولا يكون ما يؤخذ منهم يقوم بنوائب الملوك، وهم قوم ليس عندهم امتناع. ولذلك يقول الشاعر معاوية بن أوس، وهو جاهليّ: وزقّ سبأت لدى متجر ... أسيود كالرّجل الأسحم ضربت بفيه على نحره ... وقائمه كيد الأجذم إلى التّاجر العربيّ الشحي ... ح أو خمر ذي النّطف الطّمطم أراد بهذا كلّه قريشا. يقول: هم تجّار وقد اعتصموا بالبيت، وإذا خرجوا علّقوا عليهم المقل ولحاء الشّجر حتّى يعرفوا فلا يقتلهم أحد. وأما قوله: ألست كليبيّا وأمّك نعجة ... لكم في سمان الضّأن عار ومفخر فإنّ بني كليب يرمون بإتيان الضّأن، وكذلك بنو الأعرج، وسليم. وأشجع ترمى بإتيان المعز. وقال النّجاشيّ: ولو شتمتني من قريش قبيلة ... سوى ناكة المعزى سليم وأشجع

стр. 296

وقال الفرزدق: ولست مضحّيّا ما دمت حيّا ... بشاة من حلوبة أعرجيّ فما أدرى إذا أنفقت مالي ... لعلّ الشاة تبقر عن صبيّ وقال الآخر: إذا أحببت أن تغلي أتانا ... فدلّ الدارميّ على شراها يقبّل ظهرها ويكاد لولا ... قحول الظّهر يدنو من قفاها وودّ الدارميّ لو أنّ فاه ... إذا نال الحمارة نال فاها وقال عبد بن رشيد: قبيلة سوء خيرهم مثل شرّهم ... ترى منهم للضأن فحلا وراعيا إذا جليت فيهم عروس لبعلها ... ترى النّعجة البقعاء أبكى البواكيا ولذلك قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا ولذلك قال الحيقطان: ألست كليبيّا وأمّك نعجة ... لها في سمان الضّأن عار ومفخر أمّا العار فالذي شاع عليهم من ذكر النّعاج. وأما المفخر يقول: إذا فخروا فخروا بالشّاء، ولا يبلغون إلى حدّ الإبل. ومن مفاخر السّودان والزّنج والحبش مع ما ذكرنا من قصيدة الحيقطان، أنّ جرير بن الخطفى لمّا هجا بني تغلب [و] قال: لا تطلبنّ خؤولة في تغلب ... فالزّنج أكرم منهم أخوالا غضب سنيح بن رباح شار، فهجا جريرا، وفخر عليه بالزّنج فقال: ما بال كلب من كليب سبّنا ... أن لم يوازن حاجبا وعقالا

стр. 297

إنّ امرأ جعل المراغة وابنها ... مثل الفرزدق جائر قد قالا والزّنج لو لاقيتهم في صفّهم ... لاقيت ثمّ جحاجحا أبطالا فسل ابن عمرو حين رام رماحهم ... أرأى رماح الزّنج ثمّ طوالا فجعوا زيادا بابنه وتنازلوا ... لما دعوا لنزال ثمّ نزالا ومربّطين خيولهم بفنائهم ... وربطت حولك شيّها وسخالا كان ابن ندبة فيكم من نجلنا ... وخفاف المتحمّل الأثقالا وابنا زبيبة: عنتر وهراسة ... ما إن نرى فيكم لهم أمثالا سل ابن جيفر حين رام بلادنا ... فرأى بغزوتهم عليه خبالا وسليك اللّيث الهزبر إذا عدا ... والقرم عبّاس علوك فعالا هذا ابن خازم ابن عجلى منهم ... غلب القبائل نجدة ونوالا أبناء كلّ نجيبة لنجيبة ... أسد تربّب عندها الأشبالا فلنحن أنجب من كليب خؤولة ... ولأنت الأم منهم أخوالا وبنو الحباب مطاعن ومطاعم ... عند الشّتاء إذا تهبّ شمالا أما ابن عمرو الذي ذكر، فهو حفص بن زياد بن عمرو العتكيّ، كان خليفة أبيه على شرطة الحجاج، فغلب رباح شار الزّنجي على الفرات، فتوجّه إليه حفص بن زياد فقتله رباح وقتل أصحابه واستباح عسكره. وأمّا ابن جيفر فهو النّعمان بن جيفر بن عباد بن جيفر بن الجلندى. كان غزا بلاد الزّنج فقتلوه وغنموا عسكره. ثم ذكر أبناء الزّنجيات حين نزعوا إلى الزّنج في البسالة والأنفة. فذكر خفاف بن ندبة، وعبّاس بن مرداس، وابني شدّاد: عنترة الفوارس وأخاه هراسة، وسليك بن السّلكة. فهؤلاء أسد الرجال، وأشدّهم قلوبا وأشجعهم بأسا، وبهم يضرب المثل. ومنهم: عبد الله بن خازم السّلمي، وبنو الحباب: عمير بن الحباب وإخوته.

стр. 298

وكان أيضا منهم: الجحّاف بن حكيم. وهم أيضا يفخرون برباح أخي بلال وحاله وصلاحه. ويفخرون بعامر بن فهيرة، بدريّ استشهد يوم بئر معونة، فرآه الناس قد رفعه الله بين السّماء والأرض، فليس له في الأرض قبر. ومنهم: آل ياسر. قالوا: ومنّا الغداف صاحب عبيد الله بن الحر. لم يكن في الأرض أشدّ منه: كان يقطع على القافلة وحده بما فيها من الحماة والخفراء. وكعبويه صاحب المغيرة بن الفزر، كان مثلا في الشّجاعة. ويقولون: ومنّا مربح الأشرم، غلام أبي بحر القائد، الذي كان قدم من الشام أيام قتيبة بن مسلم، وكان لا يرام لقاؤه، وأمره مشهور. قالوا: ومنا المغلول وبنوه، وهم من الخول، ليس في الأرض أعرف ولا أثقف ولا أعلم بالبادية منهم. قالوا: ومنّا أفلح، الذي قطع على القوافل بخراسان وحده عشرين سنة. قالوا: وإنّما قتله مالك بن الرّيب، لأنّه وطئه في جوف اللّيل وهو سكران خائر. والشاهد على قولنا قول ابنه: أمالك لولا السّكر أيقنت أنّه ... أخو الورد أو يربي على الأسد الورد قالوا: ونحن قد ملكنا بلاد العرب من لدن الحبشة إلى مكّة، وجرت أحكامنا في ذلك أجمع. وهزمنا ذا نواس، وقتلنا أقيال حمير. وأنتم لم تملكوا بلادنا. وقد قال شاعركم: وخرّب غمدانا وهدّم سقفه ... رباط بأجناد وصولته هصر أطافت به الأحبوش ليلا فقوّضوا ... بنا شدّة الأقيال في سالف الدّهر بجمع من اليكسوم سود كأنّهم ... أسود الشّرى اجتابت جلودا من المر

стр. 299

قالوا: ومنا كباجلا، لم يصعد نهر؟؟؟ مان ولا قاتل في المخارجات أحد قطّ يشبهه. قالوا: ومنّا الأربعون الذين خرجوا بالفرات أيّام سوّار بن عبد الله القاضي، فأجلوا أهل الفرات عن منازلهم، وقتلوا من أهل الأبلّة مقتلة عظيمة. قالوا: ومنّا الذي ضرب عنق عيسى بن جعفر بعمان، بمنجل بحرانيّ، بعد أن لم يجسر عليه أحد. [٣- خصال السودان] قالوا: والناس مجمعون على أنّه ليس في الأرض أمّة السّخاء فيها أعمّ، وعليها أغلب من الزّنج. وهاتان الخلّتان لم توجدا قطّ إلّا في كريم. وهي أطبع الخلق على الرّقص الموقّع الموزون، والضّرب بالطّبل على الإيقاع الموزون، من غير تأديب ولا تعليم. وليس في الأرض أحسن حلوقا منهم. وليس في الأرض لغة أخفّ على اللسان من لغتهم، ولا في الأرض قوم أذرب ألسنة، ولا أقلّ تمطيطا منهم. وليس في الأرض قوم إلّا وأنت تصيب فيهم الأرتّ والفأفاء والعييّ، ومن في لسانه حبسة، غيرهم. والرجل منهم يخطب عند الملك بالزّنج من لدن طلوع الشّمس إلى غروبها، فلا يستعين بالتفاتة ولا بسكتة حتّى يفرغ من كلامه. وليس في الأرض أمّة في شدّة الأبدان وقوّة الأسر أعمّ منهم فيهما. وإنّ الرّجل ليرفع الحجر الثّقيل الذي تعجز عنه الجماعة من الأعراب وغيرهم. وهم شجعاء أشداء الأبدان أسخياء. وهذه هي خصال الشرف.

стр. 300

[والزنجيّ] مع حسن الخلق وقلّة الأذى، لا تراه أبدا إلّا طيّب النفس، ضحوك السّنّ، حسن الظّن. وهذا هو الشرف. وقد قال ناس: إنّهم صاروا أسخياء لضعف عقولهم، ولقصر رويّاتهم، ولجهلهم بالعواقب. فقلنا لهم: بئس ما أثنيتم على السّخاء والأثرة، وينبغي في هذا القياس أن يكون أوفر النّاس عقلا وأكثر النّاس علما أبخل النّاس بخلا وأقلّهم خيرا. وقد رأينا الصّقالبة أبخل من الرّوم، والرّوم أبعد رويّة وأشدّ عقولا وعلى قياس قولكم أن قد كان ينبغي أن تكون الصّقالبة أسخى أنفسا وأسمح أكفّا منهم. وقد رأينا النّساء أضعف من الرّجال عقولا، والصّبيان أضعف عقولا منهم، وهم أبخل من النّساء، والنّساء أضعف عقولا من الرجال. ولو كان العقل كلّما كان أشدّ كان صاحبه أبخل، كان ينبغي أن يكون الصبيّ أكرم الناس خصالا. ولا نعلم في الأرض شرّا من صبيّ: هو أكذب النّاس وأنمّ النّاس، وأشره النّاس وأبخل النّاس، وأقلّ النّاس خيرا وأقسى الناس قسوة. وإنّما يخرج الصبيّ من هذه الخلال أوّلا فأوّلا، على قدر ما يزداد من العقل فيزداد من الأفعال الجميلة. فكيف صارت قلّة العقل [هي] سبب سخاء الزّنج، وقد أقررتم لهم بالسّخاء ثم ادّعيتم ما لا يعرف. وقد وقّفناكم على إدحاض حجتكم في ذلك بالقياس الصّحيح. وهذا القول يوجب أن يكون الجبان أعقل من الشّجاع، والغادر أعقل من الوفيّ. وينبغي أن يكون الجزوع أعقل من الصّبور. فهذا ما لا حجّة فيه

стр. 301

لكم، بل ذلك هبة في النّاس من الله. والعقل هبة، وحسن الخلق هبة، والسّخاء والشجاعة كذلك. وقد قالت الزّنج للعرب: من جهلكم أنّكم رأيتمونا لكم أكفاء في الجاهلية في نسائكم، فلمّا جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسدا، و [ما] بنا الرّغبة عنكم. مع أنّ البادية منّا ملأى ممّن قد تزوّج ورأس وساد، ومنع الذّمار، وكنفكم من العدوّ. قال: وقد ضربتم بنا الأمثال وعظّمتم أمر ملوكنا، وقدّمتموهم في كثير من المواضع على ملوككم. ولو لم تروا الفضل لنا في ذلك عليكم لما فعلتم. وقال النّمر بن تولب: أتى ملكه ما أتى تبّعا ... وأبرهة الملك الأعظما فرفعه على ملوك قومه. وقال لبيد بن ربيعة: لو كان حيّ في الحياة مخلّدّا ... في الدّهر أدركه أبو يكسوم وهذا شيء من وصف الفضل لم يوصف أحد بمثله. قالوا: ومما قدّمتم به ملوكنا على ملوككم قوله: غلب الليالي خلف آل محرّق ... وكما فعلن بتبّع وبهر قل وغلبن أبرهة الذي ألفيته ... قد كان خلّد فوق غرفة موكل فقدّم أبرهة وأراد التّسوية. قالوا: ومن الحبشة عكيم الحبشيّ، وكان أفصح من العجّاج. وكان علماء أهل الشام يأخذون عنه كما أخذ علماء أهل العراق من المنتجع بن نبهان. وكان المنتجع سنديّا في أذنه خربة، وقع إلى البادية وهو صبيّ، فخرج

стр. 302

أفصح من رؤبة. ولما قال حكيم بن عيّاش الكلبيّ: لا تفخرنّ بخال من بني أسد ... فإنّ أكرم منها الزّنج والنّوب اعترض عليه عكيم الحبشيّ، فقال: ويوم غمدان كنّا الأسد قد علموا ... ويوم يثرب كنّا فحلة العرب وليلة الفيل إذ طارت قلوبهم ... وكلّهم هارب موف على قتب منّا النّجاشي وذو العقصين صهركم ... وجدّ أبرهة الحامي أبي طلب هبني غفرت لعدنان تهتكهم ... فما لحمير والمقوال في النسب حمّارة جمعت من كلّ محربة ... جمع الشّبيكة نون الزّاخر اللّجب غمدان: حصن كان ينزله الملك الذي يكون على اليمن، وكان عجميّا، فلما ملكت الحبشة اليمن أخربته إلّا بقايا هدمها عثمان بن عفّان ﵁ في الإسلام. وقال: «ينبغي لمآثر الجاهليّة أن تمحى» . وكان في الحصن مصنعة عليها قبة من طلق، وفيها يقول خلف الأحمر: ومصنعة الطّلق أودى بها ... عوادي الأحابيش بالصّيدن وفيها يقول قدامة حكيم المشرق، وكان صاحب كيمياء: فأوقد فيها ناره ولو أنّها ... أقامت كعمر الدهر لم تتصرّم لأنّ الطّلق لو أوقد عليه ألف عام لم يسخن. وبه يتطلّى النّفّاطون إذا أرادوا الدّخول في النار. وقال لبيد: أصاح ترى بريقا هبّ وهنا ... كمصباح الشّعيلة في الذّبال أرقت له وأنجد بعد هدء ... وأصحابي على شعب الرّحال يضيء ربابه في المزن حبشا ... قياما بالحراب وبالإلال

стр. 303

وقال ذلك لبيد لأنّهم إذا أقبلوا بحرابهم ورماحهم وقسيّهم وسيوفهم، وراياتهم، وخيولهم وفيولهم، مع سواد ألوانهم وضخم أبدانهم- رأيت هؤلا لم تر مثله ولم تسمع به، ولم تتوهّمه. وأمّا قوله: ويوم يثرب كنّا فحلة العرب فإنّ مسرف بن عقبة المرّيّ، حين كان أباح المدينة، زعموا أنّه قد كان هناك أمر قبيح من السودان والجند؛ وفي ذلك يقول شاعر من شعراء مضر: فسائل مسرف المرّيّ عنكم ... غداة أباح للجند العذاري فما زجكم على حنق زنوج ... وفزّ الشّام كالأسد الضّواري ودافع وهرز والفرس عنكم ... ورأس الحبش يحكم في ذمار فأفسد نسلكم بسواد لون ... وأير مثل غرمول الحمار فذكر إباحة الحبش لليمن كما ذكر إباحة مسرف للمدينة. وأمّا قوله: حمّارة جمعت من كلّ محزوة ... جمع الشّبيكة نون الزاخر اللّجب فإنّه ذهب إلى ما تقول الرّواة أنّ حمير كانت حمّارة. وأمّا الشّبيكة فأراد الشبكة. وقال السّران: فهذا الفضل فينا، ولم يصلّ النبيّ ﷺ قط إلّا على جنازة أو قبر، إلّا النّجاشيّ فإنّه صلّى عليه وهو بالمدينة وقبر النّجاشيّ بالحبشة. قالوا: والنجاشيّ هو كان زوّج أمّ حبيبة بنت أبي سفيان من النبيّ ﷺ ، ودعا خالد بن سعيد فجعله وليّهما، وأصدق عن النبيّ ﷺ أربعمائة دينار.

стр. 304

قالوا: وثلاثة أشياء جاءتكم من قبلنا. منها الغالية. وهي أطيب الطّيب وأفخره وأكرمه. ومنها النّعش وهو أستر للنّساء وأصون للحرم. ومنها المصحف، وهو أوقى لما فيه وأحصن له، وأبهى وأهيأ. [٤- مزايا اللون الاسود] قالوا: ونحن أهول في الصّدور وأملا للعيون، كما أنّ المسودّة أهول في العيون وأملا للصّدور من المبيّضة، وكما أنّ الليل أهول من النهار. قالوا: والسّواد أبدا أهول. وإنّ العرب لتصف الإبل فتقول: الصّهب سرع، والحمر غزر، والسّود بهى. فهذا في الإبل. قالوا: ودهم الخيل أبهى وأقوى، والبقر السّود أحسن وأبهى، وجلودها أثمن وأنفع وأبقى. والحمر السّود أثمن وأحسن وأقوى. وسود الشّاء أدسم ألبانا وأكثر زبدا، والدّبس أغزر من الحمر. وكلّ جبل وكلّ حجر إذا كان أسود كان أصلب صلابة وأشدّ يبوسة. والأسد الأسود لا يقوم له شيء. وليس من التّمر شيء أحلى حلاوة من الأسود، ولا أعمّ منفعة ولا أبقى على الدّهر. والنّخيل أقوى ما تكون إذا كانت سود الجذوع. وجاء: «عليكم بالسّواد الأعظم» ، وقال الأنصاريّ: أدين وما ديني عليّ بمغرم ... ولكن على الشّمّ الطّوال القراوح على كلّ خوار كأنّ جذوعها ... طلين بقار أو بدمّ ذبائح قالوا: وأحسن الخضرة ما ضارع السّواد. قال الله جلّ وعلا: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ ، ثم قال لمّا وصفهما وشوّق إليهما: مُدْهامَّتانِ قال ابن عباس: خضراوان من الرّيّ سوداوان.

стр. 305

وليس في الأرض عود أحسن خشبا ولا أغلى ثمنا، ولا أثقل وزنا ولا أسلم من القوادح، ولا أجدر أن ينشب فيه الخطّ من الآبنوس. ولقد بلغ من اكتنازه والتئامه وملوسته وشدّة تداخله، أنه يرسب في الماء دون جميع العيدان والخشب. ولقد غلب بذلك بعض الحجارة؛ إذ صار يرسب وذلك الحجر لا يرسب. والإنسان أحسن ما يكون في العين ما دام أسود الشعر. وكذلك شعورهم في الجنّة. وأكرم ما في الإنسان حدقتاه؛ وهما سوداوان. وأكرم الأكحال الإثمد، وهو أسود. ولذلك جاء أنّ الله يدخل جميع المؤمنين الجنة جردا مردا مكحّلين. وأنفع ما في الإنسان له كبده التي بها تصلح معدته، وينهضم طعامه، وبصلاح ذلك قام بدنه، والكبد سوداء. وأنفس ما في الإنسان وأعزّه سويداء قلبه، وهي علقة سوداء تكون في جوف فؤاده، تقوم في القلب مقام الدّماغ من الرأس. ومن أطيب ما في المرأة وأشهاه شفتاها للتقبيل، وأحسن ما تكونان إذا ضارعتا السّواد. وقال ذو الرّمّة: لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثاث وفي أنيابها شنب وأطيب الظّلّ وأبرده ما كان أسود. وقال الراجز: سود غرابيب كأظلال الحجر وقال حميد بن ثور: ظللنا إلى كهف وظلّت ركابنا ... إلى مستكفّات لهنّ غروب

стр. 306

إلى شجر ألمى الظّلال كأنّه ... رواهب أحرمن الشّراب عذوب وجعل الله اللّيل سكنا وجماما، والنّهار للكسب والكدّ. والذي يدلّ على أنّ السّواد في وجه آخر مقرون بالشدّة والصّرامة، والهيج والحركة، انتشار الحيّات والعقارب وشدّة سمومها باللّيل، وهيج السّباع واستكلابها باللّيل. وتحرّك الأوجاع وظهور الغيلان، هذه كلّها بالليل. قال: وأشبهنا اللّيل من هذا الوجه. قالوا: وأبلغ ما تكون القائلة وأشفاها للنّفس، وأسرع لمجيئها إذا أردتها، وأبطأ لذهابها إذا كرهتها، ما كان منها في الظّلمة، عند إسببال السّتور وإغلاق الأبواب. قالوا: وليس لون أرسخ في جوهره وأثبت في حسنه من سواد. وقد جرى المثل في تبعيد الشيء: «لا ترى ذلك حتّى يبيّض القار، وحتّى يشيب الغراب» . وهو العرض الملاء عند الحكماء. وأكرم العطر المسك والعنبر، وهما أسودان. وأصلب الأحجار سودها. وقال أبو دهبل الجمحيّ يمدح الأزرق المخزوميّ، وهو عبد الله بن عبد شمس بن المغيرة: فإنّ شكرك عندي لا انقضاء له ... ما دام بالجزع من لبنان جلمود أنت الممدح والمغلى به ثمنا ... إذ لا يعاتب صخر الجندل السّود والعرب تفخر بسواد اللّون. فإن قال: فعلام ذلك وهي تقول: فلان هجان، وأزهر وأبيض، وأغرّ؟ قلنا: ليس تريد بهذا بياض الجلد، إنّما تريد به كرم الجوهر ونقاءه. وقد فخرت خضر محارب بأنّها سود، والسّود عند

стр. 307

العرب الخضر. وقال الشّماخ بن ضرار: وراحت رواحا من زرود فنازعت ... زبالة جلبابا من اللّيل أخضرا وقال الراجز: حتّى انتضاني الصّبح من ليل خضر ... مثل انتضاء البطل السيف الذّكر وهم يسمّون الحديد أخضر لأنّه صلب؛ لأن الأخضر أسود. وقال الحارث بن حلّزة: إذ رفعنا الجمال من سعف البح ... رين سيرا حتى نهاها الحساء فهزمنا جمع ابن أمّ قطام ... وله فارسيّة خضراء وقال المحاربيّ وهو يفخر بأنّه من الخضر: في خضر قيس نماني كلّ ذي فخر ... صعب المقادة آبي الضّيم شعشاع وبنو المغيرة خضر بني مخزوم. قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخوميّ- ويقال إنّها للفضل بن العبّاس اللهبي: وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدّلو إلى عقد الكرب وخضر غسّان بنو جفنة الملوك؛ قال الغسّانيّ: إنّ الخضارمة الخضر الذين ودوا ... أهل البريص نماني منهم الحكم وقد ذكر حسان أو غيره الخضر من بني عكيم حين قال: ولست من بني هاشم في بيت مكرمة ... ولا بني جمح الخضر الجلاعيد قالوا: وكان ولد عبد المطلب العشرة السّادة دلما ضخما، نظر إليهم عامر بن الطّفيل يطوفون كأنّهم جمال جون، فقال: بهؤلاء تمنع السّدانة.

стр. 308

وكان عبد الله بن عباس أدلم ضخما. وآل أبي طالب أشرف الخلق، وهم سود وأدم ودلم. قالوا: وقال النبي ﷺ : «بعثت إلى الأحمر والأسود» . وقد علمت أنّه لا يقال للزّنج والحبشة والنّوبة بيض ولا حمر، وليس لهم اسم إلّا السّود. وقد علمنا أنّ الله بعث نبيّه [إلى الناس] كافة، وإلى العرب والعجم جميعا. فإذا قال: «بعثت إلى الأحمر والأسود» ولسنا عنده حمر ولا بيض، فقد بعث إلينا، فإنما عنانا بقوله «الأسود» . ولا يخرج الناس من هذين الاسمين، فإن كانت العرب من الأحمر، فقد دخلت في عداد الرّوم والصّقالبة، وفارس وخراسان. وإن كانت من السّود، فقد اشتقّ لها هذا الاسم من اسمنا. وإنما قيل لهم وهم أدم وسمر سود، حين دخلوا معنا في جملتنا، كما يجعل العرب الإناث من الذكور ذكورا. وإذا كان النبي ﷺ يعلم أنّ الزّنج والحبشة والنّوبة ليسوا بحمر ولا بيض، وأنّهم سود، وقد بعثه الله تعالى إلى الأسود والأحمر، فقد جعلنا والعرب سواء، ونكون نحن السّود دونهم. فإن كان اسم أسود وقع علينا فنحن السّودان الخلّص، والعرب أشباه الخلّص. فنحن المتقدّمون في الدّعوة. وإذا كان اسمهم محمولا على اسمنا؛ إذ كنّا وحدنا يقال لنا سود، ولا يقال لهم سود إلّا أن يكونوا معنا. [٥- كثرة عدد السودان واتساع بلدانهم] قالوا: وأنتم ترون كثرة العدد مجدا، ونحن أكثر النّاس عددا وولدا. قالوا: ونحن صنفان: النّمل والكلاب. قالوا: ولو عدلتم بالنّمل العرب كلّها لأربت عليها. فكيف إذا قرنت

стр. 309

إليها الكلاب؟ ثم كيف إذا ضممتم إليها الحبشة والنّوبة وفزّان ومرو وزغاوة وغير ذلك من أنواع السّودان؟ وليست قحطان من عدنان في شيء. ونحن بالحبشة أشبه، وأرحامنا بهم أمسّ من عدنان بقحطان. وإن ذكرتم اختلاف اللّغات؛ فإنّ لغة عجز هوازن، وقد تختلف اللّغات والأصل واحد، وقد تتّفق والنّجر مختلف. ومن دخل أوائل خراسان وأواخرها، وأوائل الجبال وفارس وأواخرها، علم أنّ اللّغات قد تختلف لاختلاف طبائع البلدان والأصل واحد. قالوا: وأنتم لم تروا الزّنج الذين هم الزنج قطّ، وإنّما رأيتم السّبي يجيء من سواحل قنبلة وغياضها وأوديتها، ومن مهنتنا وسفلتنا وعبيدنا، وليس لأهل قنبلة جمال ولا عقول. وقنبلة: اسم الموضع الذي تزفّون منه سفنكم إلى ساحله. لأنّ الزّنج ضربان: قنبلة ولنجوية، كما أنّ العرب ضربان: قحطان وعدنان. وأنتم لم تروا من أهل لنجوية أحدا قطّ، لا من السّواحل ولا من أهل الجوف، ولو رأيتموهم نسيتم الجمال والكمال. فإن قلتم: وكيف ونحن لم نر زنجيّا قطّ له عقل صبيّ أو امرأة؟ قلنا لكم: ومتى رأيتم من سبى السّند والهند قوما لهم عقول وعلم وأدب وأخلاق حتّى تطلبوا ذلك فيما سقط إليكم من الزنج. وقد تعلمون ما في الهند من الحساب وعلم النجوم وأسرار الطّبّ، والخرط والنّجر، والتّصاوير والصناعات الكثيرة العجيبة، فكيف لم يتّفق لكم مع كثرة ما سبيتم منهم واحد على هذه الصّفة، أو بعشر هذه الصّفة؟ فإن قلتم: أهل الشّرف والعقل والعلم إنّما ينزلون الواسطة، وبقرب دار الملك، وهؤلاء حاشية وأعلاج وأكره، ونزّال السّواحل والآجام والفيوض والجزائر، من أكار ومن صيّاد.

стр. 310

قلنا: وذلك من رأيتم ومن لم تروا منا. وجوابنا هو جوابكم لنا. قالوا: ولو أنّ الزّنجيّ والزنجيّة إذا تناكحا بقيت أولادهما بعد الحيض والاحتلام ببلاد العراق، كانوا قد غلبوا على الدّار بالعدد والجلد، والعلم والتدبير، ولكنّ ولد الهنديّ والهنديّة، والروميّ والروميّة، والخراسانيّ والخراسانيّة، يبقون فيكم وفي بلادكم كبقاء آبائهم وأمّهاتهم، ولا يبقى ولد الزّنجيّين بعد الحيض والاحتلام. على اننا لا نصيب في عشرة آلاف، واحد يبلغ ما ذكرنا، إلّا أن يضرب الزنجيّ في غير الزّنجيات، والزّنجية في غير الزّنج. ولولا أنّ الزنجيّ والزّنجيّة قليلا ما يريدان من الغرائب والغرباء، لكنّا على حال سنرى لرجال الزّنج نسلا كثيرا. ولكنّ الزنجية لا تكاد تنشط لغير الزنجيّ. قالوا: وكذلك البيضان منكم، لا يكادون ينشطون لطلب النّسل من الزّنجيات. والزّنجية أيضا من الزّنجيّ أسرع لقاحا منها من الأبيض. قالوا: وأنتم لا تكادون تعدّون ممّن ولد له من صلبه مائة ولد إلّا أن يكون خليفة، فيكون ذلك لكثرة الطّروقة، ولا تجدون ذلك في سائركم. والزّنج لا تستكثر هذا ولا تستعظمه؛ لكثرته في بلادهم، لأنّ الزنجية تلد نحوا من خمسين بطنا في نحو من خمسين عاما، في كلّ بطن اثنين، فيكون ذلك أكثر من تسعين. لأنّه يقال إنّ النساء لا يلدن إذا بلغن السّتين إلّا ما يحكى عن نساء قريش خاصّة. والزّنج أحرص من خلق الله على نسائهم، ونساؤهم لهم كذلك، وهنّ أطيب من غيرهنّ. قالوا: فتأمّلوا قولنا واحتجاجنا، فإنّا قد روينا الأخبار وقلنا الأشعار، وعرفناكم وعرفنا الأمم. وقد كان الفرزدق أعلم النّاس بالنّساء، وكان قد جرّب الأجناس كلّها

стр. 311

فلم يجد مثلهنّ، ولذلك تزوج أم مكيّة الزنجيّة وأقام عليها، وترك النّساء، للذي وجد عندها. وفي ذلك يقول: يا ربّ خود من بنات الزّنج ... تمشي بتنّور شديد الوهج أخثم مثل القدح الخلنج وكانت دنانير بنت كعبوية الزّنجيّ عند أعشى سليم، وكانت شديدة السّواد، فرآها يوما وقد خضبت يديها بالحنّاء، واكتحلت بالإثمد، فقال: تخضب كفّا بتكت من زندها ... فتخضب الحنّاء من مسودّها كأنّها والكحل في مرودها ... تكحل عينيها ببعض جلدها فلما سمعت ذلك قالت: وأقبح من لوني سواد عجانه ... على بشر كالقلب أو هو أنصع فسمّوه أسود، وصاح به الصبيّان فطلّقها. وقد كان صبيحة عرسها قال: إنّ الدّنانير تكون سودا فقالت: بياض الرأس أقبح من سوادي ... وشيب الحاجبين هو الفضوح فأمسك عنها حينا ثم عاودها، فلما فضحته طلّقها. قالوا: وإن نظر البيضان إلى نساء السّودان بغير عين الشهوة فكذلك السّودان في نساء البيضان. على أنّ الشّهوات عادات وأكثرها تقليد. من ذلك أنّ أهل البصرة أشهى النّساء عندهم الهنديّات وبنات الهنديّات والأغوار. واليمن أشهى النّساء عندهم الحبشيّات وبنات الحبشيات. وأهل الشّام أشهى النّساء عندهم الرّوميّات وبنات الروميّات. وكلّ قوم فإنّما يشتهون جلبهم وسبيهم. إلّا الشاذّ، وليس على الشاذّ قياس.

стр. 312

قالوا: وأطيب الأفواه نكهة، وأشدّها عذوبة، وأكثرها ريقا؛ أفواه الزنج. والكلاب من بين السّباع أطيب أفواها منها. قالوا: والسواد ملاوم للعين، وإذا اعتلّت فخيف عليها لم يكن لها دواء خير من القعود في الظّلمة وفي يد صاحبها خرقة سوداء. فالسّواد للإبصار، وخير ما في الإنسان البصر. وقالوا: والسّودان أكثر من البيضان، لأنّ أكثر ما يعدّ البيضان فارس والجبال وخراسان، والرّوم والصّقالبة وفرنجة والأبر، وشيئا بعد ذلك قليلا غير كثير. والسّودان يعدّون الزّنج والحبشة، وفزّان وبربر، والقبط والنّوبة، وزغاوة ومرر، والسّند والهند، والقمار والدّبيلا، والصّين وماصين. والبحر أكثر من البرّ، وجزائر البحر ما بين الصّين والزّنج مملوءة سودانا، كسرنديب، وكله، وأمل، وزابج وجزائرها إلى الهند إلى الصين إلى كابل وتلك السواحل. قالوا: وكان الأعمى الاشتيام يقول: السّودان أكثر من البيضان، والصّخر أكثر من الوحل، والرّمل أكثر من التّراب، والماء المالح أكثر من العذب. قالوا: ومنّا العرب لا من البيضان؛ لقرب ألوانهم من ألواننا. والهند أسفر ألوانا من العرب، وهم من السّودان. ولأن النبي ﷺ قال: «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقد علم النّاس أنّ العرب ليست بحمر كما ذكرنا قبل هذا. قال: فهذا المفخر لنا وللعرب على جميع البيضان إن أحبّت ذلك العرب؛ وإن كرهته فإنّ المفخر لنا بالذي ذكرنا على الجميع. قالوا: ولولا لم نكثركم إلّا بالزابج وحدها لفضلناكم بهم فضلا مبينا؛ وذلك أنّ ملك الزابج إن غضب على أهل مملكة ولم يتّقوه بالخراج بعث ألف

стр. 313

سنبوقة في كلّ سنبوقة ألف رجل على أن [لا] يجلدوهم ولا يقاتلوهم، ولكن يأمرهم أن يقيموا أبدا فيهم حتّى يتّقوهم بالخراج، فيكون ما يأكلون ويشربون ويغذون ويلبسون، أضرّ عليهم من مقدار الخراج المرار الكثيرة. فإن اتّقوهم بالخراج وإلّا أرسل إليهم ألف سنبوقة أخرى، فلا يجد ذلك الملك بدّا من أن يتّقيه بكلّ ما طلب، ولا يأمن أن يغضب فيأتي عليه وعلى أهل مملكته. قالوا: ولقد نزل ملك الزابج على خليج مرّة والخليج فراسخ في فراسخ، فبينا هو على مائدته وفي سرادقه على شاطىء الخليج، إذ سمع صارخة فقال: ما هذا؟ وقطع الأكل. قالوا: امرأة سقط ابنها في هذا الخليج فأكله التمساح. قال: وفي مكان أنا فيه شيء يشاركني في قتل النّاس! ثم وثب فإذا هو في الخليج. فلما [رآه] الناس سقطوا عن آخرهم، فخضخضوه وهو فراسخ في فراسخ، حتّى أخذوا كلّ تمساح فيه أخذ يد. فيقال: إنّ أهل الزابج وأغبابها أكثر من شطر أهل الأرض. قالوا: وآخر العمران كلّه سودان، وما استدار من أقاصي العمران أكثر من أهل الواسطة، كطوق الرّحى الذي يلي الهواء، الذي هو أوسع وأكثر ذرعا مما قصر عنه من فلك الرّحى ولنعتبر ذلك بالجناح المطيف، لا يرى أحد ذرعه مع قلّة عرضه، ونجده أكثر ذرعا من نفس الدار. وليس خلف الزابج بيضان، وكذلك جميع بلاد السودان السّاكنة في الأطراف وفي آخر أطواق العمران. قالوا: فهذا دليل على أنّا أكثر، وإذا كنّا أكثر كنا أفخر. وقد قال شاعركم: ولست بالأكثر منه حصى ... وإنّما العزة للكاثر قالوا: والقبط جنس من السودان وقد طلب منهم خليل الرحمن

стр. 314

[الولد] فولد له منهم نبيّ عظيم الشأن، وهو أبو العرب إسماعيل ﵇. وطلب النبيّ ﷺ منهم الولد، وولد له إبراهيم، وكنّاه به جبريل. قالوا: والحجر الأسود من الجنّة. والنّحاس إذا اشتدّ سواده كان أثمن وأجود. فمن استنكر لون السواد فما في فرنجة والرّوم والصّقالبة من إفراط سبوطة الشّعر والرّقّة والصّهوبة، والحمرة في شعر الرّأس واللحية، وبياض الحواجب والأشفار، أقبح وأسمج. وليس في السّودان مغرب، ليس المغرب إلّا فيكم. ولا سواء من لم تنضجه الأرحام وما جازت به حدّ التمام. [٦- اثر البيئة في لون السودان والبيضان] قالوا: ولنا بعد معرفة بالتفلسف والنّظر، ونحن أثقف النّاس. ولنا في الأسرار حجة. ونحن نقول: إنّ الله تعالى لم يجعلنا سودا تشويها بخلقنا، ولكنّ البلد فعل ذلك بنا. والحجّة في ذلك أنّ في العرب قبائل سودا كبني سليم بن منصور. وكلّ من نزل الحرّة من غير بني سليم كلّهم سود. وإنّهم ليتخذون المماليك للرعي والسّقاء، والمهنة والخدمة، من الأشبانيّين ومن الرّوم نسائهم، فما يتوالدون ثلاثة أبطن حتّى تنقلهم الحرّة إلى ألوان بني سليم. ولقد بلغ من أمر تلك الحرّة أنّ ظباءها ونعامها، وهوامّها وذبابها وثعالبها وشاءها وحميرها، وخيلها، وطيرها كلّها سود. والسّواد والبياض إنّما هما من قبل خلقة البلدة، وما طبع الله عليه الماء والتّربة، ومن قبل قرب الشّمس وبعدها، وشدّة حرّها. وليس ذلك من قبل مسخ ولا عقوبة، ولا تشويه ولا تقصير. على أنّ بلاد بني سليم تجري مجرى بلاد التّرك. ومن رأى إبلهم ودوابّهم وكلّ شيء لهم تركيّ رآه شيئا واحدا. وكلّ شيء لهم تركيّ المنظر. وربّما رأى الغزاة دون العواصم أخلاط غنم الرّوم فلا يخفى عليهم غنم الرّوم

стр. 315

من غنم الشّام، للرّوميّة التي يرونها فيها. وقد نرى الناس أبناء الأعراب والأعرابيات الذين وقعوا إلى خراسان فلا نشكّ أنّهم علوج القرى. وهذا موجود في كل شيء. وقد نرى جراد البقل والرّيحان وديدانهما خضرا، ونرى قمل رأس الشّابّ سودا، ونراها إذا ابيضّ رأسه بيضا، ونراها إذا خضبت حمرا. فليس سوادنا، معشر الزّنج، إلّا كسواد بني سليم ومن عددنا عليكم من قبائل العرب في صدر هذا الكلام. وما إفراط سواد من اسودّ من الناس إلّا كإفراط بياض من ابيضّ من الناس. وكذلك السّمرة المتولّدة من بينهما، وكذلك الزّيّ والهيئات، وكذلك الصّناعات، وكذلك المطاعم والشّهوات. وقد ذكر الشاعر، حين مدح أسيلم بن الأحنف الأسديّ، سواد اليمانية فقال: أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين تداحى أو لأذن تسمّع من النّفر الشّمّ الذين إذا انتموا ... وهاب الرّجال حلقة الباب قعقعوا جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدّهان رأسه وهو أنزع إذا النّفر السّود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا وقد عاب بعض البيضان عبد بني جعدة بلونه، فقال: قد عاب لوني أقوام فقلت لهم ... ما عاب لوني إلّا مفرط الحمق إن كان لوني فيه دعجة كلف ... حزن الإهاب فإنّي أبيض الخلق أرضي الصّديق وأحمي الظّعن معترضا ... صدر القناة وأكنى كنه السّرق وكانت امرأة عمرو بن شاس تجفو عرار بن عمرو، وكان ابن سوداء، فقال عمرو بن شاس في ذلك، وفي صفة أبناء الحبشيّات والزّنجيات:

стр. 316

ألم يأتها أنّي صحوت وأنّني ... تخشّعت حتّى ما أعارم من عرم وأطرق إطراق الشّجاع، ولو يرى ... مساغا لنابيه الشّجاع لقد أزم أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم وإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإنّي أحبّ الجون ذا المنكب العمم فإن كنت منّي أو تحبّين شيمتي ... فكوني له كالسّمن ربّت له الأدم وإلّا فبيني مثل ما بان راكب ... تزوّد خمسا ليس في سيره أتم وأمّا الهند فوجدناهم يقدّمون في النّجوم والحساب، ولهم الخطّ الهنديّ خاصّة، ويقدّمون في الطبّ، ولهم أسرار الطبّ وعلاج فاحش الأدواء خاصة. ولهم خرط التماثيل ونحت الصّور بالأصباغ تتّخذ في المحاريب وأشباه ذلك. ولهم الشّطرنج، وهي أشرف لعبة وأكثرها تدبيرا وفطنة. ولهم السّيوف القلعيّة، وهم ألعب النّاس بها وأحذقهم ضربا بها. ولهم الرّيى النّافذة في السّموم وفي الأوجاع. ولهم غناء معجب. ولهم الكنكلة، وهي وتر واحد يمدّ على قرعة فيقوم مقام أوتار العود والصّنج. ولهم ضروب الرّقص والخفّة، ولهم الثّقافة عند الثّقاف خاصة، ولهم معرفة المناصفة، ولهم السّحر والتّدخين والدمازكية. ولهم خطّ جامع لحروف اللّغات، وخطوط أيضا كثيرة، ولهم شعر كثير وخطب طوال، وطبّ في الفلسفة والأدب. وعنهم أخذ كتاب كليلة ودمنة. ولهم رأي ونجدة، وليس لأحد من أهل الصّبر ما لهم. ولهم من الزّيّ الحسن والأخلاق المحمودة مثل الأخلّة والقرن والسّواك، والاحتباء، والفرق والخضاب. وفيهم جمال وملح واعتدال وطيب عرق. وإلى نسائهم يضرب الأمثال. ومن عندهم جاءوا الملوك بالعود الهنديّ الذي لا يعدله عود. ومن عندهم خرج علم الفكر، وما إذا تكلّم به على السّمّ لم يضرّ. وأصل حساب النّجوم من عندهم أخذه النّاس خاصّة. وآدم ﵇ إنّما هبط من الجنّة فصار ببلادهم. قالوا: ومن مفاخر الزنج حسن الحلق، وجودة الصّوت. وإنّك لتجد

стр. 317

ذلك في القيان إذا كنّ من بنات السّند. وخصلة أخرى: أنّه لا يوجد في العبيد أطبخ من السّنديّ، هو أطبع على طيّب الطّبخ كلّه. ومن مفاخرهم أنّ الصّيارفة لا يولّون أكيستهم وبيوت صروفهم إلّا السّند وأولاد السّند؛ لأنّهم وجدوهم أنفذ في أمور الصّرف، وأحفظ وآمن. ولا يكاد أحد أن يجد صاحب كيس صيرفيّ ومفاتيحه ابن روميّ ولا ابن خراسانيّ. ولقد بلغ من تبرّك التجار بهم أنّ صيارفة البصرة وبنادرة البربهارات، لمّا رأوا ما كسب فرج أبو روح السّنديّ لمولاه من المال والأرضين اشترى كلّ امرىء منهم غلاما سنديّا، طمعا فيما كسب أبو روح لمولاه. قال: وكان عبد الملك بن مروان يقول: «الأدغم سيّد أهل المشرق» يعني عبيد الله بن أبي بكرة. وكان أشدّ السّودان سوادا. وإيّاه يعني عبد الله ابن خازم حيث يقول: حبشيّ حبشته حبشة فهذا جملة ما حضرنا من مفاخر السّودان. وقد قلنا قبل هذا في مفاخر قحطان، وسنقول في فخر عدنان على قحطان في كثير مما قالوا إن شاء الله.

стр. 318

هامش كتاب فخر السودان على البيضان (١) يذكر الجاحظ اسم احد كتبه الذي ذكره في مقدمة كتاب الحيوان اعني كتاب الصرحاء والهجناء. والصريح هو العربي الأب والام. والهجين هو العربي الأب ولكن امه أمة غير عربية. - ينبغي ملاحظة الالفاظ الغريبة في كلام الأصمعي العالم اللغوي والرواية المشهور وقد أخذ عنه الجاحظ. امثال الخربة اي الثقب، والتترع اي التسرع، والطمش اي الخلق: ولكن استعمال تترع بمعنى تسرع غير موافق لمعنى الجملة او المثل الذي ضربه: لا يقرب العنز الضأن ما وجدت الماعز، وتنفر الشاة من المخلب ولا تأنس بالحف. وربما كان استبدالها بكلمة ينتزع افضل. (٢) لقمان الحكيم تضاربت الآراء حول شخصيته وهويته، وقد ورد اسمه في القرآن، ونسبت اليه حكم ووصايا كثيرة لابنه. - مهجع هو مولى عمر، وقد قتل يوم بدر. - المقداد: هو المقداد بن الاسود الكندي ابوه عمرو بن ثعلبة حليف كنده. حسن اسلامه وناضل في سبيل الدين وقتل في خلافة عثمان سنة ٣٣ هـ. - وحشي بن حرب الحبشي مولى بني نوفل. - مكحول بن سهراب، عرف بفقهه وتوفي سنة ١١٢ هـ. - الحيقطان شاعر عاش في العصر الأموي وتبادل الهجاء مع جرير وتفوح من شعره رائحة الشعوبية. وقد اثبت له الجاحظ في كتاب فخر السودان على البيضان قصيدة رائية يفخر فيها بقومه ويهجو جريرا. - سنيح بن رباح شار: شاعر اسود عاش ايضا في العصر الأموي وتبادل الهجاء مع جرير، والقصيدة التي اثبتها الجاحظ له هنا تبين نزعته الشعوبية واعتداده بقومه السود. ولا حاجة لشرح معانيها لأن الجاحظ اعفانا من هذه المهمة فشرحها باسهاب.

стр. 319

(٣) القياس: سمى الجاحظ قياسا الجملة السابقة وهي: «انهم صاروا اسخياء لضعف عقولهم ولقصر رواياتهم ولجهلهم بالعواقب» ومعنى ذلك ان كل ضعيف العقل سخي. والزنج اسخياء لانهم ضعاف العقول. فالعلة في السخاء هي ضعف العقل والعلة في البخل هي رجاحة العقل. بيد ان هذا القياس لا ينطبق على الصقالبة والروم ولا على النساء والصبيان. فالصقالبة ابخل من الروم مع انهم اضعف عقولا منهم. والنساء والصبيان ابخل من الرجال مع انهم اضعف عقولا منهم. ان القياس يعني إذا بناء على هذه الامثلة التي ذكرها الجاحظ نقل الحكم من شيء الى آخر للعلة ذاتها. ولكن الجاحظ يعتبر قياس خصوم الزنج غير صحيح لأنهم قلبوا القياس وبدأوا بالنتيجة بدل البدء بالمقدمة العامة. - ان السخاء او البخل، والخلق عامة، وكذلك العقل، هبة من الله او فطرة اودعها الله في الناس. وهذا هو المبدأ الفلسفي الذي نادى به الجاحظ. فليس السخاء الذي نلفيه في الزنج او عند بعض الاشخاص نتيجة ضعف العقل او غير ذلك من الاسباب. - عكيم الحبشي شاعر من السودان الاحباش عاصر الكميت الاسدي. وقد اثبت له الجاحظ هنا خمسة ابيات يفتخر بها ببلاء السودان في المعارك. (٤) «سويداء القلب وهي علقة سوداء تكون في جوفه، تقوم في القلب مقام الدماغ من الرأس» . لم يوضح الجاحظ ماذا يعني بذلك، وما هو الشبه بين سويداء القلب ودماغ الرأس. - لاحظ النعرة الشعوبية في تفسير قول النبي «بعثت الى الاحمر والأسود» . ان السود هم اصحاب الدعوة بنظر هؤلاء وهم المتقدمون على العرب. (٥) لاحظ المبالغة في العصبية الشعوبية التي دفعت السودان الى اعتبار الصين والهند والعرب ومرو من بلاد السودان. والقمار والدبيلا وكلة وزابج من بلاد الهند. (٦) انظر كيف يفسر الجاحظ اختلاف الوان البشر. انه تفسير طبيعي محض يتفق مع فلسفته الطبيعية. فالبيئة هي التي صيرت لون السودان اسود ولون البيضان أبيض بسبب شدة الحر او شدة البرد الخ.. (٧) عدد علوم الهند لأنه اعتبر الهنود من السود. ولم يترك علما لم ينسبه اليهم: الحساب، الفلك، الخط، الطب، صناعة الادوية، النحت، الشطرنج، صنع السيوف، الموسيقى وآلاتها، الرقص، السحر، الشعر، الخطابة، الفلسفة، الأدب.

стр. 320

- علم الفكر: احد علوم الهند، وهو كلام يتلى على السم فيصبح غير ضار. - كليلة ودمنة اصله هندي برأي الجاحظ، وهو أقدم من أشار الى ذلك. - الدمازكية: لفظة هندية على الأرجح. - اعمال الصيرفة كانت رائجة في البصرة وبغداد في عصر الجاحظ. وقد برع فيها الموالي من اصل سندي. - بنادرة البربهارات: تجار العقاقير او التوابل. - حبشي حبشته حبشة: اي اسود من بلاد الحبشة، ولدته امرأة حبشية. يعنى به عبد الله بن ابي بكرة الذي عاش في العصر الأموي. والشعر لعبد الله بن خازم البصري امير خراسان لبني أمية وقد ثار به اهل خراسان وقتلوه سنة ٧٢ هـ. - يشير الى كتابين من كتبه هما: فخر قحطان، وفخر عدنان على قحطان. انظر كشاف آثار الجاحظ.
следующие страницы →