Полный текст (348 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
شىء شخصا وأثقل شىء وزنا، وهو لين أصفر برّاق حلو الطعم طيب الرائحة ثقيل رزين، فصفرة لونه من ناريته، ولينه من دهنيته، وبرقه من صفاء ماهيته، وعزّته ليست لقلته، فإنه أكثر من النحاس والحديد، فإنه يستخرج دائما من معادنه ولا يتطرق إليه التلف بخلاف النحاس والحديد فإنهما يتلفان بطول المكث، وإنما عزّ؛ لأن من ظفر بشىء منه دفنه، فالذى تحت الأرض أضعاف الذى بأيدى الناس.
ومن خواصه أنه يقوّى القلب ويدفع الصرع إن علّق على إنسان، ويمنع الفزع، ومن اكتحل بميل «١» ذهب جلا عينه وقوّاها وحسن النظر، وإن ثقبت شحمة الأذن بإبرة من ذهب لم تلتحم، وإن كون الجرح لم ينفط وبرئ سريعا، وإمساكه في الفم يزيل البخر «٢» وينفع من أوجاع القلب والخفقان وحديث النفس، وإن كويت به مقادم أجنحة الحمام ألفت أبراجها، وإن طرح منه وزن حبتين في وزن عشرة أرطال زئبق غاص إلى قعره، ولو طرح في هذا القدر مائة درهم من غيره من الأجساد الثقيلة عام فوقه ولم ينزل فيه، ولو تختم بخاتم ذهب من في أصبعه داحس «٣» خفف وجعه.
والفضة أقرب الفلزات إلى الذهب ولولا البرد الذى أصابها قبل النضج لكانت ذهبا، وهى تحترق بالنار وتبلى بالتراب بطول المكث وتنتن بالمكث في الحجارة ولها وسخ، وإذا أصابها رائحة الزئبق أو الرصاص تكسرت عند الطرق، وإن أصابها رائحة الكبريت اسودت، ومن خواصها تقطيع الرطوبات اللزجة إذا خلطت سحالتها «٤» بالأدوية المشروبة وتنفع من البخر والحكة والجرب وعسر البول، وتنفع مع الزئبق طلاء للبواسير، والشرب في آنية الفضة يسرع السكر.
النحاس ويقال له: الشبه- بسكون الباء وكسر الشين- ويقال: بفتحها- قريب من الفضة لم يباينها إلا بالحمرة واليبس، فحمرته من كثرة حرارته الكبريتية، ويبسه وغلظه ووسخه من غلظ مادته، فمن قدر على تبييضه وتليينه فقد ظفر بحاجته.
وأجوده الشديد الحمرة، وأردؤه المشرب بالسواد، وإذا أوفى النحاس من
стр. 212
الحموضات أخرج زنجارا، وإدمان الأكل فيه «١» من الأطعمة الدسمة يورث أمراضا رديئة كداء الفيل «٢» والسرطانات ووجع الكبد والطحال وفساد المزاج لا سيما إن ترك فيها الدسم أو الحامض يوما وليلة، فإنه أسرع للقتل.
والحديد بعيد من الاعتدال لكدورة مادته الكبريتية والربيعية وسواد لونه لإفراط حرارته، وهو أكثر فوائد من جميع الفلزات وأقلها ثمنا حتى قيل: إنه [ما] «٣» من صنعة إلا وللحديد في أدواتها مدخل.
وهو ثلاثة أصناف: السابورقان والأينث والذكر، والسابورقان هو الفولاذ المعدنى، وإذا علقت برادة الحديد على من يغط في نومه زال عنه، وحمل الحديد يقوى القلب ويذهب المخاوف والأفكار الرديئة، ويطرد الأحلام الرديئة ويسّر النفس، ويزيد هيبة حاملة في أعين الناس، وصداه يأكل أوساخ العين اكتحالا «٤» ، ويبرئ جرب الأجفان والسيل، وينفع النقرس، والتحمل به ينفع البواسير، والماء الذى فيه الحديد ينفع من أورام الطحال وضعف المعدة، وإذا حمى مسمار بالنار حتى يحمر ودلّك به النصل «٥» فإنه لا يصدأ، وإذا ألقيت برادة الحديد في شراب مسموم مصّت كل ما كان من السهم وذهب ضرره، وإذا تحملت التى بها النزيف زنجار «٦» الحديد قطعه، وإذا حكّ بالخل ولطخ على الحمرة المنتشرة والبثور وعلى الداحس وخشونة الجفون والبواسير نفعها، ويشد اللثة، وينفع من النقرس إذا لطخ به، وينبت الشعر في داء الثعلب «٧» .
стр. 213
الرصاص: بفتح الراء- قاله أبو عبيد، وحكى غيره الكسر، وهو الإنك وهو الأسرب، والرصاص القلعى الشديد البياض ضد الفضة، دخلت مادته ثلاث آفات: نتن الرائحة والرخاوة والصرير، كما تدخل الآفة على الجنين في بطن أمه، ومن طوّق شجرة بطوق رصاص في أصلها من الأرض لم يسقط من ثمرتها شىء، وإذا شدت منه صفحة على الظهر سكن الإنعاظ وبطل الاحتلام، وإن ألقى شىء منه في قدر لم ينضج لحمها، وإذا دلّك الرصاص بملح ودهن دلكا قويا وأخذ من السواد الحاصل منه وطلى به السيف فإنه لا يصدأ، وإذا خلط بدهن الورد نفع من البواسير، والقروح تندمل، وإذا لطخ الأصبع بدهن أو شحم ودلك به الرصاص ولطخ به الحاجبان قوى شعرهما، وكثرة الأسرب- وهو الإنك- تولده كتولد الرصاص، وهو ردىء ومادته أكثر وسخا، ومن خواصه تكليس «١» الذهب وتكسير الماس، فإن الماس إذا وضع على سندان «٢» وضرب بمطرقة لم ينكسر، ودخل في أحدهما، وإذا وضع على الأسرب تكسر باد في ضربه، وإذا شدت صفيحة أسرب على الجنازير والغدد وقروح المفاصل ذابت، وإذا شدت على البطن أضعفت الباه ومنعت كثرة الاحتلام.
الخارصينى معدنه بالعين ولونه أسود يضرب إلى حمرة ويتخذ منه فصول تعظم مضرتها لا سيما إذا نشبت بشىء لا تنفصل منه إلا بعد عناء، ويتخذ منه مرآة تنفع صاحب اللقوة «٣» إذا أدام النظر إليها وهو في بيت مظلم، وإذا نتف بمنقاش يعمل منه الشعر لم ينبت أبدا.
القول في الأحجار
اعلم أن الأحجار متولدة من مياه الأمطار والأنداء «٤» المحتقنة في جوف الأرض إن كانت شفافة أو من امتزاج الماء بالأرض إن كان بأرض لزوجة وأثرت فيها حرارة الشمس زئيرا شديدا.
أما القسم الأول فإن مياه الأمطار والأنداء إذا احتبست في المغارات والكهوف
стр. 214
ولم يخالطها شىء من الأجزاء الأرضية وأثرت فيها حرارة المعدن وطال وقوفها هناك، فإنها تزداد صفاء وثقلا وغلظا، فتنعقد منها الأحجار الصلبة التى لا تتأثر من الماء والنار كاليواقيت، واختلفت ألوانها بسبب حرارة المعدن وقلّتها.
أما القسم الثانى فيتولد من امتزاج الماء والأرض إذا كانت لزجة وأثرت فيها حرارة الشمس مدة طويلة، ألا ترى أن النار إذا أثرت في اللين كيف تصليه وتصيّره أجزاء، فإن الآجر صنف من الحجر إلا أنه رخو وكلما كان تأثير النار فيه أكثر كان أصلب، ثم إن هذه الأحجار تختلف باختلاف الأماكن، فإن كانت في بقاع سبخة تولدت منها أنواع الأملاح والبوارق والشبوب، وإن كانت في بقاع غضة تولدت فيها أنواع الزاجات الأحمر والأصفر والأخضر، وإن كانت في بقاع ترابية وطين حر انعقدت حجرا مطلقا، وقد ينعقد الحجر في بعض المواضع من الماء.
ومن خاصية ذلك الموضع أن يرى الماء في بعض المواضع يتقاطر من أعلاه، فإن أخذ قبل أن يقع على الأرض بقى ماء، وإن ترك حتى يقع على الأرض صار حجرا صلدا، أو ما ذاك إلا لخاصية في ذلك الموضع يعقد بها الماء حجرا.
ووجد في بعض المواضع حيوانات ونبات قد مسخها الله حجارة، فجاز أن يكون بهذا الطريق وأن يكون قد أفاض الله تعالى على تلك الأرض قوة عند غضبه على سكانها حتى ظهرت من جوف الأرض وصيّرت عليها شبه حجر صلد.
وحكى ابن سينا أنه كان على الجبل الذى «بجاجرم» فرأى جردقا «١» من الخبز أطرافها ذاتية ووسطها مقعر كما يكون بجرادق الخبز وعلى ظهرها خطوط كما يكون الخبز من أناشق التنور «٢» ، فبواسطة هذه العلامات يغلب على الظن ولا يشك الناظر إليه أنه كان خبزا فمسخه الله حجرا. والجواهر المعدنية كثيرة ولم يعرف الناس منها إلا القليل. والأحجار منها ما هو صلب لا يذوب بالنار ولا تعمل فيه القوس كاليواقيت، ومنها ما هو تراب رخو يذوب في الماء كالأملاح والزاجات، ومنها ما هو نبات مصنوع كإقليميا الذهب والفضة والزنجفر والزيجات.
ومنها ما بينه وبين آخر ألفة كالذهب والماس، فإن الماس إذا قرب من الذهب
стр. 215
تشبث به حتى قيل: إن الماس لا يوجد إلا في معادن الذهب، ومنها ما بينه وبين آخر مجاذبة شديدة حتى أن كل واحد منهما يجذب الآخر كالعاشق والمعشوق كما شاهده كل أحد في الحديد والمغناطيس، فإن بين هذين المعدنين ملاءمة شديدة، بحيث إذا شم أحدهما رائحة الأخرى سرى إليه فأمسكه مسكا شديدا ولم يفارقه إلا بجاذب يجذبه، ومنها ما بينه وبين آخر مخالفة كالسنبادج وسائر الأحجار فإنه يحكها ويجعلها ملساء، وكالأسرب والماس، فإن الماس يقهر سائر الأحجار والأسرب يقهره.
ومنها ما فيه قوة منظفة كالنوشادر، فإنه ينظف سائر الأحجار من الوسخ.
والأحجار كثيرة جدا.
الزاج أصناف وهو يتولد من أجزاء أرضية محرقة، ومن أجزائه مائية يختلط بعضها ببعض اختلاطا شديدا فيحدث فيه دهنية قابلة لذوبانه بسبب الحرارة الزائدة، فما كان منه يغلب عليه قوة الحديد كان أحمر أو أصفر، وما غلبت قوة النحاس مال لونه إلى الخضرة، ويقال: إن الزاجات تتولد من الزئبق الميت والكبريت الأخضر، وهى ألوان فمنها: الأحمر، والأخضر، والأصفر، والأسود، والأبيض وهو أخص أنواع الزاجات، ويجلب من نواحى قبرص.
واعلم أن الرطوبات المحتقنة تحت الأرض تسحق في الشتاء وتبرد في الصيف فإذا فرّت الحرارة وأسخنت باطن الأرض وكهوف الجبال في أيام الشتاء اكتسبت الرطوبات المنصبة إلى تلك المواضع بواسطة الحرارة دهنية، فإذا أصابها نسيم الهوى وبرودة الجو انعقدت وربما بقيت مائعة فتصير كبريتا أو زئبقا أو نفطا بحسب اختلاف البقاع وتغير الهوى، ويقال: إن أول هذه القوى- أعنى: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في تكوين المعادن- الزئبق؛ وذلك أن الرطوبة المحتقنة في جوف الأرض والبخارات المحتسبة فيها إذا تعاقب عليها حر الصيف مع حرارة المعدن لطفت وخفت وتصاعدت إلى سقوف المغاير ونحوها فتعلقت بها زمانا حتى يتعاقب عليها برد الشتاء فتغلظ وتجمد وتتقاطر إلى أسفل المغاير فتختلط بتربة تلك البقاع وتمكث زمانا، وحرارة المعدن تعمل دائما في إنضاجها وطبخها وتصفيتها حتى تصير تلك الرطوبة المائية بما اختلط بها من الأجزاء الترابية، وبما تكتسب من نقلها وغلظها بطول الوقوف وإنضاج الحرارة لها كبريتا محرقا، فإذا اختلط الزئبق والكبريت مرة
стр. 216
ثانية وتمازجا والتدبير بحالة فإنه يتركب من مزاجها الجواهر المعدنية التى قد تقدم ذكرها.
الزئبق: يتولد من أجزاء مائية اختلطت بأجزاء أرضية لطيفة كبريتية اختلاطا شديدا حتى لا يتميز أحدهما من الآخر ويكون عليه غشاء ترابى فإذا اتصلت إحدى القطعتين بالأخرى انفتح الغشاء وصارت القطعتان واحدة والغشاء محيط بها كقطرة الماء إذا وقفت على التراب فإنها تبقى مدّورة وتحيط بها الأجزاء الأرضية من التراب، وربما أصاب تلك القطرة قطرة أخرى وانشق ذلك الغلاف وصارت القطرتان واحدة وأحاط بها الغلاف البرّانى وسبب بياض الزئبق صفاء ذلك الماء ونقاء التراب الكبريتى.
وقال أرسطو «١» الزئبق من جنس الفضة لإزالة الآفات، دخلت عليه في معدنه، والآفات هى الرصاص، وتلك الآفات مخلخلة، فصار كأنه شبيه بالمفلوج، وله أيضا صرير ورائحة ورعدة، وهو يحل أجسام الأحجار كلها إلا الذهب فإنه يغوص فيه، وأصل الزئبق من أذربيجان وبالأندلس معدنه أيضا.
والكبريت: يتولد من أجزاء مائية وهوائية وأرضية فإذا اشتد اختلاط بعضها ببعض بسبب حرارة قوية ونضج تام حتى يصير مثل الدهن وينعقد بسبب برودة جزئية وهو ألوان أحمر وأبيض.
فالأحمر معدنه في مغرب الشمس بمواضع لا ساكن بها بالقرب من بحر أوقيانوس والأبيض قد يكون كافيا في عيون الماء الجارى، ويوجد لذلك الماء رائحة منتنة، ويقال: الكبريت عين تجرى، فإذا جمد ماؤها صار كبريتا أصفر وأبيض وأكدر.
وقال الرازى: إن الكبريت يتولد من البخار اليابس الدخانى إذا ماس شيئا من الدخان الرطب لطبخ حرارة الشمس لرطوبة الماء حتى تحيله نارا أو نفطا أو ما أشبه ذلك، والكبريت من البخار الدخانى والرطب امتزجا وطبختها حرارة الشمس حتى صار ما فيه من الرطوبة دهنا لطيفا حارا خفيفا، ولذلك نفاذه؛ لأنه شديد الحرارة فتسرع إليه النار؛ لأن النار تطلب أحرها لقربها منه، بدليل أن الأشياء الرطبة الباردة واليابسة لا تحترق لمضادتها النار بطرفيها، والأشياء الباردة لا تحترق؛ لأنها لا
стр. 217
رطوبة فيها، وإنما عدو النار الرطوبة؛ لأنها صاعدة لا تقيم في أسفل إلا معلقة بما يجذبها إلى أسفل كما لا يقيم الحجر في الجو إلا بما يغمده.
وقال الخليل بن أحمد: الكبريت عين تجرى، فإذا جمد ماؤها صار كبريتا أبيض وأصفر وأكدر، والأحمر منه من الجوهر، ومعدنه خلف التبت في وادى النمل الذى مر به سليمان، ونسله مثل الذباب تخفر أسرابا بناؤها كبريت أحمر.
قال مؤلفه أحمد بن على المقريزى: حررته في شوال سنة إحدى وأربعين وثمانمائة إلا في مواضع فإنها تحتاج إلى مراجعة.
وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
стр. 218
الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام
стр. 219
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد: فهذه جملة من أخبار الطائفة القائمة بالملة الإسلامية ببلاد الحبشة، المجاهدين في سبيل الله من كفر به وصدّ عن سبيله، تلقيتها بمكة- شرّفها الله تعالى- أيام مجاورتى بها في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة من العارفين بأخبارهم، والله أسأل التوفيق إلى سواء الطريق بمنّه وكرمه.
ذكر بلاد الحبشة
اعلم أن بلاد الحبشة أوّلها من جهة المشرق المائل إلى جهة الشمال بحر الهند المار من باب المندب إلى بلاد اليمن، وفيها يمر نهر حلو يقال له: سيحون، يرفد نيل مصر، وجهة الحبشة الغربية تنتهى إلى بلاد التكرور مما يلى جهة اليمن، وأوّلها مغازة مكان يسمى وادى بركة يتوصل منه إلى سحرت، وكانت مدينة المملكة فى القديم، ويقال لها: أخشوم، ويقال لها: أنصار رفرفتا وبها كان النجاشى، ثم إقليم أمحرا، وهو الآن مدينة المملكة ويسمى أيضا: مرعدى، ثم إقليم شاوه، عدل الأمراء، ثم إقليم حماسا، ثم إقليم باربا، ثم إقليم الطرار الإسلامى الذى يقال له: الزيلع، ولكل إقليم من هذه الأقاليم الاثنى عشر ملك، والكل من تحت يد الحطىّ ومعناه بالعربية: السلطان.
وتحت يده تسع وتسعون ملكا هو تمام المائة إلا أن بلادهم غير مشهورة عندنا، وجميع بلاد الحبشة تزرع على المطر مرتين فيحصل لهم في السنة الواحدة فعلان، وإذا أكثر عندهم نزول المطر وقعت الصواعق، وعندهم أشجار كثيرة منها ما تطول الواحدة منهم مائتى فارس، فمن أشجارهم شجر الأبنوس.
وعندهم القنا وهو نوعان: صامت ومجوف، ولهم منابت لا تعرف بأرض مصر ولا الشام ولا العراق، وعندهم معدن الحديد ومعدن الذهب، ويوجد في بلادهم معدن الفضة، وتعظم عندهم الحيّات، بحيث تقوم الحية بأعلى الجبل فتصير في الجوشة قوس قزح في عظمها لا في اللون.
стр. 220
وأخبرنى بعض ثقة «١» أنه شاهد ذلك، وعندهم سحرة يمنعون الريح أن تهب، فيأمر الحطى «٢» بعضهم أن يضربوا فلا زالوا يهيئون حتى تهب الريح فيذرون عليها غلالهم، وهو عند الحبش دجاج برى، ولهم دجاج ثان يخرج هو والبط من بركة ماء في إقليم هدية من بلاد الزيلع وهو يتولد من هذا الماء، ولا بد للحبشة من مطران «٣» يولّيه بطريق «٤» النصارى اليعاقبة»
بمصر بعد سؤال الحطى لسلطان مصر فى ذلك بكتاب يبعثه مع رسله وصحبته هدية، فيتقدم للبطريق بتعيين مطران لهم.
والحبشة قوم يدينون بالنصرانية من قديم ويعتقدون مذهب اليعقوبية، وهم يتشددون في ديانتهم تشددا زائدا ويعادون من خالفهم من سائر الملل «٦» أشد عداوة ويعادون الطائفة الملكية «٧» من النصارى، بحيث أخبرنى من دخل منهم إلى بلاد الحبشة أنه أظهر بها أنه يعقوبى خوفا من القتل لو علموا أنه ملكى.
والحبشة تسكن بيوتا من قش تطلى بأخثاء البقر، ويأكلون اللحم نيئا، حتى لقد أخبرنى من شاهد الحطى داود بن يوسف أرعد يأكل كرش بقرة نيئا وما فيه من بقايا الفرث «٨» يسيل على حنكه «٩» .
وشاهد رجلا يأكل دجاجة وهى «١٠» تصيح وهم عراة الأبدان لا يكادون يعرفون لبس المخيط، بل يرتدون ويتّزرون «١١» فى أوساطهم، وليس للحطى ديوان،
стр. 221
لكنه إذا خرج للغزو أمر جنده فألقى كل منهم حجرا في موضع بعينه لذلك، فإذا رجع من غزاته أخذ كل واحد من العسكر حجرا، فما فضل من الحجارة علموا به عدة من هلك منهم، فلما هلك الحطى داود بن يوسف أرعد سنة اثنتى عشرة وثمانمائة أقيم بعده ابنه تدرش، فهلك سريعا وأقيم بدله أخوه إسحاق بن داود بن سيف أرعد، ورأيت من يسميه أيرم ففخم أمره؛ وذلك أن بعض المماليك الجراكسة ممن كان ذردكاش «١» بديار مصر قدم عليه وأقام عنده وعمل له زردخانة «٢» تشتمل على آلات السلاح من السيوف والرماح والزرديات ونحو ذلك، وكانوا من قديم الدهر إنما سلاحهم الحراب يرمون بها، وقدم عليه من أمراء الدولة بمصر شخص يقال له: الطنبغا مفرق، حتى ولى بعض بلاد الصعيد، ثم فر إليه، وكان يعرف من أساليب اللعب بآلات الحرب ومن أنواع الفروسية أشياء، فحظى عند الحطى وعلّم عساكره رمى النشّاب «٣» واللعب بالرمح والضرب بالسيف، وعمل لهم النفط فعرفوا صناعات الحروب، وقدم عليه أيضا من قبط مصر نصرانى يعقوبى يعرف بفخر الدولة فرتب له المملكة، وجىء له بالأموال فصار له ملك له سلطان وديوان بعد ما كانت مملكته ومملكة آبائه همجا لا ديوان لهما ولا ترتيب ولا قانون وانضبطت عنده الأمور وتميز زيّه من رعيته بالملابس الفاخرة بعد ما كان داود بن سيف أرعد يخرج عريانا، وقد عصب رأسه بعصابة حمراء، فصار إسحاق يمر في موكب جليل بشارة الملك، حتى لقد أخبرنى من رآه وهو راكب فرسه وقد مر في موكبه، وبيده اليمنى صليب من ياقوت أحمر قد قبض عليه بكفه ووضعها على فخذه وطرفا الصليب بارزتان عن يده بروزا كثيرا، فلما تحضرت دولته وقويت شوكته وسوس إليه شياطينه أن يأخذ ممالك الإسلام، فأوقع من تحت يده في ممالك الحبشة من المسلمين وقائع شنيعة طويلة قتل فيها وسبى واسترق عالما لا يحصيه إلا خالقه .
وأزال دولة المسلمين من هناك كما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى، ثم كتب إلى ملوك الإفرنج يحثهم على ملاقاته لإزالة دولة الإسلام وواعدهم على ذلك، وأخذ فى تمهيد ما بينه وبين البلاد الإسلامية واستجلاب العربان إليه، فعاجله الله تعالى بنقمته وأهلكه عقيب ذلك في ذى القعدة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وسلّط الله على
стр. 222
أمحرة طائفته الملك العادل جمال الدين بن سعد الدين، فأوقع بهم وقائع وأفنى منهم أمما وأسر منهم عوالم ملأت أقطار الأرض يمنا وهندا وحجازا ومصرا وشاما وروما.
وقد أقيم بعد إسحاق المذكور ابنه اندراس فهلك لأربعة أشهر من ولايته، وأقيم بعده عمّه نخربزاى بن داود بن سيف أرعد، فلم تطل أيامه وهلك في شهر رمضان سنة أربع وثلاثين فأقيم عوضه سلمون بن إسحاق بن داود فهلك سريعا.
فكان للحبشة في سنة أو نحوها أربعة ملوك وتوالت حروب المسلمين فيهم تقتل وتأسر وتسبى وتحرق وتغنم، ثم فشا في عامة بلاد الحبشة وباء عظيم شنيع فى سنة تسع وثلاثين وثمانمائة وهلك فيه الحطى وعالم عظيم، حتى قيل: إنه قد خلت البلاد لموت أهلها والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ذكر بلاد الزيلع «١»
اعلم أن بلاد الزيلع كما تقدم من جملة أراضى الحبشة، وعرفت بقرية بجزيرة فى البحر يقال لها: زيلع، وطول أرض الزيلع برا وبحرا نحو شهرين، وعرضها أكثر من شهرين، إلا أن غالبها قفار غير مسكونة ومقدار العمارة مسافة ثلاثة وأربعين يوما طولا في عرض أربعين يوما.
وتنقسم إلى سبع ممالك، وهى: أوفات ودوارو وارابينى وهدية وشرخا وبالى ودارة، ولكل مملكة من هذه الممالك السبع ملك، ويتسلط عليهم جميعهم الحطى ملك أمحرة، ويأخذ منهم القطيعة من المال في كل سنة، وهى قماش وغيره، وكلها ممالك ضعيفة قليلة المتحصل، وبها المساجد والجوامع التى تقام بها الجمعة والجماعة، وعند أهلها محافظة على الدين ويقال لها: الجبرت، وهى بلاد حارة وبيوتهم من طين وحجر وخشب، وليس لها أسواق ولا بها فخامة لأمورهم.
ومملكة أوفات
طولها خمسة عشر يوما في عرض عشرين كلها عامرة بالقرى، والأسعار بها رخيصة.
أخبرنى الشيخ المعمر الأديب الشاعر المغربى الجوّال في الأرض ﵀ قال:
стр. 223
رأيت بمدينة أوفات أيام عمارتها الموز يباع كل عرجون «١» بربع درهم فيه نحو مائة موزة، ورأيت اللحم يباع كل طابق وهو ثلاثون رطلا بدرهم ونصف، وملك أوفات يحكم على الزيلع، وغالب أهلها شافعية المذهب وكثر فيهم بعهدنا الحنفية، وكلام أهلها باللغة الحبشية، ويتكلمون أيضا بالعربية.
ولهذه المملكة عدّة مدن وملكها يجلس على كرسى ويركب بالحتر «٢» والطبل والزمر، وعندهم الفواكه وقصب السكر، ولهم منابت لا تعرف بمصر والشام، منها شجرة يقال لها: جات، لا ثمر لها، يؤكل ورقها وهى تشبه أوراق شجرة النارنج، وهى تزيد في الذكاء وتذكر النسيان وتفرح وتقلل شهوة الأكل والجماع وتقلل النوم لأهل تلك البلاد، فى أكل هذه الشجرة رغبة كثيرة لا سيما أهل العلم، ويجلب إليها الذهب من داموت وسجام وهما معدنان ببلاد الحبش وله معاملتهم.
ومملكة دوارد
وطولها خمسة أيام في عرض يومين وأهلها حنفية المذهب ومعاملتهم الحديد، وتسمى الواحدة من تلك الحدايد حنكة- بفتح الحاء المهملة وضم النون والكاف- وهى طول الإبرة والرأس، الغنم بثلاثة آلاف حنكة وهى مجاورة الأوفات.
ومملكة أرابينى
طولها أربعة أيام وعرضها كذلك وأهلها حنفية، وهى تلى دوارد، وهم كأهلها فى المعاملة وغيرها.
ومملكة هديّة
طولها ثمانية أيام وملكها أكثر الجميع عسكرا، وزيهم كزى أهل أرابينى حتى في المعاملة وإليها يجلب الخصيان الخدام الذين يعرفون في أرض مصر بالطواشية، واحدهم طواشى، فإن صاحب أمحرة يمنع من خصى العبيد ويشدد في ذلك، فتأتى بهم السرّاق إلى مدينة وستلوا وأهلها همج لا دين لهم فتخصى بها العبيد، فإنه لا يوافق على ذلك في جميع بلاد الحبشة سواهم، ثم تحمل من يخصى إلى مدينة هدّية فتعاد عليهم الموسى مرة ثانية حتى ينفتح مجرى البول فإنه يكون قد انسد
стр. 224
بالقيح، ثم يعالجون حتى ... «١» أهل هدية بذلك، وقلّ من يعيش من الخصيان؛ لأنهم يحملون إلى هدية من غير علاج.
ومملكة شرخا طولها ثلاثة أيام وعرضها أربعة أيام وأهلها حنفية.
ومملكة بالى طولها عشرون يوما في عرض ستة أيام وهى أكثر بلاد الزيلع خصبا ومعاملتهم بالأعواض غنما ببقر وبقرا بثياب، ونحو ذلك وأهلها حنفية.
ومملكة دارة طولها ثلاثة أيام في عرض ثلاثة أيام وهى أضعف ممالك الزيلع وأهلها حنفية وهم أيضا يتعاملون بالأعواض.
وجميع ملوك هذه الممالك إنما هم نواب عن الحطى لا يقيمهم إلا هو، ويجاور هذه البلاد ناصع وسواكن ودهلك وأهلها مسلمون.
والستة الممالك الزيلع لغاتهم مختلفة تبلغ زيادة على خمسين لسانا وكلهم يكتب بالقلم الحبشى، وكتابتهم من اليمين إلى الشمال، وعدّة حروف هذا القلم ستة عشر، لكل حرف سبعة حروف، جملة ذلك مائة واثنا عشر ألف حرف سوى حروف أخر مستقلة بذواتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المذكورة مضبوطة بحركات متصلة بالحرف لا، منفصلة عنه، هكذا كان ترتيب هذه البلاد ومنها ما بقى ومنها ما زال بزوال الدول وقيام دول سواها.
سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تحويلا.
ذكر الدولة القائمة بجهاد النصارى من الحبشة
اعلم أن هذه الدولة قام بها قوم من قريش، فمنهم من يقول: هم من بنى عبد الدار ومنهم من يقول: إنهم من بنى هاشم ثم من ولد عقيل بن أبى طالب، قدم أولهم من الحجاز ونزلوا أرض جيرة التى تعرف اليوم بجبرت وهى من أراضى الزيلع واستوطنوها وأقاموا بمدينة أوفات، وعرف جماعة منهم بالخير واشتهر بالصلاح إلى أن كان منهم عمر الذى قال له: ولسمع، ولاه الحطى مدينة أوفات وأعمالها.
فحكم بها مدة طويلة وصارت له بها شوكة قوية وشكرت سيرته حتى مات
стр. 225
وترك أربعة أولاد أو خمسة ملكوا أوفات من بعده واحدا بعد آخر، منهم: بزوا، ومنهم: حق الدين الأول، حتى كان آخرهم صبر الدين محمد بن ولخوى بن منصور بن عمرو لسمع، فملك أوفات حدود سنة سبعمائة من سنّى الهجرة وطالت مدته، فلما مات ابنه على بن صبر الدين محمد بن عمر ولسمع واشتهر ذكره في البلاد وخرج عن طاعة الحطى ثم عاد إليها، فإن أهل البادية لم توافقه، بل خالفت عليه فولى الحطى سيف أرعد ابنه أحمد، ويعرف بحرب أرعد بن على بن صبر الدين محمد بن صبر محمد بن عمر ولسمع على مدينة أوفات وأعمالها، وقيّض على عليّ وأنزل عنده بمكان هو وأولاده، فأقام على بن صبر الدين عند الحطى نحو ثمانى سنين ثم رضى عليه وأعاده إلى ولايته على مدينة أوفات ثانيا، وقد صار ابنه أحمد حرب أرعد إلى الحطى فألزمه أن يقيم ببابه فأقام بخدمته، وولد له هناك ثلاثة أولاد منهم: سعد الدين محمد، ثم إن الحطى رضى عليه وكتب إلى أبيه على يأمره أن يوليه موضعا من أعمال جبرت، فامتثل ذلك ووّلاه عملا من أعماله فسار إلى ذلك العمل وأقام به مدة إلى أن قتل في بعض حروب رعيته، فقام في موضعه أخوه أبو بكر بن على، وكان أحمد حرب أرعد قد ترك بمدينة أوفات ولدا يقال له: حق الدين، وقد اشتغل بطلب العلم وصار مطرح الجانب لأعراض جده على بن صبر الدين عنه وهجره إياه مع معاداة عمه «ملا أصفح» بن على له العداوة الشديدة ومقته المقت الزائد.
ثم إنه أخرجه من مدينة أوفات إلى بعض أعمالها وألزم والى تلك الجهة أن يهينه ويستخدمه فأخرجه والى الجهة إلى جباية «١» مال بعض النواحى، فأخذ عند ما صار إلى ما وليه في تدبير أمره وإحكام عمله وجمع الناس عليه حتى قوى جانبه وأظهر الخلاف على من والاه، فسار إليه وحاربه فانتصر عليه حق الدين وقتله وغنم ما كان معه وضم إليه من كان معه من المقابلة، وبذل لهم المال فقامت قيامة عمه «ملا أصفح» وكتب إلى الحطى يخبره الخبر ويطلب منه النجدة لمحاربته، فأمده الحطى سيف أرعد بعسكر يقال: إن عدّته ثلاثون ألفا، فلقيهم حق الدين، وقاتلهم قتالا شديدا، أيده الله عليهم حتى قتل منهم خلقا كثيرا، وغنم منهم ما معهم، وهزم عمه، وقد شهد الواقعة فصار في هزيمته إلى الحطى فبعث معه
стр. 226
عساكر عظيمة جدا فتلقاهم حق الدين وقاتلهم، فقتل عمه «ملا أصفح» بن على ابن صبر الدين محمد بن عمر ولسمع، واستأصل حق الدين العساكر فلم ينج منهم إلا القليل وغنم ما معهم.
وسار إلى مدينة أوفات وبها جدّه على بن صبر الدين وقد اشتد حزنه على ولده «ملا أصفح» فإنه كان أعز أولاده عنده وكان هو القائم بأمر الدولة وتدبير الأمور، وتزايد مع ذلك حنقه على حق الدين وبغضه إياه إلا أن ضرورة الحال اقتضت كفه عنه لعجزه عن مقاومته، فتأدب حق الدين مع جده وأقرّه على ولاية أوفات، فأمده عند ذلك بمال حمله إليه، وسار حق الدين ومعه عن أوفات وأخرج معه أيضا أهلها إلا ... «١» ونزل بأرض شوة وبنى هناك مدينة سماها «وجل» ، وأنزل بها أهل أوفات وجعلها دار ملكه، فتلاشت من حينئذ مدينة أوفات واتضعت حتى خربت، وكان حق الدين هذا أول من خالف من أهل بيته على الحطى ملك أمحرة من الحبشة الكفرة.
وخرج من طاعته وهو أول من استبد منهم بالأمر وما زال يحارب الحطى وعساكره ويأسر منهم ويغنم إلى أن مات الحطى «سيف أرعد» ، وأقام بعده بأمر الحبشة ابنه الحطى داربت وهو داود بن سيف أرعد، فاستمر حق الدين على محاربته إياه والله يؤيده بنصره على أمحرة، بحيث إنه كانت له فيهم بضع وعشرون وقعة في مدة تسع سنين، آخرها أنه سار إليهم وقاتلهم قتالا شديدا، استشهد فيه سنة ست وسبعين وسبعمائة بأرض شوة ولم يوجد مع القتلة وكانت مدة سلطنته نحو عشر سنين، وكان شجاعا مقداما قوى النفس عجولا مهابا، وقام من بعده أخوه سعد الدين أبو البركات محمد بن على بن صبر الدين محمد ولخوى ابن منصور بن عمرو لسمع.
فمضى على سيرة أخيه حق الدين في جهاد أمحرة الكفرة لكن بتؤدة وسياسة حسنة، فكثرت عساكره وتعددت غاراته واتسعت مملكته، فقاتل مرة في اثنين وسبعين فارسا فكسرهم، ثم ظفر به العدو بعد ذلك في موضع يقال له: أهبرة، وربطوه وساقوه إلى كبيرهم، فأدركه أحد فرسانه وقاتل من معه حتى خلصه من أيديهم، وأركبه فرسه ورده إلى أصحابه، فجمعهم وجد في جهاد أمحرة، ولقى ابن مر
стр. 227
فيمن أمر الحطى وهزمه وأسر من معه حتى أبيع كل عبدين من الأسرى بتفضيله، ومضى من فوره إلى زلال ففتح تلك البلاد وغنم أموالها فبلغت حصته لخاصة نفسه أربعين ألفا فرّقها بأجمعها على الفقراء والمساكين وعلى العسكر حتى لم يجد ما يأكله إلى أن أطعمته إحدى زوجاته.
وحصل لسليم بن عباد زوج ابنته اثنتا عشرة ألف بقرة، فأمره أن يخرج منها زكاتها فامتنع فتغير عليه، فأرسل الله تعالى عليه الكفرة فأخذوه وما معه، فلم يفلت منه سوى زوجته وابنه سعد الدين بحيلة تداركها الله فيها بلطفه.
وغزا أيضا بلادا تسمى زمدوة في أربعين فارسا وبها من الكفرة أعداد لا تحصى، فكانت بينه وبينهم قتلة عظيمة نصره الله فيها نصرا عزيزا، وغنم ما لا يدخل تحت حصر، وغزا بالى وأمحرة وهم في عشرة أمراء، كل أمير منهم عشرة آلاف، وهو فى خمسين فارسا وجميع من معه لا يبلغون عدّة أمير منهم، فعندما تلاقى الجمعان توضأ هو وأصحابه وصلوا ركعتين وسأل الله تعالى النصر وهم يؤمّنون على دعائه، ثم ركب بمن معه وقاتلهم فهزمهم الله ونصره عليهم فقتل وأسر منهم عددا لا يحصى بحيث بقيت رؤوس القتلى ملء الأرض لا يجد المار موضعا يمر به إلا عليهم، وكان بينه إذ ذاك وبين بلاده مسافة اثنى عشر يوما فعاد منصورا غانما، وجرد مرة من أصحابه رجلا يقال له: «أسد» فى أربعين فارسا فلقيه أمير من أمراء الحطى يقال له: «زان حش» فى خمسين فارسا لابسين آلة الحرب ومعه من العساكر الراكبين الخيل عريا عالم كبير، وكان مشهورا بالقوة والشجاعة، فاقتتل الفريقان أعظم قتال وأشدّه فقتل الله اللعين ونصر المسلمين نصرا مؤزرا وغنموا غنائم عظيمة، فجمع الحطى أمحرة ونزلوا إلى بلاد المسلمين فلقيهم أمير اسمه محمد في ستة فرسان ونحو ألف راجل «١» فقاتلوا قتالا شديدا عظيما استشهد فيه الأمير محمد [ومن] «٢» معه ولم يسلم منهم سوى فارس واحد فأخذه الحطى أميرا يقال له: بارو، فلقيه سعد الدين بنفسه ومعه الفقهاء والفقراء والفلاحون وجميع أهل البلاد وقد تحالفوا «٣» جميعا على الموت، فكانت بينهما وقعة شنيعة استشهد فيها من المشايخ
стр. 228
الصلحاء أربعمائة شيخ، كل شيخ منهم له عكاز وتحت يده من الفقراء السالكين عدد عظيم فاستحر القتل في المسلمين حتى هلك أكثرهم وانكسر من بقى، ومر سعد الدين على وجهه وأمحرة في أثره تتبعه حتى التجأ إلى جزيرة زيلع في وسط البحر فحصروه بها ومنعوه الماء إلى أن دلّهم [عليه] «١» من لا يتقى الله على الوصول إليه، فلما وصلوا إليه قاتلهم فأصيب في جبهته بعد فقده الماء ثلاثة أيام، فخر إلى الأرض فطعنوه فمات- ﵀ وهو يتشهد ويضحك وذلك في سنة خمس وثمانمائة، وقد ملك نحوا من ثلاثين سنة، وكان رجلا صالحا.
وفي أيامه مات جده على بن صبر الدين في سجن الحطى بعد ما أقام مسجونا نحو الثلاثين سنة، ولما قتل سعد الدين ضعف المسلمون بموته واستولى الحطى وقوم أمحرة على البلاد وسكنوها وبنوا بها الكنائس، وخرّبوا المساجد وأوقعوا بالمسلمين وقائع نزل فيها من القتل والأسر والسبى والاسترقاق ما لا يمكن التعبير عنه مدة عشرين سنة، وكان أولاد سعد الدين قد فروا إلى بلاد العرب، وهم عشرة، أكبرهم صبر الدين على، فأكرمهم الملك الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل ملك اليمن وأنزلهم ثم جهزّهم وقاد لهم ستة أفراس فخرجوا إلى موضع يسمى:
يسارة، حتى فتح الله عليهم ولحق بهم عساكر أبيهم، فقام بأمرهم صبر الدين على وزحف لقتال أمحرة في سبعة من الفرسان سوى المشاة وقاتل في موضع يقال له:
ذكر أمحرة وهم في ثمانين فارسا فهزمهم واستولى على ذلك الموضع، وسار إلى سرجان وقاتل من هناك وكسرهم وحرق كنائسهم وبيوتهم، وغنم من الذهب وغيره ما لا يحصى، وما زال ينتصر على أمحرة حتى جمعوا له وصاروا في عشرة أمراء تحت يد كل أمير زيادة على عشرين ألفا ومقدمهم يقال له: «بخت بقل» ملّكه بلاد المسلمين وأقاموا بها سنة، وصبر الدين بمن معه فارس من بلد إلى بلد، وبهم من الجوع والعطش والتعب ما لا يوصف، ثم أيّده الله وقوّاه حتى جرّد أخاه محمدا ومعه حرب جوش وغيره من الأعيان في عشرين فرسا إلى بلد يقال لها:
رطوا، فقاتلوا أمحرة قتالا عظيما، قتل فيه مقدّمهم في عدة من أمراء الحطى.
وقتل من عسكرهم ما لا يحصى وهزموا بقاياهم وغنموا غنائم كثيرة وملكوا البلد زمانا، ثم صار صبر الدين بنفسه وطلع إلى بيت الملك وقاتل أمحرة وقتل أميرا
стр. 229
كبيرا وحرق بيت الملك وأكثر في قتل من هناك وعاد، ثم جرّد أخاه إلى قلعة بروت ففتحها صلحا وعاد منصورا، ثم جرّد أميرا اسمه عمرو ومعه ستة فرسان إلى بلاد لجب وأمحرة في عدد كالجراد، فكانت بينهم وقعة عظيمة قاتل المسلمون فيها قتالا كبيرا شديدا حتى ماتوا كلهم وقد صارت المزاريق تأتيهم كالمطر من كثرتها، ثم قطعوا بالسيوف رحمة الله عليهم، وشهد صبر الدين مرة وقعة كاد العدو أن يأخذه قبضا باليد فنجا بفرسه وقد اعترضه واد عرضه نحو عشرة أذرع فوثب بفرسه حتى تعداه وخلصه الله منهم، وما زال يلى أمر المسلمين إلى أن مات على فراشه مبطونا «١» بعد ثمانى سنين في حدود سنة خمس وعشرين وثمانمائة، وكانت سيرته مشكورة، فقام بالأمر أخوه منصور بن سعد الدين وعضّده أخوه محمد وسار إلى جداية وهى دار ملك الحطى وبها صهره فقاتله حتى أخذه أسيرا وقتله في عدّة كبيرة فالتجأ نحو الثلاثين ألفا إلى جبل يقال له: مخا، فحصرهم فيه زيادة على مدة شهرين يقاتله كل يوم حتى كلّوا وجاعوا وعطشوا، فنادى فيهم يخيرهم بين الدخول في دين الإسلام وبين اللحاق بقومهم، فأسلم منهم نحو العشرة آلاف ونزلوا إليه من الصبح إلى غروب الشمس، وصار من الغد بقيتهم إلى بلادهم، فغنم من الخيل مائتى فرس عربية، وأقام عشرة أيام وقد جمع أمحرة جيشا وأتوه في عدد كالجراد المنتشر من كثرتهم، فقاتلهم أشد قتال حتى كلّت الفرسان وخيولها من شدة الحرب وقتل عشرة من أمراء المسلمين، فوقع منصور وأخاه في قبضة الحطى إسحاق المدعو إيرم بن داود بن سيف أرعد فكاد يطير من الفرح وقيدهما وسجنهما ووكل بهما، وذلك فى سنة ثمان وعشرين وثمانمائة لسنتين من ولاية منصور، واستولت النصارى من أمحرة على البلاد كما كانوا، وعندما قبض على منصور قام بالأمر في الحال أخوه جمال الدين محمد بن سعد الدين وهو ضعيف، وقد نفى معه من الأمراء حرب جوش، وكان من أمراء الحطى فأسلم في أيام سعد الدين، وقدم إليه فصار من أكابر الأمراء لقوته وشجاعته وكثرة أتباعه، فخرج على جمال الدين البرابر، فوجه إليهم حرب جوش، فعرض عليهم الصلح وقد جمعوا إليه جمعا فيه سبعة آلاف قوس وسيف فأبوا إلا محاربته وهو موافقهم من الصبح إلى الظهر، ثم قاتلهم قتالا عظيما حتى هزمهم الله إلى بيوتهم وهو في أقفيتهم «٢» فانقادوا لأمره ودخلوا في
стр. 230
طاعته ودفعوا إليه زكاة أموالهم وعاد مؤيدا ظافرا.
ثم بعث حرب جوش إلى بلاد بالى في عشرين فارسا، فلقى أمحرة وهم في عدد عظيم لم يجتمعوا فيما مضى مثله، فقاتلهم أشد قتال فانتصر عليهم وعاد، فجمع الحطى عساكر كثيرة جدا ونزل حذاءه فسار إليهم جمال الدين وحاربهم وعاد منصورا، وتوجه من أمحرة إلى نجرة وقد استطال الحطى وجمع عليه نحو مائة أمير وعزم على الا يبقى بالحبشة مسلما، فلقيه جمال الدين في خمسمائة فارس وقد جمع الحطى من الفرسان ما لا يحصى كثرة، فكانت بين الفريقين وقعة عظيمة، فقتل الله أمحرة وهزم باقيهم، وركب جمال الدين أقفيتهم وهو يتبعهم ثلاثة أيام وهو يقتل ويأسر حتى امتلأت الأرض بالقتلى وحرق الكنائس والبيوت وسبى النساء والأولاد، وغنم الأموال حتى بلغت عدة الخيول الملبّسة «١» التى غنمها زيادة على مائة فرس.
وأما الخيول العراة فلا تحصى لكثرتها وأقام في هذه الغزوة «٢» ثلاثة أشهر وبعث حرب جوش إلى بالى فقتل وأسر وسبى ما لا ينحصر، وغنم غنائم عظيمة حتى صار يعطى لكل فقير ثلاثة رؤوس من الرقيق، ومن كثرتهم أبيع الرأس من الرقيق بربطة ورق وبخاتم واحد ورجع منصورا غانما، فسار جمال الدين بنفسه لغزو أمحرة فى جمع عظيم لم يجتمع في إيابه مثله ومعه ألف فارس وهو يقتل ويأسر ويسبى ويغنم والحطى بجموعه هارب منه وهو في طلبهم يتبعهم خمسة أشهر حتى وصل إليه، فلم يقابله الحطى وهرب منه إلى رأس بحر النيل.
فعاد جمال الدين بغنائم لا تحد ولا تعد، ثم بعث أخاه أحمد والأمير حرب جوش إلى دوارو فأوقعا بأمحرة وقائع عديدة وأسرا منهم ثلاثة أمراء، وغنما ستين فرسا وغنائم كثيرة وعاد بأعز نصر، ثم صار جمال الدين بنفسه يقتل ويأسر مسافة عشرين يوما فتفرقت أمحرة في ثلاثة مواضع، تريد أن تأخذ بلاد جمال الدين وعياله فعاد راجعا يريد لقاءهم، وقطع مسافة عشرين يوما في سبعة أيام ثم لقيهم ببلاد تسمى هواى، وقد تعب هو وأصحابه تعبا شديدا كثيرا والعدو مستريح فكانت بينهم وقعة عظيمة ومن كثرة الجموع وشدة القتال، اختلط الناس فما كان أحد
стр. 231
يعرف صديقه من عدوه ثم أنزل الله نصره على المؤمنين، فأخذوا جانبا من أمحرة وانتصر أمحرة أيضا وأخذوا جانبا من المسلمين وغنم كل منهم ما حازه، ثم ثار على جمال الدين بنو عمه وحسدوه وقتلوه في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، وله في السلطنة سبع سنين، وكان خير ملوك زمانه دينا ومعرفة وقوة وشجاعة ومهابة وجهادا في أعداء الله تعالى بحيث إنه ملك كثيرا من بلاد الحطى وأعماله، ودخل جمان من عمال الحطى وولاة أعماله في طاعته وقتل وأسر من أمحرة الكفرة ما لا يدخل تحت حصر، حتى امتلأت بلاد الهند واليمن وهرمز والحجاز ومصر والشام والعراق وفارس من رقيق الحبشة الذين أسرهم وسباهم في غزاته، وما زال مؤيدا من الله تعالى منصورا على أعداء الله حتى ختم الله له بالحسنى وكتب الله له الشهادة.
وكان يصحب الفقهاء وأهل الفقر من الصالحين وينشر؟؟ العدل في أعماله حتى فى أهله وولده.
ولقد بلغ من عدله أن لعب بعض صغار أولاده ذات يوم مع أنداده وأترابه من الولدان، فضرب صغيرا منهم كسر يده، ولم يبلغ جمال الدين حتى مضت مدة فاشتد في الإنكار على خدمه إذ لم يعلموه، وطلب أولياء الصغير الذى كسرت يده وعتبهم على إخفاء هذا عنه، وجمع أهل دولته وطلب إبنه الجانى الصغير في كسر يده ليقتص منه، فقام أعيان الدولة وأمراؤهم بين يديه يضرعون إليه في العفو وأنهم يرضون أولياء الصغير، فلم يفعل وأبى إلا إحضار ولده فأحضر إليه، فلما قدّمه ليقتص منه ضج الجميع والبكاء وقام أولياء المكسور وعفوا فلم يرجع إلى أحد وقدم ابنه إليه وأخذ يده بيده ووضعها على حجر وضربها بحديدة كسرها وهو يصيح ثم أغمى عليه فحمل إلى أمه وأصوات ذلك الجمع كله على كثرته قد ارتفعت بالعويل والبكاء رحمة للصغير.
فكان أمرا مهولا وجمال الدين مع ذلك ثابت وقائل لولده: ذق كما أذقت ولد الناس، حدثنى بهذا الخبر الثقات الذين حضروا ذلك المجلس بين يدى جمال الدين وشاهدوه، فلم يتجاسر بعد ذلك أحد من أهل الدولة أن يمد يده لمال أحد ولا استطاع بعدها ولا حقير أن يجنى على غيره، وكان من شدة مهابته إذا أمر بشىء أو نهى عنه لا يتعداه أحد من أمرائه، بل يقف الجميع عند أمره ونهيه في جميع أعماله
стр. 232
خوفا من شدة سطوته واتقاء عقوبته.
ومناقبه عديدة ومآثره كثيرة، وجملة القول فيه أن الله تعالى أيّد به الدين وأعز بدولته الإسلام والمسلمين، وكان من جليل سعادته أن الله تعالى أهلك في أيام دولته طاغية الكفر الحطى إسحاق بن داود بن سيف أرعد في ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، فأقيم بعده اندراس بن إسحاق فهلك لأربعة أشهر من ولايته وقام بأمر أمحرة عمه حزيتاى بن داود بن سيف أرعد، فكانت أربع ملوك في نحو سنة وكل ذلك تعظم فتوحات جمال الدين الجليلة، وتعدد وقائعه العظيمة، وتكثر أعماله وعماله وغنائمه وأسراه وقتلاه وسباياه تمكينا من الله تعالى له في الأرض وتأييدا له بالنصر، ومع هذه الفتوحات العظيمة فلقد أسلم على يديه عالم من أمحرة لا يحصى عددهم، هداهم الله به وأنقذهم من النار بيمن دولته، وذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ولما استشهد جمال الدين قام بأمر المسلمين من بعده أخوه شهاب الدين أحمد بدلاى، وما زال يجتهد في تحصيل قاتل أخيه جمال الدين حتى ظفر به وقتله، وجرى على سنّة أخيه في غزو أمحرة وفتح من بلادهم عدة أعمال وقتل طائفة من أمرائهم وحرق البلاد وغنم وقتل وأسر وسبى عالما كثيرا، بحيث كثرت الأموال من الذهب والفضة والثياب والدروع في أيدى جماعته.
وحازوا من الوصايف ما لا يعد، وخرّب ست كنائس وعدة قرى واسترد البالى من أيدى الناس النصارى ورد إليها ألف بيت من المسلمين، إلا أنه حدث في أيامه سنة تسع وثلاثين وباء عظيم مات فيه من المسلمين والنصارى عوالم كثيرة جدا، وهلك الحطى، وأقاموا بعده صبيا صغيرا. وهذا السلطان بدلاى مقيم في بلاد وذكر أخوه خير الدين في بلاد ركلة.
وأظهر بدلاى سيرة العدل في مملكته، فأمنّت الطرقات وانكف الناس عن الظلم من العسكر وغيرهم ورخصت الأسعار في أيامه.
وأظهر بدلاى سيرة العدل في مملكته، فأمنّت الطرقات وانكف الناس عن الظلم من العسكر وغيرهم ورخصت الأسعار في أيامه.
قال مؤلفه- تغمده الله برحمته: حرره جامعه ومؤلفه أحمد بن على المقريزى- فى ذى القعدة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، فصح جهد الطاقة والله أعلم بعيبه وأحكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد الله رب العالمين.
تم
стр. 233
حرص النفوس الفاضلة على بقاء الذكر
стр. 234
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله على جزيل نعمه، ووفور أفضاله وعموم فضله وغزير فعاله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وبعد:
فهذه مقالة لطيفة، وتحفة سنية شريفة في حرص النفوس الفاضلة على بقاء الذكر. أسأل الله تعالى أن يجعل لنا ثناء حسنا في الصالحين، وأن يحبونا بالزلفى يوم الدين بمنّه وكرمه آمين.
اعلم أن البقاء من أحسن صفات الله تعالى، فاتصاف العبد بما أمكن من البقاء هو أعلى صفاته وأفضلها؛ إذ ليس للعبد من نفسه إلا العدم، وأما الوجود فمن قبل الله تعالى، وقد تقرر في موضعه من الحكمة أن لكل شىء غاية، فغاية المعدن أن يصير ذهبا، وغاية النبات النخلة، وغاية الحيوان الإنسان، وغاية الإنسان أن يكون عالما، وغاية العالم أن يكون ملكا مقربا باقيا بالذكر، فالفاضل هو الذى يحرص على بقاء ذكره دائما، قال الله تعالى حكاية عن إمام الحنفاء إبراهيم الخليل ﵇ أنه قال: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
«١» والمراد باللسان: القول، فوضع اللسان موضع القول. قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: هو إجماع الأمم عليه، وعن مجاهد والحسن: الثناء الحسن، وعن مجاهد قال: ما أراد إلا الثناء الحسن، فليس أمة إلا وهى توده «٢» ، وقيل: معناه «٣» : سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق فاستجيب دعاؤه في نبينا محمد ﷺ . وعن القشيرى «٤» [قال] : أراد الدعاء الحسن له إلى القيام الساعة، فإن زيادة الثواب مطلوبة في كل وقت ومن كل أحد «٥» . وقد جعل الله تعالى ذلك لإبراهيم عليه
стр. 235
السلام؛ إذ ليس أحد صلى على النبى ﷺ في صلاته إلا وهو يصلى على إبراهيم ﵇. وعن الإمام مالك بن أنس- ﵀ أنه قال: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا وأن يرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله تعالى «١» . وقال تعالى ممتنا على نبيه وكليمه موسى ﵇: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
«٢» . وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
«٣» أى حبا في قلوب عباده، وثناء حسنا، فنبه الله تعالى بقوله: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
على استحباب اكتساب ما يورث الرجل الذكر الجميل إذ الذكر الجميل؛ هو الحياة الدائمة. وقد قال حاتم الطائى وهو: أبو سفانة حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الجواد المشهور من أبيات:
أماوى إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث
وقال آخر:
ثمن الإحسان شكر ... ويرى المعروف ذخر
وثناء الحى بعد ال ... موت للميت عمر
وقال آخر»
:
قد مات قوم وهم في الناس أحياء
ويقال: ذكر الفتى عمره الثانى «٥» . ولعمرى إن الزمان الذى يثنى فيه على الميت بعد موته أحسن عمريه وأطولهما وأشرفهما، وقد قيل في هذا المعنى:
ردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
وقد قيل أيضا:
كل الأمور تزول عنك وتنقضى ... إلا الثناء فإنه لك باق
ولو اننى خيرت كل فضيلة ... ما اخترت غير مكارم الأخلاق
стр. 236
وقال القاضى أبو بكر محمد بن العربى «١» : وقال المحققون من شيوخ الزهد:
وهذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذى يكسبه الثناء الحسن قال ﷺ «٢» :
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» «٣» وفي رواية: «إلا من سبع» «٤» وكذلك «من مات مرابطا يكتب له عمله إلى يوم القيامة» «٥» وقد منّ الله تعالى على نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ﵈ بقوله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ*
«٦» ومعناه تركنا عليه ثناء حسنا في كل أمة، وقال تعالى ممتنا على نبيه وخليله إبراهيم ﵇ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ
«٧» يعنى لا إله إلا الله، فلا يزال في ذريته من يقولها. قال مجاهد وقتادة «٨» : ومنّ تعالى على رسوله المصطفى ﷺ بقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
«٩» . فعن ابن عباس رضى الله عنهما: يعنى
стр. 237
القرآن شرف لك ولقومك «١» . وقال: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ
«٢» أى شرفكم. قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى «٣» : إنما وضع الذكر موضع الشرف؛ لأن الشرف مذكر. وعن الإمام مالك- ﵀ فى قوله:
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
قول الرجل: حدثنى أبى عن جدى «٤» ، وقال تعالى ممتنا على سيد المرسلين محمد ﷺ : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ
«٥» ذهب الجمهور إلى أن معناه إذا ذكرت ذكرت معى، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة يقول «٦» : أشهد أن لا إله إلا الله، إلا قال: أشهد أن محمدا رسول الله.
ويروى أن المسيح ﵇ قال: «الذى يعلم ويعمل بما علم يدعى في ملكوت السموات عظيما» .
وعن نبى الله سليمان بن داود ﵉ أنه قال: «الذكر الجميل خير من الرائحة الطيبة، والإنسان يوم يموت خير من يوم يولد؛ لأن الرائحة الطيبة قولا تبلغ ربع ميل، والثناء الحسن «٧» والصفات الجميلة قد تبلغ أقصى الآفاق؛ وذلك أنّ الإنسان ما دام حيا يزهد فيه نظراؤه، فإن النفوس كأنها ناظرة إليه، ومن شأن صاحب المروءة أن يزهد فيما ظفر به لأنه في يده قد أمن فواته، وأن يحرص على طلب ما غاب عنه، ويرغب في تحصيله، فإذا مات الإنسان فقد فات، فتلمح
стр. 238
الألسنة حينئذ بتكرار أخباره وإثارة فضائله، ونشر مآثره، وإذاعة محاسنه، حتى لقد كان موته سببا لاشتهار فضائله أكثر من اشتهارها في حياته، فهو يوم وفاته خير من يوم ولادته؛ لأن يوم ولادته إنما يراد به ملك الغاية، وغاية الإنسان إما عالم فهو ملك باق، وإما جاهل غير متبع فهو شيطان أو بهيمة، فولادة الإنسان إنما هى ليكون له لسان صدق في الآخرين، فإن الفضائل بالفعل حق الثناء عليه أيام حياته وكثر انتشار فضائله بعد موته، وانتشارها بعد موته حياة باقية يتوجّه إليها الصالحون ويرغب فيها العارفون، فيوم كمال الغاية المطلوب والفضل المتوجه إليها الفضل من يوم الولادة، وقد قيل:
المرء ما دام حيا يستهان به ... ويعظم الزور فيه حين يفتقد
فاحرص يا أخى- أعزك الله بتقواه، ونوّر قلبك بنوره حتى لا تشهد سواه- أن تكون كما الورد، فإنه كان أولا بسيطا غير مركب، فلما سرى في التراب، وظهر في عالم العيان بصورة الشجر ذات الغصن والورق والورد عابا بالتقطير «١» إلى مرتبته، وأصله من البساطة وصورة المائية لكن بزيادة الكمال من طيب الرائحة وتفريح القلب وتقويته إلى غير ذلك من الخواص، فكذا فكن إن كنت ممن سبقت له الحسنى فإنك عندما تعينت صورتك البشرية كانت صفاتك جميعها بريئة من السوء، فإذا تهذبت بالرياضة والسلوك إلى الله تعالى تطهرت أخلاقك من الشر والنقائص وازدادت كمّا بما تحلت به من الآداب والمعارف وسائر الفضائل الروحانية، والله يؤيدنا بتوفيقه من غير خذلان ويعيننا على سلوك طريقه المستقيم، فإنه المستعان.
قال مؤلفه: تم ذلك على يد جامعه ومنشئه أحمد بن عبد القادر بن محمد المقريزى الشافعى- غفر الله ذنبه وستر عيبه بجاه سيدنا محمد وآله وصحبه والحمد لله وحده، تم.
стр. 239
حصول الإنعام والمير فى سؤال خاتمة الخير
стр. 240
(حصول الإنعام والمير في سؤال خاتمة الخير «١»
) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله وحده وصلى الله على سيدنا محمد الذى جاءنا بالبينات والهدى فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في سبيل الله حق جهاده حتى ظهر دينه على كل دين، وملته على كل ملة، وعلى آله وأصحابه وسلم، وبعد:
فنسأل الله المبتدئ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المانّ به علينا مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب من شكره لها أن يجعلنا من خير أمة أخرجت للناس وأن يرزقنا فهما في كتابه، ثم سنة نبيه محمد ﷺ قولا وعملا يؤدى له عنه حقه ويوجب لنا نافلة من يده بمنه وكرمه، وأن يختم لنا منه بخير وعافية بلا محنة، فإن سؤال العبد ربه تعالى أن يختم له بخير، وطلب ذلك لأخيه المؤمن من أهم الأمور وأصله ثابت بالكتاب والسنة.
قال الله ﷻ حكاية عن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
«٢» .
على أن علماء التفسير قد اختلفوا في قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِماً
على قولين:
أحدهما: أنه تمنى الموت، والآخر: أنه تمنى الوفاة على الإسلام إذا جاء أجله، فأما الأول، فعن السدى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- وقد ذكر قول يوسف ﵇: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ...
الآية. قال: هو أول نبى سأل الله الموت «٣» ، وعن ابن جريج «٤» قال: قال ابن عباس رضى الله عنهما في قوله:
стр. 241
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ
الآية، قال: اشتاق إلى لقاء ربه، فأحب أن يلحقه بآبائه فدعى الله أن يتوفاه ويلحقه بهم، ولم يسأل نبى قط الموت غير يوسف ﵇ «١» وهو قول قتادة في قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
قال: لما جمع الله شمل يوسف وأقر عينه وهو يومئذ مغموس في الدنيا وملكها وغضارتها اشتاق إلى الصالحين قبله «٢» ، وقال ابن عباس: ما تمنى نبى قط الموت قبل يوسف ﵇، وفي رواية: لما جمع الله ليوسف شمله وتكاملت عليه النعم سأل لقاء ربه وقال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ...
الآية، فلم يتمن الموت أحد نبى لا غيره إلا يوسف، وعن ابن أبى نجيح «٣» : لما جمع الله بين يوسف وبين أبيه وإخوته وهو يومئذ ملك مصر اشتاق إلى لقاء الله تعالى وإلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق ويعقوب قال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ...
الآية.
وأما القول الآخر فعن الضحاك في قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
قال: توفنى على طاعتك واغفر لى إذا توفيتنى «٤» ، وعن ابن عباس في رواية عن عطاء: يريد لا تسلبنى الإسلام حتى تتوفانى عليه «٥» .
وقال الواحدى «٦» فى قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
هذا دليل فيه على تمنى الموت، بل هو دليل على سؤال أن يكون موته على الإسلام إذا كان، وقال أبو العباس أحمد بن يوسف الكواشى «٧» : تَوَفَّنِي مُسْلِماً
أى موحدا مخلصا ولا تجعل لى إلى نفسى رجوعا بحال ولا تدبير بسبب، فقد ذقت مرارات الأسباب فيما اخترته لنفسى وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
بآبائه النبيين، أو بأهل الجنة، أو
стр. 242
هم الذين زين الله تعالى ظاهرهم بآداب الخدمة ونوّر بواطنهم بنور اليقين والمعرفة وجعلهم راحة لعباده.
وقال القرطبى بعدما ذكر قول قتادة: وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام: إذا جاء أجلى توفنى مسلما، وهذا قول الجمهور، ثم ذكر الأحاديث الواردة في النهى عن تمنى الموت «١» وقال: إذا ثبت هذا فكيف يقال: إن يوسف تمنى الموت والخروج من الدنيا وقطع العمل، هذا بعيد إلا أن يقال: إن ذلك كان جائزا في شرعته، انتهى.
وقد أثنى تعالى على الذين يدعونه فيقولون: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
وسماهم راسخين في العلم، ومعلوم أن أحدا لا يدعو فيقول: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
«٢» .
ومعلوم أن أحدا لا يدعو فيقول: رب لا تسلبنى سمعى وبصرى بعدما جعلتهما لى، إلا وهو خائف عليهما وجل من ذهابهما، فلما أثنى الله تعالى على الداعين إياه بذلك كان الثناء في الحقيقة بما استحقوه بمعرفتهم عند النعمة عليهم في هداية الله إياهم للإسلام، وصانهم بها، وخوفهم أن يسلبوها، وهذا أصرح شىء فى الحث على طلب خاتمة الخير.
وقال تعالى حكاية عن أهل الجنة أنهم يقولون: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ.
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ. إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ
«٣» فروى أنهم كانوا مشفقين من أن يسلبوا الإسلام فيوردوا يوم القيامة موارد الأشقياء، وكانوا يدعون الله تعالى أن لا يفعل بهم ذلك، فلما كانوا مشفقين أن يسلبوا الإسلام جزاهم ربهم بإشفاقهم عن دينهم الناشئ عن حبهم إياه، وعرفانهم قدره، أن ثبتهم عليه حتى إذا هم في الآخرة إلى رضوانه، وحلول دار المقامة من جناته، وقال تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً
«٤» إلى قوله:
فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
«٥» .
стр. 243
قال القرطبى: أى أبرارا مع الأنبياء أى في جملتهم «١» وقال ابن عطية «٢» فى المعنى: توفنا معهم في كل أحكامهم وأفعالهم «٣» ، وقال أبو حيان «٤» : وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
جمع برر، على وزن فعل، كصلف، أو جمع بارر على وزن فاعل كضارب، وأدغمت الراء فيهما في الراء، وهم الطائعون لله، وقيل: هم هنا الذين برّوا الآباء والأبناء، و «مع» هنا مجاز عن الصحبة الزمانية إلى الصحبة في الوصف. أى: توفنا أبرارا معدودين في عمل الأبرار، والمعنى: اجعلنا ممن توفيتهم طائعين لك، وقيل: المعنى: احشرنا معهم في الجنة.
فقد تبين من كتاب الله تعالى أن طلب خاتمة الخير- وهو الوفاة على الإسلام- من سنن المرسلين، وشعار المؤمنين، فقد ورد عن بعضهم: كان آخر ما تكلم به أبو بكر الصديق رضى الله عنه: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
، وأما أصل ذلك من السنة، فقد خرّج البخارى ومسلم من حديث قتيبة «٥» بن سعيد قال: ثنا يعقوب «٦» يعنى ابن عبد الرحمن القارى، عن أبى حازم «٧» عن سهل «٨» بن سعد
стр. 244
الساعدى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» «١» .
ذكره البخارى في كتاب الإيمان «٢» مطولا، وذكره في كتاب الجهاد، وترجم عليه باب: «لا يقول: فلان شهيد» «٣» .
حدثنا سعيد «٤» بن أبى مريم: ثنا أبو غسان «٥» : ثنى أبو حازم، عن سهل:
أن رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبى ﷺ ، فنظر النبى ﷺ فقال: «من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا» .
فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة «٦» سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرجل إلى النبى ﷺ مسرعا فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: «وما ذاك؟» قال: قلت لفلان: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه، وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين فعرفت أنه لا يموت على ذلك، فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبى ﷺ عند ذلك: «إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من
стр. 245
أهل الجنة. ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال بالخواتيم» «١» .
فانظر- رحمك الله- كيف نبهنا رسول الله ﷺ على التيقظ، وأن لا نغترّ بما يبدو من ظاهر الأعمال. وإنّ العبرة بما يختم للعبد به. فلذلك طلب أهل الله من ربهم سبحانه أن يختم لهم بخير، إذ خاتمة الخير هى المعتبرة عند الله، وهى التى بها ينال العبد النجاة من النار، والفوز بالجنة.
وقد خرّج مسلم هذا الحديث مختصرا من طريق أبى هريرة رضى الله عنه، فقال: ثنا قتيبة بن سعيد، قال: أنبأنا عبد العزيز- يعنى ابن محمد- عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار. وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة» «٢» .
فانظر- رحمك الله- كيف نص في حديث أبى هريرة هذا على ذكر الخاتمة، لا جرم أن كان طلب الخير أهم ما توجه إليه المتقون فقد جاء في بعض الآثار:
المخلصون على خطر عظيم.
وخرج هذا الحديث أيضا أبو بكر بن أبى شيبة من طريق أنس بسند في غاية الصحة وسياقة مفيد لما نحن بصدده، فقال: أنا يزيد بن هارون عن حميد عن أنس- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «لا عليكم ألا تعجلوا بحمد أحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانا من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملا سيئا، وإن العامل ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته» . قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه» «٣» .
стр. 246
وقال أيضا: أنا يزيد بن الحباب ثنا معاوية بن صالح أنبأنا عبد الرحمن بن جبير ابن نفير الحضرمى عن أبيه عن عمرو بن سمعة يقول: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بعبده خيرا عسله قبله» . قيل: وما عسله؟ قال: «يفتح له عملا صالحا بين يدى موته حتى يرضى من حوله» «١» . وهذه مسألة من مسائل أصول الدين مهمة جرى فيها خلاف كبير بين الأشاعرة «٢» وبين الماتريدية «٣» من الحنيفة، وهى مسألة الموافاة.
فذهب أصحابنا الأشعرية ومن تابعهم إلى القول بالموافاة، وهى أن العبرة في حال العبد المكلف بالخاتمة لأعماله، فمن ختم له من الناس بالإيمان تبين أنه كان عند الله مؤمنا من الابتداء، وأنه كان حين يخر ساجدا للصنم معتقدا للشرك مصرحا بأنه ند لله تعالى كان مؤمنا، ومن ختم له بالكفر- نعوذ بالله من ذلك- تبين أنه كان كافرا من الابتداء، وحين كان مصدقا لله ولرسوله كان عند الله كافرا «٤» .
ومنع الماتريدية أصحاب أبى منصور الماتريدى من الحنفية «٥» هذا القول وأبطلوه واحتجوا بأن الإيمان هو التصديق بما جاء به محمد ﷺ من عند الله تعالى، وهو أمر حقيقى لا يتبين بانعدامه أنه ما كان موجودا، كمن كان قائما ثم قعد، أو كان شابا ثم شاخ لم يتبين أنه كان قائما ولا شابا.
стр. 247
«الاستثناء في الإيمان» :
ونشأ عن هذه المسألة مسألة أخرى عظم فيها الخلاف من الفريقين، وأطلق بعض مخالفى الأشعرية لسانه من أجل هذه المسألة بما لا يحمل وهى: هل يقال: أنا مؤمن إن شاء الله أو لا؟
فذهب أكثر أصحابنا الأشاعرة إلى أنه يجوز إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمن إن شاء الله، لا للشك، بل لأن مذهبهم العبرة بحالة الموت، لا الإيمان الموجود في الحال ولا للكفر الموجود في الحال، بل ذلك الحال مشتبه عليهم، وإذا لم يعلموا بها لم يعلموا ما هم عليه في الحال لسقوط ما هو الموجود للحال، وتذكر- رحمك الله- هنا حال سحرة فرعون وحال أصحاب رسول الله ﷺ في أول أمرهم وما آلت إليه أحوالهم، يفدك هنا فائدة جليلة، وقد أشار إلى ذلك بعض أهل العرفان بقوله: «وكم لله من قوم هم في المعاصى والمعاصى لا تضرهم» .
«رفض الحنفية للاستثناء» :
وخطأ الحنفية من استثنى في إيمانه وقالوا: قد شهد الله لمن آمن بالله ورسوله بقوله: آمَنَ الرَّسُولُ ...
«١» الآية وخرج بقطع القول للذين قالوا: رَبُّنَا اللَّهُ*
«٢» ولم يأمرهم بالاستثناء، وكذلك قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ...
«٣» فأمر تعالى بذلك من غير استثناء، وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ ...
إلى قوله: وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
«٤» فجعل تعالى قول القائل: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أحسن قول.
«كلام السلف في الاستثناء» :
وقال النووى «٥» : واختلف العلماء من السلف وغيرهم في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمن. فقالت طائفة: لا يقول: أنا مؤمن مقصرا عليه، بل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وحكى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين،
стр. 248
وذهب آخرون إلى جواز إطلاقه وأنه لا يقول: «إن شاء الله» وهذا هو المختار، وقول أهل التحقيق.
وذهب الأوزاعى وغيره إلى جواز الأمرين «١» ، والكل صحيح باعتبارات مختلفة فمن أطلق نظر إلى الحال وأحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن قال: إن شاء الله، فقالوا فيه: هو إما للتبرك، وإما لاعتبار العاقبة، وما قدر الله تعالى فلا يدرى أيثبت على الإيمان أم يصرف عنه، والقول بالتخيير حسن صحيح نظرا إلى مأخذ القولين، ورفعا لحقيقة الخلاف، وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم من قال: هو كافر، ولا يقال: إن شاء الله، ومنهم من قال: هو فى التقييد كالمسلم على ما تقدم، فيقال على قول التقييد: هو كافر إن شاء الله تعالى نظرا إلى الخاتمة، وأنها مجهولة، وهذا القول اختاره بعض المحققين والله أعلم.
انتهى «٢» .
وقد جاء في معنى خاتمة الخير أحاديث وآثار.
قال ابن السنى: ثنا نجيح بن إبراهيم بن محمد بن ميمون ثنا صالح بن أبى الأسود عن عبد الملك النخعى عن ابن جدعان، عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا انصرف من الصلاة: «اللهم اجعل خير عمرى آخره، واجعل خير عملى خواتمه، واجعل خير أيامى يوم لقاك» «٣» .
وقد روى عن الإمام أبى عبد الله أحمد بن حنبل رضى الله عنه أنه كان كثيرا ما يدعو: اللهم أمتنى على الإسلام والسنة.
ومن الأدعية المأثورة: «اللهم ألبسنى العافية كى تهيننى المعيشة، واختم لى بخير حتى لا تقرنى ذنوبى، واكفنى مؤونة الدنيا وكل هول في الآخرة حتى تدخلنى الجنة في عافية» .
стр. 249
ومن دعاء بعضهم: اللهم إنى أعوذ بك من العجز عند الكبر، وأعوذ بك من سوء الخاتمة عند الموت.
والله الموفق والهادى إلى سبيل الرشاد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الذين أقاموا دين الإسلام بالسيوف الحداد.
والحمد الله وحده ... تم.
стр. 250
الإشارة والإيماء إلى حل لغز الماء
следующие страницы →