← Адаб

Адаб · id 10709

الرسائل السياسية

الجاحظ

Полный текст (400 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[١٧- سياسة السلطان] إنّك ستمنى بصحبة السّلطان الحازم العادل، وبصحبة السّلطان الأخرق الجهول الغشوم. فالحازم العادل يسوسه لك الأدب والنّصح، والأخرق تسوسه لك الحيلة والرّفق. العادل يعضدك منه ثلاث، وتصبر نفسه لك على ثلاث: فاللواتي يعضدنك: تسليط العدل وإنفاذ الحكومة- وفي ذلك صلاح الرعيّة- وإثابة المحسنين الذين إثابتهم تحصين البيضة والسّبل، والعفو ما بلغ به الإستصلاح، واكتفي به من البسط. واللّواتي تصبر نفسه لك عليهن: الهوى إلى ما وافق الرأي، وأمضى الرأي الا بعد التثبت حتّى تعاونه عليه النّصحاء. ولكنّي أوصيك برياضة نفسك حتّى تذلّلها على الأمور المحمودة؛ فإنّ كلّ أمر ممدوح هو ممّا تستثقل النّفوس. [وممّا تسرّ به وتنقلب إليه الأخلاق المذمومة] . فإن أهملتها وإيّاها غلبت عليك، لأنها فيها طبيعة [مركبّة] ، وجبلّة مفطورة. فلتكن المساهلة في أخلاقك أغلب عليك من المعاسرة، والحلم أولى بك من العجلة، والصّبر الحاكم عليك دون الجزع، والعفو أسبق إليك من المجازاة بالذّنوب، والمكافأة بالسّوء. [وكذلك سائر الأخلاق المحمودة والمذمومة، فلتكن محموداتها غالبة على أفعالك، محكّمة في أمورك] . فإنّك إن ضبطت [ذلك، وقومت عليه] نفسك، عشت رخيّ البال، قليل الهموم، كثير الصديق قليل العدوّ، [سليم الدين، نقيّ العرض، محمود الفعال] ، جميل الأحدوثة في حياتك وبعد وفاتك، وكنت بموضع الرجاء أن يصل الله لك السلّامة الآجلة بالنّعمة العاجلة [إن شاء الله ] . أسأل الله المبتدىء بكلّ نعمة، والمتولّي لكلّ إحسان، أن يصلّي على محمد خيرته من خلقه، وصفوته من بريّته، وأن يتمّ عليك نعمته، ويشفع لك ما

стр. 72

خوّلك من نعمته بالنّعمة التي يؤمن معها الزّوال، في جواره ومرافقة أنبيائه. والسلام عليك ورحمة الله. تمت الرسالة في الأخلاق المحمودة والمذمومة بعون الله ومنّه. والله الموفق للصواب، والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه. يتلو هذه الرسالة: كتاب كتمان السر وحفظ اللسان من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أيضا. والله سبحانه المستعان على ذلك برحمته.

стр. 73

هامش رسالة المعاش والمعاد (١) على الحكيم تبيان اسباب الامور وعواقبها. بهذا المعنى يقترب الجاحظ من ارسطو الذي حدد الحكيم بانه الذي يعرف علل الاشياء. - العقل هو الذي يكبح الهوى ويسير بالانسان في الطريق المستقيم. فالجاحظ كبير الثقة بالعقل كالمعتزلة. - ظواهر الامور وبواطنها. هذا التمييز الذي بدأه الجاحظ بلغ ذروته عند كانط وهيوم. - ابو عبد الله، هو على الارجح احمد بن ابي دؤاد والد القاضي محمد الذي يوجه اليه الجاحظ الكلام. وقد كانت صلة الجاحظ به وطيدة قبل ان يصناب بالفالج ويحل ابنه مكانه في القضاء. - ان ذلك طبع غير تكلف: فالطبع هنا معناه عدم التكلف او التصنع. يعني ما هو تلقائي أو مباشر. - يشير الجاحظ هنا الى شغفه بالكتب يجمعها وينظر فيها لأن تصفحها يطلعنا على عقول العالمين. وقد عبر عن هذا الميل عنده في مقدمة كتاب الحيوان حيث كتب أجمل وصف للكتاب. - يميز الجاحظ هنا بين نوعين من العقل: العقل المطبوع والعقل المكتسب. على نحو ما ميز ارسطو والفلاسفة العرب امثال الكندي والفارابي وابن سينا بين العقل الهيولاني او بالقوة، والعقل بالملكة او المستفاد او بالفعل. وقد اعترف الجاحظ بأن الحكماء هم الذين ذهبوا الى هذا التفريق بين انواع العقل، مما يدل على تأثره بهم.

стр. 74

- استنبط تعني استخرج علل الاشياء ولم يقتصر على وصفها او عرضها. والجاحظ يذهب الى ان معرفة الاسباب تفضي الى اليقين. أما مجرد العرض والوصف فيقف بصاحبه عند الظن. ويقول ايضا ان احكام الدين مبينة الاسباب مكشوفة العلل. وبذلك يكون قد وحد بين الفلسفة والدين. وهذا ما اعتقده فعلا وصرح به في تعريفه لعلم الكلام. (٢) الطبائع جمع طبيعة وهي ما «ركتب عليه الخلق وفطرت عليه البرايا كلهم، فهم فيها مستوون والى وجودها في انفسهم مضطرون، وفي المعرفة بما يتولد عنها متفقون» . بهذا يلخص الجاحظ مذهبه الطبيعي. فهو يؤمن بوجود طبائع فطرية في الخلق سواء كانوا بشرا او حيوانات او جمادات. وهم مضطرون للخضوع الى هذه الطبائع وليسوا احرارا في مخالفتها. والقول في الطبائع يؤدي الى القول بالتولد أي صدور افاعيل عن الطبائع لا دخل لله فيها. (٣) يحدد الآداب بانها آلات او وسائل تستعمل لتدبير امور الانسان في الدنيا والآخرة وفي الدين والدنيا. هذه الآداب وضعت على اساس الطبائع. - الفرق بين الدين والدنيا هو اختلاف الدارين فقط والآداب واحدة والحكم واحد. وبهذا وحد الجاحظ بين الدين والسياسة وخلط بينهما خلطا قويا. - التكليف مرتبط بالابتلاء او الاختبار وهو مبدأ قال به معظم المعتزلة ومنهم الجاحظ. (٤) من طباع الناس الاساسية حب المنافع ودفع المضار ويؤكد الجاحظ على انهما فطرة في الانسان والحيوان. - النفس طبعت على ميول اهمها حب الراحة، والعلو والغلبة والاستطراف، واللذة الحسية المتنوعة. (٥) السياسة تقوم على الترغيب والترهيب وهما غريزتان فطريتان في الانسان سبقت الاشارة اليهما (رقم ٤) . وقد لجأ إليهما الدين عندما ذكر الجنة والنار، الجنة للترغيب والنار للترهيب. - وارفق الترغيب والترهيب بمبدأ ثالث هو العدل. - يقابل الترغيب والترهيب بمبدأ رابع هو الوعد والوعيد. - السياسة تعني التدبير أي تدبير شؤون الناس. هذا ما يفهم من كلامه «فالرغبة والرهبة اصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة، عظمت او صغرت» . (٦) يحدد معنى العدل في الدنيا او في السياسة: وهو يعني الاثابة او الجزاء حسب الاستحقاق. (٧) لكل شيء افراط وتقصير، والفضيلة في ملازمة الحدود او في التوسط. وهذا مبدأ

стр. 75

من مبادىء المعتزلة عبر عنه بالمنزلة بين المنزلتين. وفي هذا النص تطبيق صريح لمبدأ السببية الذي آمن به الجاحظ. وفي السببية والتولد والتوسط يلتقي الجاحظ مع ارسطو. - التوكل لا يعني التواني والاعتماد على قوة أخرى ولا يعني الاحالة على الاقدار. لقد امر الله بالتوكل عند انقطاع الحيل وبذل ما في الوسع. وبهذا يخالف الجاحظ الاشاعرة والمتصوفة. (٨) يحدد الجاحظ معنى الجود بانه مساعدة المحتاجين عند النوائب، والتفضل على الراغبين مع تجنب السرف. وينصح بتثمير المال لأن المال «آلة المكارم ومتألف للاخوان وعون على الدين» . وهو يردد ما سبق اليه ابن المقفع في الأدب الكبير والأدب الصغير وفي كليلة ودمنة. (٩) المنطق استعمل هنا بمعنى النطق وهو ضد الصمت. ولم يستعمل بمعنى العلم الذي ابتدعه ارسطو. والجاحظ ينصح بالاعتدال في الكلام والصمت اخذا بمذهبه الاعتزالي: التوسط. (١٠) الشجاعة تعني المخاطرة في النفس والمال في كل أمر تجهل عاقبته. ولا تحمد الا اذا وجبت في الدين أو في سبيل درء العار. ولا تحمد اذا كانت في سبيل منفعة في الدنيا لانها تكون ضربا من الحماقة. (١١) في معاملة العدو يضع قواعد من الخير ويقارنها بقواعد او نصائح ابن المقفع. من مداراة، وحفظ سر الخ. (١٢) يجعل الناس من حيث الخدمات التي يؤدونها للحاكم ثلاثة اجناس: اصحاب الرأي والمشورة، اهل الشدة والغلظة، اصحاب المهن المختلفة. وينبغي على الحاكم العناية بهم جميعا وتعهدهم بالثواب والجزاء. (١٣) العلم بما غاب نحصل عليه بطرق ثلاث: «الاخبار المتواترة التي يحملها الولي والعدو والصالح والطالح. اي جميع الناس تقريبا. ٢) الاخبار المتواطئة: التي يتفق عليها العدد الكبير من الناس وان جهلها معظمهم. وينبغي السؤال عن هذه الاخبار وتوجيهه الى عدة اقوام نقلوها. فاذا تواطأوا عليها على الرغم من تفاوت احوالهم اعتبرت صحيحة. وقد اعتمد الجاحظ هذه الطريقة في اثبات حجج النبوة (راجع رسالة حجج النبوة) . ٣) الخبر المفرد الذي يجيء به الرجل او الرجلان، لا يصح تصديقه الا اذا كان المخبر عدلا وثقة. هذا مما يدرك بالعيان. الغائب الذي لا يدرك بالعيان مثل سرائر القلب وما

стр. 76

اشبه فيدرك بوسيلة اخرى غير الخبر هي آثار افاعيلها الغالبة. درجات العلم ثلاثة هي الشك فالظن فالعلم. اول العلم بالامور الشك فاذا ظهرت بعض الادلة زال الشك وحل مكانه الظن، فاذا قويت الادلة زال الظن وحل العلم اليقيني. وقد ردد الجاحظ هذه المراتب في عدة اماكن من كتبه مثل الحيوان وبعض الرسائل. (١٤) الصداقة ضرورية للانسان لأن الصديق أخ ثان، «وشقيق الروح وتوأم العقل» وانيس العيش. وينبغي الحرص عليه والاكثار منه. وتجدر مقارنة اقوال الجاحظ حول الصداقة باقوال الامام علي بن ابي طالب، وابن المقفع. (١٥) يمقت الجاحظ المفاخرة بالأنساب التي اعتد بها العرب. وعلى هذا الاساس يمكن معرفة الغرض الذي رمى اليه الجاحظ في رسالة «فضل هاشم على عبد شمس» ومثيلاتها من رسائل التفاخر بالانساب. (١٦) مقت المداحين، وبالتالي الشعراء والكتاب الذين اكثروا من المديح. انه موقف خلقي وسياسي وفني يسجل للجاحظ «تلك اسواق اقاموها للارباح» . (١٧) كيف نعامل السلطان العادل والسلطان الجاهل: نصائح قيمة يسديها للقاضي.

стр. 77

٢- رسالة الاوطان والبلدان

стр. 78

[١- موضوع الكتاب: تفاضل البلدان وحب الاوطان] فصل: زيّنك الله بالتّقوى، وكفاك المهمّ من أمر الآخرة والأولى، وأثلج صدرك باليقين، وأعزّك بالقناعة، وختم لك بالسّعادة، وجعلك من الشاكرين. سألت- أبقاك الله- أن أكتب لك كتابا في تفاضل البلدان، وكيف قناعة النّفس بالأوطان، وما في لزومها من الفشل والنّقص، وما في الطّلب من علم التّجارب والعقل. وذكرت أنّ طول المقام من أسباب الفقر، كما أنّ الحركة من أسباب اليسر، وذكرت قوم القائل: «الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم» . ونسيت- أبقاك الله- عمل البلدان، وتصرّف الأزمان، وآثارهما في الصّور والأخلاق، وفي الشمائل والآداب، وفي اللّغات والشّهوات، وفي الهمم والهيئات، وفي المكاسب والصّناعات، على ما دبّر الله تعالى من ذلك بالحكمة اللطيفة، والتدابير العجيبة. فسبحان من جعل بعض الاختلاف سببا للائتلاف، وجعل الشكّ داعية إلى اليقين، وسبحان من عرّفنا ما في الحيرة من الذّلّة، وما في الشّكّ من الوحشة، وما في اليقين من العزّ، وما في الإخلاص من الأنس.

стр. 79

وقلت: ابدأ لي بالشّام ومصر، وفضل ما بينهما، وتحصيل جمالهما، وذكرت أنّ ذلك سيجرّ العراق والحجاز، والنجود والأغوار، وذكر القرى والأمصار، والبراريّ والبحار. واعلم- أبقاك الله- أنّا متى قدّمنا ذكر المؤخّر وأخّرنا ذكر المقدّم، فسد النّظام وذهبت المراتب. ولست أرى أن أقدّم شيئا من ذكر القرى على ذكر أمّ جميع القرى. وأولى الأمور بنا ذكر خصال مكّة، ثمّ خصال المدينة. ولولا ما يجب من تقديم ما قدّم الله وتأخير ما أخرّ، لكان الغالب على النفوس ذكر الأوطان وموقعها من قلب الإنسان. [٢- حب الوطن طبع في الناس] وقد قال الأوّل: «عمّر الله البلدان بحبّ الأوطان» ، وقال ابن الزّبير: «ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم» . [و] لولا ما منّ الله به على كلّ جيل منهم من الترغيب في كل ما تحت أيديهم، وتزيين كلّ ما اشتملت عليه قدرتهم، وكان ذلك مفوّضا إلى العقول، وإلى اختيارات النّفوس- ما سكن أهل الغياض والأدغال في الغمق واللّثق، ولما سكنوا مع البعوض والهمج، ولما سكن سكّان القلاع في قلل الجبال، ولما أقام أصحاب البراري مع الذّئاب والأفاعي وحيث من عزّ بزّ، ولا أقام أهل الأطراف في المخاوف والتّغرير، ولما رضي أهل الغيران وبطون الأودية بتلك المساكن، ولا لتمس الجميع السّكنى في الواسطة، وفي بيضة العرب، وفي دار الأمن والمنعة. وكذلك كانت تكون أحوالهم في اختيار المكاسب والصناعات وفي اختيار الأسماء والشّهوات. ولاختاروا الخطير على الحقير، والكبير على الصغير. ألا تراهم قد اختاروا ما هو أقبح على ما هو أحسن من الأسماء والصّناعات،

стр. 80

ومن المنازل والدّيارات، من غير أن يكونوا خدعوا أو استكرهوا. ولو اجتمعوا على اختيار ما هو أرفع، ورفض ما هو أوضع من اسم أو كنية، وفي تجارة وصناعة، ومن شهوة وهمّة، لذهبت المعاملات، وبطل التمييز، ولوقع التجاذب والتغالب، ثم التحارب، ولصاروا غرضا للتّفاني، وأكلة للبوار. فالحمد لله أكثر الحمد وأطيبه على نعمه، ما ظهر منها وما بطن، وما جهل منها وما علم! ذكر الله تعالى الدّيار فخبّر عن موقعها من قلوب عباده، فقال: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. فسوّى بين موقع قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم. وقال: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا . فسوّى بين موقع الخروج من ديارهم وبين موقع هلاك أبنائهم. فصل منه:- فقسم الله تعالى المصالح بين المقام والظّعن، وبين الغربة وإلف الوطن، وبين ما هو أربح وأرفع، حين جعل مجاري الأرزاق مع الحركة والطّلب. وأكثر ذلك ما كان مع طول الاغتراب، والبعد في المسافة، ليفيدك الأمور، فيمكن الاختبار ويحسن الاختيار. والعقل المولود متناهي الحدود، وعقل التجارب لا يوقف منه على حدّ. ألا ترى أنّ الله لم يجعل إلف الوطن عليهم مفترضا، وقيدا مصمتا، ولم يجعل كفاياتهم مقصورة عليهم، محتسبة لهم في أوطانهم؟ ألا تراه يقول: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فقسّم الحاجات فجعل أكثرها في البعد. وقال عزّ ذكره: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فأخرج الكلام والإطلاق على مخرج العموم، فلم يخصّ أرضا دون أرض، ولا قربا دون بعد.

стр. 81

فصل منه:- ونحن، وإن أطنبنا في ذكر جملة القول في الوطن، وما يعمل في الطبائع، فإنّا لم نذكر خصال بلدة بعينها، فنكون قد خالفنا إلى تقديم المؤخّر وتأخير المقدّم. قالوا: ولم نجهل ولم ننكر أنّ نفس الإلف يكون من صلاح الطبيعة، حتى إنّ أصحاب الكلاب ليجعلون هذا من مفاخرها على جميع ما يعاشر النّاس في دورهم من أصناف الطير وذوات الأربع: وذلك أنّ صاحب المنزل إذا هجر منزله واختار غيره، لم يتبعه فرس ولا بغل ولا حمار، ولا ديك ولا دجاجة، ولا حمامة ولا حمام، ولا هرّ ولا هرّة، ولا شاة، ولا عصفور؛ فإنّ العصافير تألف دور النّاس، ولا تكاد تقيم فيها إذا خرجوا منها. والخطاطيف تقطع إليهم لتقيم فيها إلى أوان حاجتها إلى الرّجوع إلى أوطانها، وليس شيء من هذه الأنواع ممّا تبوّأ في الدّور باجتلابهم لها، ولا ما تبوّأ في دورهم مما ينزع إليهم أحنّ من الكلب، فإنّه يؤثره على وطنه، ويحميه ممن يغشاه. فذكروا الكلب بهذا الخلق الذي تفرّد به دون جميع الحيوان. وقالوا في وجه آخر: أكرم الصّفايا أشدّها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أحنّها إلى أعطانها. وأكرم الأفلاء أشدّها ملازمة لأماتها، وخير النّاس آلفهم للنّاس. [٣- خصال قريش] فصل منه: وقلتم: خبّرونا عن الخصال التي بانت بها قريش عن جميع الناس. وأنا أعلم أنّك لم ترد هذا. وإنّما أردت الخصال التي بانت بها قريش من سائر العرب، كما ذكرنا في الكتاب الأوّل الخصال التي بانت بها العرب عن العجم؛ لأنّ قريشا والعرب قد يستوون في مناقب كثيرة. قد يلفى في العرب الجواد المبّر وكذلك الحليم والشّجاع، حتى يأتي على خصال حميدة؛ ولكنا نريد الخصائص التي في قريش دون العرب. فمن ذلك أنّا لم نر قريشيّا انتسب إلى قبيلة من قبائل العرب، وقد رأينا في قبائل

стр. 82

العرب الأشراف رجالا- إلى السّاعة- ينتسبون في قريش، كنحو الذي وجدنا في بني مرّة بن عوف، والذي وجدنا من ذلك في بني سليم، وفي خزاعة، وفي قبائل شريفة. وممّا بانت قريش أنّها لم تلد في الجاهلية ولدا قطّ [لغيرها] ولقد أخذ ذلك منهم سكّان الطّائف، لقرب الجوار وبعض المصاهرة، ولأنّهم كانوا حمسا، وقريش حمّستهم. وممّا بانت به قريش من سائر العرب أنّ الله تعالى جاء بالإسلام وليس في أيدي جميع العرب سبيّة من جميع نساء قريش، ولا وجدوا في جميع أيدي العرب ولدا من امرأة من قريش. ومما بانت به قريش من سائر العرب أنّها لم تكن تزوّج أحدا من أشراف العرب إلّا على أن يتحمّس، وكانوا يزوّجون من غير أن يشترط عليهم، وهي عامر بن صعصعة، وثقيف. وخزاعة، والحارث ابن كعب، وكانوا ديانين، لذلك تركوا الغزو لما فيه من الغضب والغشم، واستحلال الأموال والفروج. ومن العجب أنّهم مع تركهم الغزو كانوا أعزّ وأمثل؛ مثل أيّام الفجار وذات كهف. ألا ترى أنّهم عند بنيان الكعبة قال رؤساؤهم: لا تخرجوا في نفقاتكم على هذا البيت إلّا من صدقات نسائكم، ومواريث أبائكم! أرادوا مالا لم يكسبوه ولا يشكّون أنه لم يدخله من الحرام شيء. ومن العجب انّ كسبهم لمّا قلّ من قبل تركهم الغزو. ومالوا إلى الإيلاف والجهاد، لم يعترهم من بخل التجّار قليل ولا كثير، والبخل خلقة في الطّباع، فأعطوا الشّعراء كما يعطي الملوك، وقروا الأضياف، ووصلوا الأرحام قاموا بنوائب زوّار البيت، فكان أحدهم يحيس الحيسة في الأنطاع فيأكل منها القائم والقاعد، والراجل والرّاكب وأطعموا بدل الحيس الفالوذج. ألا ترى أميّة بن أبي

стр. 83

الصلت يقول، ويذكر عبد الله بن جدعان: له داع بمكّة مشمعلّ ... وحفص فوق دارته ينادي إلى ردح من الشّيزى ملاء ... لباب البرّ يلبك بالشّهاد فلباب البرّ هو هذا النّشا، والشّهاد يعني به العسل. ألا ترى أنّ عمر بن الخطاب يقول: «أتروني لا أعرف طيّب الطعام؟ لباب البرّ بصغار المعزى» ، يعني خبز الحوّاري بصغار الجداء. ولقد مدحتهم الشّعراء كما يمدح الملوك، ومدحتهم الفرسان والأشراف وأخذوا جوائزهم؛ منهم: دريد بن الصّمّة، وأميّة بن أبي الصّلت. ومن خصالهم أنّهم لم يشاركوا العرب والأعراب في شيء من جفائهم، وغلظ شهواتهم؛ وكانوا لا يأكلون الضّباب، ولا شيئا من الحشرات، ألا ترى أنّ النبي- ﷺ أتوا خوانه بضبّ فقال: «ليس من طعام قومي» ، لأنّهم لم يكونوا يحرشون الضّباب، ويصيدون اليرابيع، ويملّون القنافذ، أصحاب الخمر والخمبر، وخبز التّنانير. وقال رسول الله- ﷺ : «أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر» . وذلك أنّ جميع قبائل العرب إنّما كانت القبيلة لا تكاد ترى وتسمع إلّا من قبيلتها ورجالها، فليس عندهم، إلّا عند قبيل واحد، من البيان والأدب والرأي والأخرق، والشمائل، والحلم والنّجدة والمعرفة، إلّا في الفرط. وكانت العرب قاطبة ترد مكّة في أيّام الموسم، وترد أسواق عكاظ وذا المجاز؛ وتقيم هناك الأيّام الطّوال، فتعرف قريش، لاجتماع الأخلاق لهم [و] الشّمائل والألفاظ، والعقول والأحلام، وهي وادعة وذلك قائم لها، راهن عندها في كلّ عام، تتملّك عليهم فيقتسمونهم، فتكون غطفان للميرة، وبنو عامر لكذا، وتميم لكذا، تغلبها المناسك وتقوم بجميع شأنها.

стр. 84

[٤- مكة] فصل منه: وفتح مكة يسمّى فتح الفتوح؛ وفيها بيت الله، وأهله وحجّاجه زوّار الله؛ وهو البيت العتيق والبيت الحرام؛ وفيه الحجر، والحجر الأسود. وله زمزم، وهي هزمة جبريل- صلوات الله عليه- ومقام إبراهيم، وماء زمزم لما شرب له، العاكف فيه والبادي سواء. وبسبب كرامته أرسل الله طير الأبابيل وحجارة السّجّيل. وأهله حمس ولقاح لا يؤدّون إتاوة، ولهم السّقاية، ودار النّدوة، والرّفادة، والسّدانة. قال: وأقسم الله تعالى بها، قال: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ. وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ . وقوله جل ذكره: لا أُقْسِمُ . أي: أقسم، وإنّما قوله «لا» في هذا الموضع صلة، ليس على معنى «لا» الذي هو خلاف «نعم» . وقالوا: ولو كان قوله: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ يراد به تقادم البنيان، وما تعاوره من كرور الزّمان، لم يكن فضله على سائر البلدان، لأنّ الدنيا لم تخل من بيت ودار، وسكّان وبنيان. وقد مرّت الأيّام على مصر، وحرّان، والحيرة، والسّوس الأقصى، وأشباه ذلك، فجعل البيت العتيق صفة له، ولو كان ذهب إلى ما يعنون، كان من قبل أن يعتق وتمرّ عليه الأزمنة ليس بعتيق. وهذا الاسم قد أطلق له إطلاقا، فاسمه البيت العتيق، كما أنّ اسمه بيت الله. ومن زعم أن الله تعالى حرمه يوم خلق السموات والأرض، فقولنا هذا مصداق له. ومن زعم أنّه إنّما صار حراما مذ حرّمه إبراهيم، كان قد زعم أنّه قد كان ولا يقال له عتيق ولا حرام. قالوا: وممّا يصدّق تأويلنا أنّه لم يعرف إلّا وهو لقاح، ولا أدّى أهله إتاوة

стр. 85

قطّ، ولا وطئته الملوك بالتّمليك: أنّ سابور ذا الأكتاف، وبخت نصرّ وأبا يكسوم وغيرهم، قد أرادوه فحال الله تعالى دونه، فتلك عادة فيه، وسنّة جارية له. ولولا أنّ تبّع أتاه حاجّا، على جهة التعظيم والتديّن بالطّواف، فحجّه وطاف به، وكساه الوصائل، لأخرجه الله منه. وحجّه بعض ملوك غسان ولخم، وهم نصارى، تعظيما له، ولما جعل الله له في القلوب. والعتيق يكون من رقّ العبوديّة، كالعبد يعتقه مولاه. ويكون عتيقا من النار، كالتائب من الكبائر، وكالرّجل يدعو إلى الإيمان فيستجاب له، ويتعلّم ناس على يده، فهم أيضا عتقاء. ويكون الرّجل عتيقا من عتق الوجه. وربّما كان عتيقا كما يقال للفرس عتيق وليس بهجين ولا مقرف. وقد سمّي أبو بكر بن أبي قحافة- رضوان الله عليه- عتيقا، من طريق عتق الوجه، ومن طريق أنّهم طلبوا المثالب والعيوب التي كانت تكون في الأمّهات والآباء فلم يجدوها، قالوا: ما هذا إلّا عتيق. [٥- خصال هاشم] فصل منه:- قد قلنا في الخصال التي بانت بها قريش دون العرب، ونحن ذاكرون- وبالله التوفيق- الخصال التي بانت بها بنو هاشم دون قريش. فأوّل ذلك النبوّة، التي هي جماع خصال الخير، وأعلاها وأفضلها، وأجلّها وأسناها. ثمّ وجدنا فيهم ثلاثة رجال بني أعمام في زمان واحد، كلّهم يسمّى عليّا، وكلّ واحد من الثّلاثة سيّد فقيه، عالم عابد، يصلح للرّياسة والإمامة؛

стр. 86

مثل عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم، وعليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، وعليّ ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم. ثمّ وجدنا ثلاثة رجال بني أعمام، في زمان واحد، كلّهم يسمّى محمّدا، وكلّهم سيّد وفقيه عابد، يصلح للرياسة والإمامة، مثل محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب بن هاشم، ومحمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلّب بن هاشم، ومثل محمّد بن عبد الله بن جعفر إبن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم. وهذا من أغرب ما يتهيّا في العالم، ويتّفق في الأزمنة، وهذه لا يشركهم فيها أحد، ولا يستطيع أن يدّعي مثلها أحد. ولبني هاشم واحد؟؟؟ رّزة، وثانية نادرة، يتقدّمون بها على جميع الناس. وذلك أنّا لا نعرف في جميع مملكة العرب، وفي جميع مملكة العجم؛ وفي جميع الأقاليم السّبعة، ملكا واحدا ملكه من نصاب واحد، وفي مغرس رسالة، إلّا من بني هاشم، فإنّ ملكهم العبّاس بن عبد المطلب، عمّ رسول الله- ﷺ ، والعمّ وارث، والعمّ أبّ، ولا نعلم أمّة تدّعي مثل هذا لملكها. وهذا شيء سمعته من أبي عبيدة، ومنه استمليت هذا المعنى. ولبني هاشم- مذ ملكوا هذه الدّفعة- دون أيّام عليّ بن أبي طالب والحسين إبن عليّ إلى يومنا هذا مائة وستّ عشرة سنة، كان أوّل بركتهم أن الله- تعالى- رفع الطّواعين والموتان الجارف، فإنّهم كانوا يحصدون حصدا بعد حصد. ثمّ الذي تهيّأ واتّفق، وخصّ به آل أبي طالب من الغرائب والعجائب والفضائل، ما لم نجده في أحد سواهم: وذلك أنّ أوّل هاشميّ هاشميّ الأبوين كان في الدنيا ولد لأبي طالب، لأنّ أباهم عبد مناف. وهو أبو طالب إبن شيبة- وهو عبد المطّلب- بن هاشم- وهو عمرو- وهو أبو شيبة. وشيبة هو عبد المطّلب. وهو أبو الحارث وسيّد الوادي غير مدافع، بن عمرو، وهو هاشم

стр. 87

إبن المغيرة، وهو عبد مناف. ثم الذي تهيّأ لبني أبي طالب الأربعة: أنّ أربعة إخوة كان بين كلّ واحد منهم وبين أخيه في الميلاد عشر سنين سواء، وهذا عجب. ومن الغرائب التي خصّوا بها، أعني ولد أبي طالب، أنّا لا نعلم الإذكار في بلد من البلدان، وفي جيل من الأجيال، [إلّا] أهل خراسان فمن دونهم، فإنّ الإذكار فيهم فاش؛ كما أنّك لا تجد من وراء بلاد مصر إلّا مثناثا، ثم لا ترى فيهنّ مفذّا، بل لا ترى إلّا الثؤام ومن البنات. فتهيّا في آل أبي طالب من الإذكار ما لم نعرفه في قديم الدهر وحديثه، ولا فيما قرب من البلدان ولا فيما بعد. وذلك أنّ آل أبي طالب أحصوا منذ أعوام وحصّلوا، فكانوا قريبا من ألفين وثلاثمائة، ثم لا يزيد عدد نسائهم على رجالهم إلّا دون العشر. وهذا عجب. وإن كنت تريد أن تتعرّف فضل البنات على البنين، وفضل إناث الحيوانات على ذكورها، فابدأ فخذ أربعين ذراعا عن يمينك، وأربعين ذراعا عن يسارك، وأربعين خلفك، وأربعين أمامك، ثم عدّ الرّجال والنّساء حتّى تعرف ما قلنا، فتعلم أنّ الله تعالى لم يحلّل للرّجل الواحد من النّساء أربعا ثم أربعا، متى وقع بهن موت أو طلاق، ثم كذلك للواحد ما بين الواحدة من الإماء إلى ما يشاء من العدد، مجموعات ومفترقات، لئلا يبقين إلّا ذوات أزواج. ثم انظر في شأن ذوات البيض وذوات الأولاد فإنّك سترى في دار خمسين دجاجة وديكا واحد، ومن الإبل الهجمة وفحلا واحدا، ومن الحمير العانة وعيرا واحدا. فلمّا حصلوا كل مئناث وكلّ مذكار، فوجدوا آل أبي طالب قد برعوا على الناس وفضلوهم، عرف الناس موضع الفضيلة له والخصوصيّة. وفي ولد أبي طالب- أيضا- أعجوبة أخرى، وذلك أنّه لم يوجد قطّ في

стр. 88

أطفالهم طفل يحبو، بل يزحف زحفا لئلا ينكشف منه عن شيء يسوءه. ليكون أوفر لبهائه، وأدلّ على ما خصّوا به. ولهم من الأعاجيب خصلة أخرى: وذلك أنّ عبيد الله بن زياد قتل الحسين في يوم عاشوراء، وقتله الله يوم عاشوراء في السّنة الأخرى. وقالوا: لا نعلم موضع رجل من شجعان أصحاب رسول الله ﷺ ، كان له من عدد القتلى ما كان لعليّ رضوان الله عليه، ولا كان لأحد مع ذلك من قتل الرّؤساء والسّادة، والمتبوعين والقادة، ما كان لعليّ بن أبي طالب. وقتل رئيس واحد، وإن كان دون بعض الفرسان في الشّدّة، أشدّ؛ فإنّ قتل الرئيس أردّ على المسلمين وأقوى لهم من قتل الفارس الذي هو أشدّ من ذلك السيّد. وأيضا- أنّه قد جمع بين قتل الرّؤساء وبين قتل الشّجعان. وله أعجوبة أخرى؛ وذلك أنّه مع كثرة ما قتل وما بارز، وما مشى بالسيف إلى السّيف، لم يخرج قطّ ولا جرح إنسانا إلّا قتله، ولا نعلم في الأرض متى ذكر السّبق في الإسلام والتّقدّم فيه، ومتى ذكر الفقه في الدّين، ومتى ذكر الزّهد في الأموال التي تشاجر النّاس عليها، ومتى ذكر الإعطاء في الماعون، كان مذكورا في هذه الحالات كلّها- إلّا عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه. قالوا: وكان الحسن يقول: قد يكون الرجل عالما وليس بعابد، وعابدا وليس بعالم، وعابدا وليس بعاقل، وعاقلا وليس بعابد. وسليمان ابن يسار عالم عاقل عابد، فانظر أين تقع خصال سليمان من خصال عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه. ولم يكن قصدنا في أوّل هذا الكتاب إلى ذكر هاشم، وقد كان قصدنا الإخبار عن مكّة بما قد كتبناه في صدر هذا الكتاب، ولكنّ ذكر خصال مكّة جرّ

стр. 89

ذكر خصال قريش، وذكر خصال قريش جرّ ذكر خصال بني هاشم. فإن أحببت أن تعرف جملة القول في خصال بني هاشم فانظر في كتابي هذا الذي فرّقت فيه بين خصال بني عبد مناف وبين بني محزوم، وفرّقت ما بين عبد شمس؛ فإنّه هناك أوفر وأجمع، إن شاء الله تعالى. [٦- عودة الى خصال قريش] فصل منه: قالوا: وقد تعجّب الناس من ثبات قريش، وجزالة عطاياهم، واحتمالهم المؤن الغلاظ في دوام كسبهم من التّجارة، وقد علموا أنّ البخل والبصر في الطّفيف مقرون في التجارة؛ وذلك خلق من أخلاقهم. وعلى ذلك شاهد أهل الترقيح والتكسّب والتّدنيق. فكان في ثبات جودهم العالي على جود الأجواد، وهم قوم لا كسب لهم إلّا من التجارة، عجب من العجب. ثمّ جاء ما هو أعجب من هذا وأطمّ، وذلك أنّا قد علمنا أنّ الرّوم قبل التديّن بالنّصرانيّة، كانت تنتصف من ملوك فارس، وكانت الحروب بينهم سجالا، فلمّا صارت لا تدين بالقتل والقتال، والقود والقصاص. اعتراهم مثل ما يعتري الجبناء حتّى صاروا يتكلّفون القتال تكلّفا. ولمّا خامرت طبائعهم تلك الدّيانة، وسرت في لحومهم ودمائهم فصارت تلك الدّيانة تعترض عليهم. خرجوا من حدود الغالبيّة إلى أن صاروا مغلوبين. وإلى مثل ذلك صارت حال الغّزغز من التّرك. بعد أن كانوا أنجادهم وحماتهم، وكانوا يتقدّمون الخرلخيّة، وان كانوا في العدد أضعافهم، فلما دانوا بالزّندقة- ودين الزّندقة في الكفّ والسّلم أسوأ من دين النّصارى- نقصت تلك الشّجاعة، وذهبت تلك الشهامة. وقريش من بين جميع العرب دانوا بالتحمّس. وتشدّدوا في الدين، فتركوا

стр. 90

الغزو ولم تبق مكسبة سوى التّجارة، فضربوا في البلاد إلى قيصر بالرّوم، وإلى النجاشيّ بالحبشة. وإلى المقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجّارا خلطاء. وبانوا بالدّيانة والتحمّس، فحمّسوا بني عامر ابن صعصعة. وحمّسوا الحارث بن كعب، فكانوا- وإن كانوا حمسا- لا يتركون الغزو والسّبي ووطء النّساء، وأخذ الأموال، فكانت نجدتهم- وإن كان أنقص- فإنّها على حال النّجدة، ولهم في ذلك بقيّة. وتركت قريش الغزو بتّة. فكانوا- مع طول ترك الغزو- إذا غزوا كالأسود على براثنها، مع الرأي الأصيل، والبصيرة النّافذة. أفليس من العجب أن تبقى نجدتهم، وتثبت بسالتهم، ثم يعلون الأنجاد والأجواد، ويفرعون الشّجعان؟! وهاتان الأعجوبتان بيّنتان. وقد علم أنّ سبب استفاضة النجدة في جميع أصناف الخوارج وتقدّمهم في ذلك، إنّما هو بسبب الدّيانة! لأنّا نجد عبيدهم ومواليهم ونساءهم، يقاتلون مثل قتالهم، ونجد السّجستانيّ وهو عجميّ، ونجد اليماميّ والبحرانيّ والخوزيّ [وهم غير] عرب، ونجد إباضيّة عمان وهي بلاد عرب، وإباضيّة تاهرت وهي بلاد عجم، كلّهم في القتال والنّجدة، وثبات العزيمة، والشّدّة في البأس سواء. فاستوت حالاتهم في النّجدة مع اختلاف أنسابهم وبلدانهم. أفما في هذا دليل على أنّ الذي سوّى بينهم التّديّن بالقتال، وضروب كثيرة من هذا الفنّ؟! وذلك كلّه مصوّر في كتبي، والحمد لله. وقد تجدون عموم السّخف والجهل والكذب في المواعيد، والغشّ في الصناعة، في الحاكة، فدلّ استواء حالاتهم في ذلك على استواء عللهم. ليست هناك علّة إلّا الصّناعة؛ لأنّ الحاكة في كل بلد شيء واحد. وكذلك النّخّاس وصاحب الخلقان، وبيّاع السّمك. وكذلك الملّاحون وأصحاب السّماد، أوّلهم كآخرهم، وكهولهم كشبّانهم، ولكن قل في استواء الحجّامين في حبّ النبيذ!

стр. 91

[٧- المدينة] فصل منه:- وأمر المدينة عجب وفي تربها وترابها وهوائها دليل وشاهد وبرهان على قول النبيّ ﷺ : «إنّها طيّبة تنفي خبثها وتنصع طيبها» لأنّ من دخلها أو أقام فيها، كائنا من كان من النّاس، فإنّه يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة، ليس لها اسم في الأراييح، وبذلك السبب طاب طيبها والمعجونات من الطّيب فيها. وكذلك العود وجميع البخور، يضاعف طيبها في تلك البلدة على كلّ بلد استعمل ذلك الطّيب بعينه فيها. وكذلك صيّاحها والبلح والأترجّ والسّفرجل، أعني المجعول منها سخبا للصّبيان والنّساء. فإن ذكروا طيب سابور فإنّما طيب سابور بطيب أرياح الرّياحين، وذلك من ريح رياحينها وبساتينها وأنوارها، ولذلك يقوى في زمان، ويضعف في زمان. ونحن قد ندخل دجلة في نهر الأبلة بالأسحار، فنجد من تلك الحدائق، ونحن في وسط النهر، مثل ما يجد أهل سابور من تلك الرّائحة. وطيبة التي يسمّونها المدينة، هذا الطّيب خلقة فيها، وجوهريّة منها، وموجود في جميع أحوالها. وإنّ الطّيب والمعجونات لتحمل إليها فتزداد فيها طيبا، وهو ضدّ قصبة الأهواز وأنطاكيّة، فإنّ الغوالى تستحيل الاستحالة الشّديدة. ولسنا نشكّ أنّ ناسا ينتابون المواضع التي يباع فيها النّوى المنقع، فيستنشقون تلك الرائحة، يعجبون بها ويلتمسونها، بقدر فرارنا نحن من مواقع النّوى عندنا بالعراق، ولو كان من النّوى المعجوم ومن نوى الأفواه. ونحن لا نشكّ أنّ الرجل الذي يأكل بالعراق أربع جرادق في مقعد واحد من الميساني والموصلّي، أنّه لا يأكل من أقراص المدينة قرصين؛ ولو كان ذلك

стр. 92

لغلظ فيه أو لفساد كان في حبّه وطحينه لظهر ذلك في التّخم وسوء الاستمراء، ولتولّد على طول الأيّام من ذلك أوجاع وفساد كثير. ولم يكن بها طاعون قطّ ولا جذام. وليس لبلدة من البلدان من الشّهرة في الفقه ما لهم ولرجالهم، وذكر عبد الملك إبن مروان روح بن زنباع فمدحه فقال: جمع أبو زرعة فقه الحجاز، ودهاء العراق، وطاعة أهل الشام. [٨- مصر] فصل منه: قال أبو الخطّاب: لم يذكر الله جلّ وعز شيئا من البلدان باسمه في القرآن كما ذكر مصر، حيث يقول: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ . وقال: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وقال: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وقال تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وقال في آية: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي. وذكر مصر في القرآن بالكناية عن خاصّة اسمها، فمن ذلك: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قالوا: هي مدينة منف، وهو موضع منزل فرعون. وأخبرني شيخ من آل أبي طالب من ولد عليّ صحيح الخبر: منف دار فرعون، ودرت في مجالسه ومثاويه وغرفه وصفافه، فإذا كلّه حجر واحد منقور؛ فإن كانوا هندموه وأحكموا بناءه حتّى صار في الملاسة واحدا لا يستبان فيه مجمع حجرين، ولا ملتقى صخرتين فهذا عجب. ولئن كان جبلا واحدا، ودكّا واحدا، فنقرته الرّجال بالمناقير حتّى خرقت فيه تلك المخاريق، إنّ هذا لأعجب.

стр. 93

وفي القرآن: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. قال: والأرض هاهنا مصر. وفي هذا الموضع كلام حسن. ولكنّا ندعه مخافة أن نخرج إلى غير الباب الذي ألّفنا له هذا الكتاب. قالوا: وسمّى الله تعالى ملك مصر «العزيز» ، وهو صاحب يوسف، وسمّى صاحب موسى «فرعون» . قالوا: وكان أصل عتوّ فرعون ملكه العظيم، ومملكته التي لا تشبهها مملكة. قالوا: ومنهم مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم. وقال النبي ﷺ : «سيّدة نساء العالم خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم» . قال: ولّما هم فرعون بقتل موسى قالت آسية: لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وقالت: وكيف تقتله، والله ما يعرف الجمرة من التّمرة. ومنهم السّحرة الذين كانوا قد أبرّوا على أهل الأرض، فلما أبصروا بالأعلام، وأيقنوا بالبرهان، استبصروا وتابوا توبة ما تابها ما عز بن مالك، ولا أحد من العالمين، حتّى قالوا لفرعون: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ. وجاء في الحديث: «من أخرب خزائن الله فعليه لعنة الله» . قالوا: خزائن الله هي مصر، أما سمعتم قول يوسف: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ؟. وقال عبد الله بن عمرو: «البركة عشر بركات: تسع بمصر والواحدة في جميع الأرض» .

стр. 94

فصل منه: وقال أهل العراق: سألنا بطريق خرشنة عن خراج الرّوم، فذكر مقدارا من المال، وقال. هو كذا وكذا قنطارا. فنظر بعض الوزراء فإذا خراج مصر وحده يضعف على خراج بلاد الروم إذا جمعت أبواب المال من البلاد جميعا. فصل منه: ولا أعلم الفرقة في المغرب إلا أكثر من الفرقة في المشرق، إلّا أنّ أهل المغرب إذا خرجوا لم يزيدوا على البدعة والضّلالة، والخارجيّ في المشرق لا يرضى بذلك حتّى يجوزه إلى الكفر، مثل المقنّع وشيبان والإصبهبذ وبابك، وهذا الضّرب. فصل منه: وقد علمنا لجماعة بني هاشم طابعا في وجوههم يستبين به كرم العتق وكرم النّجار، وليس ذلك لغيرهم. ولقد كادت الأهواز تفسد هذا المعنى على هاشميّة الأهواز، ولولا أنّ الله غالب على أمره لقد كادت طمست على ذلك العتق ومحته فتربتها خلاف تربة الرسول ﷺ : وذلك أنّ كلّ من تخرّق طرق المدينة وجد رائحة طيّبة ليست من الأراييح المعروفة الأسماء. [٩- الكوفة والبصرة] فصل منه: قال زياد: الكوفة جارية جميلة لا مال لها، فهي تخطب لجمالها، والبصرة عجوز شوهاء ذات مال فهي تخطب لمالها. فصل منه: والفرات خير من ماء النّيل. وامّا دجلة فإنّ ماءها يقطع شهوة الرّجال. ويذهب بصهيل الخيل، ولا يذهب بصهيلها إلّا مع ذهاب نشاطها، ونقصان قواها؛ وإن لم يتنسّم النازلون عليها أصابهم قحول في عظامهم، ويبس في جلودهم. وجميع العرب النّازلين على شاطىء دجلة من بغداد إلى بلد لا يرعون الخيل

стр. 95

في الصّيف على أواريّها على شاطىء دجلة، ولا يسقونها من مائها، لما يخاف عليها من الصّدام، وغير ذلك من الآفات. وأصحاب الخيل من العتاق والبراذين إنّما يسقونها بسرّ من رأى، ممّا احتفروها من كرابهم، ولا يسقونها من ماء دجلة؛ وذلك أنّ ماء دجلة مختلط. وليس هو ماء واحدا، ينصب فيها من الزّابين والنّهروانات وماء الفرات، وغير ذلك من المياه. واختلاف الطّعام إذا دخل جوف الانسان من ألوان الطّبيخ والإدام غير ضارّ، وإن دخل جوف الإنسان من شراب مختلف كنحو الخمر والسّكر ونبيذ التمر والدّاذيّ كان ضارّا. وكذلك الماء، لأنّه متى أراد أن يتجرّع جرعا من الماء الحارّ لصدره أو لغير ذلك، فإن أعجله أمر فبرّده بماء بارد ثم حساه ضرّه ذلك، وإن تركه حتّى يفتر ببرد الهواء لم يضرّه. وسبيل المشروب غير سبيل المأكول. فإن كان هذا فضيلة مائنا على ماء دجلة فما ظنّك بفضله على ماء البصرة، وهو ماء مختلط من ماء البحر ومن الماء المستنقع في أصول القصب والبرديّ؟ قال الله تعالى: هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ. والفرات أعذبها عذوبة، وإنما اشتقّ الفرات لكلّ ماء عذب، من فرات الكوفة. فصل منه: كان يقال: الدّنيا البصرة. وقال الأحنف لأهل الكوفة: «نحن أغذى منكم بريّة، وأكثر منكم بحريّة، وأبعد منكم سريّة، وأكثر منكم ذرّيّة» . وقال الخليل بن أحمد في وصف القصر المذكور بالبصرة: زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بدّ من زورة عن غير ميعاد ترى بها السّفن والظّلمان واقفة ... والضّبّ والنّون والملّاح والحادي

стр. 96

ومن أتى هذا القصر وأتى قصر أنس رأى أرضا كالكافور، وتربة ثريّة، ورأى ضبّا يحترش، وغزالا يقتنص، وسمكا يصاد، ما بين صاحب شصّ وصاحب شبكة، ويسمع غناء ملّاح على سكّانه، وحداء جمّال على بعيره. قالوا: وفي أعلى جبّانة البصرة موضع يقال له الحزيز يذكر الناس أنّهم لم يروا قطّ هواء أعدل، ولا نسيما أرقّ، ولا ماء أطيب منها في ذلك الموضع. وقال جعفر بن سليمان: «العراق عين الدّنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، وداري عين المربد» . وقال أبو الحسن وأبو عبيدة: «بصّرت البصرة سنة أربع عشرة، وكوّفت الكوفة سنة سبع عشرة» . فصل منه: زعم أهل الكوفة أنّ البصرة أسرع الأرض خرابا، وأخبثها ترابا، وأبعدها من السّماء وأسرعها غرقا، ومفيض مائها البحر، ثم يخرج ذلك إلى البحر الأعظم. وكيف تغرق، وهم لا يستطيعون أن يوصلوا ماء الفيض إلى حياضهم إلّا بعد أن يرتفع ذلك الماء في الهواء ثلاثين ذراعا، في كلّ سقاية بعينها، لا لحوض بعينه. وهذه أرض بغداد في كلّ زيادة ماء ينبع الماء في أجواف قصورهم الشّارعة بعد إحكام المسنّيات التي لا يقوى عليها إلّا الملوك، ثم يهدمون الدّار التي على دجلة فيكسون بها تلك السّكك، ويتوقّعون الغرق في كلّ ساعة. قال: وهم يعيبون ماء البصرة، وماء البصرة رقيق قد ذهب عنه الطّين والرّمل المشوب بماء بغداد والكوفة، لطول مقامه بالبطيحة، وقد لان وصفا ورقّ. وإن قلتم: إنّ الماء الجاري أمرأ من الساكن، فكيف يكون ساكنا مع تلك الأمواج العظام والرّياح العواصف، والماء المنقلب من العلو إلى السّفل؟ ومع هذا إنّه إذا سار من مخرجه إلى ناحية المذار ونهر أبي الأسد وسائر الأنهار،

стр. 97

وإذا بعد من مدخله إلى البصرة من الشّقّ القصير، جرى منقضّا إلى الصّخور والحجارة، فراسخ وفراسخ، حتّى ينتهي إلينا. ويدلّ على صلاح مائهم كثرة دورهم، وطول أعمارهم، وحسن عقولهم، ورفق أكفّهم، وحذقهم لجميع الصناعات، وتقدّمهم في ذلك لجميع الناس. ويستدلّ على كرم طينهم ببياض كيزانهم وعذوبة الماء البائت في قلالهم، وفي لون آجرّهم، كأنّما سبك من محّ بيض. وإذا رأيت بناءهم وبياض الجصّ الأبيض بين الآجرّ والأصفر لم تجد لذلك شبها أقرب من الفضّة بين تضاعيف الذهب. فإذا كان زمان غلبة ماء البحر فإنّ مستقاهم من العذب الزّلال الصافي، النّمير في الأبدان، على أقلّ من فرسخ، وربّما كان أقلّ من ميل. ونهر الكوفة الذي يسمّونه إنّما هو شعبة من أنهار الفرات، وربّما جفّ حتّى لا يكون لهم مستقىّ إلّا على رأس فرسخ، وأكثر من ذلك، حتّى يحفروا الآبار في بطون نهرهم، وحتّى يضرّ ذلك بخضرهم وأشجارهم. فلينظروا أيّما أضرّ وأيّما أعيب. وليس نهر من الأنهار التي تصبّ في دجلة إلّا هو أعظم وأكبر وأعرض من موضع الجسر من نهر الكوفة، وإنّما جسره سبع سفائن، لا تمرّ عليه دابّة لأنها جذوع مقيّدة بلا طين، وما يمشي عليه الماشي إلا بالجهد، فما ظنّك بالحوافر والخفاف والأظلاف؟! وعامّة الكوفة خراب يباب، ومن بات فيها علم أنّه في قرية من القرى. ورستاق من الرّساتيق، بما يسمع من صياح بنات آوى، وضباح الثّعالب، وأصوات السباع. وإنّما الفرات دمما إلى ما اتّصل به إلى بلاد الرّقّة، وفوق ذلك. فأمّا نهرهم فالنّيل أكبر منه، وأكثر ماء، وأدوم جرية

стр. 98

وقد تعلمون كثرة عدد أنهار البصرة، وغلبة الماء، وتطفّح الأنهار. وتبقى النّخلة عشرين ومائة سنة وكأنّها قدح. وليس يرى من قرب القرية التي يقال لها «النّيل» إلى أقصى أنهار الكوفة نخلة طالت شيئا إلا وهي معوجّة كالمنجل. ثم لم نر غارس نخل قطّ في أطراف الأرض يرغب في فسيل كوفي، لعلمه بخبث مغرسه، وسوء نشوّه، وفساد تربته، ولؤم طبعه. وليس لليالي شهر رمضان في مسجدهم غضارة ولا بهاء، وليس منار مساجدهم على صور منار البصرة، ولكن على صور منار الملكانية واليعقوبيّة. ورأينا بها مسجدا خرابا تأويه الكلاب والسّباع، وهو يضاف إلى عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه. ولو كان بالبصرة بيت دخله عليّ بن أبي طالب مارّا لتمسّحوا به وعمروه بأنفسهم وأموالهم. وخبّرني من بات أنّه لم ير كواكبها زاهرة قطّ، وأنّه لم يرها إلّا ودونها هبوة، وكأنّ في مائهم مزاج دهن. وأسواقهم تشهد على أهلها بالفقر. وهم أشدّ بغضا لأهل البصرة من أهل البصرة لهم، وأهل البصرة هم أحسن جوارا، وأقلّ بذخا، وأقلّ فخرا. ثم العجب من أهل بغداد وميلهم معهم. وعيبهم إيّانا في استعمال السّماد في أرضنا ولنخلنا، ونحن نراهم يسمّدون بقولهم بالعذرة اليابسة صرفا، فإذا طلع وصار له ورق ذرّوا عليه من تلك العذرة اليابسة حتّى يسكن في خلال ذلك الورق. ويريد أحدهم أن يبني دارا فيجيء إلى مزبلة، فيضرب منها لبنا، فإن كانت داره مطمئنّة ذات قعر حشا من تلك المزبلة التي لو وجدها أصحاب السّماد عندنا لباعوها بالأموال النفيسة. ثم يسجرون تنانيرهم بالكساحات التي فيها من كلّ شيء، وبالأبعار

стр. 99

والأخثاء، وكذلك مواقد الكيران. وتمتلىء ركايا دورهم عذرة فلا يصيبون لها مكانا، فيحفرون لذلك في بيوتهم آبارا، حتّى ربما حفر أحدهم في مجلسه، وفي أنبل موضع من داره. فليس ينبغي لمن كان كذلك أن يعيب البصريّين بالتّسميد. فصل منه: وليس في الأرض بلدة أرفق بأهلها من بلدة لا يعزّ بها النّقد، وكلّ مبيع بها يمكن. فالشّامات وأشباهها الدّينار والدّرهم بها عزيزان، والأشياء بها رخيصة لبعد المنقل، وقلّة عدد من يبتاع. ففي ما يخرج من أرضهم أبدا فضل عن حاجاتهم. والأهواز، وبغداد، والعسكر، يكثر فيها الدّراهم ويعزّ فيها المبيع لكثرة عدد الناس وعدد الدراهم. وبالبصرة الأثمان ممكنة والمثمّنات ممكنة، وكذلك الصّناعات، وأجور أصحاب الصناعات. وما ظنّك ببلدة يدخلها في البادي من أيّام الصّرام إلى بعد ذلك بأشهر، ما بين ألفي سفينة تمر أو أكثر في كلّ يوم، لا يبيت فيها سفينة واحدة، فإن باتت فإنّما صاحبها هو الذي يبيّتها. لأنّه لو كان حطّ في كلّ ألف رطل قيراطا لانتسفت انتسافا. ولو أنّ رجلا ابتنى دارا يتمّمها ويكمّلها ببغداد، أو بالكوفة، أو بالأهواز، وفي موضع من هذه المواضع، فبلغت نفقتها مائة ألف درهم، فإنّ البصريّ إذا بنى مثلها بالبصرة لم ينفق خمسين ألفا، لأنّ الدّار إنّما يتمّ بناؤها بالطّين واللّبن، وبالآجرّ والجصّ، والأجذاع والسّاج والخشب، والحديد والصّنّاع، وكّل هذا يمكن بالبصرة على الشطّر مما يمكن في غيرها. وهذا معروف. ولم نر بلدة قطّ تكون أسعارها ممكنة مع كثرة الجماجم بها إلّا البصرة:

стр. 100

طعامهم أجود الطّعام، وسعرهم أرخص الأسعار، وتمرهم أكثر التّمور، وريع دبسهم أكثر، وعلى طول الزّمان أصبر، يبقى تمرهم الشّهريز عشرين سنة، ثم بعد ذلك يخلط بغيره فيجيء له الدّبس الكثير، والعذب الحلو، والخاثر القويّ. ومن يطمع من جميع أهل النّخل أن يبيع فسيلة بسبعين دينارا، أو بحونة بمائة دينار، أو جريبا بألف دينار غير أهل البصرة؟ فصل منه: ولأهل البصرة المدّ والجزر على حساب منازل القمر لا يغادران من ذلك شيئا. يأتيهم الماء حتّى يقف على أبوابهم؛ فإن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا حجبوه. ومن العجب لقوم يعيبون البصرة لقرب البحر والبطيحة ولو اجتهد أعلم النّاس وأنطق النّاس أن يجمع في كتاب واحد منافع هذه البطيحة، وهذه الأجمة، لما قدر عليها. قال زياد: قصبة خير من نخلة. وبحقّ أقول: لقد جهدت جهدي أن أجمع منافع القصب ومرافقه وأجناسه، وجميع تصرّفه وما يجيء منه، فما قدرت عليه حتّى قطعته رانا معترف بالعجز، مستسلم له. فأمّا بحرنا هذا فقد طمّ على كلّ بحر وأوفى عليه، لأنّ كلّ بحر في الأرض لم يجعل الله فيه من الخيرات شيئا. إلّا بحرنا هذا. الموصول ببحر الهند إلى ما لا تذكر. وأنت تسمع بملوحة ماء البحر، وتستسقطه وتزري عليه. والبحر هو الذي يخلق الله تعالى منه الدّرّ الذي بيعت الواحدة منه بخمسين ألف دينار، ويخلق في جوفه العنبر، وقد تعرفون قدر العنبر. فشيء يولّد هذين الجوهرين كيف يحقّر؟.

стр. 101

ولو أنّا أخذنا خصال هذه الأجمة وما عظّمنا من شأنها. فقذفنا بها في زاوية من زوايا بحرنا هذا لضلّت حتّى لا نجد لها حسّا، وهمّا لنا خالصان دونكم. وليس يصل إليكم منهما شيء إلّا بسببنا وبعد أن فضل عنا. وقال بعض خطبائنا: نحن أكرم بلادا، وأوسع سوادا، وأكثر ساجا وعاجا وديباجا، وأكثر خراجا. لأنّ خراج العراق مائة ألف ألف واثنا عشر ألف ألف، وخراج البصرة من ذلك ستّون ألف ألف، وخراج الكوفة خمسون ألف ألف. [١٠- الحيرة] فصل منه: ورأيت الحيرة البيضاء وما جعلها الله بيضاء، وما رأيت فيها دارا يذكر إلّا دار عون النّصرانيّ العبادانيّ. ورأيت التّربة التي بينها وبين قصبة الكوفة، ورأيت لون الأرض فإذا هو أكهب كثير الحصى، خشن الّمس. والحيرة أرض باردة في الشّتاء، وفي الصّيف ينزعون ستور بيوتهم مخافة إحراق السّمائم لها.

стр. 102

هامش كتاب الاوطان والبلدان (١) لاحظ اهتمام الجاحظ بتأثير البيئة على خلق الناس واخلاقهم ولغاتهم وعواطفهم وصناعاتهم. وهذا الاهتمام برره في اماكن عديدة من كتبه ورسائله، مما يبين لنا منحاه الطبيعي في فلسفته. - ام القرى هي مكة المكرمة. وقد اوضح معناها في الجملة التالية. (٢) قال الاول: من الافضل قراءتها الاوائل. وقد ابدله في رسالة مناقب الترك بالعبدي حيث ورد: العبدي يقول «عمر الله البلدان بحب الاوطان» . وبدله في رسالة الحنين الى الاوطان بعمر بن الخطاب. - الغمق واللثق: الندى الذي يؤدي الى فساد الريح والاوبئة. - لا حظ كيف يفسر الجاحظ الحكمة من اختلاف الناس في ميولهم واعمالهم: لو اجمعوا كلهم على اختيار الشيء الواحد لوقع التغالب والتحارب بينهم. وقد اورد هذه الفكرة في اماكن أخرى من كتبه مثل حجج النبوة. - العقل المولود وعقل التجارب اي العقل الغريزي الفطري الذي سماه الفلاسفة العقل الهيولاني او بالقوة؛ والعقل بالفعل المكتسب بالتجارب. - ان حب الاوطان لا يقتصر بنظر الجاحظ على الانسان بل يتعداه الى الحيوانات، فهي تألف المكان الذي تقيم به اكثر من الانسان. (٣) الديانين: القضاة الذين يحاسبون أنفسهم، ولهذا انصرفوا عن الغزو لما فيه من ظلم واغتصاب اموال وفروج. وقد فسرت خطأ في نسخة عبد السلام هارون اذ جعلت الديانيين نسبة الى الديانة. - الفجار: موقعة جرت بين قريش وكنانة وهوازن قبيل البعثة. ذات الكهف:

стр. 103

معركة أخرى بين قريش وبعض القبائل قبل البعثة أيضا. - البخل طبع في بعض الناس لا يكتسب اكتسابا. وقد حاول اثبات هذه الفكرة في كتاب البخلاء، عملا بمذهبه الطبيعي القائل ان الاخلاق طباع. - يحيس الحيسة بالانطاع: يعجن التمر والسمن في الجلود. - دريد بن الصمة (٦٣٠ م) وامية بن ابي الصلت (٦٢٦ م) : شاعران جاهليان ادركا الاسلام ولم يسلما، كان دريد فارسا وكان امية تقيا اكثر من ذكر الآخرة. - عكاظ وذو المجاز سوقان كانا يقامان في الجاهلية فيقصدهما الناس من الانحاء للتجارة وانشاد الشعر. - تعرف قريش: تسود اي تكون سيدة على العرب. (٤) الصواب ان نقرأ: وفتح مكة يسمى فتح الفتوح، وفيها بيت الله.. الخ لا كما ورد في طبعة عبد السلام هارون: وهو بيت الله. - هزمة جبريل: اي ضربة رجل جبريل التي ادت الى شق الارض وتفجر الماء، ماء زمزم في مكة. - الطير الابابيل: كما ورد في القرآن، التي تأتي جماعات. - اهله حمس ولقاح: أي اشداء لم يخضعوا للملوك. - لاحظ التفسير الطريف الذي اعطاه الجاحظ لكلمة عتيق من الآية وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ. (٥) قوله: «وهذا الشيء سمعته من ابي عبيدة ومنه استمليت هذا المعنى» . دليل على ان الجاحظ أخذ عن ابي عبيدة الاخبار واللغة مباشرة. وابو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء (١١٠- ٢١٠ هـ) عالم باخبار العرب وأيامها ولغتها. - لاحظ اعجاب الجاحظ بعلي بن ابي طالب وذكر مآثره في الشجاعة والفقه والزهد والكرم. - وكان الحسن يقول: يعني على الارجح الحسن البصري. - سليمان بن يسار من المدينة، مولى ميمونة، وكتب لام سلمة، كان عابدا زاهدا ثقة في الحديث والفقه، توفي سنة ١٠٧ هـ. - اشارة الى كتابه «فضل هاشم على عبد شمس» . (٦) الخوارج: فرقة من المسلمين خرجوا على علي بن أبي طالب بعد ان كانوا من شيعته فدعوا بهذا الاسم. وكفروه لأنه قبل بالتحكيم. وقاموا بثورات عديدة في عهد علي وفي عهد الدولة الاموية وبعدها. وانقسموا فرقا عديدة. وقد تحدث عنهم الجاحظ في اماكن عديدة من كتبه، وعرفوا بشدتهم في الحروب ولجوئهم الى العنف

стр. 104

على مدى تاريخهم. - «وذلك كله مصور في كتبي، والحمد لله» . يشير الجاحظ الى كلامه على فروسية الخوارج وسببها الذي هو العقيدة الدينية في كتبه ولا سيما في رسالة «مناقب الترك» . (٧) المدينة تدعى ايضا طيبة لطيب هوائها وروائحها. (٨) ابو الخطاب: هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري الاعمى (٦١- ١١٧ هـ) كان نسابة وعالما بالحديث والفقه. - ما عز بن مالك: احد الصحابة، زنى فاقر على نفسه لرسول الله وطلب حده فامر الرسول برجمه حتى مات. - يشير الجاحظ الى انتشار البدع والفرق كما في المشرق ولكنهم في المغرب لا يلجأون الى العنف والثورة كما يفعلون في المشرق ويذكر امثلة على الذين يلجأون الى الثورات كالخوارج، والمقنع الخراساني الذي ثار ايام المهدي واستمرت ثورته ١٤ عاما حتى قتل سنة ١٦٣ هـ. وقد ذكره الجاحظ في كتاب البيان والتبين وغيره. - وشيبان الخارجي اليشكري الذي خرج أيام مروان بن محمد في عمان حتى قتل سنة ١٢٩ هـ. - والاصبهبذ الخراساني. - بابك الخرمي، ثار ايام المعتصم فحاربه وقبض عليه وصلبه سنة ٢٢٣ هـ. (٩) الخليل بن احمد الفراهيدي عالم باللغة والموسيقى وهو الذي وضع علم العروض وعلم الموسيقى، وعلم المعاجم. وهو يصف قصر اوس بن ثعلبة بن زفر بن ربيعة والي خراسان من قبل الامويين. - الملكانية: فرقة نصرانية ظهرت اثر مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ هـ. وسموا بذلك لانهم تبعوا مذهب ملك الروم وقالوا بطبيعة المسيح البشرية او الناسوت. - اليعقوبية: فرقة نصرانية ثانية نسبوا الى رئيسهم مار يعقوب راهب القسطنطينية الذي قال بطبيعة المسيح الالهية. (انظر الشهرستاني، الملل والنحل، الجزء الثاني، ص ٢٧- ٣٣) . (١٠) الحيرة: الحيرة موطن عون النصراني العبادي. اشارة الى تنصر العديد من اهلها.

стр. 105

٤- رسالة في الحكمين وتصويب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في فعله

стр. 106

١- موضوع الرسالة وفّقك الله للسلامة والغنيمة، وأعزّك بالحقّ، وختم لك بالسعادة، وجعل لك من علمك واعظا ورقيبا [و] من نفسك سامعا ومطيعا؛ وجعل لك مع حزمك نصيبا من التوكل، ومع توكلك حظّا من التحذّر، حتى تقبل إذنه في الحذر وتطيع أمره في التوكّل؛ قد قال رسول الله ﷺ : «اعقلها وتوكّل» ، فجمع بين الأمرين وسوّى بين الوصيّتين، وقال ﷺ : «أبل الله من نفسك عذرا، فإذا أعجزك أمر فقل: الله حسبي» ، قال أبو عبيدة ابن الجرّاح لعمر بن الخطّاب حين خاف طواعين الشام فانكفأ راجعا إلى المدينة: «أتفرّ من قدر الله؟» - قال: «نعم، إلى قدر الله!» وقال له سعيد بن جرير: «قم، أينفع الحذر من القدر؟» - فقال: «لسنا ممّا هناك في شيء؛ إنّ الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عمّا لا يضرّ» . وقد كنت حذّرتك، يا ابن حسّان، أمورا، فكأني أغريتك بها، وآنستك بأمور، فكأني أوحشتك منها، وكنت لا أظنّ بك من النقصان إلّا ما كان عن بلوغ الكمال، ولا من التقصير إلّا ما كان عن التفضل، ولا من تضييع الرأي إلّا ما أمكن من استدراكه قبل الفوت، ولا من نكوب ما لا يبلغ الكثير إلّا ما لا يسبق الندم، ولا من النسيان إلّا ما لا يمنع من سرعة الانتباه، ولا من السآمة إلّا ما لا يقرّب من المعجزة، ولا من الحميّة إلا ما لا يخلط العصبيّة،

стр. 107

ولا من التنافس إلّا ما باعد عن التحاسد، وكنت عندي، إن لم تكن مع العلية، فلم تنحطّ عن الأوساط إلى السفلة، وإن رضيت بحال المنفصلين، لم ترض إلّا أن تكون مع المنصفين، وإن لم تكن غنيّا لمخالفيك عند مناظرتهم لك، ورائدا لموافقيك عند استعانتهم بك، وآلة لمن استملى منك، ومفزعا لمن سمع إليك، وحرزا لاسرار خصمك، وحائطا من وراء من ذهب من الناس عنك، لم تكن عندي بمخوف على ما انتهى إليّ من خبرك ولا على ما حكاه من لا يتّهم على مودّتك. - عتبت عليك في مجادلة الرافضة، فأعتبتني بمماراة الغالية، وأنكرت منك مقارنة الخوارج، فأردفت ذلك بمسامحة النوابت، حين زعمت في جواب مسألة النابتيّ أنّ عليّا كان أحقّ بالإمامة من معاوية، وزعمت في جواب الخارجي أن رضاه كان هفوة منه ومكيدة من عدوّه، إلّا أنّها الهفوة التي تبلغ الضّلال، والفهمة التي لا تفسد الحكم، والنقصان الذي لا يكمل معه حل العقد، والتضييع الذي لا ينقض معه العهد. ثمّ قطعت الشهادة وأوجبت الحكومة أنّ عليا قال عند موته وأقرّ عند زلله: إنّي عثرت عثرة لا تنجيز ... سوف أكيس بعدها وأستمر وأجمع الرأي الشتيت المنتشر ثمّ قضيت بعد قطع الشهادة والحكم على غائب الفعل بأنه لم يعن بذلك القول إلّا الرضى بالحكمين، وجزمت على أنّه لا تأويل لذلك القول إلّا ما ذهبت إليه ولا معنى له إلا ما قضيت به. فأجمع الآن بالك في الاستماع للحقّ كما جمعت بالك في الاجترام على الباطل، وفرّغ قلبك لما أنا واصفه لك ومقرّبه من عقلك؛ فإن أعجزك الفهم فليس يعجزك التفهّم، وأوّل منازل الإنصاف حسن التثبّت، ونعم الرائد التفهّم ونعم العون حبّ الإنصاف! وقال يزيد بن المهلّب: «هذا ابن

стр. 108

الأشعث غلب على النصر فغلب على الصبر» ؛ فأحذر أن يقال: «هذا ابن حسّان غلب على العلم فغلب على التعلّم!» ، وقد قال عامر بن عبد القيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» . وقد علم أني شديد الحبّ إلى رشادك، حريص على هدايتك، وأنا بعد ذلك كله أسأل الله أن يديم لك العصمة وأن يوفقك للمعرفة، وقد قال بعض العلماء: «لا تستجب إلا لمخلص أو مظلوم» ؛ فأما نيّتي في تبصرتك باب الرشد من العيّ فقد تقدّم القول مني فيها بما سمعت؛ وأما الظلم فمن أظلم لصديقه ممّن أفسد نفسه عليه، ومن أجوز على وليّه ممّن دان بدين عدّوه؟ ومن التوفير على حظّ هذا الكتاب من الأفهام وعلى حظّك من التفهّم أن لا يهدّه القارىء هدا ولا ينثر كلامه نثرا، فلا يكون نصيب السمع منه إلّا صدى الصوت ولا حظّ العقل منه إلّا استحسان التأليف؛ فعليك بالتوقّف وحده بالترسّل والتثبّت مع تفريغ البال ونفي الاشغال ومع الاحتراس من دبيب الهوى وفراغ المنشإ. [٢- لا وجه للمقارنة بين علي ومعاوية] خبّرني أيّ شيء نفيت لعلي بن أبي طالب من الفضل، وأيّ شيء نفيت على معاوية من النقص حتّى وضعت الخيار بينهما وأقررت الشبهة في أمرهما من غير إكراه ولا إحلال عذر؟ فمن أعجز رأيا ممّن زعم [أنّ ... ] أفضل من سمرة وأنّ سحبان أخطب من باقل، وأن زيادا أدهى من هبنقة، وأنّ أبا ذرّ أصدق من مسيلمة، وأنّ الجالينوس أطبّ من أبي دينار! وهل ذلك إلّا في مجرى من قال: «أيّما أصدق: المسيح بن مريم أو المسيح الدجال؟» ، وهل ذلك إلّا كقول القائل: «أيّما أحلى: العسل أم الخل؟» وليس للخلّ حظ في الحلاوة. قلنا: فكيف تزعم أنّ عليّا أولى بالإمامة من معاوية وليس لمعاوية في

стр. 109

الإمامة حظّ؟ ولقد عجبت فطال تعجبي وشنّعت فاشتدّ تشنيعي على النجاشي حيث يقول بفخره على معاوية بعليّ: نعم الفتى أنت، إلّا أنّ بينكما ... كما تفاضل قرن الشّمس والقمر فمن هذا الذي يقرّ بانه ليس بين عليّ ومعاوية في الفضيلة واستحقاق الإمامة إلّا بقدر ما بين الشمس والقمر؟ بل نجعل لمعاوية في ذلك حظّا ونصيبا، إلّا أن نريد مزيد الفرق بين هاشم وعبد شمس، وبين عبد المطلب وحرب، وأبي طالب وأبي سفيان؛ ونذهب إلى البيان والفصاحة، والفصاحة ممّا قد يتفاضل فيه البرّ والفاجر ويتساوى فيه الجاهليّ والإسلاميّ؛ وإن أردتّ معرفة ذلك فانظر في كتابي الذي فرقت فيه بين قبائل قريش وميزت فيه بني عبد مناف وبيّنت فيه من فضل هاشم وأظهرت فيه جمال عبد المطلب. أو لست، يا ابن حسّان، قد أطمعته في التمثيل بينهما وأقررت بالحاجة إلى تمييز حاليهما، وقد علمنا أنّ الله- تعالى قدره- قد قال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ ؛ وقال: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ؛ وليس ذلك في موضع الخيار وتمييز الحال من الحال ولا على الموازنة بين أتمّ الخيرين؛ [فلولا] اتقاء الله قلت مقالة تسير مع الركّبان [أفردها] بعليّ؛ وإنّ الرّبيع إبن زياد قال: عمارة الوّهاب خير من علس ... وزرعة النسا (؟) شر من أنس وأنا خير منك يا قتب الفرس وإنما هذا على معنى قول عليّ لأجناده، وكخطبته على أصحابه عند استبطائه إيّاهم وتأنيبه لهم: «أبدلني الله بكم من هو خير لي منكم وأبدلكم بي من هو شرّ لكم منّي» ؛ والكلمة تكون جوابا فتدلّ على معنى، ثمّ تكون ابتداء فتدلّ على خلاف ذلك المعنى، وتدور دلالتها مع ظاهر الحالات على قدر ما يسبق من المثالات حتى تكون الكلمة كفرا في حال وإيمانا في حال.

стр. 110

فكذلك المجاز والتصحيح، والتقريب والتبعيد، والارتجال والتحرير، والكناية والإفصاح، والتعقيد والإسجاح، والخطل والإيجاز، والإفهام والإلغاز، والمعاريض والكنى والاستكراه والهذّ، وغير ذلك من أشكال الكلام وحدوده وصوره وأقسامه ودلائله؛ وقد قال كثير: فهلّا فداك الموت من كل ريبة ... ومن هو أسوأ منك ذلّا وأقبح وقال حسّان بن ثابت في بعض ما يصرخ وينافح عن النبي ﷺ : أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء؟ وسمع أعرابيّ رجلا يقول: «الشحيح أعذر من الظالم» - فقال: «أخزى الله أمرين خيرهما الشحّ! وعتبت عليك في معاونة إبراهيم بن الحسن على ترك القنوت في مسجد ابن رغبان ومحلّة البصريين وزاد في التعجّب منك والإنكار عليك تخذيل خالد الأزلية، [....] عنه خبّرني، حدّثني [عن] غدرك إيّاه؛ فأنت معتزليّ نظامي: فكانت محاباة خالد على نصيبه من مذهب البصريّين من القنوت- وليس القنوت من دينه- أوفر من محاباتك على نصيبك من مذهب المعتزلة في القنوت- وهو من دينك؛ وقد علمنا أنّ الذي بناه من ماله وأوقف عليه الغلّات لنوابته بصريّ ابن بصريّ ثمّ معتزليّ؛ على ذلك اشترى الأرض ووضع الأساس وشيّد البنيان وكتب عليه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ، وهو الفضيل بن عبد الرحمن مولى بني سدوس؛ ولم يزل المسجد يقنت فيه الجبريّ كما يقنت فيه المعتزلي العدليّ، ويقنت فيه النابتيّ كما يقنت فيه المعتزليّ ومن صلّى فيه، حتى عرضت فيه بما دلّ خالدا- بزعمه- على رقّة دينك وسخافة عقلك وحلمك وانفساخ عقدك وسوء المحافظة على نحلتك، غير مكترث لما نال عرضك وغير محتفل بما ثلم دينك وساء وليّك وسرّ عدوّك.
следующие страницы →