Полный текст (348 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وقال أيضا: أنا يزيد بن الحباب ثنا معاوية بن صالح أنبأنا عبد الرحمن بن جبير ابن نفير الحضرمى عن أبيه عن عمرو بن سمعة يقول: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بعبده خيرا عسله قبله» . قيل: وما عسله؟ قال: «يفتح له عملا صالحا بين يدى موته حتى يرضى من حوله» «١» . وهذه مسألة من مسائل أصول الدين مهمة جرى فيها خلاف كبير بين الأشاعرة «٢» وبين الماتريدية «٣» من الحنيفة، وهى مسألة الموافاة.
فذهب أصحابنا الأشعرية ومن تابعهم إلى القول بالموافاة، وهى أن العبرة في حال العبد المكلف بالخاتمة لأعماله، فمن ختم له من الناس بالإيمان تبين أنه كان عند الله مؤمنا من الابتداء، وأنه كان حين يخر ساجدا للصنم معتقدا للشرك مصرحا بأنه ند لله تعالى كان مؤمنا، ومن ختم له بالكفر- نعوذ بالله من ذلك- تبين أنه كان كافرا من الابتداء، وحين كان مصدقا لله ولرسوله كان عند الله كافرا «٤» .
ومنع الماتريدية أصحاب أبى منصور الماتريدى من الحنفية «٥» هذا القول وأبطلوه واحتجوا بأن الإيمان هو التصديق بما جاء به محمد ﷺ من عند الله تعالى، وهو أمر حقيقى لا يتبين بانعدامه أنه ما كان موجودا، كمن كان قائما ثم قعد، أو كان شابا ثم شاخ لم يتبين أنه كان قائما ولا شابا.
стр. 247
«الاستثناء في الإيمان» :
ونشأ عن هذه المسألة مسألة أخرى عظم فيها الخلاف من الفريقين، وأطلق بعض مخالفى الأشعرية لسانه من أجل هذه المسألة بما لا يحمل وهى: هل يقال: أنا مؤمن إن شاء الله أو لا؟
فذهب أكثر أصحابنا الأشاعرة إلى أنه يجوز إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمن إن شاء الله، لا للشك، بل لأن مذهبهم العبرة بحالة الموت، لا الإيمان الموجود في الحال ولا للكفر الموجود في الحال، بل ذلك الحال مشتبه عليهم، وإذا لم يعلموا بها لم يعلموا ما هم عليه في الحال لسقوط ما هو الموجود للحال، وتذكر- رحمك الله- هنا حال سحرة فرعون وحال أصحاب رسول الله ﷺ في أول أمرهم وما آلت إليه أحوالهم، يفدك هنا فائدة جليلة، وقد أشار إلى ذلك بعض أهل العرفان بقوله: «وكم لله من قوم هم في المعاصى والمعاصى لا تضرهم» .
«رفض الحنفية للاستثناء» :
وخطأ الحنفية من استثنى في إيمانه وقالوا: قد شهد الله لمن آمن بالله ورسوله بقوله: آمَنَ الرَّسُولُ ...
«١» الآية وخرج بقطع القول للذين قالوا: رَبُّنَا اللَّهُ*
«٢» ولم يأمرهم بالاستثناء، وكذلك قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ...
«٣» فأمر تعالى بذلك من غير استثناء، وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ ...
إلى قوله: وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
«٤» فجعل تعالى قول القائل: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أحسن قول.
«كلام السلف في الاستثناء» :
وقال النووى «٥» : واختلف العلماء من السلف وغيرهم في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمن. فقالت طائفة: لا يقول: أنا مؤمن مقصرا عليه، بل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وحكى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين،
стр. 248
وذهب آخرون إلى جواز إطلاقه وأنه لا يقول: «إن شاء الله» وهذا هو المختار، وقول أهل التحقيق.
وذهب الأوزاعى وغيره إلى جواز الأمرين «١» ، والكل صحيح باعتبارات مختلفة فمن أطلق نظر إلى الحال وأحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن قال: إن شاء الله، فقالوا فيه: هو إما للتبرك، وإما لاعتبار العاقبة، وما قدر الله تعالى فلا يدرى أيثبت على الإيمان أم يصرف عنه، والقول بالتخيير حسن صحيح نظرا إلى مأخذ القولين، ورفعا لحقيقة الخلاف، وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم من قال: هو كافر، ولا يقال: إن شاء الله، ومنهم من قال: هو فى التقييد كالمسلم على ما تقدم، فيقال على قول التقييد: هو كافر إن شاء الله تعالى نظرا إلى الخاتمة، وأنها مجهولة، وهذا القول اختاره بعض المحققين والله أعلم.
انتهى «٢» .
وقد جاء في معنى خاتمة الخير أحاديث وآثار.
قال ابن السنى: ثنا نجيح بن إبراهيم بن محمد بن ميمون ثنا صالح بن أبى الأسود عن عبد الملك النخعى عن ابن جدعان، عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا انصرف من الصلاة: «اللهم اجعل خير عمرى آخره، واجعل خير عملى خواتمه، واجعل خير أيامى يوم لقاك» «٣» .
وقد روى عن الإمام أبى عبد الله أحمد بن حنبل رضى الله عنه أنه كان كثيرا ما يدعو: اللهم أمتنى على الإسلام والسنة.
ومن الأدعية المأثورة: «اللهم ألبسنى العافية كى تهيننى المعيشة، واختم لى بخير حتى لا تقرنى ذنوبى، واكفنى مؤونة الدنيا وكل هول في الآخرة حتى تدخلنى الجنة في عافية» .
стр. 249
ومن دعاء بعضهم: اللهم إنى أعوذ بك من العجز عند الكبر، وأعوذ بك من سوء الخاتمة عند الموت.
والله الموفق والهادى إلى سبيل الرشاد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الذين أقاموا دين الإسلام بالسيوف الحداد.
والحمد الله وحده ... تم.
стр. 250
الإشارة والإيماء إلى حل لغز الماء
стр. 251
(الإشارة والإيماء إلى حل لغز الماء) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد وقف ذو القريحة «١» الشحيحة، والخاطر الحائر على ما برزت به الإشارة الكريمة، من حل لغز قد استغلق معناه، وبعد مرماه، فامتثلت ذلك ولم أكن هنالك أدخل الألغاز غير صناعتى، والنظر فيها ومعاناتها ليست من بضاعتى، لكنى سألت الله أن ييسر لى حله، فأعان عليه، وأهدى بفضله إليه، فإذا هو قد ألغز فى الماء الذى به حياة الأنفس، وحياة كل شىء حى وبيانه أنه قال:
ما قولكم في شىء يطير بلا جناح يبيض ويفرخ في البطاح «٢» ؟
هذا إشارة إلى نزول الماء من السحاب، فإن الطيران هو الاستعلاء في جو السماء والارتفاع في الهواء والمرور فوق الأرض وتحت السماء، وكذلك الماء فإنه يستعلى في الجو، فإن الشمس إذا أشرقت وارتفع الندى طار، وحقيقة الندى النازل من السمآء إنما هو أجزاء مائية صغيرة واعتبره هذا تجده عيانا، فإنك إذا وضعت قشرة بيضاء تحت السماء في ليلة ذات أندية فإنها توجد في السحر قد امتلأت ماء، فإذا طلعت الشمس تراها ترتفع في الجو بنفسها حتى تغيب عن العيان، وأما مرور الماء فوق الأرض وتحت السماء، فأمر مشاهد عند نزول المطر، فقد بان واتضح أنه يطير بلا جناح، وإطلاق الطيران عليه يكون من باب الاستعارة.
وقوله: «يبيض ويفرخ في البطاح» استعارة لطيفة، فإن الماء إذا نزل إلى الأرض أخرجت عند ذلك حبّها، ومن هذا فاستعار اسم البيض والفراخ لما يكون عن الماء، والاستعارة تكون بأوفى علاقة كما تقرر في علم البيان.
«رأسه في ذنبه» يشير إلى أن وقت نزول الماء من السماء يرى خطوطها؟؟ كأنها حبال أو أعمدة، أو خيوط بحسب غزارته، فيكون رأس الخط الممتد مما يلى
стр. 252
الأرض، وفي الحقيقة إنما هو طرفه الآخر، وذكر الذنب أيضا إنما يكون من باب الاستعارة، وإذا بالذنب الطرف.
وقوله: «وعينه في موضع قتبه «١» » معنى مستغلق شرحه أن الماء إذا اجتمع فى موضع ثم سقط فيه المطر انتشر في أعلاه- أعنى سطحه- شىء مستدير يقال لما كان مثله في الخمر عند من لها أحباب، ولله در أبي الحسن بن هانئ الحكمى حيث يقول:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء «٢» در على أرض من الذهب
فاستعار الغيث لما يتكون في سطح الماء الذى هو ظهره في تلك الهيئة، وشبه تلك الفواقع التى حدثت في الماء بالعيون وهى شبه تلك الفواقع التى حدثت في الماء بالعيون، وهى شبه بالحدقة ومقلة العين فلذلك قال: وعينه في موضع قتبه، ولم يقل: وعينه في قتبه تحقيقا للاستعارة، وناسب ذكر القتب دون ما سواه آلات الدواب كالسرج والإكاف «٣» ونحوهما شيئين أحدهما: «أن البعير الذى القتب آلة لظهره يشبه بالسفن، ففى الأمثال «الإبل سفن البر» ، ويؤخذ هذا المثل من القرآن الكريم، قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ
«٤» والضمير في قوله: مِنْ مِثْلِهِ
يعود إلى الفلك وهو معنى حسن، والثانى: أنه لا يوجد في الدواب ما يوقر «٥» وهو بارك ثم يثور بحمله سوى البعير، قال الله تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ
«٦» يعنى- والله أعلم- الإبل، فشابه البعير- من هذه الحيثية- السفن؛ لأنها تحمل من الأثقال ما لا يحمله سواها مما أعد للحمل.
وقوله: «ويسمع بأذن واحدة، ويبصر بعين زائدة» .
стр. 253
استعارة لطيفة؛ لأن الناس إذا قحطوا وضجوا «١» بالدعاء نزل الغيث غالبا، فعبر عن نزوله وقت اجتماعهم بالدعاء بالسمع، فكأنه سميع لصحيح الأصوات باختلاف اللغات، وتفنن العبارات، فنزل من أعلى السماوات، والأذن الواحدة إشارة إلى الجهة، فإن نزوله إنما هو من جهة العلو المعبر عنها بالسماء، ولا يرد على هذا أن الماء ينبع من الأرض فإنه لا ماء فيها إلا ما استودعته منه في جوفها مما نزل من السماء.
قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
«٢» ، وكونه يبصر بعين زائدة إشارة إلى ما تقدم تبيانه من ظهور تلك الفواقع التى تشبه مقلة العين، فصار كأنه يبصر بعين هى واحدة في الهيئة لا متعددة الكيفية، يعنى استدارتها، وما ألطفه حين وصف العين بالزيادة، إذ هى حادثة لا أصلية كما يحدث الموج في البحر، فلا هو هو ولا هو غيره، ولأصحابنا من الصوفية هنا كلام لا يليق بهذا المقام ذكره.
وقوله: «له قرن كالنخلة السّحوق» «٣» هذا تخيل حسن، فإن الماء في حال نزوله من السماء يرى كحبال ممتدة عبّر عن هيأتها بالقرن «٤» من باب الاستعارة يعمى به.
وقوله: «يعجب من أبصره ويروق» ظاهر فإن الماء يعجب من رآه ويروقه.
وقوله: «يصل إلى الغرب بالليل» معنى عويص جدا يحتاج إلى إطالة شرح، وملخصه: أن جميع أنهار الأرض الكبار تنبعث خارجة من جهة المشرق، وتمر في جريانها أمة نحو الغرب، ما عدا أنهار ثلاثة وهى: نيل مصر، وعاصى «٥» مدينة حماة، ونهر أيل بأطراف بلاد الترك مما يلى الخطا، فإن هذه الأنهار الثلاثة تخالف
стр. 254
سائر أنهار الأرض، وتخرج من جهة الجنوب وتمر إلى الشمال، ولهذا علل لا يحتمل هذا الموضع إيرادها فاستعار هذا الملغز لمرور مياه الأنهار نحو الغرب، وذكره الليل لا يلزم منه الاختصاص دون النهار، وهذه مسألة من مسائل أصول الفقه، وهى: أن التنصيص على الشىء باسمه العلم لا يدلّ على الخصوص لقوله ﷺ :
«الماء من الماء» «١» ومعنى الحديث الغسل بالماء من إنزال المنى «٢» ، ولا يلزم منه اقتصار الغسل على نزول المنى، بل يلزم منه ومن الإيلاج، وفي هذه المسألة خلاف قديم ولشرحها موضع معروف من كتب الفقه.
وقوله: «ويسجد طول دهره لسهيل «٣» » فهذا أعوص مما قبله لكن نبيّنه فنقول: سهيل أحد الكواكب الثابتة التى تعرف بالبيانية «٤» ، وهو أبدا لا يرى إلا في ناحية الجنوب، ومتى تركت عراق الغرب وراءك وسرت لا تراه، ويصير بتلك الأقطار الشمالية أبدا الخفاء، كما هو جهات الجنوب أبدى الظهور.
وفي إقليمى مصر والشام يرى محاذيا للأفق أحيانا، ويخفى أوقاتا، والسحب إنما تنشأ من البخار دائما، وهى مركبة من بخارين فتصير عند انتشائها تواجه سهيلا؛ لأن ناحية الجنوب حيث مدار سهيل ليس فيها بخار «٥» كما تقرر في موضعه من العلم الطبيعى، ولا يعترض بما يشاهد من بلاد الشام وما وراءها من الشمال والمشرق
стр. 255
من تصاعد الأبخرة في أيام الشتاء من الجبال وقفر «١» الأرض، فنقول وقد نشأ السحاب من هذين أيضا فما دام الأمر كذلك، فإن البخار الناشئ من الأرض إنما يسير بالنسيم إلى بخار البخار وهما يتحدان عند تصاعدهما فيكون منهما السحاب، ولست الآن بصدد الكلام على هذا فله مكان هو أليق به من هنا.
وقوله: «فتقرب به الملوك للخالق» :
تنويه بهذا المعمّى، حيث نصّ على الملوك، فإنهم أعلى طبقات البشر ولأمر ما يسود من يسود، فما من ملك من الملوك إلا وهو إذا أراد الصلاة التى هى أشرف ما تقرب بها العباد إلى ربهم ، فإنه يرفع أحداثهم بالماء.
وقوله: «ويوحدوه بقول صادق» .
أى: يفردوه فلا يتقربون في تطهيرهم بغيره، ولا يرد على هذا التيمم بالصعيد من التراب وغيره، فإنه بدل لا يصار إليه إلا عند فقد الماء صورة أو معنى.
قوله: «النصارى تتقرب به واليهود» .
قول ظاهر ما أحد منهم إلا وهو يتقرب بالماء في إزالة أحداثه. ولا يرّد على هذا كون النصارى الآن لا تغتسل من جنابة، ولا تتوضأ، بل ولا توجب إزالة شىء من النجاسات العينية بالماء، فإن هذا من بدع ضلالتهم التى ابتدعوها، وليس مما جاء به المسيح عيسى بن مريم ﵊، كما ابتدعوا الصوم، وأحدثوا فيه أسبوعا من الأسبوع يلزم اليعاقبة دون المليكة افتراء على الله، وكما ابتدعوا الرهبانية، وكما ابتدعوا ومنعوا من أكل اللحوم في أيام الصوم، وكما ابتدعوا من بدعهم التى اتبعتها «٢» فى حواشى الإنجيل عندما طالعته قديما.
وقوله: «والكتب المنزلة بذلك شهود» كلام صحيح، ففى القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والزبور وسائر كتب الأنبياء التى توجد اليوم بأيدى اليهود والنصارى وهى نيف على خمسين كتابا، فى عدة مواضع شاهدة أن الماء يتقرب به، ولولا خوف الإطالة لسردت منها كثيرا، فقبح الله النصارى وجعل عليهم ما يخرج من أسافلهم حيث استدلوا على ترك إزالة النجاسات العينية بقوله في الإنجيل: «ليس
стр. 256
النجس ما يخرج منك، إنما النجس كلمة تخرج من فيك» فإن هذا لا يقتضى ما زعموه، إنما فيه شناعة الكلام الخبيث لا حجة لهم غيرها، وقد بسطت الكلام في حواشى الإنجيل عليها بما لا يرده إلا جاهل أو معاند.
وقوله: «ريشه كثير ووبره غزير» إشارة إلى كونه يتكون عنه ما يلبسه الإنسان من القطن والكتان ونحوهما من الثياب يقال لها: ريش ورياش، وهما قراءتان في قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى
«١» .
فقرأ الجمهور من الناس «وريشا» ، وقرأ الحسن «٢» وعاصم «٣» وجماعة «ورياش» بألف بعد الياء، وقال الكلبى «٤» : لباس التقوى: العفاف «٥» .
وقيل في قوله تعالى: أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً
أنزلنا من السماء ماء فأنبتنا به لباسا، وبهذا يتبين معنى قوله: ووبره غزير.
وقوله: «طعامه الجوز والعسل» :
معناه: من طعامه الذى يتكون في الأرض عقيب ريها منه مما يطعمه الناس الجوز والعسل.
وقوله: «وبه يضرب المثل» يريد: معنى قولهم هو أعذب من الماء، هو أصفى من الماء، هو ألذّ من الماء عند الظمآن، ونحو ذلك، على ما تضمنه «كتاب الأفعال»
стр. 257
لابن القوطية «١» ، وعلى ما هو عند الناس من ضربهم المثل بالماء.
وقوله: «شرابه اللبن والخمر» يعنى: يكون من شرابه اللبن، فإنه يتولد في الحيوان ما يتغذاه، والأغذية كلها من الماء وكلها لا تكون إلا عن الماء، وأما الخمر فالأمر فيه ظاهر.
وقوله: «ونقله الملح والتمر» هو أيضا من هذا الباب كأنه يقول: ومما ينتقل به مما يكون عنه الملح والتمر، وحقيقة الملح ما جمد في أرض خاصة، فاستحال أو أحالته الأرض إلى طبيعتها، كما قد علل هذا في موضعه من العلم الطبيعى، وأما التمر فإنه يتكون أيضا عن الماء ومما ينتقل به أى يوجد أحيانا.
وقوله: «يكره النسوان ويحب الغلمان» فإنه معنى مستغلق بعيد المعنى يحتاج إيضاح؛ لأنه مما لا يعرفه إلا الأقل من القليل، ولولا خشية الظن أنى أتكثر بما لا أعرف لما سمحت به، فإن كثيرا من أصحابنا- غفر الله لهم- يوهم أحدهم أنه يعرف العلم كله، فإذا فضحته شواهد هذا الامتحان تبين أنه لا يعرف شيئا.
فنقول: من الأسرار المعتبرة عند أئمة السحرة أنه إذا نزل المطر والبرد فتجردت امرأة من جميع ثيابها واستلقت على قفاها، ورفعت رجليها وباعدت ما بينهما بحيث يبقى فرجها بارزا نحو السماء، فإن المطر والبرد يرتفع نزوله عن تلك المزرعة والساحة التى بها تلك المرأة، ولا ينزل عليها منه شىء ما دامت المرأة كذلك، وشرط بعضهم أن تكون المرأة حائضا.
وأما حب الغلمان فسر بديع لم أر أحدا يذكرانى به، وهو أيضا من علوم القدماء، وذلك أن العين إذا أرادوا استبطا «٢» أو كان ماؤها قليلا وقصدوا غزارته فإنهم يعمدون إلى سبعة غلمان بارعين في الجمال، فائقين في الحسن، مجيدين لضرب العود، عارفين بصناعة الموسيقا، ذوى أصوات مطربة، ثم يقومون صفا واحدا متحاذين وبيد كل واحد منهم عود وقد استقبلوا بوجوههم منبع العين، ويحركون أوتار عيدانهم تحريكا واحدا بإيقاع واحد مدة ثلاث ساعات بطالع
стр. 258
معروف، فإن ذلك الماء يسيح حتى يبل أقدامهم فكلما تأخروا تبعهم حتى يحصل به الغرض، فينصرفوا، فاعتبر ذلك بأن تجلس جماعة على شاطئ سيما وقت المد، ويكون من الجماعة صبى، فإذا تأملت البحر تجده يقذف موجه إلى جهة الصبى أشد ما يقذف به إلى جهة غيره من الجماعة، ولله في خليقته أسرار يبدى منها ما يشاء لمن يشاء سبحانه.
وقوله: «يحمل الأثقال وهو ضعيف» كلام صحيح، فإن السفن تمر فيه وهى موسقة بالأحمال، ومع حملها فهو في نفسه ضعيف، فإنه يؤثر فيه كل شىء ويغير بما يغيره.
«ويقذى «١» الأسد وهو ضعيف» صحيح أيضا، فإن المطر إذا نزل منه قطرة فى عين الأسد صار كأنما في عينه قذاة، وهى القشة ونحوها، وفي هذا الكلام إشارة إلى أنه ينكى الأسد الذى هو أقوى الحيوانات من كونه نحيفا يعنى لطيفا فلا شىء ألطف من الماء حاشا الهوى.
وقوله: «إن طلب أدرك وإن طلب أهلك» بلاغة، فإن الفصيح لا يستعمل هذه الجملة من الكلام إلا في حالة المغالبة كالحرب ونحوها، ففيه تنويه بقدر هذا المعمّى، وأنه لا يغالب، وكذلك هذا الماء من غالبه غلبه وأهلكه، ومن قوته مع لطافته سرعة نفوذه وسريانه في أضيق المسام.
وقوله: «يقطع في الأرض في ساعة بلا مال ولا بضاعة» إشارة إلى سرعة نزول الماء من السماء، وهو ظاهر، ويمكن أن يقال: أراد بالقطع الإبانة، فإن الماء يقطع في الأرض، أى: يجعل فيها أخاديد سيما وقت مسيل الماء في الأودية.
وقوله: «ويسكن القصور» ظاهر إذ ما من قصر إلا وفيه الماء.
وقوله: «ويأوى الليل إلى القبور» تعمية لطيفة، فإن الندى والطل يكون نزولهما ليلا أندى، وما الندى إلا الماء، وما من قبر بارز لا يحول بينه وبين الماء شىء إلا وينزل عليه الندى ليلا، فإذن صدق عليه أنه يأوى إلى القبور.
وقوله: «يبكى على الأحباب ويندب فقد الشباب» :
стр. 259
من المعانى الجيدة، فإنك تقول: بكت السماء: إذا نزل الغيث، ويعدون نزول المطر على رممهم وديارهم التى أقفرت «١» من [ساكنيها] «٢» بكاء وندما، وفي أشعارهم وأشعار من بعدهم من هذا كثير يخرجنا عن الغرض إيراده.
وقوله: «ما ملكه قط بشر، ولا حازه أنثى ولا ذكر» .
إشارة إلى أن الماء لا يملك، وذلك ما لا خلاف فيه فقد سئل رسول الله ﷺ عن الذى لا يملك فقال: «الماء والكلأ» أو قال: «الماء والنار» «٣» .
وقوله: «تلعب به الصبيان» كلام بين بنفسه، فمن ذا صبى لا يلعب بالماء، كذلك كنتم من قبل.
وقوله: «تقلى من سعره الأثمان» كلام بين نفسه، وكل أحد يعلم أن الماء حتى عزّ وجوده اشتراه مبتغيه وطلبه بأعلى الأثمان.
روينا عن ابن السماك «٤» أنه قال لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، لو منعت عنك شربة من الماء، بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكى، قال: فلو شربتها واحتبست فلم تخرج، بكم تشترى خروجها؟ قال: بنصف ملكى الآخر. قال:
فما قدر ملك قيمته بوله، فبكى الرشيد.
وقوله: «تمازجه الإيقاف» وأظنه تصحيف. وقوله: «وما يتلى في سورة ق» يشير إلى قوله: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ
«٥» .
وقوله: «يصلى ويصوم» . فصلاته إما دلالته على خالقه ، أو حمل ذلك على ظاهره وهما قولان مشهوران، وقد ثبت بنص كتاب الله أن كل
стр. 260
مخلوق فإنه يسجد لله، قال الله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
«١» .
وكرر هذا في غير موضع. وصيامه في قوله الأول:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج «٢» وأخرى تعلك «٣» اللجم
«ويقعد ويقوم» : فقعوده: ركوده في المستنقعات والبرك، وقيامه حال كونه مطرا، وهذا من باب الاستعارة.
وقوله: «خلقته لا تحصى وصفاته لا تستقصى» كلام ظاهر، فمن يحيط بخلقة الماء ويعلمها إلا الخالق تعالى، ومن ذا يستقصى صفاته يعنى منافعه، فكفاك قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ
«٤» ففيه أعظم دلالة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، وفوق كل ذى علم عليم.
هذا ما دل قائد الاختيار عليه، وقام دليل الفكر إليه، فأملاه الجنان على اللسان، وخطه البنان في نصف النهار الأول من يوم الثلاثاء لأربع عشرة خلت من شهر الله المحرم الحرام سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة من غير مراجعة كتاب، ولا تعليق مسودة، فإن كنت أصبت فلله المنة أهل الحمد ومستحقه، وإن أخطأت فعذرى مقبول عند أهل الإنصاف لقصور باعى في العلوم النقلية والعقلية، وقد انتهى ما نقلته من الإشارة والإيماء إلى حل لغز الماء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، تم.
стр. 261
نحل عبر النحل
стр. 262
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذا قول وجيز في ذكر النحل «١» وما أودع فيه البارى جلت قدرته من غرائب الحكمة، وعجائب الصنع، يعتبر أولو الأبصار، ويتذكّر أرباب الاعتبار، والله الموفق.
[فصل في تعرف النحل وأنواعه وخصائصه]
(فصل) النّحل: حيوان ذو هيئة طريفة، وخلقة لطيفة، ومهجة «٢» نحيفة، وسطه مربّع مكعّب، وموخّره مخروط، ورأسه مدوّر مبسوط، وفي وسط بدنه أربعة أيد «٣» ، وأرجل متناسبة المقادير، كأضلاع الشّكل المسدّس في الدائرة.
والنّحل: أنثى، واحدتها: نحلة «٤» ، وتصغّر: نحيلة.
ومن أسمائها: الخشرم «٥» ، والدّبر «٦» .
стр. 263
وقيل: الدّبر، للزنابير، وهو المشهور. فإنّ حمى الدّبر «١» ، إنما حمته الزنابير، لا النّحل.
وقيل: الخشرم: ذكر النّحل.
ويقال للجماعة من النحل: الثّول «٢» ، ولا واحد له، ويقال لها:
الأوب «٣» ، واحدها آيب. وتسمى أيضا: نوبا، واحدها: نائب، وقيل: النّوب من النحل التى فيها سواد.
وقال ابن قتيبة: «يقال لجماعة النّحل: دبر، وثول، وخشرم، ولا واحد لشىء من هذا» .
ومن النّحل: سود، وهى أصغر من الصّفر. والصّفر أكبر من السّود.
والنحل تلد من غير لقاح الذكور، وتتّخذ بيوتها مسدّسة.
وهو حيوان فهيم، فيه كيس «٤» ، وشجاعة، ونظر في العواقب، ومعرفة بفصول السنة، وأوقات المطر، وتدبير المنزل، والطاعة الكبيرة، والاستكانة لأميره وقائده «٥» .
[فصل في بيان أصناف النحل]
(فصل) النحل تسعة أصناف: منه ستّة يأوى بعضها إلى بعض، وهى تقسّم الأعمال
стр. 264
بينها، فمنها ما يبنى بالشّمع، ومنها ما يأتى بالعسل، ويمجّه في أبيات الشّهد، ومنها ما يأتى بالماء فيمدّ العسل به.
وهى في ألوانها ثلاثة أصناف: غبر وهى أصغرها، وسود وهى أوسطها، وصفر وهى أعظمها.
والنحل والنّمل: أكسب الحيوان كلّه، وأدأبه على عمله. والنحلة الكريمة تكون صغيرة مستديرة مختلفة اللّون؛ والنّحل المستطيل غير كريم، ولا عمول، ولا متقن لما يعمل؛ والنحل الصّغار يخرج تلك الطوال من أبياتها، وتطردها؛ وإذا قويت النّحل على ذلك فهو منتهى كرم النّحل.
والنحل الصّغير عمّال، وهى سود الألوان كأنها محترقة.
فأما النحل الصّافى النقى فإنها تشبّه بالنساء البّطالات التى لا تعتملن؛ والنحل تخرج ما كان بطّالا، وما لا يشفق على العسل.
والنحل التى تسرح في الجبال أصغر من نحل السّهل، وأكثر عملا، وقد جعل الله تعالى في النحل: الملك المطاع، يقال له: اليعسوب «١» ، يتوارث الملك عن آبائه وأجداده، لأن اليعاسيب لا تلد إلا اليعاسيب.
فاليعاسيب هى ملوكها، وقاداتها، وعليها تأتلف «٢» النّحل، وتستقيم أمورها، وتنتقل حيث انتقل، وتقيم حيث يقيم، فاليعسوب فيها كالأمير المطاع.
ومن العجب: أنّ اليعسوب لا يخرج من الكور «٣» ، ولا يذهب لرعى؛ لأنه إن خرج خرج معه جميع النّحل، فيقف العمل؛ ومتى عجز الواحد منها عن الطيران حملته النحل حملا.
وإن هلك يعسوب الخلية، أقامت النحل بعده متعطلة لا تبنى ولا تعسل،
стр. 265
وأكتأبت لذلك، وجعلت تطير مع وجه الأرض في التراب! فيعلم أنه قد مات اليعسوب، فتطلب يعسوبا آخر، فتأتى به فتجعله في تلك الخليّة، فتراجع النحل عملها.
فإن لم تقم لها يعسوبا فإنها تهلك عاجلا.
وجثة اليعسوب: مثل جثة نحلتين، وهو يأمرهم بالعمل، ويرتب على كل واحد ما يليق، فيأمر بعضها ببناء البيت، وبعضها بعمل العسل، ومن لا يحسن العمل يخرجه من الكور، ولا يتركه مع النحل فيبطّلهم، وينصّب بوابا على باب البيت ليمنع دخول ما وقع من النّحل على شىء من القاذورات.
واليعسوب إذا همّ بالخروج طنّ قبله بيوم أو يومين ليعلم الفراخ ما همّ به فتستعدّ له.
وأجناس النّحل كثيرة: فأما اليعاسيب فهى جنسان: أحدهما أحمر اللون وهو أفضل اليعاسيب، والآخر أسود مختلف اللون؛ ومنها ما تكون جثته مثل جثة أربع نحلات؛ وله حمة «١» ؛ وهو أسود النصف المقدّم، أحمر النصف المؤخر، وإنما كان أكثر من واحد صار مع كل يعسوب طائفة من النّحل؛ وإذا خرج اليعسوب من الخلية تبعته النحل كلها.
وإذا كان اليعسوب عظيما سمّى جحلا «٢» بتقديم الجيم على الحاء.
وملوك النّحل لا تلذع، ولا تغضب لأنّ اليعسوب حليم جدا.
وإن في هذا القدر لعبرة؛ لأن هذا لو كان في واحد من عقلاء الإنس، الذين فضّلوا على جميع الحيوان؛ لكان ذلك عجبا؛ ولذلك قال الله تعالى بعدما قصّ علينا ما ألهمه هذا الحيوان على ضعفه ... إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*
«٣» أى يعتبرون بما قد ألهمه «٤» النحل من لطيف الصنعة، ودقّة الحيلة، مع ضعف
стр. 266
البنية.
ولذلك زعم بعض العلماء المتقدمين: «أن النحل أشبه الحيوان في تدبير أمرها بالإنسان» ثم قال: «أمرهنّ شبيه بأمير يسوس المدائن الكثيرة الأهل» .
والنحل تبنى لملوكها بيوتا على حدة تكون فيها؛ وكذلك تبنى لذكورها. وزعم بعضهم أن الذكور تنفرد ببناء بيوتها، والذكور لا تعمل شيئا، والعمل للإناث، وهى تقوّت ملوكها وذكورها. وليس للنّحل أقوات إلّا العسل.
والذّكور لا تكاد تخرج إلا إذا أحبّت أن تحرك أبدانها لتخفّ، فإنها حينئذ تخرج بأجمعها، فترتفع في الهواء فتدوّى، ثم ترجع، فتدخل الخليّة.
وإذا كان الزّمان جدبا، وقلّ العسل، قتلت النحل ذكورها، وكثيرا ما يهرب النحل الذّكور إذا أحسّت بذلك، فترى واقعة على ظهور الخلايا خارجا، وهذا شاهد على ما ذكروا من شحّ النحل على العسل وشفقتها عليه، والحرص على الادّخار، والأخذ بالوثيقة عند سوء الظنّ، مع طيب النفس، والسلس «١» عند رخاء البال، وإمكان الكسب، وإن هذا لخلق عجيب، وفهم لطيف.
وكذلك ما ذكروا من طردها ذوات البطالة منها، الكسالى، المتكلة على كسب غيرها، والمعوّلة على ذخائر سواها؛ ولو أننا استعملنا مثل هذا التدبير في كسالانا كان أحزم لنا وأنفع لهم.
ومن الشاهد على أنها لأنفسها ادّخرت ما في بيوتها، وما جمعت من كدّها لا لغير ذلك، شدّة شحّها عليه، وضنّها به، وذبّها عنه، وولهها إذا عرض له، وإلقاؤها أنفسها في المهالك، فإنها تقاتل كل شىء عرض لذخائرها، ثم لا تهرب منه- كائنا ما كان- إلا ما كان من أمثالها من النّحل؛ فإنه ربما أراد بعضها الغارة على بعض، فاقتتلت حتى يقتل بعضها بعضا، أو يهزمه، فيهرب المقهور منها- حينئذ- ويسلم حوزته.
стр. 267
قال ابن سينا «١» : «وقد قاتل النحل نحلا غريبا زاحمها في الخليّة وكان رجل يعين النحل الأهلىّ فلم تلسعه البتة» «٢» .
والنحل إذا قويت على شىء لسعته أبدا حتى يموت أو يهرب، ولذلك احتالت الشارة لها بالدّخان حتى جلوها به، ووصلوا إلى العسل.
قال أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا في كتابه (الشفاء) : «وإذا لدغت النحلة حيوانا وخلّفت الإبرة فيه ماتت؛ وربما قتلت النحلة من تخلّف فيه الإبرة، وقد قتلت فرسا» قال: «وقد أخبرت بقرية فيها خلايا النّحل، أنهم غزوا مرة، وكاد الأكراد ينهبونهم، فسلّطوا عليهم النحل، فهزمت النحل أولئك الأكراد لسعا لهم، ولدوابّهم» «٣» .
والنّحل إذا لسعت شيئا، فنشبت حمتها فيه لم تستطع رجع حمتها فتنصل، فإذا نصلت حمتها ماتت.
والحماة: الشّعر في أذنابها، التى بها تلسع؛ وهى إذا شاءت أخرجتها، وإذا شاءت ردتها.
وإنّما الحمة في العربيّة: السمّ، إلّا أنّ العامة تسمّى ذلك الشّعر حماة.
قال ابن سينا: «لا يبعد أن تكون إبرة النّحلة- مع أنها سلاح- نافعة في إحالة جوهر الرّطوبات إلى العسلية، بأن تأتيها وترسل فيها قوة ما» «٤» .
وإذا دخّن عليها، فأحسّت بأنّه يوخذ ما في بيوتها من العسل بادرت إلى أكله، فتأكله أكلا ذريعا، حتّى لو أمكنها استنفاده لفعلت.
وفي ذكور النّحل صنف تخاتل «٥» ، فتدخل في بيوتها، فتأكل العسل، وتسمّى
стр. 268
«اللصوص» ، فإذا قدرت النحل عليها، أو ظفرت بها في مثاويها «١» قتلتها. ولا تخلو مثاويها- إذا سرحت- من حفظة منها تكون فيها.
وإذا كان النحل كريما لم يترك في الخلية هامّة «٢» تضر بالشّهد إلا قتلها أو أخرجها؛ وأما غير الكريم فإنّه يتوانى، ويتغافل ويترك أعماله تفسد، وتهلك.
ويعرض للخلية من بطالة النحل وتهاونها رائحة منتنة جدّا، فتفسد.
وجنس النحل ألطف أجناس الحيوان كلها، ولذلك تكره كلّ رعى يكون منتنا، أو زهم «٣» الرائحة؛ ولا تقرب الأنتان والأقذار، وتكره أيضا الروائح الزهمة، والأدهان، وإن كانت عطرة، وتلسع المتدهّن إذا دنا منها.
وتوافقها الأصوات اللذيذة المطربة، ولا يضررن بشىء من معايش الناس.
والنحل يحب الصّعتر «٤» ، وأجوده الأبيض.
والنحل تستتر عن الريح، وتشرب الماء الصّافى، ولا تشرب إلا بعد إلقاء التّفل.
والنحلة ذبابة ذات حمة، وألسنة.
وبهذا العضو توصّل جميع أجناس الأذية إلى غيرها، وبه توصّل أيضا الطّعم إلى أجوافها، لأن طعمها ليس سوى الرّطوبات؛ فبهذا العضو تمتصّها، ثم تردّ ألسنتها تلك في أوعيتها من أفواهها؛ وسمّيت ألسنة؛ وليست بألسنة، ولا خراطيم، ولكنّها بالألسنة أشبه.
وإذا ترشّفت النحل تلك الحلاوة من الأزهار، والأنوار، فجمعتها في صدورها، أقبلت إلى الشهد فأتاعته- أى: أفرغته، فى نخاريبه، والنخاريب «٥» :
стр. 269
بالنون قبل الخاء المعجمة: الثقب المهيّأة من الشمع، وبالتاء المثناة من فوق: خروق كبيوت الزنابير.
والنّحلة إذا وقعت على ضرب من الزّهر فلم تكتف بما جرست «١» منه انتقلت إلى مثله من جنسه، ولم تنتقل إلى جنس آخر، إلى أن تراجع الخليّة فتمج ما استوعبت، ثم تعود إلى الرعى، فإذا امتلأت بيوت الشّهد من العسل ختمت على تلك النّخاريب بغطاء رقيق من الشمع، حتى يكون الشمع محيطا بها من جميع جوانبها، كأنّها رأس البرنيّة «٢» مسدودة بالقراطيس، لينضج العسل، فإنها إن لم تفعل ذلك فسد الشّهد وتولد فيه دود يسمى «العنكوبت» فإن قويت على تنقيته منها، سلم الشّهد، وإلا فسد كله.
وإذا أزهرت الأعشاب عملت النحل الشمع؛ ولذلك ينبغى أن يؤخذ بعض الشمع في ذلك الإبّان، إن احتيج إليه، فإنها تعيده من ساعته.
والنحل تعمل في العسل في زمانين: فى الربيع، والخريف، والربيع أجوده وأكثره.
وهى تجىء إلى بيوتها بشىء آخر، ليس بشمع، ولا عسل، ولكن بينهما، كأنه خبيص «٣» يابس، فيه بعض اللين، إذا غمزته تفرّق، وليس بشديد الحلاوة، ولا عذب، يشبّه القدماء حلاوته بحلاوة التّين، تجىء به النحل كما تجىء بالشمع، وتحمله على أعضادها، وسوقها.
والعرب تسمّيه: «الإكبر» «٤» - بكسر الباء وضمها- وهو «الموم» «٥» ؛ ويقال فيه: «العكبر» «٦» ؛ فترى النّحلة تطير، وذلك العكبر متعلق منها،
стр. 270
فتجعله في نخاريب الشّهد مكان العسل، ولا تكثر النحل منه إلا في السّنة المجدبة، وأكثر ما تأتى بالعكبر من السّدر «١» ، والناس يأكلونه كما يؤكل الخبز فيشبع، ويحملونه في المزاود «٢» إذا سافروا، وهو مفسد للعسل؛ والنّحل تأكله إذا لم تجد غيره.
والنحل تشرب من الماء ما كان صافيا عذبا، وتطلبه حيث كان، ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه، فإذا قل العسل في الخلية قرنه بالماء ليكثر؛ خوفا على نفسه من نفاده.
وللنحل نجو «٣» ، وأكثر ما تقذف إذا كانت تطير في دفعات؛ لأن في زبلها نتنا، وهى تكره النتن؛ فإذا أنجت في الخلية أنجت في موضع معتزل لا يختلط ببنيانها، ولا يفسد من عسلها شيئا.
وإذا امتلأت نخاريب الشهد عسلا ختمتها، وتختم أيضا ما يكون فيه فراخها من النخاريب بأرقّ الشمع.
والختم: أن تسدّ أفواه النخاريب بشمع رقيق، ليكون الشمع محيطا بالعسل فى كل وجه، وربما لطّخ الختام- بعد الفراغ منه- بشىء أسود شديد السّواد، حريف الرّيح، شبيه بالشمع، وهو من الأدوية الكبار للضّرب «٤» ، والجروح، ويسمى بالفارسية: «مياى» ، وهو عزيز قليل.
ومن خاصيته أنه يجذب الشوك والنصول، ويقال: من استصحبه أورثه الغم، ومنعه الاحتلام.
والنحل تحسّ بالبرد والمطر، وعلامة ذلك لزومها الخليّة. وفي لطف إحساس كثير من الحيوان عجب عجيب، وإن في ذلك لعبرة لأولى الألباب، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
«٥» .
стр. 271
فصل في بيان فائدة شمع النحل وخصائصه
(فصل) الشّمع: هو جدران بيوت النحل التى تبيض وتفرخ فيهن، ويكون خزانة للعسل.
ويقال: الشمع، بإسكان الميم وتحريكها «١» .
ويقال: الشّهد، بضم الشين وفتحها. والواحدة: شهدة، وفيها الوجهان، والضم لغة أهل الحجاز، وجمع الشّهد: شهاد. وكل شهدة: قرص، والجمع: قروص.
ولمأوى النحل وبيوتها أسماء، فإن كانت بيوتها في الجبال فهى: المباءة، والوقبة «٢» ، والجبح «٣» ، والجبخ «٤» بالحاء المهملة والخاء المعجمة والفتح والكسر.
فإذا عسلت النحل فيما يتّخذ لها الناس من الخشب فهى: النّحايت «٥» ، واحدتها:
نحيتة؛ وتسمى الخلايا، وواحدتها: خليّة. وكذلك ما يعمل لها من الطّين والأخثاء «٦» فهى خلايا. وقد يسمى ما تتبوّء في الجبال أيضا: خلايا.
ومن الخلايا: ما تنصبه في الحيطان، وأكثر ذلك تنضدها «٧» فى المصانع، وواحدها: مصنعة، وهى موضع يعزل للنحل، منتبذ «٨» عن البيوت فتنضدها سافا «٩» سافا على نشز «١٠» من الأرض، وتخالف بين أبوابها فتكون أبواب ساف إلى أدبار ساف كذلك حتى تنضد جميعا فربما كان النضد منها مثل الدار العظيمة، ثم تغطى ليكنّها.
стр. 272
ويقال للخليّة: معسلة. وقطف فلان معسلته إذا أخذ ما فيها من العسل.
والخلايا الأهلية تسمى في بعض البلدان: الدّباسات «١» . ولا تعرف في كلام العرب؛ وتسمى أيضا: الكوارات، والجمع: كواير، والواحدة: كوارة، وهى عربية.
وقيل: الكواير صغار الخلايا. وقيل: إذا بنت النّحل بيتا من غير أن يوضع لها، فهو الكوّارة- بضم الكاف.
ومن لطيف معرفة النحل بما يصلحها: أنهنّ قد علمن ضعفهن، فهن يشيّدن عشاشهنّ، وتحصّنها بالضيّق والاعوجاج؛ وإذا كان باب الخليّة واسعا ضيقنه.
ومن شأن النحل في تدبير معاشها أنها إذا أصابت موضعا نقيا بنت فيه بيوتا من الشمع أولا، ثم تتّخذ البيوت التى تأوى فيها ملوكها، ثم بيوت ذكورها، ثم بيوت إناثها، وهى تعمل الشّمع أوّلا، ثم تلقى فيه البزر «٢» ، وتقعد عليه، وتحضنه كما تحضن الطير، فالشمع لها بمنزلة العش للطير، والبزر بمنزلة البيض، وهى تملأ بعض البيوت عسلا، وبعضها فراخا.
وهى تتخذ البيوت قبل المرعى، فإذا استقر لها بيت، خرجت منه فرغت، ثم آوت إلى بيوتها.
وهى تبيض في بعض البيوت، وتحضن وتأوى إلى بعض بيوتها وتنام أيام الصيف، والشتاء، ويوم المطر، والريح والبرد.
الآفات التى تصيب الخلايا
ومن آفات الخلايا: السوس، ودواؤه أن يطرح في كل خليّة كفّ ملح وأن تفتح في كلّ شهر مرّة، وتدخّن بأخثاء البقر «٣» .
стр. 273
ومن آفاتها أيضا: دود يتولد فيها صغار، تنبت لها أجنحة؛ وفراشة رقطاء تدخل الخليّة فتأكل العسل حتى تربو، ولها عينان وسمعان «١» فتضر بالنحل وبالعسل، ولا تستطيع الخروج من الخليّة لعظمها حتى تفتق الخلية، فتؤخذ، فتذبح.
والسّرفة «٢» : مضرة بالخلايا، وهى دودة رقطاء، شعراء، تأكل ورق الشجّر، وتنسج عليه، وهى من آفات النحل.
ومن أفات النحل: الدّبر، يقتلها، ويذهب بها إلى بيوته.
ومن آفاتها: الخطاطيف والضفادع، فإنها تلتقف النحل إذا وردت لتشرب.
ومن آفاتها: الجراذين، تكمن لها بقرب الخلايا فتلقفها، ولا تقدر النحل لها على ضرر.
والنحل تمرض على رعى الزّهر التى وقعت فيها القملة، وإذا كان الربيع ممحلا «٣» ، أو حارّا، شبيها بالصيف في الحرّ، وقلة المطر، أسرع المحل «٤» إلى النحل.
ويعرف خصب الخليّة بكثرة دوىّ النحل فيها، وخروجها ودخولها. وتسمى فراخ النحل: الطّرد، والجمع طرود. ويسمّى أيضا: اللوت، والنحل تودع فراخها نخاريب الشهد، وتختم عليها بالشمع، فإذا آن لها الخروج شقت الختام، وخرجت.
وملوك النحل: لا ترى خارجا إن لم تكن مع عنقود من عناقيد الفراخ، وإذا خرج معها التّفت الفراخ به. وإن كانت عدّة ملوك افترق الطّرد، فصار مع كل واحد من الملوك فرقة من الطّرد.
وإنما قالوا: عناقيد الفراخ؛ لأنّ شكل الفراخ إذا خرجت من الخليّة في التفافها مثل عنقود.
стр. 274
وإذا خرجت الفراخ بيعسوبها، وسقطت على شجرة أو غيرها، احتال القوم على يعسوبها حتى يأخذوه، ويلقوه في خليّة، أو نحوها، فإنّ الفراخ تصير معه حيث يصير، وإذا أخذ يعسوب خليّة تبعه جميع نحل تلك الخليّة؛ حبّا ليعسوبها، وإذا هلك الملك هلك جميع الطّرد، وإن خرج الملك طلبه الطرد حتى يجده بمعرفة رائحته.
والعسل الحسن: عسل الفراخ؛ لقلة تجربتها؛ وذلك أنّها متبدئة، فلا تترك غاية.
وإذا خرجت الفراخ الحدث، ابتدأت في العمل بعد ثلاثة أيام.
وإذا أرادوا إدخال الفراخ الخليّة دلّكوا باطنها بورق طيّب الرائحة لعجبها به، لأن النّحل تعجب بالرائحة الطيبة، وتكره الرائحة الخبيثة؛ ولذلك ربما كرهت خليتها، وهمّت بتركها، وعلامة ذلك أن يتعلّق بعضها ببعض، فإذا رأى القوم ذلك عرفوه، فنضحوا داخل الخلية بشراب حلو فتألفها؛ وإذا دهن إنسان يده بدهن كريه الرائحة ثم أدناها إلى النّحل لم تلسعه.
وفراخ النحل أزعر «١» من الأمّهات، والأمّهات زغب «٢» الرّقاب، قرع الرؤوس، وفي رؤوسها قبح.
والنحل تسمّى أول ما تخرج فراخها: «المراضع» . وتسمّى الفراخ:
«الرّضع» ، وليس ثمّ رضاع، وإنما هذه استعارة، وإذا تمّت الفراخ نحلا، قيل:
هى نحل أبكار، إلى أن تفرخ.
ومنه كتاب الحجّاج بن يوسف الثقفى إلى عامله بفارس «أن ابعث إلىّ بعسل خلّار «٣» ، ومن النّحل الأبكار، من الدستفشار «٤» الذى لم تمسه النار» .
стр. 275
وروى: «عسل أبكار، يريد الجوارى الأبكار لا يليه غيرهن» .
والنحل الكريم هو الذى يتقن عمله، فيأتى بوجوه الشّهد ملسا. وإذا لم يكن كريما جاء الشّهد قليل الاستواء، منفتح الخاتم، كأنها تعمل أعمالها بالبخت كيفما جاء.
ويقال: إن العسل الأبيض عمل شبابها، والعسل الأصفر عمل كهولها.
وذكور النحل أعظم جثثا من إناثها، ولا حمات لها، وهى أبطل، وأقل حركة.
والنحل إذا كثرت ملوكها في الخلايا قتلتها، لئلا تكثر فتشتّت النحل؛ لأن النحل يتفرّق على الملوك.
ولشيار «١» عسل الخلايا في السّنة مرتين: مرّة في الربيع، وهو أجود الشيارين، ومرّة في الخريف.
ويقال: «شار العسل يشور شورا، وشيارا، ومشارة. واشتاره يشتاره اشتيارا؛ وأشاره يشيره إشارة» .
والشّور: العمل في اجتناء العسل وأخذه، ثم العسل نفسه شورا، كما سمّى العسل أريا.
والعامة تسمى شيار العسل جزارا فيقولون: «جزار الشّهد» ، كما يقولون في جزار العسل، ويسميه آخرون «قطاف» .
وإذا أرادوا اشتيار العسل دخّنوا على النحل حتى يخرج من الخلية، وذلك جلاؤها، وقد جلاها يجلوها جلاء، وهى جلوة النحل، أى طردها بالدّخان.
ويقال لذلك الدخان: «الإيام» «٢» ، ولا يقال لشىء من الدخان (إيام) سواه، فيقال إذا دخّن عليها: آمها- بالمد- يئومها إياما فهو آئم، والنحل مئومة، وإن شئت مئوم عليها، فإذا جلوها بالإيام- فى أحد الشيارين- وأخذوا ما في الخلية من العسل تركوا لها مقدار قوتها في شتائها وإلّا هلكت؛ وربّما جعلوا مكان العسل تمرا، أو زبيبا ونحوه من الحلواء، فتقتاته، فإن ترك لها من العسل أكثر من حاجتها تبطلت، وقلّ عملها.
стр. 276
ومما ينشّط النحل للعمل، أن تقل الذكورة في الخليّة، فإذا قطف الشهد، فمن الناس من يخلّص العسل من الشّمع بالنار، ويطبخ الشّهد حتى إذا ذاب أقرّه حتى يبرد، فيعلو الشمع جامدا، فيؤخذ، ويبقى العسل خالصا، ومن الناس من يخلّصه بالاعتصار بالأيدى وإن كان كثيرا، فبالأرجل، وذلك هو الدستفشار، الذى لم تمسه النار، وهو أفضل.
وكان للعرب في كل مصنعة من مصانع العسل معصرة من محيّرة يلقى الشهد فيها، فإذا ألقى الشهد فيها تكسّر، وبرز العسل عفوا، فجرى وسال في حياض، فيجتمع فيها وقد زايل الشمع وخلص، فما برز من العسل عفوا وجرى، فذلك العسل: سلافة «١» ، وأفضل العسل وأصفاه. وما سال إلى الحوض، وقد زال شمعه سمّى ذوبا، ونسيلا؛ فإن بقى في الشمع من العسل شىء اعتصر بالأيدى، ثم يوعى العسل في الوجاب.
والوجاب: أسقية عظام، السقاء منها جلد تيس «٢» وافر، وواحد الوجاب:
وجب.
وكانوا لا ينتفعون بالشّمع، ويرمون به، فإذا تطاولت الأيام بلى فاسودّ، فزبّل به المزارع، فهو: أجود مال.
ويقال لما يوعى فيه العسل أيضا: «زق» «٣» ، وجمعه: «زقاق» .
وإذا خلص العسل من شمعه وجثّه، فهو: ماذى.
والجثّ «٤» : كل قذى يخالطه من أجنحة النّحل وأبدانها وفراخها وموتاها وغير ذلك.
стр. 277
وماذىّ العسل أيضا: ناصحه، ونصوحه: خلوصه، والنّصيحة مأخوذة منه.
ويقال: الجثّ: خرشاء العسل، أى شمعه، وما فيه من ميّت النحل.
والنّفض: خرؤها.
وإذا كانت وقبة النّحل في الجبل، وأمكنهم الارتقاء إليها، ارتقوا فاشتاروا ما فيها، وإن لم يمكنهم الارتقاء- وذلك أن النّحل تهرب بما تأتى فتجعله في أمنع ما تقدر عليه من وقاب الجبال، فإذا كانت الوقبة كذلك تدلوا عليها بالحبال الطّوال، وربما وصلت الحبال، وكثيرا ما تنقطع فيعطب «١» المتدلّى، وإذا تدلّى المشتار، وقد لبس صدار أدم وأخذ معه حافته: وهى وعاء من أدم كالخريطة «٢» واسعة الأسفل، يجعل فيها آلته، وصفنه.
والصّفن: شىء مثل السّفرة ربما جعل فيها العسل، وربما استفى به الماء، ومعه مسأبة: وهى سقاء العسل، وربما كانت قربة، ومعه أخراصه: وهى قضبان ينزع بها الشّهد، ومعه محجن «٣» يجتذب به ما تأبّى عليه من الشهد، كل ذلك مشاور، الواحد منها: «مشوار» ؛ لأنه يشتار به.
وهى أيضا: «المحابض» ، واحدها: «محبض» «٤» . فإذا استقر في مباءة النّحل حلّ عنه الحبال، وقدح بزنده، وآم «٥» على النحل، ثم اشتار، وأوعى فى مسابيه وقربته، وصفنه، ورقّاها بالحبال إلى أصحابه، أو هبط بها إن كان ارتقى على رجليه. وإن كان العسل كثيرا ملأ منه الأسقية الكثيرة.
وإذا كانت الخليّة هكذا فهى عاسلة والجبح «٦» عاسل- أى: كثير العسل.
ويقال للذى يشتار العسل أيضا: عاسل؛ وكل موضع عسل من وقبة أو خليّة فهو:
معسلة؛ وإذا كانت الشّهدة رقيقة خفيفة العسل فهى: هنّ، وإذا كانت نخاريبها
стр. 278
فارغة فهى مخربة؛ ويقال للثقب المهيّأة من الشّمع التى تمجّ العسل فيها:
النخاريب، واحدها: نخروب.
وفي لطف حسن النّحل أعجوبة قد تحيّر فيها قدماء العلماء، وذلك أنه إذا أزمع شتاء شات بالكون، أو مطر من غير أن يرى الناس لذلك أمارة، ترى النّحل قبل كون ذلك ساكنة في داخل الخليّة، فيعلم قوّامها- بطول التجارب- أن قد اقترب شتاء، وبرد، ومطر. وكانت العرب تعلم أن بردا قد اقترب وقوعه، أو جرادا قد دنا مجيئه بما يرون من حال النّحل، وذلك أنهم يرونها قبل أن يكون ذلك فاترة عن العمل، كأنها قد اعتراها كسل وانكسار، فعند ذلك يترقّبون أن سيكون برد أو جراد فيكون كذلك «١» .
والبرد، والجراد، مضران بالنحل، وأضرّهما الجراد؛ لأنه يلحس «٢» الأرض فتهلك النّحل.
وكفى عجبا بما تراه من أنك إذا فتحت وعاء العسل في بيت ضيّق وعلى بعد منك خلايا نحل، فما تشعر بأول من هجوم النّحل عليك، وفي البيت بيوت أخر بها أناس لم يشعروا بفتح ذلك الوعاء.
وكذلك الخليّة إذا حوّلت من أرض إلى أخرى لم تعرفها نحل تلك الخلية قط، فإذا نصبت في تلك الأرض الغربية، ثم فتحت وذهب النحل منها في تلك الأرض المجهولة من كلّ وجه، فإنها تئوب إلى خليتها بعينها، لا تخطئها، ولا تضل عنها، وربما حملت الخلايا في بعض البلدان- إذا أجدبت المراعى- إلى بلدان أخر شاسعة لطلب المرعى، ثم تطلق عنها فتسرح في تلك البلاد، وتعمل أعمالها من غير تدريب ولا تدريج كما كانت تعملها من قبل، ثم لا تغلط نحلة فتدخل في خلية غير خليتها والخلايا متلاصقة أو مجاورة، وفي كل هذا عبرة وأعجوبة.
стр. 279
[الدّبر: عسله وأنواعه]
ومن الدّبر: جنس أسود شديد السواد، عريض قصير كأنه في الخلقة صغار الجعلان، ولها حمات مؤذية، تعسل عسلا قليلا في نخاريب تبنيها من الطين أشباه البلوط، تلصقها بالصخر، وتعسل فيها عسلا صلبا جدا، ثم تختمها أيضا بالطّين، فتجدها الرعاة والحطّابون كذلك، فربما وجدوا منها العشرين والثلاثين في مكان واحد لاصقا بعضها ببعض، فيستخرجون العسل الذى فيها فيأكلونه وذلك نزر وقليل.
ومن الدّبر: جنس آخر أصفر صغير مخطط، أدغر «١» أملس، أدقّ من النحل وأخفّ، مؤذى اللّسع، وإذا لسع لم تنصل حمته، يزعمون أنه يعسّل عسلا قليلا.
والبلاد الباردة أوفق للنحل، والنجود «٢» أوفق لها من الأغوار.
وجرت العادة بأرض مصر أن فراخ النّحل تجمع من شهر أمشير، ويبتدأ بجناه «٣» فى برمودة.
وأجود مراعيه القرط «٤» ، والجلبّان «٥» ، وتسقى أمّهاته العسل عند اشتداد البرد، وحدوث الهواء الشديد؛ ومقدار ما تسقى المائة خلية عشرة أرطال، والذى يتحصل من المائة خليّة في كل سنة ما بين ستة قناطير عسل إلى خمسة قناطير وعشرون رطلا من الشمع، ويموت في السنة على الأكثر عشرون خليّة.
стр. 280
فصل: فى العسل «١» وأنواعه
العسل يؤنّث ويذكّر، ويصغّر: «عسيلة» ، ويجمع: عسولا، وأعسالا وعسلانا، وعسلا إذا أردت ضربا منه.
ويسمّى العسل: الأرى «٢» . وأصل الأرى: العمل. يقال: أرت النحلة تأرى، أريا: إذا عملت العسل، وبنت الشّهد. ويقال للعسل: لعاب النحل.
ويقال له: الشّوب، والسّلوى، والذّوب.
وقيل: لا يسمّى العسل ذوبا إلا إذا أزيل الشمع وجرى، فحينئذ هو ذوب، وكل جار ذائب.
ويقال للعسل: النّسيل، والنّسيلة، والذواب، والطّرم، ويسمّى: جنى النحل، وريق النحل، ومجاج النحل.
والعسل مختلف الألوان، والطعوم، والروائح، والمتانة، والرقة والصّفاء، والكدر، وكثرة الحلاوة وقلتها، وكل ذلك على قدر النبات الذى يجرسه النحل.
فعسل النّدغ «٣» والسّحاء «٤» أبيض ناصع البياض كأنه ربد الضأن في البيان.
وهما شجرتان بيضاوا الزهر. والندغ: صعتر البر.
والسحاء أيضا: صعتر البر. وقيل: السّحاء: شوك قصار كثير الزهر، كثير العسل، لا يرعاه إلا النحل فقط.
وأكثر منابته تهامة «٥» ، وقد روى الأصمعى «٦» أن............... ....
стр. 281
.............. .... سليمان «١» بن عبد الملك بن مروان حج فأتى الطائف، فوجد ريح النّدع، فكتب إلى والى الطائف: «انظر لى عسلا من عسل الندغ والسّحاء، أخضر في السّقاء، أبيض في الإناء، من حدب بنى شبابة» ، ويقال:
حداب بنى شبابة من فهم بن مالك بن الأزد، وليسوا من عدوان «٢» وحداب بنى شبابة أكثر أرض العرب عسلا وعنبا، وتينا وربّى «٣» . واليمن: كلّها أرض عسل.
ويقال: إن عسل النّدغ إذا كان في السّقاء، فنظرت إليه رأيته كأنه اللبن المذرّح «٤» ، فإذا أخرجت منه شيئا فجعلته في إناء أبيض، وكذلك جميع العسل إذا كان كثيرا في وعاء رأيته أخضر، فإذا أخرجت منه شيئا تبّين لونه إن كان أحمر، أو أصفر، أو غيره. والمذرّح: الذى كثر عليه الماء. فإذا كثر عليه الماء أخضرّ وأصفى عسل العرب: عسل الشّيعة «٥» ، وهى شجيرة لها نور ذكىّ.
وعسل الضّرم «٦» لونه كلون الماء، وهو أجود عسلهم. والضّرم أبيض اللون، ونباته شبيه بنبات النّدغ.
ومن عسل العرب المذخ، ونحله تجرس رمّان البرّ الذى يقال له: «المظّ» ، فإن جلّناره كثير العسل.
والعسل الصعترى، معروف وهو أشد العسل حروفة، وأرقّه.
وكذلك العسل اللّوزى معروف، وليس من عسل أرض العرب، وهو من أشد
стр. 282
العسل اعتدالا، وفيه رائحة نور اللّوز، وأكثر ما كان يؤتى به من بلاد الجزيرة.
وكل نبات كثر ببلاد فيها نحل، فإن الغالب على عسلها عسل ذلك الشجر، وإذا اختلف نباتها لم يغلب على عسلها نبت بعينه.
وقد يصير العسل مرا إذا جرست نحله النور المرّ كعسل الأفسنتين «١» ، وليس من نبات بلاد العرب، وفي عسله مرارة.
وعسل السّدر «٢» قليل الحلاوة، قليل المتانة.
ومن كلّ الشّجر تجرس النّحل، إلّا أن تكون شجرة خبيثة الرائحة زهمة، أو ذات سمّ، فإنها لا تقرب من ذلك شيئا. وأجود العسل عند العلماء به: ما طاب ريحه، وعذب طعمه، وصدقت حلاوته، ومتن حتى إذا مددته امتدّ، وخلته لون الذهب، فإذا قطر على الأرض استدار واجتمع إلى نفسه؛ فإذا وعى العسل فى الجرار علا أرقّه، وسفل أمتنه وأجوده.
وأمّا ما اسودّ من العسل فإنّه ردىء، ما لم يكن سواده من تقادم فإن العسل إذا تقادم مال إلى السّواد، ونقصت حلاوته.
وإذا كان العسل متينا صلبا فهو ضرب، وكذلك الشهد، يقال: «استضرب العسل إذا صلب واشتد» .
وقد يبلغ من شدة العسل في بعض البلاد أن يكسر الشّهد كسرا، والعسل المتقادم الشديد كله يستضرب.
ويقال للعسل المتين: «حميت» ، ويقال للعسل الشديد: «جلس» ويقال لما رقّ من العسل: «وديس» .
فصل: فى ماهية العسل
ذكر القدماء من الحكماء أن العسل طلّ خفىّ يقع على الزّهر، وعلى غيره فيلقطه النّحل، وذكر أنّ هذا الطّل بخار بتصاعده، فيستحيل في تصاعده،
стр. 283
وينضج في الجوّ فيستحيل أيضا، ويغلظ في اللّيل فيقع عسلا، إلا أنّه يختلف في وقوعه إلى الأرض، فمنه ما يقع عسلا كما هو في بعض الجبال.
ومنه ما يقع على الأشجار والحجارة.
وهذا القسم يختلف بحسب ما يقع عليّه، فما ظهر منه لقطه الناس وما خفى منه تلتقطه النحل. وتتصرف النحل فيما تلقطه منه تأثير، فإنه يلقطه ليغتذى به، وليدخره.
وذكر أرسطو أن غذاء النحل من الفضول الحلوة، والرّطوبات، يرشح بها الزّهر والورق، فتجمع ذلك كله، وتدخره، وهو العسل؛ وتجمع مع ذلك رطوبات دسمة تتخذ منها بيوت العسل، وهذه الدسومات هى الشمع، وهى تلقطها بخراطيمها، وتحملها على فخذيها، وتنقلها من فخذيها إلى صلبها.
وقال الكواشى «١» فى «تفسيره» : إن العسل ينزل من السماء فيثبت في أماكن، فتأتى النحل فتشربه، ثم تأتى الخلية فتلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية، لا كما يتوهّم بعض النّاس أنّ العسل من فضلات الغذاء، وأنه قد استحال فى المعدة عسلا.
ومن العسل جنس سمّى، من شمّه ذهب عقله، فكيف من أكله.
[فوائد العسل]
أجود العسل: الصادق الحلاوة، الطيب الرائحة، مع ميل إلى الحرافة «٢» والحمرة، والمتانة، وأن يكون لزجا لا يتقطع، وأن يجنى في الربيع. وأردؤه: ما قطف في الشتاء.
وطبع عسل النحل: حار يابس في الثانية، فيه قوة جالبة، مفتّحة لأفواه العروق، لجلبه الرّطوبات من قعر البدن.
وهو يمنع العفونة والفساد من اللّحم.
وإذا لطّخ به البدن منع القمل، والصئبان، وقتلها.
стр. 284
وإذا أضيف إليه القسط «١» ، ولطّخ على الكلف «٢» أزاله.
وإذا عمل في ملح ودهن على آثار الضّربة التى لونها كلون الباذنجان أزالها.
وهو ينقّى القروح الوسخة؛ وإذا طبخ حتى يغلظ فإنه يبرئ الجراحات الطرّية.
وإذا لطّخ مع الشّبت أبرأ القوابى «٣» .
وإذا خلط بالملح الذرآنى «٤» ، وقطّر في الأذن نقّاها، وجفّف قروحها، وقوى به السّمع.
الاكتحال به يجلو ظلمة البصر.
والتحنك «٥» والغرغرة به يبرئ الخوانيق «٦» واللّوزتين.
والعسل يقوّى المعدة، ويشهّى الطعام، ويليّن البطن إن وجد حركة وقلّة استعداد من الغذاء للنّفوذ، فإن تمكن من تنفيذ الغذاء عقل.
وإن شرب مسخّنا بدهن ورد نفع من نهش الهوام، ومن شرب الأفيون.
ولعقه يعالج به عضّة الكلب الكلب «٧» .
ويحفظ الميت إذا وضع فيه دائما. ويحفظ اللّحم ثلاثة أشهر والفاكهة ستة
стр. 285
أشهر، إذا وضعا فيه.
فصل في تكريم النحل من خلال تنويه الله تعالى بذكرها في القرآن
(فصل) وكفى للنّحل شرفا تنويه الله تعالى بذكرها في محكم كتابه العزيز، حيث قال:
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
«١» .
«أوحى» : معناه ألهم.
أى خلق في أنفس النّحل ابتداء من غير سبب ظاهر قوة بها تدرك منافعها، وتجتنب مضارّها، وتحسن تدبير معاشها، لم يدر مخلوق ما تلك القوة، وإن شارك النّحل فيها كثير من الحيوان، فإنّ لها عليهم مزيّة اختصاص بأنه تعالى عبّر عن إلهامها بالوحى تشريفا لها بخلاف غيرها، فإنّه تعالى قال: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
«٢» .
وقال ... رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
«٣» فدخلت النّحلة في هذا العموم، وامتازت بأن صارت مما أوحى الله إليها، وأثنى عليها، فعلمت مساقط الأنوار من وراء البيداء، فتقع هناك بروضة عبقة، وزهرة أنقة، ثم يصدر عنها ما تحفظه رضابا وتلفظه شرابا.
وقال الزجّاج «٤» : «سمّيت نحلا؛ لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذى يخرج منها، إذ النّحلة: العطية» «٥» .
وذكر في كتاب «عجائب المخلوقات» «٦» : «إنّ يوم عيد الفطر يقال له: يوم الرحمة؛ إذ فيه أوحى ربك إلى النحل صنعه» .
следующие страницы →